ونعتقد تحريم المسكر من الأشربة المتخذة (١) من العنب، أو العسل، أو الزبيب، أو الذرة، أو غير ذلك مما يسكر كثيره، ونقول: إن قليله حرام (٢)، وقد صحت الأحاديث النبوية بتحريم ذلك، والتوعد عليه بالعقاب، وإقامة الحدِّ فيه من غير ارتياب (٣).
وقد أجمع العلماءُ على أن من اعتقد حلَّ المسكر كفر. ونقل جماعة منهم:
أبو عمرو بن الحاجب (٤)،
_________________
(١) في (ظ): (المتخذ).
(٢) من بداية هذا الفصل وإلى قوله: ( إن قليله حرام) نقله المؤلف بتصرف من عقيدة السلف (ص ٢٩٧).
(٣) الأحاديث في النهي عن شرب الخمر والمسكرات والوعيد لشاربها كثيرة جدًا، من ذلك: ما أخرجه البخاري في الأشربة، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ رقم (٥٥٧٥) عن ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حُرمها في الآخرة"، وفي كتاب الأشربة أيضًا في البخاري، باب الخمر من العسل وهو البتع رقم (٥٥٨٥) عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - سئل عن البتع فقال: "كل شراب أسكر فهو حرام"، وفي كتاب الحدود عن البخاري، باب الضرب بالجريد والنعال رقم (٦٧٧٦) عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: (جلد النبي - ﷺ - في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين).
(٤) هو أبو عمرو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الكردي الدويني، المعروف بابن الحاجب، المالكي، صاحب التصانيف، أخذ عن الشاطبي القراءات، وتفقه على =
[ ٣١٤ ]
والسيف الآمدي (١)، وغيرهما؛ أنه لا خلافَ في تحريمه في ملّةٍ من الملل.
ومن استدرج الخلق إلى تحليل ما حرَّم الله، أو تحريم ما أحلَّ الله؛ معتقدًا حلّه، فهو كافرٌ؛ لأن ما أدى إلى الكفر فهو كفرٌ (٢)، والله يعلم المفسد من المصلح، وهو يحكم لا معقب لحكمه [وهو سريعُ الحساب] (٣).
_________________
(١) = أبي منصور الأبياري، كان من أذكياء العالم، رأسًا في العربية، وعلم النظر، وسارت بمصنفاته الركبان، وخالف النحاة في مسائل دقيقة، وأورد عليهم إشكالات مفحمة. توفي في شوال سنة ٦٤٦ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٢٦٤)، ووفيات الأعيان (٣/ ٢٤٨)، والبداية والنهاية (١٣/ ١٧٦).
(٢) هو سيف الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي، الآمدي، الحنبلي ثم الشافعي، قرأ بأحد القراءات على عامر الآمدي، ومحمد الصفار، تبحر في العلوم، وتفرد بعلم المعقولات والمنطق والكلام، وقصده الطلاب من البلاد، وأقرأ الفلسفة والمنطق، وصنف التصانيف، ثم قاموا عليه ورموه بالانحلال. قال ابن تيمية: يغلب على الآمدي الحيرة والوقف، ومع ذلك هو كما قال الذهبي: قد كان السيف غاية، ومعرفته بالمعقول نهاية، وكان الفضلاء يزدحمون في حلقته، توفي في صفر سنة ٦٣١ هـ وله ثمانون سنة. انظر: سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٦٤)، والبداية والنهاية (١٣/ ١٤٠)، شذرات الذهب (٥/ ١٤٢).
(٣) قول المؤلف - ﵀ -: (ما أدى إلى الكفر فهو كفر)، لعل مقصوده به أن من استدرج الخلق إلى تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله معتقدًا حله، كفر؛ سواء تم له ذلك أم لا؛ لأنه رضي الكفر لهم أو اعتقد الكفر، فصار كافرًا؛ لتضمن فعله ذلك، لا لكونه لازم فعله لقوله بعدم التكفير بلازم المذهب، كما سيأتي.
(٤) في (ظ) و(ن) وليست في (ص).
[ ٣١٥ ]
والخمر مغطية للعقل، وهي محرمة شرعًا وعقلًا، وقد عدّ الإمام أبو حنيفة - ﵀ - (١) تحريم التغطية إلى السماع (٢)
_________________
(١) في (ظ) و(ن): (قدس الله روحه).
(٢) يحسن أن أذكر في هذا المقام كلام المؤلف ابن العطار - ﵀ - حول مسألة السماع في رسالة له مخطوطة تقع في ثلاث ورقات مصورة ضمن مجموع من [١١ - ١٣] في مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي بعنوان (رسالة في السماع)، وهي جواب عن سؤال ورد إليه من بعض المسلمين يسألونه عن قوم يدّعون الفقر، ويحضرون السماع، وينشدون فيه وفي غيره أشعارًا بذكر الخمر ونحوها، ويظهرون شيئًا من الأفراح والسرور والملاهي، وينشدون أشعارًا فيها شيء من عقائد الحلولية والاتحادية، فقال - ﵀ - في الورقة (١٢): (أما الفقراء الذين يدّعون الفقر، فإن كان لهم شاهد من كتاب أو سنة في باطن، وهو عدم تعلق القلب بشيء من الموجودات سوى الله، أو في ظاهر، وهو تعلق بفعل المأمورات واجتناب المنهيات، فهم صادقون في دعواهم، وإلا فهم كذّابون دجالون يجب على كل أحد مجانبتهم، واستتابتهم. وأما حضور السماع، فإن كان سماع القرآن، أو الحديث، أو العلم، أو الشعر الذي فيه تزهيد وحكمة، ونحوها من غير آلة طرب، ولا ملاهٍ، ولا لعب، ولا رقص، ولا شغب، ولا (كلمة غير واضحة) اجتماع محرم، فهم مصيبون، وإلا فهم مخطئون تجب عليهم التوبة بشروطها، والرجوع إلى التواب، واتباع أولي الألباب. وأما إنشادهم فيه وفي غيره الأشعار المذكورة، وتشبههم المنالات (هكذا كتبت) الرحمانية بالأمور الشيطانية، فهذا عين الكفر إن كانوا عالمين بذلك وبمعناه، وإلا فهم عصاة مرتكبون الكبائر، يجب عليهم الإقلاع عن ذلك، والندم، والعزم على عدم العود إليه، مخلصين لله تعالى فيه، وناهيك بهم ضلالة في ألفاظهم ومعانيهم، حيث إنهم شبهوا ما يزعمون أنه من تنزيلات الحق عليهم بالخمور المحرمة، والآفات النجسة، وأماكنها المجتنبة، وقوامها القذرين الموصوفين بالنجس، ووصفهم ذلك بالخمرة القديمة التي شربها الأنبياء والأولياء يقتضي كفرهم وزندقتهم، بل إن اعتقدوا حقيقة قولهم، فهم أشد كفرًا من اليهود والنصارى. وأما ذكر الأفراح والسرور والملاهي المباحات فلا بأس بها قصدًا لراحات النفوس؛ إذا كانت مجردة عن غيرها، وان كان أمرًا محظورًا كالدف والشبابة معًا =
[ ٣١٦ ]
الجالب للوجد (١) المؤدي إلى الغيبة، وذلك من أحسن ما يقال عنه حكمًا (٢)، فإذا كان هذا في المغطّى، فما ظنك بالمفسد المجتث
_________________
(١) = كان محرمًا إجماعًا، فإن كان فيه ما هو كفر أو حلول أو اتحاد فهو أشد كفرًا وزندقة مع ما في ذلك مما ذكرنا من التشبه بأحوال النصارى وموافقتهم، وفاعل ذلك كله على الوجه المذكور مرتد، تجري عليه أحكامهم من الاستتابة وغيرها، فإن لم يتب صار ماله فيئًا للمسلمين) إلى أن قال في الورقة (١٣): (ومن حسن ظنه بهؤلاء فهو ضال مضل قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]، واعتقاد صلاحهم ضلال آخر يجب الرجوع عنه، ومن تأول مقالة هؤلاء، وصرفها عن حقيقتها، تخمينًا للظن بهم، فهو من إخوان الشياطين وهو ممن ضلَّ سعيه في الحياة الدنيا، لكنه لا يكون بذلك معتقدًا الاتحاد والحلول، ولكنه يكون متعاميًا عن إظهار الحق).
(٢) يقال: وجَد به وجْدًا أي: في الحب لا غير، وإنه ليجد بفلانة وجدًا شديدًا إذا كان يهواها، ويحبها حبًا شديدًا. والوجْد: كل ما صادف القلب من غمٍّ أو فرحٍ، والوجد عند الصوفية: مكاشفات من الحق، وهو نوعان: وجد ملك، ووجد لقاء. وأصحاب الوجد هم الراقصون عند السماع، وقد يزعق الواجد، ويبلغ إلى حدٍّ لو ضرب وجهه بالسيف لا يشعر فيه بوجع، وقد يمزق ثيابه. انظر: لسان العرب (٣/ ٤٤٥ - ٤٤٦)، والقاموس المحيط (١/ ٣٤٣)، والمعجم الصوفي للدكتور عبد المنعم الحفني (ص ٢٥٦ - ٢٥٧).
(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الاستقامة (١/ ٣١٣): (وهذا السماع المحدث تحضره الشياطين، كما رأى ذلك من كُشف له، وكما توجد آثار الشياطين في أهله، حتى إن كثيرًا منهم يغلب عليه الوجد فيُصعق كما يصعق المصروع، ويصيح كصياحه)، وقال - ﵀ - أيضًا (١/ ٣١٤): (ولهذا يوجد فيه أعظم مما يوجد في الخمر من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ومن إيقاع العداوة والبغضاء، حتى يقتل بعضهم بعضًا فيه، ولهذا يفعلونه على الوجه الذي يحبه الشيطان، ويكرهه الرحمن)، ويقول أيضًا (١/ ٣١٨): (بل إسكاره للنفوس، وصده عن ذكر الله وعن الصلاة، أعظم مما في الخمر بكثير).
[ ٣١٧ ]
المذهب للعقل كالبنج (١)، والحشيشة المسمّاة بالغبيراء (٢)، فهي أولى بالتحريم معنًى ونقلًا، والله أعلم.
_________________
(١) البنج: بفتح الباء هو نبات غير حشيش الحرافيش، يسكن الأوجاع، والأورام، والبثور، ووجع الأذن. وأخبثه الأسود ثم الأحمر، وأسلمه الأبيض. وبنجه تبنيجًا: أطعمه إياه. انظر: القاموس المحيط (١/ ١٧٩)، ومعجم مقاييس اللغة (١/ ٢٠٦)، والمخدرات للدكتور: هاني عرموش (ص ٩١).
(٢) الغبيراء: ضرب من الشراب، يتخذه الحبش من الذرة وهي تسكر -، وتسمى (السُّكُرْكَة)، وقيل: هي خمر تعمل من تمر يقال له: الغبيراء، وقيل: الحشيشة التي تحدث حالة الكيف، وتستخرج من نبات القنَّب ومن أزهاره المؤنثة خاصة، وهو عبارة عن أجزاء مزهرة تفرزها زهور أنثى النبات، ويسبب استعمالها نوعًا من الانشراح والسرور. انظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ٣٣٨)، والقاموس المحيط (٢/ ٩٩)، والمخدرات للدكتور: هاني عرموش (ص ٩١).
[ ٣١٨ ]