وأما قوله: حتى لا يجرؤ (١) بعض الغلاة على التضليل بها على الناس.
فجوابه: أن يقال: إن التضليل في الحقيقة ما فعله محمد فريد من إيراد الأحاديث الموضوعة في المهدي والإعراض عن إيراد الأحاديث الصحيحة والحسنة فيه، ومن التضليل أيضًا ما فعله ابن محمود من التهجم على الأحاديث الصحيحة والحسنة ووصفها بالصفات الذميمة؛ كقوله إنها أحاديث خرافة، وإنها نظرية خرافية، وإنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وإنها مختلقة، وإنها مصنوعة وموضوعة ومزورة على لسان رسول الله - ﷺ - وليست من كلامه، فلا يجوز النظر فيها فضلا عن تصديقها، فهذا هو التضليل في الحقيقة.
فصل
وقال ابن محمود في صفحة (٢٠) وصفحة (٢١) ما ملخصه: حوادث الحرم الشريف من المدعين للمهدي. ثم قال: "إن حادث الحرم الشريف الواقع من المارقين المنافقين في يوم الثلاثاء أول يوم من المحرم عام ١٤٠٠هـ ليس بأول حادث، فقد مضى للملحدين المهديين أمثالها، وقد أثبت التاريخ كتاريخ ابن مسعود وغيره عدوانًا مماثلا لهذا العدوان على البيت الحرام، وذلك في موسم الحج عام ٣١٧ هـ، أن جاء إلى مكة باسم الحج رجل يدعى أبو طاهر الجنابي ومعه تسعمائة رجل من أتباعه، وهو من القرامطة، فدخل هذا وأصحابه مكة في سابع ذي الحجة، وكان أميرها إذ ذاك محمد بن إسماعيل المقرون بابن مخلب، وقام أهل مكة والحجاج بمخادنة أبي طاهر في بادئ الأمر، ولكن القرامطة كانوا يُبيِّتون أمرًا آخر، وهو مهادنة الأمراء والرؤساء والاحتكاك بهم، حتى يتم لهم مقصودهم من المكر والكفر، فاحتكوا برجال الأمن وقتلوا واحدًا منهم، فبدأت الاشتباكات، فقاموا بإثارة فتنة عظيمة قتل فيها على ما يقول المؤرخ المسعودي: نحو ثلاثين ألفا من الحجاج وأهل مكة - إلى أن قال: واعترضت له قبيلة هذيل في المضايق، فأخذت منه بعض ما غنمه، لكنه استطاع أن يهرب بعدما فقد كثيرًا من غنائمه، وأقام كعبة جديدة للقرامطة بالقطيف بمكان يسمى الجعبة، ووضع فيه الحجر الأسود، ثم رد الحجر إلى مكانه من الكعبة بعد موت أبي طاهر. والشاهد من هذا الحديث أن أبا طاهر الذي فعل في الحرم
_________________
(١) قوله يجرؤ كذا هو في كتاب ابن محمود. وصوابه يجرأ.
[ ١٤٨ ]
الشريف ما فعل كان يدعي بأنه المهدي المنتظر نفس ما ادعى به جهيمان ومن معه".
والجواب: أن يقال: إن في كلام ابن محمود عدة أخطاء ينبغي التنبيه عليها، منها قوله: فقد مضى للملحدين المهديين أمثالها.
وأقول: إن إطلاق اسم المهديين على الملحدين لا يجوز؛ لأن هذا الاسم من خصائص الخلفاء الراشدين؛ مثل أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز، ومن سار على منهاج هؤلاء من أئمة العدل المتمسكين بالكتاب والسنة، ومنهم المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، فأما الملحدون فلا يجوز تسميتهم بالمهديين؛ لأن هذا الاسم لا ينطبق عليهم، وإنما ينبغي تسميتهم بالمُدَّعين للمهدية كذبًا وزورًا، ولا يخفى ما في كلام ابن محمود من الجمع بين الضدين، حيث جمع بين صفة المهدية وصفة الإلحاد، وهما ضدان فلا يجتمعان.
ومنها قوله: كتاريخ ابن مسعود. وصوابه المسعودي، وقد ذكره على الصواب بعد عدة أسطر.
ومنها قوله: إن القرمطي جاء إلى مكة باسم الحج.
وأقول: لم أر هذا مذكورًا في كتب العلماء الذين يعتد بنقلهم؛ مثل كتاب "المنتظم" لأبي الفرج ابن الجوزي، و"الكامل" لابن الأثير، و"البداية والنهاية" لابن كثير، و"تاريخ أخبار القرامطة" لثابت بن سنان وابن العديم، و"شذرات الذهب" لعبد الحي بن العماد. وإنما جاء القرمطي قبحه الله لقصد الإفساد في الأرض، والإلحاد في حرم الله، وقتل الحجاج وغيرهم من أهل مكة، ونهب أموالهم.
قال ابن كثير في "البداية والنهاية" في حوادث سنة سبع عشرة وثلاثمائة: "فيها خرج ركب العراق وأميرهم منصور الديلمي، فوصلوا إلى مكة سالمين، وتوافرت الركوب هناك من كل مكان وجانب وفج، فما شعروا إلا بالقرمطي قد خرج عليهم في جماعته يوم التروية، فانتهب أموالهم، واستباح قتالهم". وذكر ابن الجوزي في "المنتظم"، وابن الأثير في "الكامل"، وابن خلدون في تاريخه، وعبد الحي بن العماد في "شذرات الذهب" نحو ذلك.
ومنها قوله: ومعه تسعمائة رجل.
وأقول: هذا العدد قد ذكره عبد الحي بن العماد في "شذرات الذهب"، وذكر
[ ١٤٩ ]
المسعودي في كتابه "التنبيه والإشراف" أن القرمطي دخل مكة في ستمائة فارس وتسع مائة راجل.
ومنها قوله: فدخل هذا وأصحابه مكة في سابع ذي الحجة.
وأقول: هذا ما ذكره المسعودي في كتابه "التنبيه والإشراف"، وهو مخالف لما ذكره أكابر المؤخرين؛ فقد ذكر ابن الجوزي في "المنتظم"، وابن الأثير في "الكامل"، وابن كثير في "البداية والنهاية"، وثابت بن سنان وابن العديم في "تاريخ أخبار القرامطة"، وابن خلدون في تاريخه، وعبد الحي بن العماد في "شذرات الذهب" أنهم دخلوا مكة يوم التروية؛ وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، وذكر ذلك أيضا صاحب كتاب "النجوم الزاهرة"، وذكر عريب بن سعد القرطبي في "صلة تاريخ الطبري" أن القرمطي دخل مكة وأوقع بأهلها عند اجتماع الموسم وإهلال الناس بالحج، وهذا موافق لما ذكره ابن الجوزي وغيره ممن ذكرنا، وهو أن دخول القرمطي مكة إنما كان في اليوم الثامن؛ لأنه اليوم الذي يهل فيه الناس بالحج.
ومنها قوله: وكان أميرها إذ ذاك محمد بن إسماعيل المقرون بابن مخلب.
وأقول: أما قوله: "المقرون" فهو خطأ، وصوابه "المعروف". وقد ذكر ابن الأثير في "الكامل" أن أمير مكة ابن مخلب، وفي "النجوم الزاهرة" و"شذرات الذهب" أن اسم أمير مكة ابن محارب، وفي هامش "الكامل" نقلا عن كتاب "العيون" أن أمير مكة يومئذ محمد بن إسماعيل المعروف بابن مجلب، وفي كتاب "التنبيه والإشراف" للمسعودي أن أمير مكة يومئذ محمد بن إسماعيل المعروف بابن مخلب.
ومنها قوله: وقام أهل مكة والحجاج بمخادنة أبي طاهر في بادئ الأمر، ولكن القرامطة كانوا يبيتون أمرًا آخر، وهو مهادنة الأمراء والرؤساء والاحتكاك بهم، حتى يتم لهم مقصودهم من المكر والكفر، فاحتكوا برجال الأمن، وقتلوا واحدًا منهم، فبدأت الاشتباكات.
وأقول: كل ما ذكره في هذه الجملة لا صحة له، ولم أر أحدًا من العلماء ذكر من ذلك شيئًا، والظاهر أن ذلك من توهمات ابن محمود وتخيلاته، وقد ذكر المسعودي في كتابه "التنبيه والإشراف": "أن من كان بمكة من الأولياء وغيرهم من عوام الناس من الحجاج وغيرهم صافُّوه- أي تصافوا هم والقرمطي للقتال- ثم انكشفوا من بين يديه عند قتل نطيف غلام ابن حاج، وكان من شِحنة مكة وممن
[ ١٥٠ ]
يعول عليه، وأخذ الناس السيف وعاذوا بالمسجد والبيت، فاستحر القتل فيهم وعمَّهم". انتهى، ولعل ابن محمود وهم أن قول المسعودي أن من كان بمكة من الأولياء وغيرهم من عوام الناس من الحجاج وغيرهم صافَوه، أن ذلك بتخفيف الفاء وفتحها من المصفاة أي إظهار المودة للقرمطي من باب المخادعة، ولهذا أبدل ابن محمود لفظة "صافوه" بالمخادنة. وإنما معنى قوله "صافُّوه" بتشديد الفاء وضمها من المُصافَّة للقتال وهذا ظاهر من قول المسعودي: ثم انكشفوا من بين يديه، وأخذ الناس السيف إلى آخر كلامه.
وأما قوله: فاحتكوا برجال الأمن.
فجوابه: أن يقال: إن تسمية الذين يضبطون البلاد- كالشرط ونحوهم من أولياء السلطان- برجال الأمن لم يكن معروفًا فيما مضى، وإنما هو مستحدث في القرن الرابع عشر من الهجرة، وكان الناس فيما مضى يسمون الذين يضبطون البلاد شِحنة، قال الأزهري: "شِحنة الكورة؛ من فيهم الكفاية لضبطها من أولياء السلطان"، نقله عنه ابن منظور في لسان العرب. وقال في القاموس: "الشِحنة في البلد؛ من فيه الكفاية لضبطها من جهة السلطان".
ومنها قوله: نقلا عن المسعودي: أن القرمطي قتل من الحجاج وأهل مكة نحو ثلاثين ألفًا.
وأقول: إن المسعودي لم يجزم بهذا القول، بل ذكره وتعقبه، وهذا نص كلامه في كتابه "التنبيه والإشراف" قال: "وقد تُنُوزع في عدة من قُتل من الناس من أهل البلد وغيرهم من سائر الأمصار فمكثر ومقل، فمنهم من يقول ثلاثين ألفا، ومنهم من يقول دون ذلك وأكثر، وكل ذلك ظن وحسبان، إذ كان لا يضبط". انتهى، وقد ذكر ابن العماد في "شذرات الذهب": "إن القرمطي كان معه تسعمائة نفس، فقتلوا في المسجد ألفًا وسبعمائة نسمة، وقيل إن الذي قتل بفجاج مكة وظاهرها ثلاثين ألفًا، وسبى من النساء والصبيان نحو ذلك، وأقام بمكة ستة أيام ولم يحج أحد". انتهى.
ومنها قوله: واعترضت له قبيلة هذيل في المضائق والجبال، فأخذت منه بعض ما غنمه، لكنه استطاع أن يهرب بعدما فقد كثيرًا من غنائمه.
وأقول: لم أر أحدًا من العلماء الموثوق بهم في النقل ذكر هذا، وإنما ذكره المسعودي في كتابه "التنبيه والإشراف" وهو محتمل، ولكن ذكر ابن الأثير في
[ ١٥١ ]
"الكامل"، وثابت بن سنان وابن العديم في "أخبار القرامطة"، وابن كثير في "البداية والنهاية"، وابن خلدون في تاريخه ما فيه رد لهذا القول، قال ابن الأثير في حوادث سنة سبع عشرة وثلاثمائة: "حج بالناس في هذه السنة منصور الديلمي، وسار بهم من بغداد إلى مكة، فسلموا في الطريق، فوافاهم أبو طاهر القرمطي بمكة يوم التروية، فنهب هو وأصحابه أموال الحجاج وقتلوهم حتى في المسجد الحرام وفي البيت نفسه، وقلع الحجر الأسود ونفذه إلى هجر، فخرج إليه ابن محلب أمير مكة في جماعة من الاشراف فسألوه في أموالهم فلم يشفعهم، فقاتلوه فقتلهم أجمعين، وقلع باب البيت، وأصعد رجلا ليقلع الميزاب فسقط فمات، وطرح القتلى في بئر زمزم، ودفن الباقين في المسجد الحرام حيث قتلوا، بغير كفن ولا غسل ولا صلي على أحد منهم، وأخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه، ونهب دور أهل مكة، فلما بلغ ذلك المهدي أبا محمد عبيد الله العلوي بإفريقية، كتب إليه ينكر عليه ذلك ويلومه ويلعنه، ويقيم عليه القيامة، ويقول: قد حققت على شيعتنا ودعاة دولتنا اسم الكفر والإلحاد بما فعلت، وإن لم ترد على أهل مكة وعلى الحجاج وغيرهم ما أخذت منهم، وترد الحجر إلى مكانه، وترد كسوة الكعبة، فأنا بريء منك في الدنيا والآخرة، فلما وصله هذا الكتاب أعاد الحجر الأسود واستعاد ما أمكنه من الأموال من أهل مكة (١) فرده، وقال إن الناس اقتسموا كسوة الكعبة وأموال الحجاج، ولا أقدر على منعهم" انتهى.
وفي تاريخ "أخبار القرامطة" لثابت بن سنان وابن العديم نحو ما ذكره ابن الأثير في الكامل، وفيه: "إن المهدي عبيد الله كتب إلى القرمطي ينكر عليه فعله، وقال له: سجلت علينا في التاريخ نقطة سوداء لا تمحوها الليالي والأيام، ويلومه ويلعنه، ويقول له: قد حققت على دولتنا وشيعتنا ودعاتنا اسم الكفر والزندقة والإلحاد بفعالك الشنيعة هذه، وإن لم ترُدَّ على أهل مكة والحجاج ما نهبته منهم، وترد الحجر إلى موضعه، وترد كسوة الكعبة كما كانت، وإلا أتيت إليك بجنود لا قبل لك بها، وأنا بريء منك كما برئتُ من الشيطان الرجيم في الدنيا والآخرة، وأعوذ بالله من فعالك السوء، وإن لم تفعل ما آمرك به لا يكن بيني وبينك إلا السيف والبراءة منك يا عدو الله والناس أجمعين، فرد الحجر إلى مكانه، واستعاد ما أمكنه من الأموال إلى أهل مكة، وقال يعتذر للإمام العلوي: إن الناس اقتسموا كسوة الكعبة وأموال الحجاج، ولا أقدر على ردها منهم". انتهى.
_________________
(١) قوله من الأموال من أهل مكة .. كذا هو في "الكامل" ولعله من أموال أهل مكة.
[ ١٥٢ ]
وقد ذكر ابن خلدون في تاريخه قصة القرامطة مختصرة مما ذكره ابن الأثير وثابت بن سنان وابن العديم.
وقال ابن كثير في "البداية والنهاية": "ولما رجع القرمطي إلى بلاده ومعه الحجر الأسود، تبعه أمير مكة هو وأهل بيته وجنده، وسأله وتشفع إليه أن يرد الحجر الأسود ليوضع في مكانه، وبذل له جميع ما عنده من الأموال فلم يلتفت إليه، فقاتله أمير مكة فقتله القرمطي وقتل أكثر أهل بيته وأهل مكة وجنده، واستمر ذاهبًا إلى بلاده ومعه الحجر وأموال الحجيج" انتهى.
وفيما ذكره ابن كثير من ذهاب القرمطي إلى بلاده بأموال الحجيج، وما ذكره ابن الأثير وثابت بن سنان وابن العديم أن المهدي عبيد الله كتب إلى القرمطي يأمره برد الأموال على أهل مكة وعلى الحجاج، وأن القرمطي استعاد ما أمكنه من الأموال إلى أهل مكة، واعتذر عن أموال الحجاج بأن الناس اقتسموها، وأنه لا يقدر على ردها منهم، ففي هذا رد على من زعم أن قبيلة هذيل اعترضت القرمطي في المضايق والجبال فأخذت بعض ما غنمه، وأنه استطاع أن يهرب بعد ما فقد كثيرًا من غنائمه، والظاهر أن هذا لم يقع، ولو وقع لذكره العلماء الذين تقدم ذكرهم.
ومن تأمل ما ذكره المسعودي في كتابه "التنبيه والإشراف" عن القرامطة، رأى فيه من الخلل ما يدل على قلة الاعتناء بتحرير ما فيه من النقول، فمِن ذلك أنه ذكر أن القرمطي دخل مكة يوم الاثنين لسبع خَلَونَ من ذي الحجة، ثم رحل عنها يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، وكان مقامهم بمكة ثمانية أيام، ولا يخفى ما في هذا الكلام من التخليط، فإنه إذا كان اليوم السابع يوم الاثنين، فإن يوم السبت يكون اليوم الثاني عشر، ويكون مقامهم بمكة ستة أيام.
ومن ذلك قوله: وكانت ثقلته على نحو مائة ألف بعير، عليها أصناف المال والأمتعة. ولا يخفى ما في هذا الكلام من المجازفة، وقد ذكر في أول كلامه أن القرمطي دخل مكة في ستمائة فارس وتسعمائة راجل، وذكر ابن العماد في "شذرات الذهب" أنه كان مع القرمطي تسعمائة نفس، وإذا كانوا بهذا العدد القليل فإنه يبعد كل البعد أن يكون ثقلهم على نحو مائة ألف بعير، ولو كان هذا القول صحيحًا لذكره أكابر المؤرخين؛ كابن الجوزي، وابن الأثير، وابن كثير، وغيرهم ممن يعتني بنقل الوقائع، والمقصود هنا التنبيه على أنه ينبغي التأمل والنظر في نقول المسعودي؛ لأن الخلل ظاهر فيها.
[ ١٥٣ ]