مقدمة الكتاب
مقدمة الكتاب ١
الحمدلله الذي جعل الدين دَينًا على البشر وصيره كرأس مال، لنربح به عبادة ذاته العليّة الفائقة كل طهر وبر٢، المنزهة عن التجسيم٣ والتثليث والتجسد المبتدع، ممن لا يرهبون سقر، ليقابلنا بجزاء أثماره يوم القيامة والنشر، بجنة يعلو سموها على الأوهام والفكر، أثماره٤ [صلاح نابت] ٥ من الأفئدة والفطر، يجمعه بعادٌ عن ضر القريب، وعن الشرك بالله الحذر، فارجوك ربي تسقه من سلسال جودك المطر، ومعه فأنعم بإزالة الكفر، كما يعلم عن حنوك ويشتهر، وأضف عليه صلاة
_________________
(١) ١ هكذا المقدمة في. د، أما في. ت فلم يورد ذلك، وإنما كتب الفاتحة. ٢ في الأصل «وبرر» وصوابها ما أثبت. وتعني الخير والاتساع في الإحسان. انظر: القاموس المحيط ٤٤٤، والمعجم الوسيط ٤٨. ٣ مراد المصنف -﵀- التجسيم الذي ادعاه النصارى في الله عزوجل، أما التجسيم الذي ينفيه المتكلمون عن الله عزوجل فهو نفي مبتدع. ٤ مراده بالأثمار هنا أثمار الدين. قال في المعجم: والثمرة من الشيء فائدته، وجمعها ثمر وثمار وأثمار. انظر: المعجم الوسيط ١٠٠ ٥ في. ت صلاحًا نابتًا، وما أثبت من. د.
[ ٥٥ ]
وسلامًا على حبيبك ورسولك سيد الخلق والبشر، وعلى آله وأصحابه السادات [القادة] الغرر.
أما بعد: فيقول العبد الفقير إلى ربه الغني الشيخ زيادة بن يحيى النصب الراسي [المهتدي]، المتشرف في الدين المحمدي١ إنني لما كنت متفرغًا للبحث ﴿والمطالعة﴾ عن أيما هوالدين الصحيح، بكل جهدٍ وبغاية التنقيح، فنظرت إلى أصحاب الملل، التي من دأبها أن تفخر على بعضها بسمو اعتقادها، وكل منهم يتصور أن ماذهبت اليه آل ملته هو الدين الصحيح، وسواه على كل فهو قبيح، وقد رأيت أيضًا أن بعضهم راضٍ بدينه من دون فحص ولا معرفة، والبعض مباشر الفحص في قواعد ديانته ﴿فقط﴾، من دون أن يقابلها على غيرها، والنادرمنهم من يقابلها على غيرها مع أوليائها.
ففي الوجهين الأولين رأيت أن فيهما يدخل التعصب المذهبي والغرض، بحيث لا يمكن للإنسان أن يميز فيما بين الحق والباطل، أعني: ﴿أنه﴾ لا يعود يقدر أن يميز إلا أن دينه الموجود فيه هو [الدين] الحق ﴿الحقيقي﴾، وإن كان بالخلاف٢.
_________________
(١) ١ حاشية: (اعلم أن هذا العالم المؤلف لهذا الكتاب النفيس يشرح في هذه المقدمة اسمه وأسباب دخوله في الدين المحمدي، وأنه مادخل إليه عن ترغيب دنيوي ولا تخويف ولا لغبن ولا لحيف صار له ولا لأسباب فساد، بل بالمطالعات بالكتب والمقابلات كما تراه مفندًا أمامك، وقد يلاحظ بأنه ماسبق له سابق في رفيع معانيه ودقتها) . وهذه الحاشية ساقطة من. د. ٢ أي بخلاف الحق.
[ ٥٦ ]
فحمدت أنا الرأي الأخير، وحددته حالا من دون تأخير، وبدأت أن أقابل كتابي ومعتقدي على كتابي المعتقد الشهيرين١ وأراجعهما على أولي العلم، من دون تعصب مذهبي بكل مكنتي، من دون مين٢، ﴿وغب٣ الفحص والتفتيش في ذلك﴾، قصدت أن أحرر ما قد حصلته من المقابلة في تلك المسالك، وأبينه لدى ذوي البصائر القادحة، خواض بحور هذه المعاني الشاسعة، لكي يتفحصوه بكل جهد وتدقيق، ويمعنوا نظرهم فيه من دون غرض وتمحيق٤، ويفهموا أن الدين المحمدي هو الذي ترجحت عليه البينات، وأنه هو الدين الصحيح، ومن اتخذ سواه دينا فهو من الخاسرين صريح.
وحيث قد تيسر لي بعد مطالعتي في كتب القواعد وتفاسيرهم، أني وجدت [أيضًا] ملخصات أجوبة [في رد] الملل على بعضهم بأقوال مختصرة صريحة، فضممت إلى كتابي هذا مايناسب منها،
_________________
(١) ١ العبارة في النسختين «على كتابين المعتقدين الشهيرين»، وصوابها ما أثبت. ويبدو أن المصنف يقصد أنه قابل بين المعلومات الشرعية وعقيدته على كتابين من كتب النصارى، وربما يكون قصده التوراة والإنجيل، لأنهما هما مجال بحثه في هذا الكتاب. والله أعلم ٢ المين هو الكذب. انظر: المعجم الوسيط ص ٨٩٤. ٣ غب بمعنى بعد. انظر: المعجم الوسيط ص ٦٤٢. ٤ تمحيق الشيء هو إهلاكه. انظر: المعجم الوسيط ص٨٥٥، ويبدو أن المصنف يريد (من غير منع وإبطال) . والله أعلم.
[ ٥٧ ]
وسميته كتاب: البحث الصريح في ﴿أيما هو﴾ الدين الصحيح. وقسمته إلى خمسة أبواب وخاتمة.
فأرجو من المطالعين فيه بأن يكرروا [عبارته و] قراءته بكل جهد وإمعان، ويتوسلوا معي إلى الرحيم الرحمن بجاه نبيه١الهادي، سيد الأكوان، أن يكشف لهم المعاني، إذ هو الكريم المنان، [المفيض على عباده الإحسان] .
_________________
(١) ١ جاه النبي ﷺ عند الله عظيم ولا شك، لكن التوسل به في الدعاء لم يدل عليه دليل صحيح فهو لا يجوز وهو من البدع في الدعاء. انظر: مجموع الفتاوى ١/٢٠٢.
[ ٥٨ ]
الفهرس ١
الباب الاول
يفيد أن سيدنا عيسى ﵇ ليس هو بإله حقيقي بالذات، وغير مساوٍ لله تعالى في الجوهر، وأن تسميته إلها [هو نعت ووصف] ٢ كحسب عادة كتب العهدين أعني: التوراة والإنجيل، اللذين كانا يسميان أشراف الشعب وأفاضلهم آلهة، فهو أي المسيح ﵇ كان من أشراف الأنبياء وأكابرهم، وكانت تحق له هذه التسمية بنوع خصوصي.
الباب الثاني
رد على الافتخار الذي يفتخر به النصارى، ﴿أي﴾ بسمو آيات عيسى ﵇ وأنها فائقة، وقصدهم بذلك لكي يثبتوا بدعتهم منها أعني: الألوهية له، وقد قابلت٣ آياته فإذا هي آيات خارقة للعادة، إلا أن الأنبياء الذين سبقوه قد عملوا مثلها [وما] يعلوها ويفوقها أيضًا، ثم إن آل زمانهم وأتباعهم لم يعتقدوا فيهم أنهم آلهة بالذات، ولا مساوون٤ لله تعالى في الجوهر.
_________________
(١) ١ في. د. فهرست الكتاب. ٢ في. ت «إلهًا هي نعتًا ووصفًا»، والمثبت من. د. ٣ في النسختين «تقابلت»، وصوابها ما أثبت. ٤ في. د. متساوين.
[ ٥٩ ]
الباب الثالث
رد على [ما تدعيه] ١ النصارى ضد الله تعالى ويتوهمونه، بأن نبينا الأعظم ﷺ قد حصل منه [أمور] منافية وغير حسنة، ومنقولة عن القرآن الشريف المعجز، مع كون أن مثل هذه الدعاوى والأمور الملحوظة قد وجدت من ٢ الأنبياء الذين سبقوه وأبلغ منها، كما [تشهد] بذلك كتبهم، ولم تحسب منافية ولا غير حسنة.
الباب الرابع
نورد فيه بينات من كتب العهدين أعني: [من] التوراة والإنجيل على أن نبيِّنا ﴿محمدًا﴾ ﷺ هو النبي الموعود به أيضًا، والمشار [إليه] ٣ والمنبأ عنه – كعيسى ﵇بالأدلة الواضحة والبراهين المكينة، كما قد تراها صريحة.
_________________
(١) ١ في. ت «يدعوه»، وما أثبت من. د. ٢ في. ت «مفعولة عند» والمثبت من. د. ٣ في. ت «عليه»، والمثبت من. د.
[ ٦٠ ]
الباب الخامس
في الشكوك الناتجة من القضايا [المتناقضة]، والقصور الحاصل من ركاكة الجمل الغير مرتبطة، الموجودة في كتب العهدين، المفيدة بأن التوراة والإنجيل مزوران وذلك بأصرح عبارة وأجلى بيان.
الخاتمة
جمعت نتائج هذه الخمسة أبواب بوجه الاختصار، وبعض ملحقات لها [مفيدات] .
﴿تم
_________________
(١) ت﴾
[ ٦١ ]
الباب الأول: الرد على النصارى في دعوة ألوهية المسيح ﵇
الباب الأول: الرد على النصارى في دعوى ألوهية المسيح ﵇
[يفيد] ١ أن سيدنا عيسىعليه السلام ليس هو [بإله] ٢ حقيقي بالذات، وغير مساوٍ لله تعالى في الجوهر، وأن تسميته إلهًا هو نعت ووصف٣ كحسب عادة كتب العهدين؛ أعني: التوراة والإنجيل، اللذين كانا يسميان أشراف الشعب وأكابرهم آلهة، فهو أي المسيح ﵇ كان من أشراف الأنبياء وأفاضلهم، وكانت تحق له هذه التسمية بنوع خصوصي.
فأقول أولًا: إن هذا الاعتقاد الذي هو: أن سيدنا عيسى ﵇ [إله] بالذات ومساوٍ لله تعالى في الجوهر ٤ هو بدعة حديثة مستجدة في الديانة النصرانية.
ثانيا: (إن هذا الرأي) لم يقبل عندما ابتدع [في الابتداء في] الجيل الرابع٥ عند (عموم) النصارى، الذين كانوا في تلك
_________________
(١) ١ في. ت "يفاد منه على أن" وصوابها ما أثبت من. د. ٢ في. ت "إله حقيقي" وصوابها ما أثبت من. د. ٣ في. ت "نعتًا ووصفًا" وصوابها ماأثبت من. د. ٤ أي أن ذات عيسى ﵇ عند النصارى ذات إلهية لا فرق بينها وبين ذات الله وجوهره؛ إذ هما عندهم ذات واحدة غير منفصلة. انظر: أديان العالم ص ٢٨٠. ٥ يقصد القرن الرابع الميلادي، حيث عقد في ربعه الأول سنة ٣٢٥م في مدينة نيقية، المجمع المسكوني الأول للبحث في حقيقة المسيح ﵇، وقد خرجوا بقرار يقضي بأن المسيح إله من جوهر الله، أي مساو لله تعالى في جوهره-تعالى الله عن قولهم- انظر: مجموعة الشرع الكنسي ص٤٣، وتاريخ الفكر المسيحي ١/٦٣١.
[ ٦٥ ]
الأعصار، إذ أنهم قد اعتلوا١ [واحتجوا] على من ابتدعوه بأن هذه الزيادة، أعني: (أن) الابن (أي عيسى) مساوٍ لله تعالى في الجوهر ليست موجودة في التوراة (ولا) في الإنجيل حرفيا، بل هي [منكم] جملة استنباطية اختراعية ٢، وقد ختم على رأيهم هذا جملة مجامع، منها٣ مجمع مادلي٤، والمجمع الملتئم في سيرمة٥، نحو سنة ٣٦٠ من تاريخ
_________________
(١) ١ اعتلوا أي احتجوا. انظر: المعجم الوسيط ص٦٢٣. ٢ المحتجون هنا هم: أتباع القس الليبي "آريوس"، الذي كان يقول إن المسيح بشر مخلوق، لكنه أرفع المخلوقات، وهم المعارضون في مجمع نيقية لدعوى ألوهية المسيح ﵇، وقد احتجوا على دعوى المؤلهين بأن دعوى: أن المسيح من جوهر الله ليست موجودة في التوراة ولا في الإنجيل، وأقر بهذا المخالفون لهم إلا أنهم ادعوا أن ذلك وإن لم يكن موجودًا بالحرف فهو موجود بالمعنى. هكذا ادعوا. انظر: تاريخ الفكر المسيحي ١/٦٣٠، تاريخ الكنيسة، جون لوريمر ٣/٦٧. ٣ في النسختين "ومنهم" وصوابها ما أثبت. ٤ لم يتبين لي هذا المجمع وقد يكون في كتابة اسمه خطأ، والذي ذكره مؤرخوا النصارى أن عدة مجامع بعد نيقية اجتمعت للبحث في حقيقة المسيح، هل هو من جوهر مساو لجوهر الله، كما هي دعوى مجمع نيقية، أم هو من جوهر مشابه لجوهر الله، وهو ماقرروه في مجمع أنطاكية سنة ٣٤١م، ومجمع فليبوبوليس سنة ٣٤٣م ومجمع ميلانو سنة ٣٥٥م، ومجمع سيرميوم في يوغسلافيا سنة ٣٥٧م، ومجمع أنقرة سنة ٣٥٨م ومجمع سلوفيا أو سلفكية في تركيا ومجمع ريمينة في إيطاليا وذلك سنة ٣٥٩م. وبعد اختلافهم أرغم الجميع على التوقيع على قرار أن المسيح من جوهر مشابه لجوهر الله-تعالى الله عن قولهم- وذلك سنة٣٦٠م. انظر: تاريخ الفكر المسيحي ١/٦٥٤-٦٦٠، تاريخ الكنيسة، لوريمر ٣/٧٣-٨٠. ٥ هكذا سيرمة ويبدو أنه يقصد مجمع سيرميوم في يوغسلافيا سنة ٣٥٧م والذي صدق قراره من أغلبية النصارى وذلك عام ٣٦٠م.
[ ٦٦ ]
عيسى ﵇، وكان حاضرا فيه وراضيا به وخاتما عليه فيليكس١، [ومرة أخرى] ليباريوس٢ [أسقفي] روما، الذين يسمون في العصور المتأخرة باباوات٣، وأساقفة القسطنطينية وأنطاكية وبيت المقدس، الذين يسمونهم في الأزمنة المتأخرة بطاركة مع قساوسهم، ورهبانهم ووعاظهم (ونواب ملوكهم)، الذين من رأيهم موجود جملة ملايين٤ إلى يومنا هذا في بلاد أوستريا٥، و(ليبا) ٦،وأميريكا٧،
_________________
(١) ١ لم أجد له ترجمة. ٢ ليباريوس أسقف روما المتوفى سنة ٣٦٦م. انظر: المنجد ص٦١٨. ٣ جاء في. د حاشية ونصها "اعلم أن في زمان مجمع صيرما انعزل فيلكس البابا المذكور، وتنصب عوضه ليباريوس، واثنين تصدروا وختموا بعدم قبولهم بالمساواة، أي مساوات عيسى بالله ﷿ وحرموا هم ومجمعهم المجمع النيقاوي الأول، الذي اخترع هذه الزيادة وابتدعها وجعلها دستور إيمانه". ٤ في النسختين "مليونات" وصوابها ما أثبت. ٥ أوستريا هي النمسا. ٦ ليبا لم يتبين لي مراده منها. ٧ الولايات المتحدة الأمريكية، وهي من ضمن قارة أمريكا التي اكتشفها كريستوف كولومبوس عام ١٤٩٢م.
[ ٦٧ ]
والإنكليز وغيرها، ويسمون الموحدين ١ ٢
_________________
(١) ١ مراده بالموحدين: هم من يرون أن المسيح ليس إلهًا وإنما هو بشر، ولاشك أن الحواريين ومن تابعهم كانوا على هذا المذهب. والذي يجده المطالع لكتب النصارى بروز هذا المذهب لدى طائفة الآريوسيين، الذين نادوا بأن المسيح بشر مخلوق وليس إلهًا ولا ابن إله، وذلك خلال القرن الرابع الميلادي. وذلك لا يعني أن آريوس ابتدع ذلك، بل لابد أن لذلك جذورًا متصلة بالحواريين، ثم بعد آريوس استمر الخط التوحيدي لدى النصارى وإن كان غير ظاهر، وذلك لاستحكام العداوة والتضاد بين الموحدين والمثلثين من النصارى، وقد آلت الغلبة للمثلثين في نهاية القرن الرابع الميلادي. إلا أن التوحيد كان يظهر له أتباع بين الفينة والفينة، وكان بروز التوحيد بين النصارى ظاهرًا بعد دعوة الإصلاح الديني "البروتستانت" في القرن السادس عشر الميلادي، حيث تأثر العديد من دعاة الإصلاح بالمعلومات التي وقفوا عليها، مما يتنافى مع العقيدة الكاثوليكية، مما جعلهم يصلون في نهاية المطاف إلى اعتقاد أن المسيح بشر وليس إلهًا، وقد ظهر بذلك ما تسميه دائرة المعارف الأمريكية بـ "الموحدين"، وقد انتشر هؤلاء الموحدون في كل من بولندا، والمجر، وترانسلفانيا، وانجلترا، والولايات المتحدة الأمريكية، ففي بولندا صدر لهم إعلان سنة ١٦٠٥م يقول بأن الله واحد في ذاته، وأن المسيح إنسان حقيقي، ولكنه ليس مجرد إنسان، وأن الروح القدس ليس أقنومًا، لكنه قدرة الله، ثم هي تنكر الخطيئة الأصلية. أما المجر وترانسلفانيا فقد انتشر فيهما المذهب الموحد بعد إعلان مرسوم التسامح الديني في أعوام ١٥٥٧،١٥٦٣، ١٥٦٨م، ووصل الأمر بالموحدين أن المجر كانت تحت حكم ملك موحد هو جون سيجسموند١٥٤٠-١٥٧١م. واستمر وجود الموحدين في تلك البلاد بين قوة وضعف، إلى أن جاء القرن العشرون، فقويت الجماعات الموحدة بفضل التسامح الديني والتواصل بين الموحدين في سائر الاقطار، فصار في البلاد نحو ١٦٠ كنيسة موحدة، كما صار عندهم كلية لاهوتية. أما انجلترا فقد انتشر فيها المذهب التوحيدي أيضًا، وأول من يشار إلى أنه أبو التوحيد فيها "جون بيدل"١٦١٦-١٦٢٦م، ثم بدأ الترقي في هذه الدعوة، إلا أنه كان ضعيفًا، ولكن قد انضم إليها عدد من الشخصيات البارزة منهم المفكر الإنجليزي جون لوك، والكاتب"صموئيل كلارك"، والعالم الطبيعي "جون برستلي"، الذي أصبح موحدًا عام ١٧٦٨م، والذي كتب رسالة باسم "التماس إلى أساتذة المسيحية المخلصين الموقرين" ووزع منها ٣٠٠٠٠ نسخة في أنحاء بريطانيا. وهو يرى أن الإله واحد وهو الذي أنزل الوحي، وأنه السبب الوحيد في جميع مظاهر الخلق. وكذلك ثيوفليس ليندساي ١٧٢٣-١٨١٨م، والذي فتح محل مزاد بلندن، ثم تحول إلى كنيسة للموحدين. ثم تأسست جمعية للموحدين باسمالجمعية التوحيدية لترقي المعرفة المسيحية وممارسة الفضيلة عن طريق توزيع الكتب. ثم نشط الموحدون وأسسوا اتحادًا باسم "الإتحاد البريطاني الأجنبي للتوحيد". ويوجد في الوقت الحالي من ٣٥٠-٤٠٠ كنيسة موحدة، وتوجد مدرستان لتعليم التوحيد، هما "كلية مانشستر" بأكسفورد، "وكلية التوحيد" بمانشستر. أما الولايات المتحدة الأمريكية فقدكان فيها آريوسيين منهم "د. تشارلزتساونس"١٧٠٥ -١٧٨٧م راعي كنيسة بوسطن، والقس "د. يوناتان ميهيو". وفي مطلع القرن التاسع عشر استحوذ التوحيد على كثير من الوعاظ في نيو انجلند، ويمتد تأثيره إلىالجنوب والغرب، حيث تأسست كنائس توحيدية في بلتيمور وواشنطن وبفلو وأماكن أخرى. ومن الشخصيات الكبيرة بين الموحدينوليم الري شاننج ١٧٨٠-١٨٤٢م راعي الكنيسة في بوسطن، الذي ألقى موعظة عن مسيحية التوحيد عام ١٨١٩م في بلتيمور، والذي صار فيما بعد مؤرخًا ورئيسًا لجامعة هارفارد. وتعتبر موعظته من أبرز البيانات عن عقائد الموحدين. وفي عام ١٨٢٥م تكونت "جمعية التوحيد الأمريكي" وآخر إحصائية لكنائس الموحدين بلغت ٣٧٠ كنيسة. وتوجد مدرستان أنشأهما الموحدون لتعليم رجال الدين، إحداهما في شيكاغو، والأخرى في بركلي بكاليفورنيا. كما أن كثيرًا من القسس في كل من بلجيكا والدانمرك وفرنسا وسويسرا وأيسلندا يتعاطفون مع أفكار الموحدين الدينية. انتهى ملخصًا من دائرة المعارف الأمريكية ٢٧/ ٢٩٥-٣٠٠ نقلًا عن كتاب طائفة الموحدين من المسيحيين عبر القرون ص٤٠-٥٣. ٢ حاشية: ربما أن مثل هؤلاء كان يمدحهم القرآن الشريف ويكفر القسم الثاني، لأن النصارى قسمان قسم موحد وقسم مثلث. وهذا القول في الحاشية ليس على ظاهره بالنسبة للموحدين، إلا في من لم تبلغه دعوة النبي محمد ﷺ، لأن الدين عند الله الإسلام.
[ ٦٨ ]
ثالثًا: إن بعضًا من النصارى القدماء قد كان يعتقد بأن اللاهوت هو مصاحب الناسوت مصاحبة، أوكما يقال إن الله يحل في الصالحين، وأن سيدنا عيسىكان إنسانًا خالصًا١ كالأنبياء وليس إلهًا وإنسانا٢،
_________________
(١) ١في النسختين "ساذجا" والساذج: بكسر الذال وفتحها، معرب. يطلق فيما كان على لون واحد لم يخالطه غيره من الألوان. انظر: تاج العروس ٢/٥٨. فلعل مراد المصنف أن عيسى ﵇ إنسان خالص، وبشر خالص، لم يخالط ذاته ألوهية ولا أرى مناسبة إطلاقها على الأنبياء، لأن الساذج في العرف هو من كان من الناس ضحل التفكير وضعيفه، فإطلاقها على الأنبياء يوجد اللبس. ٢ هذا القول مما نسب إلى نسطور وسيأتي التعريف به ص ٦٧، الذي كان رئيس أساقفة القسطنطينية، والقول المنسوب إليه هنا يعني أن: المسيح بشر مخلوق وليس بخالق، وأن الله عندهم اتحد به اتحادًا معنويًا، أشبه شيء بالاتصال والقرب عن طريق الأنس والرضوان. وهذا القول ينسبه إليه ابن البطريق، والكتاب النصارى الذين يؤيدون قول رئيس أساقفة الإسكندرية كيرلس، الذي حمل على نسطور، ودعا إلى مجمع أفسس سنة ٤٣١م، وخرج بقرار الطبيعة الواحدة في المسيح، وهي طبيعة إلهية بشرية عندهم، ثم لعنوا نسطور، وحكموا عليه بالنفي، فمات منفيًا سنة ٤٥٠م. وينسب هذا القول إلى نسطور أكثر الكتاب المسلمين، ويعتبرونه بهذا موحدًا. أما الكتاب الغربيون وهم في الغالب ضد كيرلس أسقف الاسكندرية فيدافعون عن نسطور، ويقولون إنه لم ينكر ألوهية المسيح، إنما علم أن المسيح له طبيعتان منفصلتان، وهما الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية، وأن مريم ولدت الإنسان وليس الإله. وبهذا يرى هؤلاء الكتاب أن خطأ نسطور ليس كبيرًا، مادام يقر بلاهوت المسيح، وتراهم يطعنون في كيرلس أسقف الإسكندرية، أو يهمزونه. انظر: فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية، ص٣٠٤، ومحاضرات في النصرانية، ص١٥٧، وتاريخ الفكر المسيحي ٢/١٧٠، ومختصر تاريخ الكنيسة ١/٣٤٠.
[ ٧٠ ]
الذين قد يوجد من هؤلاء جملة ألوف وكرات١ في بلاد المشرق، في الهند والصين والعجم، وبين النهرين: بغداد وما يحوطها، وغير محلات، ويسمون نساطرة ٢.
_________________
(١) ١كرات في علم الحساب مائة ألف. انظر: المنجد في اللغة ص٦٧٩. ٢النساطرة نسبة إلى نسطور، وهو راهب سوري صار قسيسًا لكنيسة أنطاكية، ثم رئيس أساقفة القسطنطينية، وذلك عام٤٢٨م، وقد اجتمع مجمع في أفسس سنة ٤٣١م للنظر في قوله في المسيح، فخرج بقرار عزله ونفيه حيث مات في مصر منفياُ حوالي سنة ٤٥٠م، وانتشر قوله في الشرق خاصة فارس والعراق، وصار لهم نشاط في الهند والصين. انظر: مختصر تاريخ الكنيسة ١/٣٩٨.
[ ٧١ ]
رابعًا: وبالإجمال أقول: إن الذي أورده أولئك النصارى القدماء، المار ذكرهم، وخلفهم من بعدهم، من الرد والمجاوبة على مخترعي مساواة عيسى لله (تعالى) في الجوهر، لما أرادوا أن يبحثوا رأيهم في تلك السندات الضعيفة، والبيانات السخيفة١، التي نحن الآن سنورد أقواها وجوابها في هذا الباب، (لكي) ٢ يحصل منها إنتاج أيما هو الدين الصحيح. وهي قد تشتمل على ستة بيانات أصولية٣
البيان الأول
عن قول يوحنا الإنجيليفي الإصحاح العاشر: "أنا والأب واحد"٤.
فمن قوله أنا والأب واحد، المنسوب إلى عيسىعليه السلام، قد استنبطوا مساواة الابن (أي عيسى) [الأب] في الجوهر.
فأجابهم الغير قابلين٥ هذه الزيادة: نعم إن يوحنا [الإنجيلي] قال هذا٦، إلا أن هذا القول لايفيد المساواة، لأنه (هو) أيضًا يقول
_________________
(١) ١ في النسختين "الخسيفة" وهو خطأ، وصوابها ما أثبت. ٢ في. ت "لكيما" والمثبت من. د. ٣ حاشية: "اعلم أنّ لفظة أصولية قد يراد بها أنه إذا وجد مائة شهادة أو أكثر أو أقل من مثل هذه المعاني، فتكون مبينة من مثل هذه الأصول الستة وقد تنحل بحلها المشروح" قال في. د "حاشية ثالثة: اعلم أن كلما يوجد من البينات في هذا الباب قد ترتد إلى هذه الستة الأصولية". ٤ يوحنا ٣٠:١٠. ٥ في النسختين "القابلين" وصوابها ما أثبت. ٦ في النسختين "هذه" وصوابها ما أثبت.
[ ٧٢ ]
في الإصحاح السابع عشر في طلب السيد المسيح ودعائه: كما أنت يا ابتاه فيّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدا فينا١، (هكذا) صلى ودعا (لأجل) حوارييه.
فإن كان معناه٢أن قوله "أنا والأب واحد" يفيد المساواة في الجوهر، فيلزم أن يكون التلاميذ الذين قال عنهم ليكونوا واحدًا فينا هم أيضًا مساوين٣ للأب والابن في الجوهر، وهذا رأي٤ شنيع٥.
وأيضًا: أن يوحنا (هذا نفسه قد) استعمل لفظة واحد في رسالته الأولى الكلية في قوله:"ثلاثة شهود في السماء الأب والكلمة والروح والثلاثة هم واحد، وثلاثة شهود على الأرض الروح والماء والدم والثلاثة هم واحد"٦.
فنرى ٧ أنهم ثلاثة جواهر وليس هم جوهرًا واحدًا، لأن الروح جوهر، والماء جوهر، والدم جوهر٨ ٩
_________________
(١) ١ يوحنا ٢٢:١٧. ٢ في النسختين "معناكم" وهو خطأ، واستقامتها كما أثبت. ٣ في. ت "مساوون" وصوابها ماأثبت من. د. ٤ في. د "قول". ٥ حاشية: "اعلم أنه يوجد أمثلة كثيرة مستعملة على هذا الأسلوب في كامل اللغات عن المتحدات من شيئين، ولا يقال عنها متساوين في الجوهر" ٦ رسالة يوحنا الأولى٥: ٧-٩. ٧ في النسختين: وقد ننظرهم نحن بأنهم. وليس فصيحة. ٨ أي هم ثلاثة أشياء كل واحد منها مستقل بجوهره "ذاته". ٩ حاشية: "اعلم أنّ جملة الأب والكلمة والروح والثلاثة هم واحد ليس لها وجود في جلسات المجمع النيقي، لأن هذه الجملة في بعض نسخ الإنجيل القديمة الموجودة عند النصارى الموحدين، [وعند طائفة السريان في اللغة السريانية] ليس لها أثر كليا، مع أنها لو وجدت في بعض النسخ، [وهي دخيلة ومبتدعة إلا أنها]؛ لا تفيد المساواة، بحيث قد يحلها مثالها التابع لها، وهو قوله الروح والماء والدم والثلاثة هم واحد، لأننا ننظرهم ثلاثة جواهر، وليس فيهم مساواة في الجوهر كليا. وهذه الشهادة بهذا النسق هي مأخوذة عن كتاب يوناني بخط اليد، ولربما تكون في باقي النسخ مغيرة"
[ ٧٣ ]
وأيضا قد أوضحوا لهم؛ أعني النصارى القدماء للمبتدعين: أن التوراة والإنجيل يعلمان بوحدانية الله تعالى الواحد الأحد [مرارًا] كقوله: إن الله واحد١، و[قوله] "أن لا إله غير الإله الواحد"٢، و[قوله] "إله واحد الذي يفعل كل شئ"٣، و[قوله] "إله واحد أبو الكل"٤، و[قوله] "أنت تؤمن أن الله واحد"٥،"ولكي يكون إله سيدنا يسوع المسيح أبوالمجد"٦،"وإني صاعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم"٧
_________________
(١) ١في إنجيل مرقس٣٢:١٢ فقال له الكاتب: "جيد يامعلم بالحق قلت؛ لأنه الله واحد وليس آخر سواه". ٢في سفر التثنية ٤:٦"اسمع ياإسرائيل الرب إلهنا رب واحد". ٣في سفر نحميا ٦:٩"أنت هو الرب وحدك أنت صنعت السموات وسماء السموات وكل جندها والأرض وكل ماعليها والبحار وكل مافيها وأنت تحييها كلها وجند السماء يسجد لك". ٤في رسالة بولس إلى أفسس ٤: ٥ قال "إله واحد وأب واحد للكل". ٥رسالة يعقوب ٢: ١٩. ٦رسالة بولس إلى أهل أفسس ١٧:١ وفيه "كي يعطيكم إله ربنا يسوع المسيح أبو المجد". ٧في يوحنا ١٧:٢٠ "إني أصعد إلى أبي وأبيكم إلهي وإلهكم".
[ ٧٤ ]
و"يعرفوك أنك أنت إله الحق وحدك"١. وماسمعوا من كتابهم حرفيا أن الله تعالى وحاشاه ثلاثة أقانيم ثلاثة أشخاص، ولا قرأوا في التوراة والإنجيل أن عيسى مساوٍ للأب في الجوهر.
وكما قرر صابليوس ٢ في [نحو] القرن الثالث أن المقول في الإنجيل "عمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس"٣ هي أوصاف ونعوت لطبائع مختلفة، وليست أقانيم وأشخاص متساوية بالحق، [وهي] كما يقال مثال ذلك في الاستعمال "عن غير الأب الحقيقي" والابن الحقيقي: هذا أبي وهذا ابني وهذا روحي٤ ٥.
_________________
(١) ١ في يوحنا ٣:١٧ "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك". ٢ صابليوس أو سابليوس ولد في نهاية القرن الثاني، وتوفي سنة ٢٦١م، كاهن ليبي دعا إلى مايسمى المذهب الانتحالي، ويعني أن الله واحد ولكنه انتحل شخصية الأب ثم انتحل شخصية الابن ثم انتحل شخصية الروح القدس. وكان ينكر الثالوث وكذلك الأقانيم انظر: تاريخ الفكر المسيحي ١/٥٩٤. ٣ متى ١٩: ٢٨. ٤ يقصد أن يقول الشخص لشخص آخر: هو أبي، مع أنه ليس أباه حقيقة، وإنما من ناحية الإجلال والاحترام له نزله منزلة أبيه، أو يقول لمن يراه في مقام ابنه: هذا ابني، مع أنه ليس ابنه، وكذلك لفظة روحي. ٥ حاشية "إنه يكفي برهانًا لعدم المساواة بنعت الروح وحده بالقدس، لأنهم لو كانوا متساويين لكان ينبغي أن يقول عيسى ﵇: عمدوهم باسم الأب القدس والابن القدس والروح القدس، ولا يعزو هذا النعت وهو القدس إلى أقنوم واحد وهو الأخير ويترك الباقي".
[ ٧٥ ]
وهي نعوت شريفة للتبجيل أعني:؛ إضافة تبجيل١، وفي الكتاب مثل ذلك وسيأتي بيانه٢.
_________________
(١) ١ مراده أن الأوصاف الملحقة بلفظ الجلالة الأب، وكذلك الملحق بالمسيح بأنه الابن، وكذلك الملحق بالملك جبريل بأنه الروح القدس هي نعوت وأوصاف للإجلال والتبجيل. ٢ حاشية: في. د، قال: وقوله: عمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس إن كانت غير زائدة في الإنجيل ولادخيلة فهي فريدة، ﴿لم يذكرها غير متى الإنجيلي﴾، والشهادة الواحدة لاتقوم برهانًا في الدعوى، أويكون معناها كما قيل في القرآن العظيم ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، أو كقوله ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أو كقوله: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾، ﴿وقول بولس لتيموثاوس ١/٥:٢١ أناشدك أمام الله ويسوع المسيح والملائكة المختارين﴾، فلا تفيد هذه الألفاظ المساواة للمشار إليهم من قوله، عمدوهم أو لتؤمنوا أو أطيعوا، لأن الأب هو الإله، أما الرسول أو عيسى أو الروح أو أولو الأمرجميعهم مخلوقين، عدا أن وصفه وتخصيصه الروح القدس الذي ذكره في هذه الجملة بقوله والروح القدس هو نعت تفضيلي للروح فقط لا للثلاثة، ويفيد هذا مضادة اعتقادهم بالمساواة. وهذا البرهان كاف لهدم آرائهم من نفس كتابهم ومن السند نفسه. وقد أثبت الحاشية من. د لأنها أكمل مما في. ت وأوضح.
[ ٧٦ ]
وهكذا كان اعتقاد النصارى المعاصرين له في الدهور الأولى١، المطابق لقوله تعالى في القرآن الشريف: ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ٢
البيان الثاني
استدل النصارى على أن عيسىعليه السلام سمي في الإنجيل إلهًا وابن إله، كقوله: أنت ابن الله٣، وإلهًا كان الكلمة٤، وإذا كنت أنا الرب والمعلم غسلت أقدامكم٥، وهذا ابني الحبيب٦.
_________________
(١) ١ مراده أن الحواريين كانوا يعتقدون وحدانية الله، وهذا ظاهر من النصوص المنقولة في سفر الأعمال، منها ماورد عن بطرس كبير الحواريين في خطبته أمام اليهود٢٢:٢ يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم تعلمون. وقال أيضًا في ١٣:٣ إن إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب إله آبائنا مجد فتاه يسوع الذي أسلمتموه أنتم. فلم يرد عنهم أنهم كانوا يعتقدون بنوة المسيح لله، بل إن أكثر الأوصاف الواردة عن بطرس للمسيح هو وصفه بأنه فتى الله، وذلك يعني خادم الله، أو نحو ذلك. ٢ الأنعام آية ١٩. ٣متى ١٦:١٦. ٤ يوحنا ١:١. وهو قوله وكان الكلمة الله. ٥ يوحنا ١٤:١٣ وفيهفإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم. ٦متى ١٧:٣.
[ ٧٧ ]
ومن هذه الجملة وأمثالها يستنتجون: مساواة الابن (أي عيسى) للأب في الجوهر، وأنه إله بالذات [ورب] .
فأجابهم نصارى تلك الأزمنة الحقيقيون١، بلسان مجمعهم قائلين: نعم إن هذه الكلمات هي موجودة في الإنجيل مع أمثالها، إلا أنها لاتفيد المساواة في الجوهر؛ لأن موسى الكليم دعي بهذه التسمية بقوله [له] في سفر الخروج، في الإصحاح السابع: قد أقمتك إلهًالفرعون٢. و[كذلك] سليمان دعي ابن الله في سفر صموئيل الثاني٣، في الفصل السابع بقوله: وأنا أكون له أبًا وهو يكون لي ابنًا. و[كذلك] يوسف، في سفر التكوين، في الإصحاح الحادي والأربعين، [والسابع والأربعين] سمي ربًا، ورزق أباه يعقوب بقوله: والمنادي ينادي قدامه أنت رب ومسلط٤، وبقوله: وارزق يوسف أباه وإخوته٥، وقيل [أيضًا] في المزمور إلى [أئمة] ٦ اليهود: إذا قلت إنكم آلهة وبنوا العلي كلكم٧،والله قام في مجمع الآلهة٨.
_________________
(١) ١ في. دالمحققون. ٢ الخروج ١:٧. ٣ في النسختين: الملوك الثاني، وصوابه ما أثبت وأنه في سفر صموئيل الثاني ١٤:٧. ٤ في سفر التكوين ٤٣:٤١وأركبه في مركبته الثانية ونادوا أمامه اركعوا. ٥ لم أقف عليه بهذا النص ولا قريبًا منه، وإنما أورد اليهود قصة إخوة يوسف معه حين جاءوا لطلب القمح، في سفر التكوين، في الإصحاح الثاني والأربعين. ٦ في. تأيمات وصوابها ما أثبت من. د. ٧ مزامير ٦:٨٢. ٨ مزامير ١:٨٢ وفيه الله قائم في مجمع الله في وسط الآلهة يقضي.
[ ٧٨ ]
(وفي المزمور المائة والرابع والثلاثين قد قيل فيه: لأن الرب عظيم وربنا أفضل من جميع الآلهة) ١، والملائكةفي سفر أيوب دعيوا أبناء الله ٢.
والشعب الإسرائيلي بوجه العموم دعي ابن الله حين قال الله لفرعون في سفرالخروج: إن اسرائيل ابني البكر أطلقه حتى يعبدني٣، وحتى إني لأقول: إن لفظة إله التي بينا، أنها كانت ينعت بها البشر نعتًا ووصفًا وإضافة قد وجدت في التوراة في اللغة العبرانية اسمًا أيضًا يستعمله (كل) من يريد [لنفسه]، كلفظة ايلياه التي إذا ترجمت إلى اللغة العربية حرفا بحرف تراها اسمًا مركبًا من اسمين: ايل ياه٤، أي: إله أبدي كائن٥، و[لفظة] اليشع أيضًا إذا ترجم اسمه يكون إله مخلص طايق ٦.
_________________
(١) ١ في المزمور ٥:١٣٥أن الرب عظيم وربنا فوق جميع الآلهة. ٢ أيوب ١/٦ ٣ سفر الخروج ٢٢:٤. ٤ قال في القاموس: إيل اسم من أسماء الله في العبرية، انظر: قاموس الكتاب المقدس ص ١٤٢، وقال في ص١٠٤٩: ياه مختصر يهوه، وتفيد معنى القيام بالذات. ٥ قال في. د بعد قوله ايل ياه مانصه واعلم أن لفظة ايل إذا عربتها تكون إله، وإذا ترجمتها للعرب تكون طايق مكين، ولفظة ياه هي بالعربي أبدي، فكأن اسم إيلياه بالعربي هو طايق مكين أبدي، أو معرب هو إله أبدي. ٦ هكذا في. ت، وقال في قاموس الكتاب المقدس ص١١١:اليشع اسم عبري معناهالله خلاصوقد وردت العبارة في. د إذا ترجمتها للعربي فهي، طايق مكين مخلص وإذا عربتها فهي، إله مخلص.
[ ٧٩ ]
ومثل هذه (الكلمات) قد وجدت كثيرا في الكتب [القديمة]، وما كان أحد يتصور أو يعتقد في موسىأو في خلافه المنعوتين بهذه النعوت، أنهم آلهة بالذات، أو مساوون لله تعالى في الجوهر، مع أن الآيات الخارقة المفعولة على أيديهم كان لها الأولوية أن تعطيهم ماتدعونه لعيسى١؛ أعني: الألوهية بالذات.
وعدا ذلك ٢ أن هذه النعوت أعني: لفظة البنوة لله، والولادة من الله، قد تسمت بها النصارى في تلك الأزمنة في الكتاب؛ لأنهم سموا أبناء الله، ومولودين من الله، والله أبوهم، حيث يقال في إنجيل متّى: وأبوكم السماوي هو كامل٣، وقوله: وليس لكم أجر عند أبيكم السماوي٤، وكم بالحري أبوكم يعطي الخيرات٥، وقوله: ومن دون إرادة أبيكم٦، وإن أباكم واحد الذي هو في السماوات ٧.
_________________
(١) ١ في النسختين ماتدعون به إلى عيسى ﵇ واستقامة المعنى كما أثبت. ٢ قال في القاموس ص ١٦٨٨:عدا الأمرجاوزه وتركه. ٣ متى ٤٨:٥ وفيه فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السموت كامل. ٤ متى ١:٦ ٥ متى ١٢:٧. ٦ متى ٣٠:١٠. ٧ متى ٩:٢٣.
[ ٨٠ ]
وفي إنجيل لوقا يقول: وبنوا الله من أجل أنهم بنوا القيامة ١، وفي إنجيل يوحنا يقول: وأن يجمع أبناء الله المتفرقين ٢.
وفي رسالة قرنيته يقول: وأنا أكون لكم أبا وأنتم تكونون لي بنين وبنات ٣، وفي رسالة غلاطية يقول: وأنتم كلكم أبناء الله بالإيمان٤. ويعقوب الحواري يقول: وحسب رحمته ولدنا ثانية٥، ويوحنا الحواري في رسالته يقول: وكل من ولده الله فما يخطئ ٦، وكل محب فهو مولود من الله٧.
فهذه الشهادات وأمثالها لم يعتبرها آل السنين (والأجيال) الأولى٨، إلا إنها مثل [المقول] على المسيح [عيسى]، وكانوا يعتقدون٩ أن عيسى يمتاز عنهم بالبكورية١٠، كما قيل
_________________
(١) ١ لوقا ٣٦:٢٠. ٢ يوحنا ٥٢:١١. ٣ رسالة بولس إلى أهل كورنثوس الثانية ٦/ ١٨. ٤ غلاطية ٣٦:٣. ٥ هكذا، والصواب أنها في بطرس ١: ٣ ونصه مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية. ٦ رسالة يوحنا الأولى ١٨:٥. ٧ رسالة يوحنا الأولى ٧:٤ وفيهوكل من يحب فقد ولد من الله. ٨ يقصد النصارى المتقدمين. ٩ في النسختينيعتقدوا على أنوصوابها ما أثبت. ١٠ في. ت في البكورية.
[ ٨١ ]
عنه إنه بكر كل خليقة١، وأن الله تعالى كان يظهر الآيات على يديه٢، كما [هو] محرر في الإنجيل٣، وفي أعمال الرسل ٤، ولكونه هو الشفيع٥ والوسيط ٦، وكما يفضل نبي عن نبي وصالح عن صالح، فهوفي الأولوية أحق، من كونه [مقدمًا ورأسًا وأخًا]، كما قال عن نفسه: ها أنا والبنون الذين أعطانيهم الله٧، وقول بولس للعبرية: إنه مااستحى (أي عيسى) أن يسميهم٨.
_________________
(١) ١ رسالة بولس إلى أهل كولوسي ١٥:١. ٢ في النسختينكان يأتي الآيات عن يديه. ٣ ورد في إنجيل يوحنا ٣:٩ أن المسيح حين أراد شفاء أعمى قال: لكن لتظهر أعمال الله فيه. ٤ ورد في أعمال الرسل ٢٢:٢ أن بطرس قال: يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم. ٥ قد يقصد به الشفيع في الدعاء لهم كما في لوقا ٣٤:٢٣ فقال يسوع يا أبتاه اغفر لهم؛ لأنهم لايعلمون ماذايفعلون. وقد يقصد به الشفيع في تكفير الخطايا، وهذا من غلوهم ومن ذلك ماورد في رسالة يوحنا الأولى ١:٢ وإن أخطأ أحدنا فلنا شفيع عند الأب يسوع المسيح االبار هو كفارة لخطايانا. ٦ قال بولس في رسالة تيموثاوس الأولى ٥:٢ لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح. والمراد بالوسيط، هو أن النبي وسيط بين الله وبين الناس في تبليغ رسالة الله وشرعه، أما النصارى فيرون أن المسيح وسيط بين الله والناس في مغفرة خطاياهم، وذلك ببذل نفسه على الصليب. انظر: قاموس الكتاب المقدس ص١٠٢٧. ٧ عبرانيين ١٣:٢. ٨ عبرانيين ١١:٢.
[ ٨٢ ]
وفي رسالته إلى أفسس قال: إنه هو رأس جسد الكنيسة، وكما [أن] الرجل هو رأس المرأة١، فكذلك المسيح هو رأس الكنيسة ٢، أعني: أن بولس يريد٣ ويستنتج من كلامه أنه كما [أن] المرأة والرجل من جوهر واحد، (فالمسيح والكنيسة من جوهر واحد)، وكما يمتاز الرأس عن الجسد، هكذا يمتاز المسيح ويتشرفعن الكنيسة، التي هي جماعة النصارى.٤
[وبالإيجاز أقول: إن هذه التسميات قد جاءت على موجب اصطلاح اللغة اليونانية والعبرانية استعمالًا وأصولًا، لا العربية، وقد قادت النصارى إلى أن استنتجوا منها، أنّ عيسى هو ابن بالذات لله تعالى، ومساو له في الجوهر -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا- وهذه الصيغة قد حرمها القرآن الشريف٥، لأن في قطع الأسباب تنقطع المسببات] .
_________________
(١) ١ في النسختينالإمرأةواستقامتها ما أثبت. ٢ رسالة بولس إلى أهل أفسس ٢٣:٥. ٣ في. تأنه قد يريد بولس وفي. د قد يريد بولس واستقامتها كما أثبت. ٤ في النسختين النصرانية، وصوابها كما أثبت. ومراده من ذلك كله أن تسمية المسيح، ابن الله وتسمية غيره ابن الله، مما ورد في الإنجيل يدل على عدم صحة الاعتقاد الذي عليه النصارى في المسيح، كما يدل على تميز المسيح عن الآخرين من الصالحين بأنه أكثر صلاحًا وأرفع مقامًا ممن أطلق عليهم تلك التسميات. ٥ يقصد أن الله ﷿ قد حرّم هذا الإطلاق وهو وصف ابن الله في القرآن.
[ ٨٣ ]
البيان الثالث
الذي [يظن] ١ النصارى أن به يثبتون٢ الألوهية لعيسى وهي أوصاف القدم المقولة عليه، حيث نقل عنه في إنجيل يوحنا في الإصحاح الثامن أنه قال: إني قبل إبراهيم كنت٣. وفي الإصحاح الأول قال: وهذا كان في البدء عند الله٤، وأمثاله.
فنجيب: أن هذه لا يفهم منها عند النصارى (القدماء)،الذين كانوا في القرون الأولى، أنه إله بالذات ومساولله تعالى في الجوهر، بل كانوا يفهمونها من قول سليمان، إنه قديم ومخلوق ومولود قبل صنع الجبال والآكام، لأنه أي سيدنا سليمان أنبأ عن سيدنا عيسى٥ بقوله بلسان حاله: الرب خلقني ابتداء طرقه لأعماله وقبل جميع الآكام ولدني ٦.
_________________
(١) ١ في. تيظنوا، والمثبت من. د. ٢ في النسختين يثبتواوصحتها ما أثبت. ٣ يوحنا ٥٨:٨. ٤ يوحنا ٢:١. ٥ مراده أن متقدمي النصارى فهموا منها أن المسيح خلق قديما بدليل كلام سليمان ﵇ عنه. ٦ أمثال ٢٢:٨ وفيهالرب قناني أول طريقه من قبل أعماله منذ القدم من قبل أن تقررت الجبال قبل التلال أبدئت.
[ ٨٤ ]
وأيضا نبينا [السيد] الأعظم١ قد ورد عنه ﷺ: بأنه مخلوق قبل الكون، وظهوره كان ضمن حساب التاريخ ٢.
فإذًا: من قول سليمان الذي يرمز به إلى عيسىعلى زعمكم بأن الرب خلقه قبل أن يبدع اللجج والآكام، نعلم أنّ عيسى ليس هو فوق الأزمان ولا هو أزلي، ويتبع ذلك أنه ليس بإله (حقيقي) .
وإن قلنا: إن النبوءة كانت مقولة من سليمان على جسد عيسى المخلوق، فجسدهقد كان ظهوره تحت حساب التاريخ، وليس مخلوقًا قبل الآكام كما تزعمون.٣
وأيضا داودفي هذا المعنى [في زبوره] يقول: يا رب ملجأً كنت لنا في جيل وجيل من قبل أن تكون الجبال وتخلق الأرض ٤. [وهذا يدل على أن أرواحنا مخلوقة قبل أن تخلق الأرض] ولا يفيد أننا آلهة٥أزليين، أو أنه
_________________
(١) ١ يقصد نبينا محمد ﷺ. ٢ لم أقف على شيء من هذا صحيح، وإنما روى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال، قالوا: يارسول الله متى وجبت لك النبوة؟ قال:"وآدم بين الروح والجسد". قال الترمذي: حسن صحيح غريب. فمعنى ذلك أنه كتبت نبوته ﵊ قبل أن ينفخ في آدم الروح. انظر: الترمذي مع تحفة الأحوذي ١٠/٧٨. ٣ مراده أن نبوءة سليمان ﵇ عن عيسى ﵇ قد نصت على الخلق قبل الكون، ويعني هذا أنه ليس إلهًا موجودًا منذ الأزل، وإذا كانت النبوءة تتعلق بالجسد فإن الجسد إنما وجد في زمانه الذي وجد فيه وليس قبل خلق الكون. ٤ مزامير ١:٩٠. ٥ في النسختين وليس يفاد منه واستقامتها كما أثبت.
[ ٨٥ ]
كما قيل في الرؤيا (في معنى ذلك) فيما زعموا عن يوحنا أنه سمى (المسيح) - في الإصحاح الثالث عشر- خروفًا، بقوله: الذي للخروف الذي ذبح منذ إنشاء العالم ١.
وقد يعلم من هذه أيضًا أنها تفيد قصد الشئ لاوجوده، ولأن المسيح على زعمكم (الباطل) ذبح في عهد بيلاطوس٢، وليس منذ إنشاء العالم كما [زعمتم من] قول يوحنا في رؤياه؟
(وأيضا أقول: نعم إن سليمان قد تكلم على أن الحكمة في الله أزلية، يقول عنها من الأزل أسست، والنصارى فسروا هذه الحكمة أنها عيسى، فنحن لا نعارضهم بهذا التفسير، وأن سليمان يذكرها مرارًا على معان كثيرة بعيدة عن فرضهم، حتى وفي هذه الجملة يشير أنها أسست أي مفعولة، بل نجاوبهم بأن الحكمة ليست وحدها في الله أزلية، بل جميع
_________________
(١) ١ رؤيا يوحنا ٨:١٣. ٢ بيلاطس البنطى أحد ولاة الرومان على اليهود زمن المسيح ﵇، وهو الذي يزعم النصارى أنه أمر بصلب المسيح، قيل: إنه مات سنة ٣٩م. انظر: معجم الحضارات الرسامية ص ٢٦١. ؟ حاشية: اعلم أنّ نتيجة هذا البيان الذي هو البيان الثالث قد تشير على أنه إن سلمت النصارى على أن عيسى ذبح قبل إنشاء العالم، فعلينا أن نسلم نحن لهم بأن القول عن المسيح كان قبل إبراهيم هو بالفعل، وان أنكروا وقالوا إنه ماذبح عيسى أي قبل إنشاء العالم بالفعل فنجاوبهم نحن ونقول انه ماكان عيسى قبل إبراهيم بالفعل، مع أن هذه القبلية لاتفيد الأولية كيف ما كانت. وهذه الحاشية ليست في. د
[ ٨٦ ]
صفاته كالقدرة والرحمة والمعرفة والسمع والبصر وما شابه ذلك، فإذا فسرت النصارى الحكمة وأنها أقنوم عيسى، فيلزم أن يكون في الإلهية أقانيم كثيرة على عدد صفاته، لأن سليمان ذاته قال: إن الله بالحكمة أسس الأرض وبالفطنة أتقن السموات، وبالمعرفة شقق اللجج ١ كما في العبراني، فهاهنا يستنتج أربعة أقانيم في إلههم وهم: الله والحكمة والفطنة والمعرفة، وقد يظهر أيضًا أن الفطنة ٢ هي أعظم من الحكمة؛ لأن بها أتقنت السماوات وبالحكمة أسست الأرض) .
_________________
(١) ١ أمثال ٣: ١٩. ٢ المعرفة والفطنة: هذا من تعبيرات اليهود، وليس من الأوصاف المستخدمة عندنا في الشرع. والصواب فيها أن يقال: العليم الخبير
[ ٨٧ ]
البيان الرابع
أنّ النصارى المتأخرين يستندون على أوصاف السيادة المقولة على عيسى، مستنبطين له منها الإلهية، مثل قوله في يوحنا: إن الأب لا يدين أحدًا بل أعطى الحكم كله للابن ١، و[قوله] كل شئ أعطيت من أبي ٢. [وأمثال ذلك كثير] .
فأجيب: والحال أن مثل هذه الأوصاف وما يتبعها لاينبغي أن تقبل٣ (أدنى) شبهة بأن الابن غير مساو للأب في الجوهر، ولأنه يقول أعطى الحكم كله للابن و(كل شئ أعطيت من أبي)، فيكون الأب هو المعطي والابن هو الآخذ، والأخذ للحكم ليس هومن شيم الألوهية ورتبتها، لأن رتبة الألوهية تعطي الحكم، والمسيح نفسه قد فسر ذلك لما أتبع كلامه إذ قال: لأنه ابن البشر ٤.
فهذه الأوصاف (كما قررنا) لا تثبت الألوهية (بالذات) لعيسى؛ لأنه في الأول قال: إن الله تعالى أعطى له الحكم، وفي الثاني قد كشف عن الحق (كله) بقوله: لأنه ابن البشر، ولم يقل عنه: إنه يدين ويحكم بحسب طبيعته الخالقة، أو لأنه ابن الله بالطبيعة.
_________________
(١) ١ يوحنا ٢٢:٥. ٢ بحثت عنه ولم أجده. ٣ في. د تقلل شبهة ٤ يوحنا ٢٧:٥ وفيه لأنه ابن الإنسان.
[ ٨٨ ]
وأما قوله: (إن) من يكرم الابن فقد يكرم الأب (وقوله: ويكرمون الابن كما يكرمون الأب) ١ فهي مثل قوله: من أهانكم فقد أهانني ومن أهانني فقد أهان الذي أرسلني٢،ومن سمع منكم فقد سمع مني٣،ومن يرحم مسكينا يقرض الله ٤، وأمثال ذلك كثير.٥
_________________
(١) ١ يوحنا ٢٣:٥. ٢ لوقا ١٦:١٠ وفيه والذي يرذلكم يرذلني والذي يرذلني يرذل الذي أرسلني. ٣ لوقا ١٦:١٠. ٤ أمثال ١٧:١٩. ٥ حاشية للناسخ: اعلم أنه قد ورد في القرآن الشريف مثلقوله: من يكرم الابن فقد يكرم الأب. خطابًا للنبي ﷺ أن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله.
[ ٨٩ ]
البيان الخامس
[يستند] النصارى على ماورد عن عيسى من قول بولس في العبرية١ بأنه: أي عيسى شعاع مجده وصورة جوهره ٢؛ [يعني مجد الأب] (وهذا الضمير عائد إلى لفظة الله)، ويستنبطون من قوله شعاع مجده وصورة جوهره ٣، مساواته لله تعالى في الجوهر.
فأجيب: أن هذا السند هو كالذي قبله، إذ (أنه) لا يفيد المساواة في الجوهر، لأنه قيل في سفر التكوين ما يحل هذا الإشكال فقد قال عن الإنسان أنه خلق على صورة الله، وذلك في الإصحاح الأول إذ قال: وخلق الله الإنسان كصورته ٤.
_________________
(١) ١ في. ت للعبرية. ٢ العبرانيين ٣:١ وفيهالذي هو بهاء مجده ورسم جوهره. ٣ في النسختين. من كون شعاع مجدهواستقامتها ما أثبت. ٤ التكوين ٢٨:١ وفيهفخلق الله الإنسان على صورته. وقد ورد هذا في آدم ﵇ خاصة في حديث صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "خلق الله آدم على صورته". أخرجه. خ في الاستئذان وبدء السلام. انظر: صحيح البخاري مع الفتح ١١/٣، وورد إثبات الصورة لله عزوجل في حديث أبي هريرة ﵁ في الرؤية، وفيه "فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون". أخرجه. خ في التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ . انظر: صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٤١٩، م. في الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، ١/١٦٤. فالواجب في مثل هذا الحديث إثبات صفة الصورة لله تعالى، مع نفي التشبيه، وأن الله لا يشبه أحدًا من خلقه، ولا يشبهه أحد من خلقه.
[ ٩٠ ]
ثم إن بولس كتب أيضًا لقرنيته١ في الإصحاح الحادي عشر: إن الانسان صورة الله ومجده٢. وحيث إنّ لفظة صورة الله ومجده قيلت على المسيح وعلى الإنسان أيضًا، فلا تفيد مساواة عيسى لله تعالى في الجوهر، (وكما تجد أقوالا كثيرة من بولس) إلى كولوسي٣ في الإصحاح الأول عن عيسى: أنه ابن (محبته٤، أي ابن) محبة الله، وأنه صورة الله ومجده، وأنه بكر كل خليقة٥، فيلزم أيضًا أن نعرف معانيها، لأنه (على) معنى قوله: إنه ابن محبة الله، فمعلوم وظاهر جدًا أن ابن المحبة غير الابن الطبيعي، حسبما أكد ذلك بولس نفسه في رسالته إلى الروم، إذ أنه سمى عيسى ابن الله بالقوة، ولم يقل بالطبيعة، وأتبع ذلك٦ بقوله: حسب روح التقديس٧، أي بحيث هو مقدس سمي
_________________
(١) ١ هكذا في النسختين، ومقصده كورنثوس. ٢ كورنثوس الأولى ٧:١١ وفيه فإن الرجل لا ينبغي أن يغطي رأسه لكونه صورة الله ومجده. ٣ في. ت كولص، وفي. د كولوطايس وصوابها ما أثبت. ٤ كولوسي ١٣:١. ٥ كولوسي ١٥:١ وفيه الذي هو صورة الله المنظور بكر كل خليقة. ٦ في النسختين، وأطبق. وصوابها ما أثبت. ٧ رومية ٣:١ وفيه: الذي صار من نسل داود من جهة الجسد وتعين ابن الله بقوة من جهة الروح القدس. ويظهر واضحًا الفرق بينه وبين المعنى الذي أثبته المصنف، لأن كلام المصنف يدل على أن المسيح سمي بهذا الاسم لأنه رجل مقدس أي طاهر، أما النص كما هو في النسخة البروتستانتية فيدل على أنه صار ابن الله بواسطة الروح القدس الذي هو إله عندهم.
[ ٩١ ]
ابن الله بالقوة، وبقوله: إنه صورة الله ومجده، وآدم أيضًا صورة الله ومجده، وبقوله: إنه بكر كل خليقة، فيكون معناه أن (المسيح) قديم ومخلوق وليس بخالق.
وأما قوله الذي يتلوه: إنه به خلقت البرايا١ أعني: لأجله أو بواسطته، وقد كتب قدها ٢ للعبرانيين٣ في الإصحاح الأول: لأن به خلق العالمين ٤، لأن هذه الباء (في اليوناني) هي باء السببية الواسطية.
ونبينِّا السيد الأعظم ﷺ قد ورد عنه أنه٥ لأجله خلقالوجود٦.
وأثبت٧ قولي وأختمه بما أورده يوحنا (في رؤياه)، في الإصحاح الثالث بقوله عن عيسى: إنه رأس خليقة الله ٨، أي
_________________
(١) ١ كولوسي ١٦:١ وفيهفإنه فيه خلق الكل ما في السماوات وما على الأرض. ٢ مراده مثلها ومقدارها. قال في المعجم: القد المقدار، يقال هذا على قد ذاك على مقداره. انظر: المعجم الوسيط ص٧١٧. ٣ في. تإلى العبريةوما أثبت من. د. ٤ العبرانيين ٢:١ وفيه الذي به أيضًا عمل العالمين ٥ في النسختين بأنوصوابها ما أثبت. ٦ لعله يقصد بذلك ما ورد في فضائل النبي محمد ﷺ "لولاك ما خلقت الأفلاك"، وهو حديث موضوع كما قال الشوكاني في الفوائد المجموعة ص٣٢٦، ووصفه بذلك الألباني في الأحاديث الضعيفة رقم ٢٨٢. ٧ في النسختين وقد أثبت ولا يستقيم المعنى بها. ٨ رؤيا يوحنا ١٤:٣ وفيهبداءة خليقة الله.
[ ٩٢ ]
أنه أول المخلوقين، هذا على زعم كتابكم المطابق قول بولس: إنه بكركل خليقة.
والنتيجة لهذا القول جميعه هوكيف أن عيسى قيل عنه١ [في كتبكم] إنه أول المخلوقات، وإنه بكر كل خليقة، وأنتم تدعون أنه خالق؟ ٢
_________________
(١) ١ في النسختين والنتيجة لهذا القول جميعه في أن كيف عيسى هو مقول عنهوركاكتها ظاهرة وصوابها ما أثبت. ٢ حاشية: اعلم أنّ هذه الجملة الموجودة في البيان الخامس التي هي قوله: شعاع مجده وصورة جوهرهإذا قرئت في الإنجيل العبراني لايلزم لها حل مطلقا لأنها محلولة من عين ذاتها ظاهرة جلية إذ أن لفظة شعاع مجده هي في العبراني توكادها كابود وتفسيرها بالعربي الزهرة المجيدة، وهي اسم لكوكب الزهرة، وأن بولس نعت بها عيسى، وأنه أي عيسى هو الزهرة المجيدة وصورة جوهرها، وبالمذكر تقال كوكب الغراء المجيد، وصورة جوهره وسايس الجميع بكلامه القوي. هكذا وجدت هذه الجملة في الإنجيل العبراني وليس عائد هذا الضمير على لفظة الله بل على النجم المشبه عيسى به، كذا وجدت في اللغة العبرانية كما قررنا، وهكذا يفهمها اليهود إلى الآن، وعليك بترجمتها من العبراني تكتفي عن كل ما شرحه المؤلف في هذا البيان. وقد اختلف نص الحاشية في. د على النحو الآتي اعلم أن جملة شعاع مجده التي رقمها بولس في هذه العبارة وقد حلها المؤلف -رحمه الله تعالى- هي في اللغة العبرانية غير مفتقرة إلى حل، لأنها واردة بمعنى آخر يبعد كثيرا عن صورتها العربية، والوجه الآخر هو: أن هذه الرسالة الوارده فيها هذه العباره هي من الست رسالات المشبوهات والغير مسلمات فى قدمية النصرانية كما ذكر عنها صاحب كتاب مرشد الطالبين، والدليل على ذلك أن المجمع الأول النيقاوى الذي كان مجتمعا لإثبات هذا المعنى ماأورد هذه العبارة في سنداته التي قررها، أي أنه بعد تاريخ عيسى بثلاث مائة سنة وعشرين ماكان المسيحيونقبلوا هذه الرسالة.
[ ٩٣ ]
البيان السادس
أنّ بولس قد كتب إلى فيلبي قائلًا عن عيسى: الذي إذا كان له صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون عديل الله١، فعلى هذا يستندون أن عيسى عديل الله في الجوهر- تعالى شأنه-.
فأجيب: أنّ هذه الجملة ٢غير كافية في اللفظ والمعنى، لأننا إذا تعقلنا جملتها فنراها٣أنها لاتفيد مساواة عيسى لله تعالى في الجوهر، بل إنها تظهر المعادلة في الصورة وليس في الجوهر؛ لأنه قال عنه: إذا كان له صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون عديل الله؛ يعني بالصورة.
فهذه المعادلة [من القرائن] قد علمت بهذا الوجه المشروح، وأما بالجوهر فلم يقال عنه إنه عديل الله بالجوهر ومساويه٤. وهكذا لفظة
_________________
(١) ١ فيلبي ٦:٢ وقوله لم يحسب خلسة أن يكون عديل اللهمعناه عند النصارى إما أن مساواته لله حق له فلم يكن بحاجة إلى اختلاسها وخطفها، أو أنه مع أنه على صورة الله فقد تخلى عن أن يكون عديلًا لله باتخاذه صورة البشر. انظر: تفسير العهد الجديد، وليم باركلي، ص٥٢. ٢ في. ت الجملة هي غير، وما أثبت من. د. ٣ في. ت فقد نراها أنها وهي ركيكة، والمثبت من. د بعد حذف فقد. ٤ وردت في. د هنا حاشية، وقد وردت في. ت في موضع آخر مع اختلاف في اللفظ، وسأبينه عند موضع الحاشية في. ت. انظر: ص ٩٢
[ ٩٤ ]
المعادلة في الاستعمال في كامل قواعد اللغات، وأنها لاتفيد إلاالوجه المقصود فقط من القرائن١، لأن بطرس الحواري أيضًا يقول في رسالته الثانية في الإصحاح الأول قولا أبلغ من المعادلة في الصورة عن الناس المؤمنين بعيسى: إنهم صاروا شركاء الطبع الإلهي٢، ويعقوب أبوالإسرائيليين٣ في سفر التكوين في الإصحاح الثالث والثلاثين يقول إلى العيص أخيه: إني نظرت وجهك كوجه الله ٤، وسيدنا داودقيل عنه إنه نظير قلب الله بقوله: إني نظرت داود بن يسى رجلا نظير قلبي؛ يعني نظير قلب الله (تعالى) .
وفي الإصحاح الثالث من [نبوة] إرميا (النبي) ٥ يقول [عن الله تعالى]: وأعطيكم رعاة كقلبي٦، [يعني نظير قلب الله]، ولم يُقَل عن المقول
_________________
(١) ١ يعني أن قوله عديل الله: أي مشابهه، والمقصود بالمشابهة يفهم بالقرائن، وهي هنا في الصورة وليس في الجوهر وقول المصنف هذا في إبطال دعوى النصارى، وإلا فلا يجوز إثبات المشابهة بين الخالق والمخلوق بحال بل يجب نفيها كما قال تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ الشورى١١. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ الإخلاص٤ ٢ بطرس الثانية ٤:١ ٣ في. ت يعقوب أبا الإسرائيلي وصوابها ما أثبت من. د. ٤ التكوين ١٠:٣٣. ٥ هو إرميا بن حلقيا، وهو عند بني إسرائيل من الأنبياء. انظر: معجم الحضارات السامية، ص٦٩. ولم يرد عندنا مايدل على نبوته فنتوقف فيه. ٦ إرميا ١٥:٣.
[ ٩٥ ]
عنهم هذه الأقوال إنهم آلهة بالذات ومساوين لله تعالى في الجوهر، وكما (أنه) إذا قلنا: إن زيدًا له صورة القمر فهو عديل القمر، ولا يفهم منها أن زيدًا عديل القمر بالجوهر، بل المعادلة له في الصورة١. (وعلى هذا المثال تفهم تلك الجملة التي هي٢ قوله الذي إذا كان له صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون عديل الله، ويستفاد منها أن المعادلة بالصورة وليس بالجوهر)
_________________
(١) ١ جاء في. د بعد قوله بالصورة نص الحاشية نفسها الواردة في. ت ص ٩٤. ٢ في. تقد يفهم من هذه الجملة الذي هو قوله إذا كان وهي ركيكة واستقامتها كما أثبت. ٣ حاشية: اعلم أنّ بولس نفسه يؤكد هذا الشرح في غلاقة هذه الجملة بقوله ولكنه أخلى ذاته، أي أنه تنازل وترك شرف هذه الصورة الفائقة. إذ أنه أخذ صورة عبد، أعني: أنه تظاهر بصورة عبد مثل باقي الناس مع سيادته ومعادلته لله في الصورة وشرفه السامي لكي يعلمنا التواضع ويرينا أن الله أثاب هذا الذي ترك ذاته الصائر بشبه الناس رفعة، لأنه يقول: ولذلك رفعه الله، وفي نسخة أخرى يقول: أعلاه الله إعلاءً ومنحه اسما يفوق كل اسم. فهل يجوز عند النصارى أن يقال عن اللاهوت أخلى ذاته، وأنه يعطي مراتب مثل التي ذكرها بولس وعلقها بالمخلي ذاته. أي أن الله رفعه ومنحه اسمًا يفوق كل اسم وهذا الرأي ماأظنه يقال ولا من الكافرين. وقد اختلف نص الحاشية في. د كما ذكرت ص ٩٠ على النحو الآتي اعلم أن بولس نفسه يؤكد هذا الشرح في ختام هذه الجملة بقوله ولكنه أفرغ ذاته، أي أنه تواضع وترك شرف هذه الصورة الفائقة، إذ أخذ صورة عبد، أي أنه تظاهر كعبد مثل باقي الناس ورضي أن يحسب مع الخطاة، مع صلاحه ومعادلته لله في الصورة وشرفه السامي، الذي هو صورة الله كيما يعلمنا التواضع، ويرينا كيف أن الله أثاب هذا الذي أخلى ذاته الصائر بشبه الناس رفعة، لأنه يقول وكذلك رفعه الله، وفي نسخة أخرى يقول أعلاه الله إعلاء ومنحه اسمًا يفوق كل اسم. فهل يجوز عند النصارى أن يقال عن اللاهوت إنه أخلى ذاته أي انتقل، أو يقال عنه إنه يعطي مراتب جزاء مثل التي ذكرناها، أي أن الله رفعه ومنحه اسما فائقا.؟ وهذا الرأي ماأظنه يقال، بل إن النصارى تكفر من يقوله. وقد استمر نص الحاشية في. د إلى قوله ووهبه اسما يفوق كل اسمالوارد ضمن المتن في نسخة. ت.
[ ٩٦ ]
(وأيضًا نقول: وإن فسروا ذلك بالناسوت١ فلا ينطبق معهم هذا التفسير؛ إذ أنّ الناسوت كان مأخوذا على زعمهم وليس آخذًا، وبولس عزا٢ الإعطاء إلى الآخذ لا إلى المأخوذ، أي أن الذي أفرغ ذاته وأخذ صورة عبد هو الذي رفعه الله ووهبه اسمًا يفوق كل اسم٣) ٤.
_________________
(١) ١ في. تعن الناسوتولا يستقيم بها الكلام. ٢ في النسختين وبولس موجه ضمير كلامه بالإعطاء وما أثبت أوضح. ٣ نص كلام بولس في رسالته إلى فيلبي ٦:٢ الذي إذا كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلًا لله لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد صائرًا في شبه الناس وإذا وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب لذلك رفعه الله أيضا وأعطاه إسمًا فوق كل اسم. ٤ ما بين القوسين ورد ضمن الحاشية في. د، وهي المشار إليها في الصفحة السابقة في الهامش.
[ ٩٧ ]
(فإذًا ينتج من كل ماشرحناه: أن يسوع الإنسان السيد الشريف الآخذ صورة عبد، أعني المتصف١بالذل والتواضع، هو الذي أعلاه الله إعلاءً.٢
(تنبيه) ٣: اعلم أنّ الذين تنصروا في [ابتداء] الديانة النصرانية كانوا مركبين من يهود ومن عبدة الأصنام، فالبعض من علماء عبدة الأصنام [من] المتنصرين إذا سمعوا٤ الإنجيل يقول عن المسيح: إنه إله وابن إله، فكانوا
_________________
(١) ١ في. ت المتصرف ولا يستقيم بها المعنى. ٢ حاشية: وهذا الشك ﴿عينه﴾ هو الذي كان بعض اليهود المبغضين لعيسى يتأولونه عليه ﴿ويطعنونه به﴾ بأنه يعادل نفسه بالله من قوله [أنه]: هو ابن الله. وقد كشفه ﵇ وأعلنه بأنه ليس هو عديل الله من جوابه لهم، لأنه قال: أما هو مكتوب في ناموسكم أنا قلت إنكم آلهة وبنوا العلي كلكم. فإن كان أولئك قيل عنهم إنهم آلهة فالذي قدسه الأب وأرسله تقولون أنتم إنه يجدف، ومعناه ﵇ إن كانت لفظة ابن الله التي تؤنبوني فيها ماقيلت ﴿سابقًا﴾ على غيري [من البشر فيكون الحق معكم على أني أجدف، وإن كانت قيلت سابقًا على غيري، فكيف تقولون عني] أني أجدف إذا قلتها على نفسي أنا المقدس من الله والمرسل. وقد وردت هذه الحاشية ضمن المتن في. د. انظر: ص ٩٢. ٣ ورد هذا التنبيه في نسخة. د حاشية ثامنة، بدون لفظة تنبيه وقد استمرت الحاشية في. د إلى نهاية البيان. ٤ في. تلما كانوا يسمعوا، وفي. د لما كانوا يسمعون.
[ ٩٨ ]
يتصورون١ أنه إله [بالذات] كالزهرة والمشتري ٢، كما ظنوا٣ في بولس وبرنابا أنهم آلهة، ولقبوا بولس بهرمس٤ وبرنابا بالمشتري٥، كما خبرهم شاع في [كتاب] الابركسيس ٦.
وأما علماء اليهود المتنصرين إذا سمعوا٧ الإنجيل يقول عن المسيح في الإنجيل: إنه إله وابن إله، فكانوا يعتقدون فيه كموسى وكباقي المسميين آلهة ٨، وأنهم مخلوقون وليسو بخالقين٩، لأنهم لم يسمعوا في الإنجيل في أسمائه المكتوبة [والمنبئة] عنه، ولا في التوراة اسمًا (صريحًا) من
_________________
(١) ١ في. تيفتكروا فيه، وفي. د يفتكرون. ٢ وذلك لأن مشركي اليونان كانوا يعتقدون ألوهية الكواكب ويعبدونها. انظر: معتقدات يونانية ورومانية ص ١٧٧. ٣ في النسختينافتكروا. ٤ هرمس هو اسم إله الفصاحة والخطابة عند اليونان. انظر: قاموس الكتاب المقدس ص٩٩٩. ٥ المشتري هو اسم كبير الآلهة لدى كل من اليونان والرومان، ويسميه اليونان زفس ويسميه الرومانجوبتير. انظر: قاموس الكتاب المقدس ص٤٢٦. ٦ يقصد أعمال الرسل حيث يسمى باليونانية Praxis ومعناها أعمال. انظر: الأسفار المقدسة، علي وافي، ص١١٣. والنص المشار إليه في ١٢:١٤. ٧ في. تاليهود اليهود المتنصرين لما كانوا يسمعوا ويبدو أن إضافة اليهود خطأ من الناسخ، وفي. دعلماء اليهود الذي صاروا نصارى لما كانوا يسمعون ٨ انظر ماسبق في البيان الثاني. ٩ في. ت وهم مخلوقين وليس بخالق، وفي. د وهم مخلوقين وليس خالقين واستقامتها كما أثبت.
[ ٩٩ ]
الأسماء المختصة بذات الله ﷿، مثل [اسم] ياهوفا١ مفردة؟، [واسم] اهيه اشيراهيه٢ الذي لم يطلقا إلا على الله تعالى بالذات، بل كانوا [يرون] أنه من الأسماء المشتركة التي كانت تقال على الخالق وعلى المخلوقين كألوهيم ٣ [وأدوناي] ٤ وأيلواه ٥، وأمثالهما.
_________________
(١) ١ في النسختين يهوبا وصواب نطقها كما أثبت، كما هي في نسخة الملك جيمس الإنجليزية Jehovah، وفي النسخ العربية البروتستانتية تكتب يهوه وهو اسم خاص عند اليهود لله-تعالى-، ولايصح أن يطلق على غيره مفردًا، وإنما يطلق مركبًا مثل يهوياداع يهوياكين ونحوها. انظر: قاموس الكتاب المقدس، ص١٠٩٦. ٢ حاشية: اعلم أنّ لفظة ياهوفا إذاكانت مفردة تمتاز عن ياهوفا المركبة، حيث أن المركبة يجوز أن تقال على البشر وعلى الأحجار كقوله في سفر الخروج في الإصحاح السابع عشر: وابتنى هناك موسى مذبحا ودعى اسمه اليهوبا عظمتي. وهذه الحاشية ليست في. د ٣ في الخروج ٣/١٤ فإذا قالوا لي ما اسمه؟ فماذا أقول لهم؟ فقال الله لموسى أَهيَه الذي أَهيه وقال هكذا تقول لبني اسرائيل أَهيه أرسلني لكم قال في قاموس الكتاب المقدس ص١٢٨: أَهيه: اسم عبرى معناه الكائن، ويعبر هذا الاسم عن أبديته ووجوده. ٤ قال في معجم الحضارات السامية، ص١٢٢ألوهيم أحد أسماء الله في كتاب العهد القديم، واللفظة جمع كلمة ألوهو، وتدل على الله، أو الإله بلفظ التفخيم، وكذلك على الآلهة بلفظ الجمع. ٥ أدوناي: كلمة عبرية تعني السيد، تطلق في العهد القديم على اسم الجلالة، واليهود يكتبون اسم يهوه ويقرؤونه أدوناي لتجنب لفظ اسم الله. معجم الحضارات السامية ص٥٦. ٦ ذكر المؤلف ص ٢٢٤ أن أيلواه تعني إله.
[ ١٠٠ ]
ولما تنصر الملك قسطنطين١ في ابتداء الجيل الرابع وجد خلفًا في الديانة النصرانية، وآراء مشكلة٢، فقصد الفحص هو وخلفه من بعده، وجمعوا [مجامع] عامة، كما حرر [ذلك] سعيد البطريق٣ في تاريخه، وغيره من المؤرخين، فكان تارة يثبت رأي اليهود المتنصرين بأن عيسى ليس [بإله] ٤ بالذات، [بل بالتسمية]، وتارة كان يثبت بأنه إله بالذات [أعوذ بالله]، كرأي عبدة الأصنام المتنصرين،٥ الذين منهم
_________________
(١) ١ هو الإمبراطور الروماني قسطنطين كان وثنيًا يعبد الشمس، ثم تعاطف مع النصارى ورفع الاضطهاد عنهم، وهو الذي دعا إلى مجمع نيقية سنة ٣٢٥م، الذي كان له أعظم الأثر على النصرانية والنصارى حيث نصر قول المؤلهين للمسيح على الموحدين، توفي سنة ٣٣٧م. انظر: معجم الحضارات السامية ص٦٨٦، والمنجد،٢/٥٥١. ٢ في النسختين وتشكلات آراء واستقامتها كما أثبت. ٣ هو سعيد بن البطريق بطريرك الإسكندرية على الملكيين. كان طبيبًا مجادلًا ومؤرخًا، له مختصر في التاريخ العام سماه: نظم الجوهر، وله كتاب البرهان، توفي عام ٩٤٠م. المنجد في الأعلام ٢/٣٥٦. ٤ في. ت إله والمثبت من. د. ٥ حاشية: اعلم أنّ هذا التاريخ المنقول عن سعيد البطريق الذي صار بطريركا على الإسكندرية يستدل منه على أنه لم يوجد دليل لهذا الرأي صريح في الكتب يثبت المساواة، أي أنه لم يجد علماء تلك الأزمنة في الإنجيل والتوراة جملة صريحة تقول عن المسيح إنه مساولله في الجوهر وهذا وحده يكفي للبيان. وهذه الحاشية ليست في. د
[ ١٠١ ]
قسطنطين (نفسه) ١، (وخلفه)، [ونيكولاوس] ٢، و(اسبيردولوس) ٣، الذين ليس عندهم معرفة في اصطلاح و[قواعد] ٤التوراة.
وهذا هو الأصل. [والسبب] ٥ لهذه الواقعة، مع أنّ هذه السلالة الملكية كان بعضهم يعقل ويميل إلى الرأي بعدم المساواة، و[كان] بعضهم يفضله٦، حتى إن الغربيين (مع) أتباع البابا [والبروتستانيين] إلى حد هذا الزمان يعتقدون بأن قسطنطين الملك قد توفي بالمذهب، الذي هو عدم المساواة.
_________________
(١) ١ في. د الملك. ٢ في. ت نيكوادوس والمثبت من. د، ولم يتبين لي من هو. ٣ في. د سبيريدونس. ولم يتبين لي من هو. ٤ في. ت وعوائد والمثبت من. د. ٥ في. ت والفرق والمثبت من. د. ٦ في النسختينالسلسلة الملوكية كان بعضها يعقل ويميل إلى الرأي بعدم المساواة، وكان بعضهم يفضل فيه. وصوابها ما أثبت. ومراده أن سلالة قسطنطين من ملوك الروم بعضهم كان يأخذ بمذهب أريوس، وما هو قريب منه، وهو القول بعدم المساواة بين عيسى والله تعالى، مثل: قسطنطينوس بن قسطنطين، وفالنس بن جوفيان بن جوليان، الذين كانا على مذهب أريوس. كما أن قسطنطين الثاني، وقسطانس ابني قسطنطين، وجونيان وثيودوسيوس، هؤلاء كلهم كانوا على مذهب بولس، الذي يقول بألوهية المسيح. انظر: مختصر تاريخ الكنيسة، ١/٢٩٥-٢٩٩.
[ ١٠٢ ]
الباب الثاني: الرد على النصارى في استدلالهم على ألوهية المسيح بالمعجزات التي أظهرها الله على يديه
رد على الافتخار الذي [يفتخر] ١ به النصارى، [المبتدعون بسمو] ٢ آيات عيسى وعجائبه وأنها فائقة، وقصدهم بذلك لكي يثبتوا بدعتهم منها؛ أعني [الألوهية] ٣ لعيسى، وقد [قابلت] ٤ آياته وإذا هي [في الواقع] آيات خارقة للعادة، إلا أن الأنبياء الذين سبقوه قد عملوا مثلها وما يعلوها ويفوقها أيضًا٥، ثم إن آل زمانهم وأتباعهم لم يعتقدوا ﴿فيهم﴾ أنهم آلهة ولا مساوون لله تعالى في الجوهر.
_________________
(١) ١ في. ت «يفتخرون» وصوابها ما أثبت من. د. ٢ في. ت «أي المستدعيون بسمو» وما أثبت من. د. ٣ في. ت «ألوهية بالذات» والمثبت من. د. ٤ في. ت «تقابلت» والمثبت من. د. ٥ هكذا قال المصنف، والصواب أن يقول: إلا أن الأنبياء الذين سبقوه قد أجرى الله على أيديهم مثلها وما يعلوها، لأن الآيات هي من قدرة الله، التي يظهرها الله على أيدي الأنبياء، كما قال تعالى عن عيسى ﵇ ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾ المائدة (١١٠) .
[ ١٠٥ ]
أقول: إن الافتخار الذي [يفتخربه] النصارى بآيات عيسى لكي يثبتوا بها أنه إله ومساوٍ لله تعالى في الجوهر، ذلك لايفيدهم شيئًا؛ لأننا مع اعترافنا أن آيات سيدنا عيسى ﵇ خارقة، إلا إنها إذا تقابلت [آياته بآيات] ١ سيِّدنا موسى والأنبياء ﵈، فيظهر أن بعضها متساوية وبعضها أقل رتبة منها، فسيدنا عيسى نعم: إنه أطعم خمسة آلاف٢ وأربعة آلاف من خبز قليل لما صلى لله تعالى٣، إلا أن سيدنا موسى عال جملة ألوف بلواحقهم، ليس يومًا ولا شهرًا، بل سنين عديدة في التيه في البرية٤، وعيسىعليه السلامبنوع عجيب صام أربعين يومًا فيالبرية٥، إلا أن إلياس النبي صام مثله٦ وموسى النبي ﵇ ضاعف الأربعين٧.
_________________
(١) ١ في. ت «على آيات» ولا يستقيم بها الكلام، والمثبت من. د. ٢ انظر يوحنا ١٠:٦. ٣ متى ٣٤:١٥. ٤ وذلك زمن التيه أربعون سنة. انظر: الخروج ٣٥:١٦. ٥ متى ٢:٤. ٦ انظر: الملوك الأول ٧:١٩ وفيه «ثم عاد ملاك الرب ثانية فمسه وقال: قم وكل؛ لأن المسافة كثيرة عليك، فقام وأكل وشرب وسار بقوة تلك الأكلة أربعين نهارًا وأربعين ليلة» . ٧ في النسختين (ثنى الأربعين ضعفين) وقد ورد في سفر الخروج ٢٨: ٣٤ وفيه «وكان هناك عند الرب أربعين نهارًا وأربعين ليلة لم يأكل خبزًا ولم يشرب ماءًفكتب على اللوحين كلمات العهد، الكلمات العشر» .
[ ١٠٦ ]
ثم إذا قلنا إن سيدنا عيسى صعد وعرج١، فإيليا أيضًا صعد بهولة٢ عظيمة، وبمركبة نارية٣، وعيسى انتهر البحر (والريح) فهدءا٤، ويشوع بن نون أوقف الشمس والقمر٥ ٦.
نعم إن عيسى مشى على الماء٧، وأيضًا تابوت العهد٨ مع كهنة
_________________
(١) ١ انظر: أعمال الرسل ٩:١. ٢ في النسختين «بهيلولة» وصوابها ما أثبت. قال في المعجم ص١٠٠٠: الهولة العجب، والهولة كل ما هالك. ٣ الملوك الثاني ١١:٢ وفيه عن إيليا «إلياس» و«اليسع» «وفيما هما يسيران ويتكلمان إذا مركبة من ناروخيل من نار ففصلت بينهما فصعد إيليا في العاصفة إلى السماء» . ٤ متى ٢٣:٨. ٥ يشوع ١٢:١٠ وفيه «حينئذ كلم يشوع الرب أمام بني إسرائيل وقال أمام عيون إسرائيل: ياشمس دومي على جبعون وياقمر على وادي أيلون. فدامت الشمس ووقف القمر، حتى انتقم الشعب من أعدائه» . ٦ حاشية: (اعلم أنّ وقوف الشمس والقمر من يشوع بن نون هو أبلغ من سكون الريح من عيسى؛ لأن الريح قد يمكن سكونه صدفة وأما الشمس والقمر فغير ممكن وقوفهما لا بل ممتنع إلى أقصى غاية) ٧ متى ٢٥:١٤ وفيه «وفي الهزيع الرابع من الليل مضى إليهم يسوع ماشيًا على البحر» . ٨ تابوت العهد حسب دعوى اليهود هو صندوق صنعه موسى ﵇، وكان فيه شيء من المن وعصا هارون والألواح، وكان بنو إسرائيل يحملونه أمامهم، ثم لما بنى سليمان ﵇ الهيكل وضعوه فيه، ثم فقد منهم ولايعلم له أثر ولاخبر. انظر: قاموس الكتاب المقدس، ص٢٠٩.
[ ١٠٧ ]
اليهود جازوا في نهر الأردن بأقدام غير مبلولة١.
سيدنا عيسى أقام بصلاته أمواتا٢، وأيضا إيليا واليشع أقاما أمواتا في حياتهما٣، بل إن عظام اليشع من بعد موته وفنائه حينما وضعوا عليها ذاك الميت للحال قام ناهضا٤. مرض البرص شفاه المسيح٥، واليشعشفى٦ نعمان السرياني من البرص أيضًا٧ ٨.
[نعم إن] الأعمى٩ برئ بسيدنا عيسى١٠، وبرئ سابقًا من مرارة حوت طوبيا، ومن بخوركبده أخرجت الشياطين١١، وماء
_________________
(١) ١ يشوع ١٣:٣. ٢ متى ١٨:٩. ٣ انظر في إقامة إيليا لابن الأرملة بعد موته: الملوك الأول ١٧-٢٤:١٧. وانظر في إقامة اليسع لابن إمرأةأيضًا: في الملوك الثاني ٣٢:٤. ٤ الملوك الثاني ٢١:١٣. ٥ متى ١:٩. ٦ في النسختين «إلا أن اليشع أشفا» واستقامتها كما أثبت. ٧ الملوك الثاني ٥: ١ – ٢٧. من قوله «وعيسى انتهر البحر» إلى قوله «من البرص أيضا» وردت في. د بتقديم وتأخير. ٨ حاشية: (اعلم أنه قد زاد في هذه الآية أن اليشع نقل البرص من جسم نعمان السرياني إلى جسم جيازي خادمه أي خادم اليشع والمسيح لم ينقل البرص.) وقد وردت هذه الحاشية في. د بتقديم وتأخير في عباراتها. ٩ في النسختين «العمى» وصوابها ما أثبت. ١٠ متى ٢٧:٩، مرقس ٢٢:٨. ١١ يشير إلى قصة طوبيا الواردة في سفر طوبيا وهو من الأسفار التي لا تعترف بها الكنييسة البروتستانية، وإنما هو من ضمن النسخة اليونانية المقبولة عند الكاثوليك، وملخص القصة: أن طوبيا دهن عيني أبيه من مرارة الحوت فشفي من العمى، وجعل قطعة من كبد الحوت على حجر فبخر بها زوجته فخرجت منها الشياطين. انظر: سفر طوبيا (٨/ ٢) و(١١/ ١٣ – ١٥) .
[ ١٠٨ ]
بركة المرسلة ١ كان يشفي [المخلعين] ٢، ﴿وسيدنا المسيح كان يبرئ المخلعين﴾ .
سيدنا المسيح هو حي للآن، وإيليا٣ وأخنوخ٤ لم يموتا، بل هما باقيين أحياء.
[نعم] عيسى أحال شجرة التين المورقة وجعلها يابسة ٥، وموسى
_________________
(١) ١ هكذا في النسختين، والمذكور في يوحنا ٧:٩ أن المسيح طلا عيني أعمى بالطين، ثم قال له: «اذهب اغتسل في بركة سلوام، الذي تفسيره مرسل، فمضى واغتسل وأتى بصيرًا» .وقال في قاموس الكتاب المقدس ص٤٧٩ «بركة سلوام: وسلوام اسم عبراني معناه: مرسل، وهو اسم بركة قريبة من أورشليم، وقد كان اليهود يستخدمون ماءها في طقوسهم الدينية» . ٢ وردت في. ت «المخلصين» والمثبت من. د. والمخلعون: جمع مخلع، وهو المجنون أو من انفصل مفصل يده أوقدمه بدون أن يخرج من مكانه. انظر: المعجم الوسيط ص٢٥٠ ٣ سبق ماتعلق بإيليا وهو إلياس ص ١٠٢، ١٠٣. ٤ أخنوخ السابع من أولاد آدم حسب كلام اليهود، وقد قالوا في سفر التكوين ٢٤:٥ «وسار أخنوخ مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه» . وتفسير ذلك عند النصارى أنه لم يمت، فقد أوردوا في الرسالة إلى العبرانيين ٥:١١ «بالإيمان نقل أخنوخ كي لا يرى الموت ولم يوجد لأن الله نقله» . ٥ متى ١٩:٢١، مرقس ١١: ١٣.
[ ١٠٩ ]
تحولت عصاته اليابسة إلى حية١ ٢
[نعم] عيسى حين٣ اليهود أرادوا قتله على زعمهم صارت ظلمة على الأرض من الساعة السادسة إلى الساعة التاسعة٤، وربما يكون انكسافًا طبيعيًا. وأما الظلمة التي صارت بمصر على يد موسىعليه السلام فقد استقامت ثلاثة أيام٥.
[نعم] أن عيسى حينما اعتمدشهد له صوت٦ من السماء (قائلًا): هذا هو ابني الحبيب ٧، وأما موسى حسبما ورد عنه بأن الله تعالى ناجاه مخاطبًا وقائلًا: قد أقمتك إلهًا لفرعون ٨.
_________________
(١) ١ خروج ٢:٤. ٢ حاشية: (اعلم أنّ يبس شجرة التين هو داخل تحت قانون الطبيعة، أي أنه يمكن أن يبس الشجرة كان بنوع الصدفة، لأن الشجرة قد تيبس، إلا أن العصا تتحول إلى حية ليس هو من الأشياء الصدفية الممكنة، بل هو من الممتنع وجوده إلا بقدرة الله وهو أبلغ الخوارق وأكبرها) . وقد وردت الحاشية في. د بتقديم وتأخير ٣ في النسختين «في حين» واستقامتها كما أثبت. ٤ متى ٤٥:٢٧. ٥ خروج ٢١:١٠ ٦ في. ت «صوتًا» وصوابه ما أثبت من. د. ٧ متى ١٧:٣. ٨ خروج ١:٧.
[ ١١٠ ]
[نعم] سيدنا عيسى١ لما تجلي عليه لمعت ثيابه كالثلج٢، ولكن موسى حينما نزل من الجبل [من مناجاة الله سبحانه له] كان يضع على وجهه برقعا ليغطي به ذاك البهاء الذي كان فيه، وذلك (البهاء) لم يكن٣ وجوده (ساعة) كالتجلي بل بقي زمانًا طويلًا٤.
فهذه المقولات والمقابلات قد أوردتها ليس لأن عندي أن سيِّدنا عيسى هو دون [سيدنا] موسى ﵉ حاشا وكلا، وإنما ليعلم أن المسيح ليسبزائد عن موسى ولا هو إلهًا له كما [يزعم] النصارى.
وبقي علينا أن نشرح ونبين الآيات والعجائب التي فعلهاموسى ولم يفعل سيدنا عيسى مثلها٥ ولم يرد على يديه مثل
_________________
(١) ١ في. د «المسيح» . ٢ مرقس ٢:٩ وفيه «وبعد ستة أيام أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا وصعد بهم إلى جبل عال منفردين وحدهم، وتغيرت هيئته قدامهم وصارت ثيابه تلمع بيضاء جدًا كالثلج» . ٣ في النسختين «ليس كان» . ٤ خروج ٢٩:٣٤. ٥ سبق أن علقنا على عزوه الآيات إلى فعل الأنبياء، وأن الأولى أن يقال: إن الله يجريها على أيديهم. كما أفيد هنا أن الآيات التي يذكرها المصنف هي مما ذكره اليهود والنصارى في كتبهم، وقد تكون الآية من ناحية ثبوتها صحيحة، وقد تكون غير صحيحة، لأن مصادر اليهود والنصارى في هذا غير موثقة، فلا يمكن الاعتماد على صدق خبرها ما لم يصدق القرآن أو السنة الصحيحة الخبر. وهي مع هذا حجة في هذا على النصارى، لأنهم يفرون بالتوراة الموجودة، ويعتقدون قداستها.
[ ١١١ ]
أصغرها١، كتحويل بحار المصريين إلى دم، وإيجاد الضفادع الكثيرة٢، والوباء المهلك [والجرب] والجراد، والبرد، وموت الأبكار٣ وشق البحر الأحمر بعصاته، وإدخال الشعب على الأرض اليابسة في [وسط] البحر٤، وعامود الغمام ٥، وإنباع الماء من الصخرة التي كانت تتبع الشعب أينما مشى لتسقيه٦، وحية النحاس، التي كانت
_________________
(١) ١ في النسختين «أصغرها عن يديه» واستقامتها كما أثبت. ٢ في النسختين «البليغة» واستقامتها كما أثبت. ٣ انظر: في سفر الخروج ٧-١١. ٤ الخروج ١٤: ٢١-٢٩. ٥ الخروج ٢١:١٣ وفيه «وكان الرب يسير أمامهم نهارًا عمود سحاب ليهديهم في الطريق، وليلًا في عمود نار ليضيء لهم» . قال في قاموس الكتاب المقدس ص٩٨٤ «إن الله كان يسير أمام بني اسرائيل عند خروجهم من مصر» ولا شك أن هذا من افتراءآت اليهود على الله ﷿ وذلك ليوهموا غيرهم بعظيم قدرهم عند الله حيث زعموا أن الله بجلاله ينزل ليكون مرشدا ودليلا لهم في الطريق، فإن صح ما زعموا من وجود عمود الغمام والنار فلا يعني ذلك سوى أن الله قد سخر لهم جند من جنوده لهذا والله أعلم. ٦ الخروج ٥:١٧.
[ ١١٢ ]
تمنع الموت عن الناظرين إليها من الذين كانت تلدغهم الحيات١ كما كتب وشرح ذلكبالافراد في سفر الخروج، وفي غير محل من التوراة تجد آيات أخر فائقة لم تعمل من عيسى ﵇ كنجاة دانيال من جب السباع٢، وحفظ الثلاثة فتية، الذين طرحهم الملك في [أتون النار] ٣، ولم تمسهم، [ولم تحرق ثيابهم] نار ذلك الأتون (المتوقد) سبعة أضعاف٤، وشق نهر الأردن من أثواب إيليا حينما ضربه اليشع بتلك المخملة ٥.
فهذه جميعها ماعمل مثلهاالمسيح ﵇، مع أن الواجب حيث إنّ عيسى (حسبما يزعمون)، عنه أنه إله ومساو لله تعالى في الجوهر أن تكون آياته وعجائبه أكثر خرقًا للعادة٦ وأعلى وأسمى وأغرب من آيات موسى والأنبياء، ولم يقع مثلها في الوجود٧ من كونه كما نوهوا عنه أنه خالق الأنبياء وإلههم - أعوذ بالله من ذلك - وعندما
_________________
(١) ١ العدد ٨:٢١. هكذا زعم اليهود والله اعلم بصحته. ٢ دانيال ١٦:٦. ٣ الأتون هو الموقد الكبير. انظر: المعجم الوسيط ص٤ ٤ دانيال ١٢:٣. ٥ الملوك الثاني ٧:٢. ٦ في النسختين «أخرق» وهو خطأ وصوابها ما أثبت. ٧ في النسختين «ولم يكن صار مثلها بالوجود» .
[ ١١٣ ]
ينحصر المبتدعون لألوهية عيسى١ من هذه التقارير والمقابلات، ربما يقولون: إن أفعال المسيح الخارقة هي عقلية روحانية، مثلما أنه خلص آدم من خطيئته التي لحقتهم٢، وأنه صيرهم أبناء الله بالنعمة، وأنه (أنقذهم) ٣ من يد الشيطان الرجيم.
أقول: إن هذه الدعوى المتضمنة أن عيسى ﵇ خلص آدم من الخطيئة ونسله أيضًا [معه] هي دعوى لا دليل عليها٤، ويكذبها الحس ومنافية للعدل.
أما قولي لادليل عليها ويكذبها الحس فلأن آدم لما أخطأ٥ على زعمهم مات نفسا وجسدًا في الحال: مات بالنفس٦، وبالاستقبال
_________________
(١) ١ في النسختين «فعندما المبتدعون في الألوهية لعيسى قد ينحصرون» . واستقامتها كما أثبت. ٢ في. ت «التابعة لهم»، وفي. د «التابعة لسلالاته» واستقامتها كما أثبت. ٣ في. د «خلصهم» . ٤ في النسختين «لابيان لها» وصوابها ماأثبت. ٥ في النسختين «لأن قولي لا بيان وقد يكذبها الحس من حيث أنه لما أخطأ آدم» وفصاحتها ما أثبت. ٦ لعل المصنف يقصد بموت النفس وقوعه في الخطيئة وتدنس النفس بهذا الأمر، واستمرار وقوع ذريته في الخطيئة من بعده. قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ طه (١٢١-١٢٢)، وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "فجحد آدم فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطيء آدم فخطئت ذريته". أخرجه ت. في تفسير سورة الأعراف ٥/٢٦٧، وقال: حديث حسن صحيح.
[ ١١٤ ]
مات بالجسم، وهذين؛ أعني [موت] ١ النفس والجسم قد لحق ذريته بأجمعها، كما حرر [ذلك] بولس [عن موت الجسم لاالنفس]: أن بآدم دخل الموت وعم على الجنس البشري٢. ولم نر في كل هذه الدهور من حين جاء عيسى وعمل الخلاص –على زعمهم- لآدم وذريته حتى الآن أن البشر تخلصوا أو أي فرد٣ منهم من الموت الجسدي، الذي تبع الموت النفساني [على زعمكم٤ حتى نستدل على أن سيِّدنا عيسى
_________________
(١) ١ في. ت «من» وصوابها ما أثبت كما في. د. ٢ رومية ١٢:٥. ٣ في. ت «تخلصت البشر وأفراد منهم» وفي. د تخلصت البشر ولا أفراد منهم واستقامتها كما أثبت. ٤ حاشية: (اعلم أنّ الاعتقاد عند النصارى أن المسيح قد جاء مخلصا وفاديا، ويدعون على لسان بولسهم أن عيسى صار لعنة لأجل البشر وفداهم من لعنتهم ورفعها عنهم، ثم يدعون أنه مات عنهم ليفديهم من الموت، وما نرى أنه رفع الموت عنهم بموته الذي (كان سببه) خطيئة آدم فأين الفداء الذي يدعونه؟، وقد يستنتج من ذلك أن الموت (لم يرفع عنهم) بأن تكون اللعنة مع الموت [التي قال عنها بولس] باقية هي أيضًا. هذا على موجب رأيهم واعتقادهم.) .
[ ١١٥ ]
خلص البشر من الموت النفساني، بل إننا] نراهم يموتون على السواء، حتىالطفل المعمد الذي تخلص من خطيئة آدم وصار ابنًا لله على زعمهم الباطل، ولم يعمل خطيئة واحدة، فإننا نراه يمرض ويموت.
ثم نرى١ أيضًا أن جميع القصاصات الواردة على البشر بواسطة خطيئة أبيهم٢ آدم، المشروحة [في التوراة]، في الإصحاح الثالث من سفر التكوين، كالإتعاب وأكل الخبز بعرق الوجه، وإخراج الأرض الأشواك التي تفسر بالغموم والهموم، وولادة المرأة بالأوجاع، ولعنة الأرض كلها باقية غير منحلة ولا ناقصة ولا نابها تغير ولا تحويل٣.
_________________
(١) ١ في النسختين «ننظر» واستقامتها كما أثبت. ٢ في. ت «جدهم» وصوابها ماأثبت. ولم ترد هذه الكلمة في. د. ٣ التكوين ٣: ١٦-١٩.ومرادهم بذلك أن آدم وزوجه سيتغير عليهما الحال في الأرض، فلا يجدان الخبز، حتى يعرق جبينهما في تحصيله، والأرض تخرج شوكًا مع ما تخرج من طعام، وتحل على الأرض اللعنة، وهي نقيض البركة، كما ذكر ذلك أصحاب قاموس الكتاب المقدس، ص٨١٨. وذلك يعني أن البركة السابقة تذهب منها، فلا تخرج الطعام إلا بعد التعب والكد، والمرأة لا تلد البنين إلا بالأوجاع والجهد الشديد.
[ ١١٦ ]
وحيث لايثبت صحة المدلول إلا بالدليل١، والدليل هنا بقاء القصاصات (التي شرحناها هو ظاهر بين، فينتج إذًا من كون القصاصات) باقية:٢ أن المسيح ما عمل خلاصًا كما يزعمون، وهذا هو المدلول الصحيح الذي لا شك فيه، لأن بهذا الميزان انتقض مدلولهم٣.
_________________
(١) ١ كلام المصنف هنا فيه اختصار شديد، لأن مراده أنه لا تثبت صحة دعوى النصارى في الخطيئة والفداء، وهي المدلول عليه إلا بصحة الدليل، وهو ارتفاع قصاص الخطيئة، الذي هو الموت والتعب بفداء المسيح، ولما لم يصح الدليل وذلك ببقاء الموت والتعب لم يصح المدلول، الذي هو الفداء. ٢ وردت العبارة في. د على النحو الآتي «وأنها هي بالتمام باقية، فيستدل من ذلك أن» ٣ حاشية (اعلم أنه لو قيل [من بعض علماء النصارى] إن هذه العوارض المشروحة كالأوجاع والموت الموجود الآن، وأنها بعد مجئ المسيح لم تعد تحسب شيئا عند التابعين له ولا نظن أنها موت وأثقال، فنجيب: والحال أنّ عيسى نفسه كان يتضيق منها ويحزن ويتهرب من الموت ويطلب من الله رفعه عنه، وأيضا (نجد أن) هذه العوارض بعد المسيح كان حصولها وشكلها عند النصارى كمثل شكلها عند الذين هم خارجين عن النصرانية، لأن (محبي عيسى) الذين (مااعتبروا) الموت والعوارض شيئا (كالمحبين) الموجودين خارج دين النصرانية الذين (بذلوا) دماءهم (وجهدهم) رغبة في دينهم، فإذًا (لاتصح دعوى المدعي)، لأن في القرآن الشريف إن الذين يموتون شهداء (في سبيل الإيمان لا يقال عنهم أموات بل أحياء) .
[ ١١٧ ]
وأما قولي: عن دعواهم إنها منافية للعدل: فلأن الوصية [في التوراة] تجتزيء١ ذنوب الآباء من الأبناء إلى ثلاثة وإلى أربعة أجيال، حسبما جاء في ﴿الوصية الثانية﴾ من الوصايا العشر٢، وهذه [الوصية] يحتسبها العقل ظلمًا؛ إذ أنه يسمع العدل الحقيقي الإلهي من فم نبي آخر يقول: إن النفس التي تأكل الحصرم هي تدرس٣، وقوله: لا يموت الابن بخطيئة الأب٤.
فكيف يسلم العقل ههنا بأن خطيئة آدم وقصاصه يتسلسل جيلًا بعد جيل وشخصًا بعد شخص، حتى يجيء عيسى ليخلص جنس البشر؟ وأنّ الله تعالى العادل سبحانه يترك البشر تحت هذا الظلم القسري!؛ أعني: أنّ آدم يخطئ وتهلك ذريته معه بسبب خطئه إلى أجيال عديدة، [حتى] يرسل عيسى لكي يخلصهم، وما يرى في الناس خلاص، لأنه كما سبقالقول بأنه لا يوجد قصاص واحد من المترتب على آدم انحل وتلاشى بواسطة الخلاص، الذي يدعون أنه تحقق بعيسى، حتى يمكن أن نستدل به عليه إن كان حقًا.
_________________
(١) ١ قال في المعجم الوسيط ١/١٢٢:ط اجتزأه: «طلب منه الجزاء» .. ٢ الخروج ٥:٢٠، تثنية ٩:٥. ٣ إرميا ٣١: ٣٠ وفيه «كل إنسان يأكل الحصرم تضرس أسنانه» . ٤ تثنية ١٦:٢٤ وفيه «لا يقتل الآباء عن الأولاد ولا يقتل الأولاد عن الآباء كل إنسان بخطيئته يقتل» .
[ ١١٨ ]
فإذًا: حيث إننا لم نر انحلالا لقصاص من المترتب على آدم، والمتسلسل إلى ذريته حتى الآن، فيلزم أنه لا دليل على الخلاص الذي يعتقده النصارى المتأخرون ولا إثبات١.
وإذا كانت خطيئة آدم لزمت البشر جميعهم على زعمهم الباطل، فكيف الله سيحانه وتعالى العادل يحبس بعضهم في الجحيم تحت يد إبليس وسلطانه نحو خمسة آلاف سنة، وبعضهم الذين جاؤا من بعد عيسى يخلصهم بعيسى٢ بلا حبس ولا دقيقة واحدة، مع أنّ الكل أخطأوا بآدم فأين عدل الله بذلك.؟ ٣.
_________________
(١) ١ في النسختين «فيلزم أن ولا للخلاص المعتقد فيه عند النصارى المتأخرين ثبات ولا بيان» وصوابها ما أثبت. ٢ في النسختين «ويخلصهم بواسطة عيسى وبعضهم المستقبلين المجيء» وصوابها ما أثبت. ٣ حاشية: (اعلم أنّ الأغرب من كل ما ذكرنا هو أننا لم نر في كتب موسى ولا في قصص نوح وإبراهيم وباقي الأنبياء خبرًا بأن أنفسهم من بعد [موتهم] سوف تذهب إلى تحت يد حكم وسلطان الشيطان لسبب خطيئة (أبيهم) آدم، أوأنهم (ماتوا) على رجاء وإيمان بأن عيسى هو إلههم، وأنه مزمع أن يأتي ويموت ويخلص أنفسهم من هذا الأسر، بل إننا نسمع منهم وعنهم أنهم ناجوا الله - تعالى - وخاطبوه كرات عديدة، وحصلوا منه على نعم جسيمة في حياتهم مثل (إقامتهم) للأموات وغير ذلك من الآيات الخارقة. حتى وبعد موتهم قد أشار عنهم سليمان، وعن أمثالهم بأن نفوسهم في يد الله ولن يلامسهم عذاب، وأنهم من بعدموتهم قد (أصبحوا في سلامة وأنهم لما كانوا يعذبون في الدنيا كان (اعتقادهم أنهم لن يهلكوا بعد الموت، وأن الله سبحانه يقبلهم قبولًا كاملًا)، وأنه تعالى يملك عليهمالدهر، ولم يقل عنهم أنهم من بعد موتهم (دخلوا) في الجحيم مأسورين تحت يد الشيطان وهو يملك عليهم كما تزعم بعض فرق النصارى. فاذًا هذا قولهم بأفواههم أنى يؤفكون) .
[ ١١٩ ]
مع أنّ عيسى ﵇ الذي نسبوا إليه هذه الدعوى لم يتكلم ولا تعرض لذكر هذه القضية في جميع تعاليمه على الإطلاق١، لا بل إنه تكلم بما يضاد هذا الاعتقاد عن لعازر: أن الملائكة نقلته إلى حضن إبراهيم، وإبراهيم قد أفاد عنه عيسى ههنا بأنه هو نفس النعيم٢.
_________________
(١) ١ جزى الله المصنف خيرًا، فإنه قد هدم بكلامه هذا أصلًا من أهم أصول الديانة النصرانية، وهي دعوى الصلب تكفيرًا لخطيئة آدم، فإن من المتيقن والمعلوم أن المسيح وحسب رواياتهم عنه لم يذكر ولا مرة واحدة أنه جاء تكفيرًا لتلك الخطيئة، وأن أول من ذكر ذلك هو أغسطينوس المتوفى عام ٤٣٠م، وقد بنى قوله على كلام بولس الذي يقول فيه: «بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم» . وقد عارضه في ذلك الوقت بيلاجيوس الإيرلندي، وأنكر أن خطيئة آدم ورثها أبناؤه، بل خطيئة كل إنسان تخصه وحده، وتقع عليه وحده دون غيره. وبعد نقاش وجدل طويل تدخل امبراطور بيزنطة، وأصدر مرسومًا يدين فيه بيلاجيوس، ويأمر بنفي من ينادي بتعاليمه. وهكذا ثبتت مقولة أغسطينوس في مسألة خطيئة آدم، مع أنها بدعة لا أساس لها في الأناجيل. انظر: تاريخ الكنيسة لجون لوريمر ٣/٢٠١-٢٠٧. ٢ لوقا ١٩:١٦ ونصه «كان إنسان غني وكان مسكين اسمه لعازر الذي طرح عند بابه مضروبًا بالقروح. فمات المسكين وحملته الملائكة إلى حضن إبراهيم ومات الغني أيضًا ودفن فرفع عينيه في الجحيم وهو في العذاب ورأى إبراهيم من بعيد ولعازر في حضنه، فنادى وقال: ياأبي إبراهيم ارحمني وأرسل لعازر ليبل طرف أصبعه بماء ويبرد لساني لأني معذب في هذا اللهيب، فقال إبراهيم يا ابني اذكر أنك استوفيت خيراتك في حياتك وكذلك لعازر البلايا، والآن هو يتعزى وأنت تتعذب به» . وهذا رد قوي مفحم من ناحية إثبات النجاة لرجل بسبب ما حل به من البلاء، وأنه مع إبراهيم بالنعيم، والآخر إنما عذب بسبب أكله طيباته في الحياة الدنيا، ففداء المسيح الناس من خطيئة آدم لم يكن له دور في نجاة من نجا ولاهلاك من هلك.
[ ١٢٠ ]
ويظهر من هذا الكلام على خلاص واقع قبل الفداء الموهوم.
وإن قيل إن ذلك [القول في الإنجيل من سيدنا عيسى] كان مثالًا: فنجيب: أن المثل لابد من أن يكون له رابط فيما بينه وبين الممثل به، فكيفسيدنا عيسى يمثل إبراهيم بالنعيم، ويكون يومئذ إبراهيم على رأيكم في جوف الجحيم.؟ وما هو الرابط فيما بين المثل والممثل به؟
[وغلاقة هذا المبحث تراه في كتاب الأجوبة الجلية١ أصول وخصوم، أي ردودهم وجواباتها]، مع قوله الصريح: بأني لم آت لأدعو صديقين، بل خطاة إلى التوبة ٢.
فإذًا ينتج: أنه يوجد صديقين وما أتى ليدعوهم؛ لأنه في مقدم هذه الجملة قد أورد سندًا قويًا لها وهو قوله: إن الأصحاء لا يحتاجون إلى طبيب لكن المرضى ٣.
والبيان الأخير؛ أن هذا الرأي، أي: بأن الخطيئة موروثة من آدم، والمسيح خلّص البشر منها هو رأي [منكر] الآن عند النصارى الموحدين٤، ومن ذلك يظهر أنه تزوير محدث.
_________________
(١) ١ كتاب الأجوبة الجلية في دحض الدعوات النصرانية. انظر: المقدمة ص٢٨. ٢ مرقس ١٧:٢، لوقا ٣٢:٥. ٣ من قوله «مع قوله الصريح» إلى قوله «لكن المرضى» ليس في. د. ٤ سبق الحديث عن النصارى الموحدين ص ٦٤.
[ ١٢١ ]
ونختم هذا الباب بقول مختصر١.
ونقول: إن النصارى يقولون: إنهم هم أبناء الله بواسطة الإيمان والمعمودية، وقد ورد عندهم في كتابهم بأن من ولده فما يخطئ٢، وأننا نرى إلى الآن الخطايا جميعها التي يدعو إليها إبليس والشهوات [يفعلها] النصارى، وقد ظهرت فيهم واستحوذت عليهم ليس بأقل من الخارجين عن معتقدهم، بل أكثر وأبلغ، ولم نر لهم ميزة تميزهم عن غيرهم في شئ، فلا يخلو إما أن يكون هؤلاء النصارى [لا يخطئون] من حيث إنهم أبناء الله، ومولودين من الروح الصالح، وخلصهم المسيح من الخطيئة ومن يد إبليس، كما ورد عنهم في كتابهم وهو صدق وحق، وإما أنهم أي النصارى إذا كانوا يخطئون دائمًا، مثل الذين هم خارجون عن اعتقادهم، كما يرى ظاهرًا فيهم، فليسو هم أبناء الله كما يزعم كتابهم عنهم ولا خلصهم المسيح من يد إبليس، ويكون كتابهم في هذا الباب متقول ٣.
_________________
(١) ١ في. ت «بهذا القياس» وفي. د «بمختصر القول» وفصاحتها ما ذكرت. ٢ رسالة يوحنا الأولى ١٨:٥. ٣ يقصد أن النصارى إذا كانوا يذنبون كما هو معلوم عنهم، فهم مثل غير النصارى من أصحاب الملل الأخرى الذين يذنبون أيضًا، فبالتالي لا يصح ادعاء أنهم أبناء الله، ولا أن المسيح خلصهم من إغواء إبليس لهم كما يزعم كتابهم. فيكون بهذا دعوى كتابهم: أنهم أبناء الله، وأنهم لا يخطئون دعوى باطلة.
[ ١٢٢ ]
الباب الثالث: الرد على مطاعن النصارى في نبينا محمد ﷺ
رد على ما يدعيه النصارى١ ويتوهمونه، بأن نبينا الأعظم ﷺ قد حصل منه أمور منافية، وغير حسنة، منقولة من القرآن الشريف، مع كون أن مثل هذه الدعاوى، والأمور الملحوظة فيه، قد وجدت مفعولة من الأنبياء الذين سبقوه وأبلغ منها، كما تشهد بذلك كتبهم، ولم تحسب منافية ولا غير حسنة.
أقول: إن دعوى النصارى على نبينا ﷺ، بأنه قد حصل منه أمور منافية، وغير حسنة، هي دعوى غير صحيحة [لأنهم]:
أولًا: يدعون بأن نبينا الأعظم ﷺ كان قصده فيما ادعاه ليس روحانيًا، بل كان يقصد (غاية جسدية)؛ (وهذه الغاية هي التي لأجلها ادعى) ٢ النبوة، مثل اتخاذ امرأة زيد، (ومثل تزوجه بعدة نساء) ٣، وأنه كان يميل إلى الملاذ الجسدية.
_________________
(١) ١ في. ت «ضد الله تعالى " وليست في. د ولامعنى لها. ٢ في النسختين الجملة هكذا «وهو الذي يحمله على ذلك؛ لأجل أن يدعي النبوة" وهي ركيكة واستقامتها كما أثبت. ٣ في النسختين «ومثل اتخاذه نساء بعدد أكثر من واحدة". وفصاحتها ما أثبت.
[ ١٢٥ ]
والحال أن الأخذ من النساء أكثر من واحدة (لم يكن) ممنوعًا في قبيلته وبني جنسه، حتى (يدعي النبوة) ١، لأجل أن يأخذ أكثر من واحدة، لاسيما وأن سيدنا إبراهيم ﵇ وأولاده قد [ورد] عنهم في التوراة أنهم أخذوا نساءً كثيرات، حتى (إني) لأقول إن سيدنا سليمان٢، وأباه داود قد أخذا نساءً بعدد وافر، ولم يحسب لهما ذلك ذنبًا.
(وفي ابتداء النصرانية قد كتب بولس إلى تيطس "بأن ينتخب الأسقف رجل امرأة واحدة"٣. ويظهر من ذلك أن النصارى مباح لهم (أخذ) أكثر من امرأة واحدة) .
وثانيا: عن اتخاذه امرأة زيد (زوجة)، وأنه قد جاء عليه الأمر (بتزوجها)، وعلى زعمهم أن هذا الشئ غير لائق.
والحال أنّ هذه عادة كانت جارية عند العرب وعند اليهود أيضًا، أن يأخذوا نساء غيرهم بعد أن يتركوا من رجالهم، وهذا الترك هو
_________________
(١) ١ في النسختين «يستدري بنبوته" وصوابها ما أثبت. ٢ الملوك الأول ٣:١١، وفيه عن سليمان ﵇ وكانت له سبعمائة من النساء السيدات وثلاثمائة من السراري. ٣ تيطس ٦:١.
[ ١٢٦ ]
المسمى طلاقًا، ومن فحوى آية الأحزاب ١ ترى هذا الجواب. *
(قالت توراتكم في سفر الملوك الثاني٢ في الإصحاح الثالث عن داود ﵇، وأنه أخذ ابنة شاؤل، التي كان اسمها ميكال من زوجها
_________________
(١) ١ آية الأحزاب قوله تعالى ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [آية٣٧] ويتضح من الآية الكريمة أن حكمة هذا الزواج هو إلغاء العادة التي تعارف عليها العرب، وهي اعتبار الابن بالتبني كالابن الصلبي، وكان زيد بن حارثة ﵁ ابنًا للنبي ﷺ بالتبني، فألغى الله تعالى هذا بقوله في أول السورة ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [آية٤] . فلما تزوج زيد زينب وطلقها، زوجها الله ﷿ للنبي ﷺ لإلغاء تلك العادة عمليًا، كما هو صريح الآية ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ . انظر: تفسير ابن كثير ٣/٤٥٨. (*) حاشية: (اعلم أن زيدًا كان النبي ﷺ تبناه، ولما طلق زيد امرأته حسب العادة الجارية، فطلبت أن رسول الله يتزوجها فتمنع عن أخذها؛ لأنها كانت تحسب عند العرب أنها كنته ومحرمة عليه، فأتاه جبرائيل بصورة تحليلها له ﷺ، وكان ذلك تشريعًا لأمته، حتى إذا كان لأحد من المسلمين امرأة، وكان عندها غلام متبنيًا له وتزوج هذا الغلام ثم طلق امرأته، فيجوز لزوج المرأة أن يتخذ المرأة المطلقة من الغلام امرأة له، بتوضيح أنها ليست كنة شرعية، بل كنة بالتبني) . (١) ٢ هو صموئيل الثاني ١٢-١٦:٣. ١ هذا غير صحيح أنها طلبت من النبي ﷺ أن يتزوجها، وإنما الله تعالى أنكحه إياهاكما هو ثابت في سورة الأحزاب، مع ما كان النبي ﷺ يخشاه، من أن يقال إنه تزوج امرأة ابنه بالتبني.
[ ١٢٧ ]
"فليطال بن ليش"١، من دون أن تطلق من زوجها، وما حسبت التوراة ذلك ذنبًا على داود﴾، كما قررنا أن هذه العادة المستمرة عند اليهود والعرب، أي الطلاق قد جاء به الأمرفي التوراة٢، ومثبت في القرآن الشريف٣. وقد تزورون أن عيسى منعه، وقد استجازه في الزنا٤ فقط، وأنه قال: "في البدء خلقهما ذكرًا وأنثى والذي زوجه الله٥ " إلى آخره.
_________________
(١) ١ في العهد القديم «فلطيئيل بن لايش". ٢ التثنية ١:٢٤، وفيه «إذا أخذ رجل امرأة وتزوج بها فإن لم تجد نعمة في عينيه لأنه وجد فيها عيب شيء، وكتب لها كتاب طلاق ودفعه إلى يدها وأطلقها من بيته، ومتى خرجت من بيته ذهبت وصارت لرجل آخر ". ٣ الآيات في القرآن عن الطلاق كثيرة، منها ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ الآيات. (البقرة ٢٢٩) ٤ متى ٣٢:٥. ٥ مرقس ٦:١٠،وفيه «ولكن من بدء الخليقة ذكرًا وأنثى خلقهما الله من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكون الاثنان جسدًا واحدًا، إذًا ليسا بعد اثنين بل جسد واحد، فالذي جمعه الله لايفرقه إنسان".
[ ١٢٨ ]
والحال إن كان هذا (القول قاله) عيسى، فيلزمه أن يتزوج هو أيضًا، لأن هذا القول يلزم منه مع منع الطلاق وجوب الزواج له وللرهبان١.
وعلى أي حال كان لم يحسب ذلك ذنبًا، لأن رجال الله الصالحين الذين سبقوا نبينا المصطفى ﷺ قد تتهمونهم بأنهم عملوا أمورًا منافية للشريعة وللطبيعة، ولم يخطئهم كتابكم، وذلك كتزوج سيّدنا إبراهيم للسيدةسارة، التي كانت أخته من أبيه، وليست من أمه، الموجود شرحها في الإصحاح العشرين، والعدد الثاني عشر من سفر التكوين٢
_________________
(١) ١ في. د حاشية ليست موجودة في. ت، وهي «اعلم أن معنى (كلام) المؤلف - رحمه الله تعالى- منحصر بكلام وجيز، ومعناه كيف يترك الرهبان كلام التوراة ويخالفونه ويضادونه، وهو مكرر من المسيح (وذلك بتركهم للزواج) مع أنه قيل، إنه في البدء خلقهما ذكرًا وأنثى ". ٢ هكذا زعموا في التوراة، والصحيح كما روى الإمام أحمد من حديث أبي هريرة أن النبي ﵊ قال:"لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: قوله حين دعي إلى آلهتهم، فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وقوله لسارة: «إنها أختي". قال: ودخل إبراهيم قرية فيها ملك من الملوك، أو جبار من الجبابرة، فقيل: دخل إبراهيم الليلة بإمرأة من أحسن الناس، قال: فأرسل إليه الملك الجبار من هذه معك؟ قال: أختي، قال: فأرسل بها إليه، وقال: لا تكذبي قولي، فإني قد أخبرته أنك أختي، إنه ليس على الأرض مؤمن غيري وغيرك. " الحديث. فعليه قوله: أختي إنما هي الأخوة في الدين، أما قرابتها منه فقد قال ابن كثير: إن المشهور أن سارة ابنة عمه هاران. انظر: البداية والنهاية ١/١٥٤.
[ ١٢٩ ]
وكيعقوب ﵇ الذي تزوج الأختين معًا ١، وكيهوذا ابن سيدنا يعقوب الزاني بكنته٢ ومن ذريته منها بالزنا كان المسيح، كما هو مصرح في التوراة والإنجيل٣، وسيدنا لوط المقول [عنه] عندكم إنه سكر وزنى بابنتيه وحبلتا منه، كما هو مصرح في التوراة ٤. وسكر سيّدنا نوح٥، وأمثال ذلك كثير،
_________________
(١) ١ التكوين ٢٩: ١٥-٣١ ٢ هي ثامار زوجة ابنه المتوفى، وانظر قصتها مع يهوذا في التكوين (٣٨) .هكذا زعموا. ٣ إنجيل متى ٣:١. ٤ في سفر التكوين ٣٠:١٩-٣٨، وحاشا نبي الله لوط ﵇ من هذه الفعلة الشنيعة، ولعنة الله على اليهود الذين افتروا عليه هذه الفرية، وقد برأه الله ﷿ كما برأ أهله بوصفهم بالطهارة أيضًا. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (النمل ٥٦) . وإنما افترى اليهود هذه الفرية من أجل أن يطعنوا في قوم من أعدائهم المؤابين والعمونيين، حيث زعموا أن ابنتي لوط إحداهما أنجبت مؤاب جد المؤابيين، والأخرى بن عمي جد بني عمون. ٥ في سفر التكوين ٩:٢٠- ٢٧، وحاشا نبي الله نوح عليه السلاممن هذه الفعلة، وقد وصفه الله تعالى بقوله ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ . واليهود قوم بهت، وإنما طعنوا في هذا النبي الكريم لأجل أن يتوصلوا إلى لعن كنعان جد الكنعانيين، وفي هذا يقولون: "فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه، وأخبر أخويه خارجا، فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أبيهما. فلما استيقظ نوح من خمره علم مافعل به ابنه الصغير، فقال: ملعون كنعان عبد العبيد يكون لأخوته.. " ويتضح من هذا الكلام كذب اليهود وغبائهم، كيف يلعن نوح ﵇ كنعان ابن حام، والذي أبصر عورته في دعواهم هو حام أبوه، كما أن لحام أبناء آخرين، وهم في دعواهم "كوش"، و"مصرايم"، و"فوط"، فلماذا خص كنعان من بينهم، مع أنه لا شأن له. هذا يدل على أن اليهود افتروا هذه الفرية لأجل الطعن في الكنعانيين أعدائهم فقط.
[ ١٣٠ ]
ولم يذكرفي مفعولاتهم هذه أنهم أخطأوا فيها، وحاشا أنبياء الله من ذلك ١.
وثالثًا: قال النصارى بأن دعواه للنبوة كانت لأجل أنه كان يميل إلى الملاذ الجسدية، والحال أن ملاذ الجسد ليست من الأشياء المحرمة بذاتها والمذمومة، لأنها مخلوقة من الله ﷾، لأجل أن الإنسان إذا تمتع بها بالعدل يبتهج ويشكر الخالق، لأنه ﵎ خلق المخلوقات على أقسام منها، للنظر: المنظورات البهية، وللشم: المشمومات الزكية، ولحاسة الذوق: الأطعمة الشهية، ولحاسة السمع: الأخبار والأنغام المفرّحة، ولحاسة اللمس: الملموسات الناعمة الرهية٢.
فهذه بالدليل العقلي، فضلًا عن الدليل النقلي أن الله سبحانه ماخلقها للإنسان إلا لكي يتمتع بها، ولو كان الأخذ من النساء أكثر من
_________________
(١) ١ في النسختين هنا " وكيف" ولا يظهر لي أن لها معنى. ٢ قال في اللسان: " الرهو الساكن والرهو الواسع. والرهو: السير السهل ". اللسان ٣/١٧٥٩.
[ ١٣١ ]
واحدة شيئًا رديًا ومذمومًا لما (كان) الأنبياء والصالحون باشروه كإبراهيم١ وداود وسليمان ٢ وغيرهم. ومحبة الملاذ لوكانت غير حسنة لما كانت الأفاضل استعملوها، لأنه مذكور في الإنجيل عمل ولائم كثيرة كقوله: "إنسانًا صنع عرسًا لابنه"٣.
وقوله: "وعجوله المعلوفة قد ذبحت"٤*، وعرس قانا الجليل الذي كان سيدنا عيسى فيه٥، ويزورون عليه بأنه (حول الماء إلى الخمر حتى يسكروا، ولو كان كذلك لما ذم بولس) ٦ المانعين لها، إذ قال إنه في الأيام الأخيرة " يمرق قوما يحرّمون الأطعمة التي خلقها الله" ٧.
ورابعًا: يدَّعون على نبينا الأعظمصلى الله عليه وسلمدعوى أخرى، وهو أنه قتل أناسًا ٨ في أيام دعوته، وهذا شئ غير حسن على دعواهم الباطلة.
_________________
(١) ١ لأن إبراهيم ﵇ كما ذكر تزوج "سارة"، ثم دخل على أمتها المصرية "هاجر"، وذكر اليهود أن إبراهيم تزوج بامرأة اسمها "قطورة". انظر: تكوين ١:٢٥. ٢ سبق ذكر ذلك ص ١٢٢. ٣ متى ٢٢: ١ وفيه " إنسانًا ملكًا صنع عرسًا لابنه". ٤ لوقا ١٥: ٢٣ وفيه " وقدموا العجل المسمن واذبحوه فنأكل ونفرح". (*) حاشية: اعلم (أن عيسى ﵊ لم يورد هذين المثلين) إلا للترغيب، (ودليل على أنها) من الأشياء المستحسنة والمحبوبة) ٥ ورد في يوحنا ٢: ١-١١حضور المسيح لعرس في الجليل، وتحويله الماء إلى خمر. ٦ في النسختين "عمل سببًا لإيجاد الخمر وهم سكرانين حتى يكملوا سكرهم، ولاكان بولس ذم المانعين ". وفصاحتها وصوابها ما أثبت ٧ بحثت عنه ولم أجده. ٨ في. د " ألوفًا ".
[ ١٣٢ ]
أقول: إن النبي ﷺ نعم إنه قتل أناسًا في مغازيه الشريفة، إلا أن قتله كان لذوي التعصب عليه المحاربين له، العاصين لشريعته الغرّاء السامية، المريدين إبطال دينه الحق، المخاتلين له، الجاعلين عليه الفتن غير هادئة، كما يوجد شرح ذلك (بالتفصيل) في القرآن الشريف عن سبب نزول الآيات الواردة بحق ذلك، وكما (نراه ينصحهم المرات العديدة) قبل قتاله لهم، ويتهددهم ويتوعدهم ويوعدهم، لكي يميلهم عن كفرهم وشرهم (وإلحاق الضرر به وبدينه الحق) ١، وحينما لم (يقبلوا قوله) ٢، ولم يرجعوا عما هم عليه من الكفر والضلال والشرك، كانت تنزل
_________________
(١) ١ في النسختين " وأننا كما ننظره فيها كان المرات العديدة ينصحهم"، واستقامتها ما أثبت. وقد كان الرسول ﷺ يوصي أمراءه على الجيوش أن يدعوا المشركين إلى ثلاث خصال قبل قتالهم، فروى مسلم في صحيحه ٣/١٣٥٦ عن بريدةرضي الله عنه قال: " كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال:" اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولاتغلوا ولاتغدروا ولاتمثلوا ولاتقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهن ماأجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم..فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم ". ٢ في. ت "حينما لم يريدوا العطوف لقوله"، وفي. د " وحينما لم يريدوا القبول لقوله" وفصاحتها ما أثبت.
[ ١٣٣ ]
تلك الآيات الشريفة عليه حسب مقتضى الحال، تارة بأن يجادلهم بالرفق*، [بقوله ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ١، وتارة بأن يأخذ الجزية منهم* [لتصغيرهم]، وتارة برفع الشفقة عنهم**. بقوله تعالى له ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّم﴾ ٢ وقوله تعالى ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ ٣، ومثل ذلك في القرآن العظيم كثير.
_________________
(١) (*) حاشية: (اعلم أنّ المجادلة كانت إلى محبي الأبحاث وأهل المعارف [بالتي هي أحسن] . ١ العنكبوت آية ٤٦. (*) حاشية: (اعلم أنّ الأمر بأخذ الجزية كان من الذين كانوا كفارًا، ويتظاهروا بالكتاب وكانوا كامنين له الشر، حتى يذلهم ويضعف قوتهم لئلا يظهروا، كما يفهم من قوله ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون﴾ (التوبة آية (٢٩) [ثم ومن كونه أيضًا له سلطان، وهذه عادة ذوي السلطة] . (**) حاشية: (اعلم [أنّ أمره تعالى] برفع الشفقة هو عن المظهرين لنبيه الشر عيانًا (ويعلم ذلك من خاتمة الآية) لأنه تعالى يقول: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا﴾ إلى آخره) . ٢ التوبة آية (٧٣) ٣ التوبة آية (٣٦) .
[ ١٣٤ ]
وعدا ذلك: أن سيدنا موسى كليم الله، ويشوع بن نون خلفه، كانا قد قتلا ألوفًا كثيرة١، ولكن مع ذلك (لم يكن) قتلهما إياهم بهذه الوجوه المذكورة٢ لأنهم، أي المقتولين ما (بادروهما بالشر) ٣، كما تخبر توراتهم ولا عصوا شريعتهما، لأنهما لم ينذروهم بدينهما، بل لأن سكان تلك الأرض الموعود بها موسى المقتول منهم ألوفًا بليغة، لما سمعوا بقدوم بني إسرائيل ليأخذوا تلك الأرض من أيديهم ويستعبدوهم ويطردوهم منها، للحال نهضوا للمحاماة عن أوطانهم وأنفسهم، وكان موسىعليه السلام ونوابه (لا يقتلون في حروبهم الرجال) فقط [كماكان يفعل نبينا ﷺ]، بل النساء والأولاد والأطفال، ويحرقون بعض بلدانهم وحيواناتهم وكامل أمتعتهم ٤.
وكل ذلك إذا فحصنا أسبابه (إنما كان) خوفًا من استعبادهم
_________________
(١) ١ الخروج ١٨:١٧. ٢ يقصد الأسباب التي كانت سببًا في قتال النبي ﷺ للمشركين. ٣ في النسختين "ما ابتكروا معهما بالشر ". واستقامتها كما أثبت. ٤ انظر: سفر يشوع ٢٠:٦ عن استيلاء يشوع بن نون على أريحا، وجاء فيه " وصعد الشعب إلى المدينة كل رجل مع وجهه، وأخذوا المدينة وحرموا كل مافي المدينة من رجل وامرأة وطفل وشيخ حتى البقر والغنم والحمير بحد السيف.. وأحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها".
[ ١٣٥ ]
إياهم، فكانوا يمارونهم ويحاربونهم خوفًا على أنفسهم ١ *.
وأما نبيّنا السيد الأعظم ﷺ مع كون توجهه على من عصى دينه الشريف كان بأمر الله تعالى، إلا أنه مع ذلك تراه بريئًا من مثل تلك الوجوه المشروحة والمنقولة عن موسى وخلفائه.
_________________
(١) ١ في النسختين هنا "ولأن ذلك كان بأمر الله تعالى". ولا أرى لها معنى. والله أعلم. (*) حاشية: "اعلم أن المقتولين في مغازي النبي ﷺ إذا قابلتهم على المقتولين في حروب موسى ﵇، تراهم بالقياس كل عشرين مقتول من موسى ﵇ يقابله واحد من نبينا ﷺ، والمشهور عن النبي ﷺ بأنه لم يقتل بيده الشريفة سوى رجل واحد مستحق القتل، لا كما قتل سيدنا موسى ﵇ الرجل المصري ". وهذه الحاشية ليست في. ت.
[ ١٣٦ ]
الباب الرابع: البشارات بالنبي محمد ﷺ في التوراة والإنجيل
نورد فيه بينات من كتب العهدين، أعني من التوراة والإنجيل على أن نبينا الأعظم محمدًا ﷺ هو النبي الموعود به أيضًا والمشار إليه، والمنبأ عنه [من الأنبياء] كعيسى ﵇، بالأدلة الواضحة والبراهين المتينة كما قد تراها صريحة ١.
_________________
(١) ١ البشارة بالنبي ﵊ واضحة في التوراة والإنجيل، وقد بين الله تعالى ذلك في القرآن الكريم، وبينه رسوله ﵊ في السنة المطهرة في نصوص عديدة. نذكر منها: قوله تعالى ﴿النبي الأميّ الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات﴾ الأعراف (١٥٧) . وقوله تعالى ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ البقرة (٨٩)، وقوله تعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ البقرة (١٤٦)، وقوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ الصف (٦) . ومن الأحاديث: حديث العرباض بن سارية ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إني عبد الله لخاتم النبيين، وإن آدم ﵇ لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين ترين". حم٤/١٢٧. وعن أبي أمامة ﵁ أنه قال: "يا نبي الله ما كان أول بدء أمرك؟ قال: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي كأنه يخرج منها نور أضاءت منها قصور الشام". حم ٥/٢٦٢. وهذه البشارات الواردة في التوراة والإنجيل، قد كتب فيها العلماء، فمنهم: "ابن ربن الطبري" صاحب كتاب" الدين والدولة"، و"المهتدي السموأل" في" إفحام اليهود"، و"الجعفري" في" تخجيل من حرف الإنجيل"، و"شيخ الإسلام ابن تيمية" في" الجواب الصحيح"، و"عبد الأحد داود" في"محمد ﷺ في الكتاب المقدس"، و"الشيخ رحمة الله الهندي" في "إظهار الحق"، و" أحمد حجازي السقا" في"البشارة بنبي الإسلام في التوراة والإنجيل".وغيرهم كثير، اهتموا بإبراز البشارة بالنبي ﵊، وشهدوا بأن التوراة والإنجيل قد جاءت فيهما بشارات كثيرة بالنبي ﷺ.
[ ١٣٩ ]
الشهادة الأولى
هو ما ورد عن نبينا محمد ﷺ في سفر تثنية الاشتراع في الإصحاح الثامن عشر والعدد الخامس عشر من قول سيدنا موسى، إذ قال لقومه بني إسرائيل: "إن نبيًا من بينك ومن اخوتك مثلي يقيمه الرب"١، ولم يقل من شعبك كما ترجمت إلى اللغة العربية، بل من بينك لأنها في اللغة العبرانية (مقربيخا) أي: من بينك، وفي العدد الثامن عشر أيضًا، قال: "إن الرب
_________________
(١) ١ في. ن. ع النص هكذا" يقيم لك الرب إلهك نبيًا من وسطك من إخوتك مثلي له تسمعون".
[ ١٤٠ ]
إلهكم سيقيم نبيًا من إخوتكم مثلي، فاسمعوا له وكل نفس لا تسمع لذلك النبي وتطيعه تستأصل تلك النفس من شعبها"١.
أقول: إن هذه الشهادة هي بلا ريب (منطبقة) على نبينا محمد ﷺ، من حيث إن إسماعيل وخلفه الذين منهم نبينا كانوا يسمون إخوة لبني إبراهيم، [أعني: إسحاق وخلفه ﵉]، لأن الله تعالى قال لهاجر ﵂ امرأة سيدنا إبراهيم عن إسماعيل ابنها: "بأن قبالة إخوته ينصب المضارب٢، ومن حيث إن إسحاق أبا يعقوب، (وذريته) بني إسرائيل دعواإخوة لإسماعيل٣، فإسماعيل هو أخوهم بلا شك، فمن ههنا (ألغز) ٤ النبي موسى ﵇ بكلامه، وأشار إشارة خفية غير صريحة في النسق، حسب عادة الأنبياء بإخفاء بعض مقاصدهم وتكلمهم بالرموز عن أن الله تعالى سيقيم نبيًا٥ بينهم من إخوتهم* أي من بني إسماعيل
_________________
(١) ١ النص في. د هكذا"إن نبيًا مثلي سيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم له تسمعون في كل مايكلمكم به، ويكون كل نفس لاتسمع لذاك النبي تباد من الشعب". ٢ تكوين ١٨:٢٥. ٣ في النسختين" أن إسحق أبو يعقوب وخلفه بني إسرائيل دعيو إخوة لإسماعيل"، وصوابها ما أثبت. ٤ في النسختين"لغزور" ولامعنى لها، ويبدو صوابها ما أثبت. ومعنى ألغز أي: مال بكلامه عن وجههأو عمى مراده وأضمره على خلاف ما أظهره. المعجم الوسيط ٢/٨٣٠. ٥ في. ت"من مابينهم" وصوابها ما أثبت. (*) حاشية: (اعلم أنّ قوله من إخوتكم هو قول ملغوز فائق الحكمة، لأنه لو كان قصد موسى ﵇ عن أن النبي الذي وعد به هو من بني إسرائيل لكان ينبغي له أن يقول عوضًا من إخوتكم، إن منكم يقيم الرب نبيًا أو من أسباطكم أو من سلسلتكم أو من نسلكم أو من زرعكم أو من بنيكم أو من مولوديكم، وبحيث إنه قد ترك ذكر هذه السلسلة النازلة لزم أن يكون الحق كما شرح المؤلف بتطبيق العلامات والقرائن الدالة عليه من موسى ﵇ في هذه الشهادة.
[ ١٤١ ]
المباينين لهم، وهو محمد ﷺ لكونه نبيًا، ومن ولد إسماعيل، لأن من عادة الكتب المنزلة أن تسمي أولاد الأعمام عن بعدٍ بعيدٍ: إخوة، ومثل ذلك قد ورد في القرآن الشريف، إذ أنه دعى النبيين اللذين هما هود وصالح، إخوة لعاد وثمود١، وهما على بعدٍ بعيدٍ من أولاد الأعمام أيضًا.
وفي سفر العدد في الإصحاح العشرين [في العدد الرابع] يقول: "وأرسل موسى من قادش إلى ملك أدوم٢ قائلًا: هكذا يقول أخوك إسرائيل"٣. مع أن الآخرين هم من بني الأعمام عن بعدٍ بعيدٍ.
_________________
(١) ١ وفي هذا يقول اللهعز وجل ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ (الشعراء آية١٢٣،١٢٤) . وقال ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ (الشعراء آية ١٤١،١٤٢) . ٢ في. ت" وأرسل موسى إلى ملك قادش"، وصوابها ما أثبت كما هو في. د وكذلك في العهد القديم. ٣ العدد ١٤:٢٠، ووصف موسى الملك أدوم بأنه أخو إسرائيل، لأن الأدوميين هم نسل عيسو أخو يعقوب ﵇، وهو الذي سمى أدوم كما قالوا في التكوين ٨:٣٦:ط"فسكن عيسو في جبل سعير وعيسو هو أدوم وهذه مواليد عيسو أبي أدوم". انظر: قاموس الكتاب المقدس ص٦٤٩. وقالوا في سفر التثنية ٨:٢:" فعبرنا عن إخوتنا بني عيسو الساكنين في سعير".
[ ١٤٢ ]
وأما قولنا: إن هذه الشهادة (منطبقة) على نبينا ﷺ (بسبب أنه لايشاركه غيره فيها)، لأنه إن ادعت اليهود أن هذه الشهادة قيلت عن يشوع بن نون [وليست عن] نبينا محمد ﷺ، (فنرى أنها لا تتفق مع دعواهم بل تنفرعنها نفورًا) ١ ظاهرًا، لأن يشوع كان حاضرًا معهم وعند موسى مقيمًا بخدمته، وقد أشار عنه بعبارة صريحة قبل هذه في الإصحاح الثالث٢ من التثنية بقوله: "فليكن يشوع بن نون خادمك فهو يدخل عوضك وهو يقسم الأرض لإسرائيل"٣. فما (ينبغي) أن يذكره لهم باسم نكرة بعد [إشهاره] لهم باسمه العلم.
وثانيًا: إذا ادعت النصارى أن هذه الشهادة قيلت عن المسيح، فيقال لهم هذا الجواب؛ وهو: أن موسى قال "نبيًا مثلي الذي يقيمه الله"، وهم: أعني النصارى، يدعون أن عيسى هو (إله وإنسان)، فإذًا: ليس هو كموسى، من كون أن موسى إنسان فقط، وعيسى على زعمهم إله لموسى حتى، ولا ناسوت عيسى مثل ناسوت موسى، لأن ناسوت موسى هو من زرع بشري، وناسوت عيسى من غير زرع بشري، بل ناسوت عيسى من بتول فقط، (وموسى كان من امرأة مثل بقية النساء مفضوضة) ٤، فما يكون
_________________
(١) ١ في النسختين" فقد ننظرها تنفر من دعواهم نفورًا ظاهرًا" واستقامتها كما أثبت. ٢ في النسختين" الأول" وصوابها ما أثبت. ٣ التثنية ٢٨:٣. ٤ هكذا في النسختين، ويقصد أنها ثيب مثل بقية النساء المتزوجات.
[ ١٤٣ ]
المسيح مثل موسى، لأن موسى قال عن النبي الذي وعد به: "إنه نبي مثلي"، حتى ولا شريعته مثل شريعته، لأن شريعة عيسى فضلية، وشريعة موسى عدلية١، ولا إنذاره مثل إنذاره، لأن موسى كان لبني إسرائيل حاكما وغنيًا وبالسيف، وعيسى كان فقيرًا ومحكوما عليه هذا على موجب زعمهم ولا كان لعيسى سيف مثل موسى ولا حكم.
وأيضًا [أقول] إنه لم [يُقَل في الإنجيل عن] عيسى٢ (على التغليب) اسم ٣ نبي على الحقيقة بالاسم والفعل*.
_________________
(١) ١ يقصد أن شريعة عيسى جاءت بتغليب التفضل والإحسان، أما شريعة موسى فجاءت بإقامة العدل وأخذ الحق والقصاص، كما قال متى في إنجيله ٣٩:٥ عن المسيح أنه قال:" سمعتم أنه قيل عين بعين وسنبسن، وأما أنا فأقول لكم: لاتقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا، ومنأراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا، ومن سخرك ميلًا واحدا فاذهب معه اثنين". ٢ في. د" ولاإنذار عيسى بالزهد والسيرة النسكية كان مثل إنذار موسى، لأن موسى كان ينذر بالسعة وحسن الحال". ٣ في. ت" لم يقال على عيسى بوجه التغلب" وما أثبت من. د. (*) حاشية: (اعلم أنّ التغليب المقول من صاحب التأليف قد يراد به عند أصحاب علم البديع بالمثال، علىأن اسم نبي قد ورد مقولا في الإنجيل على عيسى مرتين أو ثلاثة، وأما في القرآن الشريف قد ورد مقولا على رسول الله مرات عديدة، وتكثير هذه المرات قد يقال له عند العلماء: التغلب، وهو تكراره في الاستعمال كرات عديدة، النبي النبي النبي النبي) [وقد تكرر على عيسى في الإنجيل مرتين أو ثلاثة فقط] . وقد اختلف نص الحاشية في. د، إلا أن معناهما واحد.
[ ١٤٤ ]
ويشوع بن نون كان نبيًا أيضًا، ولكنه الآخرلم يغلب عليه اسم النبي، أعني: أنه لم يُقَل عنهما: يشوع النبي أو المسيح النبي في الغالب مثلما يقال: موسى النبي أو النبي محمد عليهم الصلاة والسلام.
وفي القرآن الشريف ترى هذه اللفظة، أي: اسم النبي مكررة مرات على نبينا المصطفى ﷺ، فتكون النبوءة من سيدنا موسىصادقة عليه، كما صدقت عليه لفظة "من إخوتكم"، من كونه من بني إسماعيل المبارك١ إخوة بني سيدنا إبراهيم الذين منهم بني إسرائيل، الذين رمز لهم موسىعليه السلام أن من إخوتهم يقام النبي الموعود به.
وإن كان بنو٢ عيسو أخو يعقوب، يسمون أيضًا إخوة لبني إسرائيل عن بعدٍ بعيدٍ، كما جاء عنهم في سفر تثنية الاشتراع في الإصحاح الثاني٣، إلا أنه ماقام منهم نبي مثل محمد ﷺ حتى نستدل عليه من شهادة الحال، مع أن عيسو تزوج (محلة) ٤ ابنة إسماعيل.
_________________
(١) ١ يقصد ما أورد اليهود في كتابهم من أن الله تعالى قال لإبراهيم ﵇" وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرًا جدا اثنى عشر رئيسا يلد وأجعله أمة كبيرة". التكوين ٢٠:١٧ ٢ في. ت" بني عيسو" وصوابها ما أثبت من. د. ٣ تثنية ٤:٢، وجاء فيه" وأوصى الشعب قائلا: أنتم مارون بتخم إخوتكم بني عيسو الساكنين في سعير". ٤ في النسختين" بمخملات" وصوابها ماأثبت كما هي في سفر التكوين ٩:٢٨.
[ ١٤٥ ]
فينتج إذًا: أن نبينا ﷺ هو المشار إليه من موسى دون (شك)، ومع ذلك فإن موسى بيّن بما أضاف من قولٍ مقصوده١، وهو: "بأن كل نفس لاتسمع لذلك النبي وتطيعه تستأصل تلك النفس من شعبها"، فلفظة استئصال يستدل منها على أنها كانت نبوءة من موسى على نبينا ﷺ، وأنه يستأصل كل من لايسمع له (بسيفه البتار)، وأن هذه الوصية هي صادقة عليه بهذا الوجه المشروح، ولا تصدق على المسيح؛ لأن المسيح قال: إنه ماجاء ليميت أنفس الناس، وذلك يقول: تستأصل، وليست كما تصور النصارى: أنها مقولة على الخراب الذي عمله تيطس ملك روما٢، الذي خرب بيت المقدس الشريف، وقتل اليهود الذين كانوا فيها٣، وعلى ظنهم أن ذلك كان بسبب عيسى، مع أن تيطس كان غير مؤمن
_________________
(١) ١ في النسختين" أن موسى بين المخفار بالقول المضاف لهذا" وفصاحتها ما أثبت. ٢ تيطس أو تيطوس إمبراطور روماني بعد زمن المسيح ﵇ توفي سنة ٨١م. معجم الحضارات السامية ص٢٩٠. ٣ قام الإمبراطور الروماني تيطوس حين كان قائدًا لجيوش أبيه في فلسطين بحصار بيت المقدس سنة ٧٠م ثم استولى عليها بعد حصار خمسة أشهر، وقتل من أمكنه قتله من اليهود، ويقدر قتلاهم بأكثر من مليون شخص، وزالت بفعلته تلك الدولة اليهودية، ولم يصبح لهم وطن بعدها. انظر: معجم الحضارات السامية ص٢٩.
[ ١٤٦ ]
ولا (مطيع) لعيسى*، وكان قتله لهم بسبب (عصيانهم) له بالأمور (الملكية)، لا لأجل الأمور الدينية، أي (لم يكن قتله لهم) لأنهم (لم يتبعوا) عيسى (ولم يطيعوه)، لأنه هو أيضًا كان (مضطهدًا لأتباع عيسى) ١.
وربما كان يوجد نصارى (كثيرون) مختبئين، وقد قتلهم تيطس نفسه أيضًا مع اليهود، لأن حربه وقعت بعد أربعين سنة من عيسى٢ وكان قد (تنصركثيرون) ٣ في تلك الأراضي.
(وبالاختصار أن) هذه الشهادة من موسى ﵇، أي لفظة "تستأصل" هي وحدها كافية بأنها مقولة على نبيناصلى الله عليه وسلم، [وظهر (تحقيقها)] منه (ومن صحابته) وليس [من] غيره*، لأنه كان المنتقم [والمستأصل] من قبل الله للذين لم يسمعوا له.
_________________
(١) (*) حاشية: ([اعلم أنه] بالتبعية لكلام النبوة ينبغي أن يكون تيطس من المقتولين المستأصلين لأنه ماسمع لعيسى فكيف يسوغ أن يقال بأنه هو المستخلص حق عيسى والنائب عنه، والمنتصر لدينه) . ١ في النسختين" مضطهدًا لعيسى" وفصاحتها ما أثبت. ٢ يقصد بعد رفع عيسى ﵇. ٣ في النسختين في الموضعين" كثيرين" وصوابها ما أثبت. (*) حاشية: (اعلم أنّ لفظة تستأصل في العبراني [مبنية] للمجهول، والقصد منها ليس الحصر بالاستئصال أن يكون متعلقًا بشخص النبي الكريم فقط، بل وبصحابته المنتصرين لدين الله القيم) .
[ ١٤٧ ]
الشهادة الثانية
في إنجيل يوحنا في الإصحاح الأول [في العدد الحادي والعشرين] يقول: "وأرسل [الفريسيون] يسألون يوحنا المعمداني قائلين له: ألنبي أنت؟ فأجابهم: كلاّ. فأجابوه: ما بالك تعمد إن كنت لست المسيح ولا إيليا ولا النبي؟ "١.
أقول: إن هذه الشهادة (تتضمن) أن الفريسيين علماء اليهودإلى زمن مجئ عيسى ﵇، كان متداولًا بينهم عن آبائهم وأجدادهم (المتناقلين) لكلام النبي موسى ﵇، بأن الله –تعالى- (سيرسل) نبيًا، وهم في انتظاره كالمسيح ﵇، وحيث إن علماء اليهود كانوا متحيرين في مجئ النبي المخبر عنه من موسى، ومعربسين٢ قصة يوحنا ابن زكريا ﵉، من أنه كان يسكن البراري كولد إسماعيل٣، فأرسلوا يسألونه: ماتقول عن نفسك؟ فلما جاوبهم بأنه ليس هو المسيح ولا إيليا ولا النبي، اعترضوا وقالوا له: مابالك تعمد إن كنت لست المسيح ولا إيليا ولا النبي؟.
_________________
(١) ١ يوحنا ١: ١٩- ٢٦، وقد اختصرها المصنف. ٢ هكذا في النسختين ولم أتمكن من فهمها، إلا أن تكون ويعرفون. ٣ ورد عن يوحنا" يحيى بن زكريا" ﵉ في إنجيل مرقس ٤:١" كان يوحنا يعمد في البرية وكان يوحنا يلبس وبر الإبل ومنطقة من جلد على حقويه ويأكل جرادًا وعسلًا بريا".
[ ١٤٨ ]
فيظهر من (مضمون) كلامهم أنهم في (انتظار) ثلاثة أنفار عظام، قد كان الأنبياء السابقون أخبروا١ بمجيئهم وأسمائهم، وهم: المسيح وإيليا والنبي.
فمن ههنا ينتج أن المسيح (شخص)، وإيليا (شخص)، والنبي (شخص) آخر٢، وحيث إن الانتظار كان للنبي أيضًا، الذي هو غير المسيح، واسمه وارد بالسؤال بعد المسيح، فنبينا ﷺ كان وروده بعد المسيح، وهو خاتمة المطلوب٣. فمن هذه الشهادة سقطت:
أولًا: دعوى اليهود الزاعمين أن شهادة موسى السابقة هي مقولة عن يشوع بن نون، (لأنها لو كانت مقولة عن يشوع بن نون) لما كان علماء اليهود لحد زمان عيسى يسألون (المعمداني) عن النبي قائلين: ألنبي أنت؟ أجابهم: كلاّ.
وثانيًا: تسقط دعوى النصارى القائلين: إن النبي المقول عنه من موسى هو المسيح، لأنه ظهر من سؤال الفريسيين علماء اليهود القائلين: "إن كنت لست المسيح ولا إيليا ولا النبي" أن النبي غير المسيح.
_________________
(١) ١ في. د" أنذروا". ٢ في النسختين" المسيح آخر وإيليا آخر والنبي آخر". ٣ يقصد خاتمة مطلوب اليهود في السؤال الذي وجهوه ليحيى ﵇.
[ ١٤٩ ]
فإذا المسيح هو المطلوب الأول (لهم) ١، والنبي هو المطلوب الأخير لقولهم: "إن كنت لست المسيح ولا إيليا ولا النبي".
و(لو) كان النبي (هو) المسيح كما فسره النصارى، لكان ينبغي ليوحنا بن زكريا عندما سأله علماء اليهود عن المسيح وإيليا والنبي أن يجاوبهم: إن سؤالكم هذا هو جهل مبين، لأن المسيح هو (نفسه) النبي، فصمته عن مجاوبتهم، ونفيه بأنه ليس هو النبي هومصادقة كلية شرعية على أن الموعود به نبي آخر غير المسيح، وهو سيد الكائنات الأعظم محمد ﷺ.
_________________
(١) ١ في النسختين" منهم" وصوابها ما أثبت.
[ ١٥٠ ]
الشهادة الثالثة
في إنجيل يوحنا في الإصحاح الخامس عشر يقول: "وإذا جاء البارقليط١ الذي أرسله إليكم من عند الأب روح الحق الذي من الأب ينبثق هو يشهد لي وأنتم أيضًا شاهدون" ٢ *.
أقول: إن هذه الشهادة (المقصود بها) نبينا محمد ﷺ:
أولًا: من اسم "بارقليط".
ثانيًا: من قوله: "هو يشهد لي".
ثالثًا: من تسميته له: "روح الحق".
_________________
(١) ١ لفظة" البارقليط أو الفارقليط" وردت هكذا في الترجمة العربية المطبوعة سنة ١٨٣١،١٨٢١م في لندن، أما الطبعات الأخرى فذكرت كلمة"المعزي أو روح الحق" وطبعة الملك جيمس ذكرت Confouter والتي تعني"المعزي"، أما طبعة New American Bible فقد ذكرت كلمة Advocate والتي تعني"المحامي أو المدافع". ويبدو أن المصنف - ﵀ - وقف على الطبعات التي تذكر هذهالكلمة، وهي "البارقليط" ومن تلك الطبعات التي ورد فيها كلمة "البارقليط" نسخة البشينا السريانية، ولعل المصنف اطلع عليها حيث هي فيما يظهر لغته. وانظر كلام عبد الأحد داود عنها في كتابه"محمد ﷺ في الكتاب المقدس" ص٢٠٧-٢٢٩، وكذلك كلام الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه" إظهار الحق" (٤/١١٨٥) . ٢ يوحنا ٢٦:١٥. (*) حاشية: (اعلم أنّ هذه الشهادة مترجمة على موجب أصلها باليوناني [مع كون في نصفها ويدمس (هكذا، ولعل مراده قوسان) بشكل هلالين اللذين يدلان على أن الموجود فيما بين الهلالين هو دخيل]) .
[ ١٥١ ]
رابعًا: من قوله عنه إنه: "من الأب ينبثق".
أما عن قوله: "إنه ينبثق من الأب"؛ فهو بمعنى يخرج ويرسل، كما هو (مصرح به) في قواميس اللغة اليونانية، والكنائس الغربية هكذا تفسرها أيضًا، وهذا الإرسال (جاء) مصرحًا به عن النبي محمد ﷺ بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ١،وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ﴾ ٢.
وأما تسميته له ﷺ بأنه "روح الحق"، فنرى هذا الاسم من جملة أسمائه الشريفة المندرجة في كتاب دلائل الخيرات٣، (المجموعة) من الكتاب والسنة٤.
أما٥ اسم "بارقليط" (فهي لفظة) يونانية، من معانيها في القواميس: المعزي٦ والناصر، والمنذر، والداعي، ﴿والاسم المطابق
_________________
(١) ١ الأعراف آية (١٥٨) . ٢ الفتح آية (٢٨) . ٣ دلائل الخيرات ص ٥٢. ٤ كتاب دلائل الخيرات، تأليف محمد بن سليمان الجزولي الشاذلي المتوفى سنة ٨٧٠هـ، والكتاب عبارة عن أدعية وصلوات على النبي ﷺ، وكثير من الأسماء التي ذكرها للنبي ﷺ لا دليل عليها من الكتاب والسنة. ٥ في النسختين" أما قوله عليه" واستقامتها كما أثبت. ٦درس البروفسور عبد الأحد داود كلمة"الفارقليط" من ناحية لغوية، فقال عنها: إنها لاتعني المعزي أو المحامي، وتهجئة الكلمة هي"باراكليتوس" ParaklYtos ومعناها في الأدبيات الكنسية"شخص يدعى للمساعدة، محام، وسيط"، وإن الكلمة اليونانية التي تعني المعزي ليست باركليتوس بل"باراكالون" Paracalon ثم ذكر أن كلمة باراكليتوس Paraklytos هي صورة مشوهة عن كلمة يونانية اخرى هي Periqlytos"برقليطوس"، وتعني من الناحية اللغوية"الأمجد والأشهر والمستحق للمديح"، وهذا مايعني بالضبط اسم "أحمد" باللغة العربية. والصعوبة الوحيدة التي ينبغي حلها والتغلب عليها هي: اكتشاف الاسم السامي الأصل الذي استخدمه عيسى المسيح ﵇ إما بالعبرية أو الآرامية. انظر: محمد ﷺ في الكتاب المقدس ص٢١٦، ٢٢٣. وهذه المعلومات المذكورة عن تقارب المفردتين"باراكليتوس، وبرقليطوس"بالنطق، واختلافهما في المعنى في اللغة اليونانية، وأن الأخيرة منهما تعني معنى قريبًامن"محمد" و"أحمد" ذكرها أحد قسس النصارى في رسالة أرسلها للشيخ رحمة الله الهندي، وأثبت ملخصها الشيخ، وبين أن الاختلاف بينهما يسير، وأن من عادة أهل التثليث التبديل والتلاعب بالألفاظ حسب أهوائهم، بل قد يعدون هذا من المستحسنات. انظر: إظهار الحق ٤/١١٨٧.
[ ١٥٢ ]
هو الداعي﴾ *.
فالنصارى الذين آمنوا وأسلموا في العصور القديمة قد فهموا (أن معنى هذه اللفظة) منصرف إلى القرآن الشريف، وإلى سيد المرسلين الأعظم ﷺ.
فأما (انصرافها إلى) النبي الأعظمصلى الله عليه وسلمفمن كونه قد وصف بمثل هذه الأوصاف في الكتاب المنزل، كقوله تعالى في سورة النساء
_________________
(١) (*) حاشية: (اعلم أنّ لفظة بارقليط إذا ترجمتها للعربي حرفًا بحرف بالمطابقة هي الداعي، ومشتقة من دعى يدعو، وهو اسم من أسماء النبي ﷺ) وهذه الحاشية ليست في. د.
[ ١٥٣ ]
﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ١. وفي سورة الاحزاب ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ٢.
أما النصارى الذين في الدهور المتأخرة، (المتناسلين) ٣ من أولئك، فلم يفهموها إلا عن الروح الذي حل على الحواريين٤، مع أن الروح الذي (يدّعون) أنه حل عليهم (لم يسم) "بارقليطًا" من الذين حل عليهم، ولا سمي روح الحق، ولا دعي المنبثق من الأب مثلما سماه عيسى لما وعد به، بل إنه سمي من الحواريين روح، وقوة، وألسنة كالنار*.
وأما قوله: "إن البارقليط يشهد لي":
فأقول: إنه يظهر من معناه بأن سيدنا عيسى (يقصد) ٥ شخصًا آخر غير شخصه، يشهد له بالحق، وغير الحواريين٦. وإثباتًا لهذا الدليلئ
_________________
(١) ١ النساء آية (٧٥) والآية ساقطة من. ت. ٢ الأحزاب آية (٤٥-٤٦) . ٣ في النسختين" المتنزحين" وصوابها ما أثبت. ٤ يقصد به ماذكره سفر أعمال الرسل ١:٢"ولما حضر يوم الخمسين كان الجميع معًا بنفس واحدة، وصار بغتة من السماء صوت كما هبوب ريح عاصفة، وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين، وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم، وامتلأ الجميع من الروح القدس وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى". (*) حاشية: (اعلم أنه قد أوصاهم أن لايبرحوا أورشليم إلى أن يلبسوا قوة من العلا بورود الروح القدس عليهم، ولم يقل إنهم يلبسوا بارقليطًا أي داعيًا) . وهذه الحاشية ليست في. د. ٥ في النسختين" يتعمد". ٦ في. ت"شخصًا آخر غير الحواريين يشهد له بالحق" وما أثبت من. د.
[ ١٥٤ ]
هو تعمد إشارته في نسق هذه الجملة١ الواحدة، القائلة عن البارقليط: هو يشهد لي وأنتم أيضًا شاهدون.
فبقوله هذا يظهر أن المزمع والعتيد أن يأتي ويشهد له، هو غير الشاهدين الحاليين، ولو كانا واحدًا لما قال: هو يشهد لي، بصيغة الزمان المستقبل البعيدكما في اليوناني*، وأنتم أيضًا شاهدون بصيغة الزمان الحال*.
وأيضًا أقول: إنه لوكان معناه بأن البارقليط الحال يتكلم في المحلول فيهم٢ لكان قال: إذا جاء البارقليط الذي أرسله إليكم هو يشهد لي بواسطة ألسنتكم، مثلما قال في موضع آخر عن الروح الذي حل عليهم "بأن روح أبيكم يتكلم فيكم"٣، وحيث أن ههنا ثنى موضوع كلامه بقوله: يشهد لي وأنتم أيضًا شاهدون وغيّر أزمنة الشهادة، فيظهر أن الشاهدين له هم غير الشاهد الفريد الذي هو نبينا الأعظم محمد ﷺ.
_________________
(١) ١ في. د" العبارة" والجملة غير واضحة، ويظهر لي أن صوابها"وتوضيحًا لهذا الدليل فقد تعمد المسيح الإشارة إلى النبي ﷺ في نسق هذه الجملة". (*) حاشية: (اعلم أن في اللغة اليونانية يوجد فعلان للمستقبل فعل بعيد وفعل قريب، وهذه اللفظة وجدت مكتوبة في وزن الفعل البعيد، أعني: يشهد لي بمعنى سوف يشهد) . (*) حاشية: (ولفظة شاهدون قد يراد بها في اليوناني ليس الفعل الحالي فقط، بل والمستمر) . ٢ يقصد على دعوى النصارى أن المراد بالفارقليط هو الروح القدس. ٣ متى ٢٠:١٠.
[ ١٥٥ ]
وأما اسم بارقليط: فيحمل معناه أيضًا على القرآن الشريف، لأنه أي القرآن قد ورد من الله تعالى منبثقًا وخارجًا من لدن عنايته، مُعَزيًا١ بلفظه المحكم لرسوله المصطفى ﷺ ولخواصه أيضًا.
فأما ما أورده تعالى من التعزيةلرسوله، فمثل قوله ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ ٢، وقوله تعالى ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ ٣، وقوله ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِر﴾ ٤.
وأما ما قاله تعالى من التعزية (لأصحابه) فقوله ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور﴾ ٥، وقوله تعالى ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٦.
وبالإجمال أقول: إذا أمعنت النظر في القرآن الشريف ترى أكثر معانيه منصرفة إلى التعزية وأجناسها٧.
_________________
(١) ١ يقصد مواسيًا ومصبرا. ٢ آل عمران آية (١٧٦) . ٣ المزمل آية (١٠) . والآية ليست في. د. ٤ المدثر آية (٧) . ٥ آل عمران آية (١٨٦) . ٦ آل عمران آية (١٥٣) . ٧ وذلك أن القرآن الكريم تضمن كثيرًا من قصص السابقين، وفي قصصهم عبرة للرسول ﷺ والمؤمنين، وتعزية لما يصيبهم من جهد وبلاء في الدعوة إلى دين الله ﷿.
[ ١٥٦ ]
وإن قيل: إن البارقليط كان الوعد (فيه للحواريين)، لأن سيدنا عيسى قال لهم: إنه يرسله إليهم. والقرآن جاء بعد الحواريين بستمائة سنة.
فأجيب: إن قوله: أرسله إليكم مثل١ قوله لهم: "وها أنا معكم كل الأيام وإلى إنقضاء الدهر"٢. فالحواريون لم يبقوا إلى انقضاء الدهر، بل خلفهم الذين بقوا إلى انقضاء عالم عيسى عليه السلام٣. انتهى*.
والحال (أن قوله): "سيقيم لكم" مثل قول عيسى ههنا: "إنه يرسله إليكم"، فالضمير في اللفظتين متساوي للمخاطبين.
_________________
(١) ١ في النسختين (يحله أيضا) ولا يتضح بها المعنى المقصود. ٢ متى ٢٠:٣٨. ٣ هكذا في النسختين ولم يتبين لي معناها، إلا أن يكون قصد: إلى انتهاء زمن رسالة عيسى ﵇ ببعثة نبينا محمد ﵊. (*) حاشية: (اعلم أنّ مثال ذلك قد قاله موسى أيضًا في تثنية الاشتراع: إن الرب إلهكم سيقيم لكم نبيًا مثلي. وقد يفسره النصارى على عيسى الذي جاء بعد موسى بنحو ألف وقريب الستمائة سنة) .
[ ١٥٧ ]
الشهادة الرابعة
إن سيدنا داود ﵇ في المزمور الخامس والأربعين، المعنون في العبراني: من بني قورح من أجل الحبيب قد ترنم به١.
أشار إشارة مطابقة لسيد الخلق نبينا الأعظم حبيب الله ﷺ بقوله: "فاض قلبي كلمة صالحة، أقول أنا أعمالي للملك، لساني قلم كاتب سريع الكتابة، بهي في الحسن، أفضل من بني البشر، انسكبت النعمة على شفتيك، لذلك باركك الله إلى الدهر، تقلدْ سيفك على فخذك أيها القوي بحسنك وجمالك، استله وانجحْ، واملكْ من أجل الحق، ورأفة العدل، وتهديك بالعجب يمينك، نبلك مسنونة أيها القوي، الشعوب تحتك يسقطون في قلب أعداء الملك٢، كرسيك يا ألوهيم إلى دهر الداهرين، عصا الاستقامة عصا ملكك، أحببتَ العدل وأبغضتَ الإثم، من أجل ذلك مسحك ألوهيم إلهك٣ بدهن البهجة، أفضل من رفقائك،
_________________
(١) ١ عنوانه في ن. ع "لبني قورح قصيدة ترنيمة محبة". ٢ العبارة في المزمور ٤٥ هكذا "نبلك المسنونة في قلب أعداء الملك شعوب تحتك يسقطون". ٣ في نسخة. ت "يا ألوهيم إلهك"، وفي. د "ياألوهيم وبالعربي ياطايق إلهك". وفي النسخة العربية للعهد القديم "الله إلهك".ومثل ما في العهد القديم الطبعة العربية "الله إلهك" ذكرها الشيخ رحمة الله الهندي في كتابه "إظهار الحق"٤/١١٤٣، وذكر أنها هكذا في النسخة الأردية والفارسية، وغيرها من التراجم، وأن بولساعتمد في رسالته للعبرانيين هذا اللفظ، كما أفاد أن أحد النصارى، وهو صاحب كتاب "مفتاح الأسرار" ذكر أن النص هكذا "من أجل ذلك ياالله مسح إلهك". هكذا، وردها الشيخ رحمة الله الهندي، لكونها مخالفة لكلام بولس وسائر الترجمات الأخرى. والحق أنها تحريف من النصارى، لتنطبق فيما يزعمون على المسيح عيسى ﵇، باعتبار أنه الله -تعالى الله عن قولهم-. ولعل نسخةً من هذه النسخ هي التي نقل عنها الشيخ زيادة بن يحي هنا. وهي خطأ، والصواب ما أثبت، كما في النسخة العربية، والنسخ التي أفاد عنها الشيخ رحمة الله الهندي. والله أعلم.
[ ١٥٨ ]
المر١ والميعة٢ السليخة٣ من ثيابك٤، من منازلك الشريفة العاج التي أبهجتك".
أقول: والحق أن [سيدنا] رسول الله محمدًا ﷺ يفيض من قلبه كلمة
_________________
(١) ١ هو صمغ من شجرة ذات شوك رائحته ذكية. قاموس الكتاب المقدس ص٨٥٢. ٢ الميعة: هي شجرة صغيرة تنمو في جميع الأرض المقدسة، وهي ذات رائحة ذكية. قاموس الكتاب المقدس ص٩٤٠ وكلمة "الميعة" ورد بدلًا عنها في ن. ع. كلمة "العود"، وهو أحد أنواع العطور الشرقية الغالية الثمن القوية الرائحة. قاموس الكتاب المقدس ص٦٤٧. ٣ السليخة: من العطر، شيء كأنه قشر منسلخ ذو شعب، والسليخة من البان، دُهنُ ثَمَرٍه قبل أن يربب بالطيب. فإذا ربب ثمره بالمسك اختلط الدهن بروائح الطيب ويسمى منشوش. لسان العرب (٣/٢٠٦٣) ٤ في. د "من أقصى ثيابك" وقال بعدها: حاشية "اعلم أن لفظة أقصى هي على موجب لفظها العبراني". أما النسخة العربية فالعبارة فيها هكذا "من قصور العاج سرتك الأوتار".
[ ١٥٩ ]
صالحة، وهي كلمة الشهادة بالتوحيد، التي هي "لا إله إلا الله"١، وأعماله كانت متجهة نحو: الملك المتعال٢، ولسانه قلم كاتب سريع الكتابة٣، بهي في الحسن٤، أفضل من بني البشر٥، لأنه لما كانت النعمة تنسكب على شفتيه الشريفتين كان يباركه الله، وتهبه تلك الفصاحة التي
_________________
(١) ١ قال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ إبراهيم آية (٢٤) . قال ابن عباس: "الكلمة الطيبة شهادة أن لا إله إلا الله". انظر تفسير ابن كثير ٢/٤٨٤. ٢ الآيات التي تدل على إخلاص النبي ﷺ وابتغائه وجه الله بأعماله عديدة، منها قوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ الجن آية (٢٠)، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ الزمر آية (١٤)، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ الأنعام آيتا (١٦٢، ١٦٣) . ٣ مراده والله أعلم تشبيه المعلومات التي وردت على لسانه ﵊ بقلم الكاتب، سريع الكتابة لكثرتها. ٤ روى الترمذي في الشمائل عن هند بن أبي هالة ﵁ أنه قال: "كان رسول الله ﷺ فخمًا مفخمًا يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر" انظر: الشمائل ص ٢٢. كما روى جابر بن سمرة ﵁ أنه قال: "رأيت رسول الله ﷺ في ليلة أضحيان وعليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر فلهو عندي أحسن من القمر". الشمائل ص٢٦ ٥ عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع". أخرجه مسلم ٤/١٧٨٢.
[ ١٦٠ ]
تدل عليها كتب الحديث التي تكلم بها١، وهو القوي الذي كان سيفه على فخذه٢، وصاحب الحسن والجمال، الذي استله ونجح وملك، وأجرى الحق (والعدل مع الرأفة) ٣، التي هي شريعة الفضل والإحسان، الممتزجة بالعدل٤، وهو القوي الذي نباله مسنونة، الذي تساقطت تحته الشعوب، الذي كرسيّ ملكه يدوم إلى دهر الداهرين٥،
_________________
(١) ١ سيأتي الحديث أنه ﵊ قال: "وأعطيت جوامع الكلم". انظر: هامش ص ١٥٩. ٢ عن ابن عمر ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لاشريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري". أخرجه حم ٢/٥٠،٩٢. ٣ في النسختين "ورأفة العدل" وصوابها ما أثبت، ومراده من ذلك أن طلب الحق في الشرع مشروع ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ البقرة آية: (١٩٤) . مع التنبيه على أن العفو والسماحة أفضل في مثل قول الله تعالى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ الشورى آية (٤٠-٤٣) . ٤ في النسختين "مقدامها بالعدل" واستقامتها كما أثبت. ٥ عن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله ﷿ زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي، وإني أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض ولاتزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لايضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﷿". حم ٥/٢٧٨.
[ ١٦١ ]
الذي عصا الاستقامة عصا ملكه، الذي أحب العدل وأبغض الإثم١، الذي مسحه الله بدهن الابتهاج أفضل من رفقائه الأنبياء٢ عليهم أفضل الصلاة وأتم السلام جميعًا.
فالنصارى الغير منورين٣ يفسرون هذا المزمور على سيدنا عيسى بنوع من المجاز، حيث إنه لم (تنطبق عليه) الحقيقة اللفظية، ولم يدركوا أنه إذا [وجدت] حقيقة للكلام فلا محل للمجاز، لأنه إذا وجد (نبي قد سل) ٤ سيفًا حقيقيًا (فلا يجوز) الالتفات إلى نبي استل سيفًا مجازيًا، وهم إلى الآن يقولون: إن هذا المزمور مقول عن عيسى ﵇.
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِم﴾ الأعراف آية (١٥٧) . ٢ أوجه تفضيل النبي محمد ﷺ على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كثيرة، من ذلك ماروى مسلم في صحيحه ٥/٨ كتاب المساجد عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ: "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون". ٣ في. د "الغير المرتشدين". ٤ في. ت "نبيًا مستل سيفًا"، وفي. د "نبي مسل سيفًا".
[ ١٦٢ ]
وأما النصارى القدماء فقد فهموه عن نبينا محمد ﷺ، إذ هو واضح (الدلالة) عليه، لأن عيسى ﵇ (لم يعرف له فصاحة في كلامه)، بل كان كلامه بالبساطة، (بناءً) على دعوى النصارى، ولا تقلد سيفًا على فخذه، ولا نعت بالقوة، ولا كان شهيرًا بالحسن والجمال، ولا استل سيفًا من أجل أن يحكم بالحق ورأفة العدل، بل إن أحد حوارييه ﴿الذي هو بطرس﴾ حين استل سيفًا منعه قائلًا: "اردد سيفك إلى غمده"١، مع أنه ما نجح ولا ملك في حياته، بل لما جاؤا ليصيروه ملكًا هرب٢، ﴿ولا كان له عصا الاستقامة الذي هو الرمح﴾، ولا جاء بالشريعة العدلية على زعم إنجيلهم، بل كان يبدله بالقول: "من ضربك على خدك الايمن حوّل له الآخر"٣، الشئ الذي ما قبلته الطبيعة، ولا صار شريعة [دائمة أو عامة]، ولا كانت له نبال مسنونة ﴿ولا غير مسنونة﴾، ولا تساقطت تحته الشعوب، ولا كان ذا عيش رغد وابتهاج، وأنه ماكان يتعاطى العطورات في ثيابه ومنازله إلا مرة أو مرتين، من امرأة
_________________
(١) ١ متى ٥١:٢٦. ٢ يوحنا ١٥:٦ وفيه "وأما يسوع فإذا علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكًا انصرف أيضًا إلى الجبل وحده". ٣ متى ٣٩:٥.
[ ١٦٣ ]
في أواخر ظهوره١*. ولا كان له منازل شريفة العاج ولا حقيرة، لأنه هو قال عن نفسه: "إن ابن البشر ليس له موضع يسند إليه رأسه"٢.
فإذًا: هذه الشهادة هي بالحق دالة على نبينا محمد ﷺ من كونها منطبقة عليه من كل جهاتها، لأنه كما قلنا عنه: إنه هو الذي كان يفيض قلبه كلمة صالحة، كلمة الشهادة بالتوحيد، وكانت شفتاه ولسانه متحركين بالفصاحة، أفضل من بني البشر، وهذا دليل أفضليته على الخلق ولذلك باركه الله، وهو الذي كانت أعماله متجهة نحو الملك المتعال، ﷾، وهو الذي كان قويًا وتقلد سيفه على فخذه ونجح وملك، وملكه إلى الآن باق، وإلى يوم القيامة، يجري في شرائعه الحق، ويحنو بالعدل، أي إن أحكامه تبتدئ بالحق (وترغب) بالرأفة٣ [وتثيب عليها]، وهو صاحب الوجه المنير بالحسن والجمال، وهو الذي رشق الكفار الذين عصوا دينه الشريف بعد نصحه لهم بنبال مسنونة، وقوته ﴿مع تلك العصا الذي هو رمحه المستقيم تصدق نبوءة داود هذه﴾ ٤، وتساقطت تحته شعوبهم، وهو الذي مسحه الله بدهن البهجة، [أفضل من
_________________
(١) ١ مرقس ٣:١٤. (*) حاشية للناسخ: (إن الطيب الذي سكبته الامرأة على عيسى كان عطورات، إلا إن ههنا ذكر داود أنه (مرّ) أي مسك وهو علامة للنبي.) ٢ متى ٢٠:٨. ٣ في النسختين "تبتدىء في الحق وتفوض الرأفة" وفصاحتها ما أثبت. ٤ هكذا العبارة في. ت، أما في. د فقال "وقوته تصدق النبوة".
[ ١٦٤ ]
رفقائه الأنبياء] وثيابه الشريفة بالمرّ والميعة والسليخة، وهذه الروائح الطيبة التي كانت تصدر من منازله [السامية]، ومن [أقصى] ثيابه الشريفة هي مخلوقة بجسمه الشريف١، تفضلًا من الله تعالى الذي مسحه وأرسله رحمة للعالمين٢، وكان صحابته الكرام -﵃- إذا صافحوه تبقى رائحة المسك في أيديهم المدة الطويلة٣، وإذا توجه إلى محل وأرادوا (اللحاق به) يستدلون في الأزقة من الروائح الطيبة ويعرفوا أين توجه٤، وهذه كانت من أقل معجزاته الشريفة.
_________________
(١) ١ عن جابر بن سمرةرضي الله عنه قال: "صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الأولى، ثم خرج إلى أهله وخرجت معه، فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدي أحدهم واحدًا واحدًا، قال: أما أنا فمسح خدي، قال: فوجدت ليده بردًا أو ريحًا كأنما أخرجها من جؤنة عطار". وعن أنس ﵁ قال: "ما شممت عنبرًا قط ولا مسكًا ولا شيئًا أطيب من ريح رسول الله ﷺ، ولا مسست شيئًا ديباجًا قط ولاحريرًا ألين ملمسًا من رسول الله ﷺ". وعن أنس أيضًا قال: "دخل علينا النبيصلى الله عليه وسلم فقال (نام القيلولة) عندنا فعرق، وجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها، فاستيقظ النبيصلى الله عليه وسلم فقال "يا أم سليم ماهذا الذي تصنعين؟ قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا، وهو أطيب الطيب". أخرج الروايات الثلاث: مسلم في الفضائل ٤/١٨١٤. ٢ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ الأنبياء آية (١٠٧) . ٣ ذكر ذلك القاضي عياض في الشفا ولم يعزه. انظره ١/ ٨٧. ٤ روى ذلك البخاري في التاريخ الكبير عن جابر ﵁ ١/ ٣٩٩.
[ ١٦٥ ]
وبالاختصار إن هذه العلامة تكفي للشهادة عليه* ﷺ، وأما باقي المزمورفقد (يؤول) على زوجته، وباقي نسائه الفخام، ﵅ وعلى جواريه، (ويؤول) أيضًا على سمو ديانته ومركزها التي شبهها داود بالملك١.
تنبيه٢: (اعلم أنّ لفظة ألوهيم المرقومة في أصل الشهادة في المزمور الخامس والأربعين في جملة "كرسيك يا ألوهيم"، وفي قوله "مسحك يا ألوهيم" فلفظة ألوهيم هي عبرانية، وتترجم إلى اللغة العربية "إله" ويقال لها معربة، وتترجم أيضًا إلى معناها العربي "طايق"٣ لكون لفظة ألوهيم هي مشتقة من "إيل" بفتح الياء، وتعريبها: "طايق" كقولنا: مالي طاقة أي
_________________
(١) ١ في النسختين "بالملكة" وتصويبها من المختصر. ٢ هذا التنبيه ورد حاشية في نسخة. د. ٣ في نسخة. د استخدم محل ألوهيم في المواضع السابقة "طايق".
[ ١٦٦ ]
ما لي قوة١، فهذه لفظة ألوهيم التي تترجم إله معربة وتترجم: طايق (على) معناها [العربي] تقال وتطلق على أفاضل [المخلوقين] الناطقين، وتقال على الخالق جل وعلا، وهكذا وجدت في التوراة والإنجيل، ومن القرائن تعرف كما قررنا عنها في الباب الأول من هذا الكتاب٢.
ثم إن لفظة ألوهيم هنا (في قوله): "مسحك يا ألوهيم إلهك بدهن البهجة أفضل من رفقائك"، تفيد من القرائن المشروحة أنها مقولة على نبينا محمد ﷺ، لكونه من أشرف الناطقين، مثلما سمى بها عيسى وموسى ﵉ بلفظة تعريبها "إله"، وأما نحن بهذا المزمور لم نعربها ولا نكتبها إله، لعدم استعمالها عند العرب في هذا الشرع الطاهر على الخلق، بل أبقيناها على أصلها العبراني " ألوهيم "٣.
_________________
(١) ١ كأنه يريد أن يقول: إن معنى "طايق" أي مطيق، وأرى أنه يقصد بها القادر القوي. والله أعلم. ٢ انظر الباب الأول البيان الأول والثاني. ٣ في نسخة. د ورد السطران الأخيران هكذا "وأما في هذا المزمور لم يعربها المؤلف ويكتبها إله، لعدم استعمالها عند العرب في هذا الشرع الطاهر على الخلق، بل أبقاها - أي المؤلف ﵀ على أصلها العبراني ألوهيم". وهذا النص يدل على أن نسخة. د ليست منقولة عن نسخة المؤلف، وأن ناسخها قد تصرف فيها.
[ ١٦٧ ]
الشهادة الخامسة
إن "إشعيا" النبي١ في التوراة في الإصحاح الخامس عندما أنهى كلامه (عن قصاص) الذين تركوا شريعة الرب رب الجنود، وأنه اشتد غضبه على شعبه، وألقى يده عليهم، وصارت جثثهم في الشوارع، ومع هذا كله٢ لم يرتد غضبه ويده عالية، أضاف إلى قوله هذه العبارة والرمز على نبينا محمد ﷺ، وأن الله يرفعه، وينصبه علامة للأمم، ودليلًا ليهديهم به، قد تكلم في العدد السادس والعشرين وقال: "ويرفع علامة للأمم من بعيد ويصفر به من أقصى الأرض، وهو ذا يأتي سريعًا بخفة [ليس] (فيهم) تاعب ولا عائي] ٣ لا ينعس ولا ينام، ولا تنحل منطقة حقويه، ولا ينقطع سير حذائه، سهامه حادة، وجميع قسيه موتورة، حوافر خيله مثل الصوان، وبكراته [أي نوقه] مثل العاصف، زئيره٤ كالأسد، وبنهم يدرك الفريسة ويحوزها٥، وليس من ينجى، ويهر عليه في ذلك اليوم
_________________
(١) ١ هكذا في النسختين، ونبوته لم تثبت عندنا بنص صحيح، فالتوقف في ذلك أولى. ٢ في النسختين "وأن هذه كلها" ولايستقيم بها المعنى، وما أثبت يتفق مع النص في العهد القديم. ٣ في. ت "تاعبًا ولاعائيا" وما اثبت من. د. ٤ في النسختين "وزيرانه" وكذلك هو في المواطن القادمة، وصوابها ما أثبت، وفي ن ع "زمجرته". ٥ في النسختين "ويجوز" ولا معنى لها.
[ ١٦٨ ]
كهدير البحر١، وينظر إلى الأرض وإذا هي مظلمة ضيقة، والنور اعتم لضبابها.
أقول: وبالحق إن هذه الشهادة (منطبقة) على نبينا محمد ﷺ كما قلنا، ومن كل جهاتها لأن قوله: "ويرفع علامة للأمم"؛ يعني أنه هو العلامة المرفوعة للأمم*، والدليل الهادي، ليقودهم إلى نور دين الله الحق، وهو الذي رفع للأمم أولًا، كما عيسى رفع لليهود أولا، وبعده (عمموا) نبوته٢.
_________________
(١) ١ في النسختين "ويمهر عليه في ذلك اليوم مهرت البحر"، ولم أقف على معنى مناسب ليمهر، ومهرت البحر. ويظهر أنها خطأ، وما أثبت من النسخة العربية إشعيا ٥:٢٦-٣٠، إلا أنها فيه بصيغة الجمع، هكذا: "يهرون عليهم في ذلك اليوم كهدير البحر"، كما أن النص فيها على صيغة الجمع فبدايته يقول: "يصفر لهم فإذا هم بالعجلة يأتون سريعًا ليس فيهم رازح ولاعاثر لاينعسون". و"الهر"كما في القاموس المحيط ص٦٣٩ ضرب من زجر الإبل. فيبدو أن معناها أي يزجرون أعداءهم بصوت كهدير البحر. (*) حاشية: (اعلم أنّ مامن أحد من الأنبياء الذين هم من بني إسرائيل رفع علامة للأمم ولا أنذرهم، حتى ولا عيسى، بل محمد المصطفى ﷺ الذي هو وحده رفع للأمم وهو من الأمم، كما تنبأ عليه إشعيا، ومن غلاقة شرح هذه الشهادة قد ترى هذا المعنى صريحا ظاهرًا) . ٢ في النسختين "وبعده عمت نبوتهما"، ويظهر لي أنها خطأ، وصوابها ما أثبت على معنى أن النصارى بعد المسيح ادعوا عموم رسالته. والله أعلم.
[ ١٦٩ ]
وقوله: "من بعيد" مشيرًا على أن هذه العلامة ليست هي من أرض إسرائيل١ التي تكلم فيها إشعيا هذه الإشارة، أي [قوله] "ويرفع علامة للأمم" بل من أرض بعيدة، وإيضاح ذلك قد يظهر من العدد الذي يتلوه، حيث يكشف هذا الرمز بقوله: "ويصفر به من أقصى الأرض"، فقوله: "من أقصى الأرض"، يكشف أنه ليس من أرض إسرائيل ترفع العلامة، بل إنها ترفع من بعيد من أقصى الأرض، حيث رمز عنها بهذا الكلام، فكأنه يقول: إن نهاية وأقصى أرض إسرائيل هي الأرض التي خرج منها نبينا ﷺ، أعني: مكة المشرفة، التي هي عند أقصىأرض إسرائيل، لأن إقليم العرب لا فاصل بينه وبين أرض الموعد٢.
_________________
(١) ١ أرض إسرائيل: مراده الأرض التي كان يسكنها بنو إسرائيل في زمن إشعيا. ٢ أرض الموعد: المراد بها عند اليهود ما وعد الله به إبراهيم ﵇، وذكروه في التكوين ١٥:١٨ "لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات" فهذه أرض الموعد عندهم، ولو صح هذا النص فإن الأرض المذكورة قد صارت ملكاُ لأبناء ابراهيم الذين هم أبناء اسماعيل وإسحاق وذريتهما، وليس كما يدعي اليهود أنها خاصة ببني اسرائيل فقط، لأن تخصيصها ببني اسرائيل دليل على عدم صحتها، لأن بني اسرائيل لم يمتد ملكهم في أي فترة من فترات تاريخهم الى المساحة التي يزعمون أنها من النيل الى الفرات، فتخصيصها بهم دليل على عدم صحتها، مع أن منطوقها لايدل على ذلك بل يدل على عموم أبناءابراهيم ﵇. وأرض الموعد حولها النصارى إلى الإيمان بالموعد أو الوعد، وهو الإيمان بالمسيح، أو أن الله سيرسل المسيح ﵇، فمن آمن به على ما يعتقدون فقد نال الموعد أو الوعد. انظر: قاموس الكتاب المقدس ص١٠٣٠.وقد استخدمها المصنف ﵀ فيما يظهر على المعنى الذي يقصده اليهود، وهي المنطقة المتاخمة للجزيرة العربية من ناحية الشمال.
[ ١٧٠ ]
ثم إن هذه الجملة قد تضمنت دليلًا رمزيًا آخر، لئلا تجهل العلامة، وأنه عربي بقوله: "ويصفر به"؛ يعني ينادى به، لأن في اللغة العبرانية يقول: ويصفر به، أي أن الله تعالى نادى به الناس كالصفير١، كعادة العرب لكونه ﷺ عربيًا، لأن العرب ينادون بالصفير عند كمائنهم وأغراضهم الخفية٢.
وقوله: "يأتي سريعًا بخفة، ليس (فيهم) تاعب ولا عائي، لا ينعس ولا ينام، ولا تنحل منطقة حِقْويه، ولا ينقطع سيرحذائه، سهامه حادة، وجميع قِسِيِّه موتورة".
_________________
(١) ١ في النسختين "كبالصفير" ولامعنى لها، وصوابها فيما يبدو ما أثبت. ٢ قال في اللسان ٤/٢٤٦٠ الصفير من الصوت بالدواب إذا سيقت، ولم أقف على أن العرب كانوا يتنادون بالصفير، إنما ورد في معنى قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ الأنفال آية (٣٥)، أن المكاء هو الصفير، والتصدية هوالصفق. وروى مسلم في صحيحه ١/٧٢ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل الفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم". والفدادين هم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم وأموالهم ومواشيهم. انظراللسان ٥/٣٣٦٣.
[ ١٧١ ]
فالحق أنه ﷺ أتى بجيوشه بخفة، وما كان في أعوانه تاعب*، ولا كان ينعس، بل إنه سهران في عبادة الله ﷾، و(نشر) دينه الشريف، كما ورد عنه ﷺ أنه كان يقوم الليل كله حتى ترم قدماه الشريفتان١، فأمره تعالى في القرآن العظيم شفقة عليه وحبًا وتعظيمًا له بقوله له ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ٢.
_________________
(١) (*) حاشية: (اعلم أنّ الخفة وعدم التعب اللذين ذكرهما إشعيا في جيوش النبي ﷺ هما برهانان قويان ظاهران، مشيران على الملائكة الذين كانوا يحاربون معه وعنه، كما خبرهم مشاع في القرآن الشريف في سورة الأنفال بألف، وفي سورة آل عمران بخمسة آلاف ﴿لأنهم أي الملائكة ماكان يعتريهم ألم ولا تعب ولا عي، وسريع إتيانهم إلى مساعدة رسول اللهٍ﴾ . هكذا قال في الحاشية، والذي أراه: أن ذلك لايقصد به الملائكة، لأن لهم صفات شهيرة، فلو كانوا هم المقصودين لوصفهم بها، والذي يظهر أن المقصود بذلك النبي ﷺ وأصحابه، الذين ما تأخروا، ولا تقاعسوا عن غزوة أو وجهة يوجههم إليها نبيهم الكريم، بل كانوا يبادرون لطاعته في كل ما يأمرهم به بلا كلل ولا ملل، يدل على ذلك سيرتهم في بدر وأحد والخندق وتبوك، وغيرها. والله أعلم. ١ روى البخاري في التهجد عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنهقال: "إن كان النبي ﷺ ليقوم أو ليصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه، فيقال له، فيقول: أفلا أكون عبدًا شكورًا". صحيح البخاري مع الفتح ٣/١٤. ٢ المزمل آية (١-٤) .
[ ١٧٢ ]
و"لا انحلت منطقة حقويه"، يعني أن عزيمته نشيطة، و"غير منقطع سير حذائه"، يعني أن قدميه الكريمتين١ غير فاترة عن السعي بالخير والعبادة، و"سهامه حادة"، يعني بما أنه (لا يوجد) من يساويه ممن كان يضرب بالسهام من قبل الله لأعدائه المعاندين بتلك القسي الموتورة، ويؤكد٢ هذه المعاني غلاقة٣ القول، بأن "حوافر خيله مثل الصوان"، كما وصفت تلك الخيل في القرآن الشريف في قوله تعالى ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ ٤. ثم إن ههنا إشعيا قد أظهر بنبوءته أن نبينا ﷺ هو المقول عنه هذه الأقوال وليس سواه، (لأن) عيسى عليه السلاملم تكن عنده خيل، وإنما نبينا محمد المصطفى ﷺ هو الذي كانت تقدح حوافر خيله، مثل الصوان المطابق لقوله تعالى ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ .
[ثم قال إشعيا "وبكراته" أي نوقه، مثل العاصفة. فلفظة نوقه هي أعظم دليل على المصطفى ﷺ، من حيث أن عيسى ما كان عنده نوق ولاجمال، "وزئيره كالأسد، وكان يدرك الفريسة ويحوزها، وما كان أحد يتخلص منه"، ههنا سمى إشعيا] "زئيره كالأسد". وفي الإصحاح الحادي
_________________
(١) ١ في النسختين "أقدامه الكرام" وصوابها ما أثبت. ٢ في النسختين "ويطابق" وصوابها ماأثبت. ٣ يقصد خاتمة الكلام. ٤ العاديات آية (١-٢) .
[ ١٧٣ ]
والعشرين قال: "فصرخ الأسد"١. ونعم هذا التشبيه؛ لأنه ﷺ كان سلطان البشر، كما أن الأسد سلطان الحيوانات بالفروسية والشجاعة.
وآخر الأدلة من إشعيا على نبينا ﷺ: "يدوي عليه في ذلك اليوم دَوِيَّ البحر وينظر إلى الأرض وإذا هي مظلمة ضيقة والنور اعتم بضبابها"٢.
وقد صدق الدليل الأخير على أن نبينا الأعظم ﷺ هو الذي كان ينادي؛ كان يزعق على الكفر كدَوِيّ البحر، وانتهره وزجره وروعه؛ أي الكفر، وهوالذي نظر إلى الأرض وإذا هي مظلمة بالكفر ضيقة، وبالحقيقة كانت الأرض مظلمة بالكفر عابدةللمخلوقات.
وقوله: "والنور أظلم بضبابها" يعني أن نور الاعتقاد بالله الذي كان موجودًا على الأرض عند النصارى واليهود القدماء٣ قد غطّاه ضباب الإلحاد والجحود حينما ضلّوا٤ عما تسلموه من موسى وعيسى ﵉، وهذا بالحقيقة هو النور الذي أظلم بضبابها، [أعني بالأمكنة المشرفة مثل مكة والقدس وغيرهما وهؤلاء أركان القدس] .
_________________
(١) ١ إشعيا ٨:٢١، وفيه "ثم صرخ كأسد". ٢ في. د "أركانها"، وفي. ن. ع٥: ٣٠ "والنور قد أظلم بسحبها". ٣ في. د "يومئذ" بدل القدماء. ٤ في. د "تاهو".
[ ١٧٤ ]
الشهادة السادسة
إن متّى الإنجيلي قد كتب [عما] رمز به سيدنا عيسى ﵇ في الإصحاح الحادي والعشرين بقوله: ذلك المثل بعدما قتل الفعلة أولئك العبيد المرسلين من عند صاحب الكرم حتى وابنه بالنية١ *. قال: "وإذا جاء رب الكرم ماذا يصنع بأولئك الفعلة؟ فقالوا له: الأرديا بالردى يهلكهم ويدفع الكرم إلى فعلة آخرين ليعطوه ثمرته. ثم قال أيضًا يسوع: أما قرأتم قط في الكتب أن الحجر الذي رذله٢. البناؤون هذا صار رأسًا
_________________
(١) ١ نص المثل كما أورده متى في ٣٣:٢١ عن المسيح أنه قال لليهود "اسمعوا مثلًا آخر كان إنسان رب بيت غرس كرمًا وأحاطه بسياج، وحفر فيه معصرة، وبنى برجًا وسلمه إلى كرامين وسافر، ولما قرب وقت الإثمار أرسل عبيده إلى الكرامين ليأخذ أثماره، فأخذ الكرامون عبيده، وجلدوا بعضًا، وقتلوا بعضًا، ورجموا بعضًا، ثم أرسل أيضًا عبيدًا آخرين أكثر من الأولين ففعلوا بهم كذلك، فأخيرًا أرسل إليهم ابنه قائلًا: يهابون ابني، وأما الكرامون فلما رأوا الابن قالوا: هذا هو الوارث هلم نقتله، ونأخذ ميراثه، فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم وقتلوه" وبقية النص ذكره المؤلف. وقوله هنا "حتى وابنه بالنية" يقصد أن ما ورد في المثل من أن الكرامين قتلوا ابنه، أن اليهود لما قصدوا قتل المسيح ﵇ وسعوا في ذلك وصفهم بقتله لأنهم نووا ذلك وعزموا، وإن لم يكونوا في الحقيقة تمكنوا من فعل ذلك. (*) حاشية: (اعلم ولتأكيد أنه بالنية لا بالفعل، (أن وقت) قول سيدنا عيسى (هذا المثل) ما كان قتل على زعمهم، وهو ذكر أنهم أخرجوه خارج الكرم وقتلوه) . ٢ في. ت "برزله"، وفي. د كما أثبت، وفي ن ع "رفضه".
[ ١٧٥ ]
للزاوية، من قبل الرب كانت هذه، وهي عجيبة في أعيننا، من أجل هذا أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لآخرين لأمة يصنعون ثمرته١، ومن سقط على هذا الحجر يترضض، ومن سقط عليه فإنه يطحنه".
أقول: وبالحق إن سيدنا عيسىعليه السلامأعطى هذا المثال نبوءة منه، رامزًا به عن نبينا محمد ﷺ من دون شك، لأنه بعدما (ذكر) الكرم: الذي هو الشريعة الموسوية٢، والفَعَلَة هم: بنو إسرائيل، وأن صاحب الكرم (أرسل) عبيده: الأنبياء ﵈، الذين كانوا (يحضونهم) على عمل الثمار فكانوا، أي الفعلة يقتلونهم، أي عبيد رب الكرم عوضًا عن عملهم الصلاح٣، وأكمل٤ بابنه الذي كان بيده إتمام شريعة موسى، كما قال هو عن نفسه: "ما أتيت لكي أحل الشريعة لكن لأكملها"٥، ﴿وكملها بالفضل﴾، فهو: أي عيسى ﵇ بعدما ذكر هذه الأفعال٦، وقرر
_________________
(١) ١ في النسختين "يصنعون ثمرتها"، وفي ن. ع "تعمل أثماره". ٢ في النسختين "الموسائية" وصوابها ما أثبت. ٣ في. د "الثمار". ٤ في النسختين "وأطبق" ولامعنى لها، وصوابها ما أثبت. ٥ متى ١٧:٥. ٦ في النسختين "المفاعيل".
[ ١٧٦ ]
لهم شريعته الفضلية ولم (يقبلوها منه) ١، لا بل إنهم كانوا (قدهموا) بقتله لولا (أن الله تعالى) رفعه إليه، وحوارييه ﵈ كانوا (مجتهدين) ٢ بتنفيذها، ولأجل ذلك كانوا يحاربون ويقتلون وتزور كتبهم٣، ويترك أكثرها ويقل زمان حسنها٤. أفاد ﵇ إذ قال – (لتأكيد) العبارة ـ: "فاذا جاء رب الكرم ماذا يفعل بأولئك الفعلة؟ فأجابوه: الأرديا بالردى يهلكهم، ويدفع الكرم إلى فعلة آخرين، ليعطوه ثمرته في حينها". هنا انكشف مجيئ صاحب الكرم، وأنه يهلكهم*. وظهر أيضًا أن
_________________
(١) ١ في النسختين "ولم تأخذ مفعولها منهم" وفصاحتها ما أثبت. ٢ في النسختين "مهمين" وفصاحتها ما أثبت. ٣ في. د حاشية ليست في. ت وهي (اعلم أنك إن أردت أن تعرف البينة من كتب النصارى أين وجد مشارًا بالتحريف في كتبهم ذاتها، فعليك بمطالعة كتب مؤرخيهم، وفي رسالة بولس إلى أهل قرينته الإصحاح الثاني والعدد السابع عشر، وفي رسالة بطرس الثانية الجامعة الإصحاح الثالث العدد السادس عشر، ثم إذا أردت أن تعرف أين وجد ذكر أناجيل غير الأربعة الموجودة الآن وقد اختفت، فعليك بمراجعة إنجيل لوقا الإصحاح الأول العدد الأول، فإنك تجد المطلوب الذي قاله المؤلف رحمه الله تعالى، عدا الشكوك اللاحقة المحررة في الباب الخامس التي تؤكد ذلك التحريف) . ٤ لم أستطع فهم مراد المصنف الأخير، إلا أن يقصد (وتهجر كتبهم حتى تضيع وتصبح غير مقبولة) . (*) حاشية: (اعلم أنّ معنى الهلاك الذي ذكره عيسى ههنا هو نفس الاستئصال الذي ذكره موسى، إذ إن موسى في الشهادة الأولى قال: كل نفس لا تسمع لذاك النبي وتطيعه تستأصل تلك النفس من شعبها أي تهلك، وههنا عيسى قد كشف هذا الهلاك وفي أي زمان بقوله: إذا جاء رب الكرم فإنه يهلكهم) .
[ ١٧٧ ]
صاحب الكرم الموعود به من عيسى، هو غير عيسى الواعد به، ومن المحقق أنه من بعد مجئ عيسى ﵇ ما جاء غير نبينا ﷺ صاحب الشريعة الغرّاء.
ومن قوله: "إذا جاء" أن المسيح يقصد شخصًا آخر غير شخصه، ومجيئه مستقبلًا، وحيث إن الله تعالى بحسب ذاته العلية لا ينتقل من مكان إلى مكان من كونه حاضرًا في كل مكان١، فلزم أن يكون المجيئ [المقول
_________________
(١) ١ قول المصنف "إن الله لا ينتقل من مكان إلخ" يحتاج إلى تعليق وتقييد، فإنه قد ثبت بالأدلة الشرعية أن الله تعالى ينزل في كل ليلة إلى سماء الدنيا، فقد روى البخاريأن النبي ﷺ قال: "ينزل ربنا ﵎ في كل ليلة إلى سماء الدنيا". انظر البخاري مع الفتح ٣/٣٥ كتاب التهجد. كما ورد في القرآن الكريم إتيانه يوم القيامة ومجيئه، وفي ذلك يقول جل وعلا ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ (البقرة ٢١٠)، وقال ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفجر٢٢) . فهذه الأدلة تدل على أن الله يأتي ويجيء وينزل، فإذا قصد المصنف نفي مثل ذلك بقوله السابق فقوله خطأ، وإذا قصد غير ذلك فإن الأولى التوقف وعدم نفي شيء إلا بدليله الشرعي، حتى لانكون متقولين على الله ﷿ ما لاعلم لنا به، وقد قال جل وعلا ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ الإسراء (٣٦) . أما قوله "من كونه حاضرًا في كل مكان" فإن قصد بعلمه وسمعه وبصره وتدبيره فهو حق، وإن قصد بأن الله بذاته في كل مكان، فهو باطل غير صحيح، لأن الدليل دل على أن الله فوق سماواته على عرشه. قال جل وعلا ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ طه (٥) .
[ ١٧٨ ]
عنه] من عيسى: " إذا جاء رب الكرم"، يقصد به رسوله وحبيبه محمدًاصلى الله عليه وسلم ١، أعظم الرسل من الله سبحانه ﴿ويشهد بمثل ذلك القرآن الشريف بقوله في سورة (الفتح) ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ ٢، وسمي رب الكرم على وجه الاستعارة للمسند إليه، لأن له أُعطيت الأحكام والشريعة،
_________________
(١) ١ قوله "رسوله وحبيبه". لا شك أن رسول الله ﷺ حبيب الله تعالى، فإن الله يحب ويُحَب، كما قال تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ آل عمران (٣١)، وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّه﴾ البقرة (١٦٥) . ومرتبة المحبة حسب ما ورد في الشرع تحصل لأفراد المؤمنين، وليس للنبي ﷺ خصوصية بها، إنما خص النبي ﷺ بمرتبة أعلى منها، وهي مرتبة الخلة، كما قال ﵊ "لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذت ابن أبي قحافة خليلًا ولكن صاحبكم خليل الله". أخرجه م. في فضائل الصحابة،٤/١٨٥٥. قال في الفتح ٧/٢٣: "والخلة أرفع رتبة من المحبة"، وقال في اللسان ٢/١٢٥٢: "الخليل الذي أصفى المودة وأصحها". وأصحاب التصوف والكلام يرون: أن المحبة أرفع من الخلة. انظر: الشفا،١/٢٨٤. ولا شك أن ذلك خلاف ما دل عليه الحديث السابق، فقد أبى ﵊ أن يصف أبا بكر بالخلة، مع أنه وصفه بالمحبة، كما في حديث عمرو بن العاص، أنه لما سأل النبي ﷺ: "من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة، قال: من الرجال؟ قال: أبوها". أخرجه. م في فضائل الصحابة ٤/١٨٥٦. ٢ الفتح ١٠.
[ ١٧٩ ]
وقد تأخر مجيئه حتى يكمل شر اليهود بقتلهم التابعين لعيسى، بل (وكذلك) الكافرين وغيرهم، من الذين غلوا بعيسى ﵇، حتى إنهم تجاوزوا به حدّه (وجعلوه) إلهًا، فلما جاء ﷺ، بعد سيدنا عيسى ﵇ كان الله تعالى معه معاضدًا ومساعدًا، لكونه له رسولًا ونذيرًا، لأنهعليه السلام أهلك الأرديا ﴿الذين أشار عنهم عيسى﴾، وأما سيدنا عيسى فما جاء مرة أخرى حتى يستدل عليه به، ولا غيره أتى بعده وأهلك الأرديا، الذين أشار عنهم هو، و"دفع الكَرْم"، أي: الشريعة، إلى خلافهم، (وإنما) الذي جاء وأهلك الأرديا هو نبينا الكامل ﷺ * وأن الذين عملوا (مفاسد) من عهد عيسى [وماتوا من العصاة إلى زمان نبينا كثيرون]، وأما سيدنا عيسى فلم يقصدهم ولا كانوا كالمرسلين١، بل إنه قصد رجلًا رب كرم، يدفع الكَرْم إلى فعلة آخرين،
_________________
(١) (*) حاشية: (اعلموا أنه قد يتوهم بعض من علماء النصارى ويقولون: إن هذا المجئ هو متعلق بعيسى وإنه سوف يأتي بالقيامة. والحال أن القيامة (إذا قامت يكون) زمان الأعمال والشريعة قد مضى وانتهى وليس يوجد أعمال وشرائع (يؤديها) البشر وهنا عيسى ﵇ يقول: ويدفع الكرم إلى فعلة آخرين ليعطوه ثمرته. فيظهر من قوله هذا أنه يوجد بعد مجئ رب الكرم الذي وعد فيه عيسى زمان (فيه) أعمال وثمار ترجى من البشر، وهي هذه التي ابتدت من حين ظهور محمد ﷺ، الذي نزع الملكوت، وأعطاها لأمته الشريفة حتى يثمروا، كما تنبأ عنهم ههنا عيسى ﵇. وقد اختلف نص الحاشية في. د قليلًا عما هو في. ت. ١ هكذا في النسختين ولم يتبين لي مراده منها.
[ ١٨٠ ]
أعني دفع الكرم الذي هو الشريعة الطاهرة إلى آخرين، الذين هم (ذرية) إسماعيل عوضًا عن بني إسحاق ويعقوب١ ﵈، الذين كانت الشريعة عندهم، وحواريي سيدنا عيسى هم (من نسلهم)، وأما الفعلة الآخرون هم أمة محمد ﷺ وذلك لمطابقة قوله: "إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة لكي يصنعوا ثمرتها"، ولم يقل ههنا لأمم، بل قال: لأمة، لكونه (قصد هنا) الأمة الإسماعيلية، التي أخذت البركة قبل إسحاق عليه السلام٢، التي إمامها ونبيها هو محمد المصطفى ﷺ ومنها٣ تنبث إلى غيرها*.
فمن هنا يتضح أن الجملتين أعني قوله: "ويدفع الكرم إلى فعلة آخرين"، وقوله إذ سمى الكَرْم "ملكوت"، وأنه ينزع منكم ويعطى لأمة يصنعون ثمرته، هما مقولتان من عيسى ﵇ على نبينا ﷺ وأمته
_________________
(١) ١ في. د "عوضًا عن بني إسرائيل". ٢ جاء في. د حاشية ليست في. ت ونصها "لاحظ هذه البركة التي لإسماعيل في سفر التكوين في الإصحاح السادس عشر والسابع عشر، التي ما أخذت مفعولها إلا في ذات شخص سيدنا محمد ﷺ". وهي قريبة من معنى الحاشية الآتية الواردة في. ت. ٣ في. ت "تنبت"، وفي. د "من تنبث"، ويبدو أن صوابها ما أثبت ويكون معناها: من ذرية إسماعيل تنتشر البركة على باقي الأمم. (*) حاشية: (اعلم أنّ البركة المقولة من الله سبحانه في سفر التكوين إلى سيدنا إبراهيم المتعلقة في إسماعيل لم (تتحقق) إلا في المصطفى ﷺ وسليله، التي صدقت عليه هذه البركة مع كل علايمها وعليك في مراجعتها) .
[ ١٨١ ]
الطاهرة، وليس على غيره، ولكي يتأكد أن [هذا] الإعطاء هو لهذه الأمة؛ أضاف إلى ذلك إشعاره بحقارتها من نسب الحجر لها، إذ قد شبهها بحجر مهمل*. [والحق أن (ذرية إسماعيل كانوا) عند بني إسرائيل كحجر مهمل ومرذول عند البنائين، لأن (ذرية إسماعيل كانت متناسلة من أمة، وأبناؤه عند) ١ اخوته إسحاق ويعقوب وخلفه كحجر مرذول عند البنائين] ٢.
ولهذا أورده سيدنا عيسى بهذا القول الذي تنبأ عنه داود سابقًا إذ قال: "الحجر الذي رذله البناؤون هذا صار رأسًا للزاوية" ٣. أعني أن نبينا ﷺ هو الحجر الذي كان ثمينًا وكريمًا في طبيعته، إلا أنه كان عربيًا٤ غريبًا عن بني إسرائيل، وكان غير معدود مع الحجارة الذين هم خلف إسحاق ويعقوب.
(*) حاشية: ليست في. ت "اعلم أن بطرس أحد حواري سيدنا عيسى ﵇ نظرًا (لشدة محبته) لعيسى ﵇ سماه حجرًا، إذ إن التسمية بالحجر مفردًا هي صفة محمودة".
_________________
(١) ١ في. ت العبارة هكذا "إسماعيل وذريته كان متناسلًا من لدمه وبناته مع اخوته"، وفي. د "إسماعيل وذريته كان كتناسلًا من لضمه وبناته مع اخوته". ولامعنى لها ظاهر، وكتبتها حسب مافهمت من النص. ٢ ما بين االقوسين جعله حاشية في نسخة. ت وهو ضمن المتن في. د ويبدو أن الصواب ما في نسخة. د لارتباط الكلام واستقامته. ٣ المزامير ٢٢:١١٨. ٤ في النسختين "أعرابيًا" وصوابها ما أثبت.
[ ١٨٢ ]
فهذا هو المصطفى المكرم الذي اختاره الله سبحانه أن يكون رأسًا للزاوية، لأن [الزاوية من جملة أشكالها] الشكل المثلث للرؤوس المتساوية الجهات، ومعناه أن عيسى وموسى هما رأسان للزاوية شهيران، وحبيبه المصطفىصلى الله عليه وسلم هو الرأس الثالث لهذه الزاوية المشار إليها من عيسى في هذه العبارة، التي هي قوله: "وهذا صار رأسًا للزاوية"، لمطابقة كلام النبي داود الذي أوردناه آنفًا.
وأقول أيضًا إن عيسى ﵇ دُعي من إشعيا: "حجر زاوية"١ كما تراه مصورًا أمامك:-
محمد ﷺ
موسى ﵇ عيسى ﵇
وأشار عنه٢ إشارة أخرى غير الإشارة التي أشارها ﴿داود﴾ وعيسى ﵉ عن نبينا محمد ﷺ بأنه أي عيسى ممتحنًا وكريمًا وأساسًا مطروحًا في صهيون"٣، ولم يقل عنه مثلما قيل من داود وعيسى عن نبينا المصطفى ﷺ، بأنه "الحجر الذي رذله البناؤون هذا صار رأسًا للزاوية". فإذًا قد وضح أن سيدينا عيسى ومحمدًا ﵉ هما رأسان للزاوية متميزان.
_________________
(١) ١ إشعيا ١٦:٢٨. ٢ أي إشعيا. ٣ إشعيا ١٦:٢٨.
[ ١٨٣ ]
فعيسى ﵇ قد تميز من إشعيا إذ وصفه بأنه أساسٌ للزاوية، بمعنى أنه متقدم في الزمان كالبناء، لأن الأساس يتقدم الرأس.
ومحمد رسولنا ﷺ قد تميز، إذ إنه وصف من داود وعيسى ﵉ بأنه رأس للزاوية، بمعنى أنه متأخر في الزمان كالخاتمة.
وذاك في صهيون وكريم وممتحن. وهذا مرذول عند البنّائين، وعجيب في أعيننا.
وقول عيسى ههنا عن الحجر (الممثل به عن) ١ المصطفىصلى الله عليه وسلم، "وأنه عجيب" يطابق قول إشعيا عنه ﷺ أن اسمه عجيب، وسوف ترى شرح ذلك في الشهادة التي تتلو هذه.
وفي هذه الشهادة نكمل الشرح ونقول: إن عيسى ﵇ قال: "إن من قبل الرب كانت هذه وهو عجيب في أعيننا".
فهاهنا أوضح سيدنا عيسى أن نبينا المختارصلى الله عليه وسلم هو رسول الله، ووارد من قبله تعالى حقًا وصدقًا لقوله: "هذا كان من قبل الرب". وبين أيضًا أنه عجيب في أعيننا، فلو كان هذا الكلام (الذي تنبأ به) داود (وكرره) عيسى ﵉ مقصودًا به عيسى ﵇، كما (ظنّه) النصارى (المتأخرون)، لكان واجب [على سيدنا عيسى عندما كرر تلاوته] أن يقول: إنه عجيب في أعينكم، لا أن يقول: إنه عجيب في
_________________
(١) ١ في النسختين "المشبه بالمصطفى" وفصاحتها ما أثبت.
[ ١٨٤ ]
أعيننا، لأن قوله: عجيب في أعيننا، قد أوضح أنه يقول عن سيد الأنام إنه عجيب في عينيّ أنا عيسى أيضًا، كما هو عجيب في أعينكم.
وخاتمة الشهادة هي قوله: "من سقط على هذا الحجر يترضض ومن يسقط عليه يطحنه"، وهذا هو الدليل الأخير*. (الظاهرة عبارته جدًا، أعني نبينا ﷺ هو المشبه بالحجر الذي رض وطحن المخالفين لدينه السامي دون غيره) .
_________________
(١) (*) حاشية: (اعلم أنّ لفظة هذا [هو الدليل الأخير المقيد] باسم الإشارة في قوله: "وهذا الحجر"، وأنه يطحن ويرضض، يستفاد منه أنه مقول عن شخص آخر غير شخص عيسى (القائل الكلام)،لأن عيسى ﵇ لا طحن ولا رض، ولا يجوز عند علماء [القراماتيك باليوناني أي علماء النحو والصرف] أن يعود اسم الإشارة عليه، لكونه هو المتكلم به، [أي أن عيسى هو المتكلم به فلا يجوز أن يعود عليه الضمير]، ﴿بل إنه ينطبق على شخص غير عيسى، لأن عيسى هو المتكلم به، والمشار إليه هو سيد المرسلين ﷺ﴾) .
[ ١٨٥ ]
الشهادة السابعة
إن النبي زكريا١ يقول في الإصحاح الثامن عبارة (دالة دلالة واضحة) ٢ على نبينا محمد ﷺ، وعلى صحابته العشرة الكرام ﵃:
كرآمار ياهواه صيباوت
«هكذا يقول الله رب الجنود»
فيايله هاهيما اشير عسوة اناسيم
«في تلك الأيام يجتمع عشرة رجال»
ماكول لوشونوت هكوييم
«من كل ألسنة الشعوب»
واها حازيقي بختان ايش يااودي
_________________
(١) ١ في النسختين النبي زكريا، والمقصود به زكريا بن برخيا بن عدو، ويعده اليهود والنصارى من الأنبياء وينسبون إليه أحد الأسفار الموجودة في العهد القديم. انظر معجم الحضارات ص٤٤٢، وليس هو النبي زكريا والد يحي ﵉، المذكور في سورة آل عمران ومريم، لأن الأول كان في حدود ٥٢٠ق. م، أما الأخير فهو في الزمن قبيل المسيح ﵇، لأنه كان قد كفل مريم أم المسيح ﵇، والأول لم يثبت عندنا نبوته، فالأولى التوقف في ذلك. ٢ في النسختين كلية الوضوح وفصاحتها ما أثبت.
[ ١٨٦ ]
«ويتمسكون بذيل رجل حميد ١» ٢.
ليامور تيلا خا عماخيم
«ويقولون لنذهب معك»
كه شامسنو ألوهيم عماخيم
«لأننا سمعنا أن الله معك» ٣*.
أقول: إن هذه الشهادة التي رقمناها العبراني (بالحبر الأحمر والعربي بالحبر الأسود) حذرًا من التزوير، تبين لنا بأن نبينا محمدًا ﷺ هو الموضوع الوحيد، (والمؤكد إطلاق) هذه الشهادة عليه من كل جهاته،
_________________
(١) ١ في ن. ع في تلك الأيام يمسك عشرة رجال من جميع ألسنة الأمم، يتمسكون بذيل رجل يهودي، قائلين: نذهب معكم، لأننا سمعنا أن الله معكم. زكريا ٢٣:٨. ٢ في ت. زيادة يعني أبو حميد ولا معنى لها. ٣ اختلف نص هذه النبوءة العبرية في نسخة. د عنه في نسخة. ت بتقديم وتأخير واختلاف في بعض العبارات. * حاشية: اعلم أنّ لفظة عماخيم ولفظة ألوهيم في العبراني: هما مقولتان بصيغة الجمع وأيضًا للتفخيم حينما تطلق على المفرد، ومن القرائن يعلم ذلك، فأما لفظة عماخيم المقولة في هذه الشهادة فمن قرينتها التي هي قوله: تبعوا رجلًا، يستدل على أنها مقولة للفرد على وجه التفخيم، كما في العربي أيضًا يجوز ذلك، وأما لفظة ألوهيم لايوجد لها مثال في العربي على الاطلاق، بل هو اصطلاح اللغة العبرانية فقط [وهي معلوم عند اليهود] .
[ ١٨٧ ]
لأنه أي زكريا قد أفصح بكلامه في هذه النبوءة عن الصحابة الكرام وأن عددهم عشرة، وأنهم من ألسنة ووجوه الشعوب أصحاب القول١، وليسوا من سفاسفها، وأنهم شعوبيون من الأمم، وليسو من اليهود، وعن اسم النبي الكريم ذاته، إذ قال: «هكذا يقول الله رب الأجناد في تلك الأيام يجتمع عشرة رجال من كل ألسنة الشعوب» .
أقول: يا ترى من هم هؤلاء العشرة رجال، الذين وجدوا في العالم، وتبعوا رجلًا، وكانوا هم وهو مشهورين سوى هؤلاء العشرة الصحابة الكرام الأقمار العظام٢، الذين كان نورهم مستفادًا من نور
_________________
(١) ١ يقصد ذوي مكانة عند أهلهم وعشيرتهم. ٢ الصحابة: جمع صحابيّ، والصحابي هو: من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على الإسلام، سواء طالت صحبته أو قصرت. روى الخطيب في الكفاية ص٩٩ بسنده عن الإمام أحمد أنه قال بعد أن ذكر أهل بدر: ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ القرن الذين بعث فيهم، كل من صحبه سنة أو شهرًا أو يومًا أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ماصحبه. كما روي عن البخاري أنه قال: من صحب النبي ﷺ أو رآه فهو من أصحابه. والذين يعدون من الصحابة عدد كبير لا يعلم إحصاءهم إلا الله تعالى، وقد سئل أبو زرعة الرازي عن عدد من روى عن النبي ﷺ سماعًا أو رؤية؟ فقال: توفي النبي ﷺ ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة، كلهم قد روى عنه سماعًا أو رؤية. وقد ترجم ابن عبد البر ﵀ في كتابه الاستيعاب لـ٣٦٢٥ إنسانًا منهم، مابين رجل وامرأة، وقد زاد عليه ابن حجر ﵀ في كتابه الإصابة في أسماء الصحابة، حيث ترجم لـ ١٠٧٣٥ رجلًا منهم و١٥٤٥امرأة، وكان ﵀ قد قال في أول كتابه ١/٤ فجمعت كتابًا كبيرًا في ذلك ميزت فيه الصحابة من غيرهم، ومع ذلك فلم يحصل لنا يقصد هو ومن سبقه من العلماء من ذلك جميعًا الوقوف على العشر من أسامي الصحابة. ولعل مراد المصنف ﵀ بـ العشرة الصحابة الكرام العشرة المبشرون بالجنة، وهم كما روي عن سعيد بن زيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة وطلحة في الجنة والزبير في الجنة وعبد الرحمن بن عوف في الجنة وسعيد ابن زيد بن عمرو بن نفيل في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة". السنة لابن أبي عاصم ٢/٦٠٥. فهؤلاء العشرة هم أفضل الصحابة كما قال شارح الطحاوية ﵀ ص ٤٨٨ بعد أن ذكر فضائل هؤلاء العشرة. وقد اتفق أهل السنة على تعظيم هؤلاء العشرة وتقديمهم، لما اشتهر من فضائلهم ومناقبهم. فلعل مراد المصنف بقوله السابق هؤلاء العشرة من الصحابة، والله أعلم.
[ ١٨٨ ]
شمس سيدنا محمد ﷺ، وتمسكوا به وذهبوا معه ونادوه بلسان حالهم؛ فلنذهب معك يارسول الله، لأننا علمنا أن الله معك١.
فهذا المعنى مكشوف وظاهر من عين ذاته ومطابق للنبوءة جدًا، من كون أن زكريا تنبأ عن ظهور عشرة رجال يتمسكون بذيل رجل، والصحابة كانوا عشرة في العدد، وتبعوا نبينا محمدًا (ﷺ)، واعترفوا بأن الله [تعالى] معه، وهؤلاء ما وجد غيرهم من عهد آدم إلى الآن، ولا سُمع
_________________
(١) ١ في. د حاشية هنا ليست في. ت وهي قوله: اعلم أن هذه الشهادة كلما قرئت من النصارى مع ضعف ترجمتها كنت أرى أكثرهم منقسمين الأفكار فيها، ويخط في ذهن أذكيائهم عنها بأنها مشيرة على المصطفى المختار، لكون صحابته مشهورين عندهم، وأن عددهم عشرة.
[ ١٨٩ ]
بأن عشرة رجال تمسكوا في ذيل رجل وتبعوه سوى أولئك العشرة من الصحابةرضي الله عنهم. وبلا شك أن هذه الشهادة هي منطبقة عليهم على كل حال.
وأما قوله عن العشرة رجال: إنهم يتجمعون من كل ألسنة الشعوب:
أقول: إن الشعوب هم القبائل الخارجون عن بني إسرائيل، لأنه إلى هذا الزمان يسمون عند اليهود «هكوييم» (أي الشعوبيين الأممين)، وأما ألسنة الشعوب، فهم المتكلمون في الشعوب، أصحاب القول وذوي الرأي السديد، كما جاء معنى «لوشونوت» في القاموس العبراني الذي يسمى «شوراشيم» .
وأما قوله عن العشرة رجال يتمسكون بذيل رجل [اسمه] ١ حَمِيد: فلفظة حميد هي: اسم نبينا محمد، وهي في العبراني على وزن فَعِيل، وهذا الفعل بهذا الوزن يقصد فيه (معنيين: اسم فاعل، واسم مفعول) ٢، أي أنه يشتق من اسم حميد اسمان: اسم حامد واسم محمود. وهذه المشتقات هي من أسمائه الشريفة، لأنه أي المصطفى كان يسمى
_________________
(١) ١ وردت بعد هذه اللفظة في نسخة. د حاشية، هي الحاشية الواردة بعد قليل، مع تقديم وتأخير في الكلمات. ٢ ما بين القوسين في النسختين هكذا محل نائبين نائب فاعل ونائب مفعول وصوابها ما أثبت.
[ ١٩٠ ]
في زمان (صباه) ١: حميدًا٢، وذلك للتنويع، كما تنبأ عنه زكريا مع تسميته «أحمد محمدًا»، وذلك بوجه التفضيل والمبالغة، كقولك عن الكبير أكبر، وعن الحميد أحمد، وبالحق إنه حميد، لأن الله تعالى قد سبق وهيأ له هذا الاسم الكريم، الذي هو من جملة أسمائه تعالى السنية *.
وحيث إن هذا الاسم الشريف هو مكتوب من زكريا باللغة العبرانية، ومضمونه عن النبي الهادي، [فكان] علماء اليهود يترجمونه بلفظه العبراني، ويقرأونه عبراني في اللغة العربية معربًا [كلفظة إبراهيم وإسحاق وباقي الأسماء الغريبة، ويسمى علم أعجمي]، ويشرحون معناه على ما هو عليه في الاصطلاح النسبي، لا على ما هو عليه من أصول اللغة العبرانية إذا ترجمت إلى أصول اللغة العربية، بل كانوا يبقونه بلفظه العبراني، وكذا قد ترجمت هذه اللفظة إلى اليوناني واللاّتيني وغيرهما من اللغات بلفظها العبراني كما إلى العربي.
فالنصارى الذين ترجمت إلى لغاتهم هذه الكلمة بلفظها العبراني، كانوا يفهمونها عن اليهود مثل اليهود، على ما هي عليه بالاصطلاح
_________________
(١) ١ في النسختين صبوته ولامعنى لها وصوابها ما أثبت. ٢ لم أقف على من ذكر هذا، وإذا كان النص كما ذكر المصنف يتمسكون بذيل رجل حميد، فيكون اسم حميد وصفًا لرجل، وذلك سواء كان معناه رجل حامد أو رجل محمود، فكل ذلك ينطبق على رسول الله ﷺ أحمد ومحمد. * حاشية: اعلم أنّ لفظة اسم حميد هو من جملة أسماء الله، وفي هذه الجملة على موجب اللغة العبرانية لها محذوف مقدر أي اسمه أحمد
[ ١٩١ ]
النسبي، لا على ما هي عليه من أصول اللغة العبرانية كما قررنا، ولا أدركوا من أين اشتقت هذه الكلمة، وأنها اسم لنبينا الأعظم، حتى أني أنا الفقير أيضًا كنت قرأتها جملة سنين وأتسلمها وأفهمها، كما يفهمها اليهود والنصارى لحد الآن على موجب الاصطلاح النسبي، لا على أصول اللغة العبرانية المنزلة فيها، بحيث إنها لا تقبل الوجهين إلا بمفردها لا بقرائنها١.
ولما حصلت٢ على كتب قواعد اللغة العبرانية التي كانت معدومة عند النصارى المتقدمين عنا في الزمان، ووجودها نادر أيضًا عند اليهود، بسبب أن المطابع لم تكن وجدت بعد، وقفت على هذه الأصول السنية عن جملة علماء من علماء الكتابين، وفهمت معنى هذه اللفظة، وأنها تقبل الوجهين إذا كانت بمفردها*. (عدا أن في جميع النسخ السريانية قد وجد عوض هذا، أي عوض لفظة «يااودي» لفظة «يهوذا»، وهذه أعني:
_________________
(١) ١ في. د لايقرائتها. ٢ في. ت ولاحصلت. * حاشية: اعلم أنّ معنى كلام المؤلف أنه وجدت هذه اللفظة أي يااودي في هذه الجملة، فلا عادت تقبل إلا الوجه الواحد وهو حميد، وذلك استنادًا على القرائن المطابقة عليها. وقد اختلف نص الحاشية في. د كما يلي اعلم أن قوله أنها تقبل الوجهين إذا كانت بمفردها، أي إنها تقبل أن تترجم ياأودي كمثل باقي الأسماء المفردة تعريب، كما مر من كلام المؤلف كإبراهيم وإسحاق، وتقبل أيضًا أن تترجم حميد، ولكن في هذه الجملة المقولة من زكريا من حيث وجود القرائن المتعلقة فيها فما عادت تقبل إلا الوجه الواحد هو حميد.
[ ١٩٢ ]
لفظة يهوذا، إذا ترجمت إلى اللغة العربية حرفًا بحرف هي أحمد١، وهو اسم نبينا الشهير والعلم، وقد نقل بالتأكيد أن زكريا كتب نبوءته التي فيها هذه الشهادة بالسرياني لما كان مسبيًا في بابل٢. وبهذا الوجه لا حاجة إلى شهود) .
(وهذه الشهادة إذا فهمها أحدهم مصادفة) كنت (أراه) يفكر في أيما نبي من الأنبياء (قصد) بها، مع أنها اسم لنبينا المصطفى، وذلك لأنه لا يعرف إلا اسم نبينا الذي هو أحمد أو محمد فقط على ظاهر الأمر، ولم يدرك أن أسماء نبينا ﷺ محمد أو أحمد هما مشتقان من اسم حميد، وأن اسم حميد هو نفس اسم أحمد. و(بسبب) هذه الوجوه المشروحة، مع خبث بعض حاخاميم اليهود قد بقي اسم نبينا المصطفى ﷺ مخبأً تحت هذه الستور، والذي يريد أن يحقق ذلك فليراجع هذه اللفظة في القاموس العبراني المسمى «شوراش»، وفي كتاب الصرف والنحو المسمى عندهم «دودوق» في تصاريف اسم يهوذا واشتقاقاته، وليزيل عنه ظلمة
_________________
(١) ١ هكذا قال في القاموس: يهوذا اسم عبري معناه حمد. انظر: قاموس الكتاب المقدس ص ١٠٨٥. ٢ قال في القاموس: وقد تنبأ زكريا في الشهر الثامن من السنة الثانية لداريوس الملك الفارسي، وذلك في غضون المدة التي أذن فيها لرجال يهوذا أن يرجعوا من سبي بابل. قاموس الكتاب المقدس ص ٤٢٨.
[ ١٩٣ ]
الغشاوة*، وليعلم أن هذه النبوءة هي منطبقة على النبي المختار ﷺ (من أربعة أوجه):ـ
أولًا: من عدد صحابته العشرة الكرام [رضي الله تعالى عنهم] .
ثانيًا: أنهم كانوا من الأمم «هكوييم»، وليس هم من بني إسرائيل.
ثالثًا: (أنهم) كانوا من ألسنة ووجوه الشعوب، وليس هم صيادي سمك.
رابعًا: إن الذي تبعوه كان اسمه حميدًا أحمد، وهو النبي أبو القاسم ﷺ، فعيسى ﵇ ماكان اسمه حميدًا أحمد، والذين تبعوه كانوا صيادي سمك فقراء، [وليسو من ألسنة الناس، ووجوه الشعوب، وكانوا يهودا]، وليسو هم من الأمم شعوبيين، وكان عددهم اثني عشر نفرًا، وليسو عشرة، كما تنبأ عنهم زكريا، وبهذا كفاية، لأن التعويل على شهادة
_________________
(١) * حاشية: في. د وليست في. ت وهي اعلم أيها المطالع لهذه الشهادة الجوهرية الفريدة، أنه وجد في التوراة بخط اليد قديمة التاريخ باللغة السريانية، وبالأصح هي التي كتب النبي زكريا بنبواته فيها لما كان في بابل بالسبي، مكتوبًا بصراحة عوضًا عن لفظة يا أودي الموجودة في اللغة العبرانية، التي استخدمها المؤلف ﵀ ومبدلة بلفظة يهوذا، ولفظة يهوذا هي بالعربي أحمد، وهو اسم نبينا العلم الظاهر، ولايلزم شرح لذلك، لأن القرآن الشريف في سورة الصف يقول: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ . فلا حاجة بنا لشهود من بعد هذه الشهادة.
[ ١٩٤ ]
الحال، أي الشئ المنظور الواقع هو (المساعد الأكبر على تحقيق) شهادة المقال، وهذه الشهادة هي المطابقة لقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيل﴾ ١ وقوله تعالى أيضًا عن أن عيسى ﵇ قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ٢.
ثم مرادي الآن أن أسمي هذه الشهادة (التوأم) ٣، بإضافتي لها شهادة أخرى تجانسها من إشعيا النبي.
أقول: إن إشعيا قد قال في الإصحاح التاسع في العدد السادس:
كه يلد بلاد لانوبين نتان.
«إن ولدًا انولد لنا، ابنًا انعطى لنا» .
ويتهى هم اسراه على شيخيمو رنيتاراسيموبيله.
«وتكون سيادته على كتفه*، ويدعى اسمه عجيبًا» .
يوعموايل فبورا باعاد سار شلوم.
«طايقًا جبارًا، أبا الأخير سيد سلام» .
_________________
(١) ١ الأعراف آية ٣٧. ٢ الصف آية ٦. ٣ في النسختين قال: التومية، فلعله يقصد التوأم كما أثبت. والله أعلم. * حاشية: إن في العبراني هذه الجملة لها محذوف مقدر، وهو لفظة علامة، أي وتكون علامة سيادته على كتفه. وهذه الحاشية ليست في. د.
[ ١٩٥ ]
ليماريه هم سراه ولشلوم ابن قيس.
«ليكثر سلطانه ولسلام ليس قياس» .
علكسه دافيد وعلى مملكته ليهاحيم.
«على كرسي داود وعلى مملكته يجلس» .
اوتاه ولساعداه به شناط وبمصداقاه.
«يرتبها وليساعدها بالعدل وبالصدقة التي هي الفضل»
والحقيقة أن هذه الشهادة يرى العقل السليم أن فيها مطابقة كلية على سيدنا محمد ﷺ دون غيره من الأنبياء، إذ إن إشعيا يقول فيها:
أولًا: إنه قد انولد لنا ولد، وأن سيادته على كتفه، فنبينا المصطفى ﷺ هو الذي كانت سيادته على كتفه، متعلقة في ذراعه وسيفه، ولم يأخذها بالميراث، وذراعه وسيفه هما متعلقان في كتفه وفي فروسيته٢، كما أخبر عنه إشعيا. [هذا على وجه المجاز، وأما على وجه الحقيقة، فنبينا
_________________
(١) ١ في ن. ع ورد النص هكذا لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابنًا وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيبًا إلها قديرًا أبًا أبديًا رئيس السلام، لنمو رياسته وللسلام لا نهاية على كرسي داود، وعلى مملكته، ليثبتها ويعضدها بالحق والبر من الآن إلى الأبد. ٢ سبق حديث ابن عمر ﵁ وفيه وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري. انظر الشهادة الرابعة.
[ ١٩٦ ]
ﷺ كان على كتفه علامة، وهي شامة كبيرة شهيرة١ و(مكشوفة) ٢.
ولا يلزم لها برهان، لكونها شائعة وصلت إلينا بالتواتر وسطرت في أخباره الشريفة، واسمها ختم النبوة، أي علامة]
وثانيًا: يقول إشعيا إنه «يدعى اسمه عجيبًا»، [ولفظة العجيب هي من جملة أسمائه الشريفة]، (لأنه مامن أحد من الأنبياء سلفًا، ولا من جميع بني إسرائيل تسمى باسمه الشريف، أي أنه تسمى أحمد، محمدًا، حميدًا، محمودًا، والعجب الأخير أيضًا من كونه من سلالة إسماعيل العربي، الذي ماقام منهم سواه واحدًا وحيدًا) .
وعدا ذلك أن لفظة «عجيبًا» قد وجدت في التوراة اليونانية «رسولًا» ٣، ولفظة «رسول» يستحقها أيضًا، لأنها هي الاسم (الغالب)
_________________
(١) ١ روى مسلم في صحيحه عن جابر بن سمرة ﵁ قال: "رأيت خاتمًا في ظهر رسول الله ﷺ كأنه بيضة حمام"، وعن السائب بن يزيد قال: "ذهبت بي خالتي إلى رسول الله ﵊ فقالت: يارسول الله: إن ابن أختي وجع، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثم توضأ فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتمه بين كتفيه مثل زر الحجلة". صحيح مسلم، الفضائل ٤/١٨٢٣. وزر الحجلة: هو بيت كالقبة لها إزرار كبار عري، وقيل: الحجلة الطائر، وزر الحجلة يعني بيضه. انظر هامش صحيح مسلم ٤/١٨٢٣. ٢ وردت في النص مكتوبة وصوابها ما أثبت. ٣ في نسخة الملك جيمس الطبعة الإنجليزية: and his name shall be called wonderful وترجمتها وسوف يدعى اسمه عجيبًا، وفي New American Bible مثله، حيث قال They name him wonder، وتعني يسمونه عجيب.
[ ١٩٧ ]
عليه، والشهير به، والمختص به دون غيره من الأنبياء، ومكررًا عليه كرات عديدة كلفظ نبي١، ثم أيضًا سماه إشعيا «مشاورًا»، وذلك مطابق لما سماه الله تعالى في القرآن الشريف بقوله له: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْر﴾ ٢ فهو مشاور، ثم دعاه إشعيا أيضًا «جبارًا طايقًا»، وهذه الأسماء مع ما تقدمها هي من أسمائه الشريفة، وقد تجدها حرفيًا في كتاب «دلائل الخيرات» ٣ مجمعة من الكتاب والسنة.
_________________
(١) ١ وصف النبي محمد ﷺ بـ الرسول، ورسول ورد في القرآن الكريم خمسًا وسبعين مرة، أما وصفه بالنبي فقد وردت خمسًا وثلاثين مرة. ٢ آل عمران آية ١٥٩. ٣ يقصد الأسماء أحمد ومحمد وحميد، التي تعني حامد ومحمود ورسول، فكلها موجودة في كتاب دلائل الخيرات. انظر من ص ٣٧-٤٩. وكذلك اسم جبار، إلا أن اسم جبار لا أعرف له مستندًا شرعيًا ينص عليه، بل قد نفاه الله تعالى عن نبيه، كما قال تعالى ﴿وما أنت عليهم بجبار﴾ ق ٤٥. قال القرطبي: أي بمسلط تجبرهم على الإسلام. إلا إن قصد في معناها شدته على أهل الكفر والضلالة، وهذا يفهم من قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ التوبة٩، وكذلك قوله تعالى عن نبيه ﷺ وأصحابه ﵃ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ الفتح ٢٩، أو قصد بها شجاعته ﵊، فقد كان كما قال ابن عمر ﵄ ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود من رسول الله ﷺ. أخرجه الدارمي في سننه،١/٣٣. وقد ذكر هذا الاسم للنبي ﷺ القاضي عياض في الشفا،١/٣٢٧، واستند في ذلك على ما ورد في كتاب داود، ويقصد به المزامير، وأنه ورد فيه تقلد أيها الجبار سيفك. وقال: معناه في حق النبي ﷺ، إما لإصلاحه الأمة بالهداية والتعليم، أو لقهره أعدائه، أو لعلو منزلته على البشر، وعظيم خطره. أما قوله طايق فإن قصد بها القوة، فإن صاحب دلائل الخيرات قد ذكرها ص٤٥، وقد كان ﵊ موصوفًا بالقوة الجسمانية، فقد ذكر ابن هشام،٢/٢٨: "أن ركانة بن عبد يزيد كان من رجالات قريش، خلا بالنبي ﷺ في بعض شعاب مكة، فدعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فقال: إني لو أعلم الذي تقول حقًا لاتبعتك، فقال له رسول الله ﷺ: "أفرأيت إن صرعتك أتعلم أن ما أقول حقًا؟ قال: نعم، فصارعه النبي ﷺ فصرعه النبي ﷺ مرتين، حتى لا يملك من أمره شيئًا".
[ ١٩٨ ]
وثالثًا: أن إشعيا قد قال عنه بأنه «أب الأخير» وفي الحقيقة أنه صار أبًا، واستولى على الدهر الأخير، فهو خاتم الأنبياء والمرسلين، لأنه لم يقم بعده ﷺ نبي١.
ورابعًا: قد قال عنه إشعيا أنه «سيد السلام»، أعني أنه رئيس الإسلام والمسلمين، الذين هم الأمة المخلصة الدين، والحب لله تعالى، وأهل الوداد والعهود، أعني السلام والتسليم، وأشار إشعيا بلفظة «سلام»
_________________
(١) ١ في. ن. ع. قال: أبًا أبديًا ويؤيد قول المصنف ﵀ حديث سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "بعثت أنا والساعة كهاتين ويشير بأصبعيه فيمدهما". أخرجه البخاري في كتاب الرقاق. انظر صحيح البخاري مع فتح الباري ١١/٣٤٧، ومعنى ذلك شدة التقارب بينهما كما بين السبابة والوسطى، وأنه رسول الساعة ﵊، فليس بعده نبي. انظر الفتح الموضع السابق. ووصف الأبوة للزمان الأخير تنطبق على النبي ﷺ لما في الأبوة من معاني الرحمة والتعليم والهداية والحرص على إيصال الخير للأبناء ودعوتهم إليه. وهذه الصفات موجودة في في النبي ﷺ على أكمل وجه. والله أعلم.
[ ١٩٩ ]
من كون لفظة «سلام» هي كقطب دائرة، تجمع إليها من خطوطها سائر تصاريف السلام مع اشتقاقاته، من كونها مصدرًا لتفريع معانيه، ونبينا المختار دعي رئيسًا لهذا القطب، أي أنه رئيس ليس لدين الإسلام والمسلمين فقط، بل هو رئيس لجميع فروع السلام، كما نعت بها في القرآن الشريف مرارًا ١، مثلما قال عنه إشعيا.
_________________
(١) ١ من ذلك قوله ﷿ ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ آل عمران آية ٢٠، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ الأنعام آية ١٦٢، وقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ البقرة آية٢٠٨.والآيات غيرها كثيرة جدا.
[ ٢٠٠ ]
وخامسًا: قد قال عنه إشعيا «ليكثر سلطانه» ١، وهذا القول قد ورد في سفر التكوين إلى سيدنا إبراهيم وللسيدة هاجر عن رئاسة نسل سيدنا إسماعيل، الذي منه سيدنا محمد ﷺ ٢*.
وسادسًا: قد أفادنا إشعيا عن دوام دين الإسلام بقوله: «ولسلام ليس له حد وقياس» . وهذه نبوءة صريحة بأن دين الإسلام [يبقى] إلى انتهاء (العالم) .
وسابعًا: قد قال إشعيا بأن نبينا يجلس على كرسي داود، وعلى مملكته، ليرتبها ويساعدها بالعدل والاحسان، الذي هو الحنو، وحيث إن كرسي داود وسلالة ملكه قد فنوا قبل مجئ عيسى بزمان طويل٣ *، واستولى عليها
_________________
(١) ١ في. ن. ع. قال: لنمو رياسته وللسلام. ٢ وذلك فيما ذكروا في التكوين ٢٠:١ وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه هاأنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرًا جدًا اثنى عشر رئيسًا يلد وأجعله أمة كبيرة. * حاشية: إن سلطنة النصرانية ما كانت دليلًا على دين عيسى، لأنها قامت بعد تاريخ عيسى بأكثر من ثلاثمائة سنة، وأما سلطنة نبينا فقد صارت دليلًا كافيًا فقد انتشرت بنورها حالًا في شخصه السامي فعليًا، كما قال عنها إشعيا النبي (في هذه الشهادة، وثانيًا من عدم مطابقتها على عيسى، من حيث إن إشعيا يذكر عن المنبأ عنه بأن له ملك دنيوي وأنه يجلس ويقوم بالعدل والإفضال. فعيسى ما كان له ملك دنيوي، لأنه قال: إن مملكتي ليست من هذا العالم، ولا كان له شريعة عدلية وفضلية معا كما قالت النبوءة، بل محمد ﷺ الذي كانت له هذه الشريعة مع السلطة السامية) . ٣ وذلك فيما قبل سنة ٥٨٦ق. م حين هجم بختنصر الملك الكلداني على دولة يهوذا، وأسر آخر ملوكها وهو صدقيا، وأخذ مقيدًا بالسلاسل بعد أن قتلوا أبناءه أمام عينيه، ثم قلعوا عينيه وقتلوه وقتلوا أناسًا كثيرين، ودمروا أورشليم وهدموا أسوارها وهيكلها وسبوا اليهود إلى بابل، وبهذا انتهت تلك الدولة، وانتهى ملك آل داود. الملوك الثاني٢٥، تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم ص٢٠٩. * حاشية: اعلم أنّ انقضاء مملكة سلالة داود كانت قبل مولد عيسى بنحو خمسمائة وثمان وثمانون سنة، واستولت عليها البابليون ثم الرومانيون [وعيسى ما جلس عليها ولاملك]
[ ٢٠١ ]
الرومانيون قبل زمان عيسى، وفي زمانه، وبعد زمانه، فلزم أن يكون هذا الجلوس على وجه الاستعارة، أي أنه يقصد منه الجلوس والترتيب والمساعدة من رجل صالح مؤمن بالله، وصاحب شريعة يجري في شريعته العدل والفضل، وليس معناه أن يكون كطيباريوس الروماني١، أو كأوغسطس قيصر الوثني٢، الذَيْن كانا متملكين على كرسي داود فعليًا، في زمان عيسى، وكانا بعيدين من شريعة عيسى وموسى، لأن كلام إشعيا إنما هو عن مجئ رجل يجمع الشريعتين، أعني: شريعة موسى العدلية، وشريعة عيسى الفضلية، ويجعل لكل منهما مركزًا، بحيث أن كل واحدة منهما مفتقرة إلى الأخرى.
_________________
(١) ١ طيباريوس قيصر: الإمبراطور الروماني الثاني الوثني، وكانت فلسطين تحت حكمه، وفي زمانه بعث المسيح ﵇، ومات سنة ٣٧م. انظر: قاموس الكتاب المقدس ص٥٨٤. ٢ أوغسطس قيصر:، وهو أول إمبراطور روماني، وكان وثنيًا، وكانت فلسطين تحت حكمه، وفي زمانه ولد المسيح ﵇، ومات سنة ١٤م. انظر: قاموس الكتاب المقدس ص١٣٧.
[ ٢٠٢ ]
ونرى ذلك الترتيب عيانًا في شريعة نبينا محمد ﷺ، المرتبة من العدل والفضل، كما جاء في قوله تعالى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ ١.
فهنا في قوله تعالى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ قد استعمل الشريعة العدلية، وأمافي قوله ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ فقد أفادنا عن الشريعة الفضلية المفوضة إلى إرادة الإنسان، ومن قوله تعالى ﴿الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ ٢ وَالسِّنَّ بِالسِّن﴾، وباقي غلاقة القول العدلي قد أضاف إليه القول التصدقي أي الفضلي بقوله تعالى غِبْ ذلك٣ ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ ٤.
وهذا القول الشريف المركب من العدل والاحسان، أي التصدق الجامع بين الشريعتين السابقتين (الذي كان في أصل شريعة موسى
_________________
(١) ١ الشورى آية ٤٠. ٢ في النسختين العين بالعين والسن بالسن. ٣ أي بعد ذلك. انظر المعجم الوسيط ٢/٦٤١. ٤ المائدة آية ٤٥.
[ ٢٠٣ ]
وانمحى) ١ ينطبق على نبوءة إشعيا هذه، القائلة عن المتنبأ عنه: إن إتيانه يكون بالعدل وبالصدقة*.
وهذه المعاني هكذا كان يفهمها النصارى واليهود القدماء، وكانوا يسلمونها اسلامًا خالصًا٢. وأما النصارى المتأخرون (فيصرفونها إلى) ٣ عيسى ﵇، والحال أنها لا تنطبق عليه.
أولًا: لأنه ماكان لعيسى رئاسة مرتبطة في قوة كتفه المتعلق فيه ذراعه وسيفه، بل إنه كان خاليًا من الرئاسة مطلقًا [ولا كان له في كتفه
_________________
(١) ١ يؤيد قوله هنا أن أول الآية السابقة قوله ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، ويقصد كتبنا على بني إسرائيل في التوراة. * حاشية: اعلم أنّ علماء اليهود يترجمون هذه الجملة خلاف أصلها العبراني الذي شرحه المؤلف [عن قاموس اللغة العبرانية وقواعدها]، لأنهم يترجمونها [أي أحبار اليهود إلى الآن] بالعدل وبالإنصاف كونها من جنس واحد، وإذا سأل أحد ما السبب الذي أحوجكم لدفع لفظة التصدق وبدلتموها بالانصاف، فيجيبون أن العدل لايواسيه التصدق، أي أن العدل والفضل لايجتمعان، ولم يدركوا هذا السر الإلهي الذي الله ﷾ قد أوحى به إلى إشعيا، إذ كان مزمعًا أن يضعه في شريعته المحمدية الجامعة للوجهين، أعني الفارضة العدل، والمفوضة التصدق [كما قال المؤلف ﵀] . ٢ في. د هكذا الذين كانوا يسلمون إسلامًا خالصًا. ومراده: أنهم يسلمون معناها السابق الذكر. ٣ في النسختين فقد يفسرونها عن، وصوابها ما أثبت.
[ ٢٠٤ ]
علامة شامة كبيرة (مكشوفة) كالمصطفى ﷺ] ١، وكان دائمًا يتخوف ويتهرب، كما يخبر عنه إنجيلهم٢، ومحكومًا عليه.
ثانيًا: أن سيدنا عيسى المسمى عندهم «يسوع» لم يكن اسمه «عجيبًا»، لأنه قد سبقه من كان باسمه (من الأنبياء)، وهو يشوع بن نون*، وخلافه كثيرون٣، ومع ذلك فنرى أن لفظة «اسمه عجيبًا» قد انطبقت على نبينا المصطفى ﷺ من كل جهاتها، لأنه من عهد آدم إلى الآن ما خرج نبي من الأنبياء اسمه أحمد، محمد، وأعجب من ذلك خروج هذا النبي الكريم من بني إسماعيل، في قبيلة معدومة الأنبياء٤، عدا أن هذا الاسم الذي هو «عجيبًا» هو من جملة أسمائه، وتراه مندرجًا في «دلائل
_________________
(١) ١ في. ت مكان مابين القوسين أعاد فيه الجملة وهي قوله وكان خاليًا من رئاسة. ٢ انظر يوحنا ١٥:٦. * حاشية: اعلم أنّ لفظة يشوع هي عبرانية، ولما ترجموها من العبراني إلى اليوناني كتبوها ايسوس، ولما ترجموها من اليوناني إلى العربي عربوها يسوع، وأما حقيقة [ترجمتها في العربي هي مخلص]، وكثيرون هم الذين يتسمون بها إلى الآن عند اليهود في اللغة العبرية.. ٣ أي غير يشوع بن نون كثيرون تسموا بهذا الاسم، وقد ذكر صاحب قاموس الكتاب المقدس ص١٠٧١ اثنى عشر رجلًا قبل المسيح تسموا بهذا الاسم. ٤ في. د من قبيلة معدومة كثرة الأنبياء، أعني: أنها ليست مثل بني إسرائيل الكثيري الأنبياء.
[ ٢٠٥ ]
الخيرات» ١، ولهذا قد دعى إشعيا اسمه «عجيبًا»، وقد صادق على ذلك، أي على قوله: «عجيبًا» عيسى بقوله: «وهو عجيب في أعيننا» ٢، وما كان عيسى جبارًا مثل المصطفى، بل إنه كان يتظاهر دائمًا بأنه كان ضعيفًا فقيرًا.
وإن قيل عنه من النصارى إنه كان جبارًا بلاهوته وليس بناسوته: فأقول: إننا نقضنا هذا الوجه نقضًا كافيًا فيما سلف، وأنه ليس فيه لاهوت٣، والآن نقول أيضًا: إن كان سيدنا عيسى جبارًا بحسب لاهوته المتحد فيه ناسوته، فلماذا عندما تضيق وتحزن وبضجيج توسل وبخوار صوت وأظهر ضعف الإنسانية انحدر ملاك من السماء مقويًا له٤؟ كما أخبر إنجيلهم، وأين كان جبروت لاهوته، ولماذا ماصبّر لاهوته ناسوته على التضييق وقواه؟ بل إنه افتقر إلى ملاك ليقويه، مع أن هذا الافتقار والمساعدة
_________________
(١) ١ لم أقف عليه في الطبعة الموجودة بين يدي من دلائل الخيرات. ٢ انظر الشهادة السادسة. ٣ انظر البيان رقم ٦ من الباب الأول. ٤ يشير إلى ماذكره لوقا عن آخر ليلة للمسيح ﵇ فيما قالوا: إن المسيح ﵇ انفصل عن تلاميذه نحو رمية بحجر، وجثا على ركبتيه وصلى قائلًا: يا أبتاه إن شئت أن تجيز عني هذه الكأس، ولكن لتكن لا إرادتي بل إرادتك، وظهر له ملاك من السماء يقويه، وإذ كان في جهاد كان يصلي بأشد لجاجة، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض لوقا ٢٢: ٤١ -٤٤.
[ ٢٠٦ ]
خلاف افتقاراته الطبيعية ومساعداتها. وأيضًا مادعي عيسى «مشاورًا» ولا تسمى بهذا الاسم على الإطلاق.
ثالثًا: أن عيسى ما كان أبا الأخير١، بل كان متوسطًا فيما بين موسى ونبينا ﵉ وعليه البركات.
رابعًا: أن عيسى ما كان رئيس سلام كما قال إشعيا، بل كان رئيس الأمة المسيحية٢، وأما رئيس سلام أي رئيس الإسلام فقد كان محمدًا المصطفى ﷺ.
خامسًا: أن عيسى لم يكثر سلطانه كما تنبأ عنه إشعيا، بل إنه ما كان له ملك أبدًا، لأن اليهود لما أرادوا أن يخطفوه ويصيروه ملكًا هرب٣ *.
_________________
(١) ١ يقصد أن المسيح ﵇ ليس هو من ختمت به النبوة واستمرت إمامته على الدنيا إلى آخر الزمان، وإنما كان هذا للنبي ﵊. ٢ إطلاق اسم السيحية على أتباع المسيح غير صحيح، لأنهم في حقيقة الأمر أتباع لبولس وليسوا أتباعًا للمسيح ﵇، فقد حرفوا رسالة المسيح ﵇ وغيروها، وليس المسيح ﵇ رئيسًا عليهم، فهو بريئ منهم، وإنما هو من المسلمين، كما قال الله تعالى عن الحواريين: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ آل عمران ٥٢. ٣ انظر يوحنا ١٥:٦. * حاشية: اعلم أنّ الإنجيلي لم يشرح لنا كيف أرادوا أن يقيموه ملكًا، وكم واحدًا من اليهود الذين كانوا يحبون عيسى وأرادوا أن يصيروه ملكًا، مع أن كل كبراء اليهود وعظمائهم الذين بيدهم الأمور كانوا يبغضونه، وأما المحبون له فكانوا من العوام، والعجب فيهم أنهم كيف تجرؤا على الحاكم الروماني، ولم يخشوا كبراءهم ورؤساء ديانتهم. وهذه الحاشية ليست في. د، وقد كتب في. د حاشية أيضًا ليست في. ت وهي اعلم أن من قول المؤلف الذي شرحه يتحقق أن السلطان الذي ذكره إشعيا هنا إنما تحقق في شخص محمد ﵊، وإن اعترض النصارى بأن نبينا محمدًا ﷺ ما جلس على كرسي داود وعلى مملكته، كما قيل في غلاقة هذه الشهادة، فنجيبهم أنتم تسحبون هذه الشهادة إلى عيسى، وعيسى لم يجلس على كرسي داود، لأنه في زمن عيسى كان هيرودوس جالسًا عن طيباروس قيصر، وحيث إنها لا تنطبق العبارة على الاثنين حقيقة، فيلزم أن تطلق مجازًا على نبينا محمد ﵊، لأنه هو الذي قوم مملكة داود، إذ إنه الذي جاء بشريعة العدل والتصدق، وتشهد عل صحة إطلاقها عليه القرائن التي تقدم شرحها من المؤلف رحمه الله تعالى في بيان معانيها بالتفصيل.
[ ٢٠٧ ]
سادسًا: أن سيدنا عيسى ما كانت شريعته عدلية وفضلية، كما تنبأ إشعيا في هذه النبوءة، بل كانت شريعته فضلية فقط، وأما الذي انطبقت عليه هذه النبوءة وجاء بالشريعة المرتبة بالعدل والإحسان هو أبو القاسم محمد، خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ.
فإذا كان إشعيا تنبأ عن رجل يكون إتيانه بهذه الصفات المشروحة، أي إنه يكون صاحب شريعة ممتزجة من العدل والفضل، وصاحب حكم وتملك١ [والأب] الأخير الذي لم يعقبه نبي آخر غيره، ورئيس سلام، أعني: رئيس الإسلام والمسلمين، ومشاورًا، وجبارًا، [وطائقًا] وعجيبًا اسمه، [وصاحب علامة على كتفه المتعلقة برئاسته الدالة عليه دون غيره، الذي إما على وجه المجاز
_________________
(١) ١ في. د صاحب سلطان ورئاسة.
[ ٢٠٨ ]
-على مذهب أصحاب علم المعاني والبيان هي رئاسته بسيفه، الذي كان يعلقه على كتفه، كعادة العرب إلى الآن*،- وإما على وجه الحقيقة تكون الشامة الكبيرة المكتوبة هي العلامة التي كانت على كتفه، التي لا تقبل أدنى شبهة] ١.
وهذه الصفات قد وجدت فيه حقيقية ظاهرة، أي في النبي المصطفى ﷺ، وليست مجازية، (وإذا وجدت) الحقيقة فلامحل للمجاز، فكيف يسلّم العقل قبولها على سيدنا عيسى ﵇، الذي لم تنطبق عليه، مع أنه ليس مفتقرًا إلى سرقة الشهادات التي قيلت عن المختار ﷺ، إذ أنه قيل عنه من إشعيا ومن الأنبياء شهادات أخر كثيرات، التي لم تنطبق على غيره، حتى ولا على نبينا المصطفى صلى الله عليهما وسلم أفضل الصلاة وأتم السلام.
_________________
(١) * حاشية: اعلم أنّ البين الواضح الذي قد يحمل عليه هذا المعنى حرفيًا، الذي هو إشعيا بأن رئاسته على كتفه، وهو أن هذه الرئاسة هي الدلالة التي كانت في منكبه الشريف، التي كانت تشير على رئاسته، وتسمى خاتم النبوة، وهي شامة كبيرة في لحم كتفه مكتوبة وشهيرة، وكما قررنا في حاشية سابقة أن هذه الجملة في العبراني أيضًا لها محذوف مقدر وهو لفظة علامة، أعني أن علامة رئاسته تكون على كتفه، وهذه العلامة كانت بالواقع على كتف رسول الله، وقد وصل إلينا خبرها بالتسلسل خلفًا عن سلف، بأنه ﷺ كانت له علامة على كتفه كشامة كبيرة مكشوفة واشتداد ذراعه. ملاحظه: استخدم في الحاشية هنا بدلًا من الصلاة على الرسول ﵊ كلمة صلعم وهي الكلمة الوحيدة في هذه المخطوطة ولعلها من الناسخ، وهي اختصار قبيح لا يجوز استعماله. ١ نص العبارة في. ت الذي رئاسته متعلقة على كتفه، أعني أن رئاسته بسيفه الذي كان يعلقه على كتفه كعادة العرب إلى الآن والمثبت من. د.
[ ٢٠٩ ]
الشهادة الثامنة
إن النبي إشعيا قد أورد في الإصحاح الحادي والعشرين كله ألغازًا أخر (تنبيء) عن نبينا محمد ﷺ، إذ قال من العدد الأول مبتكرًا فيه وقائلًا: «ثقل البحر البري» ١.
إن إشعيا النبي القائل: «ثقل البحر البري»، قد أشار به عن نبينا، وأخذ فيه وجه الاستعارة التشبيهية بأنه بحر بري، أعني أن خروجه ومشيه وفعله في البر مميزًا إياه من البحر المائي، وإضافته إلى قوله: «ثقل البحر»، أعني أمواجه ﷺ البليغة التي كانت تهيج فيه، وتكسر سنن٢ الكفر مع أصنامها، وأردف إذ قال عن [وجوه] وروده: «إنه مثلما تأتي الزوابع من الجنوب يأتي إلينا من البر من بلد مخيف»؛ يعني أن هذا البحر مع ثقله وأمواجه، يأتي إلينا من البر، من بلد مخيف كالزوابع، ونبينا ﷺ كان مجيئه كالزوابع الجنوبية، وكالأمواج الثقيلة، وكان يلاطم ويهدم البروج الكفرية، التي كانت يومئذ مشيدة عند الأعم من البشر، وأضاف إلى قوله: «إنني أخبرت ببيان صعب العاصي يعصي والناهب ينهب» .
ففي هذا النبي إشعيا قد أظهر ثقل فعل البحر البري، [وكيف نهب العصاة لله كموسى، وهذا النهب هو من خصال العرب، وقد تعجب منه
_________________
(١) ١ في. ن. ع. وحي من جهة برية البحر. ٢ في. د سفن.
[ ٢١٠ ]
إشعيا إذ قال: إني أخبرت ببيان صعب الناهب ينهب، وأما على وجه المجاز فنقول بأنهصلى الله عليه وسلم نهب العصاة] ١.
وأكد٢ المعنى إذ أشار عن نفسه بلسان الحال: «امتلأ حقوي وجعًا، ومغصًا في قلبي، وارتعاشًا، والظلمة أزعجتني»؛ يعني أن ظلمة الكفر التي كانت معششة في البشر* كانت مورثة على رسوله الانزعاج والمغص، ثم قال: «ابسط المائدة اطلع من المطلع إلى الآكلين والشاربين قوموا أيها القواد ودربوا بالأترسة» ٣. كأنه يتكلم بلسان حال نبينا ﷺ الناظر إلى الآكلين والشاربين، والمنادي إلى صحابته الكرام، «قوموا أيها القواد ودربوا بالأترسة»، لأنه هكذا قال لي الرب: «اذهب وأقِمْ الديدبان٤ ليخبر مايرى، فرأى فارسين٥ أحدهما راكب حمار، والآخر
_________________
(١) ١ في. ت اخنصر العبارة على النحو الآتي وكيف أنه ينهب العصاة إلى عبادة الله تعالى. ٢ في النسختين وأطبق وصوابها ما أثبت. * حاشية: اعلم أنّ هذه الظلمة المذكورة في هذه الجملة هي التي ذكرها إشعيا في آخر الشهادة الخامسة أي قوله: وإذا هي مظلمة ضيقة، وهي في هذا المعنى ذاته. ٣ في. ن. ع. هكذا يرتبون المائدة يحرسون الحراسة يأكلون يشربون قوموا أيها الرؤساء امسحوا المحبة. ٤ الديدبان: هو الحارس والرقيب، وهو فارسي معرب. انظر المعجم الوسيط ص٢٧٦، وفي. ن. ع. ورد الحارس. ٥ هكذا في النسختين، وصوابها أن يقول راكبين، وفي. ن. ع. هكذا فرأى ركابًا أزواج فرسان ركاب حمير ركاب جمال. وسيذكر المصنف ذلك.
[ ٢١١ ]
راكب جمل» . فالراكب على الحمار هو سيدنا عيسى بدخوله عليه١ القدس الشريف، وأما الراكب على الجمل فهو دليل كاف على نبيناصلى الله عليه وسلم.
فهذه العبارة هي على موجب التوراة العربية المترجمة عن اللاتينية، وأما على موجب التوراة العبرانية فالمعنى فيها أجلى من هذا لأنها تقول: (قاري ريخيب صيميد فاراشيم ريخيب حاسود ريخيب كامال) وترجمتها إلى العربي: «فرأى ركب رديف خيل ركب حمار ركب جمل»، وهذه كانت جيوش نبينا المصطفى ﷺ، خلاف عساكر الملوك المقاتلين، لأن الملوك لا تركب جيوشها مراديف، ولا يركبون حميرًا ولا جمالًا، وهذه عادة العرب فقط على وجه التغلب، وأن إشعيا على هذا المنوال أبصر في رؤياه جيوش نبينا محمد ﷺ ركب رديف٢ خيل ركب حمار ركب جمل*.
_________________
(١) ١ في النسختين على وصوابها ما أثبت، وقد ذكر صاحب إنجيل مرقس دخول المسيح القدس على حمار فقال في ٧:١١ فأتيا بالجحش إلى يسوع وألقيا عليه ثيابهما فجلس عليه فدخل يسوع أورشليم والهيكل. ٢ الرديف: من أردف، وتعني راكب خلفه على الدابة، وأتبع الشيء وتوالى وتتابع. انظر المعجم الوسيط ص٣٣٩. * حاشية: اعلم أنّ اسم حمار وجمل هما أسماء جنس معناهم حمير وجمال.
[ ٢١٢ ]
«فصرخ الأسد»، أي نبينا الأعظم ﷺ، وهذا نوع من الالتفات، «على مطلع١ الرب أنا واقف بالليل وبالنهار» .
وبالحق إنه كالأسد، وأنه على أوامر الرب كان واقفًا، وبها عارفًا٢.
يقول إشعيا: «وإذا برجل راكب أزواجًا من الفرسان»، وقال: «سقطت بابل٣ مع أصنامها»، وهذا التفات ثان.
أقول: فكأن الله سبحانه قد كشف لإشعيا أعمال٤ رسوله محمدصلى الله عليه وسلم مكررًا عليه المعاني لأجل التأكيد، مخبرًا له عن رديف الفرسان أزواجًا أزواجًا ومعهم رجل. وبلا شك أنه هو ﷺ الذي كانت جيوشه
_________________
(١) ١ يقصد هنا أن الأسد صرخ على مطلع، أي من مكان يطلع منه على غيره، وقد عبر عن ذلك بالمرصد في. ن. ع، حيث قال: ثم صرخ كأسد أيها السيد النائم أنا قائم على المرصد دائما. وترجمتها أن يقول المؤلف: فصرخ الأسد أنا واقف أيها الرب على المطلع بالليل وبالنهار. ٢ في. ت وإذا برجل قد، وليست في. د، ولامعنى لها. ٣ بابل: هي عاصمة الكلدانيين، وتقع بين دجلة والفرات جنوب بغداد في وسط العراق، وهي التي سبي إليها بنوإسرائيل زمن ملك الكلدانيين بختنصر. انظر: قاموس الكتاب المقدس ص١٥٢. ٤ في النسختين مفاعيل وصوابها ما أثبت.
[ ٢١٣ ]
مراديف١ أزواجًا، (وأبان) عن السقوط الكائن من فتح بابل٢ وإسقاط أصنامها٣.
وختم٤ إشعيا كلامه: «إن هذا من عند رب الأجناد» .
ثم أفصح بنبوءته عن الأمكنة والأشخاص، أما عن الأمكنة فقال: «دومة٥ تصرخ إليّ من ساعير٦ ياحارس فقال الحارس: ارجعوا وأقبلوا» *.
_________________
(١) ١ أي يردف بعضها بعضا. ٢ في. ت بغداد وما أثبت من. د، وهو الصواب. وكان فتح العراق ومن ضمنه بابل من قبل خالد بن الوليد، ثم من بعده سعد بن أبي وقاص ﵄، في زمن الخليفتين أبي بكر وعمر ﵄ قبل سنة ٢٠هـ. ٣ هنا حاشية في. د، وليست في. ت، وهي قوله اعلم أن هاهنا سمى إشعيا مكة باسم مجازي وهو بابل، لأن هناك أيضًا تبلبلت الآراء والعقول في أمر نبوة النبي ﷺ، وانقسمت عندما تساقطت أصنامها، كما خبر ذلك هو مشاع في القصة الحلبية وغيرها. ٤ في النسختين وغلق وأفصح منها ما أثبت. ٥ دومة: هي دومة الجندل، وهي شمال الجزيرة العربية في منطقة الجوف، ولا تزال تعرف بهذا الاسم. انظر: قاموس الكتاب المقدس ص٣٨١. ٦ ساعير: هي منطقة جبلية تقع مابين البحر الميت وخليج العقبة، وكانت تسمى أدوم، ويقع جزؤها الشرقي الآن ضمن المملكة الأردنية الهاشمية. انظر: قاموس الكتاب المقدس ص٣٩،٤٦٧. * حاشية: اعلم أنّ دوما هو الولد السادس من الاثنى عشر، أولاد سيدنا إسماعيل، وهذا الولد هو الذي عمر هذه البلدة، وقبيلته كانت ساكنة فيها، وهي التي استغاثت وصرخت للنبي: يا حارس، كما أخبر هنا إشعيا. وقوله السابق إن هذا من عند رب الأجناد قد وافقه سيدنا عيسى وأكده بقوله: بأن هذا كان من قبل الرب وهو عجيب في أعيننا.
[ ٢١٤ ]
أقول: إن «ساعير» اسم إيالة١، و«دوما» اسم بلد في ساعير٢ قد كانت مثقلة بالضلال، وأهلها بلسان الحال قد استغاثوا بالحارس، أي بالنبي اليقظان فجاوبهم: «إلى الله ارجعوا واقبلوا» ٣.
وأما عن الأشخاص فقال: «ثقل على العرب حسبتم تبيتون في الغاب» ٤.
والمعنى الذي أورده في أول الإصحاح، أي ثقل البحر البري قد أورد توجيهه هنا: بأنه يكون على العرب، لقوله: «ثقل على العرب»، أعني: أن أول توجيهه وإنذاره كان إلى العرب ثم إنه جمع بقوله: «تلاقون العطشان بالماء ياسكان التيمن٥ واخرجوا بالخبز للقاء المنهزم» .
إن هذه النبوءة من إشعيا قد انطبقت على نبينا محمد ﷺ من دون شك ولا مراجعة، إذ إن إشعيا المشار إليه ماترك مقطعًا من هذا الإصحاح
_________________
(١) ١ هكذا في النسختين، ولعلها أيله، وهي أيلات على خليج العقبة، وهي مدينة في منطقة الأدوميين، الذين كانوا يسكنون سعير. انظر: قاموس الكتاب المقدس ص١٤٣. ٢ هذا من ضمن ماقيل في المراد بدومة. انظر: قاموس الكتاب المقدس ص٣٨١. ٣ في. د حاشية وليست في. ت وهي اعلم أن هذا القول: أي ارجعوا إلى الله وأقبلوا كان لهج وإنذار النبي الكريم، لأن كذا كانت ألفاظه الشريفة ومضامينه. ٤ هكذا أمكن قراءتها من. د، أما. ت فهي هكذا ثقل على العرب إذا آية تتوا في الغاب، أما في. ن. ع. فهكذا وحي من جهة بلاد العرب في الوعر في بلاد العرب تبيتين ياقوافل الردانيين. ٥ في. ن. ع. ياسكان أرض تيماء.
[ ٢١٥ ]
خاليًا من إشارة، ورمز على نبينا ﷺ، فكأنه في هذا العدد الذي هو الخامس عشر يقول: ياسكان التيمن –أي القبلة١- اخرجوا بالخبز والماء للقاء المنهزم، فبقوله: المنهزم كأنه يتعمد شخصه السامي الشريف، لأنه في أول نبوته حينما انهزم٢ وهاجر من وطنه، أي من مكة المشرفة وجاء إلى المدينة المنورة، فعلى الطريق قدم له الخبز والماء من سكان التيمن٣*.
_________________
(١) ١ التيمن أو تيماء. قال في القاموس: اسم عبري معناه اليميني أو الجنوبي. انظر: قاموس الكتاب المقدس ص٢٢٨. ٢ قوله: انهزم تعبير لا أراه مناسبًا، لأن النبي ﷺ خرج مهاجرًا لما منع من الدعوة إلى الله وأراد الكفار قتله لذلك. وقد سمى الله ﷿ خروجه من مكة نصرًا في قوله: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ التوبة ٤٠ فقد نصره الله على الكفار في ذلك ولم يحقق لهم ما أرادوا، بل كان في تلك الهجرة النصر المؤزر على الكفر وأهله إلى يوم القيامة. ٣ لعله يشير إلى قصة أم معبد التي ذكرها أهل السير، ومختصرها أن النبي ﵊ لما خرج مهاجرًا مر بخيمة أم معبد الخزاعية، وخزاعة من اليمن، فأرادوا القرى فلم يكن عندها شيء، فدعا النبي ﷺ بشاة ليس فيها شيء من الحليب، فمسح ضرعها ثم حلبها فدرت فشربت المرأة وشرب الرسولصلى الله عليه وسلم وأصحابه منها. ومما يصدق على كلامه ملاقاة أهل قباء من ضواحي المدينة له ﷺ، حين خرج مهاجرًا ونزوله عليهم وإكرامهم له، ثم ماكان من الأنصار وهم من أهل اليمن في الأصل من القيام معه ونصره ﷺ. انظر دلائل النبوة للبيهقي ٢/٢٢٢-٢٢٧، سيرة ابن هشام ٢/٩٥-٩٩. * حاشية: اعلم أنّ لفظة التيمن هي لفظة عبرانية ومعناها في العربي القبلة، التي قد ظهر منها نبينا الأعظم.
[ ٢١٦ ]
ولفظة التيمن مع لفظة العرب السابقة عليها هما من أكبر الأدلة على ظهوره من تلك المحلات لا من سواها، وفي المقطع الذي يتلوه قد عطف إشعيا بضمير الجمع إذ قال: «لأنهم منهزمون من قبل السيوف، من وجه السيف الحاضر، من وجه القوس الموترة، ومن وجه الحرب الشديدة»؛ يعني أن خصومه ينهزمون في عودته ورجوعه عليهم من قبل السيوف من وجه السيف، كما جاء الأمر عليه بقوله تعالى له ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ ١، وكذلك جرى ذلك الانهزام على أعدائه، أعني: من جراء سيفه وقوسه الموترة والحرب الشديدة، وكلام إشعيا «بأنهم منهزمون» متوجه علىالعرب وعائد ضميره إليهم، (والدليل) على ذلك هو قوله: «ثقل على العرب» .
وترى هذه المعاني موضحة٢ في محلاتها، إذ أن سيدنا محمدًا ﷺ هو الذي كان وروده كثقل البحر، وكان هو بحرًا بريًا وليس مائيًا، وهو الذي أتى لنا من البر من بلد مخيف، مثلما تأتي الزوابع من الجنوب، ونهب العصاة*.
_________________
(١) ١ التوبة آية ٣٦. ٢ في النسختين مفصحة، وفصاحتها ما أثبت. * حاشية: اعلم أنّ قوله: من بلد مخيف أي من مكة المشرفة التي كانت مخيفة لقلة تمدن سكانها يومئذ، [وقد وجد في التوراة العبرانية عوضًا عن قوله من بلد مخيف مكتوب من المدينة المنورة] قلت –المحقق-: وهذا القول بعيد، لأن المدينة لم تسم إلا بعد مجيء النبي ﵇، إلا إذا كان يقصد به صفتها. والله أعلم، وقوله: نهب العصاة يجوز إن ذلك القول كان حرفيًا أيضًا بالفعل وكان لمحاربيه، كما أمر الله قبله يشوع ابن نون وموسى بمثل ذلك بنهب العصاة.
[ ٢١٧ ]
وهو الذي قد نادى صحابته: قوموا ياأيها القواد ودربوا (بالأتراس) ١، وكان ﷺ فارسًا، وجيوشه المراديف الراكبين الِجمال والخيل، والحمير*. وهو الأسد الذي صرخ «على مطلع الرب: أنا واقف»، أي على مناظر الرب وأوامره، أنا واقف نهارًا وليلًا، وهو الرجل الراكب أزواجًا من الفرسان، العارف سقوط بابل (قبل كونه) ٢ مع أصنامها، الصائر٣ فيما بعد من أمته وخلفه، وهو الذي نادته دوما من ساعير: يا حارس، وأجا بها: «إن طلبتم فاطلبوا ارجعوا إلى الله واقبلوا» *.
وهو الثقل الذي كان٤ على العرب العصاة الذين انهزم منهم وهاجر، وقد لاقوه سكان التيمن أي القبلة بالخبز والماء، وفيما بعد عند
_________________
(١) ١ في النسختين بالأترسة وصوابها ما أثبت، والأتراس جمع ترس، وهو ماكان يتوقى به في الحرب ضربات السيوف. انظر: المعجم الوسيط ص٨٤. * حاشية: اعلم أن هذه الأشكال من المراكيب والمراديف هي وحدها كافية أن تثبت هذه الشهادة على المختار، [لكون تلك المذكورات هي من خصال العرب] .. ٢ قبل كونه، أي قبل وقوعه. ٣ هكذا في النسختين، أي الذي وقع من أمته فيما بعد. * حاشية: اعلم أنّ لفظة ياحارس هي اسم من جملة أسمائه الشريفة وهي مشهورة وموجودة في كتب كثيرة منها دلائل الخيرات [وقد تراها مكتوبة في العبراني الحريص أو الحافظ] . ٤ في النسختين وهو الذي كان الثقل وفصاحتها ما أثبت.
[ ٢١٨ ]
رجوعه غدت أعداؤه (منهزمين) من وجهه ومن سيفه وقوسه من وجه حربه الشديد.
وبالاختصار أقول: إن إشعيا قد ختم كلامه بهذه الجملة الحاملة تلك الإشارة الوافية المعنى بقوله: «بأن هكذا قال لي الرب في انقضاء سنة كسنة الأجير يفني كرامة قيدار وبقية عدد أصحاب القسي الجبابرة من بني قيدار يتقللون فإن الرب إله إسرائيل تكلم» .
أقول: إن معنى قوله في انقضاء سنة كسنة الأجير؛ أراد به حولًا طويلًا وثقيلًا، إذ إن الأجير المستأجر قد يحسب سنة استئجاره أنها طويلة ثقيلة. ونبينا رسول الله ﷺ المشبه بالبحر البري من بعد انتهاء هذه السنة الطويلة التي جاهد فيها، التي شبهها إشعيا كسنة الأجير قد أفنى فيها جميع كرامة قيدار، لأن «قيدار» قبيلة وهي (سلالة) ١ من ثاني ولد من أولاد سيدنا إسماعيل، التي كانت تحارب رسول الله محمدًاصلى الله عليه وسلم لما عصت دينه الشريف٢، وأنشأت عليه الحروب الردية، فسحق قِسِي جبابرتهم وتقللوا
_________________
(١) ١ في النسختين سلسلة منسحبة من ثاني وفصاحتها ما أثبت. ٢ واضح أن مراد المصنف -﵀- أن سلالة قيدار ثاني أولاد إسماعيلعليه السلام قد حاربوا النبي (ﷺ، إلا أنه لم يتبين لي مراده أي قبيلة من القبائل هي، ومن المعلوم أن النبي ﷺ من قريش، وقد حاربته قريش إلى أن دخلوا جميعا في الإسلام، بعد أن قتل من قتل منهم في السنة الثامنة للهجرة، ثم ابتدأت قبائل العرب في الدخول في الإسلام بعد كفرها، كما أن نسب النبي ﷺ الثابت منه إلى عدنان وبعد عدنان لايتضح نسبه إلى إسماعيل ﵇، ولكن بعض النسابة جعلوا عدنان من ولد قيدار بن إسماعيل، وبعضهم جعلوه من ولد نابت بن إسماعيل ﵇، ولكن كل ذلك لايثبت بخبر صحيح. انظر في ذلك تاريخ الطبري ١/٥١٦.
[ ٢١٩ ]
كما تنبأ عليهم إشعيا بقوله: «يفني جميع كرامة قيدار وبقية أصحاب القسي الجبابرة، من بني قيدار يتقللون، فإن الرب إله إسرائيل تكلم» . وهذه [النبوءة مربوطة بجملة علامات] ومنطبقة على نبينا الأعظم ﷺ (دون) سواه.
[ ٢٢٠ ]
الشهادة التاسعة
إنه في الإصحاح الثالث والثلاثين من تثنية الاشتراع قد أفادنا سيدنا موسى نبوءة، وإشارة عن الأرض، التي منها خرجت شريعة وأنوار سيدنا محمد ﷺ، وهو جبل فاران، الذي في أرضه موجود مكة المشرفة بقوله: «جاء الرب من سيناء، وأشرق لنا من ساعير، واستعلن من جبل فاران» ١.
أقول: أما قول سيدنا موسى بأنه «جاء الرب من سيناء»، أي أنه تعالى أورد شريعته بكتاب التوراة في سيناء، وأما قوله: «وأشرق لنا من ساعير»، فهي نبوءة عن شريعة عيسى، لأن «ساعير» كما كتب عنها في سفر التكوين، وفي كتب الجغرافيا هي معلومة، بأن فيها أشرقت البشارة والإنذار في الديانة النصرانية، لأنها كانت من حظ سبط يهوذا، وعيسى كان من سلالة سبط يهوذا٢.
_________________
(١) ١ تثنية ١:٣٣. ٢ هذا على أساس ماذكره النصارى في كتابهم من ذكر نسب المسيح ﵇، وأنه يعود إلى داودعليه السلام، وداود من سبط يهوذا بن يعقوب ﵇. والصحيح أن المسيح ﵇ ليس من سبط يهوذا، ولا من نسل داود. ويكفي في الدلالة على كذب النصارى في ذلك، أن صاحب إنجيل متى جعل المسيح ابن يوسف خطيب مريم المزعوم، ثم في النهاية جعله من نسل سليمان بن داود ﵇، أما صاحب إنجيل لوقا فجعله ابن يوسف، ثم في النهاية جعله من سلالة ناثان بن داود، في سلسلة نسب لا تلتقي مع الأولى إلا في الاسم الأول والأخير، فهذا دليل واضح على كذب النصارى المتعمد، أو غير المتعمد
[ ٢٢١ ]
_________________
(١) فيما ذكروا وقد أنكر المسيح على اليهود هذه الدعوى كما ذكر متى في ٤٣:٢٢، وفيه وفيما كان الفريسيون مجتمعين سألهم يسوع قائلًا: ماذا تظنون في المسيح ابن من هو؟ قالوا له: ابن داود، قال لهم: فكيف يدعوه داود بالروح ربًا قائلًا قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك، فإن كان داود يدعوه ربًا فكيف يكون ابنه. والصحيح أن المسيح من سلالة هارون ﵇ الذي يعود إلى لاوي بن يعقوب ﵇ وذلك لعدة أدلة: أولًا -أن مريم أم المسيح ﵇ كانت منذورة للعبادة، وهذا الأمر وهو النذر وخدمة معبد اليهود خاص ببني لاوي، كما هو في تشريعاتهم. ثانيًا -أن أليصابات زوجة زكريا حسب ما ذكر النصارى نسيبة مريم وقريبتها، وهي من بنات لاوي، فتكون مريم كذلك، لأن كل رجل من بني إسرائيل يأخذ من سبطه وليس من سبط آخر. ثالثًا -أن زكريا ﵇ يدعي النصارى فيه أنه كان كاهن الهيكل في زمانه، والكهانة كانت في بني لاوي كما هي شرعة اليهود. رابعًا -أن الله ﷿ ذكر قول اليهود لمريم ونسبتهم لها إلى هارون، حيث قال تعالى: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ مريم آية ٢٨. فقولهم يا أخت هارون من جنس قول يا أخا تميم، يا أخا العرب، كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره، ٣/١١٢ عن السدي. وكان النصارى قد طعنوا في القرآن الكريم بناءً على هذه النسبة بين مريم وهارون، ظنًا منهم أن هارون المذكور في الآية هنا هو هارون أخو موسى ﵉، فقد روى المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ بعثه إلى نجران، فقالوا له: أرأيت ما تقرءون ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾، وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، قال: فرجعت فذكرت ذلك للرسول ﷺ، فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم. أخرجه. م.٣/٦٨٥. فالنبي ﷺ بين هنا بطلان هذا الطعن، وأن هارون المذكور في الآية ليس أخًا لمريم، كما ظنوا. ولا شك أن ذلك لا ينفي أن تكون مريم من سلالة هارون ﵇، بل إن القرطبي نقل عن مقاتل أنه قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ آل عمران ٣٣. قال: هو عمران أبو موسى وهارون. فعليه تكون مريم من نسله، لأن قصتها ذكرت بعده مباشرة. انظر: تفسير القرطبي ٤/ ٦٣. أما ساعير التي وردت في البشارة هنا فلا يبعد أن يكون المقصود بها جبلًا في منطقة يهوذا مجاور لقرية يعاريم على مسافة تسعة أميال غربي القدس. انظر قاموس الكتاب المقدس ص٤٦٧،٧٢٩ وفي تلك المناطق بعث المسيح ﵇.
[ ٢٢٢ ]
وأما قوله: «واستعلن من جبل فاران»، فمعناه أنه من هناك ظهرت شريعة الله تعالى وناموسه العظيم، الذي هو القرآن الشريف الذي أنزل على المصطفى الكريم، لأن جبل فاران وأرضه هو ظرف لمكة المشرفة، حيث كان يتردد ﷺ، وولادته كانت هناك، وله فيها أحاديث كثيرة وعجيبة.
ولفظة فاران لها معان كثيرة في «شوراش» العبراني، أي القاموس، منها الجبل الظليل، ومنها الجبل الذي فيه مغر مجوف من داخله، كما ترجمت هذه اللفظة من اللغة اليونانية.
[ ٢٢٣ ]
وجبل مكة الذي شرحنا عنه، الذي موقعه بقربها مسافة ثلاثة أميال، واسمه الآن «غار حراء» ١، بمعنى المغور، الذي كان ﷺ يختلي فيه في مغارة ثمان سنوات٢، معتزلًا لفراغ القلب بالذكر، وفيه أوحى الله تعالى٣ إليه بواسطة جبرائيل عليه السلام٤، والذي يؤكد ذلك ظهور أنوار سيدنا محمدصلى الله عليه وسلم منه وشريعته الغرّاء وليس سواها، كما قد يثبت هذا
_________________
(١) ١ غار حراء: هو المكان الذي كان يتعبد فيه النبي ﷺ، وجاءه الوحي فيه. وهو يقع في شرق مكة، وهو الآن داخل مدينة مكة. انظر بعض هذا في: معجم البلدان،٢/٢٢٣. ٢ لم أقف على من ذكر أن مدة اختلاء النبي ﷺ بغار حراء ثماني سنوات، وإنما روى البخاري بسنده عن عائشة ﵂ قالت: "أول ما بديء به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لايرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه –وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء". قال ابن حجر: "أصل الخلوة قد عرفت مدتها وهي شهر، وذلك الشهر كان رمضان". انظر صحيح البخاري مع الفتح ١/٢٣. ٣ في النسختين يوحي، والصواب ما أثبت، لأن الله تعالى أوحى إليه فيه أول مرة، كما هو ثابت في الحديث المذكور في الحاشية قبله، ولم يستمر الوحي إليه فيه، ولا يعرف أنه ﵊ رجع إليه، واستمر يوحى إليه فيه. والله أعلم. ٤ في. ت هو بهذه الصورة بحوز ممغور، وليس لها معنى، وليست في. د.
[ ٢٢٤ ]
الباب حبقوق النبي١ في الشهادة التي تتلو هذه، إذ إنه مع ذكره اسم فاران، يعين أيضًا جهتها، التي هي القبلة لئلاّ تجهل وتلتبس*.
وأيضًا أقول: إن لفظة فاران مشتقة من فاران في اللغة العبرانية، وتعريبها المتجِّمل المتزين، وكأن حبقوق مع موسى ﵉ يقولان عن نبينا: إنه يأتي من الجبل المتزيِّن. وجبل مكة يصدق عليه هذا الاسم
_________________
(١) ١ في النسختين قال حبقوق النبي، ولم يثبت عندنا نبوته بنص صحيح. * حاشية: اعلم أنّ بعضًا من النصارى يتوهمون أن فاران هي بقرب جبل سيناء، والحال لو أنها كانت هذه فاران المشار إليها من موسى، لكان يلزم أن يذكرها في هذه الشهادة قبل ساعير، وقد تراه أنه ذكرها بعد ساعير خلاف واقعهما، وأيضًا إن فاران التي وجودها بقرب سيناء هي برية كما أفاده عنها التوراة، وههنا موسى ﵇ يذكر جبلًا بقوله: من جبل فاران، والقاعدة في ذلك أن تلك البرية دعيت فاران لسبب أنها ظليلة في الأشجار الهيشية، والجبل الذي هو بمكة سماه موسى ههنا فاران لكونه مجوفًا مغورا، ولفظة فاران هي عبرانية تقبل الوجهين عدا غيرهما، أي انها تترجم مجوف مغور، وتترجم أيضًا ظليل، فإذا كانت قرائنها في كتاب التوراة مذكورة برية يلزم أن تفهم أنها ظليلة، وإن كان لفظة فاران قرائنها جبلًا فينبغي لنا أن نفهم بأنها جبل مجوف مغور، فههنا في قول موسى: إنه يستعلن من جبل فاران، فعلم أن هذا هو جبل فاران، الذي فيه المغارة، الذي هو بقرب مكة المشرفة، وفيها كان ﷺ يختلي. وهذا الجبل هوفي القبلة أيضًا، كما شرح عنه المؤلف عن موسى وحبقوق، وبالاختصار إن لفظة جبل فاران هي بالعربي جبل غار، وهو اسم شهير ومعلوم لجبل مكة المشرفة، وإن قلت: إنه مشتق من فاران وهو بالعربي أيضًا المتزين منطبق عليه هذا الاسم أيضًا من كونه متزينًا في وجود بيت الله، الذي يشرحه المؤلف بعد ذلك.
[ ٢٢٥ ]
أيضًا، بحيث هو المتجمل بوجود بيت الله، الحرم الأعظم المبني فيه من دهور عديدة، قبل ظهور النبي الكريم من سيدنا إبراهيم، المتردد على تلك الأمكنة، كما هو محرر في سفر التكوين في الإصحاح الثاني عشر١. وقيل من قبله وعاد فتجدد، ومن هذا الجبل ظهر نبينا محمد الأعظم، وكانت صحابته عشرة، كما تنبأ عنهم زكريا في الشهادة السابقة وشهادة الحال، أعني ظهوره ﷺ من ذلك الجبل المتزين، الذي هو بالعبراني فاران، هو الإثبات الجاذب لشهادة المقال.
وإن قيل: إن سيدنا موسى تكلم بهذه الاشارة بصيغة الماضي، لأنه قال: «استعلن»، ولم يقل يستعلن بصيغة المضارع.
فأجيب: أنه من عادة الكتب أن تستعمل صيغة الماضي بمعنى المستقبل في بعض محلات، ومن واقع الحال قد يعلم ذلك، كما أنه قد قيل من سيدنا داود عن عيسى: «بأن إلهًا قام في مجمع الآلهة» ٢، على صيغة الماضي، وهو وقتئذ لم يكن قام، وقوله: «والرؤساء اجتمعوا
_________________
(١) ١ لعله يقصد ما ورد في التكوين ٨:١٢ واجتاز ابرام إبراهيم في الأرض إلى مكان شكيم إلى بلوطة مورة، وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض، وظهر الرب لإبرام وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض فبنى هناك مذبحًا للرب الذي ظهر له، ثم نقل من هناك إلى الجبل الشرقي بيت إيل ونصب خيمته، وله بيت إيل من المغرب وعاي من المشرق فبنى هناك مذبحًا للرب، ودعا باسم الرب، ثم ارتحل إبرام ارتحالًا متواليًا نحو الجنوب. ٢ انظر المزامير ١:٨٢، وفيه الله قائم في مجمع الله في وسط الآلهة يقضي.
[ ٢٢٦ ]
جميعا» ١، ولم يكن بعد اجتمعوا، وأمثاله فهي في الماضي، والنصارى تفسرها بالمستقبل.
_________________
(١) ١ المزامير ٢:٢ وفيه وتآمر الرؤساء معًا على الرب وعلى مسيحه قائلين لنقطع قيودهما ولنطرح عنا ربطهما.
[ ٢٢٧ ]
الشهادة العاشرة
إن حبقوق يقول في الإصحاح الثالث: «ايلواه من التيمن يأتي، والمقدس من جبل فاران يدعس، غطّى السماء ببهجته، ومن شكرانه امتلأت الأرض، بهاؤه يكون كالنور، قرون من يده، هناك مختفية قوته، قدامه يمشي الوبا، ويخرج الشرار لعند قدميه وقف ومسح الأرض، نظر وحل الأمم وتبدد١ جبال العالم وانحنت آكام الدنيا٢، العالم هو له» ٣.
أقول: إن هذه الشهادة قد حلت وكشفت أولًا نبوة سيدنا موسى ﵇، التي سبقت في الشهادة التاسعة، وهي قوله: «استعلن من جبل فاران» .
فههنا قد كشفت، وعيّن حبقوق أن جبل فاران هو الذي موقعه في التيمن، التي هي القبلة٤، وليس هو البرية التي هي مجاورة سيناء٥ بقوله: «ايلواه من القبلة يأتي، والمقدس من جبل فاران يدعس» ٦،وسماه حبقوق ايلواه أي إله.
_________________
(١) ١ في النسختين تبددوا وصوابها ماأثبت، وفي. ن. ع. ودكت الجبال. ٢ في النسختين وانحوا آكام الدنيا وصوابها ما أثبت، وفي ن. ع. وخسفت آكام القدم. ٣ سفر حبقوق ٣: ٣-٧. ٤ انظر ما سبق في الشهادة الثامنة. ٥ هذا ما ذكروه في قاموس الكتاب المقدس ص٦٦٧. ٦ هكذا في النسختين، وفي ن. ع. هكذا الله جاء من التيمن والقدوس من جبل فاران سلاه. وقال في القاموس عن قوله سلاه تعبيرموسيقي، والبعض يقول: إن معناها وقفة موسيقية، وآخرون يقولون: إن معناها يشبه آمين، فكأنها تعني أعط البركة، ثم قال: ولكن المعنى الأساسي المقصود من هذه الكلمة غير معروف. انظر: قاموس الكتاب المقدس ص ٤٧٩.
[ ٢٢٨ ]
وكما قررنا عن لفظة إله أنها بالعبراني مشتقة من «إيل»، التي ترجمتها إلى اللغة العربية طايق١ (مكين) ٢، فكأن حبقوق قد عيّن مكان خروج نبينا ﷺ ونعته بقوله «الطايق٣ من القبلة يأتي ومن جبل فاران يدعس» . أي جبل فاران، الذي هو في لصيق الأرض التي فيها مكة المشرفة، وهو في القبلة أيضًا، وليس في حدود سيناء، لأن التي في حدود سيناء هي برية كما قلنا، وههنا حبقوق يذكر جبلًا مثلما يذكره موسى، مع أن برية فاران أيضًا مسكنًا لإسماعيل وخلفه، وهناك تزوج (بالمرأة) المصرية. راجع سفر التكوين في الإصحاح الحادي والعشرين٤.
_________________
(١) ١ مراده بها، قدير أو قادر، وقال في القاموس: إيل: اسم من اسماء الله في العبرية، وإيل تستخدم بمفردها للدلالة على الإله الواحد الحقيقي، وكثيرًا مايستعمل إيل مع لقب من القاب الله، مثل: إيل عليون، الله العلي، إيل شداي، الله القدير. انظر: الكتاب المقدس ص١٤٢. ٢ في. د الطايق مكين. ٣ في. د المكين بدل الطايق. ٤ التكوين ٢١:٢١، وذكر في نسخة. ت الخامس والعشرين، وصوابها ما أثبت من. د. وهنا حاشية في. د، وليس في. ت، وهو قوله اعلم أن معنى كلام المؤلف رحمه الله تعالى أعني إن كانت برية حدود سيناء المسماة فاران، وإن كان جبل فاران، أي جبل مكة المحفور المتزين الظليل فعلى كلا الوجهين هما متعلقان بنبينا.
[ ٢٢٩ ]
فهذا النبي الكريم الذي سماه حبقوق ايلواه، وأنه يأتي من القبلة من جبل فاران، قد أشار عنه بأوصاف أخر وهي قوله: «غطّى السماء ببهجته، ومن مدحه امتلأت الأرض، وبهاؤه يكون كالنور» .
فكل هذه الأوصاف تراها منطبقة على سيد المرسلين، بحيث لم يشترك معه غيره فيها، لأنه [ماوجد في الكون نبيٌّ أبهج منه وأبهى]، ولا وجد سواه من يمدح في المنائروالمنابر في المساجد والأزقة، من العلماء والفقهاء من الأغنياء والفقراء، وقد ترى جميع ألسنتهم غير هادئة من مدحه وشكرانه وأداء الصلاة والسلام عليه وأنواع البركات، التي لم يكن لغيره صائر مثلها مثل موسى وعيسى ﵉، وذلك تطبيق لنبوءة حبقوق القائلة: «ومن مدحه١ امتلأت الأرض» .
وأثبت «حبقوق» نبوءته عليه ﷺ بإشارته إلى القرون التي كانت من يده، وهم الصحابة الكرام، التي كانت قوته مختفية فيهم، [لأن حبقوق على بسيط القول تنبأ على أن قرونًا في يده، هناك مختفية قوته]، أي في القرون. أعني القوة التي ظهرت بالفتوحات، (وانتشار الدين) ٢ من صحابته النجباء ﵃، الذين قد سماهم ههنا حبقوق «بالقرون»، وأضاف
_________________
(١) ١ في. ت ومن شكرانه، وما أثبت من. د وهي أوضح. ٢ في النسختين والإنتشارات الديني وفصاحتها ما أثبت.
[ ٢٣٠ ]
إلى ذلك بأن «قدامه يمشي الوبا»، وهذا هو وجه الاستعارة التشبيهية، أي أنه شبه موت السيف العجول١ (الذي عمله) بالوبا، [وأما على وجه الحقيقة، فنرى هنا «حبقوق» كأنه كان ينظر بعينيه ماقد حدث من أمر الوباء، وكيف أنه أطاع رسول الله ﷺ، لأنه ﷺ لما حضر لديه الوباء مع جبريل ﵇ فأرسله إلى بلدة سكانها يهود، واسمها الجحفة ٢، التي منها الآن تبتديء أعمال الحج المصري في القعدة، لأن يهودها في تلك الأيام كانوا كامنين لرسول الله ﷺ الضر، وهذا الوباء هو الذي أرسله ومشى
_________________
(١) ١ هكذا في النسختين، مراده أنه شبه سرعة الموت بالسيف في الحروب بالوباء. ٢ الجحفة: قرية بين المدينة ومكة، وهي ميقات أهل الشام ومصر، وهي قريبة من مدينة رابغ في الوقت الحالي، وقال ياقوت: قال الكلبي إن العماليق أخرجوا بني عقيل وهم إخوة عاد ابن رب فنزلوا الجحفة، وكان اسمها مهيعة، فجاءهم سيل واجتحفهم، فسميت الجحفة. معجم البلدان ٢/١١١. ولم أجد من ذكر أن سكانها كانوا يهودًا، وهي الرواية التي ذكرها المصنف. أما إتيان جبريل للرسول ﵊ بالوباء، فقد روى الإمام أحمد بسنده عن أبي عسيب مولى رسول الله ﷺ، قال رسول الله ﷺ: "أتاني جبريل ﵇ بالحمى والطاعون، فأمسكت الحمى بالمدينة، وأرسلت الطاعون إلى الشام، فالطاعون شهادة لأمتي ورحمة لهم ورجس على الكافرين". حم ٥/٨١. أما إرسال الوباء إلى الجحفة، فقد روى البخاري بسنده عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﵇ قال: "اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا وصححها لنا، وانقل حماها إلى الجحفة"، وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، وكان بطحان يجري نجلًا تعني ماء آجنًا. صحيح البخاري مع الفتح ٤/٩٩.
[ ٢٣١ ]
قدامه، وهو مطابق لنبوءة حبقوق هذه حرفيًا، كما جاء هذا الخبر في أحاديثه الشريفة في سيرة حياته المنقولة في كتاب مؤلف من الشيخ علي برهان الدين الحلبي، ويسمى القصة الحلبية١. وقد نقل عنه في حديث آخر "بأنه ﷺ أرسل قدامه الوباء إلى الشام، وهي بلد من بلد حوران" ٢] .
«ويخرج الشرار لعند قدميه» ٣، إن الشرار الذي أفادنا عنه حبقوق هو الذي قال عنه إشعيا في الشهادة الخامسة: «بأن حوافرخيله مثل الصوان الذي منه ينبعث الشرار» ٤، ويخرج لعند قدميه حينما كان يمشي قدامه الوبا ويحارب ويميت أعداء دينه السامي، الموردين الضر عليه، بعد نصحه لهم ﷺ كإيليا الذي قتل كهنة باعال٥ بالسيف، وبدد جبال
_________________
(١) ١ علي بن برهان الدين الحلبي المتوفى سنة ١٠٤٤هـ، وكتابه المسمى السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون إنسان العيون. طبع في ثلاثة مجلدات، طبعته دار المعرفة ببيروت. ٢ لم أجد من ذكر أن الشام بلد من بلدان حوران، وإنما الشام كما ذكرها ياقوت هي المنطقة التي تقع شمال الجزيرة العربية، وحدها من الفرات إلى عريش مصر، ومن جبل طي جنوبًا إلى البحر الأبيض.٣/٣١٢. ٣ انظره في الشهادة الخامسة ص ١٦٤. ٤ في. ن. ع. وعند رجليه خرجت الحمى. ٥ هكذا في النسختين، وفي. ن. ع. البعل. انظر الملوك الأول ١٨: ١٩-٤٠. وملخص ما ذكروه أن إيليا تحدى سدنة صنم من أصنام اليهود، التي كانوا يعبدونها في ذلك الزمان يسمى بعل، بأن يحضروا ثورين فيختار سدنة الصنم أحدهما ويذبحونه ويقطعونه ويضعونه على الحطب، وهو يفعل مثلهم، ثم هم ينادون معبودهم بعل، فإن أرسل نارًا أحرقت ذلك اللحم فهم على حق وهو على باطل، ثم هو ينادي إلهه وهو الله تعالى، فإن أرسل نارًا فإلهه حق وآلهتهم باطلة. فكان من أمرهم أن السدنة لم يستجب لهم، واستجيب لإيلياء فنزلت نار من السماء، وأكلت كل شيء وضع على المذبح، فعندها قبض على أولئك السدنة، وكانوا ٤٥٠ كاهنًا فذبحهم.
[ ٢٣٢ ]
العالم، أعني: أنه قد شتت ذوي الاقتدار، وانحنت١ آكام الدنيا له (أعني الممالك، لأن العالم هو له)، بحيث إنه هو سيد الأولين والآخرين.
وبالاختصار: أن سيدنا عيسى ماجاء من التيمن، أي من القبلة كما قال حبقوق، ولا من جبل فاران دعس، وكل هذه الأوصاف المشروحة لم تنطبق عليه* [كانطباقها على المصطفى ﷺ] **.
_________________
(١) ١ في النسختين وانحنوا وصوابها ما أثبت. * حاشية: اعلم أنّ هذه الشهادة التي هي العاشرة هي مترجمة من اللغة العبرانية خالية من الزغل وعليك بمقابلتها. ** حاشية: اعلم أن في هاتين الشهادتين المارتين أعني التاسعة والعاشرة قد ذكر فيها موسى وحبقوق اسم جبل فاران، والمؤلف ﵀ ترجم لفظة فاران من القاموس العبراني بثلاثة معان: الظليل والمغور والمتزين، وهذه الثلاثة معاني قد انطبقت على جبل مكة بموجب القرائن. وهذه الحاشية ليست في. ت.
[ ٢٣٣ ]
الشهادة الحادية عشر
إن سيدنا عيسى ﵇ قد أفاد عن ورود سيدنا محمد ﷺ بعده، وأنه أعظم من كل الأنبياء بقوله في بشارة لوقا في الإصحاح السابع، وفي بشارة متّى الإصحاح الحادي عشر: «إنه لم يقم في مواليد النساء نبي أعظم من يوحنا المعمدان وأما الأصغر الذي هو في ملكوت السماء فأعظم منه» ١.
أقول: ياترى٢ ومن هو هذا النبي الأصغر الذي هو في ملكوت السماء، الذي أفاد وأشار عنه عيسى ﵇، وأنه أعظم من يوحنا المعمداني، الذي هو أعظم من كل الأنبياء٣، (فلننظر) إلى الوسط من تفاسير علماء النصارى لهذه الآية، ونقول: إن قومًا منهم قالوا: إنها من
_________________
(١) ١ متى ١١:١١، لوقا ٢٨:٧. ٢ في. د ليت شعري. ٣ يوحنا المعمدان هو عند النصارى يحي بن زكريا ﵉، وليس هو أعظم الأنبياء، بل الذي عليه أهل السنة أن أعظم الأنبياء هم نبينا محمد ﷺ، ثم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ﵈، وهم أولو العزم من الرسل، وهم المجموعون في قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ الأحزاب آية ٧، وانظر شرح الطحاوية ص٤٢٤.
[ ٢٣٤ ]
يوحنا الإنجيلي –أحد حواريي سيدنا عيسى–، وقومًا منهم قالوا: [إن هذه الآية مقولة] عن (عيسى نفسه) ١.
فأجيب: إن هذين القولين منقوضان، لأن يوحنا الإنجيلي ماتسمى نبيًا على الإطلاق، ولا نعت بأنه أعظم من كل الأنبياء، إذ إن بعضًا من النصارى قالوا: إن بطرس الحواري أعظم منه، وقومًا قالوا: إنه مساو لبطرس٢، (ومع ذلك فإنه ليس يوحنا الإنجيلي فقط الذي لم يكن نبيًا، بل لم يكن بعد عيسى من قومه نبي، فضلًا عن أن يدعى أنه أعظم الأنبياء) ٣، وصريح الآية تشهد عن الأصغر بأنه نبي، وأنه أعظم من كل الأنبياء.
وأما الذين فسروا هذه الآية على شخص عيسى فنقول لهم: إن سيدنا عيسى ليس هو من مواليد النساء الطبيعية المعتادة، كمثل المعمداني،
_________________
(١) ١ هناك قول ثالث يدعيه كثير منهم، وهو زعمهم أن المراد به أقل نصراني أعظم من جميع الأنبياء، لأن النصارى آمنوا بالمسيح المصلوب في زعمهم، فاستحقوا أن يكونوا بذلك أعظم ممن لم يتحقق لهم ذلك. انظر تفسير العهد الجديد، وليم باركلي ١/٢٣٦، وتفسير العهد الجديد، إصدار دار الثقافة ص٢٩. ٢ انظر قاموس الكتاب المقدس ص١٧٧،١١٠٩. ٣ عبارة مابين القوسين في النسختين هكذا ومع ذلك أنه ليس يوحنا الإنجيلي وحده ماتسمى نبيا بعد عيسى ولاخلافه ادعى بعظمة النبوة، وكتبتها حسب ما فهمت من مراد المصنف.
[ ٢٣٥ ]
أو كباقي١ الأنبياء، حتى يستدل بأن هذه الآية مشيرة عليه، لأنه ﵇ مولود من آنسة٢بتولٍ٣ عذراء، ولم يولد بالأوجاع والزرع النكاحي، والعامل النسائي المألوف، كالمعمداني أو كباقي الأنبياء.
فبإبطال هذين [القولين] ٤، وعدم احتمال المعنى (لهما) ٥، وإسقاط الدعوى: ما يوجب أن يكون المضمون منصرفًا ومقولًا عن نبي آخر شهير عظيم خلافهما تنطبق عليه الآية: فيكون النبي٦ الموعود به من عيسى هو من مواليد النساء الطبيعية المألوفة مثل يوحنا وباقي الأنبياء، ومنعوتًا وشهيرًا بالعظمة.
ونرى أنه لم يقم نبي بعد المعمداني بهذه الصفة، (بل لم يوجد من تسمى) ٧ أصغرًا وعظيمًا وموجودًا في عالم الأرواح، تطبيقًا لإشارة سيدنا عيسى، سوى سيد المرسلين الأولين والآخرين، [وهو الذي قيلت
_________________
(١) ١ في النسختين مواليد الأنبياء وصحتها ما أثبت. ٢ أنسة هي الفتاة التي لم تتزوج. انظر المعجم الوسيط ص٨٩. ٣ البتول من النساء: العذراء المنقطعة عن الزواج إلى الله. المعجم الوسيط ص٣٨. ٤ في. ت الوجهين والمثبت من. د. ٥ في النسختين عليهما، وفصاحتها ماأثبت. ٦ العبارة في النسختين هكذا أي أن يكون هذا النبي وفصاحتها ما أثبت. ٧ في النسختين العبارة لابل وتسمى وصحتها كما أثبت.
[ ٢٣٦ ]
عنه هذه النعوت ﷺ]، الذي قال عنه موسى الكليم في الشهادة الأولى: «إن الرب إلهكم سيقيم نبيًا من إخوتكم مثلي » .
وأيضًا نقول: إن لفظة الأصغر المقولة بهذه الآية الإنجيلية هي في اللغة اليونانية «اوميكرتيروس»، وهذه اللفظة عند علماء الغراماتيك١ والنحو يونانيًا وعربيًا تفيد المبالغة بالصغر، كما أن لفظة «ميغاليتوروس» [التي هي أعظم]، وهذه المبالغة بالصغر تصدق على المختار من كونه هو الأصغر في كل الأنبياء، إذ إنه آخرهم جميعًا وأتباعه، وبأن هذا الأصغر هو الأعظم بالمجد والشرف، وقد علم منه بأنه أي: نبينا هو الأصغر بالتأخير، وهو الأعظم بالمجد والشرف والكبير (في رتبة النبوة، انتهت الشهادات) .
_________________
(١) ١ لعله يقصد علماء القواعد، لأن قراماتيك يبدو أنها النطق للكلمة Grammatical والتي تعني الأمر الخاص بقواعد النحو والصرف. انظر: المغني الأكبر-عربي- إنجليزي ص٥٢٧.
[ ٢٣٧ ]
الباب الخامس: (التناقضات في التوراة والإنجيل الدالة على تحريفهما)
في الشكوك الناتجة من القضايا المتناقضة، والقصور الحاصل من ركاكة الجمل الغير مرتبطة، الموجودة في كتب العهدين، المفيدة بأن التوراة والإنجيل مزوران، وذلك بأصرح عبارة وأجلى بيان.
الشك الأول
متّى الإنجيلي في الإصحاح الأول يقول: "إن يورام أولد عوزيا"١، ويناقضه سفر الأيام الأول في التوراة في الإصحاح الثالث حيث يقول إن: "ابن يورام أخزياهو وابن أخزياهو يواش وابن يواش امصيا وابن امصيا عوزيا" ٢.*
_________________
(١) ١ متى ٨:١. ٢ أخبار الأيام الأول ١١:٣ * حاشية: جدول الفرق: الإنجيل متى التوراة الأيام ١ يورام يورام أخزياهو يواش امصيا عوزيا عوزيا في هذا الجدول يظهر نقص الثلاثة ملوك في الإنجيل.
[ ٢٤١ ]
شرح صورة التناقض
إن الفرق ههنا يظهر أن متّى قد نقص ثلاثة ملوك من هذه السلسلة عن سفر الأيام الأول، وهم "أخزياهو، ويواش، وامصيا"، لأن متّى ذكر أن يورام ولد عزيا، والحال أن في سفر الأيام الأول يذكر خلاف ذلك، وهو أن عوزيا هو ابن امصيا، وليس هو ابنًا ليورام كما ذكره متّى، بل إن يورام هو جد جد عوزيا١.
وإن قيل في حل هذا الشك الذي هو الشك الأول: إنه مكتوب في سفر أستير، التي كان أخذها ابن عمها مردخاي من بعد موت أبيها ورباها، وصارت كابنة له٢، وعلى هذا المنوال صار عوزيا ابنًا ليورام.
فأقول: نعم إن "أستير" صارت بحسب التربية كابنة لمردخاي، ولكن هنا عوزيا لم يذكر عنه أن يورام ربّاه حتى إنه كان يدعى ابنًا ليورام، لأن يورام كان قد مات قبل ثلاثة أجيال من ولادة عوزيا، ثم أستير لم يُقَل عنها
_________________
(١) ١ في النسختين في هذا الموضع "حاشية" وجعل كل مابعدها إلى نهاية الشك الأول من الحاشية، ولا يظهر أن ذلك صحيح لأن الكلام متصل ولا معنى لها. ٢ انظر أستير ٧:٢.
[ ٢٤٢ ]
إن [مردخاي ولدها كما قال ههنا متى: إن] يورام ولد عوزيا، بل قال: إن أستير قد صارت كابنة لمردخاي.
وأيضًا أقول: إن متّى (ثنى) ١ بتأكيد سلسلته إذ قال: "إن من داود إلى سبي بابل أربعة عشر جيلًا ٢، فيظهر أن كلامه (مرتبًا محددًا) ٣، يريد به أن يورام ولد عوزيا بالفعل، (وليس عنده علم بنقص ثلاثة أنفار) ٤ من سلسلته، الذين لو حسبهم متّى لكان ينبغي أن يكون عدد الأجيال من داود إلى سبي بابل سبعة عشر جيلًا.
وإن قيل: إن متّى قد ترك هؤلاء الثلاثة أنفار من سلسلته من أجل أنهم خطاة.
فأجيب: وعساه أن يترك الكثير من السلسلة لأنه يوجد من هو (أكثر خطأً) منهم بكثير، مع أنه لم يكن قصده أن يعد [الصالحين فقط، بل] (أراد ذكر) سلسلة ولادتهم، سواءً كانوا صالحين أم طالحين،
_________________
(١) ١ في النسختين "استثنى" وصوابها ماأثبت. ٢ متى ١٧:١. ٣ في النسختين "برتبة تفقيط" ولعله يريد أن كلامه محدد بالعدد المذكور، وصوابها ما أثبت. ٤ مابين القوسين في النسختين هكذا "وليس عنده شبهة بأن الثلاثة أنفار ناقصون" وصحتها ما أثبت.
[ ٢٤٣ ]
بحيث إنه ذكر أشقى منهم بكثير. فمن هذه الأدلة [الأربعة] يثبت النقص والتزوير١ في إنجيل متّى.
وإن قيل: إن كتاب التوراة قد جرت (فيه العادة) مثل هذا النقص كما ورد في الشك التاسع والعشرين عن سلسلة هارون.
فأجيب: إن كان متّى يقتفي آثار التوراة (التي كتب فيها) ٢ سلسلة هارون بالنقص، ويستند على العادة، فالنقص المكتوب في التوراة على من تسند عادته.
وأيضًا أقول: إن الابن إذا ثبت عليه (عمل فاسد أخذه) ٣ عن أبيه فلا يخلصه الاعتذار بأن يقول: هذا العمل هو عادة أخذتها عن أبي، بل إن الحق يعطى للخصم، وأن يُخطأ الاثنان كلاهما معًا.
_________________
(١) ١ في. د قال "التحريف" بدلًا من "النقص والتزوير". ٢ في النسختين "الكاتبة" وفصاحتها ماأثبت. ٣ في النسختين هكذا "إذا أثبت عليه ذلة نقص بعادة عن أبيه" وفصاحتها ما أثبت.
[ ٢٤٤ ]
الشك الثاني
في إنجيل متّى في الإصحاح الأول يقول: "إن يوشيا ولد يوخانيا، ويوخانيا ولد شألتئيل، وشألتئيل ولد زروبابل١، وزروبابل ولد أبيهود"٢. ويناقضه سفر الأيام الأول في الإصحاح الثالث إذ إنه يسحب هذه السلسلة (مخالفًا) ٣ لمتّى، لأنه يقول: إن يوشيا، ولد يهواقيم ويهواقيم، ولد يوخانيا، ويوخانيا ولد شألتئيل وأخوه فدايا، وفدايا ولد زروبابل، وزروبابل ولد سبعة أولاد وهم: مشولاهم، وحنانيا، واحشديا، واوهيل، وبارخيا، وحسديا، ويوشحشد، واشموميت، أختهم*.
_________________
(١) ١ هكذا في النسختين، وفي. ن. ع الأسماء هكذا على الترتيب "يكنيا شألتئيل زربابل". وهذه الحاشية ليست في. د. ٢ متى ١١:١ ٣ في النسختين "ضدًا" وفصاحتها ما أثبت. (*حاشية: جدول الإنجيل متى التوراة الأيام١ يوشيا يوشيا ياهوياقيم يوخانيا يوخانيا شألتئيل شألتئيل + فدايا زروبايل زروبابل أبيهود
[ ٢٤٥ ]
(إن زروبايل ولد سبعة أولاد ذكور وابنة، ولا ترى واحدًا منهم اسمه أبيهود كما ذكر متّى) .
صورة التناقض
أقول: إن ههنا ثلاث مشاكل:
أولًا: إن متّى يقول: إن يوشيا ولد يوخانيا، وفي سفر الأيام الأول يقول: إن يوشيا ولد يهواقيمويهواقيم هو الذي ولد يوخانيا١، فيكون يوخانيا ابن ابن يوشيا، وليس هو ابن يوشيا كما في سلسلة متّى.
ثانيًا: إن متّى يقول: "إن يوخانيا ولد شألتئيل، وشألتئيل ولد زروبابل"، وفي سفر الأيام الأول قال ضد ذلك: "إن يوخانيا ولد شألتئيل وأخوه فدايا، وفدايا هو الذي ولد زروبابل"٢ فيكون شألتئيل عم زروبابل أخا أبيه، وليس هو أباه كما غلط متّى.
(وإن قيل: إن سفر عزرا٣ ونحميا ٤ ذكرا أن زروبابل هو ابن شألتئيل كما ذكره متّى.
_________________
(١) ١ يوخانيا هو الذي يطلق عليه في. ن. ع "يكنيا". ٢ سفر الأيام الأول ١٩:٣. ٣ عزرا ٣: ٢،٨ ٤ نحميا ١:١٢.
[ ٢٤٦ ]
فنقول: إن الفرق صار فيما بين نحميا وعزرا وبين سفر الأيام الأول) .١
ثالثًا: إن متّى ذكر أن زروبابل ولد أبيهود، وفي سفر الأيام الأول قال عكس ذلك: إن أولاد زروبابل كانوا بالعدد سبعة، وابنة اسمها اشمونيت٢، انظرهم [مسطرين في السلسلة المشروحة تجاهك لاترى واحدًا منهم اسمه أبيهود، بل إن أسماءهم متباعدة عما كتبهم متّى الإنجيلي، عدا أن باقي هذه السلسلة من زروبابل إلى عدد ستة أسماء تنتهي بهم سلسلة التوراة المدونة في سفر الأيام الأول جميعهم متغيرون في إنجيل متّى، لأن متى كتب "أن زروبابل ولد أبيهود، وأبيهود ولد ألياقيم، وألياقيم ولد عازر، وعازر ولد صادوق، وصادوق ولد آخين٣". وأما في التوراة في سفر الأيام الأول فيعدد أناسًا خلافًا للذين عدهم متى، وهم: زروبابل ولد حنانيا، وحنانيا ولد شيخينا٤، وشيخينا ولد تعريا٥، وتعريا ولد اليوعينا، واليوعينا ولد يوحانان.
_________________
(١) ١ يقصد أن الاختلاف والتضاد صار بين سفر الأيام الأول وبين عزرا ونحميا. وقد أجاب صاحب قاموس الكتاب المقدس ص٤٢٥عن ذلك بجوابهم المعتاد وهو قولهم: لعل فدايا أو شألتئيل تزوج بامرأته وأقام نسلًا لأخيه. ٢ في. ن. ع "شلومية". ٣ في. ن. ع "أخيم". ٤ في. ن. ع "شكنيا". ٥ في. ن. ع "وبنو شكنيا شمعيا وبنو شمعيا ونعريا" فيبدو أنه سقط على المصنف اسم شمعيا بين شكنيا ونعريا.
[ ٢٤٧ ]
ويظهر من هذه الاختلافات والتحريفات واحد من ثلاثة وجوه: إما أن متّى الإنجيلي جاهل لايعرف هذه السلسلة، أو أن قلمًا آخر غريبًا زوّر عليه أو أن التوراة مزورة والله أعلم] ١.
_________________
(١) ١ أثبت النص من. د لوضوحه وفصاحته عن. ت وحسن ترتيبه وقد جعل في. ت الأسماء المذكورة في الحاشية مع اختلاف في ذكر بعضها بعد قوله يوحانان.
[ ٢٤٨ ]
الشك الثالث
في الابركسيس١ في الإصحاح السابع ذكر أن إبراهيم ﵇ كان قد اشترى المغارة من بني حمور بن شخيم ٢، وأما في سفر التكوين في الإصحاح الثالث والعشرين فيقول خلاف ذلك وهو أن: إبراهيم اشترى المغارة من عفرون بن صاحر من بني حث (في حبرون) ٣.
صورة التناقض
يظهر لنا من هذا اختلاف ٤:
أولًا: اسم ومكان المغارة.
وثانيًا: تغير أسماء البائعين لها والمشتري هو واحد، لأن في الابركسيس يذكر أن إبراهيم اشترى المغارة من بني حمور بن شخيم [والبلد باسمه -أعني شخيم-]، وفي سفر التكوين قال: إن إبراهيم اشترى المغارة من عفرون بن صاحر من بني حث.
فمن هذين القولين يتبين لنا التناقض عيانًا بحيث إنه قد تغير فيهما مكان المغارة، وتغير أيضًا أسماء البائعين لها.
_________________
(١) ١ يقصد سفر أعمال الرسل وهو في ١٦:٧. ٢ في. ن. ع "من بني حمورابي شكيم". ٣ التكوين ٢٣: ٨-٢٠. ٤ قال في. د "يظهر لنا تغييران".
[ ٢٤٩ ]
(فعلى العالم النحرير١ أن يحدد باختياروإرادة حرة مكان التزوير إن كان يريد أن يحدده) ٢: التوراة القائلة عن البائع إنه كان من عفرون بن صاحر، أو أن يحدده في لوقا الإنجيلي كاتب الابركسيس، والقائل فيه بأن البائع كان من بني حمور بن شخيم. [فعلى كل حال التحريف واقع] .
_________________
(١) ١ النحرير هو الرجل الفطن المتقن البصير في كل شيء. انظر اللسان ٥/١٩٧. ٢ في. ت الجملة هكذا "فعلى العالم التحرير أن يختار بحرية إرادته أن يربط التزوير إن كان يريد أن يربط" وهو كلام غير مستقيم فعدلته حسب فهمي لمراد المؤلف.
[ ٢٥٠ ]
الشك الرابع
في إنجيل لوقا أيضًا كتب في الإصحاح الثالث أن شالح بن قينان ابن أرفخشد بن سام بن نوح بن لامك بن متوشالح بن اخنوخ بن يارد بن مهللئيل بن قينان، بن انوش١، وأما في سفر التكوين في الإصحاح الخامس٢ والعاشر٣ فأنقص من ذلك قينان واحد إذ قال فيه: إن آنوش ولد قينان وأرفخشد ولد شالح.*
_________________
(١) ١ ٣: ٢٦- ٢٨. ٢ ٩:٥. ٣ ١٠: ٢٢-٢٤ وفيه ذكر أن أرفكشاد ولد شالح فأسقط قينان. (*) حاشية: (ج دول الإنجيل (لوقا) التوراة (التكوين) انوش انوش قينان قينان أرفكشاد أرفكشاد قينان شالح وهذه الحاشية ليست في د
[ ٢٥١ ]
صورة التناقض:
إن التوراة العبرانية الموجودة عند اليهود تضادُّ إنجيل لوقا لأن لوقا يكتب في إنجيله قينانين اثنين: الواحد ابن أرفخشد، والآخر ابن آنوش.
وأما التوراة العبرانية فتقول قينان واحد، وهو ابن آنوش ولم تذكر قينان الآخر، الذي هو ابن أرفخشدبل تذكرأن ابن ارفخشد هو شالح، وهذا هو التزوير ١ الظاهر.*
_________________
(١) ١ في. د قال "التحريف". * حاشية: (وإن قيل في التوراة السبعينية اليونانية موجود في بعض نسخها قينانين اثنين كما ذكر لوقا. فأجيب: إن التزوير في حل المشكل قد تحول وصار فيما بين التوراة السبعينية اليونانية، التي هي الفرع وبين التوراة العبرانية، التي هي الأصل، لأن الاثنتين أعني العبرانية واليونانية هما مسلمتان عند فرق من النصارى، إذ إن الكنائس الغربية تعتبر التوراة العبرانية مثل اعتبار اليهود لها والكنيسة الشرقية تعتبر التوراة اليونانية. ففي أي وقت الكنيسة الشرقية التي تعتبر التوراة اليونانية أثبتت صحتها، أي صحة التوراة اليونانية؛ أثبتنا نحن وهم التزوير على اليهود وعلى الكنيسة الغربية، وأنهم منقصون منها قينان واحد، الذي هو ابن ارفخشد، وإن كانت الكنائس الغربية التي تعتبر التوراة العبرانية التي هي الأصل أثبتت مع اليهود التوراة العبرانية، أثبتنا نحن وهم التزوير في التوراة اليونانية. وفي إنجيل لوقا أيضًا المزوّد فيهما قينان آخر الزائد عن التوراة العبرانية وعلى كلا الوجهين التزوير واقع.
[ ٢٥٢ ]
الشك الخامس
في التوراة العبرانية الموجودة عند اليهود في الإصحاح الخامس من سفر التكوين ذكر أن: شيث لما كان عمره مائة وخمس سنين ولد أنوش١، وأما في التوراة اليونانية السبعينية فيقال ضد ذلك: أن شيث لما كان عمره مائتين وخمس سنين ولد انوش.
صورة التناقض
إن التوراة العبرانية أنقصت مائة سنة من عمر "شيث" عن التوراة اليونانية السبعينية، وهذه التوراة العبرانية التى هي الأصل والمستعملة عند اليهود مقبولة عند الكنائس الغربية٢ أيضًا، كما سبق القول وليس سواها، وأما التوراة السبعينية فهي المقبولة عند طائفة الروم٣ الملكية وليس سواها، ومن جرّاء ذلك لا نعلم أيما هي التوراة الكاملة أو الناقصة المزوّرة٤، وتبع ذلك الفرق وهو نقص السنين٥ وزيادتها من عمر
_________________
(١) ١ ٦:٥. ٢ يقصد بذلك البروتستانت منهم. ٣ يقصد بذلك الكاثوليك ويدخل فيهم الأرثوذكس في اعتبارهم للنسخة السبعينية وفي. د قال: فهي مقبولة عند الكنيسة الشرقية. ٤ في. د "لانعلم أي هي التوراة الصحيحة". ٥ في النسختين هكذا "وتبع ذلك مثل هذا الفرق نقص السنين وزودها" وهي ركيكة وعدلتها حسب ما فهمت.
[ ٢٥٣ ]
"شيث" إلى عمر سيدنا نوح، أي نقص أعمار الأشخاص مع نقص عمر قينان الزائد الذي ذكرناه سابقًا فرق بين التوراتين١، هو ألف وأربعمائة وسبع وخمسون سنة*.
وهذا النقص والتزوير فيما بين التوراتين لايلزمه إثبات٢، لكونه مشهورًا عندهم بالتاريخ الذي لأبينا آدم ﵇ لأنك إذا سألتهم: كم التاريخ الذي من أبينا آدم إلى سيدنا عيسى ﵉؟ فالروم٣ تقول: خمسة آلاف وخمسمائة وثمان سنوات، [والكنائس الغربية] ٤ (الإنجيلية) تقول: أربعة آلاف وواحد وخمسين سنة، فيكون الفرق كما
_________________
(١) ١ أي فرق التاريخ بين التوراة السبعينية اليونانية والعبرية كما سيوضح المؤلف. * حاشية: "وهذه صورة الفرق من آدم إلى المسيح: تاريخ الكنائس الغربية عده: ٤٠٥١ تاريخ الكنائس الشرقية: ٥٥٠٨ الفرق بينهما عده: ١٤٥٧". وهذه الحاشية ليست في. د ٢ يقصد برهان. ٣ وهم الكاثوليك الأرثوذكس لأنهم الذين يأخذون بالنسخة اليونانيةوالتأريخ فيها أكثر من التأريخ في العبرية. ٤ في. ت. قال: "وأتباع البابا" وهذا خطأ لأن البابا هو رأس الكاثوليك وهم يعتبرون النسخة اليونانية بخلاف الكنائس الإنجيلية التي هي البروتستانتية فإنها تعتبر النسخة العبرية وما أثبت من نسخة. د.
[ ٢٥٤ ]
حررنا أعلاه قبله: ألفًا وأربعمائة وسبعة وخمسين سنة لا غير، وهذا تزوير ظاهر.*
_________________
(١) * حاشية: (اعلم أنه أيهما من التوراتين أثبتتا أنها صحيحة فيلزم أن يكون التزوير موجودًا عند الفرقة التي تحامي عن صدق التوراة الثانية التي بيدها كما مرّ في الشك الرابع) . وهذه الحاشية ليست في. د.
[ ٢٥٥ ]
الشك السادس
في إنجيل لوقا في اللغة اللاّتينية في الإصحاح العاشر يذكر أن من بعد ذلك رسم الرب اثنين وسبعين تلميذًا، وأما في النسخة اليونانية فيذكرأنه رسم سبعين١.
صورة التناقض
إن حواريي سيدنا عيسى غير الاثنى عشر في أناجيل الغرب٢ في اللغات الموجودة فيها: أن عددهم اثنان وسبعون تلميذًا، وأما في كنائس اليونان فموجود في إنجيلهم بأن عددهم سبعون، وهذا تناقض ظاهر، إذ إن أناسًا من النصارى تعتقد بأن النسخة اليونانية هي الصادقة، وأن عدد الحواريين سبعون، وأناسًا يعتقدون بخلافهم بأن النسخة اللاّتينية هي أصدق، وأنهم اثنان وسبعون، فلا يخلو صدق الواحدة من بطلان الأخرى، (وهذا هو المطلوب لبيان التزوير) .
_________________
(١) ١ ١:١٠. ٢ يقصد الغرب وهم اللاتين.
[ ٢٥٦ ]
الشك السابع
في إنجيل مرقص في الإصحاح الخامس عشر قال عن موت المسيح على زعمهم: إنه كان نهار الجمعة بعد الساعة التاسعة بقوله: "فأما يسوع فصرخ بصوت عظيم وأسلم الروح، ولما كانت الجمعة التي قبل السبت"١.
وأما لوقا في الإصحاح الرابع والعشرين فيذكر عنه قيامته فيقول: "وفي أحد السبوت باكرًا جدًا أتين إلى القبر فلم يجدن جسد يسوع"٢.
فأما متّى في الإصحاح الثاني عشر فيقول عن كلام عيسى إنه قال: "كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالي، هكذا يكون ابن البشر في جوف الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالي"٣.
_________________
(١) ١ مرقس ١٥: ٣٧ وفيه "فصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح ولما كان المساء إذ كان الاستعداد أي ماقبل السبت". ٢ لوقا ٢٤: ١ وفيه "ثم في أول الأسبوع أول الفجر أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه ومعهن أناس فوجدن الحجر مدحرجًا عن القبر فدخلن ولم يجدن جسد الرب يسوع". ٣ متى ١٢: ٤٠ وفيه "لأنه كما كان يونان النبي في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال".
[ ٢٥٧ ]
صورة التناقض
إن ههنا حصل التناقض في الزمان بحيث إن معنى (كلام) مرقص والإنجيليين (الآخرين) أن عيسى مات نهار الجمعة بعد الساعة التاسعة، ويوافق (على ذلك) أيضًا لوقا معهم [عن] قيامته، وأنها كانت نهار الأحد باكرًا جدًا، فتكون إقامته في القبر ساعة واحدة من آخر نهار الجمعة١، وليل السبت ونهاره، أربعًا وعشرين ساعة، وليل الأحد إلاجزءًا لحين الغلس، فلنفرضها إحدى عشرة ساعة، فتكون جملة الساعات التي مكث فيها بالقبر ستًا وثلاثين ساعة.
ومتّى الإنجيلي قال عن عيسى٢ إنه قال: إنه يكون في جوف الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال جمعها اثنتان وسبعون ساعة، فهذا هو الفرق الأول الواقع فيما بين ست وثلاثين ساعة، وبين اثنتين وسبعين ساعة.
والفرق الثاني هو مخالفته في ثلاثة أيام وثلاث ليال، لأن بقاءه في الأرض لو حسبنا الساعة من آخر نهار الجمعة [سميناها] يومًا بلا ليلة،
_________________
(١) ١ لأنه على زعمهم أنه مات في الساعة التاسعة بعد العصر وهذا على التوقيت الغروبي الذي يجعل النهار ثنتي عشرة ساعة آخرها وقت الغروب فيكون أدخل القبر بعد التاسعة فيكون مكثه في القبر ساعة أو أزيد قليلًا من نهار يوم الجمعة. ٢ في. د قال "يكتب عن تعليم عيسى أنه قال".
[ ٢٥٨ ]
وليلة السبت ونهاره سميناه يومًا كاملًا، وليل الأحد الناقص سميناه ليلة بغير نهار، فتكون الجملة يومًا واحدًا كاملًا، ونهارًا وليلة ناقصين، فمن أين يكمل قوله: ثلاثة أيام وثلاث ليال.
وإن قيل في حل هذا الشك (الذي هو الشك السابع): إن الظلمة التي ذكرها مرقص الإنجيلي التي كانت نهار الجمعة من الساعة السادسة إلى الساعة التاسعة١ قد تحسب ليلة ونهارها يسبقها ٢
فأجيب: إنه في وقت الظلمة لم يكن المسيح مات بعد، ولا قُبِرَ في بطن الأرض على زعمكم، [ومع ذلك أننا إذا حسبنا الظلمة بالتقدير المحال، فلا تكفي لتكميل الحساب المطلوب] .
وإن قيل أيضًا إنه من حين أعطى جسده لتلاميذه مساء الخميس
_________________
(١) ١ ١٥: ٢٣ وفيه "ولما كانت الساعة السادسة كانت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة". ٢ من قوله "وإن قيل في حل هذا الشك" إلى قوله "ونهارها يسبقها" ورد حاشية في. ت وهو ضمن المتن في. د وهو الأصوب.
[ ٢٥٩ ]
(وأكلوه١ يمسك الحساب) على رأي الذهبي٢ [مفسر الإنجيل]، ويعتبر بالجواب أنه دفن في بطونهم بواسطة الخبز مجازًا.
فأجيب: إن هذا الجواب هو أعقم من الذي قبله، لأن الذي دفن في بطونهم بواسطة الخبز لم يقم في اليوم الثالث، كما قال: إنه في اليوم الثالث يقوم (فعلا)، ولا كان تألم فعلًا، [ولا دفن حقيقة على زعمكم، كما قال إنه قبل دفنه يتألم فعلًا] ٣.
وثانيًا: إن رأيكم هذا يجوز لو كان لم يتألم فعلًا، ولم يدفن حقيقة على زعمكم (الباطل) في بطن الأرض، وكان يمكن أن يقبل تفسيركم بأنه دفن في بطون التلاميذ مجازًا، (معبرًا عن ذلك بأكل) ٤ الخبز والخمر، ولكن حيث دفن جسده حقيقة في بطن الأرض، فلا محل
_________________
(١) ١ وذلك في لوقا ٢٢: ١٩"وأخذ خبزًا وشكر وكسر وأعطاهم قائلًا هذا هو جسدي الذي يبذل عنكم اصنعوا هذا لذكري". ٢ يبدو أنه يقصد فم الذهب، من آباء الكنيسة ومعلميها، لقب بالذهبي الفم لبلاغته. توفي سنة ٤٠٧م. انظر المنجد ص٧٥٤ ٣ الجملة فيها ركاكة ومراده أنه لو كان حساب الثلاثة أيام من أكلهم للخبز الذي اعتبروه جسد المسيح، فذلك مجاز فيكون سائر ماذكره من تألمه ودفنه كل ذلك مجاز غير حقيقي. ٤ في النسختين هكذا "تحت أعراض الخبز والخمر" ولامعنى لها وماأثبت هو مافهمت من مراده
[ ٢٦٠ ]
للمجاز مطلقًا، وهذا تزوير. (ويدل على) أنه ما مات بل شُبِّه لهم [كما أخبرت الآية الشريفة] ١.*
_________________
(١) ١ مراده بالآية قوله تعالى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيما﴾ النساء آية (١٥٦-١٥٧) . * حاشية: (ويا للعجب كيف يقول ما قال النصارى: إن جسد عيسى اندفن في بطون التلاميذ بواسطة الخبز مع أنه كان حيًا، وكيف استجازوا أن يقولوا: إنه مات وهو بعد لم يكن تألم أو ربما كان يجوز عندهم أنه اندفن قبل أن يموت بالحقيقة بخٍ بخٍ من كذا رأي سقيم وسماع أسقم) وهذه الحاشية ليست في. د.
[ ٢٦١ ]
الشك الثامن
في إنجيل متّى ذكر عن عيسى في الإصحاح العاشر أنه قال: "لا تملكوا فضة ولا ذهبًا ولا نحاسًا في مناطقكم ولا هميانًا في الطريق، ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصا"١.
وأما مرقص في الإصحاح السادس فيقول ضد ذلك: فقد أمرهم يسوع أن لا يأخذوا شيئًا في الطريق غير عصا فقط لا خرجًا ولا نحاسًا في مناطقكم إلا نعالًا٢.*
صورة التناقض
إن متّى كتب كل الوصايا التي ذكرناها بالسلب بقوله: "لا تملكوا ذهبًا ولا فضةً ولا نحاسًا [في مناطقكم] ولا أحذية ولا عصا"، وأما مرقص فيقول مثلما قال متّى بالسلب، لكن ليس كل الوصايا، بل إنه استثنى (الأحذية والعصا، مضادًا لمتّى لأنه يقول: غير عصا إلا نعالًا،
_________________
(١) ١ متى ١٠: ٩ وفيه "لا تقتنوا ذهبًا ولافضة ولانحاسًا في مناطقكم ولامزودا للطريق ولاثوبين ولاأحذية ولاعصا". ٢ مرقس ٦: ٨. * حاشية: (وإن قال بعض المتأخرين ربما يكون ذلك إرسالين. قلنا: إن المتقدمين وقريبي العهد قد قالوا: إن الارسال واحد ومن القرائن يعلم ذلك.) وهذه الحاشية ليست في د.
[ ٢٦٢ ]
يعني أنهم يأخذون أحذية وعصا وذلك خلافًا لمتى كما قلنا) ١. وهذا تناقض ظاهر٢.
_________________
(١) ١ العبارة في. د "أنه استثنى بالإيجاب غير العصا إلا نعالًا خلافًا لمتى أعني أنهم يأخذون أحذية وعصا". ٢ جاء في. د بعد هذه العبارة نص قريب من معنى الحاشية السابقة والساقطة من. د وهو "وربما يظن البعض أن هذا القول كان وقوعه في زمانين أعني إرسالين: فأجيب: إن المفسرين للمقال من آباء النصارى وعلمائهم القريبي العهد لزمان عيسى يفسرونه بأن صدور المقال كان في زمان واحد، والإرسال هو واحد".
[ ٢٦٣ ]
الشك التاسع
في إنجيل يوحنا في الإصحاح الثاني كتب أنه "في ست وأربعين سنة بني هذا الهيكل"١ أي هيكل سليمان.
وأما في سفر الملوك [الثالث] في الإصحاح السادس قال ضد ذلك وهو: "فمن هذا كمال٢ البيت في جميع أموره وزينته وبناه في سبع سنين"٣.
صورة (النقض بالزمان)
في إنجيل يوحنا في الإصحاح الثاني قال: إن عمارة الهيكل كانت في ست وأربعين سنة إلى انتهائها، وفي سفر الملوك ينقض هذا القول بأن كمال البيت كان في سبع سنين، فهذا مع أنه تناقض، إلا أن الفرق بين السبعة والست والأربعين كبير٥.
وإن قيل في حل هذا الشك: إن مقصد يوحنا في ست وأربعين سنة بني هذا الهيكل، من حيث إنه بعد عمارته الأولى التي ذكر عنها في سفر الملوك الثالث: إنها تمت في سبع سنوات، (ثم) عاد انهدم وعمر مرة
_________________
(١) ١ ٢: ٢٠. ٢ في. د قال "الجمال" وهو خطأ. ٣ الملوك الأول ٦: ٢٨ وفيه "أكمل البيت في جميع أموره وأحكامه فبناه في سبع سنين". ٤ في. د قال "التناقض". ٥ في النسختين "مبالغة" وهي ركيكة.
[ ٢٦٤ ]
أخرى أيضًا. فلربما تكون جملة السنين الأولى والثانية في كلام يوحنا ستًا وأربعين سنة
فأجيب: كلاّ، لأنه في سفر عزرا كتب أن ابتداء تعميره الثاني، الذي حصل بعد الانهدام كان في السنة الثانية من ملك داريوس١، ولما انتهى زمان العمارة كان في السنة السادسة٢ [من ملكه]، (فتكون العمارة الثانية تمت في أربع سنوات) ٣، فإذا أضفنا هذه الأربع سنوات إلى السبع التي عمر بها سليمان البيت فتكون إحدى عشرة سنة، فلا تكمل الست وأربعين سنة المذكورة في يوحنا.
وإذا قيل: إن قبل داريوس ابتدأ اليهود في وضع الأساس، (وذلك) في زمان قورش٤ ومنعوا كما ذكر عزرا، وبعده في زمان داريوس٥ أكملوه، فلربما تكون هذه المدة مكمّلة لما قاله يوحنا.
فأجيب: أنه إذا حسبنا من حين وضع الأساس بأمر قورش، إلى حين بدء تعميره ثانية في السنة الثانية من ملك
_________________
(١) ١ عزرا ٤: ٢٤. ٢ عزرا ٦: ١٥. ٣ في النسختين "كأنه استقامت العمارة الثانية أربعة سنوات" وهي ركيكة. ٤ عزرا ١: ٣ ٥ عزرا الإصحاح الرابع.
[ ٢٦٥ ]
داريوس لا تجمع [جملة] المطلوب، لأن جملة هذه المدة تجمع أربع عشرة سنة، كما ذكر في سفر عزرا، (ومدة) تعميره الثاني أربع سنين التي أولها كان السنة الثانية من ملك داريوس، (وانتهى في السنة السادسة من ملكه) كما ذكرنا، فإذا أضفنا السبع سنين الأخرى التي عَمّره فيها سليمان، فيكون الفرق الباقي المظهر للتناقض والتزوير إحدى وعشرين سنة.
وهذا المعدل فيه الكفاية عند أرباب علم الحساب وذوي العقول السليمة أن يدركوا أنه تناقض بالحقيقة، إذ إنه في سبع سنين تمت عمارته الأولى وأربع سنوات أخرى التي تم بها عمارته الثانية وأربع عشرة سنة فاصل فيما بين وضع الأساس وبين البناء وإن فرضنا١ هذه الأربع عشرة سنة تقدير محال، فتكون الجملة خمسًا وعشرين سنة، فلنخرجها من أصل الست والأربعين التي ذكرها يوحنا، فيكون الفرق إحدى وعشرين سنة. ومنها (يظهر) ظاهرًا التناقض والتزوير٢.
_________________
(١) ١ في. ت قال "ولئن كانت". ٢ من قوله "وإن قيل في حل هذا الشك" ص٢٦٠ إلى نهاية الشك جعله حاشية في النسختين، ويبدو لي أن ذلك خطأ، والصواب ماأثبت وأنها من المتن.
[ ٢٦٦ ]
الشك العاشر
في سفر تثنية الاشتراع في الإصحاح الرابع والعشرين قالوا: "لا تقتل الآباء عوض البنين ولا البنون عوض الآباء"١. وأما في سفر الخروج في الإصحاح العشرين فقال ضد ذلك وهو قوله: "اجتزي ذنوب الآباء من الأبناء إلى ثلاثة وأربعة أجيال"٢.
صورة التناقض
هذا الاشكال مع كونه تناقض ظاهرإلا أنه ظلم محض٣، إذ إنه في موضع قال: إنه يقتص٤ من الشخص (البرئ) عن غيره، وهو الظلم الذي ذكرناه، وفي موضع آخر يناقض كلامه السابق: بأن لايقتص من البنين عوض آبائهم.
(ومثله يوجد تناقض آخر في إرميا في الإصحاح الحادي والثلاثين): "ولكن كل واحد يموت بإثمه"٥، ويقول هو نفسه في الإصحاح الثاني والثلاثين: "وتروا إثم الآباء على حضن أبنائهم"٦
_________________
(١) ١ تثنية ١٦:٢٤ وفيه "لايقتل الآباء عن الأولاد ولايقتل الأولاد عن الآباء". ٢ الخروج ٥:٢٠ وفيه "افتقد ذنوب الآباء في الابناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي". ٣ في. ت "إن هذا الإشكال هم إنه تناقض ظاهر هم ظلم محض" وما أثبت من. د ويبدو أن ماورد في. ت على لغة أهل العراق العامية وتعني أيضًا. ٤ في الموضعين في النسختين "يقاصص". ٥ إرميا ٣٠:٣١ وفيه "بل كل واحد يموت بذنبه". ٦ إرميا ١٨:٣٢ وفيه "صانع الإحسان لألوف ومجازي ذنب الآباء في حضن بنيهم بعدهم".
[ ٢٦٧ ]
فأولًا: إن هذين النصين عدا أنهما متنافران، إلا أن أحدهما أعني قصاص شخص غير مذنب ١ عن شخص آخر مذنب مباين للعدل مباينة كلية.
وثانيًا: يؤكد (إجراء) هذه الشريعة الظالمة بوجه أبلغ بولص بقوله إلى أهل رومية ٢: "وكما أن بذنب إنسان واحد صار إلى جميع الناس الشجب"٣، يعني أن البشر كلهم بقوا تحت الخطيئة التي لآدم*،
_________________
(١) ١ في. د قال "مؤثم" بدلًا من مذنب. ٢ قال في. د "فإن كان منه اسم واحد مات كثيرون" ولامعنى لها. ٣ رومية ١٢:٥ وفيه "من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم". * حاشية: (اعلم أنّ شجب البشر بسبب خطيئة جدهم آدم هو المركز والقاعدة في الديانة النصرانية وليست ظلمًا) .
[ ٢٦٨ ]
فكيف يقبل العقل مثل هذا الظلم (القسري)، ويسلم بمثل هذا التناقض، أذ إن هذا الشك مع أنه ظلم محض، فهو تناقض ١.
_________________
(١) ١ في. ت "إذ أن هذا الشك هم أنه ظلم بليغ هم تناقض" وماأثبت من. د وفيه "مع أن بعضه ظلم إلا أنه تناقض".
[ ٢٦٩ ]
الشك الحادي عشر
في سفر الأيام الثاني في الإصحاح الحادي والعشرين ذكر أن يورام لما كان عمره اثنتين وثلاثين سنة نصبوه ملكًا، وقد تملك ثمان سنين ومات١، وأقيم بعده ابنه أخزياهو عوضه، وكان عمره اثنتين وأربعين سنة وملك سنة واحدة ٢.
صورة التناقض
إن ههنا أخبرت التوراة أن يورام لما كان عمره أربعين سنة مات، وملك ابنه أخزياهو عوضه، وكان عمره اثنتين وأربعين سنة، فكأن أخزياهو قد خلق قبل أبيه بسنتين، وما أدري كيف أن الابن يخلق قبل الأب بسنتين، وهذا لايتكلم به عاقل.
وإن٣ [قيل في حله: بأن في سفر الملوك الرابع مذكورة هذه القصة، (وفيها) أنه لما مات يورام كان ابن أربعين سنة، (فجعلوا) ابنه أخزياهو عوضه، وكان عمره اثنتين وعشرين سنة ٤ وهذا هو الحق.
_________________
(١) ١ أخبار الأيام الثاني ٥:٢١. ٢ أخبارالأيام الثاني ٢٢:١،٢. ٣ هنا خرم في نسخة. ت إلى آخر الكلام على الشك العشرين فيكون مقدار الخرم فيه بقية الكلام على الشك الحادي عشر وتسعة شكوك أخرى أما نسخة. د فهي كاملة. ٤ المذكور في سفر الملوك الثاني ٨: ٢٥ "وفي السنة الثانية عشرة ليورام بن أخاب ملك إسرائيل ملك أخزيا بن يهورام ملك يهوذا كان أخزيا ابن اثنتين وعشرين سنة".
[ ٢٧٠ ]
فأجيب: نعم، ولكن هذا الجواب لاينفي التحريف بل يؤكده، بحيث قد بقي الفرق فيما بين سفر الأيام الثاني وبين سفر الملوك الرابع.
وهذا هو المطلوب لبيان التحريف، لأن في التوراة اليونانية أيضًا مذكورًا في السفرين، بأن أخزياهو كان ابن اثنتين وعشرين سنة لما ملك.
[ ٢٧١ ]
(الشك) الثاني عشر
في الإصحاح العشرين في سفر الخروج قال "وإن عملت لي مذبحًا من حجارة فلا تبنه لي من حجارة يصيبها الحديد، لأن ما أصابه الحديد يتنجس".١
صورة الركاكة
إن هذا القول نسبوه لله تعالى، وحاشاه من أن يتكلم بمثل هذا الكلام الذي لا يقبله العقل، لأن من يقول: إن المذبح الذي يعمل لايكون من حجارة معمولة بالحديد، لأن ماأصابه الحديد يتنجس، أما ينظر إلى الذباح على المذبح ذاته كيف يذبح بالحديد، وأعمال البشر جميعها من القبة والألواح المنحوتة وبناء الهيكل وعمل الأواني، أما يفطن إليها كلها مصنوعة من البشر بواسطة الحديد!! وماورد لها تطهير في الشريعة، فلا يخلو إما أن يكون البشر وأعمالهم، والقبة وأوانيها، والهيكل والذبائح، كلها تنجست بواسطة الحديد، أو أن الآية فيها تزوير على الله.*
_________________
(١) ١ الخروج ٢٠: ٢٥ وفيه "وإن صنعت لي مذبحًا من حجارة فلا تبنه منها منحوتة إذا رفعت عليها إزميلك تدنسها". * حاشية: (إن أحبار اليهود يحلون هذا المشكل بجواب مضحك إذ يقولون عن حجارة البيت كلها وأنها لم تكن قطعت في حديد بل إن دودة يضعونها على الصخر فكانت تقطعه مستقيما من غير حديد لئلا يتنجس فأجيب: أولًا -أنه ماذكر في التوراة ولافي خلافها عن هذه الدودة أنها موجودة ثانيًا -أنه لو كانت موجودة هذه الدودة لما كان أرسل سليمان ثمانين ألف نحات. القضية الثانية المزورة أيضًا على سليمان ﵇ مع تقطيع الحجارة لأجل بناء الهيكل: السبعين ألف حمال والثمانين ألف نحات، الذين لم توجد في مملكة مثل المملكة العثمانية السامية التي أرض مملكة سليمان مع اليهودية بأجمعها وقتئذ لم تساوي قيراطًا من المملكة العثمانية المذكورة. ثالثًا -إن كانت هذه الدودة قطعت الحجارة لئلا تتنجس فعمل الطين للبيت وكنسه وباقي المنجدرات والمخبوطات بأي آلة كانت تعمل!!.
[ ٢٧٢ ]
(الشك) الثالث عشر
في إنجيل متى في الإصحاح التاسع يقال للأعميين اللذين شفاهما المسيح، "فانفتحت أعينهما فانتهرهما يسوع قائلًا: لا يعلم أحد".١
(الشك) الرابع عشر
في إنجيل مرقس في الإصحاح الثامن قال للأعمى الذي شفاه وأرسله إلى بيته قائلًا: "اذهب إلى بيتك وإن دخلت القرية فلا تقل لأحد".٢
_________________
(١) ١ في. د. "ألايعلم أحد" وما أثبت كما في متى ٩: ٣٠ وهو أوضح. ٢ مرقس ٨: ٢٦.
[ ٢٧٣ ]
(الشك) الخامس عشر
في مرقص في الإصحاح الخامس قال: "إن المسيح لما أقام الميتة أمرهم كثيرًا بأن لايعلم أحد".١
(الشك) السادس عشر
في إنجيل مرقس في الإصحاح السابع يقول عن شفاء الأخرس والأطرش "وللوقت انفتحت أذناه وانحل رباط لسانه وتكلم حسنًا، وأوصاهم ألا يقولوا لأحد شيئا، فأما هم بقدر ماكان يأمرهم بقدر ماكانوا يزدادون مكررين".٢
(صورة التحريف)
إن المقول في هذا الشك والمقول في الثلاثة شكوك (السابقة) بمعنى واحد، إذ إنها محتوية على الركاكة، لأنه كيف يمكن للأعميين أن يخفيا أعينهما لكي لايعلم أحد، وكيف الميتة التي أقامها بين أنفار كثيرين أن ينكتم أمرها، أو الأخرس والأطرش الذي صار له سنوات قد نظروه
_________________
(١) ١ مرقس ٥: ٤٣. ٢ مرقس ٧: ٣٥-٣٦ وفيه "وللوقت انفتحت أذناه وانحل رباط لسانه وتكلم مستقيمًا فأوصاهم أن لايقولوا لأحد ولكن على قدر ماأوصاهم كانوا ينادون أكثر كثيرا". ٣ في. د كتب عنوان "السابع عشر" وهو خطأ لأنه أورد بعده السابع عشر كما سيأتي، فيبدو أنه سبق قلم من الناسخ، وكتبت العنوان على العادة التي يتبعها المصنف ﵀.
[ ٢٧٤ ]
صار يسمع ويتكلم، وذاك الأعمى الوحيد كيف يجوز العقل أن يخفى أمرهم! فالموصي في إخفاء مثل ذلك هو غير مدرك أن وصيته ممتنع أن تأخذ مفعولها، وهذه الركاكة الكلية حاشا سيدنا عيسى منها، ومن أن يتكلم في مثل هذه الوصايا، التي لايمكن أن تجري*.
_________________
(١) * حاشية: (قد يقول النصارى في حل الإشكال إن سيدنا عيسى كان يجب أن يخفي ذلك، لكي يعلمهم بأنه ماكان قصده الافتخار ولا شفاهم لأجل الشرف، بل كان لأجل مجد الله، ولذلك كان يعلم بأن لايقال لأحد، فأجيب: أنه إذا كان سيدنا عيسى شفاهم لأجل مجد الله فينبغي له إظهاره، كما قال هو عن نفسه - في موضع آخر للذي شفاه -: "اذهب وخبر بما صنع الله بك ورحمته إياك"، أو أن يصمت عن أن يأمرهم في وصايا غير ممكن تنفيذها، لا بل معصيتها واجبة، لأنه كيف يمكن للأعمى إذا سئل من الذين كانوا يعرفونه أعمى بأن يكذب ويقول: أنا ماكنت أعمى، ولاالمسيح شفاني وكذلك الميتة التي أقامها، كيف كان يمكنها هي وأهلها بأن يقولوا هذه ما ماتت، وما أقامها المسيح، وكذا الأعميان والأطرش. فهذا ليس ركاكة فقط بل سفاهة وقصور، بحيث لا يمكن حصوله، وهو من قضايا المغفلين، مع أن القصد بعمل الآيات إظهارها لا إخفاؤها، لكونها أقوى وأنفد من كل منذر.
[ ٢٧٥ ]
(الشك) السابع عشر
في إنجيل لوقا في الإصحاح الثاني عشر قال بعد قوله: "لا تهتموا بأنفسكم بما تأكلون ولا لأجسادكم بما تلبسون، بأن من منكم إذا هم يقدر أن يزيد على قامته ذراعًا واحدًا، فإن كنتم لا تستطيعون ولا ماهو صغير فكيف تهتمون بالبواقي".١
صورة الركاكة
إن معناه ههنا: لا تهتم بالغد ماذا تأكل؟ أو ماذا تلبس، وضرب مثلًا بأنه: إن كنتم لاتقدرون أن تزيدوا على قامتكم ذراعًا واحدًا فكيف تهتمون بالبواقي. فكأنه يقول: إن الحصول على مؤونة الغد شاق وصعب، أما التطويل للقامة فهو ممكن الحصول.
والحال أن الأمر (بالعكس)، لأن الاهتمام بالغد يقع مع الأكثر ويفعلونه، وأما التطويل للقامة ما وجد على الإطلاق، ولا قدر على فعله إنسان.
_________________
(١) ١ لوقا ١٢: ٢٢-٢٦ وفيه «لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون ولا للجسد بما تلبسون الحياة أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس ومن منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد على قامته ذراعًا واحدة، فإن كنتم لا تقدرون ولا على الأصغر فلماذا تهتمون بالبواقي» .
[ ٢٧٦ ]
فكيف عيسى ﵇ يصعب الممكن صنعه، وبجعل الهين المصنوع ممتنعًا* (والمستحيل الغير ممكن صنعه يجعله هينًا) ١، فهذا الأمر لا يتصوره عاقل.
والذي يؤكد تزوير هذا المثال شرح صورته الصحيحة في إنجيل متى الإصحاح السادس٢، حيث (ذكره بدون الجملة المزورة)، التي هي "فإن كنتم لا تقدرون ولا ماهو صغير كيف تهتمون بالبواقي".٣
_________________
(١) * حاشية: (اعلم أنه وإن قيل إن الاهتمام بالغد هو برتبة الممتنع كما ظنه بعض المفسرين، فلذلك جاز عندهم ضرب الممتنع بالممتنع. فالجواب عليه نقول: إن قدرنا أن الاهتمام بالغد ممتنع مع استحالته فالممتنع لا يمنع منه، لأنه لا ترد به شريعة مطلقًا، أي أن الشارع لا يحكم عليه بالمنع، لكونه إن منعه، وإن لم يمنعه غير ممكن للإنسان عمله. ومثال هذا: كما أنه إذا قال إنسان: إني أريد أن أطير اليوم مع الطيور، وأنا مهتم بذلك، فلا يقتضي من العقلاء أن يمنعوه، لأنه ممتنع طيرانه بالطبع. ثم نقول: والنتيجة من ذلك إن قالوا: إن الاهتمام بالغد ممكن، فقد ورد عليه الجواب من المؤلف رحمه الله تعالى، وإن قالوا: إنه ممتنع، قلنا: إن الممتنع لا يمنع منه، وجميع الأجوبة التي تقدر في هذا الباب تدخل تحت هذين الحدين: إما ممكن أو ممتنع، وكلاهما منقوضان. ثم نرى أن الاهتمام بالغد، الذي جعله المزور ممتنعًا، وأسنده إلى عيسى ﵇ هو أمر طبيعي مرتبط بالرجاء الطبيعي، لأن القمح مع أكثر المزروعات لا تخرج من الأرض إلا سنويًا في أيام معلومة، وبالضرورة يلتزم البشر في حفظها ويهتمون لصيانتها ليكمل معاش السنة. وقد يلحظ من كل ماذكرنا أن المزور على عيسىعليه السلام في هذا المثال، -إن الاهتمام بالغد هو أبلغ من التطويل للقامة -هو رجل مبغض لعيسى ﵇. ١ ما بين القوسين ليس في. د ولابد منه ليتم الكلام. ٢ إنجيل متى ٦: ٢٥-٢٩ فقد ورد فيه المعنى السابق إلا أنه لم يذكر فيه الجملة الأخيرة التي أشار إليها المصنف ﵀ ٣ لوقا ١٢: ٢٦.
[ ٢٧٧ ]
(الشك) الثامن عشر
في الإصحاح الثامن من إنجيل يوحنا يقول عيسى لليهود "قد كتب في ناموسكم أن شهادة رجلين حق هي فأنا أشهد لنفسي وأبي الذي أرسلني يشهد لي" ١.
صورة الركاكة
فأقول حاشا سيدنا عيسى أن يذكر مثل هذا الكلام السخيف، لأنه هو المدعي وهو الشاهد لنفسه، كأنه غير عارف معنى الشريعة التي ذكرها، أن المدعي يقتضي أن يستشهد اثنين خلاف شخصه، فالمسيح كيف يقول عن ذاته: إنه هو يشهد لنفسه، وأبوه هو الشاهد الثاني، الكلام الذي هو مضاد للعقل، ومضاد أيضًا لنقله، الذي هو استند عليه بقوله "كتب في ناموسكم أن شهادة رجلين حق"، مع أنه كان يكفي عن قوله "كتب في ناموسكم أن شهادة رجلين حق "أن يقول أبي يشهد لي فقط، فالمؤمن يصدق، وغير المؤمن لا يصدق، ففي الوجهين أولى من ورود هذه الدعوى٢، التي يظهر أنها مزورة عليه وهو بريء منها، لكونه له معرفة تامة بالشريعة.
_________________
(١) ١ يوحنا ٨: ١٧-١٨. ٢ يعني في الحالين تصديق من يصدق وتكذيب من يكذب أولى من ادعاء هذه الدعوى الباطلة.
[ ٢٧٨ ]
(الشك) التاسع عشر
في الإصحاح السابع والعشرين من إنجيل متى قال "حينئذ تم ما قيل في إرميا النبي وأخذوا الثلاثين الفضة ثمن المثمن الذي أثمنه بنو إسرائيل وجعلوها في حقل الفخار كما أمرني الرب".١
صورة التزوير
هذه الشهادة التي ذكرها، وأنها من نبوة إرميا ليس لها وجود في نبوة إرميا، بل هي موجودة في نبوة زكريا في الإصحاح الحادي عشر٢.
فالحاكم العاقل له أن يحكم في أحد ثلاثة وجوه:
إما بعدم معرفة متى الإنجيلي، وأنه ما أدرك إن كان إرميا كتبها أو زكريا، أو بتحريف هذه الشهادة في إنجيله، وإما أن قلمًا آخر غير موضعها في التوراة.
_________________
(١) ١ متى ٢٧: ٩-١٠. ٢ زكريا ١١: ١٢-١٤
[ ٢٧٩ ]
الشك العشرون
في إنجيل يوحنا في الإصحاح التاسع يقول: "بينما يسوع كان مجتازًا رأى رجلًا أعمى مولودًا فسأله تلاميذه قائلين: من أخطأ أهذا أم أبواه حتى أنه ولد أعمى؟ أجاب يسوع وقال: لا هذا أخطأ ولا أبواه، ولكن لتظهر أعمال الله فيه".١
صورة التحريف
إن هذا الرجل الذي ولد وهو أعمى: متى أخطأ، حتى أنهم سألوا سيدنا عيسى: من أخطأ أهذا أم أبواه، حتى أنه ولد أعمى٢؟ فلابد أن يظهر من سؤالهم هذا أنه كان في الدنيا قبل هذه المرة ومات، [وقد بقي عليه خطايا كما تزعم اليهود إلى الآن]، ولما رجع إلى الدنيا ثانية؛ أعني في زمان عيسى اقتص منه بالعمى في جوف أمه عن خطئه السابق قبل موته الأول.
وهذا المعنى الوارد منهم، أعني أن الإنسان يوجد في العالم ويموت ثم بعده يرجع ويعيش، لا يخلو: إما أن يكون عيسى قد سلم به واستصوبه، بحيث أنه لم ينقضه عليهم ويقول لهم: أيا جهال متى أخطأ هذا؟ أقبل ولادته؟ وإما أنه ما فهم منهم قوة معنى كلامهم، ولا أدرك قوة مصادقة كلامه الذي أورده لجواب كلامهم أي قوله: لا هذا المخطئ ولا أبواه. وعلى الحالتين الركاكة والقصور في الاعتقاد موجودان.
_________________
(١) ١ يوحنا ٩: ١-٣. ٢ إلى هنا نهاية السقط الذي في نسخة ت.
[ ٢٨٠ ]
الشك الحادي والعشرون
في سفر التكوين في الإصحاح التاسع يقول: فلما نظرحام أبو كنعان عرية أبيه أنها مكشّفة أخبّر إخوته خارجًا، فلما استيقظ نوح من الخمر وعلم ماعمل به ابنه الأصغر فقال: ملعونٌ كنعان بن حام ويكون عبدًا لعبيد إخوته ١.
صورة ظلم كنعان
إن حامًا أبا كنعان هو الذي نظر عرية أبيه نوحا، وأما اللعنة من نوح فكانت على كنعان بن حام، عوضًا عن أن تكون على حام، الذي نظر عرية أبيه، وهذا الوجه ظلم لامناص منه مطلقًا، بحيث إنه حسب تقرير التوراة أن حامًا هو الذي أخطأ، واللّعنة صارت على ابنه كنعان*.
_________________
(١) ١ تكوين ٩: ٢٢-٢٥ وفيه «فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجًا فلما استيقظ نوح من خمره علم مافعل به ابنه الصغير فقال ملعون كنعان عبد العبيد يكون لإخوته» .ولا شك أن اليهودقد كذبوا على نوح ﵇ وذلك من افتراءاتهم على أنبياء الله التي ملأوا بها كتابهم، فما سلم من طعنهم وافترائهم أحد من الأنبياء، ونوح ﵇ قد وصفه الله ﷿ بأنه عبد شكور. قال تعالى في معرض الامتنان على بني اسرائيل: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ الإسراء ٣، فكيف يتأتى من نبي من أنبياء الله أن يرتكب هذا المنكر العظيم –سبحانك هذا بهتان عظيم–، وما افترى اليهود هذه الفرية على نوح ﵇ إلا لأجل أن يتوصلوا إلى لعن كنعان أبي الكنعانيين ووصفه بالعبودية لإخوته، وذلك لأن الكنعانيين كانوا أعداء بني اسرائيل الألداء، فأرادوا أن يطعنوا بهم بذلك، وهذا دليل على حمقهم وتغفيلهم وفسقهم، لأن دلائل الكذب ظاهرة في النص كما شرح المصنف ﵀ * حاشية: (وإن قيل من أحبار اليهود والنصارى إن حامًا هو كان ابن البركة، وليس من الواجب أن يلعن وإن كان كنعان ابنه قد تحولت عليه اللّعنة من حيث أمه قد حملت به أيضًا وهم ضمن السفينة، فمن هذين الوجهين اقتضى تحويل اللّعنة من حام إلى ابنه كنعان. فأقول: إن هذين الوجهين لايبرءان حامًا من القصاص، ولا يوجبان اللّعنة على كنعان، لأنه إن كان حام هو المبارك وأخطأ لا يلزم أن يلعن كنعان ابنه عوضه، وإن كانت أم كنعان حملت به وهم ضمن السفينة، لا يلزم أن يلعن، بل الحكم كله على أبيه، الذي زرعه في السفينة، [وهو الذي ضحك لما نظر عرية نوح]، وعلى جده نوح أيضًا، الذي تزورت عليه أنه كان سكرانًا، وعلى كلا الوجهين فلعنة كنعان من جده نوحٍ عوضًا عن أبيه حام هي إما ظلم وإما تحريف) .
[ ٢٨١ ]
(الشك) الثاني والعشرين
في إنجيل متّى في الإصحاح السادس عشر العدد الحادي والعشرين١ قال: "وبدأ من ذلك الزمان يسوع يظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يمضي إلى أورشلم ويقبل آلامًا كثيرة من المشيخة والكتبة ورؤساء الكهنة ويقتل ثم يقوم في اليوم الثالث، فاتخذه بطرس وبدأ ينهاه قائلًا: حاشاك يارب أن يكون لك هذا، فالتفت يسوع وقال لبطرس: اذهب خلفي يا شيطان لأنك أنت لي شكٌ لأنك لا تفكر فيما لله بل فيما للناس".
_________________
(١) ١ متى ١٦: ٢١،٢٢ وفيه «من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتألم من كثير الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم فأخذه بطرس إليه وابتدأ ينتهره قائلًا حاشاك يارب لا يكون لك هذا فالتفت وقال لبطرس: اذهب عني يا شيطان أنت معثرة لي» .
[ ٢٨٢ ]
(صورة) ظلم بطرس:
فأقول: إنه إذا كان سيدنا عيسى يعلم بأن من قال لأخيه: يا أحمق، وجبت عليه نار جهنم، فكيف يجعل من يستعطفه شيطانًا، الذي قال له: "حاشاك يارب" -وبالحق حاشاه - كان الجواب له: اذهب خلفي ياشيطان. ففي (تلك) المشاكل السابقة كنا ننظر قصاصًا بليغًا على خطايا جزئية، وقلنا إنها ظلم بلا شك، فهذا الذم الوارد على من يستعطف المسيح، مع أنه لا يليق إذلاله، (والحط من) شأنه، وتوجيه اللوم (إليه، مع أنه خال) ١ من كل وجه من وجوه الخطأ، ويقال له من نبي مثل هذا٢ "ياشيطان"، فماذا يحكم العقل فيه؟ أليس تزويرًا كما الحكاية كلها٣.
والدليل على أنه تزوير هو من الجملة التي كتبها لوقا في الإصحاح التاسع في هذا المعنى فقط، الخالية من قوله: اذهب خلفي يا شيطان٤ *.
_________________
(١) ١ في النسختين «وتوجه العوارض عليه الخالي من كل وجه» وصوابها ما أثبت. ٢ أي من نبي مثل عيسى ﵇. ٣ يقصد دعوى أن المسيح أخبر أتباعه أنه يقتل ويقبر ثم يقوم في اليوم الثالث. وفي. د قال «أليس إلا أنه تحريف كباقي التحاريف» . ٤ لوقا ٩: ٢٢ حيث لم يذكر فيها كلام بطرس ولا رد المسيح عليه. (*) حاشية: (اعلم أنّ الذي يؤكد ذلك التزوير غلاقة هذه الجملة وهي قوله لبطرس: لأنك لا تفكر فيما لله، ومعناه أنك أنت يا بطرس أو خلافك إذا نظروا رجلًا مثلي في غاية الكمال من السيرة الطاهرة قد يلزم لهم إذا سمعوا منه بأنه مزمع أن يقتل بلا سبب ويألم، بأن يظنوا فيه بأنه من جملة أفعال الله الخارقة، وحاشا، أن يسمح بأن يقتل ظلمًا، وأما إذا ظنوا ذلك قد يحكم عليهم بأنهم شياطين، وهذا الحكم قد يضاد العقل والنقل، ولهذا قد نسبوه إلى عيسى، الذي هو برئ من مثل هذه التهمة، مع أنه كان ينبغي لهم أن ينظروا أن استعطاف بطرس للمسيح هو ناتج من ظنه فيما لله، لأنه أدرك من الله أنه ليس بظالم حتى يترك عيسى البرئ من كل ذنب أن يقتل ظلمًا) . وهذه الحاشية ليست في. د.
[ ٢٨٣ ]
[وإن قيل: إن أفكار بطرس كانت منصرفة إلى روح العالم، وليست هي متعلقة بالله، لأن يسوع ﵇ قال له "إنك يابطرس لاتفكر فيما لله بل فيما للناس".
فأجيب: إن هذه الجملة اللاحقة التي هي قوله "لا تفكر فيما لله" يظهر أنها محرفة أيضًا، لأن كلام بطرس السابق يدل على أن أفكاره متعلقة بالله ﷾، وتراه فكر تفكيرًا صائبًا، وهو أن الله لايليق بأحكامه أن يترك رجلًا حاويًا مثل هذه المناقب الحميدة والأفعال الصالحة يأخذه اليهود ويهينونه، ويقتلونه ظلمًا وجورًا.
فهذا الفكر الذي هو: أن الله ليس بظالم، هو الظاهر معناه من مضمون كلام بطرس، وليس فكرًا متعلقًا فيما للناس، كما ظنه بعض المفسرين من النصارى، بل هو فكر متعلق فيما لله ﷾] .
[ ٢٨٤ ]
(الشك) الثالث والعشرون
في إنجيل مرقص في الإصحاح الحادي عشر يقول: "ونظر يسوع إلى تينة من بعيد ذات ورق فجاء (إليها) لعله يجد فيها شيئًا، فلما جاء إليهالم يجد إلا ورقًا فقط لأنه لم يكن زمان التين، (فقال): لايأكل أحد منك ثمرًا إلى الأبد، ولما جازوا في الغد فرأوا التينة يابسة من أصلها، فتقدم بطرس وقال: يا معلم ها التينة التي لعنت قد يبست"١.
(صورة) ظلم التينة
(فأقول) إن مرقص ههنا شهد أنه لم يكن زمان التين، فكيف يغضب عليها سيدنا عيسى ﵇ إذا كان لا يوجد فيها ثمر في غير زمان (التين) والثمار؟،لأن جميع النبات٢ لا يثمر في غير حينه، فإذًا يظهرأن هذا الفعل هو مباين للعدل، فكيف ينسب فعله إلى المسيح، وحاشاه من أن يفعل مثل هذا الفعل في هذا الوجه، وهذا النص الوارد من مرقص كان (واقعة حقيقية) ٣؛ أعني: أنها شجرة تين صريحة لا تقبل
_________________
(١) ١ مرقس ١١: ١٣-٢٢. ٢ في. د قال «الثمار» ٣ في النسختين «واقعًا فعليًا حقيقيًا» ومراده: أنه ليس مجازًا بل الوارد في النص أنها شجرة تين.
[ ٢٨٥ ]
التأويل١، لأن بطرس يؤكد حقيقة هذا الكلام بقوله: "يا معلم ها التينة التي لعنت قد يبست".
فهذا المشكل يجب أن يحكم فيه العقلاء الخالون من الغرض، ويميزوا إن كان المسيح تكلم بمثل ذلك، أو أن ذلك تزوير عليه كباقي التزاوير٢.
_________________
(١) ١ الجملة في النسختين «أعني أنها شجرة تين لا تنفر من معنى حرفيتها، ولا تقبل التأويل إذا تمثلت إلا من بعد تقويم حرفيتها المثالية» . وهي عبارة ركيكة، ومراد المؤلف ﵀ إثبات أن لفظة التين ليست مجازية، وكتبتها حسب ما فهمت من مراده. ٢ في. د «أو تحريفًا عليه كباقي التحاريف» .
[ ٢٨٦ ]
(الشك) الرابع والعشرون
في إنجيل متّى في الإصحاح الثامن عشر يقول للذي كان مديونًا إلى سيده فأمر سيده أن يباع هو وامرأته وبنوه وكل ماله حتى يوفي، وذلك إذ ليس له مايوفي ١.
(صورة) ظلم المديون
إن هذا ظلم مبين: أن مديونًا ليس عنده شئ يوفي؛ يحكم عليه بأن يباع هو وامرأته وبنوه وكل ماله حتى يوفي (الدين) .
أقول: إن كان هذا الأمر (جرى) وصدر لأنه عبده فيكون أمره بأن يباع العبد هو وامرأته وبنوه وكل ماله، فليس هو من وجوه الاستيفاء لكون العبد وما ملكت يداه لسيده إذ إنه إن باعه وإن لم يبعه فهو تحت ملكه وحوزة تصرفه، ولا ينبغي له أن يقول حتى يوفي. وإن كان هذا العبد في الوقت الذي أمر به أن يباع هو وامرأته وبنوه كان مطلقًا من العبودية وحرًا فالقصاص عليه بأن يباع هو وامرأته وبنوه وكل ماله هو مضاد لشرائع الله تعالى ومناف للعدل بل هو مناف لشريعته الفضلية*.
_________________
(١) ١ متى ١٨: ٢٥ وفيه «وإذ لم يكن له مايوفي أمر سيده أن يباع هو وامرأته وأولاده وكل ماله ويوفي الدين» . * حاشية: للناسخ: نعم إن التوراة قالت إن افتقر أخوك وابتعته فلا تستخدمه مثل العبد إلا أنها لم تأمر صاحب المال ان يبيع المديون وأولاده وامرأته، وهذا الحكم قد صدر عليه من قبل أن (يظلمه) أخوه ويقسو عليه. وهذه الحاشية ليست في. د، وإنما ورد فيها بعد قوله في المتن أعلاه «الفضلية» العبارة الأخيرة الواردة في الحاشية من قوله «وهذا الحكم قد صدر عليه» .
[ ٢٨٧ ]
(الشك) الخامس والعشرون
١ في رسالة بولس إلى كولوسي في الإصحاح الرابع يقول: "واقرأوا أنتم الرسالة التي من لاودكية" ٢، وفي سفر الملوك الثالث يقول: إن عدد الأمثال التي إلى سليمان ثلاثة آلاف مثل، وتسابيحه ألف وخمسة تسابيح٣ ونبوة أخنوخ٤.
صورة النقض
أقول: إنك أيها العالم النحرير تجد تأكيد التزوير في التوراة والإنجيل ليس مما شرحناه لك في الشكوك الماضية فقط، بل إنك هنا
_________________
(١) ١ من بداية الشك الخامس والعشرين سقط من نسخة. ت إلى منتصف الشك الثامن والعشرين وهو موجود في نسخة. د. ٢ في ٤:١٦ وفي النسختين «اللاذقية» . ٣ في سفر الملوك الأول ٤: ٣٢ قالوا عن سليمانعليه السلام «وكان صيته في جميع حواليه وتكلم بثلاثة آلاف مثل وكانت نشائده ألفًا وخمسا» . ٤ ذكرها يهوذا في رسالته ١٤ وأخنوخ كما يذكر ابن كثير هو إدريس ﵇ الوارد في قوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ مريم (٥٦-٥٧) انظر البداية والنهاية (١/١٠١) .
[ ٢٨٨ ]
تتأكد من نقص وانعدام رسالة لاودكية، ونقص أمثال سليمان، وتسابيحه التي لم يبق منها ولا ثلثها، ونقص نبوة أخنوخ التي ذكر جملة منها يهوذا الحواري١ في رسالته الجامعة. وهذا وحده يكفي للبيان.
ويوجد نقص آخركثير قد أعرضنا عنه، كما يخبرنا بذلك يوسيفوس المؤرخ في كتابه٢، وفي كتاب لافجانيوس٣ المبتدي فيه من المائة سنة الأولى٤، المسلم عند النصارى، التي ذكر بها: أن الأناجيل التي كانت موجودة في ابتداء الديانة النصرانية كان عددها أكثر من نحو ثلاثين إنجيلًا، التي تعدد أسماء كاتبيها وقد أشار إليهم لوقا إجمالًا في أول إنجيله: بأن كثيرين باشروا كتابة قصص الأمور التي كانت كملت فينا٥، التي
_________________
(١) ١ قوله الحواري هنا لايصح لأنه لادليل عليه، بل إن ضمن رسالته مايدل على أنه ليس حواريا. ٢ يوسيفوس هو مؤرخ يهودي، ولد في أورشليم وشهد خرابها على يد تيطس، له «الحرب اليهودية» و«العاديات اليهودية»، وهو تاريخ للعالم القديم حتى عام ٦٩م. توفي عام ١٠٠م. انظر المنجد ص٧٥٦. ٣ لم أتمكن من معرفته. ٤ في الأصل: «الأولى، الأولى» ويبدو أن الثانية خطأ. ٥ هكذا العبارة وفيها ركاكة وما ورد في بداية إنجيل لوقا هو قوله «إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداما للكلمة» .
[ ٢٨٩ ]
وصل إلينا منها إلى حد زماننا هذا أربع مقالات من متى ومرقس ولوقا ويوحنا وتسمى أناجيلًا فقط.
وهذا النقص يدلنا على نقص شهادات أخر كثيرة في التوراة والإنجيل ذكر فيها١ اسم نبينا ﷺ حرفيًا، غير التي أوردناها لصدق القرآن العظيم القائل و"اسمه أحمد"، وأنه مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل٢.
_________________
(١) ١ في النسخة العبارة هكذا «مقولة حرفيًا في التوراة والإنجيل في اسم النبي ﷺ» وهي ركيكة وصوابها ما أثبت. ٢ وذلك في قوله تعالى ﴿النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيل﴾ الأعراف آية (١٥٧) .، وفي الآية الأخرى قوله تعالىعن المسيح ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَد﴾ الصف آية (٦) .
[ ٢٩٠ ]
(الشك) السادس والعشرون
في نبوة حزقيال في الإصحاح الرابع يقول: إن الله تعالى شأنه قال لحزقيال "وخبز ملة من شعير تأكله وتلطخه بزبل يخرج من الإنسان" ولما اعتذر حزقيال واستعفى من أكل الخبز الملوث بزبل الإنسان، كما يخبر عنه في الفصل ذاته، فبدله بخبز ملوث بزبل البقر، بقوله في العدد الخامس عشر فقال له: "أعطيتك زبل البقر عوضًا عن رجيع الإنسان وتصنع خبزك فيه"١.
صورة أكل زبل الإنسان:
إن هذه النبوءة قد صيرت عقلي مذهولًا، كيف أن الله تعالى وحاشاه يأمر النبي بأكل خبز ملطخ بزبل الإنسان، ولا أقدر أن أتصور كيف أن الغائط يؤكل، وكيف أن الله ﷾ ما أهلك الناسبين له هذا الأمر وأنه من أمره٢، وحاشاه.
_________________
(١) ١ حزقيال ٤: ١٢-١٦ وقالوا فيه مدعين أن ذلك أمر الله تعالى إلى حزقيال -تعالى الله عن ذلك- «وتأكل كعكًا من الشعير على الخرء الذي يخرج من الإنسان تخبزه أمام عيونهم، وقال الرب هكذا يأكل بنو إسرائيل خبزهم النجس بين الأمم الذين أطردهم إليهم، فقلت آه ياسيد الرب ها نفسي لم تتنجس ومن صباي إلى الآن لم آكل ميتة أو فريسة ولادخل فمي لحم نجس، فقال لي: انظر قد جعلت لك خثى البقر بدل خرء الإنسان فتصنع خبزك عليه» . ٢ هذا حِلم الله على عباده قالعز وجل: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ فاطر آية (٤٥) .
[ ٢٩١ ]
(الشك) السابع والعشرون
في سفر الخروج في الإصحاح الثاني عشر قال: "فكان جميع ماسكنه بنو إسرائيل في أرض مصر أربعمائة وثلاثون سنة، وبعد أن كملت الأربعمائة وثلاثون سنة في ذلك اليوم خرج جنود الرب جميعهم من أرض مصر".١
وفي الإصحاح الخامس عشر من سفر التكوين قال خلاف ذلك، حيث قال لإبراهيم: "اعلم عالما أن نسلك سيكون ساكنًا في أرض غريبة ويستعبدونهم ويضيقون عليهم أربعمائة سنة ومن بعدها يخرجون بمال جزيل".٢
صورة التناقض
فأقول: في سفر التكوين قال أربعمائة سنة، وفي سفر الخروج قال أربعمائة وثلاثون سنة، وأيضًا فإن بني إسرائيل لم يبقوا في مصر حتى ولاأربعمائة سنة التي ذكر الله ﷿ لسيدنا إبراهيم، لأن قاهت جد سيدنا موسى كان قد نزل إلى مصر مع أبيه لاوي، فقاهت هذا إذا كان تزوج على التقدير ابن خمسة وستين سنة، وولد عمران أبا موسى، وعمران لما تزوج فلنفرض عمره خمسة وستين سنة أخر، وولد سيدنا موسى، وهذا
_________________
(١) ١خروج ١٢: ٤٠-٤٢. ٢ التكوين ١٥: ١٣.
[ ٢٩٢ ]
موسى ﵇ لما خرج بنو إسرائيل من مصر كان عمره ثمانين سنة، فتكون جملة السنين المجموعة مائتين وعشرة سنين.
وهذا التقدير يطابق حسب دفاتر اليهود الموجودة عندهم في التلمود.
فأين غلاقة الأربعمائة وثلاثين سنة المكتوبة في سفر الخروج، لأن الفرق ههنا مائتا سنة وعشرون سنة. *
_________________
(١) * حاشية: (قد يقول تلمود اليهود مع مفسري النصارى أن مدة العبودية قد تحسب من حين خروج إبراهيم من أرض الكلدانيين، وإتيانه إلى أرض كنعان، إلى حين خروجهم من إرض مصر، فهذه المدة تصير قريبة من الأربعمائة وثلاثين سنة، ويستندون على التوراة اليونانية بحيث أنها تذكر في سفر الخروج أن جميع ما سكن بنو إسرائيل في أرض مصر وأرض كنعان أربعمائة وثلاثون سنة. فأقول: إن ههنا ظهر لنا من هذا الكلام تحريفا آخر في التوراة اليونانية، حيث إنها تقول أربعمائة وثلاثون سنة في أرض مصر وأرض كنعان، وفي التوراة العبرانية التي هي الأصل تذكر أن إقامتهم كانت في أرض مصر، وفي قول التوراة الأخرى في أرض مصر وأرض كنعان. وأيضا أقول: إن الذي يزيف تفسير التلمود هذا، ويبين تحريف التوراة اليونانية هو نفس نسق العبارة القائلة إن جميع ما سكن بنو إسرائيل في مصر، ولم يقل إن جميع ما سكن إبراهيم وبنو إبراهيم كما فسره التلمود، لأنه إذا كان مراد التلمود أن يحسب الأربعمائة وثلاثون سنة من دخول إبراهيم أرض كنعان، لكن ينبغي أن التوراة تقول: إن جميع ماسكن إبراهيم وبنو إبراهيم وليس كما قالت: إن جميع ما سكن بنو إسرائيل، لأنه يوجد فرق بليغ فيما بين اسم إبراهيم وإسرائيل، عدا فرق السنين التي بينهما. وأيضا أقول: إن أرض كنعان التي أسندوا إليها تحريفهم لا تحسب أرض عبودية وضيق، لأنها هي الأرض التي أعطاها الله ﷾ إلى إبراهيم حين أخرجه من أرض الكلدانيين، وأسكنه فيها وأوعده أن يعطيها لنسله أيضا، فكيف تعد بأرض أسر وعبودية، كما زعمت التوراة اليونانية، المضادة للتوراة العبرانية، القائلة في أرض مصر. والذي يؤكد ذلك (قولهم: إن الله قال) لأبراهيم في الإصحاح السابع عشر من سفر التكوين "وأني سأعطي لك ولنسلك أرض غربتك جميع أرض كنعان ملكا أبديا". حاشية (أخرى) (اعلم أن من بعد قول الله لإبراهيم وأنه يعطي له ولنسله جميع أرض كنعان، فما عاد يجوز عند العقلاء ولاعند الشرع أن تحسب أرض كنعان بأنها أرض أسر وعبودية، لأن الإيهاب لايعد تارة نعمة وتارة نقمة.
[ ٢٩٣ ]
ونتيجة الأمر أن الشك يجمع (ثلاثة تحريفات):
أولًا - الفرق بين الأربعمائة وبين الأربعمائة وثلاثين.
ثانيًا - أن التوراة العبرانية تذكر أن إقامة بني إسرائيل كانت في أرض مصر، واليونانية تقول في أرض مصر وأرض كنعان.
ثالثًا - أن الزمانين على حساب دفاتر اليهود غير صحيحين، لأن بني إسرائيل لم يقيموا في مصر غير مائتين وعشرة سنين مأسورين تحت العبودية والضيق، وبهذا كفاية لإثبات التحريف.
وأيضًا نقول: إنه لو قدرنا المحال وحسبنا حسابًا آخر، وهو أن قاهت عند انقضاء حياته التي هي مائة وثلاثين سنة ولد عمران، وعمران
[ ٢٩٤ ]
عند انقضاء حياته، أيضًا التي هي مائة وسبعة وثلاثين سنة ولد موسى*، وموسى حينما خرج من أرض مصر كان عمره ثمانين سنة، كما قالت التوراة، فإذًا على جميع الوجوه المشروحة التغيير واقع وموجود، عدا ضعف قولهم المستند على التوراة اليونانية: إن أرض كنعان الشريفة والموهوبة لإبراهيم ﵇ ولنسله هي أرض أسر وعبودية.
والنهاية إذا كانت أرض كنعان، التي هي أرض موعدهم هي أرض أسر وعبودية، والله سبحانه وعدهم بأن يخرجهم من أرض الأسر والعبودية بمال جزيل، فإلى أين خرج بنو إسرائيل من أرض كنعان؟؟، وأين سكنوا خلافها؟؟.
_________________
(١) * حاشية "أعمارهم في سفر الخروج الإصحاح السادس".
[ ٢٩٥ ]
(الشك) الثامن والعشرون
في الإصحاح الثاني عشر من سفر الخروج قال "وارتحل بنو إسرائيل من أرض رعمسيس١ إلى (سكوت) ٢ نحو ستمائة ألف مقاتل غير الأطفال، ولفيف عظيم أيضًا بغير عدد"٣، ثم في سفر العدد في الإصحاح الثاني قال "فهذا عدد بنو إسرائيل لبيوت آبائهم وأفواجهم المتفرقين في العسكر ستمائة ألف وخمسمائة وخمسين رجلًا عدا سبط بني لاوي هؤلاء كانوا رجالًا مقاتلين "٤، (ونراهم) في مجموع أسباطهم بالعدد ذاته.
صورة التحريف
يلزم أن نعمل معدلًا لهذه الكثرة والألوف من أين وجدت وولدت؟ لأنه أولًا: أن هؤلاء الست كرات٥ من الرجال يقتضي أن ينضاف إليهم أربع كرات أخر من أولاد دون البلوغ وكهول، فتصير
_________________
(١) ١ رعمسيس: هي مدبنة مصرية من ناحية الشرق، وقد سكنها بنوا اسرائيل بأمر فرعون مصر، كما يقول اليهود في كتابهم. انظر: قاموس الكتاب المقدس ص٤٠٦ ٢ في النسخة قال «ساحوث» وما أثبت هو الصواب، وسكوت: تل يقع شرق الأردن بالقرب من الزرقاء انظر قاموس الكتاب المقدس ص٤٧٢ ٣ الخروج ١٢: ٣٧. ٤ العدد ٢: ٣٢. ٥ يقصد بالكرة مائة ألف. انظر: المنجد في اللغة ص ٦٧٩.
[ ٢٩٦ ]
الجملة عشرة كرات من الذكور، ولنضيف لهم سبط لاوي، وبالفرض نحسبه كرة أخرى، بحيث هو واحد من الاثنى عشر سبطًا، فتكون جملة عدد بني إسرائيل الذين خرجوا من مصر إحدى عشرة كرة من الذكور، أعني: أحد عشر مائة ألف من الذكور، ثم ولنضيف لهم قدرهم، أي إحدى عشرة مائة ألف أنثى حسب القاعدة الطبيعية، فتصير جملتهم اثنتين وعشرين مائة ألف نفس (٢٢٠٠٠٠٠)، أي اثنتين وعشرين كرة ١.
فإذا كان حسب أخبار التوراة نفسها المذكور في سفر التكوين: أن يعقوب أبا الأسباط، الذي هو ابن البركة عندما نزل إلى مصر هو وبنيه وبني بنيه، ثلاثة أجيال جمعت عيلته من الثلاثة أجيال، أي المتوالدين من بنيه وبني بنيه فكان عددهم سبعين نفرًا٢ وفي مكوثهم في مصر توالد هؤلاء السبعون نفسًا أولاد سيدنا يعقوب خلال ثلاثة أجيال أخر مثل أبيهم وجدهم يعقوب، وفي الجيل الثالث خرجوا من مصر. وهذا شيء ظاهر أمره ومصرح به في الإصحاح السادس والأربعين من سفر التكوين، وفي الإصحاح السادس من سفر الخروج ٣.
أما الثلاثة أجيال المذكورة في سفر التكوين فهم: يعقوب ولاوي وقاهت، وأما الثلاثة أجيال المذكورين في سفر الخروج فهم: قاهت
_________________
(١) ١ أي يصير عددهم مليونين ومائتي ألف إنسان. ٢ التكوين ٤٦: ٢٧. ٣ الخروج ٦: ١٤.
[ ٢٩٧ ]
المذكور في سفر التكوين، وعمران أبو موسى، وموسى هذا الذي خرج ببني إسرائيل من أرض مصر، فإذا كان يعقوب الذي كانت البركة له، كان عدد أهله وبني بنيه على ثلاثة أجيال، سبعين نفسًا، فيقتضي١ على هذا المنوال أن هؤلاء السبعين نفسًا على ثلاثة أجيال أخر، الذين هم: قاهت وعمران وموسى أن يولدوا سبعين سبعينًا، وإذا انضرب في الحساب سبعين في سبعين يكون أربعة آلاف وتسعمائة نفس، فمن أين توجد اثنتان وعشرون كرة، الذين ذكرناهم بناءً على كلام التوراة٢.
_________________
(١) ١ من هنا نهاية السقط الذي في نسخة. ت. ٢ حاشية: (اعلم أنّ هذه المقدمة التي أوردها هذا المؤلف [رحمه الله تعالى] بحصره هذه الدعوى في يعقوب وخلفه وعدتهم، بعددهم [الشهير عندهم في التوراة] في ثلاثة أجيال [الأول]، هي التي أظهرت [التحريف وأوضحت النتيجة على أن] الثلاثة أجيال التالية لاينبغي أن تتجاوز هذا الحد بالتوليد، [وعلى ذلك يشهد القرآن الشريف القائل عنهم في سورة الشعراء ﴿إن إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾]، (إن هذا المؤلف قد أظهر إنسانية بليغة لأنه ما عامل الحساب إلا بأنقص من حقه لأنه أولًا: حسب الناس القاطعين الأولاد من السبعين مع السبعين، وثانيًا: قد حسب الذين أعمارهم من تحت العشرين سنة، والناس من فوق الخمسين سنة إلى مائة وأكثر الذين لا يحملون سلاح أربع كرات، والحال ينبغي أن يكونوا أربع عشرة كرة، بحيث المولود من عشرين إلى خمسين إذا (أخرجوا) من الناس المولودين في مسافة مائة سنة، تظهر كميتهم ثلاثة من عشرة، فإذا كان الحاملون للسلاح ست كرات، يقتضي أن يكون غير الحاملين سلاحًا أربع عشرة كرة، ويكون جمعهم أربعة وأربعين كرة لا اثنين وعشرين كما ذكرهم المؤلف» .
[ ٢٩٨ ]
وإن قيل في حل هذا المشكل: إنه موجود في تلمود اليهود تفسيرًا أن بني إسرائيل بحيث هم مباركون، فكانوا يتوالدون كل خمسة أولاد في بطن واحد مشكوكين مثل حب المسبحة، بخلاف الطبيعة:
فأجيب: إن كان بنوا إسرائيل يتوالدون بخلاف الطبيعة، فلماذا (لم تذكر) التوراة عنهم ذلك، (ولم تقل) إن بني إسرائيل لما كانوا بمصر، وقبل نزولهم إلى مصر كانت المرأة منهم تلد في بطن واحد خمسة أولاد؟!، ولماذا يعقوب الجد ذكرت عنه أنه في ثلاثة أجيال خلف سبعين نفسًا؟!، وذكرت أيضًا مواليد يوسف وأنه أولد منسى، وبعده أفرام، وعن قاهت ابن لاوي أنه أولد عمران ويصهر وحبرون وعوزيل، وأن عمران أولد مريم [بعدها] وهارون، وبعد ثلاث سنوات أولد موسى، وموسى أولد جرشون واليعازر، وأمثال ذلك كثير (ممن) قد ذكرتهم التوراة، وكلهم توالدوا على (مألوف) العادة الطبيعية، (ولم تذكر) عن واحد منهم أنه أولد ثلاثة أولاد أو أربعة في بطن واحد، عدا يهوذا ابن يعقوب الزاني بكنته، فمنها أولد توأمًا ذكورًا، وهما فارص الذي من سلسلته ولد عيسى على زعمهم، والولد الثاني هو زارخ.
لاحظ هذه المعاني في سفر الخروج١، وفي سفر العدد٢، وفي سفر الأيام الأول ٣
_________________
(١) ١ تكوين ٣٨: ٢٩ ولم أقف عليها في سفر الخروج. ٢ ٢٦: ٢٠. ٣ ٢: ٤.
[ ٢٩٩ ]
ثم نعود إذًا إلى ما ذكرناه: أنه ينبغي (أن) السبعين الذين توالدوا من يعقوب في ثلاثة أجيال أن يولد لكل واحد من السبعين سبعين نفسًا على ثلاثة أجيال أخر، وإذا ضربت كما قررنا السبعين في سبعين (تكون) أربعة آلاف وتسعمائة، فمن أين يكون (تكميل) الاثنتين وعشرين كرة١ *
_________________
(١) ١ في هذا الموضع وإلى آخر الشك الثامن والعشرين حسب نسخة. ت تقديم وتأخيروارتباك في وصل الكلام وفصله، وقد أثبته وفق ترتيب نسخة. د، وقد نبه ناسخ. ت إلى وجود التقديم والتأخير مابين الحواشي والنص. * حاشية: (اعلم أنه يوجد حساب آخر من التوراة نفسها [يظهر عدم وجود] هذه المبالغ المذكورة في هذا الشك، وهو أن موسى ﵇ على موجب شرح التوراة عد شعب إسرائيل الناقلين السلاح في مائتين وعشرة سنين من السبعين (ذرية) يعقوب [الذين نزلوا مصر] فأولد الواحد منهم تسعة آلاف نفس، وداوود ﵇ من بعد موسى بأربعمائة وأربعة وسبعين سنة عد الشعب مرة ثانية فكان مجموعهم أن الواحد صافيه اثنين من الناقلين السلاح. وما أدري هذا الفرق كيف أن نفرًا واحدًا (يأتي منه) تسعة آلاف نفر في مائتين وعشرة سنين؟ ونفرًا واحدًا أيضا (يأتي منه) نفرين في أربعمائة وأربعة وسبعين سنة في الشعب نفسه؟، وإن هذا الفرق الغير ممكن وجوده وقبوله يؤكد التزوير عند كل عاقل وخبير في علم الحساب، إذ أنه يدرك أن صافي حساب موسى لو انتهى إلى زمان حساب عدد [سيدنا] داود بالقاعدة الأولى نفسها لكان شعب إسرائيل تواصل إلى أعداد تسعة عشر قلمًا من علم الحساب١ الذين اذا وجدوا في [ذلك الزمان] لم تسعهم الكرة الأرضية ذات السكن بأجمعها، اضربهم في علم الحساب تنظر صحة ذلك بشرط (أن تضيف إلى) كل رجل ناقل سلاح ثلاثة أنفار من الكهول (ومن هم) دون البلوغ والإناث مبتدئا بهم في ضربهم من الأول (وأقول حتى عدد داود غير ممكن (وجوده» وهذا يؤكد التحريف في التوراة بزيادة لأن الضرب يتعلق في علم الحساب. والله أعلم] . ١ يقصد تسع عشرة رقم من الأعداد، وهو عدد لا أستطيع قراءته.
[ ٣٠٠ ]
[وأيضًا أقول: إن الواحد الذي هو يعقوب إذا كان خلف سبعين نفسًا في ثلاثة أجيال، والسبعين خلفوا في تكميل الخمسة أجيال أربعة آلاف وتسعمائة، فهذا أيضًا من أعجب العجائب، لأنك إذا] ضربت معدل رجل واحد من باقي طوائف العالم صالحًا كان أم طالحًا، من قديم الزمان إلى الآن، وحسبت (ذريته) إلى خمسة أجيال، لا تجد الباقي من سلسلته إلا أقل من مائة نفر، وذلك على وجه المبالغة، فإذًا كان يعقوب ﵇ خالف هذا الحد المذكور، وأولد من الخمسة أجيال، الذين هم يعقوب نفسه، ولاوي، وقاهت، وعمران، وموسى، عوض المائة [نفر تسعة وأربعين] ومائة [نفس]، أما يكفي أن تكون هذه الكثرة الغير مألوفة أن تعد من أعجب العجائب!
ثم أيضًا نقول: إن [المقول] في سفر الخروج في الإصحاح الأول عن فرعون أنه قال عن بني إسرائيل: إنهم قد صاروا أكثر منا١، فهذا القول على موجب ماشرحناه يقتضي أن يكون مبنيًا على ثلاثة أوجه: إما
_________________
(١) ١ خروج ١: ٦ وفيه «وأما بنو إسرائيل فأثمروا وتوالدوا ونموا وكثروا كثيرًا جدًا وامتلأت الأرض عنهم» .
[ ٣٠١ ]
أن يكون تزويرًا وتكميلًا لهذه التزاوير، أو أنه قيل على طريق المبالغة كمثل القول: إني أجعل نسلك كرمل البحر، أو أن فرعون كان كملك من ملوك [الأرض الموجودين في] تلك الأيام الذين ذكرتهم التوراة١ في الإصحاح الرابع عشر من سفر التكوين، الذين منهم خمسة ملوك كان غلبهم سيدنا إبراهيم، واستخلص لوطًا ابن أخيه، وذلك بواسطة ثلثمائة وثمانية عشر نفرًا أو أكبر٢.
وهذا الرأي الأخير ربما هو الأرجح، [عدا أن لفظة أكبر منا هي في اللغة العبرانية أعظم منا] . *
_________________
(١) ١ يعني أنهم ملوك صغار وعدد أتباعهم قليل جدًا. ٢ تكوين ١٤: ١٤ وفيه «فلما سمع إبرام أن أخاه مسبي جمع غلمانه المتمرنين ولدان بيته ثلث مائة وثمانية عشر وتبعهم إلى دان» .
[ ٣٠٢ ]
(الشك) التاسع والعشرون
في سفر الأيام الأول في الإصحاح السادس يذكر أن: مربوث أولد أمريا، وأمريا أولد أخيطوب، وأخيطوب أولد صادوق، وصادوق أولد أخيماعص، وأخيماعص أولد عزريا١، [وعزريا أولد يوحانان، ويوحانان أولد عزريا]، وأما في الإصحاح السابع يقول عزرا في سفره أن
_________________
(١) ١ أخبار الأيام الأول ٦: ٦ وفيه «ومرايوث ولد أمريا وأمريا ولد أخيطوب وأخيطوب ولد صادوق وصادوق ولد أخيمعص وأخيمعص ولد عزريا» .
[ ٣٠٣ ]
ابن مريوث هو عزريا١*.
صورة النقض:
إن من ههنا يعلم [أن] عدد الأنفار الموجودين في سفر الأيام الأول أزيد من الموجودين في سفر عزرا بستة أنفار، (كما تراهم أمامك
_________________
(١) ١ عزرا ٧: ٢،٣ وفيه « بن شلوم بن صادوق بن أخيطوب بن أمريا بن عزريا بن مرايوث» . * حاشية الجداول: وهذه الحاشية ليست في. د. الأيام الأول سفر عزرا مريوث مريوث امريا أخيطوب صادق أخيماعص عزريا يوحانان عزريا عزريا
[ ٣٠٤ ]
في الجدول)، وهم: أمريا، وأخيطوب، وصادوق، وأخيماعص، وعزريا، ويوحانان، فبواسطة نقص هؤلاء الستة أنفار يثبت التزوير بالتوراة*.
_________________
(١) * حاشية: ربما يقال في حل هذا الشك مثاما قيل في حل الشك الأول المعادل لهذا في النقص، وهو أن هؤلاء الستة أنفار الناقصين كانوا رجالا أشرارا. فأجيب: أولا: إنه ما كتب عنهم أنهم كانوا رجالا أشرارا. ثانيا: إنهم إن كانوا أشرارا فلماذا (كتبوا) في سفر الأيام الأول، وأعرض عن كتابهم في سفر عزرا، لأن السفين كان قد كتبهم عزرا نفسه، فإن كان قد كتبهم في سفر الأيام الأول، وسلسلهم، وما خشي من كونهم أشرارا، فيلزم أن يكتبهم في سفره وما يخشى أيضا، وحيث أن عزرا كتبهم في سفر الأيام الأول وسلسلهم، ثم نقصهم من سفره فيكون إما أنه سهو منه وأنه غير مدرك ماذا كتب، أو أن قلما آخر خلاف قلمه زوّر عليه، وعلى الوجهين النقص واقع، مع أن قصده ليس كتابة الصالحين فقط، بل كتابة سلسلة نسبهم أشرارا كانواأم صالين.
[ ٣٠٥ ]
الشك الثلاثون
إن النصارى (المبتدعين)، الذين ابتدعوا الألوهية لعيسى ﵇، التي ليس لها ذكر في كتابهم كما قررنا ذلك في أول الكتاب، قد ابتدعوا أشياء أخرى في (ديانتهم)، من جملتها أنهم زعموا أن الله -تعالى شأنه (وتنزه عما يقولون) –ثلاثة أقانيم، أعني ثلاثة أشخاص، وهذا الاعتقاد ما وجد بهذا اللفظ حرفيًا لا في التوراة، (ولا في الأنبياء)، ولا في إنجيلهم*، حتى ولا خطر لأحد على بال، وبحيث أن لفظة أقنوم قد
_________________
(١) * حاشية: (اعلم أن معنى [كلام] المؤلف أنه ما وجد في الإنجيل مكتوبا [إن الله] ثلاثة أقانيم ثلاثة أشخاص، [ومعناه: كيف قاعدة دين مثل هذه تؤخذ بالتأويل، ولا يوجد لها أثر صريح في الكتب المنزلة التي تعلم قواعد الدين]، ﴿حتى ولا في الكتب المضافة للإنجيل وجد هذا الاعتقاد على الاطلاق حسب مافحصته أنا أيضا،، والذي لا يصدق الؤلف فليحضر وليقل إني نظرت في الموضع الفلاني مكتوبا فيه إن الله ثلاثة أقانيم ثلاثة أشخاص، ثم أقول: إن كلام المؤلف (يتضمن) نتيجة فريدة وهي: أنه لايخلو أن الأشخاص التي يسميها علماء النصارى أقانيما التي هي: العقل والكلمة والروح، هم متداخلون في بعضهم أم غير متداخلين في بعضهم أي أن العقل في الكلمة، والروح والكلمة في العقل، والروح في العقل والكلمة، فيكون حيثما وجد واحد منهم يلزم أن يكون الاثنان معه أيضا، ويكون التجسد للأقانيم الثلاثة، وإن كانوا منفصلين فيكون التجسد للكلمة الخالية من العقل ومن الروح، ويكون الغقل والروح بغير كلمة﴾ .
[ ٣٠٦ ]
حدها العلماء والمنطقيون: هو الشئ القائم بذاته من جوهر وعرض١، وله ست جهات، فلكي يتخلصوا من هذه الحدود التي تفيد الحصر، ابتدعوا للفظة أقنوم حدًا آخر جديدًا، وهو الشئ القائم من جوهر وخاصة جوهرية، ولكنهم لم يتخلصوا من هذا (التشويش بهذا الحد الذي ذكروه للأقنوم)، فلنسألهم عن أقنوم الابن القائم من جوهر، (وله) خاصة جوهرية: هل هو موجود في كل مكان، كما (أن) أقنومي الأب والروح موجودان في كل مكان، من حيث (أنهما) إله واحد؟.
فإن كان٢ أقنوم الابن موجودًا في كل مكان مع أقنومي الأب والروح، (لزم أنه) مع وجود أقنوم الابن في ناسوت٣ (عيسى)، أن يوجد أيضًا أقنومي الأب والروح معه، وتكون [الثلاثة] أقانيم: (الأب والابن والروح) تجسدوا في جسد عيسى، وليس أقنوم الابن وحده تجسد
_________________
(١) ١ العرض عند أهل الكلام هو: ما يحتاج في وجوده إلى محل، فلا يقوم بذاته كالألوان والصفات والحركة والسكون ونحوها. انظر: التعريفات للحرجاني ص١٤٨، فيكون في قول المصنف في معنى أقنوم: هو الشيء القائم بذاته من جوهر وعرض خطأ أو سبق قلم والله أعلم. ٢ في. د «فإن قالوا» . ٣ أي في جسد عيسى ﵇ الإنساني.
[ ٣٠٧ ]
في جسد عيسى، وإذا اعتقدوا بهذا فيكونوا اعتقدوا ضد ديانتهم، وضد الله تعالى أيضًا١.
وإن قالوا: إن أقنوم الابن وحده تجسد، فيكونوا (قد) خالفوا معتقدهم الذي اعتقدوه، وهو أن الله تعالى موجود في كل مكان (بأقانيمه، ويفهم أنهم أنكروا أن الأقانيم موجودة٢ في كل مكان)، ويكون أقنوم الابن، الذي تجسد في جسد عيسى هو وحده موجود في جسد عيسى، وجسد عيسى خال من أقنومي الأب والروح، وينتج من ذلك انقسام الأقانيم وانفصالهم وحصرهم.
وهذا الرأي أيضًا يضاد معتقدهم وهو ضد الله تعالى شأنه، مع أن الكلام الذي ألفوه في حدود بدعتهم هذه يفيد بأن: الأب والابن والروح ثالوث متساوي الجوهر، غير منقسم ولا منفصل٣، وقد يلزم من هذا
_________________
(١) ١ ضد ديانتهم لأنهم يزعمون أن التجسد هو تجسد الابن فقط، فلا يرون أن الأب ولا الروح القدس تجسد مع الابن، وكونه ضد الله تعالى لأن لازم ذلك: أن الله تعالى عن قولهم قد كان في بطن مريم وقد خرج من حيث يخرج الولد، وعاش حياة الطفولة ثم الشباب، وهو المعتدى عليه من قبل اليهود في زعمهم وهو المصلوب، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. وهذا الإلزام لامحيد لهم عنه لأنه لازم قولهم: إن الأقانيم جوهر واحد. انظر قولهم: في حقائق أساسية في الإيمان المسيحي. ص٥٣. ٢ في النسختين «أنكروا على أن الأقانيم ليس هم موجودين في كل مكان» وهي ركيكة وصوابها ما أثبت. ٣ قال صاحب كتاب «حقائق أساسية في الإيمان المسيحي» ص٥٣ ما نصه عن التثليث «إن تعليم الثالوث يتضمن (أ) وحدانية الله، (ب) لاهوت الأب والابن والروح القدس، (ج) أن الأب والابن والروح القدس أقانيم يمتاز كل منهم عن الآخر منذ الأزل وإلى الأبد، (د) أنهم واحد في الجوهر متساوون في القدرة والمجد» .
[ ٣٠٨ ]
الحد أيضًا أن التجسد هو للأقانيم الثلاثة معًا، لأنهم على زعمهم غير منقسمين ولا منفصلين، بل هم معًا في كل حالاتهم، في أفعالهم وحلولهم ووجودهم في كل مكان، الثلاثة متساوون في ذلك [على زعمهم] .
والنتيجة من هذا جميعه: إن قالوا: بأن الأقانيم هي متحدة مع بعضها وغير منفصلة، يلزمهم أن يعتقدوا تجسد الأقانيم الثلاثة معًا، لأنهم غير منقسمين ولا منفصلين، وإن قالوا: إن الأقانيم منفصلة عن بعضها ومنقسمة، فيلزمهم أن يعتقدوا بالخلو، أي أن الأقانيم ليست موجودة في كل مكان معًا١.
وعلى الحالتين: إن هذه القضية (ممتنعة في جميع الحالات) ٢، لا بل معدومة لا يمكن وجودها.
_________________
(١) ١ في. د النص هكذا «إن قالوا بأن الأقانيم هي متحدة مع بعضها يلزم تجسدها معًا، وإن قالوا إنها منفصلة عن بعضها يلزمهم أن يعتقدوا بالإنقسام والخلو، أي أن الأقانيم ليست موجودة في كل مكان» . ٢ في النسختين (هي مانعة الجميع) وكتبتها حسب ما فهمت من كلامه.
[ ٣٠٩ ]
الخاتمة
وهي في نتائج هذه الخمسة أبواب، بوجه الاختصار، وبعض ملحقات لها مفيدة.
أقول: إنني أكتفي الآن بما قد كتبته في مؤلفي هذا، حيث إن نتائجه صريحة، ويقبلها العلماء والفقهاء، وذوي العقول السليمة، إذ أني (ابتدأت فيه بالاستدلال) من الإنجيل والتوراة على (نقض) ١ ما ابتدعه النصارى من ألوهية عيسى ﵇، وبينت عدم مساواته لله تعالى في الجوهر، وأن النعوت المقولة عنه ووصفه: بأنه إله وابن الإله ورب قد وصف بها في التوراة والإنجيل غيره من الأنبياء والملائكة ومن العلماء الصالحين، وعلى أن آياته وعجائبه لا تثبت مساواته لله ﷿، المشروحة في مذهبهم، لأن الأنبياء ﵈ سلفًا قد عملوا مثلها، (وما يعلوها ويفوقها) ٢.
ثم (بينت) تنزيه سيدنا محمد ﷺ مما ظنوا به أنه عمل أمورًا منافية وقاصرة غير حسنة، وبينت أن الأنبياء سلفًا قد عملوا مثلها، ولم تحسب عليهم بأنها غير حسنة.
_________________
(١) ١ في. د قال «نتيجة سلب» . ٢ في. د قال «وأبلغ منها» .
[ ٣١٠ ]
وقد أقمت البينات [والأدلة] بالشهادات المنطبقة والواردة على نبينا صلى الله عليه وسلممن التوراة والإنجيل والزبور، أنه هو النبي الموعود به، والمشار إليه كعيسى المسيح ﵇، مصداقًا لقوله تعالى ﴿اسْمُهُ أَحْمَد﴾ ١، ﴿مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ﴾ ٢.
وبنوع خصوصي أظهرت في الباب الخامس تلك الشكوك المشتملة على التناقض والنقص والظلم والقصور والركاكة، التي جمعتها من كتاب التوراة والإنجيل تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ ٣، وقوله ﴿كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ ٤، مختصرًا إياها حذرًا من ملل القارئ، إذ أني أعرف جيدًا أن الرجل الفهيم يقنع بالقليل، وإذا قابل صحة الشهادات المشروحة يستدل منها (أيضًا) بأني قد جمعتها بسنين كثيرة وعرق غزير٥.
_________________
(١) ١ الصف آية ٦. ٢ الأعراف آية ١٥٧. ٣ النساء آية ٤٦. ٤ المائدة آية ١٥. وقد وردت الآية في. د كاملة. ٥ يقصد أنه ﵀ قد تعب في جمع هذه الأمور التي ضمنها كتابه، ويبدو أن المصنف لم يقف على شيء من كتب علماء المسلمين الذين ردوا على النصارى في هذه الأمور من جنس رد المصنف ﵀، مثل كتاب «الرد على النصارى»، و«الدين والدولة»، وكلاهما لابن ربن الطبري، وكتاب «تخجيل من حرف الإنجيل»، لأبي البقاء الجعفري، وكتاب «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح»، لشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم كثير. ويشكر للمصنف -﵀ - اجتهاده البالغ في استخراج تلك المسائل، وإبرازها بمجهود فردي، فجزاه الله خيرًا، ورحمه وعفا عنه.
[ ٣١٤ ]
فيا أيها الغافلون التفتوا من كتابي هذا إلى كتاب الله السامي المنيف، الذي هو القرآن الشريف، الذي أنزل على المصطفى، ذو اللّب الحصيف، وانظروا هل يوجد فيه مثل هذه التزاوير والشكوك والركاكة والقصور والظلم المباين لعدل الله تعالى، واعلموا أيها الأحباب أن الذي حملني على جمعها ثلاثة أسباب:
الأول: هو محبتي لأصحاب الكتابين١، من كونهم مشاركين لي في الطبيعة.
والثاني: أن هذه الشكوك موجودة عندهم٢، وهي متفرقة، فلا يكترث فيها [ولا تعتبر أنها تحريف] .
والثالث: أني قصدت راحة مطالعيها، وأن يقرؤوها من دون تعب ولا عناء، إذ أني عينت محل الشهادات ومواضعها٣، لأن القارئ إذا قرأ
_________________
(١) ١ يقصد بذلك اليهود والنصارى. ٢ في. د قال «كتبهم» . ٣ في. د قال «عنونت مواضع المحلات المرقومة فيها» .
[ ٣١٥ ]
في هذه الكتب١، ويمر عليه مشكل من هذه التزاوير٢، فإنه يظن أنه مشكل مثل باقي المشاكل التي يحلها المفسرون فيتركه ويجوزه، وبعد مدة من الزمان إذا وقع في شك آخر غيره يكون قد نسي الشك الأول فيتركه ويقنع ضميره بأن علماء ديانته يعرفون حلّه، وهكذا يقع بين كل مدة ومدة في (شك آخر) ٣ من الشكوك فيتكلم فيه مثل تكلمه في الأول والثاني بتلك الإقناعات البسيطة، وبهذه الوجوه المشروحة (لا يتحرك شيء من ضميره ينبهه) ٤ أن كتبه مزورة ومحرفة من قديم الزمان.
وأيضًا أقول عن القارئ لهذه الكتب، واعتذاره أن هذه الكتب هي كتب ديانته، وتربى فيها، وصاحبها منذ صباه، فهي على كل محبوبة، والمحب لا يتبصر في غلطات محبوبه، إذا كانت متفرقة، لأنه مثلًا إذا درس محب الإنجيل في سلسلة متّى الإنجيلي وقرأ أن فلانًا أولد فلانًا، فلا ﴿يظن) أن في التوراة موجودة هذه السلسلة، وأنها (تناقض) ٥ أقوال متّى، فضلًا
_________________
(١) ١ العبارة في النسختين هكذا «لأن لما كان يريد أن يجلس القارىء ليقرأ في هذه الكتب» وهي ركيكة وصوابها ما أثبت. ٢ في. د قال «شك في هذه الشكوك» . ٣ في. د «في خلافه من الشكوك» . ٤ في. د «لا يفضل معه شيء يحرك الضمير ويريه» . ٥ في. د «تخالف لسلسلة متى» .
[ ٣١٦ ]
عن أن الكثير من علمائهم لايعرف في أسفار التوراة أين يوجد هذا التناقض*.
حتى أنك ترى كبار١ مفسريهم كرجل يقال له «الذهبي» -الذي يسمونه سلطان المفسرين- قد أعرض عن ذكربعض هذه الشكوك، لأنه لم يذكر الشك الثاني مطلقًا في تفسيره، ولا تعرض له (بوجه من الوجوه)، وتارة كان يذكر البعض، لكنه لم يشرحها لأنه لم يجد لها شرحًا، كما (فعل) بالشك الأول الذي ذكره (وأنه نقص، إلا أنه تركه لغيره وجازه) ٢، وغيرها من الشكوك قد ذكرها وأخذ في شرح معناها، (إلا أنه لم يتنبه للتزوير والغلط فيها)، كالشك السابع عشر الذي فيه ذمّ الاهتمام٣، (حيث أنه) لم يتبصر في أن المزوّر لهذه الجملة (قد جعل)
_________________
(١) * حاشية: (اعلم أنّ السبب الأقوى [لقلة المعرفة] (مع الذي ذكره المؤلف) هو أنه لم يوجد في أزمنتنا هذه المتأخرة فضلًا عن المتقدمة غير نسخة واحدة للتوراة عربية مأخوذة عن اللًاتيني، [ومشهود بها من علماء النصارى]، وهي مع ذلك مليئة بالأغلاط، وقليلة الوجود، وكأنه في كل مدينة مشهورة لا يوجد فيها غير كتاب واحد أو اثنين (بالنادر. إلا أنه بعد انتشار الإنكليز في بلاد العرب طبعوا هذه النسخة المغلوطة كتبًا، وفرقوها. صح كلام صاحب الحاشية» . ١ في النسختين (حتى إن بواسطة هذه الوجوه قد ترى أرهاط) وكتبتها حسب ما فهمت من كلام المؤلف. ٢ في. د «الذي ذكره لغيره وجاز» . ٣ يقصد الاهتمام للدنيا كما هو في الشك السابع عشر. انظر: ص ٢٦٥.
[ ٣١٧ ]
الممكن ممتنعًا والممتنع ممكنًا، وباقي الشكوك تراها على هذه الوجوه مصنوعة ومزورة (*) .
ثم إني أقول: وإذا وجد في النادر رجل من هؤلاء القوم، وكان خبيرًا، وجمع بعضها من هذه التزاوير في فكره، وفهم عجز المفسرين لها، فقد يمنعه عن إظهارها، ورفض كتبها موانع كثيرة، وأخصها الذي هو المانع الأعظم، أنه لا يعرف شرف الدين المحمدي، ولا فهم شرائعه، ولا طالع في كتابه، الذي هو القرآن الشريف، وفهم معاني آياته١، حتى يستنير به، ويتبع طريقة الهادي، ولا يعلم أن الأنبياء في التوراة والإنجيل قد تنبؤا عن نبيه الهادي محمد ﷺ، وأشاروا عنه، كما (أنهم) أشاروا عن عيسىعليه السلام، وإنما يعرف القذف والشتيمة عليه من المتعصبين في دينهم، ومن جرّاء ذلك قد يبقى في تيار هذه (الأمور) والمشاكل غارقًا، وانسداد هذه الطرقات قد عرفته وتحققته من معاشرتي لأفراد منهم، لأني رأيتهم (واقفين) عند أبواب هذه الشكوك ومبهوتين، لا يمكنهم الدخول فيها ولا الخروج منها.
فهذا وأمثاله هو الذي حركني -كما قررت- على تأليف هذا الكتاب، الذي سميته (البحث الصريح في (أيما هو) الدين الصحيح)،
_________________
(١) * حاشية: (اعلم أنّ الذهبي أو خلافه من المفسرين كانوا يشرحون بعض هذه الشكوك بالوجه المجازي، حيث لم يكن لهم معرفة بالحقيقة نظرًا لغرضهم، والحال أنه لا يجوز عند العلماء تفسيرها بالمجاز، إذا كان لها وجهًا حقيقيًا، كما قال هذا المؤلف) . ١ في. د «وفهم معانيه عن إيمانه» .
[ ٣١٨ ]
لكي يطالعه العلماء فيهم والفقهاء، حتى إذا صار فرصة لأحدهم، وتحرك الحق في قلبه، (ونظر تورط نفسه)، ينفر من هذا الشرك نفور الغزال، وينصح غيره إن أمكنه ذلك، ويؤمن ويشهد: بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، الإيمان الذي لا يعتري العقول فيه شكّ، ولا لذوي الأفكار الثاقبة بهت، وليس هو متطرفًا (ومعرضًا) للسقوط، كتطرف مذاهب بعض الهنود والنصارى.
أما مذهب بعض الهنود (فهو التطرف باعتقاد خالق) موجود فائق الأوصاف، ولكنه قد ترك اعتناءه بمخلوقاته وانعزل وسلمها إلى بعض مخلوقاته كالشمس والقمر (والكواكب) وباقي الأفلاك والعناصر، ولذلك يقدمون لها العبادة والإكرام كأنها الله، وتتوجه ضمائرهم إلى ترك العبادة والإكرام للخالق ﷾، حتى إنهم مع تداول الأزمنة قد نسوا عبادة الله، التي هي الأصل لديانتهم، وصاروا يعبدون المخلوقات، واعتبروها خالقة وليست مخلوقة، وهذه الملة تسمى «سينتو» ١ وكثير منها في جزائر آسيا.
_________________
(١) ١ لم يتبين لي أصحاب هذه الملة، مع أن مذاهب الهنود كثيرة جدًا وكلها أديان وثنية ويعبد أصحابها كثيرًا من المعبودات والأصنام. انظر: فصول في أديان الهند ص٨٨- ٩٤.
[ ٣١٩ ]
وأما بعض النصارى (فقد تطرفوا حيث) بالغوا في اعتنائه [تعالى] بالبشر، وغلوا، حتى إنهم (قد قعدوا قاعدة) لهذه المبالغة والغلو١، وأخذوها عن رجل عندهم اسمه بولص٢، [مؤولين كلامه ومفسرينه] أن جميع البشر هالكين بخطيئة جدهم آدم، حتى سيدنا إبراهيم، وسيدنا موسى، وباقي النبيين ﵈ هم في الأسر تحت يد إبليس وسلطانه، وأنهم مفتقرون لإله يخلصهم، حتى غلوا في دينهم٣، لأنهم لما
_________________
(١) * حاشية: (اعلموا أن ذلك الغلو [الذي ذكره المؤلف] قد أشار إليه تعالى في القرآن الشريف (مناديا به وقائلا) ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَق﴾ النساء آية (١٧١) ٢ بولس (شاؤول اليهودي) هو أول من حرف الديانة النصرانية، وادعى أن المسيح هو ابن الله، وأنه نزل ليصلب تكفيرًا للخطايا، ورسائله وكتبه هي التي تشكلت منها الديانة النصرانية، وهي أربع عشرة رسالة ضمن ما يسمونه بالعهد الجديد. ٣ بولس في رسالته إلى رومية ٥: ١٢ قال «من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع. لكن قد ملك الموت من آدم إلى موسى وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم الذي هو مثال الآتي. لأنه إن كان بخطية واحد مات الكثيرون فبالأولى كثيرًا نعمة الله والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين» . فهذا النص هو من أهم النصوص لديهم في الدلالة على أن موت المسيح كان كفارة لخطيئة آدم. والواقع أن النص لا يدل على ذلك، بل غاية ما فيه أنه يدل على أن آدم ﵇ لما أخطأ حل عليه الحكم الذي نصوا عليه في التوراة في سفر التكوين ٢: ١٦، وفيه «وأوصى الرب الإله آدم قائلًا من جميع شجر الجنة تأكل أكلًا وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها لأنك يوم تأكل منها موتًا تموت» . فهذا الموت الذي ذكروه أصاب آدم وأصاب ذريته بسبب الأكل من الشجرة، ومع أنه كلام ظاهر بطلانه من ناحية أن الله لو كان أوصى آدم أن لا يأكل منها، لأن في أكلها موته لما أكل منها، مثل أي إنسان يحذر من شيء أن فيه موته فسيتجنبه ولا يأكل منه. والمهم هنا بيان أن كلام بولس لا يدل على ما ادعاه النصارى وتعلقوا به، من أن خطيئة آدم انتقلت إلى أبنائه وصاروا جميعًا خطاة، وأن المسيح جاء ليفتدي الناس من تلك الخطيئة، وأنه لا نجاة لأحد إلا بالإيمان بالمسيح المصلوب، فهذه كلها دعاوى لا أساس لها من الإنجيل، ولا حتى الرسائل الملحقة بها، وإنما هي من مخترعات المتأخرين من النصارى وافتراءاتهم وترقيعاتهم لخرافات ديانتهم.
[ ٣٢٠ ]
سمعوا من كتابهم: أن عيسى إله وابن الإله لم يدركوا أن هذه أسماء ونعوت، وقد تسمى بها غيره من الأنبياء والملائكة والصالحين، بل اعتقدوا أن هذه النعوت حقيقية وليست مجازية، وأن عيسى ابن الله بالطبيعة ومساوٍ له في الجوهر –تعالى الله عن ذلك–، حتى ألجأه الحال إلى أنه أنزله من السماء، وأسكنه في (رحم) ١ مريم تسعة أشهر، وأخرجه من [باب رحمها] ٢ -تعالى الله عن ذلك [علوًا كبيرًا]- وأعوذ به من هذا
_________________
(١) ١ في. د قال «في بيت ولد مريم» . ٢ في. ت «استها» وهو خطأ، لأن الاست العجز أو حلقة الدبر. انظر: القاموس المحيط ص ١٦٠٩.
[ ٣٢١ ]
الاعتقاد، وليس ناسوتًا من دمها وأنه صلب ومات ونزل إلى جهنم، حتى يخلص إبراهيم وموسى والأنبياء مع جنس البشر الهالكين. ١
فهذان الرأيان المتطرفان المهلكان قد نفر منهما الدين المحمدي٢، واعتقد بما قد أوحى له الله تعالى في (الكيفيات التي تجب العبادة وفقها)، والمصحوب بشرائع مهندمة، منزلة على نبيه الهادي، بكتاب سامٍ ترى فيه كلما تطلب من الصالحات، مشروحًا بتلك الألفاظ اللطيفة، والجمل
_________________
(١) ١ أسباب ضلال النصارى وانحرافهم عن رسالة المسيح عيسى ﵇ عديدة وذكر المصنف هنا واحدًا منها، وهناك أسباب أخرى منها: ضياع كتبهم الصحيحة، وتحريف الإنجيل، وتزعم بولس لهم، وسعيه الحثيث في تحريف الرسالة، وكذلك اختلاطهم بالوثنيين وتأثرهم بالفلسفة، كل ذلك وغيره مما لا يمكن تفصيل الكلام فيه هنا من عوامل انحراف النصارى عن رسالة المسيح ﵇ للاستزاده انظر كتاب «تحريف رسالة المسيح ﵇ عبر التاريخ أسبابه ونتائجه» من ص١٢٩-٤٠٠. ٢ قول المصنف عن الإسلام «الدين المحمدي» غير صحيح، لأن الدين في الشرع لم يأت منسوبا إلى أحد من الأنبياء، وإنما جاءت نسبته إلى الله ﷿، كما قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ آل عمران ٨٣، ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّه﴾ النور٢، ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ النصر٢، كما أن نسبة الدين إلى النبي محمد (يشعر بأن هذا الدين من عنده وليس من عند الله ﷿، وهذا ما يقصد إليه النصارى والكفار عموما في إطلاق هذا المسمى على الإسلام، إذ إنهم هم الذين أشاعوا مثل هذا الإطلاق، فأخذه عنهم بعض المسلمين في هذه الأزمان المتأخرة. والله أعلم.
[ ٣٢٢ ]
الظريفة، والمعاني الفائقة المنيفة، والأخبار بالأمثال الشريفة، والأحكام العادلة اللطيفة.
وقولي عن أحكام القرآن إنها [عادلة] لطيفة، لأنك لا ترى فيها قساوة، كما حكمت التوراة بالموت على من قرب قربانًا خارج المذبح والهيكل، ولا رخاوة كما وجد في الإنجيل، إذ أنه ترك الزانية من غير قصاص ولا نصيحة وارتداد إلى معرفة طريق التوبة، لأنه قال لها: أين هم الذين دانوك؟ اذهبي ولا أنا أدينك -يعني إنهم ما رجموك بحيث أنهم نظروا أنفسهم خطاة- وأنا أيضًا مثلهم اذهبي١.
وينتج من هذا الجواب إبطال الشرائع والأحكام، لأنه لا يوجد أحد من البشر بغير خطيئة، فلا يطبق شيئًا من الأحكام، وكذلك إباحته السكر في عرس قانا الجليل [عند] تحويل الماء خمرًا للسكرانين ٢، وذلك مما يثبت التزوير في التوراة والإنجيل.
وغلاقة هذه الخاتمة أقول:
إن سيدنا عيسى ﵇ قد أعطى (على صحة الانتساب إلى) ٣ دينه الشريف دلالتين محكمتين صريحتين لا تقبلان تحريفًا ولا تصحيفًا٤،
_________________
(١) ١ يوحنا ٨: ١٠ وفيه «قال لها يا امرأة أين هم أولئك المشتكون عليك أما دانك أحد فقالت: لا أحد يا سيد فقال لها يسوع: ولا أنا أدينك اذهبي ولا تخطئي أيضًا» . ٢ يوحنا ٢: ٩. ٣ في. د «وجو» .
(٢) في النسختين «سوى معنى لفظ خبرها» . ولا معنى لها.
[ ٣٢٣ ]
وهاتان الدلالتان قد وجدتا في الأزمنة الأولى فعليًا حسيًا، وبسببهما قامت الديانة النصرانية (ونمت)، (وحيث يوجد الدليل يوجد مدلوله معه) والدلالتان هما:
الأولى: هي فعل العجائب والآيات المعجزات (بالتتابع)، خلفًا عن سلفٍ من المؤمنين بالله، الواردة في إنجيل مرقص، في أواخر إنجيله [على لسان عيسى ﵇] عن أن الآيات تتبع المؤمنين بقوله: وهذه الآيات تتبع المؤمنين باسمي، يخرجون الشياطين، ويتكلمون بألسنٍ جديدة ويحملون الحيات بأيديهم وإن شربوا شيئًا مميتًا فلا يضرهم ويضعون أيديهم على المرضى فيبرؤون١.
والثانية: هي شرف الطريقة الممتلئة هدىً ونورًا، لتصديق قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُور﴾ ٢، مثل محبة الأعداء، وعدم مقاومة الشر بالشر، ورفض الاهتمام (للدنيا)، والقناعة بثوب واحد، المبني على قوله: «حبوا أعدائكم ولا تقاوموا الشر ولا تهتموا بالغد ولا تكنزوا لكم كنوزًا في الأرض ولا تقتنوا ثوبين» ٣. وأمثال ذلك كثير مما تفيده هذه المعاني،
_________________
(١) ١ مرقس ١٦: ١٦-١٨. ٢ المائدة ٤٦. ٣ متى ٦: ١٩.
[ ٣٢٤ ]
المطابقة لدلالته الثانية بقوله: «بهذه يعرف الناس أنكم تلاميذي إن عملتم وصاياي» ١.
فلنفحص الآن هاتين الدلالتين أقلّه عند خلف الحواريين في كامل طوائف النصارى من البابوات والبطاريك والمطارين والمبشرين، هل يوجد فيهم من يعمل آية أو أعجوبة معجزة واحدة كبيرة أم صغيرة من الذين ذكرهم مرقص في إنجيله؟.
وهل يوجد رئيس من الرؤساء المذكورين المدعى أنه سليل الحواريين محبًا لأعدائه وغير مقاوم الشر، وإذا ضرب على الخد الأيمن يحول له الآخر، أو غير مهتم بالغد، أو أنه لا يوجد عنده ثوبان؟.
وهل يوجد قاض في كامل (ملل وطوائف) ٢ النصارى يجري هذه الشرائع؟.
نعم أقول: إنه لم يوجد شيء من كل ما ذكرت، بل يوجد (عكسه) ٣ عوض الثوبين أثواب، وتحف من أموال الناس جمعوها بعلة
_________________
(١) ١ يوحنا ١٣: ٣٥. ٢ في. د «فرق» . ٣ في. د «بالضد» . * حاشية: (اعلم أنّ كل ما ذكره المؤلف [رحمه الله تعالى] (في هذا المقطع) يصنعونه [مضادة لإنجيلهم، ويتراؤون عنه]، (لأجل) إماتة اللذات، وحفظ بتولية رهابينهم [وإني لأعرض عن ذكر تعريض وتعظيم أطراف ثيابهم تبيانًا لعصاوتهم لسيدنا عيسى ﵇]) . هكذا في. د. وفي. ت. أكثر غموضًا ولم أستطع فهم المراد. * * حاشية: (اعلم أنّ كل ما تراه من بطلان ومحو شريعة عيسى الفضلية لا شك أنه (قدر) وفعل إلهي، وهو دليل عظيم يعلم به انتهاء زمان أحكامها، لأنك لا ترى في كامل طوائف النصارى إنسانًا إلا مخالفها، وليس يخطر في ذهنه أو يتوجه في ضميره على أنه مخالفها، ولا ترى حاكمًا ولا ناموسًا يوبخ على عدم إجرائها ويصنع لها قصاصًا وقانونًا، وهذا وحده يكفي لكل عاقل أن يدرك ويستدل على انتهائها أي انتهاء شريعة عيسى، وقد صادق على ذلك قوله تعالى ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة﴾ (المائدة ١٤) وقوله تعالى أيضًا ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (التوبة ٣٤) وقوله تعالى ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ (الحديد ٢٧) . وهذه الحاشية ليست في. د، وإنما جاء فيها قوله «وقد صادق على ذلك» إلى نهاية الآية مع اختلاف بسيط في العبارات ضمن المتن في. د بعد قوله أعلاه «والجحود» .
[ ٣٢٥ ]
تطويل صلواتهم، وكنوز بليغة، وموائد منمقة بالأطعمة اللذيذة، ومنازل مزوقة بالألوان الظريفة * (وفضة كثيرة)، وكذلك مقاومة الشر بالشر، وهذه وأمثالها تنظر علانية، غير قابلة الإنكار والجحود**.
فإذًا ينتج أن هذه الدلالات الدالة على١ دين عيسى الصحيح المشار إليها (فيما سبق) من عيسى نفسه ﵇ غير موجودة٢، أعني
_________________
(١) ١ في. د «وجود»، وفي. ت «كيان»، ولا معنى لها.
(٢) يقصد الدلالتين السابقتين وهما: الآيات والمعجزات، والمحبة والتسامح، التي ذكر أن المسيح جعلها علامات لأتباع دينه الصحيح. انظر: ص ٣١١ – ٣١٢.
[ ٣٢٦ ]
الشرائع والآيات، فيقتضي أن يكون مدلولها غير موجود؛ لأنه إذا كان الدالّ باطلا فيبطل بالضرورة مدلوله.
ويجب قبل ختم القول أن نعلم بأن الله ﷾ بعد انتهاء هذه الدلالات التي ذكرناها، وإبطال مدلولها، لم يترك خليقته بغير مرشدٍ ولا هادٍ، لكنه أرسل الدلالة العظمى والآية الكبرى، التي هي ظهور وإشراق أنوار نبينا محمد ﷺ، النبي الهادي، (الأمين) الصادق، الذي تنبأت عن وروده الأنبياء سلفا ﵈، واتساع بهجة دينه، ودوام سيادته وسلطانه، وتعميم شريعته حتى وفي الممالك الأجنبية؛ هو من الدلالات الدالّة على صدق نبوته.
وعدا أن كتابه السامي، الذي ليس له في الوجود مماثل، والذي قد جمع فيه كل كمال، وضم إليه أخص ما ورد في التوراة والإنجيل يشهد له بذلك، وقد انتشرت أحكامه في البسيطة، وأكد على الشرف والذكر الحميد لعيسى وموسى وإبراهيم وباقي النبيين، وكان نزوله على سيد الأولين والآخرين، فعليه وعليهم الصلاة والسلام أجمعين آمين.
(تمّ هذا الكتاب الذي هو: «البحث الصريح في الدين الصحيح» وهو الكتاب الأول للمرحوم الشيخ زيادة بن الراسي، ويتلوه
[ ٣٢٧ ]
كتابه الثاني الذي هو: «الأجوبة الجلية لدحض الدعوات النصرانية» ١، وقد تمت نساخته في أواخر جماد الآخر سنة ألف ومائتين وثلاث وستين) .
_________________
(١) ١ لم أقف على الكتاب الثاني في الأصل المخطوط، فيظهر –والله أعلم– أن أحدًا قد نزعه من المجلد الذي كان يضم الكتابين، وقد بينت في المقدمة: أن تلخيصًا للكتاب قد كتبه الشيخ محمد الطيبي، وقد طبع حاشية كتاب: إظهار الحق. انظر: ص ٣٠. وبه يتم التعليق على الكتاب، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ٣٢٨ ]