من لزم أمر الله تعالى، وآثر طاعته تعالى؛ فبتوفيق الله تعالى إياه، ومن ترك أمر الله، وركب معاصيه؛ فبخذلان الله إياه (١)، ومن زعم أن الاستطاعة قبل الفعل (٢) بالجوارح إليه إن شاء عمل وإن شاء لم يعمل
_________________
(١) هذه المسألة تسمى مسألة الهداية والإضلال، وفي ذلك رد على المعتزلة القائلين بوجوب فعل الأصلح للعبد على الله، قال الطحاوي - ﵀ - في عقيدته (ص ٨): (يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء، ويخذل ويبتلي عدلًا). انظر: شرح العقيدة الطحاوية (١/ ١٣٧ - ١٣٨).
(٢) وقع خلاف في الاستطاعة وهل هي قبل الفعل أم معه؟ على أقوال: أ - المعتزلة ومن وافقهم قالوا: إن الاستطاعة قبل الفعل، وهي غير موجبة للفعل. ب - الأشاعرة ومن وافقهم قالوا: إن الاستطاعة مع الفعل، لا يجوز أن تتقدمه ولا أن تتأخر عنه، بل هي مصاحبة للفعل، وهي من الله، وما يفعله الإنسان بها فهو كسب له. ج - أهل السنة والجماعة ومن وافقهم قالوا بالتفصيل:
(٣) استطاعة قبل الفعل، وهي الاستطاعة التي بمعنى الصحة والوسع، والتمكن وسلامة الآلات، وهي مناط الأمر والنهي، والمصححة للفعل، وهي من مثل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
(٤) استطاعة مع الفعل، وهي التي يجب معها وجود الفعل، وتكون مقارنة للفعل الموجبة له، وهي الاستطاعة الكونية التي هي مناط القضاء والقدر، وبها يتحقق وجود الفعل، وهي من مثل قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]، وقوله - ﷿ -: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)﴾ [الكهف: ١٠٠، ١٠١]. =
[ ٣٣٧ ]
فقد كذَّب بالقدر، وردّ كتاب الله نصًا، وزعم أنه مستطيع لما لم يرده الله عزّ (١) اسمه، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من هذا القول، ولكن نقول: إن الاستطاعة من العبد مع الفعل، فإذا عمل عملًا بالجوارح من برٍّ أو فجورٍ، علمنا أنه كان مستطيعًا للفعل الذي فعل، فأما قبل أن يفعله فإنا لا ندري لعله يريد أمرًا فيحال بينه وبين ذلك، والله - ﷿ - مريد لتكوين أعمال الخلق، ومن ادّعى خلاف ما ذكرنا، فقد وصف الله - ﷾ - بالعجز، وهلك في الدارين (٢).
_________________
(١) = انظر: القدر لابن تيمية (ص ١٢٩، ٢٩٠ - ٢٩١، ٣٧٢ - ٣٧٣)، ودرء تعارض العقل والنقل (١/ ٦١)، والقضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة للدكتور عبد الرحمن المحمود (ص ١٨٠ - ١٨٤).
(٢) في (ظ) و(ن): (جلّ).
(٣) قد يفهم من كلام المؤلف - ﵀ - هنا موافقته الأشاعرة في مسألة الاستطاعة، ولا يصح ذلك لأمور: أ - أن كلامه دار حول الاستطاعة الكونية التي يجب بها الفعل، وهي مناط القضاء والقدر، وبها يتحقق وجود الفعل، وتكون مع الفعل كما ذكر. ويدل على ذلك قوله: (فأما قبل أن يفعله فإنا لا ندري لعله يريد أمرًا فيحال بينه وبين ذلك، والله - ﷿ - مريد لتكوين أعمال الخلق) حيث ربط استطاعته بما كُتب وقُدر له، ثم بين علاقتها بإرادة الله الكونية. وأما الاستطاعة التي بمعنى الوسع والصحة والتمكن، والتي هي مناط الأمر والنهي، فلم يتطرق لها، وليس ذلك دليلًا على أنه لا يثبتها. ب - أنه ساق بعد ذلك قول الإمام الطحاوي - ﵀ - في الاستطاعة والتي يثبت فيها نوعي الاستطاعة، وإيراده لهذا القول دليل على أنه موافق ومسلم بذلك، بل إن جميع ما نقله المؤلف - ﵀ - من عقيدة الإمام الطحاوي ﵀ في فصول هذا الكتاب إنما أورده على سبيل اعتقاده، والموافقة عليه، والأخذ به. ج - أنه لو كان - ﵀ - يرى رأي الأشاعرة لتعقب الطحاوي في إثباته لنوعي الاستطاعة، خاصة وأنه قال: (ومن زعم أن الاستطاعة قبل الفعل بالجوارح إليه إن شاء عمل وإن =
[ ٣٣٨ ]
وهذه المسألة راجعة إلى وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره، وحلوه ومرّه، وأنه من الله، وأنه جفّ القلم بما هو كائن إلى يوم قيام الساعة، علم الله سبحانه العباد وما هم عاملون وإلى ما هم صائرون، وأنه - ﷾ - أمرهم ونهاهم، وهذا كله مجمعٌ عليه، ومتفق (١) القول به بين (٢) علماء [أهل] (٣) السنة، والله - ﷿ - أعلم.
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي - ﵀ -: (والاستطاعة التي يجب بها الفعلُ من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به مع (٤) الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكين (٥) وسلامة الآلات فهي قبل الفعل (٦)، وهو كما (٧) قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد، ولم يكلفهم الله إلا ما يطيقون (٨)، ولا يطيقون إلا ما كلفهم به (٩) (١٠) وهو تفسير: (لا حول ولا
_________________
(١) = شاء لم يعمل فقد كذب بالقدر) مما يدل على أنه لم يرد إلا الاستطاعة الكونية، والتي بين أنها لا يمكن أن تكون قبل الفعل.
(٢) في (ظ) و(ن): (متفق) بدون واو.
(٣) في (ظ) و(ن): (من).
(٤) في (ظ) و(ن) وليست في (ص).
(٥) في متن العقيدة الطحاوية: (فهي مع الفعل).
(٦) في متن العقيدة الطحاوية: (والتمكن).
(٧) في متن العقيدة الطحاوية: (فهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب).
(٨) في (ظ): (وهو ما).
(٩) في متن العقيدة الطحاوية: (ولم يكلفهم الله ما لا يطيقون).
(١٠) (به) ليست في متن العقيدة الطحاوية.
(١١) قوله: "ولا يطيقون إلا ما كلفهم به" هذه العبارة تعقبها شارح الطحاوية (٢/ ٦٥٦) بقوله: (في كلام الشيخ إشكال، فإن التكليف لا يستعمل بمعنى الإقدار وإنما يستعمل بمعنى الأمر والنهي، وهو قد قال: "لا يكلفهم إلا ما يطيقون، ولا يطيقون =
[ ٣٣٩ ]
قوة إلا بالله)، نقول: لا حيلة لأحد، ولا حول لأحدٍ، ولا حركة لأحدٍ (١) عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحدٍ على طاعة (٢) الله، والثبات عليها إلا بتوفيق الله، وكل شيء بمشيئة (٣) الله تعالى، وعلمه، وقدره، وقضائه (٤)، [فغلبت] (٥) مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها.
يفعل الله (٦) ما يشاء، وهو غير ظالم أبدًا (٧)، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]) (٨).
_________________
(١) = إلا ما كلفهم" وظاهره أنه يرجع إلى معنى واحد، ولا يصح ذلك؛ لأنهم يطيقون فوق ما كلفهم به، لكنه سبحانه يريد بعباده اليسر والتخفيف).
(٢) في متن العقيدة الطحاوية: (لا حيلة لأحد ولا حركة ولا تحول لأحد).
(٣) في متن العقيدة الطحاوية: (على إقامة طاعة الله).
(٤) في متن العقيدة الطحاوية: (يجري بمشيئة الله).
(٥) في متن العقيدة الطحاوية: (وقضائه وقدره).
(٦) في (ص): (فغلب)، وفي متن العقيدة الطحاوية: (غلبت)، وفي (ظ) و(ن) ما أثبته.
(٧) (الله) ليست في متن العقيدة الطحاوية.
(٨) في متن العقيدة الطحاوية: (وهو غير ظالم أبدًا، تقدس عن كل سوء وحين، وتنزه عن كل عيب وشين).
(٩) نقله المؤلف بالنص من متن العقيدة الطحاوية (ص ١٧ - ١٨).
[ ٣٤٠ ]