يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآَخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾.
وإذا كان ابن محمود يخبط خبط عشواء فيما هو مذكور في كتاب الله-تعالى- فلا يستغرب منه أن يتهجم على أحاديث المهدي ويقابلها بالسخرية والاستهزاء، وهذا التخبيط الشنيع مما حصل لابن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون.
وأما قوله: وقد شج رأسه - ﷺ - وكسرت رباعيته، ودلُّوه في حفرة ظنوه ميتًا، وذلك في وقعة أحد.
فجوابه: أن أقول: إني لم أر أحدًا ذكر أنهم دلوا النبي - ﷺ - في حفرة ظنوه ميتًا، وإنما ذكر ابن هشام وغيره أن رسول الله - ﷺ - وقع في حفرة من الحفر التي عملها أبو عامر الفاسق ليقع فيها المسلمون، فأخذ علي بن أبي طالب -﵁- بيده، ورفعه طلحة بن عبيد الله -﵁- حتى استوى قائمًا، وروى ابن جرير عن قتادة قال: "أصيب النبي - ﷺ - يوم أحد، وكسرت رباعيته، وفُرِق حاجبه، فوقع وعليه درعان، والدم يسيل، فمر به سالم مولى أبي حذيفة، فأجلسه ومسح عن وجهه فأفاق وهو يقول: «كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله»؟! فأنزل الله -﵎-: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ " فهذا ما ذكره أهل العلم لا ما أتى به ابن محمود من عند نفسه.
وقال ابن محمود في صفحة (٣٢) وصفحة (٣٣): "ثامنًا: إن جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها علماؤهم وعامتهم متفقون على قتال من يدعي أنه المهدي، كما مضى منهم ذلك في كل زمان ومكان مع كثرة من يدعي أنه المهدي؛ لاعتقادهم أنها دعوى باطلة لا صحة لها، ولا يزالون يقاتلون من يدَّعي أنه المهدي حتى تقوم الساعة، فأين المهدي والحالة هذه؟ وصار المهدي كالموجود في الأذهان دون الأعيان".
والجواب: أن يقال: قد ذكر ابن محمود نحو هذا في صفحة (٣) من كتابه، وتقدم الجواب عنه في أول الكتاب فليراجع هناك (١).
وقال ابن محمود في صفحة (٣٣) وصفحة (٣٤): "عاشرًا: إن الدين كامل بوجود رسول الله ونزول كتاب الله، ولم يخلف رسول الله شيئًا منه لا في السماء ولا
_________________
(١) ص ٢٥.
[ ١٩٧ ]
في الأرض. يقول الله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، والنبي - ﷺ - يقول: «لقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به؛ كتاب الله وسنتي». لهذا صرنا في غنى وسعة عن دين وعدل يأتي به المهدي، فلا مهدي بعد رسول الله كما لا نبي بعده".
والجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: أما قول ابن محمود: إن الدين كامل بوجود رسول الله. فمفهومه أن الدين قد نقص بعد موت رسول الله - ﷺ - ولم يبق على كماله، وهذا لا يقوله عاقل.
وأما قوله: إن رسول الله - ﷺ - لم يخلف شيئًا منه لا في السماء ولا في الأرض. فمعناه أن الدين قد ذهب بالكلية بعد موت رسول الله - ﷺ -، حيث لم يخلف رسول الله - ﷺ - منه شيئًا، وهذا في الحقيقة من الهذيان الذي حصل لا بن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون.
الوجه الثاني: أن يقال: إن رسول الله - ﷺ - لم يبعث إلى أهل السماء، فلا يصح أن يقال إنه خلف فيها شيئًا من الدين أو لم يخلف، وأما الأرض فقد خلف فيها الدين كاملا لم ينقص بموته، والدين هو ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -، وقد خلف رسول الله - ﷺ - الكتاب والسنة يقرؤهما المسلمون ويعمل الموفقون منهم بما فيهما، وهذا معلوم بالضرورة. وقد روى الإمام أحمد ومسلم، عن زيد بن أرقم -﵁- أن رسول الله - ﷺ - قال في خطبته بين مكة والمدينة: «أما بعد، ألا أيها الناس، إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين؛ أولهما كتاب الله -﷿- فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه» الحديث، وروى مالك في الموطأ بلاغًا أن النبي - ﷺ - قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما؛ كتاب الله، وسنة رسوله» وقد رواه الحاكم في مستدركه موصلا من حديث ابن عباس -﵄-، وصححه وأقرَّه الذهبي، وروى الحاكم أيضًا عن أبي هريرة -﵁- عن النبي - ﷺ - نحوه. وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على قول ابن محمود: إن رسول الله - ﷺ - لم يخلف شيئًا من الدين في الأرض.
ويلزم على قول ابن محمود: إن رسول الله - ﷺ - لم يخلف شيئًا من الدين في الأرض أن يكون القرآن قد رفع من الأرض بعد موت النبي - ﷺ -، وأن تكون السنة قد
[ ١٩٨ ]
ذهبت بالكلية.
وما لزم عليه هذا القول فبطلانه وفساده لا يخفي على عاقل، بل لا يشك عاقل أنه من الهذيان الذي قيل من غير تدبر ولا تعقل، وأما بقية كلام ابن محمود الذي هو غاية في التخليط والتلبيس فقد تقدم الجواب عنه في عدة مواضع، فلتراجع (١).
وأما قوله: والنبي - ﷺ - يقول: «لقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده أن اعتصمتم به كتاب الله وسنتي».
فجوابه: أن يقال: من الاعتصام بكتاب الله -تعالى- وسنة نبيه - ﷺ - تصديق ما أخبر به رسول الله - ﷺ - من أنباء الغيب، ومن ذلك إخباره - ﷺ - عن المهدي، فمن لم يصدق بذلك فاعتصامه بالكتاب والسنة مخدوش ومدخول؛ لأن الله -تعالى- قال: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-: «اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق». رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والدارمي، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه، وروي الطبراني في الأوسط عن جابر -﵁- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من بلغه عني حديث فكذب به فقد كذب ثلاثة؛ الله، ورسوله، والذي حدث به». وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في أول الكتاب، فليراجع (٢).
ومن لم يُسلِّم لأقوال النبي - ﷺ - في المهدي، وقابل أخباره الصادقة عنه بالرد والإطراح، فهو داخل في حكم حديث جابر -﵁-، ويخشى عليه أن يسلب الاعتصام بالكلية، عياذًا بالله من ذلك.
وأما قوله: لهذا صرنا في غنى وسعة عن دين وعدل يأتي به المهدي.
فجوابه: أن يقال: أما الإتيان بدين جديد - وهو الذي قصده ابن محمود وكرر
_________________
(١) ص ٩ - ١٢و ٥١ - ٥٢و ٩٥ - ٩٦و ١١١ - ١١٤و ١٢٥ - ١٢٧و ١٦٩ - ١٧٠و ١٧٩ - ١٨٠.
(٢) ص ٢٠.
[ ١٩٩ ]