بسم الله الرحمن الرحيم
الله عوني وبه توفيقي «١»
أحمد الله الذي أرشدنا إلى الإسلام، وهدانا بفضله سبل السلام، وجنبنا عبادة الأوثان والأصنام، وسائر مذاهب الكفرة اللئام «٢».
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ترغم أنف الكافر أشد إرغام، وتوجب لقائلها النعيم «٣» في دار المقام. وأصلي على رسوله محمد، الداعي إلى أفضل دين بأشرف كلام، الباقي معجزة على ممر السنين، وتعاقب الأيام، وسلم تسليما كثيرا.
وبعد:
فإني رأيت كتابا صنفه بعض النصارى «٤»، يطعن به في دين الإسلام ويقدح به في نبوة محمد- عليه أفضل الصلاة والسلام- فرأيت مناقضته «٥» إلى الله
_________________
(١) هكذا في أ، وفي م:" اللهم صل على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم: قال الشيخ الفقيه الإمام العلامة نجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي "، وفي ش: وما توفيقي إلا بالله.
(٢) اللئام: جمع لئيم، ومصدر لاءم الشيء: وافقه، واللؤم: الشح مع دناءة الأصل. واللئيم: الدنيء الأصل الشحيح النفس (انظر إكمال الإعلام بتثليث الكلام ٢/ ٥٥٧، ولسان العرب ١٢/ ٥٣٠)
(٣) في ش: النعم.
(٤) لم يذكر المؤلف- رحمه الله تعالى- اسم النصراني ولا عنوان كتابه. وقد أشرت إلى ذلك في ص ١٦٤ - ١٦٥ من الدراسة.
(٥) المناقضة: مفاعلة. من ناقضة في الشيء مناقضة. أي خالفه. والمناقضة في القول: أن يتكلم بما يناقض معناه ويفسده بعد إحكامه (انظر لسان العرب ٧/ ٢٤٢، وإكمال الإعلام ٢/ ٧٢١).
[ ١ / ٢٢٧ ]
ورسوله قربانا «١»، ورجوت بها مغفرة من الله ورضوانا، حذرا من أن يستخف «٢» ذلك بعض ضعفاء «٣» المسلمين، فيورثه شكا في الدين، ولقد رأيت بعض ذلك عيانا وآنست «٤» عليه دليلا وبرهانا. فأوردت مناقضته حرفا من كلامه فحرفا، وأبنت عن مقاصد السؤال والجواب على وجه لا يخفى، مع تلخيص العبارة خشية الضجر «٥» والإملال «٦»، وتخليص المعاني ونصوصيتها «٧» خفية الإخلال
_________________
(١) لا يتقرب بالأعمال إلى الرسول ﷺ بل يتقرب بها إلى الله وحده على وفق سنة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام-.
(٢) يقال: استخفه فلان أي: استجهله فحمله على اتباعه في غيه. ومنه قوله تعالى في سورة الروم (آية: ٦٠): «ولا يستخفنك الذين لا يوقنون» (انظر لسان العرب ٩/ ٨٠).
(٣) في م، ش: ضعفى.
(٤) آنست: بهمز أوله مع المد وفتح النون الموحدة، أي: علمت وأبصرت. (انظر لسان العرب ٦/ ١٥).
(٥) الضجر من الشيء: التعب والقلق والغم. (انظر المصباح المنير ٢/ ٤٢١).
(٦) من الملل وهو الضجر والتعب يقال: أمللت فلانا أتعبته وأسأمته (انظر المصباح المنير ٢/ ٧٠٧، لسان العرب ١١/ ٦٢٨، الإعلام بتثليث الكلام ٢/ ٦٧٩).
(٧) قال ابن الأثير في منال الطالب في شرح طوال الغرائب ص ٣٥٨:" والتلخيص: التبين والإيضاح، وهو والتخليص متقاربان، قال القتبي:" ولعلهما شيء واحد، من المقلوب"، وحقيقة التخليص: إفراد الخالص من الشيء، وهو الجيد منه" اهـ. ونص الحديث إذا أظهره ورفعه، ونص كل شيء منتهاه، ومبلغ أقصاه. كما في لسان العرب (٧/ ٩٧، ٩٨)، ومختار الصحاح ص ٦٦٢. قلت: فمعنى العبارة على هذا: اختيار المعاني الظاهرة الواضحة، خيفة الإخلال بالمعنى، أو اختلاله. والله أعلم.
[ ١ / ٢٢٨ ]
والاختلال. وقدمت على ذلك مقدمات كلية، تتضمن مباحث جلية، عليها ينبني معظم الجواب، وبها يتيسر ظهور الصواب. وعلى الله توكلي، وإليه المآب «١».
وتلك المقدمات ثلاث:
[المقدمة الأولى: سد باب الاستدلال بكتب أهل الكتاب]
الأولى: أن هذا النصراني رأيته يعتمد في طعنه على الإسلام، على التوراة والإنجيل «٢» التي بيد اليهود والنصارى، وعلى كتب الأنبياء الأوائل/: كنبوة أشعياء «٣»، وأرمياء «٤»،
_________________
(١) في م، ش: مآب.
(٢) " والأناجيل " بالجمع، لأن عددها عند النصارى خمسة نتيجة التحريف والتبديل، منها: أربعة مشهورة هي: إنجيل متى، وإنجيل مرقس، وإنجيل يوحنا، أما الخامس فلا يعرفه إلا القليل منهم ويسمى إنجيل الصبوة، وفيه الأشياء التي صدرت عن المسيح في حال طفولته، ولذا سمى بالصبوة وينسب إلى بطرس عن مريم، ويذكر فيه مشاهير معجزات عيسى ﵇ وقدومه وأمه ويوسف النجار إلى صعيد مصر ثم عودتهم إلى قرية ناصرة عند بيت المقدس (انظر الأجوبة الفاخرة للقرافي ص ١٧٩ ١٨١) قلت: وقد وجد لهم من الأناجيل غير هذه الخمسة فأناجيلهم أكثر من ذلك ربما تصل إلى الأربعين أو أكثر اندثر أكثرها وفقد بعضها وأخفوا بعضها الآخر، ولا يعترف أكثرهم بمثل انجيل برنابا الموجود اليوم.
(٣) أشعياء بن أمصيا بهمز وبدونه وكان قبل زكريا ويحي، وهو ممن بشر بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام وكان في زمانه ملك اسمه حزقيال على بني إسرائيل وكان سامعا مطيعا لشعيا فيما يأمره به وينهاه عنه من المصالح ولما مات حزقيال كثر شر بني إسرائيل وطلبوا شعيا ليقتلوه فهرب منهم فمر بشجرة فانفلقت له فدخل فيها وأدركه الشيطان فأخذ بهدبة ثوبه فأبرزها فلما رأوا ذلك جاءوا بالمنشار فوضعوه على الشجرة فنشروها ونشروه معها والله أعلم. (انظر البداية والنهاية ٢/ ٣٢ - ٣٣).
(٤) أرميا بن حلقيا من سبط لاوي بن يعقوب، وقيل من سبط هارون بن عمران كان في أيام آخر ملوك بني إسرائيل" صدقيا" روي أنه هو الذي نزل بشأنه قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ الآية. (سورة البقرة: ٢٥٩). (انظر تفسير الطبري ٣/ ٢٩، تفسير ابن كثير ١/ ٣١٤، الأنس الجليل ١/ ١٥٣ - ١٥٤، البداية والنهاية ٢/ ٣٣).
[ ١ / ٢٢٩ ]
ودانيال «١» والأنبياء الاثني عشر «٢»، ومزامير «٣» داود، ونحوها.
واعلم أن هذه الكتب مما لا تقوم الحجة علينا بها. لأنها عندنا محرفة مبدلة «٤». نعم: التبديل لم يأت على جميعها، بل دخلها في الجملة. فلهذا قال
_________________
(١) أحد أنبياء بني إسرائيل كان في عهد بخت نصر يقال كان طول أنفه شبرا، ويقال بأن أرميا أمره الله أن يذهب إلى دانيال بطعام وهو في السجن ففعل مع أنهما ليسا في قرية واحدة، وروى ابن أبي الدنيا مرسلا أن النبي ﷺ قال: (إن دانيال دعا ربه ﷿ أن يدفنه مع أمة محمد) فلما فتح أبو موسى الأشعري تستر وجده في تابوت تضرب عروقه ووريده قد كان رسول الله ﷺ قال من دل على دانيال فبشروه بالجنة فدل عليه رجل يقال له" حرقوص" فكتب أبو موسى إلى عمر يخبره فكتب إليه عمر أن ادفنه وابعث إلى حرقوص فإن النبي ﷺ بشره بالجنة" قال ابن كثير: وهذا مرسل من هذا الوجه، وفي كونه محفوظا نظر والله أعلم، روي أن أبا موسى أخفى قبره لئلا يفتتن به الناس، وأنه وجد معه مصحفا ومالا وخاتما. (انظر البداية والنهاية ٢/ ٤٠ - ٤١).
(٢) لعل المقصود بالأنبياء الاثني عشر: الأسباط المشار إليهم في قوله تعالى في سورة البقرة آية ١٣٦: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إِلَيْنا وما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وإِسْماعِيلَ وإِسْحاقَ ويَعْقُوبَ والْأَسْباطِ الآية، وقوله تعالى في سورة المائدة آية ١٢: ولَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا الآية. والله أعلم. (انظر تفسير الطبري ١/ ٥٦٨، وتفسير القرطبي ٢/ ١٤١).
(٣) مزامير: جمع مزمار وهو الصوت الحسن ومزامير داود ﵇ ما كان يتغنى به من الزبور وضروب الدعاء وفي الحديث: «قال رسول الله ﷺ لأبي موسى الأشعري ﵁: (لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة لقد أوتيت مزمارا من مزامير داود» أخرجه البخاري في فضائل القرآن، باب ٣١: حسن الصوت بالقراءة للقرآن، ومسلم في صلاة المسافرين حديث ٢٣٥ - ٢٣٦. وغيرهما وهذا لفظ مسلم. وإلى داود ﵇ المنتهى في حسن الصوت بالقراءة (انظر لسان العرب ٤/ ٣٢٧).
(٤) من الأدلة على تحريف وتبديل تلك الكتب من القرآن الكريم قوله تعالى في سورة البقرة (٧٥ - ٧٩) في الكلام عن بني إسرائيل: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ
[ ١ / ٢٣٠ ]
نبينا محمد﵊-: «إذا حدثكم أهل الكتاب، فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم،" وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون «١»». فمنع من تصديقهم خشية أن يكون ما
_________________
(١) - اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهُمْ يَعْلَمُونَ إلى قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة: ٧٥ - ٧٩] وفي سورة النساء ٤٦: مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا الآية. وغيرها من الآيات الكريمات. وقد اعترف اليهود والنصارى بوقوع التبديل في التوراة، وكل طائفة تجعل مسئولية التحريف في عنق الأخرى ويعترف اليهود أيضا أن التوراة التي بأيديهم الآن إنما كتبها عزرا من محفوظاته ومحفوظات بعض الكهنة عند ما كثر القتل في اللاويين أيام بختنصر أحد جبابرة بني إسرائيل، كما أن النصارى متفقون على تعدد الأناجيل التي بأيديهم وأنها ليست الإنجيل المنزل، وتعددها يشهد بذلك، ومن الأمثلة على وقوع التبديل في التوراة ما ذكر فيها:" أصنع بناء آدم كصورتنا كشبهنا" فإن قولهم" كشبهنا" ليس له تأويل إلا أن آدم شبيه بالله تعالى علوا كبيرا، وهذا يعلم بطلانه ببداهة العقل إذ الشبه والمثل معناهما واحد، والله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الشورى ١١) والأمثلة والبراهين على وقوع التحريف فيها كثيرة يضيق المقام بذكرها. ومما يدل على افتراء النصارى على عيسى ﵇ في الأناجيل قول يوحنا:" إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي غير مقبولة وغيري يشهد لي" ثم ذكر في موضع آخر:" إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق لأني أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب" فكيف تكون شهادة عيسى ﵇ حقا وباطلا، مقبولة وغير مقبولة؟ وكيف ينسب هذا إلى المعصوم. وليس هذا وحده هو الذي يدلنا على تحريفهم الإنجيل وافترائهم على عيسى ﵇ بل الأمثلة كثيرة مع أن اليهود والنصارى يكذب بعضهم بعضا فيما يدعيه من الكتب وقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ [البقرة: ١١٣] (البقرة: ١١٣).
(٢) أخرج الحديث البخاري في تفسير سورة البقرة باب قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إِلَيْنا (٨/ ٧٠) وفي الاعتصام باب ٢٥ (١٣/ ٣٣٣)، وفي التوحيد باب ٥١ (١٣/ ٥١٦) موصولا عن أبي هريرة قال:" كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله ﷺ: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا (آمنا بالله وما أنزل ) الآية وأخرجه أبو داود في العلم باب رواية حديث أهل الكتاب (٤/ ٥٩). بغير لفظ المؤلف وغير لفظ
[ ١ / ٢٣١ ]
حدثونا «١» به مما حرف جزما، ومن تكذيبهم خشية أن يكون مما لم يحرف «٢».
عدلا منه ﷺ ولو لم يكن للعاقل دليل على صدقه﵇- إلا هذا لكفاه، كما قررته في التعليق على بعض كتب الأوائل «٣»، وفي آخر هذا التعليق «٤».
ولهذا قال علماء الحديث من المسلمين: إن الراوي إذا عرف منه الكذب يرد حديثه كله، ويصير غير موثوق به. وكذلك من اختلط ولم يتميز ما رواه قبل اختلاطه مما رواه بعده، يترك/ الكل احتياطا، وحزما في الدين.
وأيضا: كما أنهم لا يعدون كتابنا حجة عليهم، كذلك نحن لا نعد كتبهم حجة علينا وأولى، لأن كتبهم تقادم عهدها، وتعاورتها اللغات لفظا وكتابة، بخلاف كتابنا. أما «٥» التهمة فهي متجهة إلينا منهم، وإليهم منا.
_________________
(١) - البخاري، وأحمد في ٤/ ١٣٦ بلفظ قريب من لفظ أبي داود كلهما عن أبي نملة عمار بن معاذ الخزرجي الأنصاري ﵁ والآية في سورة العنكبوت ٤٦.
(٢) في ش: مما حدثوا.
(٣) قال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية السابقة (٣/ ٤١٦) " يعني إذا أخبروا بما لا نعلم صدقه ولا كذبه فهذا لا نقدم على تكذيبه لأنه قد يكون حقا ولا تصديقه فلعله أن يكون باطلا، ولكن نؤمن به إيمانا مجملا معلقا على شرط وهو أن يكون منزلا لا مبدلا ولا مؤولا" اهـ.
(٤) بين﵀- في كتابه المخطوط" تعاليق على الإنجيل" (ص ٢، ٣، ٦، ٧، وغيرها): أن هذه الأناجيل التي بيد النصارى ليس شيء منها هو الإنجيل المنزل على عيسى ﵇. وإنما هي أخبار عن سيرته كتبها من ذكرت أسماؤهم في أوائل تلك الاناجيل فهو من كلامهم وفيه يسير من كلام عيسى ﵇، ويعترفون أن هذه الأناجيل ليست منزلة، لأن عيسى هو الإله فهو المنزل علي الأنبياء لا غيره، أو ابن الله، فهو المطلع على سر أبيه ثم بين﵀- أن عيسى لو أطلع على ما كتبوا وما ذكروا من إلهيته ونحو ذلك لدعا عليهم بأن يصيروا قردة وخنازير.
(٥) انظر الحجة الخامسة في خاتمة هذا الكتاب.
(٦) في أ، ش:" لنا بدل:" أما".
[ ١ / ٢٣٢ ]
وأيضا: فإن هذا النصراني في استدلاله بما لا تقوم به الحجة علينا. إما أن يكون مع العلم بذلك فهو مغالطة ومخاتلة/ وتغابي «١»: إن قصد إقامة الحجة علينا.
وتحصيل الحاصل.
إن قصد إقامة الحجة للنصارى إذ هم «٢» في ثبوتهم على دينهم «٣» غنيون عن ذلك، حتى لو أراد منهم خلافه لما أطاعوه. أو مع عدم العلم فهو جهالة/ بمذهب الخصم. والعلم بما يلزم الخصم وما لا يلزمه ينبغي أن يكون مقدما على مناظرته.
وفائدة هذه المقدمة: سد باب الاستدلال علينا بكتب الأوائل مطلقا.
[المقدمة الثانية: عدم استقلال العقل بمعرفة الشرائع]
المقدمة الثانية:
إنه من المعلوم عندنا وعندهم: أن الله- سبحانه- إنما خلق العباد ليعبدوه كما صرح بذلك في القرآن الكريم حيث يقول: وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ «٤». لكن لما كانت عبادة المعبود تستدعي تقدم معرفته، خلق لهم العقول ليعرفوه بها، ويوطدوا بها قواعد العبادة ومقدماتها.
فظهر من هذا التقرير ما قاله المحققون من أهل العلم بالأصول، وهو أن
_________________
(١) من تغابى عن الأمر: أي تغافل. (انظر لسان العرب ١٥/ ١١٥، ومختار الصحاح ص ٤٦٩).
(٢) في ش: أنهم.
(٣) عبارة:" على دينهم"، ليست في: م.
(٤) سورة الذاريات: ٥٦.
[ ١ / ٢٣٣ ]
العقل نائب الشرع يقرر له القواعد من إثبات الصانع وتوحيده «١»، الذي وافقنا عليه النصارى لفظا لا معنى «٢»، وحدوث العالم وجواز إرسال الرسل والدليل على صدقهم، وهو المعجز الذي به تثبت النبوة «٣». فإذا ثبتت ثبت الشرع، ووجب قبول ما جاء به. ثم إن كان مما يدركه العقل فلله الحمد. وإن كان مما لا
_________________
(١) لا تستقل العقول بمعرفة الله على التفصيل لأنها عاجزة وقاصرة عن إدراك ما هو أقرب، فهي عاجزة عن إدراك أنفسها وكيفية عملها .. وعليه فإنه لا بد من مصدر آخر ليعرف العقل به الله سبحانه، فاقتضت رحمته ﷿ أن بعث الرسل به معرفين وإليه داعين فكان ما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب دالا للعقول السليمة إلى معرفة الله وكيفية عبادته، ونصوص الشرع مملوءة بالبراهين والأدلة على إثبات الصانع وقدرته، ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (سورة الفرقان: ٣٣) والعقل السليم يشهد بصحة ذلك، غير أنه إذا لم يرد في الشريعة شيء مما للعقل فيه مجال فإنه يرجع إليه في معرفته، وليس في أصول الدين- الاعتقاد والأحكام- ما يستقل العقل بإثباته دون النص والحمد لله، وقول الطوفي﵀-:" العقل نائب الشرع " أي فيما لم يرد فيه نص من مسائل الفروع. قلت: ومثاله غير مقبول. والله أعلم.
(٢) النصارى يقولون: إن خالق العالم واحد، لكنهم يقولون: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد. وهذا القول متناقض في نفسه، وقولهم في الحلول والاتحاد أفسد منه، فلهذا كانوا موافقين لنا في إثبات الصانع لفظا لا معنى، وهم مضطربون في فهم مذهبهم والتعبير عنه، بل لا يكاد أحد منهم يعبر عنه بمعنى معقول، ولا يكاد اثنان يتفقان على معنى واحد. ولهذا لم يقبل مذهبهم هذا عقل ولا فطرة. (انظر شرح العقيدة الطحاوية ص ٧٨).
(٣) في ش: ثبتت. قلت: الله سبحانه أرسل الرسل وصدقهم، فهو لكمال عدله ورحمته وإحسانه وإقامة الحجة على عباده، لم يبعث نبينا إلا ومعه آية تدل على صدقه فيما أخبر به قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ والْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ (الحديد ٢٥) ولا تثبت النبوة بالمعجزات وحدها.
[ ١ / ٢٣٤ ]
يدركه- وهو المسمى في عرف فقهاء الإسلام: تعبدا- وجب تسليمه، وتقليد «١» الشارع فيه، وبثبوت الشرع ينعزل العقل كما ينعزل بقدوم السلطان من سفره من كان استنابه موضعه في بلده.
وسر هذه المقدمة: ما قررته في" القواعد الصغرى «٢» " وهو: أن العبادات والتكاليف مستلزمة للمشقة على أهل التكليف. لكن المشقة تارة تكون عملية كما في الصلاة والصيام والحج والجهاد «٣»، وتارة علمية كما في الإيمان بالغيب. وهو
_________________
(١) الأولى أن يقال: اتباع الشارع فيه.
(٢) لم أجد هذا المخطوط فيما بحثت فيه من فهارس المخطوطات.
(٣) المشقة هي ما يصحب العمل من صعوبة وشدة وثقل عند القيام به ولو لم يكن فيه إلا مخافة الهوى لكان كافيا. ومن المعلوم أن الشرع لم يأت بما يشق أو يعنت بل شرع من الأحكام الأصلية والرخص ما يتناسب مع أحوال المكلفين، ولذلك فالمشقة على نوعين: الأول: معتادة مألوفة ليست مانعة من التكليف وهي داخلة في حدود الاستطاعة والوسع كما قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (التغابن ١٦) وقال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها (البقرة ٢٨٦) وهي متفاوتة بتفاوت الأعمال. وأما الثاني: فغير معتادة وهي التي تؤدي إلى الانقطاع عن العمل أو الملل وحصول الخلل للمكلف فهذه شرعت لها الرخص. ولكن الذي ينبغي معرفته أن المشقة ليست مقصودة في التكليف لأنها نابعة من طبيعة الشيء المكلف به شرعا ملازمة له .. وإنما المقصود الاتيان بالمطلوب الشرعي المشتمل على المشقة لما يترتب عليه من الامتثال وتحقيق المصلحة أو درء المفسدة. (انظر رفع الحرج في الشريعة الإسلامية د. صالح بن عبد الله بن حميد ص ٣٠ - ٣٨، ٣٥٠ - ٣٥٩، الموافقات للشاطبي المجلد الأول ج ٢ ص ٥٨، ٧٢، ٧٩ - ٨١، ٨٢ - ٨٦، ٨٩ - ٩٦، ١٠٤، ١٠٥، ١٠٦).
[ ١ / ٢٣٥ ]
كلما غاب عن العيان كالله «١» - سبحانه- وملائكته وأحكام الآخرة. وهذا أشق التكليفين «٢». ولهذا بدأ الله﷾- به في وصف المؤمنين حيث قال/:
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ (٣) «٣» فالأول: تكليف علمي.
والثاني: عملي. وكذلك قوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ (١٩) «٤»
ولذلك المسيح وغيره من الأنبياء/ إنما بدءوا بدعاء الناس إلى الإيمان بهم، وأنهم من عند الله.
ووجه المشقة في الإيمان بالغيب: هو أن النفس الناطقة مطبوعة مفطورة على حب إدراك الأمور بحقائقها، فإذا رأت ما لا تدرك حقيقته تألمت واضطربت، كما يشاهده كل عاقل من غيره، ويجده من نفسه، حتى في أيسر الأشياء. ولهذا يحدث «٥» للنفس العجب، وهو عرض يلحقها لخفاء سبب الأمر الحادث، فإذا ظهر لها سبب الأمر «٦» بطل العجب، واستراحت.
_________________
(١) في هامش (أ) تعليق يقول صاحبه:" هذه عبارة غير مستحبة عند أصحابنا" قلت: وهو كذلك، لأن كلما يتصوره العاقل من عظمة الله فالله أعظم من ذلك لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (سورة الشورى: ١١) فلا يمثل به احترازا من الوقوع فيما لا يليق بجلاله سبحانه.
(٢) هذه تسمى التكاليف الاعتقادية. (انظر الموافقات للشاطبي المجلد الأول ج ٢ ص ٥٨).
(٣) سورة البقرة الآية: ٣.
(٤) سورة القتال" محمد" الآية: ١٩.
(٥) في ش: يورث.
(٦) في (ش)، (م): لها السبب بطل العجب.
[ ١ / ٢٣٦ ]
فحاصل الأمر: أن الإنسان مركب من هيكل ونفس، وأن التكليف واقع على جزئيه كليهما، على هيكله عملا، وعلى نفسه اعتقادا وعلما. هذا كله مع اتفاق العقلاء «١» على أن الشرع لم يأت بما ينافي العقل، ولا يجوز فيه، بل بما قد لا يدركه العقل مع إمكانه في نفسه. ولهذا قال" أرسطو «٢» " على ما حكى عنه هذا النصراني في كتابه هذا الذي نحن بصدد مناقضته في بيان ضرورة النبوة للخلق قال/:" إن الحال في عقولنا عند النظر إلى المبادي الأولى «٣»، كحال الخفاش «٤» عند النظر إلى الشمس أعني أن الشمس في غاية الظهور في نفسها، وهي خفية عند الخفاش لضعف إبصاره".
_________________
(١) في (أ): مع اتفاق العلماء.
(٢) أرسطو، أو أرسطو طاليس المقدوني الإغريقي، فيلسوف الروم، ومعنى أرسطو في لغة قومه: الكامل الفاضل، ويقال بأنه أشهر فلاسفة اليونان، يلقب بالمعلم الأول لأنه أول من وضع التعاليم المنطقية. يقال أنه ولد بمقدونية سنة ٣٨٤ ق. م. وتوفي سنة ٣٢٢ ق م، وقال ابن تيمية﵀-:" فإن أرسطو كان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة" اهـ. (انظر النبوات لابن تيمية ص ٢٢، وطبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل ص ٢٥، ودائرة معارف القرن العشرين ١/ ١٦٤، ونزهة الأرواح في تاريخ الحكماء والفلاسفة للشهرزوري ١/ ١٨٨ - ٢٠٥).
(٣) مبدأ كل شيء أوله، والمراد بالمبادئ الأولى عند الفلاسفة:" القضايا الكلية التي يسلم بها العقل ومن استنباطها من التجربة أو من قضايا أخرى غيرها". (المعجم الفلسفي ٢/ ٣٢٢).
(٤) الخفاش طائر من عرض الطير شديد الطيران كثير التكفي والتقلب في الهواء، ضعيف البصر بحيث لا يتحمل من أجله الطيران في ضوء النهار، ولا يتحمل أيضا الطيران في الظلام الشديد، ولذلك فطيرانه ما بين غروب قرص الشمس إلى غياب الشفق، وسمى خفاشا لذلك لأن الخفش: ضعف البصر وضيق العين يقال للعين: خفشت، إذا قل بصرها. (انظر الحيوان للجاحظ ٣/ ٥٢٦ - ٥٢٩، لسان العرب ٦/ ٢٩٨ - ٢٩٩).
[ ١ / ٢٣٧ ]
وحكى أيضا هذا النصراني عن" ابن رشد «١» المالكي من المسلمين أنه قال:" لم يقل أحد «٢» في العلوم الإلهية قولا يعتد به، ولم يعصم أحد من الخطأ فيها، إلا من عصمه الله «٣» بأمر إلهي خارج عن طبيعة الإنسان وهم الأنبياء «٤» ".
وحكى عن" أرسطو" أيضا أنه قال في كتابه" الأسباب" أنه قال:" العلة الأولى «٥» أعلى من أن توصف، ولا تعجز الألسنة عن وصفها، إلا لأنها فوق كل علة «٦» ".
_________________
(١) هو محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد الحفيد يكنى بأبي الوليد، مالكي المذهب قرطبي الموطن أندلسي القطر، عني بكلام أرسطو طاليس وزاد عليه، ولد سنة عشرين وخمسمائة للهجرة قبل وفاة جده ابن رشد بشهر وتوفي في صفر سنة خمس وتسعين وخمسمائة للهجرة. (انظر ترجمته في الديباج المذهب ٢/ ٢٥٧ - ٢٥٩، وشذرات الذهب ٤/ ٣٢٠، والأعلام ٥/ ٣١٨).
(٢) في تهافت التهافت: لم يقل أحد من الناس.
(٣) في تهافت التهافت: وليس يعصم أحد من الخطأ إلا من عصمه الله تعالى.
(٤) النص في تهافت التهافت ص ٥٤٧ ط ٣، ن: دار المعارف بمصر. تحقيق سليمان دنيا.
(٥) العلة الأولى: هي العلة التي لا علة لها، أو علة العلل، أو العلة النهائية، وعرفها ابن سينا في الإشارات والتنبيهات ص ١٤٠ بقوله:" علة لكل وجود، والعلة حقيقة كل وجود في الوجود" [نقلا عن المعجم الفلسفي ٢/ ٩٧]، والفلاسفة القائلون بقدم الأفلاك لهم قولان فيها: منها من يقول إنها فاعلة بالاختيار، ومنهم من يقول إنها موجبة بلا اختيار. وناقش الرأيين وبين بطلان قول الفلاسفة في ذلك الشيخ أحمد بن عبد السلام بن تيمية﵀- في درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٣٠١ وما بعدها.
(٦) النص: لم أجده فيما اطلعت عليه من المراجع.
[ ١ / ٢٣٨ ]
وحكى عن أبي حامد/ هو الغزالي «١» - شيئا في معنى ذلك عزاه إلى" كيمياء السعادة" وإلى" المقصد السني «٢».
قلت: فالحاصل من هذا أن إدراك الشيء (قد يمتنع تارة لضعف المدرك كبصر الخفاش، وتارة لخفاء المدرك كالسهى «٣» عند بعض الناس، كما أن التأثير «٤») قد يمتنع في الأمور الفعلية والانفعالية تارة لضعف الفاعل. كالسيف الكال وتارة لصعوبة القابل «٥» أو ملابسة مانع له كالجسم الصلب إذا ضرب بسيف «٦» ونحوه.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في الدراسة ص: ١٤١.
(٢) لم أجد في كيمياء السعادة ما في معنى هذا، وأقرب ما وجدت في المقصد الأسنى ما قاله الغزالي في المقدمة:" فقد سألني الأخ في الله شرح معاني أسماء الله الحسنى فلم أزل أقدم رجلا وأؤخر أخرى أخذا بسبيل الحذر وعدولا عن ركوب متن الغرر [الخطر] واستقصارا بثوة البشر عن درك هذا الوطر. وكيف لا! وللبصير عن خوض مثل هذه الغمرة صارفان أحدهما: أن هذا الأمر في نفسه عزيز المرام صعب المنال، غامض المدرك فإنه في العلو والذروة العليا والمقصد الأقصى الذي تتحير الألباب فيه، وتنخفض أبصار العقول دون مباديه، فضلا عن أقاصيه. ومن أين للقوى البشرية أن تسلك في صفات الربوبية سبيل البحث والفحص والتفتيش؟!!. وأنى تطيق نور الشمس أبصار الخفافيش؟! ".
(٣) في أكالسها. والسّهى: بالضم والقصر: نجم خفي في بنات نعش الصغرى. وفيه المثل العربي:" أريها السّهى وتريني القمر" والجمع بين السهى والقمر لما بينهما من المقابلة بالتضاد، لأن السهى في غاية الخفاء والقمر في غاية الظهور. (انظر زهر الأكم في الأمثال والحكم لليوسي ٣/ ٢٩، والمستقصي في أمثال العرب ١/ ١٤٧).
(٤) ما بين القوسين ساقط من (م).
(٥) في (أ): للقابل.
(٦) في (أ): إذا ضرب السيف
[ ١ / ٢٣٩ ]
وفائدة هذه المقدمة: أن نحيل عليها بالجواب عن كل حديث أورده هذا السائل من السنة الإسلامية مما يقصر العقل عن إدراك مضمونه أو يدركه على تعسف، أو بتأويل بعيد.
وقد ساعدنا هو على ذلك بما ذكره عن الحكيم" أرسطو" فكان هذا الخصم كالجادع مارن أنفه بكفه «١»، والباحث عن حتفه بظلفه «٢».
وأيضا: فإن من الطرق العامة التي لا يستغنى عنها في كل شريعة، أو غالب الشرائع: أن يقال فيما اشتملت عليه من التعبدات العملية أو العلمية: هذا ممكن أخبر به الصادق، وكل ممكن أخبر به الصادق فهو حق واقع. فهذا المشار إليه حق/ واقع.
_________________
(١) مارن الأنف مالان من الأنف، وقيل: مالان من الأنف منحدرا عن العظم وفضل عن القصبة [لسان العرب ١٣/ ٤٠٤] وهذا من المثل المشهور:" لأمر ما جدع قصير أنفه" وفي ذلك يقول المتلمس: ومن حذر الأيام ما حز أنفه قصير ورام الموت بالسيف بيهس [انظر المستقصي في أمثال العرب للزمخشري ٢/ ٢٤٠، ومجمع الأمثال للميداني ١/ ٢٣٥، ٢/ ١٩٦].
(٢) هذا من المثل العربي:" حتفها تحمل ضأن بأظلافها" وهذا يضرب لمن يوقع نفسه في هلكة. وأصله أن رجلا وجد شاة، ولم يكن معه ما يذبحها به، فضربت بأظلافها الأرض فظهر سكين فذبحها به، تمثل به حريث بن حسان الشيباني بين يدي الرسول ﷺ لقيلة التميمية في قصة اقطاعه الدهناء له. [انظر مجمع الأمثال ١/ ١٩٢، وسنن أبي داود" كتاب الإمارة، باب إقطاع الأرضين" والترمذي:" كتاب الأدب، باب ما جاء في الثوب الأصفر].
[ ١ / ٢٤٠ ]
والنزاع في هذا الدليل يقع في أمرين:
أحدهما: كون الأمر المشار إليه ممكنا، وقد بينا: أن الشرع لم يأت بما ليس ممكنا.
والثاني: في كون المخبر به صادقا. وعلى أهل كل ملة بيانه بالدليل.
ونحن سنبين صدق محمد﵇- في أثناء هذا الكتاب، حيث يناسب ذكره،- إن شاء الله تعالى- على وجه يقبله كل منصف عاقل.
[المقدمة الثالثة: ما تثبت به الأصول]
المقدمة الثالثة:
إن الأحكام العقلية على وزان الأحكام الحسية. ولهذا إذا أشكل على العقلاء أمر عقلي، ضربوا له مثالا حسيا ليتصور لهم. وصور ذلك كثيرة جدا في سائر العلوم، يعرف ذلك من له أدنى نظر في العلم.
وإذا عرفت/ ذلك فاعلم أن الأدلة الشرعية لها مراتب مختلفة بحسب اختلاف مدلولاتها.
فيثبت ببعضها فروع الشريعة دون أصولها، كالخبر المستفيض «١»، وخبر الواحد «٢»، والقياس الظني «٣»،
_________________
(١) انظر الكلام عنه في ص: ٥٧٠.
(٢) سيأتي الحديث عن خبر الواحد- إن شاء الله- ص: ٥٦٩.
(٣) القياس: لغة التقدير نحو قست الثوب بالذراع والجراحة بالمسيار وشرعا: حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما. وينقسم إلى قطعي وظني، فالقطعي: ما كان الإثبات فيه- أي الادراك- علي وجه الجزم واليقين ويتوقف هذا النوع على العلم بعلة حكم الأصل والعلم بحصولها في-
[ ١ / ٢٤١ ]
والاستحسان «١»، والاستصحاب «٢»، وقول الصحابي «٣» ونحوه. ولا تثبت أصول الشريعة إلا بقاطع كالبديهيات والنظريات «٤» والمتواترات «٥» ونحوها.
_________________
(١) - الفرع. وأما الظني فهو: ما كان الإثبات- أي الادراك- على وجه الرجحان وغلبة الظن. أي إذا ظن في علة حكم الأصل أو حصولها في الفرع، أو ظن في أحدهما. (انظر المختصر في أصول الفقه لابن اللحام ص ١٤٢، ودراسات في أصول الفقه للدكتور عبد الفتاح الشيخ ص ١٩٧).
(٢) الاستحسان: في اللغة: عد الشيء واعتقاده حسنا. تقول استحسنت كذا، أي اعتقدته حسنا، أو طلب الأحسن للاتباع الذي هو مأمور به كما في قوله تعالى: فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ (الزمر ١٧ - ١٨) وفي الاصطلاح: هو العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص. وقال به الحنفية، وأنكره غيرهم، وقال المنكرون:" من استحسن فقد شرع" (انظر مقدمة: ابن قدامة وآثاره الأصولية للدكتور عبد العزيز السعيد، والمختصر في أصول الفقه لابن اللحام ص ١٦٢، وأدلة التشريع للربيعة ص ١٥٥ وما بعدها).
(٣) الاستصحاب: لغة: طلب المصاحبة. واصطلاحا: له عدة تعاريف عند العلماء منها: هو البقاء على الأصل فيما لم يعلم ثبوته وانتفاؤه بالشرع، ويسمى العدم الأصلي عند عدم الدليل الشرعي. وهو دليل مختلف في الاحتجاج به (انظر فتاوى ابن تيمية ١١/ ٣٤٢، المختصر في أصول الفقه لابن اللحام ص ١٦٠، ابن قدامة وآثاره الأصولية متن الروضة ص ١٥٥ وما بعدها، التعليقات على الورقات ص ٨٩، أدلة التشريع للربيعة ص ٢٧٥ وما بعدها).
(٤) الراجح من أقوال العلماء أن قول الصحابي إذا اشتهر ولم يخالفه أحد من الصحابة، ولا عرف نص يخالفه: أنه حجة. (انظر فتاوى ابن تيمية ٢٠/ ١٤، ٥٧٣).
(٥) هكذا في النسخ الثلاث ولعل صحيح العبارة:" كالبديهيات والفطريات نسبة إلى الفطرة التي فطر الله الناس عليها. والله أعلم.
(٦) سيأتي الكلام عن المتواتر في ص: ٥٦٩.
[ ١ / ٢٤٢ ]
ووزانه من المحسوسات البناء. فإنه يحتاط لأسه بتخير الآلة الجيدة القوية الثابتة ما لا يحتاط لحشوه وأعلاه، لأن ثبوت أعلاه بأسّه.
وفائدة هذه المقدمة: أن يستند إليها في أن كل ما أورده علينا من الأخبار التي حقها أن لا تثبت بمثلها الأصول، لا ترد علينا، ولا تلزمنا لأن تلك أخبار توجب العمل دون العلم، لكونها مظنونة الثبوت. وإن كانت في البخاري «١» ومسلم «٢»، لاحتمال وقوع علة قادحة في طريقها، فلا تقوى على إثبات أصل، ولا على أن يقدح بها في أصل، خصوصا وقد دخلها تصرف الرواة في الرواية بالمعنى. وقد أورث ذلك إشكالا عظيما في أحكام الفروع، واختلافا جمّا بين أهل العلم.
فنقول في مثل تلك الأحاديث: هذه لا نثبت بها أصلا، ولا ترد علينا نقصا «٣». وإنما المعتمد على ما يثبت به ذلك «٤».
_________________
(١) تقدمت ترجمته ص: ٦١ من القسم الدراسى.
(٢) تقدمت ترجمته ص: ١٧٥ من القسم الدراسي.
(٣) في (م): نقصا.
(٤) تقدمت الإشارة إلى أن الخبر عند بعض المحدثين والفقهاء إما متواتر أو آحاد، والآحاد إما مشهور مستفيض أو خبر واحد، وسيأتي تعريف المتواتر وتعريف المشهور المستفيض، وأنه على الرأي الراجح حجة ما دامت روايته صحيحة وتلقته الأمة بالقبول. وكذا خبر الواحد حجة للعمل به في الدين والدنيا كما سبق أن أوضحت هذا في قسم الدراسة ورددت على الطوفي وغيره من الأصوليين فيما ذهبوا إليه في حجية خبر الواحد.
[ ١ / ٢٤٣ ]
وإذا فهمت مقاصد هذه المقدمات، تيسر عليك الجواب، فإن ما أراده هذا الخصم، إن كان من كتبهم كالتوراة والإنجيل ونحوها: منعنا كون ذلك حجة، بما قررناه في المقدمة الأولى. ثم قد نسلمه على جهة التنزل ونجيب عنه بالتزام أو فساد «١» بوجه ما. وإن كان من كتبنا، فإن كان (مما يقصر العقل عن فهمه أجبنا عنه بما حكى هو عن" أرسطو" كما تقرر في المقدمة الثانية، وإن كان «٢») مما يصل العقل إلى فهمه أجبنا عنه: إما بأنه مما لا يثبت/ بمثله أصل. بناء على ما قرر في المقدمة الثالثة، أو بتوجيهه وهو يسير بطريق من طرق الأجوبة الجدلية./
والذكي الفطن إذا اقتصر في جواب كتاب هذا النصراني كله على هذه المقدمات كفاه ذلك. مع أني لا أقتصر عليه، بل سأجيب عن كل منه بما أمكن مفصلا- إن شاء الله تعالى- وما كان في عبارته من تطويل لخصته مع الإتيان بكمال المعنى، وأعرضت عن مكافأته على سوء «٣» أدبه على النبي ﷺ بمثله، لا إكراما له، بل هوانا «٤» بقدره ومحله.
[المتنبئون الكذبة والتحذير منهم]
فأقول: أول ما افتتح به كتابه أن قال:" احذروا من الأنبياء الكذابين، الذين يأتونكم في لباس الضأن، وهم في الباطن ذئاب مغيرة، من ثمراتهم
_________________
(١) في «م»: أو آفساد
(٢) ما بين القوسين ساقط من (م). وقد أشار المراجع بسهم إلى الهامش عند بداية النقص، ولم يكتب النقص فيه.
(٣) في (م): عن.
(٤) في (م): أهوانا.
[ ١ / ٢٤٤ ]
يعرفون" قال:" وهذه الآية قول الله ﷿ في الإنجيل الطاهر"، وذكر عليها كلاما لا ضرورة لنا إلى ذكره فيما نحن بصدده.
قلت: هذا من كلام المسيح ابن مريم «١»، ذكر في الفصل الخامس «٢» من إنجيل متى «٣». وقول هذا المصنف:" هذه الآية قول الله تعالى «٤» في الإنجيل الطاهر" هو بناء على معتقده: أن المسيح هو الله «٥». ويكفيه
_________________
(١) يقول الشيخ رحمة الله الهندي في إظهار الحق ص ٣٣٠:" إن ألفاظ عيسى ﵇ بعينها ليست بمحفوظة في إنجيل من الأناجيل، بل في كل إنجيل توجد ترجمة أقوال باليوناني على ما فهم الرواة " اهـ، وهو كذلك.
(٢) قلت هذا النص في الفصل السابع من متى حسب ترجمة ١٩٧٩ م- دار الكتاب المقدس في العالم العربي ولفظه فيها:" احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان، ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة، من ثمارهم تعرفونهم" اهـ.
(٣) متى: يقال إنه أحد الحواريين الاثني عشر الذين آمنوا بعيسى وتتلمذوا عليه بإجماع النصارى، وليس كذلك. كان من جباة الضرائب للحاكم الروماني في ذلك الوقت ولذلك سمى: متى العشار. يقال: إنه كتب إنجيلا بين فيه حياة المسيح مما كان قد شاهده ورآه. وألفه بالعبرية. ثم فقد هذا الإنجيل وترجم بعد ذلك باللغة اليونانية على زعم النصارى، ولم يعلم متى ترجم ومن ترجمه، وبذلك تسقط قيمة هذا الإنجيل. (انظر الفارق بين المخلوق والخالق ص ١٩ - ٢٠، وتحقيق تاريخ الأناجيل ص ٣٠ - ٣٤، والفصل ٢/ ٨٩).
(٤) كلمة:" تعالى" ليست في (م).
(٥) قال الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ولِلَّهِ مُلْكُ الآية. المائدة: ١٧).-
[ ١ / ٢٤٥ ]
ذلك «١» شناعة وبشاعة على ما قررته «٢» بحسب الإمكان في التعليق على الأناجيل الأربعة «٣».
قلت: وغرضه بتصدير كتابه بهذه الآية «٤»: القدح في محمد ﵇
_________________
(١) - وقال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ الآية (سورة المائدة: ٧٢).
(٢) في (أ): (ويكفيه من ذلك شفاعة).
(٣) فى م: على ما قد قررته.
(٤) عند ما تعرض في كتابه" تعاليق على الأناجيل" لبيان أنها ليست منزلة من عند الله ذكر أن من أدلة ذلك اتفاقهم في أوائل كتبهم وأناجيلهم على أن يقولوا:" بسم الأب والابن والروح القدس إله واحد" وبين أنه لو سمعهم المسيح في ذلك لدعا عليهم بأن يصيروا قردة وخنازير. وأنه لا يرضى منهم هذا الادعاء، ثم أفسد قولهم بالأقانيم الثلاثة، وقياسهم إياها على النفس والنطق والعقل للإنسان، ورد ادعاءهم بأنها صفات للإله وبين فساد مذهبهم على العموم في الإلهية وأثبت نبوته. (انظر مخطوطة الكتاب المذكور من ص ٣ - ٨).
(٥) الآية في اللغة على عدة معاني فهي بمعنى المعجزة، والعلامة والعبرة، والأمر العجيب، والجماعة والبرهان والدليل، وكل ذلك وارد في القرآن الكريم إلا بمعنى جماعة. وهي في اصطلاح المسلمين: طائفة ذات مطلع ومقطع مندرجة في سورة من القرآن. والآية في القرآن تجمع بين المعاني اللغوية كلها. (انظر مناهل العرفان ١/ ٣٣١ - ٣٣٢) ولكن هل يطلق على ما ورد في كتب أهل الكتاب التي بأيديهم آية؟ لم أجد في ذلك شيئا ولكن أرى أنه لا يطلق عليها لعدم الوثوق بأنها من عند الله بل هي محرفة مبدلة وليست المنزلة واطلاق المؤلف هنا تجوزا والله أعلم.
[ ١ / ٢٤٦ ]
ونسبته إلى الكذب. ولا حجة له «١» فيها على ذلك، فإنها كلام صحيح، ونحن نقول به/ ومحمد ﷺ قد حذرنا من الأنبياء الكذابين «٢» أيضا «٣»، والمسيح ﵇ لم ينص على أحد بعينه أنه كاذب، بل حذر ممن «٤» صفته الكذب، ممن يدعي النبوة.
وقد كان في بني إسرائيل متنبئون/ كذبة كثير. كما قد صرح به في نبوة أرمياء في الأصحاح الرابع «٥» والخامس «٦» والسادس «٧» منها. كما ذكر هذا
_________________
(١) في (م): ولا حجة فيها.
(٢) في (ش)، (م): الكذبة.
(٣) من ذلك على وجه الاختصار ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله» (البخاري في المناقب باب علامات النبوة في الإسلام ٦/ ٦١٦، ومسلم في الفتن ح ٨٤، والترمذي في الفتن باب ما جاء لا تقوم الساعة حتى يخرج كذابون، وأحمد ٢/ ٢٣٧). وأخرج مسلم أيضا وغيره عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن بين يدي الساعة كذابين» وفي رواية ابن ماجه: «إن بين يدي الساعة دجالين كذابين قريبا من ثلاثين كلهم يزعم أنه نبي». (مسلم في الإمارة حديث ١٠ وفي الفتن حديث ٨٣، وابن ماجه في الفتن باب ما يكون من الفتن، وأحمد في المسند ٢/ ٤٢٩).
(٤) فى النسخ الثلاث:" من صفته" والصحيح ما أثبته.
(٥) لم أجد في هذا الفصل في التراجم الحديثة نص واضح في هذا.
(٦) مما قال فيه:" صار في الأرض دهش وقشعريرة، الأنبياء يتنبئون بالكذب، والكهنة تحكم على أيديهم".
(٧) قال:" لأنهم من صغيرهم إلى كبيرهم كل واحد مولع بالريح ومن النبي إلى الكاهن كل واحد يعمل بالكذب".
[ ١ / ٢٤٧ ]
النصراني بعينه بعد ذكر هذه الآية بأسطر: أن نحو أربعمائة من بني إسرائيل ادعوا النبوة في «١» زمن" آخاب «٢» " ملك بني إسرائيل، وكانوا كذبة وأنهم وعدوه بالنصرة على بعض أعدائه فاغتر بهم فخذل وقتل «٣». فالمسيح إنما حذر من مثل هؤلاء، لا من مثل محمد، الذي جاء بأتم «٤» أخلاق وآداب ودين لا يتمارى في صدقه بعده إلا جاهل أو مجنون وبمعجزات جمة «٥»، بأيسرها تثبت النبوة. على ما سيأتي، بل المسيح بشر بمحمد﵇- كما سيأتي في موضعه من هذا الكتاب «٦»، وكما قررتة في «٧» فصل" البارقليط «٨» " في
_________________
(١) في (ش): وفي.
(٢) " آخاب": أحد ملوك بني إسرائيل، يقال إنه كان في زمن الرسول إلياس﵊-، وكان يسمع من إلياس ويصدقه، ثم كذبه وعبد الأوثان مثل بني إسرائيل. (انظر الكامل في التاريخ ١/ ١١٨ - ١١٩).
(٣) لم أجد هذا النص في التراجم الحديثة من الأناجيل الأربعة.
(٤) كلمة:" بأتم" ساقطة من (م) و(ش).
(٥) فى (م): جمعة.
(٦) انظر: ٤١١ - ٤٢٤.
(٧) في: ليست في (أ).
(٨) البارقليط، وتكتب: البرقليط، وتكتب أيضا: الفارقليط: وهو عند بعض النصارى من ألفاظ الحمد إما أحمد أو محمد أو محمود. وقيل: الحامد، وجمهورهم أنه المخلص الناس من الكفر، والمعلم لكل شيء. قلت: وكل هذه الأوصاف تنطبق على محمد ﷺ (انظر الأجوبة الفاخرة للقرافي ط الباز ص ١٦٦، وهداية الحيارى لابن القيم ط مكتبة المعارف بالرياض ص ٥٥) وفي التراجم الحديثة: المعزي ومعناه: الجاد في أمره، يقال: رجل معز وماعز ومستمعز: جاد في أمره لله (انظر لسان العرب ٥/ ٤١١، وإنجيل يوحنا الأصحاح ١٤).
[ ١ / ٢٤٨ ]
التعليق «١» على بشارة يوحنا بن زيدي «٢». والله أعلم.
ثم قال:" وهذا يعني تعريف الأنبياء الكذابين «٣» وتعرفهم، والتحذير منهم ضروري، بيّن الضرورة، نافع، ظاهر المنفعة، والعمل به واضح النجح بيّن الصلاح لأنه لا رتبة أعلى ولا خطة أرفع في بني آدم من النبوة. فكم ملتمس رامها بالحيل، فأظهر/ من دقائق «٤» الحيل، وخفي المكائد ما اغتر به كثير من ضعفاء العقول، فألقى الشيطان الضلال في الناس، وأدخل بينهم الفساد بواسطة هذا الصنف من الأنبياء الكذابين، كما جاء في قصة" آخاب" ملك إسرائيل، وذكر
_________________
(١) ذكر ذلك المؤلف في كتابه:" تعاليق على الأناجيل " ص ٧٠ - ٧٢ خ وذلك عند ذكره لنص انجيل يوحنا:" والفارقليط روح القدس الذي يرسله أبي باسمي وهو يعلمكم كل شيء وإذا جاء ذلك يوبخ العالم على الخطيئة ثم إذا جاء روح الحق ذلك فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه ليس ينطق من عنده بل يكلم كلاما يسمع ويخبركم بما يأتي وهو يمجدني لأنه يأخذ بما هو فيّ ويخبركم" وقد بين الطوفي أن هذا النص بشارة من عيسى بمحمد لأنه لم يأت بعد المسيح من ادعى النبوة، وعلم الناس ونهاهم عن الكفر والمعاصي، وأرشدهم إلى الحق وبالغ في تمجيد عيسى وصدقه في نبوته وقاتل اليهود على تكذيب عيسى وقاتل عباد الأوثان إلا محمد ﷺ وقد قال ﷺ: «أنا أولى الناس بابن مريم إنه لم يكن بيني وبينه نبي" [أخرجه مسلم في الفضائل حديث ١٤٣، ١٤٤، ١٤٥ بألفاظ متقاربة].
(٢) يوحنا بن زيدي الصياد لم يكن من الحواريين الاثني عشر ولد بصيدا يقال إن المسيح﵇- كان يحبه حتى أنه استودعه أمه مريم وهو فوق الصليب- على زعمهم- وهذا كذب ويقال إنه نفي أيام الاضطهادات الأولى نفاه القيصر إلى جزيرة من جزر بحر ايجة وهناك تلقى مناظر الرؤيا، ثم عاد إلى أفسس ولبث بها يبشر بانجيله حتى توفي شيخا. [انظر الفارق بين المخلوق والخالق ص ٣٤٠ - ٣٤٢، وتحقيق تاريخ الأناجيل المعتمدة عند النصارى ص ٣٨، والفصل ٢/ ٨٩].
(٣) في (ش)، (م): الأنبياء الكذبة.
(٤) في (ش): دفاتر.
[ ١ / ٢٤٩ ]
قصته مع أربع المائة الذين تنبئوا في زمانه، وقد سبق ذكرهم.
قلت: هذا «١» كلام صحيح، لا غبار عليه. ونحن نقول به، لكن غرض هذا الخصم، لا يتم منه بحسب ما هو بصدده إلا ببيان: أن محمدا ﵇ من هذا الصنف من الأنبياء الكذابين/.
وذلك صعب المرام عليه، لوجهين:
أحدهما: أنا ما رأينا ولا سمعنا منذ أهبط آدم «٢» إلى الآن: أن نبيا كذابا «٣» استوسق «٤» له ناموسه، كما استوسق دين الإسلام نحو ألف
_________________
(١) في (م): وهذا.
(٢) ذكر الله اهباطه لآدم في القرآن الكريم قال تعالى: وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما إلى قوله تعالى: وقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إِلى حِينٍ (سورة البقرة من ٣٥ - ٣٦) وقال تعالى في سورة طه [١٢٣]: قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ الآية. وثبت خبر اهباط الله لآدم في صحيح مسلم في [القدر، حديث ١٥ باب حجاج آدم وموسى ﵉] وسنن أبي داود في (الصلاة فضل يوم الجمعة، وليلة الجمعة ١/ ٦٣٤) والترمذي في (تفسير سورة بني إسرائيل- الإسراء- ٥/ ٣٠٨) وفي (فضل الجمعة ٢/ ٣٥٩) وأحمد في المسند ٢/ ١٣٤، ٣/ ٤٣٠، ٤/ ٤٥٠ كلهم بألفاظ مختلفة.
(٣) لو قال: أن متنبئا كذابا لكانت العبارة أصح وأدل على المقصود، لأن النبي لا يكذب. ومن يكذب لا يسمى نبيا.
(٤) استوسق له الأمر: اجتمع له الأمر واستقر [انظر لسان العرب ١٠/ ٣٨٠] ومنه ما رواه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢١٣) من حديث جعفر بن أبي طالب في الهجرة إلى الحبشة عن أم سلمة: ( قالت ودعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده. واستوسق عليه أمر الحبشة فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله ﷺ ).
[ ١ / ٢٥٠ ]
سنة «١»، وهو كلما جاء «٢» في زيادة وتمكن.
بل كان المتنبّئ لا يلبث إلا يسيرا، حتى يفضحه الله، ويهتك ستره، لأن عادة الله في خلقه: أن يحق الحق، ويبطل الباطل، ويجعل العاقبة للمتقين «٣».
الوجه الثاني: أن تأييد الكذاب بالمعجز، وإظهار أمره، وانقياد الناس له قبيح. لأن فيه التباس النبي بالمتنبي، والقبيح لا يجوز على الله فعله خصوصا على رأي هذا الخصم «٤»، في انكار القدر «٥». فإن هذا من جملة أدلة القدرية «٦»
_________________
(١) قوله:" الف سنة" هكذا في النسخ الثلاث. ولعل هذا تحريف من النساخ لأن الوحي نزل على رسول الله ﷺ وعمره أربعون سنة على الأرجح وبقي في مكة يدعو الناس إلى دين الله ثلاث عشرة سنة ثم هاجر إلى المدينة وتكونت دولة الإسلام. وتوفي ﷺ في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة فيكون الزمن من ابتداء ظهور الإسلام إلى سنة تأليف هذا الكتاب في أواخر سنة سبع وسبعمائة من الهجرة: ثمانمائة سنة تقريبا وليس ألف سنة كما ذكر إلا أن يكون ذكر ذلك للتكثير، فالله أعلم.
(٢) هكذا في النسخ الثلاث ولعل صحيح العبارة:" وهو كلما جاء زمن- أو عام أو وقت- في زيادة وتمكن".
(٣) قال الله تعالى: قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ والْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [سورة الأعراف ١٢٨]. وقال تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ ولا فَسادًا والْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (سورة القصص ٨٣).
(٤) سيأتي بيان مذهب الطوفي في التحسين والتقبيح العقليين- إن شاء الله- في ص ٤٦٨.
(٥) في (ش): القدرة.
(٦) القدر: ما يقدره الله ويحكم به من الأمور. [لسان العرب ٥/ ٧٤] والإيمان به أحد أركان الإيمان الستة، وأول من قال فيه قولا شاذا منحرفا عن الحق معبد الجهني المتوفي سنة ثمانين من الهجرة، فأنكر القدر، ثم كثر الخوض فيه بعد ذلك، وصار النزاع في الإرادة وخلق أفعال العباد، فزعمت طائفة منهم المعتزلة أن الله أراد الإيمان من الناس كلهم والكافر أراد الكفر، فخلق العبد فعله وغلبت إرادته إرادة الله، وقالت طائفة بعكس ما قال هؤلاء: أي أن العبد ليس له إرادة ولا اختيار بل هو مجبور على فعله فإذا أراد الله عليه الكفر فهو مجبور على ذلك. فسمي هؤلاء جميعا" قدرية" والتسمية على الطائفة الأولى أغلب. [انظر شرح العقيدة الطحاوية ص ١١٥، وفتاوى ابن تيمية ١٣/ ٣٦ - ٣٧].
[ ١ / ٢٥١ ]
على نفيه، وسيأتي ذلك في أثناء هذا الكتاب إن شاء الله تعالى «١» وسنذكر من معجزات محمد﵇- ما يخزى له كل معاند.
[حقيقة النبوة وحاجة الخلق إليها]
ثم قال:" فينبغي للعاقل أن يعرف أولا: ما النبوة؟ وما فائدتها؟ وما النبي؟
وما شروطه؟ وما مراد الله تعالى بإرساله لعبيده؟ لأنه لا بد من تصور الشيء «٢» قبل/ التصديق به، ليكون الإنسان «٣» قادرا على التفرقة بين كذب النبوة وصدقها، وعلى الفصل بين الصادق والكاذب من الأنبياء".
قلت: هذا كلام صحيح، لا اعتراض لنا، ولا لغيرنا عليه.
ثم قال:" ولا بد عند الخوض في هذا من معرفة الكلام في أربعة أمور:
حقيقة النبوة، ووجودها، ووقوعها، وضرورة الخلق إليها. ومنفعتها".
قلت: هذا أيضا كلام صحيح مسلم.
ثم قال:" أما حقيقة النبوة: فإنها وحي صادق نافع للناس إلهي «٤»، يكشف عن الغيب الذي لا يمكن انكشافه بحسب مجرى الطبيعة" وذكر ما في هذه القيود من/ الاحترازات، وهي ظاهرة.
قلت: وهذا تعريف صحيح لا مطعن عليه.
ثم قال:" وأما وقوع النبوة فغير منازع فيه، عند أهل الملل الثلاث «٥».
_________________
(١) انظر ص: ٤٥٤ وما بعدها.
(٢) في (أ): النبي.
(٣) في (أ): الارسال.
(٤) في (أ): إلهي به يكشف.
(٥) أهل الملل الثلاث: اليهود، والنصارى، والمسلمون.
[ ١ / ٢٥٢ ]
وبيانه لمن نازع فيه بحجتين:
إحداهما «١»: أن عناية الباري سبحانه/ بخلقه" قد تثبت في اليسير، من مصالح المعاش، كوضع الحواس والأعضاء، متهيئة لما وضعت له ونحو ذلك من نعم الله التي لا تحصى «٢».
فالعناية بهم في أمر المعاد بإرسال من يهديهم إلى طريق السعادة الأبدية والحياة الدائمة «٣»، ويكف شر بعض العالم عن بعض «٤»، لينتظم أمرهم أولى «٥».
_________________
(١) في (أ): أحدهما.
(٢) قال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ وما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ ولا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ والشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والْأَبْصارَ والْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ [السجدة: ٤ - ٩] (سورة السجدة ٤ - ٩).
(٣) في (ش): الدائمة السرمدية.
(٤) العالم عن بعض: مكررة في (أ).
(٥) قلت: حاجة البشرية إلى بعثة الرسل فوق كل حاجة، وضرورتهم إلى الرسالة فوق كل ضرورة، لأنه لا حياة للقلوب ولا طمأنينة إلا بمعرفة الله وكيفية عبادته وما الطريق الموصل إلى ذلك، وما لهم في الدار الآخرة من الثواب والجزاء، وأنها هي الحياة الدائمة التي يعمل الإنسان في الدنيا من أجلها، كما أن الحياة الدنيا ستكون جحيما بغير الرسالات التي تنظم الحياة والعلاقات وتوفر الأمن على النفس والعرض والمال وغير ذلك مما لا بد للإنسان منه.
[ ١ / ٢٥٣ ]
الثانية: ما دل عليه التواتر الكامل الشروط من أن جماعة من الرجال، ادّعوا أنهم رسل الله، وظهرت المعجزات على أيديهم، كمعجزات موسى وعيسى، ورد الشمس ليوشع «١». ثم ذهبوا على أوضح سنن من الطهارة والفضيلة والزهد في الدنيا، ودعوا الناس إلى مثل ذلك: فإن هذا يدل على صدقهم في دعواهم وذلك يفيد وقوع النبوة قطعا، هذا حاصل ما ذكره من الحجتين، لخصته أنا، وهو في عبارته طويل جدا.
قلت: وهاتان الحجتان مسلمتان. لكن الأولى مبنية على رعاية الأصلح ونحن لا نقول به وجوبا على الله، بل جوازا «٢» على جهة
_________________
(١) يوشع بن نون أفرائيم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم﵇- (البداية والنهاية ١/ ٣١٩) أحد أنبياء بني إسرائيل. أخرج البخاري في [كتاب الخمس باب قول النبي ﷺ: «أحلت لكم الغنائم » ٦/ ٢٢٠] عن أبي هريرة﵁- قال: قال النبي ﷺ: «غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولم يبن بها، ولا أحد بنى بيوتا ولم يرفع سقوفها ولا آخر اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر ولادها. فغزا. فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحسبت حتى فتح الله عليهم » الحديث، وقد أخرجه مسلم في كتاب الجهاد، باب تحليل الغنائم لهذه الأمة حديث ٣٢، وأحمد في المسند ٢/ ٣١٨ بألفاظ متقاربة، وأحمد في المسند (٢/ ٣٢٥) عن أبي هريرة بلفظ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الشمس لم تحبس إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس». وقد ذكر ابن حجر في الفتح (٦/ ٢٢١) أن هذا الطريق مرفوعة صحيحة.
(٢) رعاية الأصلح من المسائل المتفرعة عن الخوض في القدر، وقد خاض فيها المعتزلة وغيرهم فقال المعتزلة يجب على الله أن يفعل ما هو الأصلح للعباد في دينهم ودنياهم، وكان ممن نازعهم في ذلك الأشاعرة حيث قالوا إن الله يفعل الأصلح لعباده ولكن ليس هذا بواجب عليه بل-
[ ١ / ٢٥٤ ]
التفضل «١»، خلافا للمعتزلة.
وبهاتين الحجتين بعينهما ثبتت نبوة محمد﵇-.
أما الأولى: فلأنه بعث على فترة من الرسل طويلة «٢»، وقد أكل العالم بعضه بعضا خصوصا العرب في جاهليتها وغاراتها. وكانوا يعبدون الأوثان.
والنصارى الصلبان. والفرس: النيران. وغير ذلك من المنكرات فأزال الله به ذلك وأبدل الناس به خير ما ينبغي «٣».
_________________
(١) - جائز- وهذا ما يدل عليه كلام الطوفي هنا- والحق أن الله يخلق ويفعل لحكمة ومصلحة يريدها سبحانه وهذا من عدله ورحمته التي وسعت كل شيء، فإرسال الرسل مثلا مصلحة عامة للناس وإن تضمن شرا لبعضهم لمعصيتهم إياهم. وهكذا سائر ما يفعله ويقدره سبحانه تغلب فيه المصلحة والرحمة والمنفعة [انظر منهاج السنة ١/ ١٧١ - ١٧٢، الغنية في أصول الدين للمتولي النيسابوري ص ١٣٩ - ١٤١].
(٢) في (ش)، (أ): التفصيل.
(٣) أخبر الله تعالى أنه قد أرسل رسوله محمدا ﷺ إلى اليهود والنصارى وغيرهم من العرب والعجم فكان خاتم النبيين المعقب لهم فقال سبحانه: يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ ونَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (المائدة: ١٩] ومعنى" على فترة" أي بعد مدة متطاولة ما بين إرساله وعيسى بن مريم، وقد اختلفوا في مقدار هذه المدة، وأشهر الأقوال أنها ستمائة سنة. والله أعلم. [انظر تفسير ابن كثير ٢/ ٥ ٣].
(٤) أي خير ما يصلح الناس. قال ابن الأعرابي:" وما ينبغي له: وما يصلح له". (لسان العرب ١٤/ ٧٧).
[ ١ / ٢٥٥ ]
ولا نعلم زمنا قط، كان أحوج إلى/ النبوة من زمن نبوة محمد﵇ «١» -.
وأما الثانية: فلأنه ثبت بالتواتر الكامل الشروط. أنه ﵇ ادعى النبوة وظهرت على يديه «٢» معجزات خارقة سيأتي بيانها وإثباتها على من أنكرها في موضعه إن شاء الله تعالى ثم توفي ﷺ «٣» على أوضح سنن، وأظهر طريقة، وأزكاها وأزهدها في الدنيا، ودعى الناس إلى ذلك، والخصم ينازع من هذه الجملة في ظهور المعجز على يده، وفي طهارته. وسيأتي إثباتهما.
_________________
(١) طال الزمن الذي لم يبعث فيه نبي، وساد الظلام في العالم. وخفقت أصوات الأنبياء والمرسلين بالتوحيد النقي والدين الخالص، حل محلها صيحات الجهل والضلالة التي صاح بها المحترفون والدجالون، وأصبحت الديانات- وآخرها المسيحية- فريسة العابثين، والمتلاعبين، ولعبة للمنحرفين، حتى فقدت روحها وشكلها. وعكف المجوس على عبادة النار وبناء الهياكل لها. وتحولت البوذية في الهند وآسيا الوسطى، تحمل معها الأصنام حيث سارت، وتنصب تماثيل" بوذا" حيث حلت، وساءت أخلاق العرب فأولعوا بالخمر والقمار، وسقوط منزلة المرأة، وجعلها من سقط المتاع، وو أدوا البنات، وأغرموا بالحرب، وهانت عليهم إراقة الدماء فاختار الله من العرب من ينقذ البشرية من هذا الظلام الدامس، والشقوة الطويلة محمدا ﷺ فسعدت البشرية حتى النصارى وغيرهم من أصحاب الديانات الذين كانوا يعيشون في ظل الدولة الإسلامية، وإن كانوا من أعداء ما جاء به محمد ﷺ، وهذا من أعظم ما يدل على أنه بعث رحمة للعالمين، وأنه رسول رب العالمين.
(٢) في (ش)، (أ): على يده.
(٣) سقطت كلمة" وسلم" من (أ) و(ش).
[ ١ / ٢٥٦ ]
ومن معجزاته: انشقاق القمر له «١»، ورد الشمس لابن عمه علي بن أبي طالب ﵁ «٢» فكان ردها معجزا للنبي ﵇/ وكرامة لعلي ﵁ «٣» وقد صحح الحديث بذلك «٤»:" الطحاوي «٥» " و" القاضي عياض «٦» وحسبك بهما إمامين في العلم ولا التفات مع ذلك إلى من جعله موضوعا. إذ
_________________
(١) قال الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ الْقَمَرُ وأخرج البخاري في أكثر من موضع منها في تفسير سورة اقتربت الساعة (٥٤) ومسلم في كتاب صفات المنافقين حديث ٤٣، وأحمد في مواضع منها: (١/ ٣٧٧) عن ابن مسعود قال: انشق القمر ونحن مع النبي ﷺ فصار فرقتين، فقال لنا: (اشهدوا، اشهدوا).
(٢) تقدمت ترجمته ص ٨٩ من الدراسة.
(٣) عنه: سقطت من (م).
(٤) أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار ٢٠/ ٨ - ٩) من طريقين صححها عن أسماء بنت عميس، والقاضي عياض في الشفاء (١/ ١٨٥) وتبع الطحاوي في تصحيح الحديث. وتبعهما بعض أهل العلم كعلي القاري وأحمد الخفاجي في شرحيهما للشفاء (٣/ ١٠ - ١٣) وابن حجر في الفتح (٦/ ٢٢١ - ٢٢٢) وقال:" وهذا أبلغ في المعجزة، وقد أخطأ ابن الجوزي بإيراده له في الموضوعات، وكذا ابن تيمية في كتاب الرد على الروافض في زعم وضعه والله أعلم" اهـ. وقد خالف هؤلاء ابن الجوزي كما تقدم وابن تيمية في منهاج السنة (٤/ ١٨٦ - ١٩٥) وبين وجاهة وضعه من حيث المتن، وتبع ابن تيمية تلاميذه ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ٣٢٣) وابن القيم في المنار المنيف ص ٦٨، والذهبي في تلخيص الموضوعات. [انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني ٢/ ٤٠٠] وتبعهم الألباني في المرجع السابق (٢/ ٣٩٥ - ٤٠١]. قلت: وعدم الحاجة إليه في إقرار معجزة النبي محمد ﷺ أو كرامة علي لوجود ما هو أقوى منه وأظهر في معجزته ﷺ، وفضل علي﵁- يجعلنا نميل إلى ضعفه وعدم الاحتجاج به لا انكاره وتكذيبه، والله أعلم بالصواب.
(٥) تقدمت ترجمته في قسم الدراسة ص: ١٧٧.
(٦) تقدمت ترجمته في قسم الدراسة ص: ١٧٨.
[ ١ / ٢٥٧ ]
الإثبات مقدم، وردها ليوشع إنما ثبت عندنا بخبر من أخبار الآحاد، إذ لا وثوق لنا بما يخبر به أهل الكتاب.
فحينئذ الذي ثبت ليوشع النبي، قد ثبت مثله لواحد من أصحاب محمد﵇-.
قال:" وأما ضرورة الخلق إليها، فلأنه لا يمكن التوصل إلى معرفة كثير من الأمور «١» الإلهية بمجرد العقل ضرورة، ولا نظرا. بدون الاطلاع الإلهي على ذلك تكميلا لقصور العقل الإنساني- إذ الموجودات بالنسبة إليه إما معلوم «٢» ضرورة، كالعلم بأن/ الجزء أصغر من الكل، أو نظرا كالعلم بوجود الإله، واستحالة الخلاء «٣»، أو ما يعجز عن إدراكه، كالعلم بعدد أنواع الحيوانات والنبات فضلا عن عدد أشخاصها، وكالعلم بفصول أكثر الأنواع وبكثير من الطبائع والحقائق على الجملة، لا نشك في أن المجهول عندنا غالب على المعلوم منها. فما ظنك بالأمور الإلهية/.
_________________
(١) كلمة:" الأمور" ساقطة من (أ).
(٢) هكذا في النسخ الثلاث ولعل" معلومة" أصح.
(٣) الاستحالة من استحال الشيء: أي تغير عن طبعه ووصفه، والمحال: الباطل غير الممكن الوقوع وهي عند الفلاسفة عبارة عن استبدال حال الشيء في ذاته أو صفة من صفاته لا دفعة واحدة بل يسيرا يسيرا. وأما الخلاء فهو من خلا المنزل من أهله يخلو خلوا، وخلا فهو خال، أي لا شيء فيه ولا أحد. وهو في اصطلاح الفلاسفة: عبارة عن بعد قائم لا في مادة من شأنه أن يملأه الجرم. ويمكن أن يعرف بأنه أبعاد ليس فيها جسم. وهو عند المتكلمين: الفضاء الموهوم. [انظر مختار الصحاح ص ١٨٨، والمصباح المنير ١/ ١٩٠، ٢١٦، ولسان العرب ١٤/ ٢٣٧، ودرء تعارض العقل والنقل ٦/ ٢١٥، والمبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين ص ١٠٠، ٩٦، والمعجم الفلسفي ١/ ٦٥، ٥٣٧].
[ ١ / ٢٥٨ ]
ثم ذكر كلام" أرسطو" و" ابن رشد" و" أبي حامد" الذي قدمنا ذكره في المقدمة الثانية.
قلت: هذا كلام صحيح، لا نزاع فيه. لكن قوله:" كالعلم باستحالة الخلاء" رأي فلسفي، والمتكلمون يخالفونهم فيه، ونبهت «١» على هذا. وإن لم يتعلق بما نحن بصدده.
وقد ذكر المتكلمون فوائد النبوات «٢»:
[فوائد النبوات ومنفعتها]
منها: تعريف أوضاع العبادات ومقاديرها ومواقيتها وكيفياتها ومقوماتها من شرط وركن ونحو ذلك.
ومنها: إقامة الحجة على الخلق. إذ بدونها لا تقوم حجة الله على خلقه، كما صرح به في غير موضع من القرآن، كقوله: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ (١٦٥) «٣» وقوله: ولَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ (١٣٤) «٤» الآية، وغيرها.
ومنها: تعريف الأحكام الفلكية كتفاصيل علم الهيئة «٥»، وأدوار الفلك،
_________________
(١) في (أ): وشهد.
(٢) في (أ): فوائد النبوة.
(٣) سورة النساء، آية: ١٦٥.
(٤) قال الله تعالى: ولَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ ونَخْزى (سورة طه، آية: ١٣٤).
(٥) هو علم ينظر به في حركات الكواكب الثابتة، والمتحركة، والمتميزة، ويستدل من تلك الحركات على أشكال وأوضاع للأفلاك لزمت عنها لهذه الحركات المحسوسة بطرق هندسية. [مقدمة ابن خلدون ص ٤٨٧، وانظر دائرة معارف القرن العشرين ٦/ ٦٢٨]. ويسمى أيضا علم المجريات وعند الفلاسفة الحدسيات. واطلاق لفظ العلم عليه فيه نظر [انظر الرد على المنطقتين ص ٣٨٨].
[ ١ / ٢٥٩ ]
وحركات الكواكب. فإن ذلك مما لا تستقل «١» به عقول البشر، ولا تفي أعمارهم بادراكه بالتجربة لو اشتغلت به عقولهم «٢».
ومنها: تعريف الأحكام البطنية كقوى الأدوية والأغذية وخواصها، ومنافعها، ومضارها «٣»، إذ الأعمار لا تفي بمعرفة ذلك بالتجربة «٤»، كما قال" أبقراط «٥» ":
_________________
(١) في (أ): يستقل.
(٢) كان دور الأنبياء فيما يتصل بذلك: الاستدلال- بالكواكب والأفلاك وعظيم خلقها وحركتها العجيبة واتقان صنعها ونظامها العجيب- على وحدانية الله وعظيم قدرته وبيان الحكمة من خلق هذه الأفلاك والكواكب ومنفعتها للخلق، كالاستضاءة والاهتداء بها وحساب الوقت والزمن، وكونها مواقيت للناس في معاملاتهم وعباداتهم كالصوم والحج والفطر ومدة الحمل وغير ذلك. والآيات القرآنية في ذلك كثيرة لا يمكن إيرادها في هذا المكان منها قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ والْحَجِ الآية (سورة البقرة ١٨٩) وقوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والْقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (سورة يونس ٥) وقوله تعالى: وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ والْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [الأنعام: ٩٧] (سورة الأنعام ٩٧) وغيرها.
(٣) كلمة:" مضارها" ليست في (م)، (ش)، وهي من هامش (أ).
(٤) عرف نبينا محمد ﷺ أن كل داء له دواء، قد يهتدي إليه البشر أو لا يهتدون، كما في قوله ﷺ فيما أخرجه الإمام أحمد (٤/ ٢٧٨): «إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله» [وبعضه في البخاري ومسلم). وأعظم الأدوية للمؤمنين القرآن الكريم: ونُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (الاسراء ٨٢)، قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وشِفاءٌ (فصلت ٤٤). وقد ذكر النبي ﷺ كثيرا من الأغذية والأدوية كالعسل والحجامة وغيرهما وبين ما فيهما من منافع، ولكن تجارب الأطباء في الأدوية وخواصها ومنافعها ومضارها كثيرة جدا، فليس معرفة الأحكام الطبية مقصورة على النبوات.
(٥) أبقراط بن راقيلسر الطبيب الحكيم اليوناني، وهو من نسل اسقلينوس الذي كان بداية صناعة الطب منه، والذي كان الملوك يختارون الملك من نسله، وكان أبقراط يلبس السواد، وهو شعاره، برع في علم الطب. (انظر نزهة الأرواح في تاريخ الحكماء والفلاسفة ١/ ٢١٧ - ٢٢٦).
[ ١ / ٢٦٠ ]
" العمر قصير، والصناعة طويلة، والتجربة «١» خطر، والقضاء عسر «٢» ".
قلت: ومنها: ما أجرى الله سبحانه على أيديهم من البركات من جلب المصالح، ودرء المفاسد، والدعاء لهم، كإبراء المرضى «٣»، ودعاء موسى لقومه، برفع العذاب عنهم مرارا «٤»، ورد النبي﵇- عين قتادة بن النعمان عليه «٥»، وأشباه ذلك.
_________________
(١) في (م): وللتجربة.
(٢) العبارة في الملل والنحل للشهرستاني (٢/ ١١١):" العمر قصير، والصناعة طويلة، والوقت ضيق، والزمان جديد، والتجربة خطر، والقضاء عسر". اهـ.
(٣) كما قال تعالى: ورَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ والْأَبْرَصَ وأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (سورة آل عمران آية ٤٩).
(٤) كما قال تعالى: ولَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ ومَلَائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧) وما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (سورة الزخرف: ٤٦ - ٥٠)، ولَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (سورة الأعراف ١٣٤ - ١٣٥).
(٥) الصحابي قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر الأنصاري عقبي بدري شهد المشاهد كلها. قيل: إنه أول من دخل المدينة بسورة من القرآن هي سورة مريم. كانت معه يوم الفتح راية بني ظفر، توفي﵁- في خلافة عمر بن الخطاب﵁- سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، ونزل قبره أخوه لأمه أبو سعيد الخدري﵄-. وقصة رد عينه في غزوة أحد أو في غزوة بدر ذكرها الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٩٥)، والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٩٩ - ١٠٠، ٢٥١ - ٢٥٣) بخمسة أسانيد وأورد منها ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٩١) طريقين قال في أحدهما:" وهذا غريب من هذا الوجه وإسناده جيد ولم يخرجوه" وذكر القصة ابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ١٨٧ - ١٨٨).
[ ١ / ٢٦١ ]
قال:" وأما منفعة النبوة: فكما قال" أبو حامد" في رسالة التوفيق «١» في ثلاثة أشياء.
أحدها: إصلاح الأخلاق النفسية كالعدل والعفة والصدق والنجدة والحلم والصبر/ والرحمة في مواضعها، والتزام/ حسنها، واجتناب سيئها كأضداد ذلك، فإنه لا غنى للعاقل في معاشه عن ذلك.
الثاني: حفظ حقوق الناس من دم ومال وعرض ونحوه، ورفع المظالم «٢» من بينهم، وإلا هلك العالم/، واختل نظامه.
الثالث: نجاة النفس من الهلكة في الدار الآخرة بمعرفة الخالق- سبحانه- وطاعته، ولا سبيل إلى معرفة ذلك بمجرد الفلسفة «٣» بدون النبوة.
ومن ادعى ذلك فدعواه مجردة عن دليل الحق «٤»، إذ الفلاسفة مختلفون في الآراء كغيرهم، فمتابعة بعضهم دون بعض ترجيح بلا مرجح".
قلت: هذا كلام صحيح، وهو من جملة فوائد النبوة، وضرورة الناس إليها، المذكورة في الفصل قبله. وقد جاء محمد ﷺ من ذلك بأفضل مما جاء به كل من سبقه. يعرف ذلك بالنظر الانصافي «٥» في دين الإسلام، وقوانينه «٦» الأصلية والفرعية.
_________________
(١) في (ش): الرفيق، قلت: لم أعثر على هذه الرسالة.
(٢) في (ش): التظالم.
(٣) في (أ): الفلاسفة.
(٤) كلمة" الحق" ليست في (م) و(ش).
(٥) " في": ليست في (أ). وفي هامشها: بنظر الإنصاف.
(٦) قوانين: جمع قانون، وقانون كل شيء: طريقه ومقياسه. ويقال إنها دخيلة على العربية. (انظر لسان العرب ١٣/ ٣٤٩، مختار الصحاح ص ٥٥٣).
[ ١ / ٢٦٢ ]