البخاري ومسلم لم يخرجا كل الصحيح ولم يلتزما بذلك
وقال ابن محمود في صفحة (٦): "ومنها أن هذه الأحاديث لم يأخذها البخاري ومسلم ولم يدخلاها في كتبهما مع رواجها في زمنهما، وما ذاك إلا لعدم ثباتها عندهما، كما أنه ليس له ذكر في القرآن مما يقلل عدم الاحتفال بها".
والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن أول هذا الكلام مأخوذ من كلام رشيد رضا وأحمد أمين وآخره مأخوذ من كلام المستشرق دونلدسن، فأما رشيد رضا فقد قال في صفحة (٤٩٩) من الجزء التاسع من تفسيره المسمى تفسير المنار: "إن الشيخين لم يعتدا في صحيحيهما بشيء من أحاديث المهدي". وأما أحمد أمين فقال في صفحة (٢٣٧) من الجزء الثالث من كتابه "ضحى الإسلام": "ولم يرو البخاري ومسلم شيئًا من أحاديث المهدي، مما يدل على عدم صحتها عندهما". انتهى. وأما دونلدسن فإنه قد تعرض لذكر المهدي وما جاء في ظهوره في آخر الزمان، ثم قال: "ولما كان القرآن نفسه لم يرد فيه ما يؤيد هذه الفكرة كان من الضروري الالتجاء إلى الحديث لإثباتها، ومع هذا فبالنظر إلى عدم ذكر القرآن شيئًا عن المهدي وأن الأحاديث الواردة بشأنه كلها ضعيفة أو مشكوك فيها، فإن عقيدة المهدي لا تدخل في اعتقادات أهل السنة والجماعة". انتهى. وقد نقله عنه سعد محمد حسن في صفحة (٧٠) من كتابه "المهدية في الإسلام".
وإذا علم هذا، فقد تقدم قريبًا (١) قول ابن محمود أن أكثر الناس مقلدة يقلد بعضهم بعضا وقليل منهم المحققون، فقد أثبت ههنا على نفسه أنه من المقلدة بل أنه قد قلد أناسًا ليسوا بأهل أن يقلدوا ويؤخذ عنهم.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الشيخين لم يستوعبا إخراج الأحاديث الصحيحة في صحيحيهما ولا التزما بذلك، وقد قال الحافظ ابن حجر في أول مقدمة فتح الباري: روى الإسماعيلي عنه -أي عن البخاري- أنه قال: "لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحا، وما تركت من الصحيح أكثر"، وقال أبو أحمد ابن عدي: سمعت الحسن بن الحسين البزار يقول: سمعت إبراهيم بن معقل النسفي يقول: سمعت البخاري يقول: "ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحيح حتى لا يطول"، وقال مسلم في صحيحه في آخر "باب التشهد في الصلاة": "ليس كل
شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه"، وقال أبو عمرو
_________________
(١) ص (٤٦).
[ ٥٩ ]
الصحيحان أصح الكتب بعد القرآن
البخاري يحفظ مائة ألف حديث صحيح
عدد ما في صحيح البخاري من الأحاديث وعدد ما في صحيح مسلم
ابن الصلاح في كتابه "علوم الحديث": "أول من صنف الصحيح البخاري، وتلاه مسلم بن الحجاج وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز، إلى أن قال: أنهما لم يستوعبا الصحيح في صحيحيهما، ولا التزما ذلك؛ فقد روينا عن البخاري أنه قال: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول، وروينا عن مسلم أنه قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه، ثم ذكر ابن الصلاح أن المستدرك على الصحيحين للحاكم يشتمل مما فاتهما -أي الشيخين- على شيء كثير، قال: وإن يكن عليه في بعضه مقال، فإنه يصفو له منه صحيح كثير، قال: وقد قال البخاري: احفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح، قال ابن الصلاح: وجملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة، وقد قيل إنها بإسقاط المكررة أربعة آلاف حديث"، وفي حاشية "علوم الحديث" نقلًا عن ابن الصلاح أنه قال: "وهكذا صحيح مسلم هو نحو أربعة آلاف بإسقاط المكرر، فقد روينا عن أبي قريش الحافظ قال: كنت عند أبي زرعة الرازي، فجاء مسلم ابن الحجاج فسلم عليه، فلما أن قام قلت له: هذا جمع أربعة آلاف حديث في الصحيح، فقال: ولمن ترك الباقي".
قال ابن الصلاح: "ثم إن الزيادة في الصحيح على ما في الكتابين يتلقاها طالبها مما اشتمل عليه أحد المصنفات المعتمدة المشتهرة لأئمة الحديث؛ كأبي داود السجستاني، وأبي عيسى الترمذي، وأبي عبد الرحمن النسائي، وأبي بكر ابن خزيمة، وأبي الحسن الدارقطني، وغيرهم منصوصًا على صحته فيها، ولا يكفي في ذلك مجرد كونه موجودًا في كتاب أبي داود وكتاب الترمذي وكتاب النسائي، وسائر من جمع في كتابه بين الصحيح وغيره، ويكفي مجرد كونه موجودًا في كتب من اشترط منهم الصحيح فيما جمعه؛ ككتاب ابن خزيمة، وكذلك ما يوجد في الكتب المخرجة على كتاب البخاري وكتاب مسلم؛ ككتاب أبي عوانة الاسفرائيني، وكتاب أبي بكر الإسماعيلي، وكتاب أبي بكر البرقاني، وغيرها من تتمة لمحذوف أو زيادة شرح في كثير من أحاديث الصحيحين. وكثير من هذا موجود في "الجمع بين الصحيحين" لأبي عبد الله الحميدي. واعتنى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بالزيادة في عدد الحديث الصحيح على ما في الصحيحين، وجمع ذلك في كتاب سماه "المستدرك" أودعه ما ليس في واحد من الصحيحين، مما رآه على
شرط الشيخين قد أخرجا عن رواته في كتابيهما، أو على شرط البخاري وحده، أو على
[ ٦٠ ]
شرط مسلم وحده، وما أدى اجتهاده إلى تصحيحه، وإن لم يكن على شرط واحد منهما وهو واسع الخطو في شرط الصحيح متساهل في القضاء به، فالأولى أن نتوسط في أمره فنقول ما حكم بصحته ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة، إن لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن يحتج به ويعمل به، إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه، ويقاربه في حكمه صحيح أبي حاتم ابن حبان البستي -﵏ أجمعين-" انتهى كلام ابن الصلاح.
وقال ابن كثير في كتابه "الباعث الحثيث": "ثم إن البخاري ومسلمًا لم يلتزما بإخراج جميع ما يحكم بصحته من الأحاديث، فإنهما قد صححا أحاديث ليست في كتابيهما، كما ينقل الترمذي وغيره عن البخاري تصحيح أحاديث ليست عنده بل في السنن وغيرها، قال: وقد خرجت كتب كثيرة على الصحيحين يؤخذ منها زيادات مفيدة وأسانيد جيدة؛ كصحيح أبي عوانة،وأبي بكر الإسماعيلي، والبرقاني، وأبي نعيم الأصبهاني وغيرهم، وكتب أخر التزم أصحابها صحتها؛ كابن خزيمة، وابن حبان البستي، وكذلك يوجد في مسند الإمام أحمد من الأسانيد والمتون شيء كثير، مما يوازي كثيرًا من أحاديث مسلم بل والبخاري أيضًا وليست عندهما ولا عند أحدهما، بل ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الأربعة؛ وهم أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وكذلك يوجد في معجمي الطبراني الكبير والأوسط، ومسندي أبي يعلي والبزار وغير ذلك من المسانيد والمعاجم والفوائد والأجزاء، ما يتمكن المتبحر في هذا الشأن من الحكم بصحة كثير منه بعد النظر في حال رجاله وسلامته من التعليل المفسد، ويجوز له الإقدام على ذلك، وإن لم ينص على صحته حافظ قبله، موافقة للشيخ أبي زكريا يحيى النواوي، وخلافًا للشيخ أبي عمرو، وقد جمع الشيخ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي في ذلك كتابًا سماه "المختارة" ولم يتم، كان بعض الحفاظ من مشايخنا يرجحه على مستدرك الحاكم" انتهى كلام ابن كثير باختصار.
وإذا علم هذا فنقول: إن إعراض البخاري ومسلم عن إخراج أحاديث المهدي في صحيحيهما، لا يدل على عدم ثباتها عندهما كما زعم ذلك ابن محمود، فكم من حديث صحيح عندهما ولم يخرجاه كما صرحا بذلك في الروايات التي تقدم ذكرها، وخصوصًا ما ذكره ابن الصلاح عن البخاري؛ أنه كان يحفظ مائة ألف حديث صحيح.
[ ٦١ ]
كثرة الأحاديث الصحيحة في غير الصحيحين
ذكر ما قيل في الموطأ وسنن أبي داود وجامع الترمذي
الوجه الثالث: أن يقال: ما صححه بعض أهل العلم بالحديث مما رواه غير الشيخين فهو كثير جدًا، وقد يكون أكثر مما في الصحيحين، وهو متلقى بالقبول عند أهل العلم. ومن أجمع الكتب للأحاديث الصحيحة بعد الصحيحين موطأ الإمام مالك، وفي مسند الإمام أحمد من الأحاديث الصحيحة شيء كثير جدًا، وكذلك في السنن الأربع، وقد ذكر الذهبي في "تذكرة الحفاظ" عن الشافعي أنه قال: "ما في الأرض كتاب في العلم أكثر صوابًا من موطأ مالك"، قال ابن كثير في كتابه "الباعث الحثيث": "قول الإمام الشافعي لا أعلم كتابًا في العلم أكثر صوابًا من كتاب مالك، إنما قاله قبل البخاري ومسلم"، وقال السيوطي في شرح الموطأ: "الصواب إطلاق أن الموطأ صحيح لا يستثنى منه شيء"، قال الشيخ أحمد محمد شاكر: "وهذا غير صواب، والحق أن ما في الموطأ من الأحاديث الموصولة المرفوعة إلى رسول الله صحاح كلها، بل هي في الصحة كأحاديث الصحيحين، وأن ما فيه من المراسيل والبلاغات وغيرها يعتبر فيها ما يعتبر في أمثالها، مما تحويه الكتب الأخرى". انتهى.
وقال أبو بكر بن داسه: "سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله - ﷺ - خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمَّنته هذا الكتاب، وجمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهن شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض". انتهى.
وذكر الذهبي في "تذكرة الحفاظ" عن أبي علي منصور بن عبد الله الخالدي قال: "قال أبو عيسى -يعني الترمذي-: صنفت هذا الكتاب- يعني الجامع- فعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم". انتهى.
وقد كان الحاكم أبو عبد الله، والخطيب البغدادي يسميان كتاب الترمذي "الجامع الصحيح"، وكان أبو علي ابن السكن والخطيب البغدادي يقولان في سنن النسائي إنه صحيح، وفي هذا القول والذي قبله تساهل؛ لأن جامع الترمذي وسنن النسائي ليس كل أحاديثهما صحيحة، بل فيهما الصحيح والحسن والضعيف والمنكر، ففي إطلاق اسم الصحيح عليهما نظر، وقد يقال إن هذا الإطلاق من باب التغليب؛ لأن أكثر أحاديثهما صحاح وحسان، فيصح إطلاق اسم الصحيح عليهما من هذه الحيثية، والله أعلم.
[ ٦٢ ]
ثناء أبي زرعة وابن كثير على سنن ابن ماجة
قول ابن حزم إن خبر الواحد العدل عن مثله يوجب العلم والعمل معا
وأما سنن ابن ماجة فقد ذكر الذهبي في "تذكرة الحفاظ" عن ابن ماجة أنه قال: "عرضت هذه السنن على أبي زرعة فنظر فيه، وقال: أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع أو أكثرها، ثم قال: لعل لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثًا مما في إسناده ضعف". انتهى، وقال ابن كثير في "البداية والنهاية": "إن كتاب سنن ابن ماجة يشتمل على أربعة آلاف حديث كلها جياد سوى اليسيرة، وقد حكي عن أبي زرعة الرازي أنه انتقد منها بضعة عشر حديثًا، ربما يقال إنها موضوعة أو منكرة جدًا". انتهى.
وإذا علم أن الأحاديث الصحيحة في غير الصحيحين كثيرة جدًا، وأن أهل العلم كانوا يتلقونها بالقبول وإن كانت في غير الصحيحين، فهل يقول عاقل له أدنى علم ومعرفة أنه يسوغ ردها أو رد شيء منها وعدم الاحتفال بها- أي عدم المبالاة بها- حيث لم يأخذ بها البخاري ومسلم ولم يدخلاها في صحيحيهما؟ لا أظن أن عاقلا يقول بهذا القول الباطل، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك".
الوجه الرابع: أن يقال: إن بعض الأحاديث الواردة في المهدي قد رويت بالأسانيد الثابتة، وقد تقدم في أول الكتاب قول الإمام الشافعي: "إذا حدث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله - ﷺ - فهو ثابت، ولا يترك لرسول الله - ﷺ - حديث أبدًا، إلا حديث وجد عن رسول الله - ﷺ - آخر يخالفه".
وتقدم أيضًا قول الإمام أحمد: "كل ما جاء عن رسول الله - ﷺ - إسناد جيد أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول - ﷺ - ودفعناه ورددناه رددنا على الله أمره، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ".
وتقدم أيضًا قول ابن شاقلا: "من خالف الأخبار التي نقلها العدل عن العدل، موصولة بلا قطع في سندها، ولا جرح في ناقليها، وتجرأ على ردها، فقد تهجم على رد الإسلام".
وقال أبو محمد ابن حزم في كتاب "الأحكام": إن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله - ﷺ - يوجب العلم والعمل معًا". انتهى.
وكلام العلماء في الإنكار على الذين يعارضون الأحاديث الصحيحة
[ ٦٣ ]
الإشارة إلى المهدي في أحاديث رواها مسلم وهي أحاديث جيش الخسف
وتشديدهم في ذلك كثير جدًا، وقد ذكرتُ طرفًا من ذلك في أول الرد على الزنديق المصري المدعو بصالح أبي بكر فليراجع هناك، ففيه أبلغ رد على من تجرأ على رد الأحاديث الثابتة في خروج المهدي، زاعمًا أنها غير ثابتة، وأنه لا يحتفل بها؛ أي لا يبالي بها لكونها ليست في الصحيحين.
الوجه الخامس: أن يقال: قد جاءت الإشارة إلى المهدي في عدة أحاديث رواها الإمام أحمد ومسلم وغيرهما، وروى البخاري حديثًا منها، أولها حديث عائشة -﵂- قالت: عبث رسول الله - ﷺ - في منامه فقلنا: يا رسول الله صنعت شيئا في منامك لم تكن تفعله، فقال: «العجب إن ناسًا من أمتي يؤمون بالبيت برجل من قريش قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم»، فقلنا: يا رسول الله، إن الطريق قد يجمع الناس، قال: «نعم فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل، يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نياتهم» [رواه الإمام أحمد ومسلم] من حديث عبد الله بن الزبير عن عائشة -﵂- وهذا لفظ مسلم، ولفظ أحمد قالت: بينما رسول الله - ﷺ - نائم إذ ضحك في منامه ثم استيقظ، فقلت: يا رسول الله، مم ضحكت؟! قال: «إن أناسًا من أمتي يؤمون هذا البيت لرجل من قريش قد استعاذ بالحرم، فلما بلغوا البيداء خسف بهم، مصادرهم شتى، يبعثهم الله على نياتهم»، قلت: وكيف يبعثهم الله على نياتهم ومصادرهم شتى، قال: «جمعهم الطريق منهم المستبصر وابن السبيل والمجبور، يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتى»، وقد رواه البخاري في "كتاب البيوع" في "باب ما ذكر في الأسواق" من حديث نافع بن جبير بن مطعم قال: حدثتني عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم»، قالت: قلت: يا رسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟! قال: «يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم».
الحديث الثاني: روى مسلم من طريق جرير وهو ابن عبد الحميد الضبي، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عبيد الله بن القبطية، قال: دخل الحارث بن أبي ربيعة وعبد الله بن صفوان وأنا معهما على أم سلمة أم المؤمنين، فسألاها عن الجيش الذي يخسف به، وكان ذلك في أيام ابن الزبير، فقالت: قال رسول الله - ﷺ -: «يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم»، فقلت:
[ ٦٤ ]
يا رسول الله، فكيف بمن كان كارهًا؟! قال: «يخسف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته»، وقال أبو جعفر: هي بيداء المدينة. حدَّثَنَاه أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا عبد العزيز بن رفيع بهذا الإسناد وفي حديثه قال: فلقيت أبا جعفر فقلت: إنها إنما قالت ببيداء من الأرض، فقال أبو جعفر كلا والله إنها لبيداء المدينة، وقد رواه الإمام أحمد عن جرير عن عبد العزيز بن رفيع فذكره بنحوه. ورواه أبو داود في "كتاب المهدي" من سننه فقال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير عن عبد العزيز بن رفيع، عن عبيد الله بن القبطية، عن أم سلمة -﵂- عن النبي - ﷺ - بقصة جيش الخسف، قلت: يا رسول الله، فكيف بمن كان كارهًا؟! قال: «يخسف بهم ولكن يبعث يوم القيامة على نيته» إسناده صحيح على شرط الشيخين، ورواه الإمام أحمد أيضًا من حديث الحسن -وهو البصري- عن أم سلمة -﵂- قالت: بينما رسول الله - ﷺ - مضطجعًا في بيتي إذ احتفز جالسًا وهو يسترجع، فقلت: بأبي أنت وأمي، ما شأنك يا رسول الله تسترجع؟! قال: «جيش من أمتي يجيئون من قبل الشام، يؤمون البيت لرجل يمنعه الله منهم، حتى إذا كانوا بالبيداء من ذي الحليفة خسف بهم ومصادرهم شتى»، فقلت: يا رسول الله، كيف يخسف بهم جميعًا ومصادرهم شتى؟! فقال: «إن منهم من جبر، إن منهم من جبر» ثلاثًا، ورواه أيضًا من حديث الحسن عن أمه - واسمها خيرة مولاه أم سلمة - عن أم سلمة -﵂- فذكره بنحوه وإسناده حسن.
وروى أيضًا من حديث يوسف بن سعد، عن عائشة -﵂- مثله، ومن حديث يوسف بن سعد، عن أبي سلمة، عن عائشة -﵂- مثله، ولم يسق لفظه، بل أحال به على حديث أم سلمة -﵂-، وقد أورد حديث الحسن عن أم سلمة -﵂- في مسند عائشة -﵂- من أجل هذه الرواية، وكل من الإسنادين جيد، رجاله كلهم ثقات.
وروي أيضًا من حديث المهاجر المكي؛ وهو المهاجر بن القبطية، عن أم سلمة -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ - «يغزو جيش البيت حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم»، قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت المكره منهم؟! قال: «يبعث على نيته» إسناده جيد، رجاله كلهم ثقات.
ورواه أيضا عن سفيان بن عيينه، عن ابن سوقة، عن نافع بن جبير، عن أم سلمة
[ ٦٥ ]
-﵂- ذكر النبي - ﷺ - الجيش الذي يخسف بهم، فقالت أم سلمة -﵂-: لعل فيهم المكره! فقال: «إنهم يبعثون على نياتهم» إسناده صحيح على شرط الشيخين، ورواه الترمذي عن نصر بن علي الجهضمي، حدثنا سفيان، عن محمد بن سوقة، فذكره بمثله، وقال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي هذا الحديث عن نافع بن جبير، عن عائشة أيضًا عن النبي - ﷺ -.
قلت: وروايته عن عائشة -﵂- قد رواها البخاري في صحيحه وتقدم ذكرها، ورواه ابن ماجة عن محمد بن الصباح، ونصر بن علي، وهارون بن عبد الله الحمال، قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة، فذكره بمثله، وإسناده صحيح، أما عن محمد بن الصباح، ونصر بن علي فهو على شرط الشيخين، وأما عن هارون بن عبد الله فهو على شرط مسلم.
الحديث الثالث: روى مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن أمية بن صفوان، سمع جده عبد الله بن صفوان يقول: أخبرتني حفصة أنها سمعت النبي - ﷺ - يقول: «ليؤمن هذا البيت جيش يغزونه، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأوسطهم، وينادي أولهم آخرهم ثم يخسف بهم، فلا يبقى إلا الشريد الذي يخبر عنهم»، فقال رجل أشهد عليك أنك لم تكذب على حفصة، وأشهد على حفصة أنها لم تكذب على النبي - ﷺ -، ورواه الإمام أحمد عن سفيان بن عيينه، فذكره بنحوه، وإسناده إسناد مسلم. ورواه ابن ماجة عن هشام بن عمار، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أمية بن صفوان بن عبد الله، فذكره بنحوه، وزاد بعد الحديث المرفوع، فلما جاء جيش الحجاج ظننا أنهم هم، إسناده صحيح على شرط البخاري، وفي رواية لمسلم عن يوسف بن ماهك، أخبرني عبد الله بن صفوان، عن أم المؤمنين، أن رسول الله - ﷺ - قال: «سيعوذ بهذا البيت- يعني الكعبة - قوم ليست لهم منعة ولا عدد ولا عدة، يبعث إليهم جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم»، قال يوسف وأهل الشام يومئذ يسيرون إلى مكة، فقال عبد الله بن صفوان: أما والله ما هو بهذا الجيش.
الحديث الرابع: عن صفية أم المؤمنين -﵂- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «لا ينتهي الناس عن غزو هذا البيت حتى يغزوه جيش، حتى إذا كانوا ببيداء
من الأرض خسف بأولهم وآخرهم ولم ينج أوسطهم» قالت: قلت: يا رسول الله،
[ ٦٦ ]
ذكر الأحاديث الواردة في الخليفة الذي يحثو المال حثوا في آخر الزمان
أرأيت المكره منهم! قال: «يبعثهم الله على ما في أنفسهم» رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجة، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
الحديث الخامس: عن أبي هريرة -﵁- عن النبي - ﷺ - قال: «لا تنتهي البعوث عن غزو بيت الله تعالى حتى يخسف بجيش منهم» رواه الحاكم في مستدركه، وقال غريب صحيح، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وهذه الأحاديث الخمسة التي روى البخاري حديثًا منها، وروى مسلم ثلاثة منها، تؤيد حديث أم سلمة الذي تقدم ذكره مع أحاديث المهدي في أول الكتاب (١)، وهو الحديث التاسع في ذكر مبايعة الرجل القرشي بمكة، وذكر الخسف بالجيش الذي يبعث إليه من الشام، وقد رواه أبو داود في "كتاب المهدي" من سننه، وروى معه عدة أحاديث من الأحاديث الواردة في المهدي، ومنها حديث أم سلمة -﵂- في قصة الجيش الذي يخسف به، والخسف المذكور في هذه الأحاديث الخمسة لم يقع إلى الآن، وسيقع في آخر الزمان إذا ظهر المهدي ودنا قيام الساعة، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والطبراني عن بقيرة امرأة القعقاع بن أبي حدرد -﵂- قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - على المنبر وهو يقول: «إذا سمعتم بجيش قد خسف به قريبًا فقد أظلت الساعة»، وفي رواية قالت: إني لجالسة في صفة النساء فسمعت رسول الله - ﷺ - يخطب وهو يشير بيده اليسرى، فقال: «يا أيها الناس إذا سمعتم بخسف ههنا قريب فقد أظلت الساعة»، قال الهيثمي: فيه ابن إسحاق وهو مدلس، وبقية رجال أحد إسنادي أحمد رجال الصحيح.
الحديث السادس: عن الجُريري - بضم الجيم واسمه سعيد بن إياس-، عن أبي نضرة -واسمه المنذر بن مالك بن قِطعة بكسر القاف وسكون الطاء المهملة، هكذا ضبطه الخزرجي في "الخلاصة"، وضبطه الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب" بضم القاف وفتح الطاء المهملة العبدي- قال: كنا عند جابر بن عبد الله -﵄- فقال: قال رسول الله - ﷺ -: «يكون في آخر أمتي خليفة يحثو المال حثوًا لا يعده عدا»، قال الجريري: فقلت لأبي نضرة وأبي العلاء أتريانه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا. رواه الإمام أحمد ومسلم، وإسناد أحمد أحد إسنادي مسلم.
الحديث السابع: عن أبي نضرة، عن أبي سعيد -﵁- قال: قال رسول
_________________
(١) ص: (١٦، ١٧).
[ ٦٧ ]
قول ابن محمود إن المهدي لم يذكر في القرآن، والرد عليه
الله - ﷺ -: «من خلفائكم خليفة يحثي المال حثيًا لا يعده عدًا» رواه الإمام أحمد ومسلم، وإسناد أحمد أحد إسنادي مسلم، وفي رواية لأحمد: «يكون في آخر الزمان خليفة يعطي المال ولا يعده عدًا» إسناده صحيح على شرط مسلم، وفي رواية له قال: «ليبعثن الله -﷿- في هذه الأمة خليفة يحثي المال حثيا ولا يعده عدًا» إسناده حسن.
الحديث الثامن: عن أبي نضرة، عن أبي سعيد وجابر بن عبد الله -﵃- قالا: قال رسول الله - ﷺ -: «يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده» رواه الإمام أحمد ومسلم، وإسناد أحمد إسناد مسلم.
وهذه الأحاديث الثلاثة التي رواها مسلم مطابقة لما جاء في بعض الروايات عن أبي سعيد الخدري -﵁- في ذكر المهدي، وفيها: «ويكون المال كدوسًا، قال: يجيء الرجل، فيقول: يا مهدي أعطني أعطني، قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمل»، وفي رواية أخرى عن أبي سعيد -﵁- في ذكر المهدي: «أنه يقسم المال بالسوية بين الناس، حتى يأمر مناديًا فينادي فيقول: من له في مال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلا رجل، فيقول: ائت السدان؛ يعني الخازن، فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالا، فيقول له: احث» الحديث، وقد تقدم ذكره (١)، وتقدم أيضًا (٢) حديث أبي هريرة -﵁- في ذكر المهدي، وفيه: «والمال كدوس، يقوم الرجل يقول: يا مهدي أعطني، فيقول: خذ»،فهذه الروايات التي جاءت في صفة المهدي مطابقة لصفة الخليفة الذي جاء ذكره في الأحاديث الصحيحة عن أبي سعيد وجابر، وأنه يكون في آخر الزمان، وأنه يحثو المال حثوًا لا يعده عدًا، وهذه الصفة لم توجد في أحد ممن مضي من الخلفاء والملوك والأمراء، وإنما تكون في المهدي الذي يخرج في آخر الزمان.
وأما قول ابن محمود: كما أنه ليس له ذكر في القرآن، مما يقلل عدم الاحتفال بها.
فجوابه: أن يقال: لو كان عدم ذكر الشيء في القرآن يقلل الاحتفال بالأحاديث الواردة فيه - أي يقلل المبالاة بها- لذهبت السنة أو أكثرها، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ
_________________
(١) ص ١٣.
(٢) ص ١٦.
[ ٦٨ ]