وهذا آخر ما وجدناه من هذا الكتاب على مصنفه من الله ما يستحقه.
واعلم أن كل متناظرين لا تثبت دعوى أحدهما إلا بمقدمات مشتركة بينهما يتفقون عليها تكون بينهما كالحكم. فلمن وافقت تلك المقدمات تثبت دعواه.
وإذا عرفت هذا فنحن ليس بيننا وبين النصارى واليهود مقدمات مشتركة إلا العقليات وما تركب منها ومن غيرها. لأن كل واحد من أهل الكتاب والمسلمين يقدح في كتاب الآخر الذي بيده فلا تقوم عليه الحجة به.
فلنختم هذا الكتاب بذكر حجج واضحة على صحة دين الإسلام وصدق محمد﵇-.
الحجة الأولى:
وهي التي يعتمدها غالب المتكلمين في كتبهم وهي: أن محمدا ادعى النبوة وظهر المعجز على يده وكل من كان كذلك فهو رسول الله حقا، فمحمد رسول الله حقا. أما إنه ادعى النبوة فبالتواتر، وأيضا لو لم يدع النبوة لما كان لنزاع الخصم فائدة، وأما أن المعجز ظهر على يده، فلما قررناه قبل، وهو أن المعجز هو الأمر الممكن الخارق للعادة المقرون بالتحدي الخالي عن المعارض، والقرآن الذي أتى به كذلك،/ وإلا لظهر/ معارضه مع توفر الدواعي عليه والاشكالات التي عليه للفلاسفة والبراهمة وغيرهم من منكري النبوءات مشتركة لا نختص نحن بها، والتي عليه لليهود أو النصارى قد أجبنا عنها قبل.
وأما أن من ظهر المعجز على وفق دعواه يكون رسول الله. فللقطع بأن
[ ٢ / ٧٤٥ ]
رجلا لو قال لقوم: أنا رسول فلان الملك إليكم، ودليل صدقي أنه يخرق عادته الفلانية لأجلي. مثل أن يقوم عن سريره، أو ينزل عن مركب فيمشي لأجلي،/ أو ينزع تاجه فيجعله على رأسي. فوجد ذلك من الملك. دل على صدق مدعي الرسالة.
وهذا إنما يحتج به على منكري النبوات. أما اليهود والنصارى فيسلمون أن ظهور المعجز يدل على صدق المدعي، وإنما ينازعونا في وجود المعجز. وقد أثبتناه.
الحجة الثانية:
أن محمدا﵇- إما ملك ما حق، أو نبي صادق، لكنه ليس ملكا ما حقا فهو نبي صادق. وإنما قلنا إنه إما ملك أو نبي، لأنه لا قائل بقول ثالث إذ الخصم يدعي أنه كان ملكا ذا سيف «١» أقام ناموسه بسيفه، ونحن نقول: كان نبيا صادقا مؤيدا من الله تعالى، فقام ناموسه بالتأييد الإلهي، وإنما قلنا: إنه ليس ملكا كما زعمتم، بل نبي صادق. لأنا علمنا بالاستقراء التام، والتواتر القاطع: أن ملكا من ملوك الدنيا لم يبق ناموسه بعده، بل يتغير بموته. وإنما تبقى نواميس الأنبياء بعدهم، ثم رأينا ناموس محمد باقيا بعده قريب ألف سنة «٢»، فعلمنا أنه من الأنبياء لا من الملوك.
_________________
(١) في (أ): ملكا والسيف أقام
(٢) هذا على المبالغة في زمن الطوفي، وها هو ناموس محمدﷺ- اليوم ما يزال قائما والحمد لله وسيبقى إلى قيام الساعة: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [سورة الحجر: ٩]،" ولا تزال طائفة من أمتهﷺ- ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم إلى قيام الساعة".
[ ٢ / ٧٤٦ ]
الحجة الثالثة:
أن نبوة محمد﵇- لازمة لنبوة من قبله من الأنبياء جميعهم/ ثم قد وجد الملزوم الذي هو نبوة الأنبياء قبله، فيجب أن يوجد اللازم، وهو نبوته.
وإنما قلنا: إن نبوته لازمة لنبوة من قبله، لأنا أجمعنا على أن المقتضي لنبوتهم إرادة الله، والدليل عليها: ظهور المعجز. لكن إرادة الله «١» خفية عن البشر. لا سبيل إلى معرفتها، فبقي الطريق إلى ثبوت النبوة منحصرا في ظهور المعجز «٢»، والمعجز مشترك بينه وبينهم بما قد حققناه غير مرة.
وإنما قلنا: إن وجود الملزوم يوجب وجود اللازم للقطع بأن ملزوما لا لازم له محال الوجود.
_________________
(١) لفظ الجلالة:" الله" ليس في (م).
(٢) الطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر واليهود والنصارى أن ثبوت نبوة الأنبياء منحصر في ظهور المعجزات. ولا ريب أنها دليل صحيح لكن دليل نبوة الأنبياء غير محصور في المعجزات، وإنما تعرف بأمور تتلخص فيما يأتي:
(٣) - المعجزات.
(٤) - بشارة الأنبياء السابقين بالأنبياء اللاحقين.
(٥) - النظر في أحوال الأنبياء.
(٦) - النظر في دعوة الرسل.
(٧) - نصر الله وتأييده لهم. [انظر شرح العقيدة الطحاوية ص ١٥٨ - ١٦٧، والرسل والرسالات للأشقر ص ١١٩ - ١٢٠].
[ ٢ / ٧٤٧ ]
الحجة الرابعة:
أن محمداﷺ- أقر اليهود والنصارى «١» في شريعته بالجزية، مع علمه بأنهم يكذبونه ويقدحون في صدقه، وما «٢» كان ذلك منه إلا مراعاة لحرمة كتابهم/ وأنبيائهم لأنه علم أنهم وإن تصرفوا فيها بالتبديل والتحريف لكنهم «٣» لم يحرفوا الجميع، إنما حرفوا ما كان تحريفه مهما عندهم، فهم على بقايا من شرائعهم، فراعاهم لذلك وجعل عقوبة كفرهم به: دفع «٤» الجزية والصغار عليهم.
ومن المعلوم أنه لو كان ملكا محضا لا نبوة له لأخلى «٥» الأرض منهم على تكذيبهم له، وعدم طاعته لأن هذا شأن الملوك. لا يستبقون من خشوا عاقبته/ خصوصا «٦»، ولم يكن يخفى عليه أن جنس الملتين يبقى بعده، ويتطرق منها تشكيك أمته بالشبهات والترهات، وذلك مما يضعف الناموس فلما تركهم بالجزية دل على أنه مأمور فيهم من الله بما لا تصبر عليه نفوس البشر.
ولا يتجه على هذه الحجة إلا أن يقال: لعله تركهم ليستنبط له من/ تركهم هذه الشبهة ويوهم الناس العدل وأخلاق النبوة.
_________________
(١) في (أ): والنصراني.
(٢) في (م): وأما.
(٣) عبارة (أ):" والتحريف المفهم لم يحرفوا".
(٤) في (ش)، (م): وضع الجزية.
(٥) في (م): لا خلاء.
(٦) في (أ): خضوعا.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
لكن الجواب عنها أنه لو كان قصده ذلك لكان ذلك يحصل له بأن يعف عنهم في حياته فقط، ولا كان يوصي بهم كما أوصى بأمته حتى قال: (أنا بريء ممن وافاني يوم القيامة ولذمي عليه مظلمة «١»). وقال (لهم ما لكم وعليهم ما عليكم «٢»).
وهذا أبو حنيفة﵀- أول أئمة الإسلام وشيخ السلف يقتل المسلم بالذمي لهذا الحديث، وروى فى مسنده بإسناد متصل أن النبيﷺ- أقاد
_________________
(١) لم أجده بهذا اللفظ وما وجدت في الموضوع إلا ما رواه أبو داود في الخراج والإمارة ، باب في تعشير أهل الذمة :" ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة". وفيه رجال مجهولون.
(٢) أورده الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة برقم (١١٠٣) بلفظ:" لهم ما لنا، وعليهم ما علينا. يعني أهل الذمة"، وقال:" باطل لا أصل له"، قلت: وليس لأهل الكتاب: اليهود والنصارى، ما للمسلمين وعليهم ما عليهم إلا إذا دخلوا دين الإسلام بدليل ما رواه الإمام أحمد فى مسنده (٣/ ١٩٩، ٢٢٥) بسند صحيح أن رسول اللهﷺ- قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا شهدوا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلوا صلاتنا، فقد حرمت علينا دماؤها وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم)، وأكثره في صحيح البخارى، وفيه:" سأل ميمون بن سياه، أنس بن مالك قال: يا أبا حمزة ما يحرّم دم العبد وماله؟ فقال: من شهد ألا إله إلا الله واستقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم: له ما للمسلم وعليه ما على المسلم". [كتاب الصلاة، باب فضل استقبال القبلة]. قلت: وهذان الحديثان دليل على بطلان الحديث السابق- والله أعلم-.
[ ٢ / ٧٤٩ ]
مسلما بكافر «١»، فلولا أنه مأمور فيهم من الله تعالى بالاستبقاء، ولو «٢» كان ملكا محضا يحب الرئاسة وإقامة الناموس لكان استبقاهم حال حياته وسكت عن الوصية فيهم بعد موته. حتى كان المسلمون قد أخلوا منهم الأرض ولم يبق منهم من يورد هذه الشبه على دينه.
_________________
(١) لم أجده في مسند أبي حنيفة، ولكن وجدت في مصنف ابن أبي شبية (٩/ ٢٩٠)، وسنن البيهقي (٨/ ٣٠ - ٣١)، وسنن الدارقطني (٣/ ١٣٥) " أن النبيﷺ- قتل رجلا من أهل القبلة قتل رجلا من أهل الذمة وقال: أنا أحق من وفىّ بالذمة" ولا يصح هذا الحديث عند أحد منهم، أو من علماء الحديث غيرهم. [انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني ١/ ٤٧١ - ٤٧٦] ويعارضه أحاديث في بيان أن المسلم لا يقتل بالكافر الذمي أو غيره، ومنها ما أخرجه البخاري في كتاب الديات، باب العاقلة، باب لا يقتل المسلم بالكافر،" وألا يقتل مسلم بالكافر" وقد أخرجه أبو داود في الديات، باب أيقاد المسلم بالكافر، والترمذي في الديات، باب لا يقتل مسلم بكافر، والنسائي في القسامة، باب القود بين الأحرار والمماليك في النفس، وابن ماجه في الديات، باب لا يقتل مسلم بكافر، وأحمد في مواضع من المسند منها (١/ ٧٩، ١١٩، ٢/ ١٧٨) أما قتل الذمي المعاهد فهو إثم كبير كما روى البخاري في الديات، باب إثم من قتل ذميا بغير جرم، أن النبيﷺ- قال: «من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما». فهذا وعيد شديد في قتل المعاهد بدون جرم.
(٢) لو: ليست في (م).
[ ٢ / ٧٥٠ ]
الحجة الخامسة:
أنه﵇- قال: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وإِلهُنا وإِلهُكُمْ واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) «١»» «٢».
وإنما قال ذلك: لأنه علم أنهم حرفوا بعض كتبهم لا كلها فمنع من تصديقهم خشية أن يكون ما قالوه مما حرفوه ومن تكذيبهم خشية أن يكون مما لم يحرفوه. فالأول في غاية الحزم والثاني: فى غاية العدل، ولو لم يكن نبيا مأمورا فيهم بذلك كما في القرآن الكريم «٣» وما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) «٤» لأغرى الناس بتكذيب كل ما عندهم وكان ذلك أتم لناموسه وأغض من رءوس أعدائه، لأنا علمنا بالاستقراء من ملوك الدنيا أجمعين أن/ أحدا منهم/ لم يترك من آثار من قبله من الملوك ولا الأنبياء ما يحذر منه على ملكه إلا عجزا.
الحجة السادسة:
تختص بالنصارى «٥»: وتقريرها: أنكم زعمتم: أن المسيح هو الله أو ابن الله، وأنه ظهر إلى العالم/ لينقذ أهل الإثم من إثمهم وخطاياهم وفداهم بنفسه ثم
_________________
(١) الآية في سورة العنكبوت: ٤٦.
(٢) أخرجه البخاري وأبو داود وأحمد بألفاظ مختلفة، وقد سبق تخريجه وبيان ألفاظه ص: ٢٣١ من هذا الكتاب.
(٣) الكريم: ليست في (أ)، وفي (ش): للقرآن الكريم.
(٤) سورة النجم، آية: ٣ - ٤.
(٥) في (أ)، (م): تختص النصارى.
[ ٢ / ٧٥١ ]
بعد ذلك صعد إلى أبيه، فهو جالس عن يمينه. فإن كان هذا حقا فقد كان يجب عليه وينبغي له أن يقول لأبيه حين ظهر محمد بدعوته: أهلك هذا ولا تدعه يفتن الناس ويضلهم، ثم احتاج: أن أنزل إليهم فاستنقذهم من فتنته. فاقتل «١» واصلب من يأتيه «٢»، لأن عندكم أن المسيح كامل العلم والقدرة لا يخفى عنه شيء في ملكه أو ملك «٣» أبيه فبالضرورة أنه علم بظهور محمد﵇- فسكوته عن الإنكار والتغيير بحضرة أبيه يوجب إما التقصير والرضا بالضلال، والراضي بالضلال ضال، أو أن محمدا على طريق الرشد والكمال، وقد خيرناكم بين الأمرين ولا واسطة بين القسمين.
الحجة السابعة:
جرت عادة الله في خلقه أنه يتداركهم على كل فترة برسول يرشدهم إلى الهدى ويصدهم عن الردى، ولا خلاف «٤» أن العرب في جاهليتها لا سيما في أواخرها عند أوان ظهور محمد﵇-، كانت أحوج الخلق إلى ذلك لما كانت عليه من الظلم والبغي والغارات والقتل «٥» بغير حق وسبي الحريم وظلم الغريم، فالعناية الإلهية يستحيل منها عادة إهمالهم على ذلك من غير معلم
_________________
(١) في (ش)، (م): وأقتل.
(٢) في (م):" وأقتل وأصلب مرة ثانية لأن عندكم ".
(٣) في (أ): لو ملك.
(٤) في (أ): فلا خلاف.
(٥) في (أ): وبالقتل.
[ ٢ / ٧٥٢ ]
يرشدهم ويسددهم كما تقرر هذا أول الكتاب في ضرورة الخلق إلى النبوات،/ وما رأينا أحدا ظهر بناموس قمع تلك الجاهلية وما كانت عليه من المنكرات إلا محمدا﵇- فدل على أنه هو النبي المبعوث فيها، وإذا ثبتت نبوته بهذا الطريق إلى العرب فالنبي لا يكذب وقد صح عنه بالتواتر أنه قال:" بعثت إلى الناس كافة" «١» " وبعثت إلى الأحمر والأسود «٢» " وبهذا يظهر تغفيل من سلّم من اليهود أنه أرسل إلى العرب خاصة «٣»، لا إلى غيرهم.
_________________
(١) طرف من الحديث الذي أخرجه البخاري فى أول باب في التيمم عامة، وفي كتاب الصلاة، باب قول النبيﷺ-:" جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" (٥٦)، وأخرجه النسائي في الغسل، باب التيمم بالصعيد، والدارمي في كتاب الصلاة، باب الأرض كلها طهور ما خلا المقبرة والحمام.
(٢) طرف من الحديث الذي أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة، حديث (٣)، عن جابر بلفظ:" كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود ".
(٣) هذا ليس خاصا باليهود بل هو من ادعاءات النصارى الذين يؤمنون برسالة محمدﷺ- لكن يقولون إن رسالته إلى العرب خاصة كما في رسالة بولص الراهب التي وصلت إلى ابن تيمية﵀- فرد عليها بالجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، وكما في الرسالة المماثلة التي وصلت إلى الإمام القرافي قبل ابن تيمية فرد عليها بالأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة. [انظر الجواب الصحيح ١/ ٣١ وما بعدها، والأجوبة الفاخرة ص ١٤٢ وما بعدها بتحقيق الباحث].
[ ٢ / ٧٥٣ ]
الحجة الثامنة:
لا خلاف عند كل عاقل أن محمداﷺ- كان من أعلى الناس همة وأوفرهم حكمة، ولولا ذلك لما انتظم له أمر هذا الناموس، هكذا بعده مدة طويلة مع أنه دعوى عند الخصم لا حجة معه.
ولا خلاف أن من كان بهذه المثابة من علو الهمة ووفور الحكمة وهمته تعلو إلى تقرير منصب دائم ورئاسة باقية، أنه يحتاط/ لأمره ويعمل نتائج فكره حتى لا يتوجه عليه ما يفسد حاله. ويبخس مآله، ومن المعلوم عند كل حكيم/ فطن لبيب أن الكذب ينكشف ويستحيل رونقه وينكشف، ويعود سروره شرورا وتدبيره تدميرا «١» خصوصا والمسيح إله النصارى يقول:" ما من مكتوب إلا سيعلن ولا خفي إلا سيظهر" «٢» فلو لم يكن محمد على يقين من صدق نفسه لما أقدم على دعواه خشية أن ينكشف أمره في تضاعيف الأزمان فيعود عليه سوء الذكر مدى الدهر. وكلامنا في عالي الهمة وافر الحكمة نخشى معرة المآل كما نخشى معرة الحال، فلا يرد علينا من يؤسس «٣» رئاسة في حياته بما أمكنه من كذبه وترهاته ثم لا يبالي ما كان بعد مماته فإن ذلك في غاية/ الخساسة ويحصل مقصوده برئاسة الملك دون دعوى هذه الرئاسة.
_________________
(١) عبارة (أ):" ويعود سروره وتدبيره تدبيرا خصوصا ".
(٢) انظر إنجيل متى الأصحاح العاشر. قلت: وقد قيل:" ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه". [شرح الطحاوية ص ١٦٠].
(٣) في (ش): يوسوس.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
الحجة التاسعة:
لو لم يكن محمد صادقا لكان المسيح كاذبا، لكن المسيح ليس بكاذب فمحمد صادق.
بيان الملازمة أن المسيحﷺ- قال «١» في الإنجيل:" ما من خفي إلا سيظهر، ولا مكتوم إلا سيعلن" وهذه نكرة في سياق النفي فتقتضي العموم، وأن كل خفي لا بد أن سيظهر، فعدم صدق محمد في دعواه، إما أن كان ظاهرا أو خفيا فإن كان ظاهرا كان يجب أن لا يتابعه أحد، وإن تابعه لرهبته أو رغبته فبالظاهر دون الباطن، حتى إذا زالت رهبته أو رغبته بزواله رجع عنه، لأن عاقلا لا يختار الباطل على الحق، ولا الكذب على الصدق فكيف بهذا الجمع الكبير، والجم «٢» الغفير فى أقطار الأرض يختارون ذلك. هذا محال، وإن كان خفيا وجب أن يظهر لا سيما مع دهاء العرب وذكائهم وفطنتهم وصحة طبعهم وفطرتهم، فقد كان فيهم الكهنة والمنجمون والزجار «٣» والمتطيرون وأكثرهم يصيبون ولا يخطئون.
منهم من الأذكياء أبو بكر وعمر وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وكثيرون لا يحصرهم عدد، وقد كانوا يستخرجون بأذهانهم ما هو أخفى من ذلك «٤»
_________________
(١) في (م): وقال.
(٢) في (م): والجما.
(٣) الزجر: نوع من الكهانة والعيافة. [انظر لسان العرب ٤/ ٣١٩].
(٤) من ذلك: ليست في (أ).
[ ٢ / ٧٥٥ ]
ويكفيهم أن ابن المقفع «١» فيلسوف العجم شهد لهم بالفضيلة على الروم والفرس وسائر الأمم فيما ذكره أبو حيان التوحيدي «٢» في كتاب له. فمن المحال عادة أن يخفى عليهم أمر محمدﷺ- «٣» لو كان باطلا، فدل على أنهم ما انهرعوا إليه، مع كونه أول الإسلام في نفر قليل ضعيف مستضعف إلا وقد علموا صدقه، فصح/ قولنا: لو لم يكن محمد صادقا لكان المسيح/ كاذبا في قوله:" ما من خفي إلا سيظهر" وأما أن المسيح ليس بكاذب فبالاتفاق/ منا ومنكم، ولو نازعتمونا في صدقه أنتم أو غيركم، لما وافقناكم على ذلك، لأنا نحن أحق به منكم.
_________________
(١) عبد الله بن المقفع، الكاتب المفوه، أسلم على يد عيسى بن عيسى بن علي عم السفاح والمنصور، وكتب له، وله رسائل وألفاظ طيبة، وكان متهما بالزندقة، وهو الذي صنف كتاب كليلة ودمنة، ويقال بل هو الذي عربها من المجوسية إلى العربية. قتل سنة خمس وأربعين ومائة للهجرة. [انظر ترجمته في البداية والنهاية ١٠/ ٩٦، والأعلام ٤/ ١٤٠، وفي غيرهما].
(٢) أبو حيان علي بن محمد بن العباس المعروف بأبي حيان التوحيدي، المتكلم المتصوف أصله من شيراز، وقيل: من نيسابور، وقيل: من واسط، كان إماما في النحو، واللغة والتصوف فقيها مؤرخا صنف البصائر والإشارات وغيرهما قال الذهبي: كان عدوا لله خبيثا سيئ الاعتقاد ودافع عنه السبكي في طبقاته، وابن النجار. مات مستترا نحو سنة أربعمائة للهجرة. [انظر طبقات الشافعية الكبرى ٤/ ٢ - ٣، والأعلام ٤/ ٣٢٦].
(٣) ﷺ: ليست فى (م)، (ش).
[ ٢ / ٧٥٦ ]
الحجة العاشرة:
أن من نظر في دين الإسلام فوجده معظما لجميع «١» الرسل عيسى وموسى وغيرهما بحيث أن من سب أحدا منهم أو تنقصه قتل ورأى اليهود يغضون من المسيح ويفوقون «٢» إليه السهام «٣» وهم والنصارى ينتقصون محمدا﵇- علم أن المسلمين أهل حق لا يشوبه تحامل وأن اليهود والنصارى أهل عناد وتجاهل.
فإن قالت اليهود: إنما غضضنا من المسيح ومحمد لأنهما كاذبان.
قلنا: فالذي ثبت به صدق موسى قد أتى المسيح بما هو أعظم منه فمقتضى التصديق مشترك، فإما أن تصدقوا الاثنين أو تكذبوهما، أما الفرق فهوى وتحامل.
وإن قالت النصارى: إنما تنقصنا محمدا لأنه ليس بصادق.
قلنا «٤»: تلزمكم مقالة اليهود في أنهم إنما تنقصوا المسيح لأنه ليس بصادق.
فإن قالوا: اليهود كفار عاندوا الله.
قلنا: كذلك نقول عنكم بالنسبة إلى تنقص محمد﵇-.
_________________
(١) في (أ): معظم الرسل.
(٢) أي يضعون السهام فى أوتارها لرميه بها. يقال فوقته تفويقا: عملت له فوقا، وأفقت السهم وأرفقته وأوفقت به، كلاهما على القلب: وضعته في الوتر لأرمي به. [انظر لسان العرب ١٠/ ٣٢٠، والمصباح المنير ٢/ ٥٨٢].
(٣) في (أ): الإسهام.
(٤) في (ش): قلت.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
فإن قيل: اليهود عاندوا بعد قيام الحجة بإظهار المعجز ونحن لم يأتنا محمد بمعجز.
قلنا «١»: بل جاءكم بمعجزات قد سبق تقريرها ولكن عاندتم أو جهلتم، ولهذا سمى الله تعالى اليهود مغضوبا عليهم والنصارى ضالين لأن تكذيب اليهود عناد وتكذيبكم يغلب عليه الجهل. ولو أعطيتم النظر حقه لوفقتم ورشدتم.
هذا آخر ما تيسر إيراده في هذا الكتاب وأنا/ أسأل الله الكريم الوهاب أن يجعله لي إلى رحمته وشفاعة نبيه أنجح الوسائل وأقوى الأسباب ويوفقني وسائر المسلمين «٢» لما يحبه ويرضاه، ويوقفنا عما يبغضه ويقلاه «٣» فإنه لا إله إلا هو «٤»، ولا فاعل في الوجود سواه «٥».
وكان الفراغ من تعليق هذه المسودة صبيحة الاثنين سابع ذي قعدة الحرام سنة سبع وسبعمائة والابتداء فيها يوم الاثنين ثاني عشر شوال من السنة المذكورة بالمدرسة الصالحية من مدينة القاهرة- حماها الله وسائر بلاد الإسلام- على يد العبد الفقير إلى رحمة ربه القدير سليمان بن عبد القوي البغدادي الطوفي الحنبلي عفا الله عنهم [وعن جميع المسلمين وصلى الله على سيدنا محمد سيدنا خاتم
_________________
(١) في (ش): قلت.
(٢) في (ش)، (م): المؤمنين.
(٣) يقلاه: بيغضه. [انظر لسان العرب ٥/ ١٩٨، المشوف المعلم ٢/ ٦٠٦].
(٤) في النسخ الثلاث: إله.
(٥) إلى هنا انتهت نسخة (ش).
[ ٢ / ٧٥٨ ]
النبيين وسيد المرسلين آمين آمين آمين يا رب العالمين «١»].
ثم أنهاه نظرا وتصحيحا لما وجد فيه من خلل طغيان/ القلم وملحقا به ما خطر له من الفوائد اللائق إلحاقها عشية الأحد عاشر شوال سنة ثمان وسبعمائة هجرية «٢». والحمد لله رب العالمين.
نجزت هذه المبيضة كتابة من خط مصنفها أمتع الله ببقائه ونفع المسلمين ببركته في السادس من شهر المحرم المبارك من سنة إحدى عشرة وسبعمائة أحسن الله فتحها بخير وعافية.
كتبه الفقير الحقير المعترف بالتقصير الراجي عفو الله الكريم الناسخ علي الزعيم.
******
_________________
(١) ما بين المعكوفتين غير موجود في (م)، وبدله عبارة:" ومن خطه كتب حسن محمد النابلسي الحنبلي وفق الله به آمين ورأيت بخطه أيضا
(٢) إلى هنا الاتفاق بين النسختين أ، م ثم في نسخة (م):" وكان الفراغ من تعليق كتابته يوم الثلاثاء باكر النهار الرابع من ربيع الأول سنة تسع وأربعين وسبعمائة، بالمدرسة المنصورية، فالحمد لله رب العالمين. اللهم صلي على سيدنا محمد وآله عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون وسلم تسليما اهـ".
[ ٢ / ٧٥٩ ]