(قال القاضي أبو بكر (١): القول عندي: أن الكفر بالله هو الجهل (٢) بوجوده، والإيمان بالله هو العلم بوجوده، وأنه لا يكفرُ أحدٌ
_________________
(١) هو القاضي أبو بكر ابن الباقلاني. انظر: نسيم الرياض للخفاجي (٤/ ٥٦٠)، وشرح الشفا لملا علي قاري (٢/ ٥٢٨).
(٢) عرّف الباقلاني الكفر بأنه: الجهل بالله تعالى، وهذا قريب من قول الجهم بن صفوان، وأبي الحسن الأشعري، وجمهور أصحابه. والباقلاني - كما هو واضح من كلامه - يحصر الكفر في الجهل بالله، والمؤمن الذي يرتكب مكفرًا، لا يكفر بهذا العمل، وإنما هذا العمل علامة دالة على كفر هذا الإنسان؛ وذلك لجهله بالله تعالى. وقوله هذا ظاهر البطلان، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في منهاج السنة (٥/ ٢٥١): (والناس لهم فيما يجعلونه كفرًا طرق متعددة، فمنهم من يقول: الكفر تكذيب ما علم بالاضطرار من دين الرسول، ثم الناس متفاوتون في العلم الضروري بذلك. ومنهم من يقول: الكفر هو الجهل بالله تعالى، ثم يجعل الجهل بالصفة كالجهل بالموصوف، وقد لا يجعلها، وهم مختلفون في الصفات نفيًا وإثباتًا. ومنهم من لا يحده بحد، بل كل ما تبين له أنه تكذيب لما جاء به الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر جعله كفرًا إلى طرق أخرى. ولا ريب أن الكفر متعلق بالرسالة، فتكذيب الرسول كفر، وبغضه وسبه وعداوته مع العلم بصدقه في الباطن كفر عند الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة العلم؛ إلا الجهم، ومن وافقه كالصالحي، والأشعري، وغيرهم). ويقول ابن القيم - ﵀ - في مفتاح دار السعادة (٢/ ٣٩٤) - مبينًا خطأ هؤلاء -: (فليس عندهم الكفر إلا مجرد الجهل، ومن تأمل القرآن والسنة، وسير الأنبياء في أممهم =
[ ٣٦٠ ]
بقولٍ ولا رأيٍ إلا أن يكون هو الجهل بالله، وإن عصى بقولٍ أو [فعلٍ] (١) نصّ اللهُ ورسوله (٢)، أو أجمع المسلمون أنه لا يوجد إلا من كافرٍ، أو يقوم دليل على ذلك، فقد كفر، [ليس] (٣) لأجل قوله أو فعله، لكن لما يقارنه [من الكفر] (٤)؛ فالكفر بالله لا يكون إلا [بأحد] (٥) ثلاثة أمور: أحدها: الجهل بالله تعالى. والثاني: أن يأتي فعلًا، أو يقول قولًا يخبر الله ورسوله، أو يجمع المسلمون، أن ذلك لا يكون إلا من كافرٍ؛ كالسجود للصنم، والمشي إلى الكنائس بالتزام الزنار مع أصحابها في أعيادهم، أو يكون ذلك القول أو الفعل لا يمكن معه العلم بالله تعالى، [قال] (٦): فهذان الضربان، وإن لم [يكونا] (٧) جهلًا
_________________
(١) = ودعوتهم لهم، وما جرى لهم معهم، جزم بخطأ أهل الكلام فيما قالوه، وعلم أن عامة كفر الأمم عن تيقن وعلم). وعليه فإن الكفر قد يكون تكذيبًا بالقلب، وقد يكون الكفر باللسان؛ كما قال تعالى في المنافقين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. وقد يكون الكفر بالعمل، يقول ابن القيم - ﵀ - في الصلاة وحكم تاركها (ص ٦٣): (وأما كفر العمل فينقسم إلى: ما يضاد الإيمان، وإلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان).
(٢) في (ص) و(ظ) و(ن): (قيل)، وفي الشفا ما أثبته.
(٣) في (ظ) و(ن): (أو رسوله).
(٤) في (ظ) و(ن) والشفا وليست في (ص).
(٥) في (ص) و(ظ) و(ن): (لما يقارنه بالكفر)، وفي الشفا ما أثبته.
(٦) في (ص): (بإحدى)، في (ظ) و(ن) والشفا ما أثبته.
(٧) في (ظ) و(ن) والشفا وليست في (ص).
(٨) في (ص): (تكونا)، وفي (ظ) و(ن) والشفا ما أثبته.
[ ٣٦١ ]
بالله، فهما عَلَمٌ (١) أن فاعلهما كافر منسلخ من الإيمان.
فأمّا من نفى صفةً من صفات الله الذاتية (٢)، أو جحدها مستبصرًا في ذلك، كقوله: ليس بعالمٍ، ولا قادر، ولا مريد، ولا متكلّم، وشبه ذلك من صفات الكمال الواجبة له - ﷾ -، فقد نصّ أئمتنا على الإجماع
_________________
(١) قول الباقلاني: (فهذان الضربان وان لم يكونا جهلًا بالله فهما علم - أي: علامة وأمارة - أن فاعلهما كافر منسلخ من الإيمان)، وقوله قبل ذلك: (فقد كفر ليس لأجل قوله أو فعله، لكن لما يقارنه من الكفر). شبيه بذلك ما سيذكره المؤلف - ﵀ - نقلًا عن القاضي عياض قوله: (فإن هذه الأفعال علامة على الكفر). هذه الجمل والعبارات تصرح بأن الفعل والقول ليس كفرًا، لكنه يدل على الكفر، أو هو علامة على الكفر. وهذا رأي المرجئة كما نسبه الشهرستاني في الملل والنحل (١/ ١٤٤) لبشر المريسي وابن الراوندي حيث قالا: (الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان جميعًا، والكفر هو الجحود والإنكار، والسجود للشمس والقمر والصنم ليس بكفر في نفسه، ولكنه علامة الكفر). وهذا كمن يقول بأنه لم يكفر بالعمل لكن كفر للاستخفاف، أو للتكذيب، أو لعدم التصديق، كما قاله التومنية من المرجئة، وهم أصحاب أبي معاذ التومني، حيث نسب الأشعري ذلك إليهم في مقالات الإسلاميين (ص ١٤٠)، والشهرستاني في الملل والنحل (١/ ١٤٤)، وابن تيمية في مجموع الفتاوى (٧/ ٥٤٧)، فال الأشعري: (وكان أبو معاذ يزعم أن من قتل نبيًا أو لطمه كفر، وليس من أجل اللطمة والقتل كفر، ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض له). قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الإيمان (ص ٣٥٠) - بعد أن نقل كلام الإمام أحمد في تكفير بعض الأعمال من شد الزنار في وسطه، والصلاة للصليب، وإتيان الكنائس والبيع -: (هذا الذي ذكره الإمام أحمد من أحسن ما احتج الناس به عليهم. جمع في ذلك جملًا يقول غيره بعضها، وهذا الإلزام لا محيد لهم عنه؛ ولهذا لما عرف متكلمهم مثل جهم ومن وافقه أنه لازم التزموه، وقالوا: لو فعل من الأفعال الظاهرة لم يكن بذلك كافرًا في الباطن، لكن يكون دليلًا على الكفر في أحكام الدنيا).
(٢) في (ظ) و(ن): (الداتية).
[ ٣٦٢ ]
على كفر (١) من نفى عنه تعالى الوصف بها، وأعراه (٢) عنها.
وعلى هذا أحمل (٣) [قول] (٤) سحنون: من قال: ليس لله كلام فهو كافرٌ، ولا يكفّر (٥) المتأوّلين) (٦)، والله أعلم.
_________________
(١) كفر من أنكر صفة ثابتة لله تعالى كما ذكره الباقلاني هو قول صحيح؛ لأن من نفى صفة ثابتة لله تعالى قد ثبتت بنقل صحيح، فلا شك في كفره؛ لإنكاره نصوص الكتاب والسنة. يقول الدارمي - ﵀ - في الرد على الجهمية (ص ١٨١): (نكفر الجهمية بكفر مشهور، وهو تكذيبهم بنص الكتاب، أخبر الله ﵎ أنه كلم موسى تكليمًا، وقال هؤلاء لم يكلمه الله بنفسه). ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في الفتاوى (٦/ ٤٨٦): (الذي عليه جمهور السلف أن من جحد رؤية الله في الدار الآخرة فهو كافر، فإن كان لم يبلغه العلم في ذلك عُرِّفَ ذلك، كما يُعرّف من لم تبلغه شرائع الإسلام، فإن أصر على الجحود بعد بلوغ العلم له فهو كافر). وأقوال الأئمة متكاثرة في كفر من أنكر صفة ثابتة لله تعالى، ويستوي في ذلك جميع الصفات الذاتية والفعلية، لا ما أورده الباقلاني من الذاتية فقط بناء على مذهبه. قال الشيخ محمد بن عثيمين في فتاوى اللجنة الدائمة (٣/ ١٢٨): (إنكار شيء من أسماء الله أو صفاته نوعان: الأول: إنكار تكذيب، وهذا كفر بلا شك، فلو أن أحدا أنكر اسمًا من أسماء الله، أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة مثل: أن يقول ليس لله يد، فهو كافر بإجماع المسلمين؛ لأن تكذيب خبر الله ورسوله كفر مخرج عن الملة. الثاني: إنكار تأويل، وهو أن لا يجحدها، ولكن يؤولها، وهذا نوعان:
(٢) أن يكون لهذا التأويل مسوغ في اللغة العربية، فهذا لا يوجب الكفر.
(٣) أن لا يكون له مسوغ في اللغة العربية، فهذا موجب للكفر، لأنه نفاها نفيًا مطلقًا فهو مكذب حقيقة).
(٤) في (ن): (وأعزاه).
(٥) في الشفا: (حُمِلَ).
(٦) في (ص): (قال)، وفي (ظ) و(ن) والشفا ما أثبته.
(٧) في الشفا: (وهو لا يكفر).
(٨) نقله المؤلف من الشفا للقاضي عياض (٢/ ١٠٨٠ - ١٠٨١).
[ ٣٦٣ ]