المبحث الأول: بعض الآثار الواردة فيه.
المبحث الثاني: البدعة فيه عند الرافضة.
المبحث الثالث: بدعة الفرح فيه عند الناصبة.
[ ٩١ ]
المبحث الأول
بعض الآثار الواردة فيه
عن أبي بكرة - رضي الله-عن النبي ﷺ قال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، والسنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» الحديث. متفق عليه (١) .
عن أبي هريرة - ﵁- قال: قال رسول الله: «أفضل الصيام بعد رمضان، شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة، صلاة الليل» (٢) .
عن عائشة﵂- قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش (٣)
في
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٠/٧) كتاب الأضاحي، حديث رقم (٥٥٥٠)، ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٣٠٥) كتاب القسامة، حديث رقم (١٦٧٩) .
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٣٠٣) . ورواه مسلم في صحيحه (٣/٨٢١) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٦٣) . ورواه أبو داود في سننه (٢/ ٨١١) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٤٢٩) . ورواه الترمذي في سننه مختصرًا (٢/١٢) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٣٧) . وقال: حديث حسن. ورواه النسائي في سننه (٣/٢٠٦، ٢٠٧) باب قيام الليل. ورواه ابن ماجه في سننه (١/٥٥٤) كتاب الصيام، حديث رقم (١٧٤٢) .
(٣) -هي قبيلة من أشهر قبائل العرب وأقواها، شرَّفها الله ببعث النبي ﷺ منهم، قال - ﵇ -: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» [رواه مسلم (٤/١٧٨٢) حديث رقم (٢٢٧٦)] . واختلف العلماء في سبب تسميتهم بهذا الاسم على أقوال كثيرة: قيل نسبة إلى قريش بن بدر بن يخلد بن الحارث بن يخلد بن النضر بن كنانة. وقيل: نسبة إلى النضر بن كنانة سمي قريشًا لوصف قومه له بأنه كالحمل القريش - الشديد -. وقيل: نسبة إلى دابة بالبحر تأكل دواب البحر تدعي القرش، وقيل: إن النظر بن كنانة كان يقرش عن حاجة الناس فيسدها بماله، والتقريش: التفتيش، وقيل: نسبة إلى التقرش وهو التكسب والتجارة، وقيل: نسبة إلى التقرش وهو التجمع. والراجح- والله أعلم-أن قريش هو النضر بن كنانة، فما كان من ولده فهو قرشي، ومن ليس بولده فليس بقرشي. يُراجع: تاريخ الطبري (٢/٢٦٣-٢٦٥)، والبداية والنهاية (٢/ ٢١٨- ٢٢٩) .
[ ٩٣ ]
الجاهلية، فلما قد المدينة (١) صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه. متفق عليه (٢) .
عن ابن عباس - ﵄ - قال: قدِم النبي ﷺ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا؟» . قالوا: هذا يوم صالح. هذا يوم نجي الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: «فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه» متفق عليه (٣) .
عن أبي موسى﵁- قال: كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيدًا، قال
_________________
(١) - المدينة: وكانت تسمى في الجاهلية: يثرب. وهي مدينة رسول الله ﷺ ومهاجره، ورد في فضلها وأنها بلد حرام، أحاديث كثيرة، عقد لها البخاري كتابًا في صحيحه وسماه كتاب: فضائل المدينة، وفيها مسجد الرسول ﷺ وقبره ومنبره اللذين ورد في أن ما بينهما روضة من رياض الجنة، وبها استقر خير أمة محمد عليه والسلام من الخلفاء الراشدين والصحابة وبها ماتوا ودُفنوا. وفي شمالها يقع جبل أحد الذي وقعت عنده الغزوة المشهورة غزوة أحد، وهي في حرة سبخة الأرض، وبها نخيل كثيرة ومياه ومزارع. وتقع شمال مكة على نحو عشر مراحل (حوالي ٤٥٠كم) . يراجع: معجم البلدان (٥/٨٢، ٨٨)، وصحيح البخاري (٢/٢٢٠- ٢٥٥) كتاب فضائل المدينة.
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٤٤) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٠٠٢)، واللفظ له. ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٢) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٢٥) . ورواه الترمذي في سننه (٢/١٢٧) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٥٠)، وقال: والعمل على هذا عند أهل العلم، على حديث عائشة وهو حديث صحيح، لا يرون صيام عاشوراء واجبًا إلا من رغب في صيامه، لما ذكر فيه من الفضل.
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٤٤) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٠٠٤)، واللفظ له. ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٥) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٠) .
[ ٩٤ ]
النبي ﷺ: «فصوموه أنتم» متفق عليه (١) .
عن حميد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان - ﵄ - يوم عاشوراء، عام حجّ، على المنبر يقول: «يا أهل المدينة! أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر» متفق عليه (٢) .
عن ابن عباس - ﵄ - قال: «ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يوم فضَّلة على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر - يعني شهر رمضان» (٣) .
عن الرُّبّيع بنت معوذ - ﵂ - قالت: أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٤٤) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٠٠٥)، ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٦) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣١) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٤٤) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٠٠٣)، ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٥) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٢٩) .
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٤٥) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٠٠٦)، ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٧) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٢) .
[ ٩٥ ]
إلى قرى الأنصار: «من أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائمًا فليصم» قالت: فكنا نصومه بعد ونصوّم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن (١)، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار. متفق عليه (٢) .
عن سلمة بن الأكوع - ﵁ - قال: أمر النبي ﷺ رجلًا من أسلم (٣) أن أذن في الناس أن من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء. متفق عليه (٤) .
عن أبي قتادة﵁-: عن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله، صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله» (٥) .
_________________
(١) - العهن: هو الصوف، أو الصوف المصبوغ. يُراجع: فتح الباري (٤/٢٠١) .
(٢) -رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٠٠) كتاب الصوم، حديث رقم (١٦٩٠)، ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٨، ٧٩٩) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٦)
(٣) - أسلم: بطن من خزاعة، من القحطانية، من قراهم: وبرة، وهي من أعراض المدينة. يُراجع: معجم قبائل العرب (١/٢٦) .
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٤٥) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٠٠٧) واللفظ له، ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٨) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٥) .
(٥) - رواه أحمد في مسنده (٥/ ٢٩٦، ٢٩٧) . ورواه مسلم في صحيحه (٣/٨١٨، ٨١٩) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٦٣) . ورواه أبو داود في سننه (٣/ ٨١٨، ٨١٩) كتاب الصيام، حديث رقم (٣٤٣٥) . ورواه الترمذي في سننه مختصرًا (٣/١٣٦) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٤٩) . ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٢٨٨) أبواب صوم التطوع، حديث رقم (٢٠٨٧) .
[ ٩٦ ]
ما رواه عبد بن عمر - ﵄ - أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله ﷺ صامه والمسلمون، قبل أن يفترض رمضان، فلما افترض رمضان قال رسول الله ﷺ: «إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه» (١) .
عن جابر بن سمرة - ﵄- قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام يوم عاشوراء، ويحثنا عليه، ويتعاهدنا عنده، فلما فرض رمضان، لم يأمرنا، ولم ينهنا، ولم يتعاهدنا عنده» (٢) .
عن ابن عمر﵄- قال: «صام النبي ﷺ عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك، وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه» (٣) .
ما روي عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: «حين صام رسول الله ﷺ يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ: «فإذا كان العام المقبل، إن شاء الله، صمنا اليوم التاسع» . قال: فلم يأت العام المقبل حتى تُوفي رسول الله ﷺ. وفي رواية: «لئن
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٥٧) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٢، ٧٩٣) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٦) . ورواه أبو داود في سننه (٣/ ٨١٧، ٨١٨) كتاب الصوم، حديث رقم (٣٤٤٣) . ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٢٨٤) أبواب صوم التطوع، حديث رقم (٢٠٨٢) .
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٩٦) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٤، ٧٩٥) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٨) . ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٢٨٤، ٢٨٥) حديث رقم (٢٠٨٣) .
(٣) -رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٤) . ورواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/١٠٢) كتاب الصوم، حديث رقم (١٨٩٢) .
[ ٩٧ ]
بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» (١) .
عن الحكم بن الأعرج قال: انتهيت إلى ابن عباس - ﵄ - وهو متوسد رداءه عند زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء؟ فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد، وأصبح يوم التاسع صائمًا. قلت: هكذا كان رسول الله ﷺ يصومه؟ قال: «نعم» (٢) .
عن ابن عباس - ﵄ - قال: «أمر رسول الله ﷺ بصوم يوم عاشوراء يوم العاشر» (٣) .
عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله ﷺ: «صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يومًا أو بعده يومًا» (٤) .
قال ابن قيم الجوزية: (فمن تأمل مجموع روايات ابن عباس، تبَّين له زوال
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٢٣٦) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٧، ٧٩٨) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٤) . ورواه أبو داود في سننه (٢/٨١٨، ٨١٩) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٤٤٥) . ورواه ابن ماجه في سننه (١/٥٥٢) كتاب الصيام، حديث (١٧٣٦) .
(٢) - رواه أحمد في مسنده (٥/ ٤٣٩) . ورواه مسلم في صحيحه (٣/٧٩٧) كتاب الصيام، حديث (١١٣٣) . ورواه أبو داود في سننه (٣/ ٨١٩، ٨٢٠) كتاب الصيام، حديث رقم (٢٤٤٦) . ورواه الترمذي في سننه (٢/١٢٧، ١٢٨) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٥١) . ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٢٩١) أبواب صيام، حديث (٢٠٩٦) .
(٣) - رواه الترمذي في سننه (٢/١٢٨) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٥٢)، وقال: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح.
(٤) - رواه أحمد في مسنده (١/ ٢٤١) . .ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٢٩٠، ٢٩١)، حديث (٢٠٩٥) . ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٤/٢٨٧) برقم (٧٨٣٩) موقوفًا على ابن عباس، ورواه أيضًا البيهقي في سننه (٤/٢٨٧) مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
[ ٩٨ ]
الإشكال، وسعة علم ابن عباس - ﵄ -، فإنه لم يجعل عاشوراء هو اليوم التاسع، بل قال للسائل: «صم اليوم التاسع»، واكتفى بمعرفة السائل أن يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذي يعده الناس كلهم يوم عاشوراء، فأرشد السائل إلى صيام التاسع معه، وأخبر أن رسول الله ﷺ كان يصومه كذلك، فإما أن يكون فعل ذلك هو الأولى، وإما أن يكون حمل فعله على الأمر به، وعزمه عليه في المستقبل، ويدل على ذلك أنه هو الذي روى: «صوموا يومًا قبله ويومًا بعده» وهو الذي روى: «أمر رسول الله ﷺ بصوم يوم عاشوراء يوم العاشر» .
وكل هذه الآثار عنه، يصدق بعضها بعضًا، ويؤيد بعضها بعضًا. فمراتب صومه ثلاث: أكملها: أن يُصام قبله يوم وبعده يوم، ويلي ذلك أن يُصام التاسع والعاشر، وعليه أكثر الأحاديث، ويلي ذلك إفراد العاشر وجده بالصوم، وأما إفراد التاسع فمن نقص فهم الآثار، وعدم تتبع ألفاظها وطرقها، وهو بعيد من اللغة والشرع، والله الموفق للصواب) ا. هـ (١) .
وقال الإمام أحمد بن حنبل - ﵀ -: (فإن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام، وإنما يفعل ذلك ليتيقن صوم التاسع والعاشر) (٢)
_________________
(١) - يراجع: زاد المعاد (٢/٧٥، ٧٦) .
(٢) - يراجع: المغني (٣/١٧٤) .
[ ٩٩ ]
المبحث الثاني
بدعة الحزن في شهر محرم عند الرافضة (١)
في اليوم العاشر من شهر محرم، وهو اليوم الذي عرف بـ (عاشوراء) أكرم الله ﷾ الحسين بن علي بن أبي طالب - ﵄ - بالشهادة، وذلك سنة ٦١هـ (٢)، وكانت شهادته مما رفع الله بها منزلته، وأعلى درجته، فإنه هو وأخوه الحسن سيد اشباب أهل الجنة (٣)، والمنازل العالية لا تنال إلا بالبلاء، كما قال ﷺ لما سُئِل: أي الناس أشد بلاءً؟ فقال: «الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل: يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقّة خفف عنه، ولا
_________________
(١) - الرافضة: فرقة من فرق الضلال تقول إن النبي ﷺ نص على خلافة علي نصًا قاطعًا للعذر، وأنه إمام معصوم، ومن خالفه كفر وأن المهاجرين والأنصار كتموا النص، واتبعوا أهواءهم، وبدلوا الدين وغيروا الشريعة، وكفروا الصحابة، وقالوا: إن أبا بكر وعمر - ﵄ - ما زالا منافقين، أو آمنوا ثم كفروا - والعياذ بالله-. والرافضة توالي النصارى واليهود والمشركين على جمهور المسلمين، ومنهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق كزندقة بعض القرامطة والباطنية وأمثالهم، ولا ريب أنهم شر من الخوارج. وهم فرق عدة. يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣/٣٥٦، ٣٥٧)، والفرق بين الفِرَق ص (١٥- ١٧) .
(٢) - يراجع: تاريخ الطبري (٥/٤٠٠)، والبداية والنهاية (٨/٢١٥) .
(٣) - هذا حديث رواه الترمذي في سننه (٥/٣٢١) أبواب المناقب، حديث رقم (٣٨٥٦، ٣٨٥٧)، وقال: هذا حديث صحيح حسن.
[ ١٠٠ ]
يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض، وليس عليه خطيئة» (١) .
فكان الحسن والحسين﵄- قد سبق لهما من الله ﷾ ما سبق من المنزلة العالية، ولم يكن قد حصل لهما من البلاء ما حصل لسلفهما الطيب، فإنهما ولدا في عز الإسلام، وتربيا في عز وكرامة، والمسلمون يعظمونهما ويكرمونهما، ومات النبي ﷺ ولم يستكملا سن التمييز، فكانت نعمة الله عليهما أن ابتلاهما بما يلحقها بأهل بيتهما، كما ابتلي من كان أفضل منهما، فإن علي بن أبي طالب -﵁- أفضل منهما وقد قُتِلَ شهيدًا، وكان مقتل الحسين مما ثارت به الفتن بين الناس، كما كان مقتل عثمان بن عفان﵁- من أعظم الأسباب التي أوجبت الفتن، وبسببه تفرقت الأمة إلى اليوم.
فلما قتل عبد الرحمن بن ملجم أمير المؤمنين على بن أبي طالب﵁- وبايع الصحابة للحسن ابنه الذي قال فيه ﷺ: «إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/١٧٢)، واللفظ له. رواه الترمذي في سننه (٤/٢٨) أبواب الزهد، حديث رقم (٢٥٠٩)، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه الدارمي في سننه (٢/٣٢٠) كتاب الرقاق. ورواه ابن ماجه في سننه (٢/١٣٣٤) كتاب الفتن، حديث (٤٠٢٣) .
[ ١٠١ ]
فئتين عظيمتين من المسلمين» (١) . فنزل عن الولاية، وأصلح الله به بين الطائفتين، ثم إنه مات﵁ -، وقامت طوائف كاتبوا الحسين ووعدوه بالنصر والمعاونة إذا قام بالأمر، ولم يكونوا من أهل ذلك، بل لما أرسل إليهم ابن عمه (٢) أخلفوا وعده، ونقضوا عهده، وأعانوا عليه من عدوه أن يدفعوه عنه، ويقاتلوه معه.
وكان أهل الرأي والمحبة للحسين كابن عباس وابن عمر وغيرهما، قد أشاروا عليه بأن لا يذهب إليهم، ولا يقبل منهم، ورأوا أن خروجه إليهم ليس بمصلحة، ولا يترتب عليه ما يسر، وكان الأمر كما قالوا، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا.
فلما خرج الحسين﵁ورأى أن الأمور قد تغيرت، طلب منهم أن يدعوه يراجع، أو يلحق ببعض الثغور، أو يلحق بابن عمه يزيد، فمنعوه هذا وهذا، حتى يستأسر، وقاتلوه، فقاتلهم فقتلوه، وطائفة ممن معه، مظلومًا شهيدًا شهادة أكرمه الله بها، وألحقه بأهل بيته الطيبين الطاهرين، وأهان بها من ظلمه، واعتدى عليه.
فأوجب ذلك شرًا بين الناس، فصارت طائفة جاهلة ظالمة: إمَّا ملحدة منافقة، وإما ضالَّة غاوية، تظهر موالاته وموالاة أهل بيته، تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٥/٣٠٦، ٣٠٧) كتاب الصلح، حديث رقم (٢٧٠٤) . ورواه أحمد في مسنده (٥/ ٤٩) . رواه أبو داود في سننه (٥/٤٨، ٤٩» كتاب السنة، حديث رقم (٤٦٦٢) . رواه الترمذي في سننه (٥/٣٢٣) أبواب المناقب، حديث رقم (٣٨٦٢)، وقال حديث حسن صحيح. ورواه النسائي في سننه (٣/١٠٧) كتاب الجمعة باب (٢٧) .
(٢) - وهو: مسلم بن عقيل بن أبي طالب. يراجع: البداية والنهاية (٨/١٦٤) .
[ ١٠٢ ]
ونياحة، وتظهر فيه شعار الجاهلية، من لطم الخدود، وشق الجيوب، والتعزي بعزاء الجاهلية (١) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وصار الشيطان بسبب قتل الحسين - ﵁- يحدث للناس بدعتين: بدعة الحزن والنوح يوم عاشوراء، من اللطم والصراخ، والبكاء، والعطش، وإنشاء المراثي، وما يفضي إلى ذلك من سبّ السلف ولعنهم، وإدخال من لا ذنب له مع ذوي الذنوب، حتى يسب السابقون الأولون، وتقرأ أخبار مصرعه التي كثير منها كذب، وكان قصد من سن ذلك، فتح باب الفتنة والفرقة بين الأمة، فإن هذا ليس واجبًا ولا مستحبًا باتفاق المسلمين، بل إحداث الجزع والنياحة للمصائب القديمة، من أعظم ما حرمه الله ورسوله) . ا. هـ (٢) .
وهذا مخالف لشرع الله؛ فالذي أمر به الله ورسوله في المصيبة- إن كانت جديدة-إنَّما هو الصبر، والاسترجاع والاحتساب، كما قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ *الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (٣) .
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (٤) .
وقال ﷺ: «أنا برئ من الصالقة والحالقة والشاقة (٥») (٦) . وقال ﷺ: «النائحة إذا لم
_________________
(١) - يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٥/٣٠٢، ٣٠٧) .
(٢) - يراجع: منهاج السنة النبوية (٢/٣٢٢، ٣٢٣) .
(٣) - سورة البقرة: الآيات ١٥٥- ٣٢٣.
(٤) - صحيح البخاري المطبوع مع فتح الباري (٣/١٦٣) كتاب الجنائز، حديث رقم (١٢٩٤) .
(٥) - الصالقة: هي التي ترفع صوتها عند المصيبة. والحالقة: التي تحلق شعرها عند المصيبة. والشاقة: التي تشق ثوبها عند المصيبة. هذا هو المشهور الظاهر المعروف. يراجع: شرح النووي على صحيح مسلم (٢/١١٠) .
(٦) - رواه مسلم في صحيحه (١/١٠٠) كتاب الإيمان، حديث رقم (١٠٤) .
[ ١٠٣ ]
تتب قبل موتها تقام يوم القيامة، وعليها سربال (١) من قطران (٢) ودرع من جرب (٣») (٤) .
وفي الصحيح عن النبي ﷺ: «ما من مسلم يصاب بمصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف له خيرًا منها» (٥) . إلا آجره الله في مصيبته وأخلفه خيرًا منها.
وقال ﷺ: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم (٦)، والنياحة على الميت» (٧) .
فكيف إذا انظم إلى ذلك ظلم المؤمنين، ولعنهم وسبهم، وإعانة أهل الشقاق والإلحاد على ما يقصدونه في الدين من الفساد، وغير ذلك مما لا يحصيه إلا الله تعالى.
فكان ما زينه الشيطان لأهل الضلال والغي، من اتخاذ يوم عاشوراء مأتمًا، وما يصنعون فيه من الندب والنياحة، وإنشاء قصائد الحزن، ورواية الأخبار التي فيها كذب كثير، والصدق فيها ليس فيه إلا تجديد الحزن والتعصب، وإثارة الشحناء والحرب، وإلقاء الفتن بين أهل الإسلام والتوسل بذلك إلى سب السابقين الأولين، وكثرة الكذب والفتن في الدين.
ولم يعرف المسلمين أكثر كذبًا وفتنًا، ومعاونة للكفار على أهل الإسلام من هذه
_________________
(١) - السربال: هو القميص. يراجع: النهاية لابن الأثير (٢/ ٣٥٧) .
(٢) - القطران: هو النحاس المذاب شديد الحرارة. تفسير ابن كثير (٢/٥٤٥)، ولسان العرب (٥/١٠٥) مادة (قطر) .
(٣) - الجرب: داء معروف وهو بثر يعلو أبدان الناس والإبل. يراجع: لسان العرب (١/٢٥٩) مادة (جرب)
(٤) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/٣٤٢، ٣٤٣) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٦٤٤) كتاب الجنائز، حديث رقم (٩٣٤) .
(٥) - رواه مالك في الموطأ (١/٢٣٦) كتاب الجنائز، حديث رقم (٤٣) . ورواه أحمد في مسنده (٦/٣٠٩) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٦٣٢، ٦٣٣) كتاب الجنائز، حديث (٩١٨) . ورواه أبو داود في سننه (٢/٤٨٨) كتاب الجنائز، حديث (٣١١٩) .
(٦) - الاستسقاء بالنجوم: أي نسبة إلى السقيا ومجئ المطر إلى النجوم والأنوار. يراجع: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ص (٣٩٨) .
(٧) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/٣٤٢، ٣٤٣) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٦٤٤) كتاب الجنائز، حديث رقم (٩٣٤) .
[ ١٠٤ ]
الطائفة الضالة الغاوية، فإنهم شر من الخوارج المارقين وأولئك قال فيهم النبي ﷺ: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان» (١) . وهؤلاء يعانون اليهود والنصارى والمشركين على أهل بيت النبي ﷺ، وأمته المؤمنين كما أعانوا المشركين من أعداء الإسلام (٢)
على ما فعلوه (٣) ببغداد (٤) وغيرها، بأهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ولد العباس بن عبد المطلب، وغيرهم من أهل البيت والمؤمنين، من القتل والسبي وخراب الديار، وشر هؤلاء وضررهم على أهل الإسلام لا يحصيه الرجل الفصيح في الكلام (٥) .
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٣/٤١٥، ٤١٦) كتاب التوحيد، حديث (٧٤٣٢) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٤١، ٧٤٢) كتاب الزكاة، حديث (١٠٦٤)
(٢) -وهم: التتار الذين دخلوا الشام في المرة الأولى سنة ٩٩هـ، وأعطوا الناس الأمان، ثم سبوا من ذراري المسلمين ما يقارب مائة ألف أو يزيدون وبالغوا في القتل والسبي، وفجروا بنساء المسلمين في المساجد وغيرها كالمسجد الأقصى والأموي. وهدموا المساجد، وكانوا لا يقيمون الصلاة، وتبعهم الزنادقة والمنافقون وشر أهل البدع من الرافضة والجهمية والاتحادية، وكانوا يعظمون ملكهم جنكيز خان ويسوونه برسول الله ﷺ - والعياذ بالله - وهو كافر مشرك من أعظم المشركين، بل يعتقدون أنه ابن الله، وأن الشمس حبلت أمه، ويشكرونه على أكلهم وشربهم، ويستحلون قتل من عادى ما سنَّه لهم هذا الكافر وأكثر وزرائه فلاسفة يهود انتسبوا للإسلام، وضموا إلى ذلك الرفض، وبالجملة فما من نفاق وزندقة وإلحاد إلا وهي داخلة في اتباع التتار. والرافضة تحب التتار ودولتهم؛ لأنه يحصل لهم بها من العز ما لا يحصل بدولة المسلمين، وهم أعظم الناس معاونة لهم على أخذ بلاد الإسلام، وقتل المسلمين، وسبي حريمهم، فقد كان منهم وزراء للتتار كالطوسي وابن العلقمي والرشيد وغيرهم. يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٨/٥٠٩، ٥٣٠)، والمنتقى ص (٣٢٥، ٣٢٦) .
(٣) - يراجع البداية والنهاية (١٣/١٩٠- ١٩٤)، حوادث سنة ٦٥٦هـ.
(٤) - هي عاصمة العراق قديمًا وحديثًا. وتقع على نهر دجلة. أول من جعلها مدينة الخليفة المنصور العباسي سنة ١٤٩هـ وأنفق عليها ثمانية عشر ألف ألف دينا، فبناها مدورة وسورها وجعل داره وجامعها في وسطها، وجعل لها أربعة أبواب. وقد صنَّف في بغداد وسعتها وعظمها وسعة بقعتها وما ورد فيها وما حدث بها الخطيب أبو بكر البغدادي في كتابه تاريخ بغداد (أربعة عشر مجلدًا) ما فيه الكفاية. يُراجع: معجم البلدان (١/٤٥٦- ٤٦٧)، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي.
(٥) - يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٥/٣٠٢، ٣٠٩) .
[ ١٠٥ ]
وهذه الطائفة هم الرافضة: الذين اشتهروا دون غيرهم من الطوائف بسبِّ الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر - ﵄ولعنهما وبغضهما وتكفيرهما-والعياذ بالله، ولهذا قيل للإمام أحمد: من الرافضي؟ قال: (الذي يسبّ أبا بكر وعمر) (١) .
وبهذا سميت الرافضة، فإنهم رفضوا زيد بن علي لما تولى الخليفتين أبا بكر وعمر - ﵄ - لبغضهم لهما، فالمبغض لهما هو الرافضي، وقيل: إنما سموا رافضة لرفضهم أبا بكر وعمر﵄ -.
وأصل الرفض من المنافقين الزنادقة، فإنه ابتدعه عبد الله بن سبأ الزنديق، وأظهر الغلو في علي﵁-؛ بدعوى الإمام بالنص، وادَّعى العصمة له.
_________________
(١) - يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ٤٣٥) .
[ ١٠٦ ]
ولهذا لما كان مبدأه من النفاق قال بعض السلف: حب أبي بكر وعمر إيمان، وبغضهما نفاق، وحب بني هاشم إيمان، وبغضهم نفاق (١) .
وهذه الفرقة هي التي وصفها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (إن الرافضة أمة ليس لها عقل صريح، ولا نقل صحيح، ولا دين مقبول، ولا دنيا منصورة، بل هم من أعظم الطوائف كذبًا وجهلًا، ودينهم يدخل على المسلمين كل زنديق ومرتد، كما دخل فيهم النصيرية (٢)، والإسماعيلية (٣)
وغيرهم، فإنهم يعمدون إلى خيار الأمة
_________________
(١) - يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ٤٣٥) .
(٢) - هي فرقة من فرق الباطنية، وينسبون إلى محمد بن نصر النميري، وكان من الغلاة الذين يقولون بألوهية على - ﵁ - وهم أكفر من اليهود والنصارى والمشركين، فهم يتظاهرون بالإسلام والتشيع لآل البيت، وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله، ولا برسوله، ولا بكتابه، ولا بأمر ولا نهي، ولا ثواب ولا عقاب، ولا جنة ولا نار، ولا بأحد من المرسلين فقصدهم إنكار الإيمان وشرائع الإسلام بكل طريق، فالصلوات الخمس: معرفة أسرارهم، والصيام: كتمان أسرارهم، والحج: زيارة شيوخهم، وهم يعينون أعداء الإسلام عليه، فظاهر مذهبهم الرفض، وباطنه الكفر المحض. تراجع ترجمتهم في: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣٥/ ١٤٥-١٦١)، والشيعة والتشيع ص (٢٥٥-٢٥٨) .
(٣) - نسبة إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر، ويزعمون أن دور الإمامة انتهى إليه لأنه سابع، واحتجُّوا بأن السموات سبع والأرضين سبه وأيام الأسبوع سبعة. وقالوا: بأن محمد بن إسماعيل نسخ شريعة محمد بن عبد الله ﷺ، وهم أعظم كفرًا من الغالية. يقولون بقدم العالم، وإنكار المعاد، وإنكار واجبات الإسلام ومحرماته، وهم من القرامطة الباطنية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب، وقولهم مركب من قول الفلاسفة والمجوس، ويظهرون التشيع نفاقًا، ومن أشهرهم: العبيديون الذين حكموا مصر والشام فترة طويلة. تراجع ترجمتهم في: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣٥/ ١٣١-١٦٢)، وتلبيس إبليس ص (١٠٢) .
[ ١٠٧ ]
يعادونهم، وإلى أعداء الله من اليهود والنصارى والمشركين يوالونهم، ويعمدون إلى الصدق الظاهر المتواتر يدفعونه، وإلى الكذب المختلق الذي يعلم فساده يقيمونه، فهم كما قال فيهم الشُّعبي﵀وكان من أعلم الناس بهم-: لو كانوا من البهائم لكانوا حمرًا، ولو كانوا من الطير لكانوا رخمًا (١) ا. هـ. (٢) .
وأما في الوقت الحاضر: فيستقبل بعض المنتسبين إلى الإسلام في بعض البلدان شهر محرم بالحزن والهم والخرافات والأباطيل؛ فيصنعون ضريحًا (٣) من الخشب، مزينًا بالأوراق الملونة ويسمونه ضريح الحسين، أو كربلاء (٤)، ويجعلون فيه قبرين، ويطلقون عليه اسم (التعزية)، ويجتمع أطفال بملابس وردية أو خضر، ويسمونهم فقراء الحسين.
وفي اليوم الأول من شهر تكنس البيوت وتغسل وتنظف، ثم يوضع الطعام، وتقرأ عليه فاتحة الكتاب، وأوائل البقرة، وسورة الكافرون، والإخلاص، والفلق، والناس. ثم يصلى على النبي ﷺ ويوهب ثواب الطعام للموتى.
_________________
(١) - الرخمة: طائر أبقع على شكل النسر خلقة، إلا أنه مبقع بسواد وبياض، يقال له: الأنوق. والجمع: رخَم ورخم، وهو موصوف بالغدر والموق، وقيل: بالقذر، ومنه قولهم: رخم السقاء إذا أنتن. يراجع: لسان العرب (١٢/٢٣٥) مادة (رخم) .
(٢) - تراجع: مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ٤٧١-٤٧٢)، ويراجع: منهاج السنة النبوية لابن تيمية (١/٣-٢٠)، ويراجع: الفِصَل لابن حزم (٤/١٧٩-١٨٨) .
(٣) - الضريح: الشق في وسط القبر، واللحد في الجانب، أو القبر كله. وقيل: قبر بلا لحد، سمي بذلك؛ لأنه يشق في الأرض شقًا. يراجع: لسان العرب (٢/٥٢٦) مادة (ضرح) .
(٤) - موضع بالعراق من ناحية الكوفة، وفيه قتل الحسين بن على بن أبي طالب وقبره بمكان من الطف عند نهر كربلاء. يراجع: معجم ما استعجم (٤/١١٢٣)، واستشهاد الحسين ص (١٣٤) .
[ ١٠٨ ]
وفي خلال هذا الشهر تمنع الزينة، فتضع النساء زينتهن، ولا يأكل الناس اللحوم، ولا يقيمون ولائم الأفراح، بل ولا يتم فيه عقود الزواج، وتمنع الزوجة من زوجها إن كان لم يمض على زواجهما أكثر من شهرين، ويكثر ضرب الوجوه والصدور، وشق الجيوب والنياحة، ويبدأ اللعن على معاوية وأصحابه ويزيد وسائر الصحابة.
وفي العشر الأول من الشهر: تشعل النيران، ويتواثب الناس عليها، والأطفال يطوفون الطرقات، ويصيحون: يا حسين يا حسين. وكل من يولد في هذا الشهر يعتبر شؤمًا سيئ الطالع، وفي بعض المناطق تدق الطبول والدفوف، وتصدح الموسيقى وتنشر الرايات، وينصب الضريح ويمر الرجال والنساء والصبيان من تحته، يتمسحون بالرايات ويتبركون، معتقدين أنهم بذلك لا يصيبهم مرض وتطوع أعمارهم.
وفي بعض البلدان يخرج الناس في ليلة عاشوراء معصبين عيني الرجل يطوفون الطرقات، فإذا ما قاربت الشمس على البزوغ عادوا إلى بيوتهم.
وفي يوم عاشوراء تطهى أطعمة خاصة، ويخرج أهل القرى والمدائن إلى مكان خاص يسمونه (كربلاء) فيطوفون حول الضريح الذي يقيمونه ويتبركون بالرايات وتدق الطبول وتضرع الدفوف، فإذا غربت الشمس دفن هذا الضريح، أو ألقي في الماء، وعاد الناس إلى بيوتهم، ويجلس بعض الناس على الطرقات بمشروبات يسمونها (السلسبيل)، ويسقونها للناس بدون مقابل، ويجلس بعض الوعاظ في الأيام العشر الأول فيذكرون محاسن الحسين، ومساوئ ينسبونها لمعاوية، ويزيد، ويصبون عليها وعلى أصحابها اللعنات.
ويروون في فضل عاشوراء وشهر المحرم أحاديث موضوعة وضعيفة وروايات مكذوبة.
وبعد أربعين يومًا من عاشوراء، يحتفلون يومًا واحدًا يسمونه الأربعين: يجمعون
[ ١٠٩ ]
فيه الأموال، ويشترون بها أطعمة خاصة يدعون الناس إليها.
وهذه البدع تعمل في الهند والباكستان، وفي البلدان التي يقطنها الشيعة ولاسيما إيران والعراق والبحرين (١) .
وإقامتهم لحفلات العزاء والنياحة والجزع، وتصوير الصور، وضرب الصدور، وما أشبه ذلك مما يصدر منهم في يوم عاشوراء وما قبله من شهر محرم، إنما يعتقدون بذلك القربة إلى الله وتكفير السيئات والذنوب التي صدرت منهم في السنة كلها، ولم يعلموا أن فعلهم هذا مما يوجب الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى.
وصدق الله تعالى القائل في محكم كتابه: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) .
وقال ﷿ من قائل: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا *الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (٣) .
_________________
(١) - يراجع: تحذير المسلمين عن الابتداع والبدع في الدين ص (٢٨٠، ٢٨١) .
(٢) -سورة فاطر: الآية٨.
(٣) - سورة الكهف:١٠٣-١٠٤
[ ١١٠ ]
المبحث الثالث
بدعة الفرح في يوم عاشوراء عند النواصب (١)
تقدم في المبحث السابق، ذكر بدعة الحزن في يوم عاشوراء عند الرافضة، وفي هذا المبحث سنتكلم - إن شاء الله - عن الذين عارضوا الرافضة، فجعلوا يوم عاشوراء موسم فرح، وهم النواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيت النبي ﷺ ومن الجهَّال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد، والكذب بالكذب، والشر بالشر، والبدعة بالبدعة، فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء؛ كالاكتحال، والاختضاب، وتوسيع النفقات على العيال، وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة، ونحو ذلك مما يُفعل في الأعياد والمواسم، فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسمًا كمواسم الأعياد والأفراح (٢) .
وكان أول ظهورهم على زمن النبي ﷺ، وذلك لما أبو سعيد الخدري - ﵁ - قال: بعث علي -﵁- إلى النبي ﷺ بذهيبة (٣)، فقسمها بين الأربعة:
_________________
(١) - النواصب: أغلبهم من الخوارج الذين هم أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع. وهم الذين يكفِّرُون عثمان وعلى وسائر أهل الجماعة، ويكفِّرون أصحاب الكبائر ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقًا واجبًا. يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣/٣٤٩)، والْمِلل والنِّحل للشهرستاني ص (١١٤-١٣٨) .
(٢) - يراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٥/٣٠٩، ٣١٠)
(٣) - ذهبية: تصغير ذهبة. وكانت تبرًا - لم تخلص من تراب المعدن - لم يسبك. يراجع: فتح الباري (٨/٦٨) كتاب المغازي، حديث (٤٣٥١) . وفي رواية مسلم: ذهبة - بدون تصغير -. يراجع: صحيح مسلم (٢/٧٤١) حديث رقم (١٠٦٤) .
[ ١١١ ]
الأقرع بن حابس الحنظلي ثم المجاشعي، وعيينة بن بدر الفزاري، وزيد الطائي، ثم أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامري، أحد بني كلاب.
فغضبت قريش والأنصار، قالوا: يعطي صناديد أهل نجد (١) ويدعنا! . قال: «إنَّما
_________________
(١) - النجد من الأرض: ما صلب منها وأشرف. ونجد - بفتح أوله وسمون ثانيه -: ما ارتفع عن بطن وادي الرمَّة، أو هي اسم للأرض العريضة التي أعلاها تهامة واليمن وأسفلها العراق والشام، ويقال: إن نجدًا كلها من عمل اليمامة. وتقع في أواسط جزيرة العرب. يراجع: معجم البلدان (٥/٢٦١-٢٦٤) .
[ ١١٢ ]
أتألفهم»، فأقبل رجل غائر العينين (١)، مشرف الوجنتين (٢)، ناتئ (٣) الجبين، كث اللحية محلوق، فقال: اتق الله يا محمد!، فقال: «من يطع الله إذا عصيت؟ أيأمنني الله على أهل الأرض ولا تأمنوني؟» . فسأله رجل قتله - أحسبه خالد بن الوليد - ﵁- فمنعه، فلما ولَّى قال: «إن من ضئضئ هذا - أو في عقب هذا - قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون (٤) من الدين مروق السهم من الرمية يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» (٥) .
وفي رواية لمسلم: بينما نحن عن رسول الله ﷺ وهو يقسم قسمًا، أتاه ذو
_________________
(١) - أي أن: عينيه داخلتان في محاجرهما. وهو ضد المجحوظ. يراجع: فتح الباري (٨/٦٨) .
(٢) - أي: بارز الوجنتين وهما العظمتان المشرفان على الخدين. المرجع السابق (٨/٦٨) .
(٣) - أي: مرتفع الجبين. والنتوء: أي أنه يرتفع على ما حوله. المرجع السابق (٨/٦٨) .
(٤) - يمرقون من الدين: أي يجوزونه ويخرقونه ويتعدونه، كما يخرق السهم المرمي به ويخرج منه، والمروق: الخروج من شيء من غير مدخله، وكذلك سرعة الخروج من الشيء. يُراجع: لسان العرب (١٠/ ٣٤٠، ٣٤١) مادة (مرق) .
(٥) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٦/٣٧٦) كتاب الأنبياء، حديث رقم (٣٣٤٤) . ورواه مسلم في صحيحه المطبوع مع شرح النووي (٧/١٦١، ١٦٢) كتاب الزكاة.
[ ١١٣ ]
الخويصرة -وهو رجل من بني تميم- فقال: يا رسول الله! اعدل! قال رسول الله ﷺ: «ويلك، ومن يعدل إن لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أعدل» فقال عمر بن الخطاب﵁ -: يا رسول الله! ائذن لي فيه أضرب عنقه، قال رسول الله ﷺ: «دعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، ويقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله (١) فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى رصافه (٢) فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه (٣) فلا يوجد فيه شيء - وهو القدح - ثم ينظر إلى قذذه (٤) فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم. آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر (٥)، يخرجون على حين فرقة من الناس» .
قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله ﷺ، وأشهد أن علي بن أبي طالب﵁- قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل (٦) فالتمس فوجد فأتي به
_________________
(١) - النصل: حديدة السهم. يراجع: شرح النووي على صحيح مسلم (٧/١٦٥) .
(٢) - الرصاف: مدخل النصل من السهم. يراجع السابق (٧/١٦٥) .
(٣) - النضي - بفتح النون وكسر الضاد وتشديد الياء -: وهو القدح، أي: عود السهم. يراجع السابق (٧/١٦٥) .
(٤) - القذذ - بضم القاف -: هو ريش السهم. يراجع السابق (٧/١٦٥) .
(٥) - تدردر: أي تضطرب وتذهب وتجيء. والبضعة: القطعة من اللحم. يراجع السابق (٧/١٦٥) .
(٦) -الرجل المصوف هو: ذو الثدية وهو من عرنة من بجيلة، وكان أسودًا شديد السواد، له ريح منتنة، معروف في العسكر. ويطلق عليه المخدج. يراجع: البداية والنهاية (٧/٣١٦) .
[ ١١٤ ]
حتى نظرت إليه على نعت رسول الله ﷺ الذي نعت (١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكانت الكوفة (٢) بها قوم من الشيعة المنتصرين للحسي، وكان رأسهم المختار بن عبيد الكذاب. وقوم من الناصبة المبغضين لعلي - ﵁- وأولاده، منهم الحجاج بن يوسف الثقفي، وقد ثبت في
_________________
(١) - رواها مسلم في صحيحه (٢/٧٤٤، ٧٤٥) كتاب الزكاة، حديث رقم (١٠٦٤) (١٤٨) .
(٢) - الكوفة: - الكوفة: المصر المشهور بأرض بابل من سواد العراق، ويسميها قوم خد العذراء. وسُميت بالكوفة لاستدارتها، وقيل لاجتماع الناس بها، وكان تمصيرها في أيام عمر بن الخطاب - ﵁ - سنة ١٧هـ. يُراجع: معجم البلدان (٤٩٠، ٤٩٤) .
[ ١١٥ ]
الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «سيكون في ثقيف كذاب ومبير» (١) . فكان ذلك هو الكذاب وهذا الناصبي هو المبير (٢)، فأحدث أولئك الحزن، وأحدث هؤلاء السرور وهذه بدعة أصلها من المتعصبين بالباطل على الحسين﵁وتلك بدعة أصلها من المتعصبين بالباطل له، وكل بدعة ضلالة، ولم يستحب أحد من الأئمة الأربعة وغيرهم لا هذا ولا هذا، ولا في شيء من استحباب ذلك حجَّة شرعية (٣) .
ولا شك في أن النواصب، وكذلك الرافضة، مبتدعون في فعلهم هذا مخطئون، خارج عن السنة؛ لأن الرسول ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضُّو عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٤) .
ولم يسن رسول الله ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون في يوم عاشوراء شيئًا من هذه الأمور، لا شعائر الحزن والترح، ولا شعائر السرور والفرح، ولكنه ﷺ لما قدم المدينة، وجد اليهود تصوم عاشوراء، فقال: «ما هذا؟» . فقالوا: هذا يوم نجَّى الله فيه موسى -﵇- من الغرق فنحن نصومه. فقال: «نحن أحق بموسى منكم» . فصامه وأمر بصيامه (٥) .
وكانت قريش أيضًا تعظمه في الجاهلية.
_________________
(١) - رواه مسلم في صحيحه (٤/١٩٧١، ١٩٧٢) كتاب فضائل الصحابة، حديث رقم (٢٥٤٥)، ولفظه: «إن في ثقيف كذابًا ومبيرًا» . وقالت أسماء بنت أبي بكر: فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه.
(٢) - المبير: المهلك. يراجع: شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ١٠٠) .
(٣) - يراجع: منهاج السنة النبوية (٣/٣٢٣) .
(٤) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٤/١٢٦، ١٢٧) . ورواه أبو داود في سننه المطبوع مع شرحه عون المعبود (١٢/٣٥٨- ٣٦٠) كتاب الفتن، واللفظ له. ورواه الترمذي في سننه المطبوع مع شرحه تحفة الأحوذي (٧/ ٤٣٨-٤٤٢) . وقال هذا حديث حسن صحيح، باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة. ورواه ابن ماجه في سننه (١/ ١٥، ١٦)، المقدمة.
(٥) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٤٤) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٠٠٤)، واللفظ له. ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٥) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٠) .
[ ١١٦ ]
واليوم الذي أمر الناس بصيامه كان يومًا واحدًا فإنه ﷺ قدم المدينة في شهر ربيع الأول، فلما كان في العام القابل، صام يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، ثم فرض شهر رمضان ذلك العام فنسخ صوم عاشوراء - أي وجوبه -.
وقد تنازع العلماء: هل كان صوم ذلك اليوم واجبًا، أو مستحبًا؟ على قولين مشهورين، أصحهما: أنه كان واجبًا، ثم إنه بعد ذلك كان يصومه من يصومه استحبابًا، ولم يأمر النبي ﷺ العامة بصيامه، بل كان يقول: «هذا يوم عاشوراء، وأنا صائم فيه، فمن شاء صام» متفق عليه (١) .
وقال ﵊: «صوم يوم عاشوراء يكفر سنة، وصوم يوم عرفة يكفر سنتين» .
ولما كان آخر عمره ﷺ وبلغه أن اليهود يتخذونه عيدًا قال: «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع» (٢)؛ ليخالف اليهود ولا يشابههم في اتخاذه عيدًا.
وكان من الصحابة والعلماء من لا يصومه، ولا يستحب صومه، بل يكره إفراده بالصوم، كما نقل ذلك عن طائفة من العلماء، ومن العلماء من يستحب صومه.
والصحيح أنه يستحب لمن صامه، أن يصوم معه التاسع؛ لأن هذا آخر أمر النبي ﷺ لقوله: «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع» .
فهذا الذي سنَّهُ رسول الله ﷺ، وأما سائر الأمور: مثل اتخاذ طعام خارج عن العادة إما حبوب وإما غير حبوب، أو تجديد لباس، أو توسيع نفقة، أو اشتراء حوائج العام ذلك اليوم، أو فعل عبادة مختصة كصلاة مختصة به. أو قصد الذبح، أو ادخار لحوم الأضاحي ليطبخ بها الحبوب، أو الاكتحال، أو الاختضاب، أو الاغتسال، أو التصافح، أو التزاور، أو زيارة المساجد والمشاهد، ونحو ذلك. فهذه من البدع المنكرة التي لم يسنها رسول الله ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون، ولا استحبها أحد من أئمة المسلمين المشهورين (٣) .
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٤٤) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٠٠٣)، ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٥) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٢٩) .
(٢) - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/ ٢٣٦) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٧، ٧٩٨) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٤) . ورواه أبو داود في سننه (٢/٨١٨، ٨١٩) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٤٤٥) . ورواه ابن ماجه في سننه (١/٥٥٢) كتاب الصيام، حديث (١٧٣٦) .
(٣) - أمثال: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه من أئمة المسلمين وعلمائهم. يراجع: مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٥/٣١٢) .
[ ١١٧ ]
فيجب على الإنسان، طاعة الله ورسوله ﷺ، واتباع دينه وسبيله، واقتفاء هداه ودليله. وعليه أن يشكر الله على ما عظمت به النعمة.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (١) .
وقال ﷺ: «إن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (٢) . (٣) .
_________________
(١) - سورة آل عمران:١٦٤.
(٢) - رواه مسلم في صحيحه (٢/٥٩٢) كتاب الجمعة، حديث (٨٦٧)، ولفظه: «خير الحديث كتاب الله» ورواه ابن ماجه (١/١٧) المقدمة، حديث رقم (٤٥)، ولفظه: «خير الأمور كتاب الله»
(٣) - يراجع: مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٥/٣١٠-٣١٤)، ويراجع: زاد المعاد (٢/٦٦-٧٧) .
[ ١١٨ ]
الفصل الثاني