احذرْ أن ترى لك رتبةً أو حقًا تنزل وما ترقى (١)،
_________________
(١) = الفناء التي ضلت فيها الصوفية، فخرجت من طور العبودية إلى الضلال والاستكبار، كالفناء عن شهود ما سوى الله فيفنى بمعبوده عن عبادته، وكالفناء عن وجود السوى؛ بحيث يرى بأن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق. وما بيَّنه - ﵀ - من الوصول إلى اليقين والحق بفعل ما أمر الله واتباع شرعه، هو الفناء الديني الشرعي، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية في التدمرية (ص ٢٢١) هذا النوع في معرض ذكره لأنواع الفناء قائلًا: (أحدها وهو الفناء الديني الشرعي، الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، هو أن يفنى عما لم يأمر الله به بفعل ما أمر الله به، فيفنى عن عبادة غيره بعبادته، وعن طاعة غيره بطاعته وطاعة رسوله، وعن التوكل على غيره بالتوكل عليه، وعن محبة ما سواه بمحبته ومحبة رسوله، وعن خوف غيره بخوفه، بحيث لا يتبع العبد هواه بغير هدى من الله، وبحيث يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما). وقال ابن القيم في مدارج السالكين (١/ ١٦٧) عن هذا النوع: (ومن تحقيق هذا الفناء: أن لا يحب إلا في الله، ولا يبغض إلا فيه، ولا يوالي إلا فيه، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعطي إلا له، ولا يمنع إلا له، ولا يرجو إلا إياه، ولا يستعين إلا به، فيكون دينه كله ظاهرًا وباطنًا لله، ويكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فلا يوادّ من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب الخلق إليه وحقيقة ذلك: فناؤه عن هوى نفسه وحظوظها بمراضي ربه وحقوقه)، وهذا النوع من الفناء يسمى: الفناء عن إرادة السوى.
(٢) لعله يقصد - ﵀ - التحذير من هوى النفس وحظوظها، والالتزام بمراضي الله وحقوقه، كما يعتبر أيضًا ردًا على بعض المتصوفة الذين يرون أن لهم مراتب ومنازل وحقوقًا دون غيرهم، بسبب أهوائهم، وحظوظهم النفسية. قال ابن القيم - ﵀ - في مدارج السالكين (١/ ٢٦٠) عن هؤلاء: (ولا ريب أن هؤلاء =
[ ٣٩١ ]
فترذل (١) وتشقى، بل ردّ الأمانة إلى أهلها، وانظر إلى نفسك ووصفك، وعللها ناظرًا إلى المنعم وإنعامه، المفضل بزوال الداء وأسقامه، تترك (٢) في النعيم الأبدي، والخلوص من العذاب السرمديّ إلى ما لا نهاية له من الدرجات والوصول؛ إلى المقامات العاليات، وتصير مقيمًا وحيدًا؛ بعد أن كنت طريدًا شريدًا.
_________________
(١) = مؤثرون لحظوظهم على حقوق ربهم، واقفون مع أذواقهم ومواجيدهم، فانين بها عن حق الله ومراده. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يحكي عن بعض العارفين أنه قال: العامة يعبدون الله، وهؤلاء يعبدون نفوسهم).
(٢) في (ظ) و(ن): (فتردل).
(٣) في (ظ) و(ن): (لم تزل).
[ ٣٩٢ ]