فجوابه: أن يقال: هذا الكلام من أبطل الباطل؛ لما فيه من الجمع بين إيمان أهل السنة بخروج المهدي المبشر به في الأحاديث الثابتة عن النبي - ﷺ -، وبين إيمان الرافضة بالمنتظر الذي يزعمون وجوده في سرداب سامراء، وينتظرون خروجه إليهم كل يوم وليس له وجود بالكلية. فأين الإيمان بهذا المعدوم من الإيمان بالذي بشَّر به رسول الله - ﷺ - ونوَّه بذكره؟
وأما قوله: فبيت الشعر للسفاريني على الحالتين غير صواب ولا صحيح.
فجوابه: أن يقال: بل هو صواب وصحيح، سوى قوله: "الخاتم"؛ ففيه نظر إذ لا دليل عليه.
وأما قوله: والسفاريني هو أقوى من ثبت دعائم عقيدة المهدي في قلوب المسلمين.
فجوابه: أن يقال: بل الله هو الذي ثبت الإيمان في قلوب المؤمنين بكل ما أخبر به الصادق المصدوق من أنباء الغيب، ومن ذلك الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان، لثبوت ذلك عن النبي - ﷺ -، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
وقال ابن محمود في صفحة (٣١): "ثالثًا: إن المهدي لم يذكر في القرآن، ولا في صحيح البخاري ومسلم، فقد نزها كتبهما عن ذكره وعن الحديث عنه مع رواج الخبر عنه في زمانهما، فلا نرى ذلك إلا لضعف أحاديثه عندهما".
والجواب: أن يقال: هذا الكلام مأخوذ من كلام رشيد رضا وأحمد أمين والمستشرق دونلدسن، وقد تقدم إيراده والرد عليه مع الكلام على قول ابن محمود في صفحة (٦): ومنها أن هذه الأحاديث لم يأخذها البخاري ومسلم، كما أنه ليس له ذكر في القرآن. فليراجع ذلك في أول الكتاب (١).
وقال ابن محمود في صفحة (٣١): "وأحاديث المهدي هي بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، قد أحصاها الشوكاني فيما يزيد على خمسين حديثًا، وكلها متخالفة ومضطربة، ينقض بعضها بعضًا، منها ما يشير إلى أن المهدي هو علي بن أبي طالب، ومنها ما يشير إلى أنه الحسن أو بنيه من بعده، ومنها ما يشير إلى أنه محمد بن الحنفية، وأنه حي في جبل رضوى بين مكة والمدينة وعنده عينا عسل وماء،
_________________
(١) ص ٥٩ - ٦٩.
[ ١٨٧ ]
ومنها ما يشير إلى أنه رجل اسمه الحارث، ويؤمر بالسعي إليه لبيعته ولو حبوا على الركب أو على الثلج، إلى غير ذلك من الأحاديث التي يعلم كل عاقل أن رسول الله منزه عنها".
والجواب: أن يقال: من أقبح المجازفات وصف أحاديث المهدي التي فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر بأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، أما يخشى ابن محمود أن تصيبه هذه الآية الكريمة ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وكذلك قوله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾؟ أما يخشى أن يحشر في زمرة المكذبين للرسول - ﷺ - والساخرين من أقواله وأخباره الصادقة؟
وأما قوله: وكلها متخالفة ومضطربة، ينقض بعضها بعضًا.
فجوابه: أن يقال: قد تقدم نحو هذا فيما نقلته من صفحة (٦) من كتاب ابن محمود، وتقدم الرد عليه في أول الكتاب. فليراجع هناك (١).
وأما قوله: منها ما يشير إلى أن المهدي هو علي بن أبي طالب، ومنها ما يشير إلى أنه الحسن.
فجوابه: أن يقال: ليس في أحاديث المهدي ما يشير إلى ذلك البتة، وإنما هذا من مغالطات ابن محمود وتلبيسه على الجهال.
وأما قوله: أو بنيه من بعده.
فجوابه: أن يقال: هذا لحن، وصوابه أن يقال: أو بنوه من بعده، أو يقال أو أحد بنيه من بعده، وليس في أحاديث المهدي ما يشير إلى أنه من بني الحسن الأدنين منه، وقد روى أبو داود بإسناد فيه انقطاع عن علي -﵁- أن المهدي من ذرية الحسن بن علي -﵄- والله أعلم.
وأما قوله: ومنها ما يشير إلى أنه محمد بن الحنفية، وأنه حي في جبل رضوى بين مكة والمدينة، وعنده عينا عسل وماء.
فجوابه: أن يقال: ليس في أحاديث المهدي ما يشير إلى ذلك البتة، وإنما هذا من مغالطات ابن محمود وتلبيسه على الجهال، وما زعمه ههنا فهو مذكور عن المختار
_________________
(١) ص ٧٠ - ٧١.
[ ١٨٨ ]