بدعة الاحتفال بالمولد النبوي: ويشمل على ستة مباحث:
المبحث الأول: أول من أحدث هذه البدعة.
المبحث الثاني: حالة المجتمع في ذلك العصر.
المبحث الثالث: بعض الشبه التي عرضت للقائلين بهذه البدعة والجواب عنها.
المبحث الرابع: طريقة إحياء المولد.
المبحث الخامس: حقيقة محبته ﷺ.
المبحث السادس: موقف أهل السنة من هذه البدعة.
_________________
(١) لم أعثر - على حسب اطلاعي المحدد - على آثار تتعلق ببحثنا في شهر ربيع الأول.
[ ١٣٥ ]
المبحث الأول
أول من أحدث هذه البدعة
مضت القرون المفضلة الأولى، والثاني والثالث، ولم تسجل لنا كتب التاريخ أن أحدًا من الصحابة، أو التابعين، أو تابعيهم ومن جاء بعدهم- مع شدة محبتهم للنبي ﷺ، كونهم أعلم الناس بالسنة، وأحرص الناس على متبعة شرعه ﷺ احتفل بمولد النبي ﷺ.
وأول من أحدث هذه البدعة هم بني عبيد القداح (١) الذين يسمون أنفسهم بالفاطميين، وينتسبون إلى ولد علي أبي طالب﵁-، وهم في الحقيقة من المؤسسين لدعوة الباطنية، فجدهم هو ابن ديصان المعروف بالقداح، وكان مولى لجعفر بن محمد الصادق، وكان من الأهواز (٢) وأحد مؤسسي مذهب الباطنية، وذلك بالعراق، ثم رحل إلى المغرب، وانتسب في تلك الناحية إلى عقيل بن أبي
_________________
(١) - سمي القداح: لأنه كان كحَّالا يقدح العيون إذا نزل فيها الماء. يراجع: وفيات الأعيان (٣/١١٨)، والبداية والنهاية (١١/٢٠٢)، ولسان العرب (٢/٥٥٦) مادة (قدح) .
(٢) - الأهواز: سبع كور بين البصرة وفارس، وسوق الأهواز من مدنها والتي فتحها أبو موسى الأشعري سنة ١٧هـ، قيل عن أهلها: أنهم أبخل الناس وأحمقهم وهي كثيرة الحمى. يراجع: معجم البلدان (١/٣٨٤- ٣٨٦) .
[ ١٣٧ ]
طالب، وزعم أنه من نسله، فلما دخل في دعوته قوم من غلاة الرافضة، ادعى أنه من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر بن جعفر الصادق، فقبلوا ذلك منه، مع أن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق مات ولم يعقب ذرية (١)، وممن تبعه: حمدان قرمط، وإليه تنسب القرامطة (٢)، ثم لما تمادت بهم الأيام، ظهر المعروف منهم بسعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون بن ديصان القداح، فغيَّر اسمه
_________________
(١) - يراجع: فضائح الباطنية ص (١٦) .
(٢) - فرقة من فرق الباطنية. وقد تقدم الكلام عن الباطنية
[ ١٣٨ ]
ونسبه وقال لأتباعه: أنا عبيد الله بن الحسن بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق فظهرت فتنته بالمغرب (١) .
قال البغدادي: (وأولاده اليوم مستولون على أعمال مصر) ا. هـ (٢) .
وقال ابن خلِّكان: (وأهل العلم بالأنساب من المحققين ينكرون دعواه في النسب) ا. هـ (٣) .
وفي سنة ٤٠٢هـ كتب جماعة من العلماء والقضاء، والأشراف والعدول والصالحين والفقهاء والمحدثين، محاضر تتضمن الطعن والقدح في نسب الفاطميين - العبيديين - وشهدوا أن الحاكم بمصر هو: منصور بن نزار الملقب بـ «الحاكم» -
_________________
(١) - يراجع: الفرق بين الفرق ص (٢٦٦، ٢٦٧)، وبيان مذهب الباطنية وبطلانه ص (٢٠، ٢١) .
(٢) - يراجع: الفرق بين الفرق ص (٢٦٧)
(٣) - يراجع: وفيات الأعيان (٣/١١٧، ١١٨) .
[ ١٣٩ ]
حكم الله عليه بالبوار والخزي والدمار- ابن معد بن إسماعيل بن عبد الله بن سعيد- لا أسعده الله -، فإنَّهُ لما صار إلى بلاد المغرب تسمى بعبيد الله، وتلقب بالمهدي، وأن من تقدم من سلفه أدعياء خوارج، لا نسب لهم في ولد علي بن أبي طالب﵁- ولا يعلمون أحدًا من أهل بيوتات على بن أبي طالب﵁- توقف عن إطلاق القول في أنهم خوارج كذبه، وقد كان هذا الإنكار لباطلهم شائعًا في الحرمين، وفي أول أمرهم بالمغرب، منتشرًا انتشارًا يمنع أن يدلس أمرهم على أحد، أو يذهب وهم إلى تصديقهم فيما ادَّعوه، وأن هذا الحاكم بمصر- هو وسلفه-كفار فساق فجار، ملحدون زنادقة، معطلون، وللإسلام جاحدون، ولمذهب المجوسية والوثنية معتقدون، قد عطَّلُوا الحدود، وأباحوا الفروج، وأحلوا الخمر، وسفكوا الدماء، وسَبُّوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادَّعُوا الربوبية، وكتب في سنة اثنتين وأربعمائة للهجرة، وقد كتب خطه في المحضر خلق كثير (١) ا. هـ.
_________________
(١) - منهم: من العلويين: المرتضى، والرضى، وابن الأزرق الموسوي، وأبو طاهر بن أبي الطيب، ومحمد بن محمد بن عمرو بن أبي يعلى. ومن القضاء: أبو محمد بن الأكفاني، وأبو القاسم الجزري، وأبو العباس بن الشيورى. ومن الفقهاء: أبو حامد الإسفراييني، وأبو محمد بن الكسفلي، وأبو الحسن القدوري، وأبو عبد الله الصميري، وأبو عبد الله البيضاوي، وأبو علي بن حكمان. ومن الشهود: أبو القاسم التنوخي. يراجع: البداية والنهاية (١١/٣٨٦-٣٨٧) .
[ ١٤٠ ]
وقد صنَّف القاضي الباقلاني كتابًا في الردِّ على هؤلاء وسماه: (كشف الأسرار وهتك الأستار) . بيَّن فيه فضائحهم وقبائحهم، وقال فيهم: هم قوم يظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض (١) .
وقد سُئِل شيخ الإسلام ابن تيمية﵀- عنهم، فأجاب: (بأنهم من أفسق الناس، ومن أكفر الناس، وأن من شهد لهم بالإيمان والتقوى، أو بصحة النسب، فقد شهد لهم بما لا يعلم، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٢) . وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٣) .
وهؤلاء القوم يشهد عليهم علماء الأمة، وأئمتها، وجماهيرها، أنهم كانوا منافقين زنادقة، يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، فالشاهد لهم بالإيمان، شاهد لهم بما لا يعلمه؛ إذ ليس معه شيء يدلّ على إيمانهم، مثل ما مع منازعيه ما يدل على نفاقهم وزندقتهم.
وكذلك النسب: قد علم أن جمهور الأمة تطعن في نسبهم، ويذكرون أنهم من أولاد المجوس أو اليهود، هذا مشهور من شهادة علماء الطوائف من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وأهل الحديث، وأهل الكلام، وعلماء النسب، والعامة، وغيرهم. وهذا أمر قد ذكره عامة المصنفين لأخبار الناس وأيامهم، حتى بعض من قد يتوقف في أمرهم؛ كابن الأثير الموصلي في تاريخه ونحوه، فإنَّه ذكر ما كتبه علماء
_________________
(١) - يراجع: البداية والنهاية (١١/٣٨٧) .
(٢) - سورة الاسراء: الآية٣٦.
(٣) - سورة الزخرف: الآية٨٦.
[ ١٤١ ]
المسلمين بخطوطهم في القدح في نسبهم.
وأما جمهور المصنفين من المتقدمين والمتأخرين، حتى القاضي ابن خلكان في تاريخه، فإنهم ذكروا بطلان نسبهم، وكذلك ابن الجوزية، وأبو شامة، وغيرهم من أهل العلم بذلك. حتى صنَّف العلماء في كشف أسرارهم، وهتك أستارهم؛ كالقاضي أبي بكر الباقلاني في كتابه المشهور في كشف أسرارهم وهتك
[ ١٤٢ ]
أستارهم، وذكر أنهم من ذرية المجوس، وذكر من مذاهبهم ما بيَّن فيه أن مذاهبهم شر من مذاهب اليهود والنصارى، بل ومن مذاهب الغالية الذين يدَّ إلهية عليّ أو نبوته، فهم أكفر من هؤلاء، وكذلك ذكر القاضي أبو يعلى في كتابه (المعتمد) فصلًا طويلًا في شرح زندقتهم وكفرهم، وكذلك ذكر أبو حامد الغزالي﵀- في كتابه الذي سمَّاه (فضائل المستظهرية، وفضائح الباطنية) قال: (ظاهر مذهبهم الرفض، وباطنه الكفر المحض) (١) .
وكذلك القاضي عبد الجبار بن أحمد، وأمثاله من المعتزلة المتشيعة الذين لا يفضلون على عليِّ غيره، بل يفسِّقون من قاتله ولم يتب من قتاله. يجعلون هؤلاء من أكابر المنافقين الزنادقة، فهذه مقالة المعتزلة في حقهم، فكيف تكون مقالة أهل السنة
_________________
(١) - يراجع: فضائح الباطنية ص (٣٧) .
[ ١٤٣ ]
والجماعة؟!!، والرافضة الإمامية، مع أنهم أجمل الخلق، وأنهم ليس لهم عقل ولا نقل، ولا دين صحيح، ولا دنيا منصورة - يعلمون أن مقالة هؤلاء الزنادقة المنافقين ويعلمون أن مقالة هؤلاء الباطنية شرّ من مقالة الغالية الذين يعتقدون إلهية على - ﵁ -.
وأما القدح في نسبهم فهو مأثور عن جماهير علماء الأمة من علماء الطوائف.
وهؤلاء -بنو عبيد القدح-ما زالت علماء الأمة المأمونون علمًا ودينًا يقدحون في نسبهم ودينهم، لا يذمونهم بالرفض والتشيع، فإن لهم في هذا شركاء كثيرين، بل يجعلونهم من القرامطة الباطنية، الذين منهم الإسماعيلية والنصيرية، وأمثالهم من الكفار المنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، والذين أخذوا بعض قول المجوس وبعض قول الفلاسفة. فمن شهد لهم بصحة نسب أو إيمان، فأقل ما في شهاداته أنه شاهد بلا علم، قاف ما ليس له به علم، وذلك حرام باتفاق الأمة، بل ما ظهر عنهم من الزندقة والنفاق، ومعاداة ما جاء به الرسول ﷺ: دليل على بطلان نسبهم الفاطمي، فإن من يكون من أقارب النبي ﷺ القائمين بالخلافة في أمته، لا تكون معاداته لدينه كمعادة هؤلاء، فلم يعرف في بني هاشم، ولا بني أمية: من كان خليفة وهو معاد لدين الإسلام، فضلًا عن أن يكون معاديًا كمعاداة هؤلاء، بل أولاد الملوك الذين لا دين لهم آدم، الذي بعثه الله بالهدى ودين الحق كيف دينه هذه المعاداة؟!. ولهذا نجد جميع المأمونين على دين الإسلام باطنًا وظاهرًا معادين
[ ١٤٤ ]
لهؤلاء، إلا من هو زنديق عدو لله ورسوله، أو جاهل لا يعرف ما بعث به رسوله، وهذا مما يدل على كفرهم، وكذبهم في نسبهم. ا. هـ (١) .
فأوّل من قال بهذه البدعة الاحتفال بالمولد النبوي - هم الباطنية الذين أرادوا أن يُغيِّروا على الناس دينهم، وأن يجعلوا فيه ما ليس منه؛ لإبعادهم عمَّا هو من دينهم، فإشغال الناس بالبدع طريق سهل لإماتة السنة والبُعْد عن شريعة الله السمحة، وسنته ﷺ المطهرة.
وكان دخول العبيديين مصر سنة ٣٦٢هـ، في الخامس من رمضان (٢)، وكان ذلك بداية حكمهم لها.
وقيل: يوم الثلاثاء لسبع خلون من شهر رمضان سنة ٣٦٢هـ (٣)، فبدعة الاحتفال بالموالد عمومًا، ومولد النبي ﷺ خصوصًا، إنَّما ظهرت في عهد العبيديين، ولم يسبقهم أحدٌ إلى ذلك.
قال المقريزي: (ذكر الأيام التي كان الخلفاء الفاطميون يتخذونها أعيادًا ومواسم تتسع بها أحوال الرعية، وتكثر نعمهم.
وكان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم وهي:
موسم رأس السنة، وموسم أول العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبي ﷺ، ومولد
_________________
(١) - يُراجع: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٣٥/ ١٢٠-١٣٢) .
(٢) - يراجع: البداية والنهاية (١١/٣٠٦) .
(٣) - يراجع: اتعاظ الحنفا (١/١٣٤) .
[ ١٤٥ ]
علي بن أبي طالب - ﵁ - ومولد الحسن، ومولد الحسين ﵉، ومولد فاطمة الزهراء ﵍، ومولد الخليفة الحاضر، وليلة أول رجب، وليلة نصفه، وليلة أول شعبان، وليلة نصفه، وموسم ليلة رمضان، وغرة رمضان، وسماط رمضان، وليلة الختم، وموسم عيد الفطر، وموسم عيد النحر، وعيد الغدير، وكسوة الشتاء، وكسوة الصيف، وموسم فتح الخليج، ويوم النوروز، ويوم الغطاس، ويوم الميلاد، وخميس العدس، وأيام الركوبات) . ا. هـ (١) .
ثم تكلم عن كل موسم، ومراسم الاحتفال فيه.
فهذه شهادة ظاهرة واضحة من المقريزي- وهو من المثبتين انتسابهم إلى ولد علي بن أبي طالب﵁- ومن المدافعين عنهم - أن العبيديين هم سبب البلاء على المسلمين، وهم الذين فتحوا باب الاحتفالات البدعية على مصراعيه، حتى أنهم كانوا يحتفلوا بأعياد المجوس والمسيحيين كالنوروز، والغطاس، والميلاد، وخميس العدس، وهذا من الأدلة على بعدهم عن الإسلام، ومحاربتهم له، وإن لم يجهروا بذلك ويظهروه. ودليل أيضًا على أن إحياءهم للموالد الستة المذكورة-ومنها المولد النبوي-، ليس محبة له ﷺ وآله كما يزعمون، وكما يظهرون للعامة والسذَّج من الناس، وإنما قصدهم بذلك نشر خصائص مذهبهم الإسماعيلي الباطني، وعقائدهم الفاسدة بين الناس، وإبعادهم عن الدين الصحيح، والعقيدة السليمة بابتداعهم هذه الاحتفالات، وأمر الناس بإحيائها، وتشجيعهم على ذلك، وبذل الأموال الطائلة في سبيل ذلك.
_________________
(١) - يراجع الخطط المقريزية (١/٤٩٠) .
[ ١٤٦ ]
فخلاصة ما سبق أن أول من احتفل بالمولد النبوي هم بنو عبيد القداح (الفاطميون)، ويدلُّ على ذلك: ما ذكره المقريزي في خططه - وسبق وذكرته - وما ذكره القلقشندي في صبح الأعشى (١) .
وقد رجع هذا وأخذ به جماعة من العلماء المتأخرين (٢) وصرَّحُوا به.
وأمَّا ما ذكره أبو شامة في كتابه (الباعث على إنكار البدع والحوادث): من ثنائه على الاحتفال بالمولد النبوي، وأنه من أحسن ما ابتدع في زمانه (٣)، وأن أول من احتفل بذلك بالموصل (٤)، والشيخ عمر بن محمد الملا أحد الصالحين المشهورين،
_________________
(١) - يراجع: صبح الأعشى (٣/٤٩٨، ٤٩٩) .
(٢) - منهم: محمد بخيت المطيعي في كتابه أحسن الكلام ص (٤٤)، وعلي محفوظ في كتابه الإبداع ص (٢٥١)، وحسن السندوبي في كتابه تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي ص (٦٢)، وعلي الجندي في كتابه نفح الأزهار ص (١٨٥، ١٨٦)، وإسماعيل الأنصاري في كتابه القول الفصل ص (٦٤)، وغيرهم من المؤلفين في هذا المجال.
(٣) - ما ذكره أبو شامة هو وغيره من الاستحسان للاحتفال بالمولد النبوي خطأ واضح، مخالف لما عليه المحققون من علماء هذه الأمة، ويعتبر من زلات العلماء وأخطائهم، عفا الله عنا وعنه.
(٤) - هي المدينة المشهورة، ومحط الركبان، وهي باب العراق، ومفتاح خرسان وسميت بالوصل؛ لأنها وصلت بين الجزيرة والعراق، أو بين دجلة والفرات، وتقع على نهر دجلة، وأول من عظمها من الخلفاء: مروان بن محمد بن مروان آخر خلفاء بني أمية، وصفها العلماء بصحة الهواء، وعذوبة. يراجع: معجم البلدان (٥/٢٢٣-٢٢٥) .
[ ١٤٧ ]
وبه اقتدى في ذلك صاحب إربل (١): فلا يدلُّ على أن أول من احتفل بالمولد النبوي، هو صاحب إربل؛ لأمرين:
أحدهما: أن أبا شامة - ﵀ - قيَّد هذه الأولوية بقوله: (أول من فعل ذلك بالموصل) (٢) . فكلامه يدلُّ على أن أول من احتفل بالمولد النبوي في الموصل هو صاحب إربل اقتداءً بالشيخ عمر بن محمد الملا، وليس فيه دلالة على أن أول من احتفل بالمولد النبوي على الإطلاق هو صاحب إربل.
ولكن السيوطي﵀- أطلق ذلك في كتابه (حُسن المقصد في عمل المولد) - الذي ضمنه كتابه الحاوي- فقال: (وأوَّلُ من أحدث فعل ذلك- الاحتفال بالمولد النبوي- صاحب إربل الملك المظفر أبو سعيد كوكبرى بن زين الدين علي بن
_________________
(١) - إربل: - بالكسر ثم السكون ثم ياء مكسورة -: من الربل أو الريبال، وهو نوع من أنواع النبات، وهي قلعة حصينة، ومدينة كبيرة، على تل عال من التراب وهي من أعمال الموصل، وبينهما مسيرة يومين، وقد قام بعمارتها الأمير كوكبوري، فأقام بها وقامت بمقامه بها - وهو المراد بقول أبي شامة: صاحب إربل - وأكثر أهلها من الأكراد. وتقع في شمال العراق شرقي مدينة الموصل. يراجع: معجم البلدان (٥/١٢٧-١٣٩) .
(٢) - يراجع: الباعث الحثيث ص (٢١) .
[ ١٤٨ ]
بكتكين، أحد الملوك الأمجاد) . ا. هـ (١) .
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: (وهذه البدعة- الاحتفال بالمولد- أول من أحدثها أبو سعيد كوكبوري في القرن السادس الهجري) . ا. هـ (٢) .
_________________
(١) - يراجع: الحاوي (١/١٨٩) الكتاب رقم (٢٤) .
(٢) - يراجع: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (٣/٥٩) .
[ ١٤٩ ]
وقال الشيخ حمود التويجري: (إن الاحتفال بالمولد بدعة في الإسلام أحدثها سلطان إربل في آخر القرن السادس من الهجرة، أو في أول القرن السابع) . ا. هـ (١) .
فإذا عرفنا ذلك، فلا شكَّ أن العبيديين هم أول من احتفل بالمولد النبوي، حسب ما ورد في كتب التاريخ والسير؛ لأنَّ العبيديين دخلوا مصر وأسسوا ملكهم في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، واستمرت دولتهم القرن الخامس، ونصف القرن السادس الهجري.
فقد دخل المعز معد بن إسماعيل القاهرة في سنة ٣٦٢هـ (٢) في رمضان، وكان
_________________
(١) - يراجع: الرد القوي ص (٨٩) .
(٢) - يراجع: البداية والنهاية (١١/٣٠٦)، واتعاظ الحنفا (١/١٣٤) .
[ ١٥٠ ]
ذلك بداية حكمهم في مصر (١) . وقيل: في سنة ٣٦٣هـ (٢) .
وكان آخر خليفة فيهم هو العاضد، توفي سنة ٥٦٧هـ (٣) .
وأما مظفر الدين صاحب إربل، فلولادته كانت في سنة ٥٤٩هـ. وتوفي سنة ٦٣٠هـ (٤) .
فهذا دليلٌ قاطعٌ على العبيديين سبقوا صاحب إربل - الملك المظفر - بالاحتفال بالمولد النبوي.
فصاحب إربل ليس أول من احتفل بالمولد النبوي، وإنما سبقه إلى ذلك العبيديون بحوالي قرنين من الزمان، وهذا لا يمنع أن يكون صاحب إربل هو أول من احتفل بالمولد النبوي في الموصل؛ لأنَّ احتفالات العبيديين كانت في دولتهم - وهي في مصر كما ذُكِرَ في كتب التاريخ -، والله أعلم.
_________________
(١) - أما أول من حكم منهم: فهو المهدي عبيد الله، وكان ذلك سنة ٢٩٦هـ وبنى المهدية وذلك في المغرب، ثم جاء بعده ابنه القائم محمد ثم ابنه المنصور إسماعيل ثم ابنه المعز معد وهو أول من دخل منهم ديار مصر وأول من ملكها منهم. يراجع: البداية والنهاية (١١/٢٨٣) .
(٢) - يراجع: أخبار ملوك بني عبيد ص (٨٨) .
(٣) - يراجع: البداية والنهاية (١١/٢٨٠)، واتعاظ الحنفا (١/٣٢٤، ٣٣٢) .
(٤) - يراجع: وفيات الأعيان (٤/١٢٠) .
[ ١٥١ ]
المبحث الثاني
حالة المجتمع في ذلك العصر
كانت سياسة العبيديين موجهة إلى غاية واحد، هي العمل بكل جدِّ وإخلاص لحمل الناس على اعتناق مذهبهم، وجعله سائداُ في كافة أنحاء الديار المصرية، وغيرها من البلاد التي كانوا يحكمونها، والمجاورة لهم.
فقد كان عبد العزيز يعطف على النصارى واليهود، كما كان أبوه - المعز معد أبو تميم - قبله، ولكن العزيز كان أكثر عطفًا على النصارى، لِما كان بينه وبينهم من صلة النسب (١) .
ورفع العزيز عيسى بن نسطورس إلى كرسي الوزارة، كما عيَّن منشأ
_________________
(١) - فقد تزوج بنصرانية واستعمل أخويها على بعض الكنائس. يراجع الدولة الفاطمية ص (٢٠٢) .
[ ١٥٢ ]
اليهود، واليًا على الشام، فأظهر ابن نسطورس ومنشأ محاباة جليَّة لبني ملتهم، فعينوهم في مناصب الدولة بعد أن أقصوا المسلمين عنها، فقدم المسلمون الاحتجاجات على تلك المحاباة التي أظهرها الخليفة لغير المسلمين وبلغ من حال هؤلاء الساخطين أن كتبت امرأة إلى العزيز: بالذي أعز اليهود بمنشأ، والنصارى بعيسى بن نسطورس، وأذل المسلمين بك ألا كشفت ظلامتي (١) .
فأمر بالقبض على ابن نسطورس، وكتب إلى الشام بالقبض على منشأ وغيره من الموظفين اليهود، وأمر برد الدواوين والأعمال إلى الكتاب المسلمين، وعيَّن القضاة للإشراف على أعمالهم في جميع أنحاء الدولة، لكن الأمير ست الملك ابنة الخليفة شفعت لابن نسطورس فردّ العزيز الوزارة إليه ثانية، وشرط عليه استخدام المسلمين في الحكومة.
ولقد تقلد أهل الكتاب أرقى المناصب وأعلاها في عهد العزيز (٣٦٥-٣٧٦)، وشغلوا في عهد المستنصر (٤٢٧-٤٨٧)، ومن جاء بعده من الخلفاء، معظم المناصب المالية في الدولة، بل تقلَّدُوا الوزارة أيضًا.
_________________
(١) - يراجع: البداية والنهاية (١١/٣٥٨)، والمنتظم (٧/١٩٠)، واتعاظ الحنفا (١/٢٩٧) .
[ ١٥٣ ]
ولم تقتصر هذه المعاملة على ما تقدم، فقد ولع بعض الخلفاء العبيديين: كالحافظ مثلًا (٥٢٤-٥٤٤هـ) بزيارة أديرة (١) النصارى، وكان الآمر (٤٩٥- ٥٢٤هـ) يعطي الرهبان (٢) في بعض الأديرة عشرة آلف درهم كلما خرج للصيد، بل قد ازدادت موارد الكنائس (٣) المصرية زيادة عظيمة في عهد العبيديين (٤) .
فقد كان العبيديون يعاملون النصارى معاملة تنطوي على العطف والرعاية والمحاباة، فإذا كان هذا موقفهم من اليهود والنصارى فما موقفهم من أهل السنة؟!
لقد عمل العبيديون على لعن الخلفاء الثلاثة- أبي بكر، وعمر، وعثمان
_________________
(١) - أديرة: جمع دير، وهوخان النصارى، وبيت يتعبد فيه الرهبان، ويكون في الصحاري ورؤوس الجبال، وإذا كان داخل المصر فهو كنيسة أو بيعة. يراجع: لسان العرب (٤/٣٠٠، ٣٠١) مادة (دير)، ومعجم البلدان (٢/٤٩٥) .
(٢) - الراهب: المتعبد في الصومعة، وأحد رهبان النصارى، وكانوا يترهبون بالتخلي عن أشغال الدنيا، وترك ملاذها، والزهد فيها. يراجع: لسان العرب (٤/٤٣٧، ٤٣٨) .
(٣) - الكنائس: جمع كنيسة، والكنيسة متعبد اليهود أو النصارى أو الكفار. يراجع: القاموس المحيط (٢/٢٥٦) باب السين فصل الكاف.
(٤) - يراجع: تاريخ الدولة الفاطمية ص (٢٠٢-٢١٦) .
[ ١٥٤ ]
-﵃ أجمعين- وغيرهم من الصحابة؛ إذ عدّوهم أعداءً لعلي -﵁-، وتفشت فضائل علي وأولاده من بهده على السكة (١) وعلى جدران المساجد، وكان الخطباء يلعنون الصحابة على كافة منابر مصر.
وقد ألزم العبيديون جميع الموظفين المصريين أن يعتنقوا المذهب العبيدي الباطني، كما حتم على القضاة أن يصدروا أحكامهم وفق قوانين هذا المذهب.
بل إن الحصول على مناصب الدولة مشروط بالتحول إلى المذهب الشيعي، مما دفع بعض الذميين (٢) إلى اعتناق الإسلام، واتخاذ التشيع مذهبًا لهم (٣) .
وكان من عدائهم للسنة وأهلها: أن أمر العزيز بقطع صلاة التراويح من جميع البلاد المصرية، وذلك سنة ٣٧٢هـ. وكذلك في سنة ٣٩٣هـ قبض على ثلاثة عشر رجلًا، وضربوا وشهروا على الجمال، وحبسوا ثلاثة أيام، من أجل أنهم صلُّوا صلاة الضحى.
وفي سنة ٣٨١هـ ضرب رجل بمصر، وطيف به المدينة من أجل أنه وجد عنده كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس -﵀-.
وفي سنة ٣٩٥هـ في شهر صفر كتب على سائر المساجد، وعلى الجامع العتيق (٤) بمصر، من ظاهره وباطنه، ومن جميع جوانبه، وعلى أبواب الحوانيت، والحجر،
_________________
(١) - السكة: حديدة منقوشة، يضرب عليها الدراهم، وتطلق ويُراد بها الدينار والدرهم المضروبين، سمي كل واحد منهما سكة؛ لأنه طبع بالحديدة المعلمة له. يراجع: القاموس المحيط (٣/٣١٦) فصل السين، باب الكاف، ولسان العرب (١٠/٤٤٠، ٤٤١) مادة (سكك) .
(٢) - الذميين: نسبة إلى الذمَّة والذمام: وهما بمعنى العهد والأمان والضمان والحركة والحق، وسمي أهل الذمة لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم، وهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وكذلك المجوس؛ لأن لهم شبهة كتاب. يراجع: النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/١٦٨)، والإفصاح لابن هبيرة (٢/٢٩٢) .
(٣) - يراجع: تاريخ الدولة الفاطمية ص (٢١٨) .
(٤) - ويقع بمدينة فسطاط مصر، ويقال له: تاج الجوامع، وجامع عمرو بن العاص، وهو أول مسجد أسس بديار مصر في الملة الإسلامية بعد الفتح. يراجع: الخطط المقريزي (٢/٢٤٦) .
[ ١٥٥ ]
وعلى المقابر، سبّ السلف ولعنهم، ونقش ذلك، ولون بالأصباغ والذهب، وعمل ذلك على أبواب الدور، والقياسر (١) وأكره الناس على ذلك (٢) .
فكان لعن السنيين تفيض به ألسنة الناس من على المنابر في كافة أنحاء مصر طوال الحكم العبيدي تقريبًا، حتى أن العاضد - آخر الخلفاء العبيديين - كان شديد التشيع، متغاليًا في سبّ الصحابة- رضوان الله عليهم- وإذا رأى سنيًا استحل دمه (٣) .
وأشد من ذلك كله أن الحاكم العبيدي قد ادَّعى الألوهية، فأمر الناس أن يقوموا على أقدامهم صفوفًا إذا ذكر الخطيب على المنبر اسمه، إعظامًا لذكره، واحترامًا لاسمه، وقد فُعِل ذلك في سائر ممالكه، حتى في الحرمين الشريفين، وكان قد أمر أهل مصر على الخصوص إذا قاموا عند ذكره خروا سجدًا له، حتى أنه ليسجد بسجودهم من في الأسواق من الرعاع وغيرهم، ممن كان لا يصلي الجمعة، وكانوا يتركون السجود لله في يوم الجمعة وغيره، ويسجدون للحاكم، حتى أن قومًا من الجهال إذا رأوه يقولون له: يا واحدنا يا واحدنا، يا محيي يا مميت.
وأمر السودان أن يحرقوا مصر وينهبوا ما فيها من الأموال، والمتاع، والحريم، فامتثلوا لأمره، وسبوا النساء، وفعلوا فيهن الفاحشة، والمنكرات، وأحرقوا ثلث مصر، ونهبوا نصفها (٤) .
فما تقدَّم يعطي فكرة موجزة عن حالة المجتمع في عهد العبيديين، الذي هم أول من ابتدع الاحتفال بالموالد، وسبق وذكرت أن احتفالاتهم تلك ليست نابعة من محبة للرسول ﷺ وآله؛ لأنَّ من بدر منه ما سبق ذكره آنفًا- وإن ادَّعى محبتهﷺ ومحبة آله، فليس صادقًا ولا يعقل أن يصدر منه ذلك.
_________________
(١) - القياسر: هي كالخان العظيم تغلق عليها أبواب حديد، وتطيف بها دكاكين وبيوت بعضها على بعض، وهي في الواقع مجموعة من المباني العامة على هيئة رواق، وبها حوانيت، ومصانع، ومخازن، وأحيانًا مساكن. يراجع: تاريخ الدولة الفاطمية ص (٦٢٠) . وقد ذكرها المقريزي في الخطط بشيء من التفصيل في (٢/٨٦-٩١) .
(٢) - يراجع: الخطط المقريزي (٢/٣٤١) .
(٣) - يراجع: وفيات الأعيان (٣/١١٠) .
(٤) - يراجع: البداية والنهاية (١٢/ ١٠، ١١)، والمنتظم (٧/٢٩٨) .
[ ١٥٦ ]
وإنما كان هدفهم الوحيد هو بلوغ أغراضهم السياسية، ونشر مذهبهم الإسماعيلي الباطني، واستمالة عامة الناس بإقامة الاحتفالات التي تتجلى فيها مظاهر الكرم، والهدايا النفسية من النقود، والجوائز للشعراء، وكتَّاب القصر، والعلماء، وكذلك الإحسان للفقراء، وإقامة الولائم. وكل هذه الأمور جديرة بأن تستميل كثيرًا من الناس إلى اعتناق مذهبهم.
وبما أن نفقاتهم تلك على الاحتفالات والولائم كان القصد منها محاربة دين الله ورسوله، وإبعاد الناس عن العقيدة الصحيحة، والمنهج السليم، فقد ابتلاهم الله بالجوع ونقص الأموال والثمرات. فالبرغم من رخاء مصر، وعظم ثرائها، والأموال التي كانت تفيض بها خزائن العبيديين، والتي كانوا ينفقونها على ملذاتهم، وقصورهم، وبطانتهم الفاسدة، واحتفالاتهم وموالدهم البدعية، فقد حصل لأهل مصر من المجاعة ما تحدثت به كتب التاريخ، ومن ذلك ما ذكره ابن الجوزي في (المنتظم) فقال في حوادث سنة ٤٦٢هـ - وهي من سني خلافة المستنصر -:
(وفي ذي القعدة ورد من مصر والشام عدد كثير من رجال ونساء، هاربين من الجرف (١) والغلاء، وأخبروا أن مصر لم يبق بها كبير أحد من الجوع والموت، وأن الناس أكل بعضهم بعضًا، وظُهِرَ على رجل قد ذبح عدة من الصبيان والنساء وطبخ لحومهم وباعها، وحفر حفيرة دفن فيها رؤوسهم وأطرافهم، فقتل. وأكلت البهائم فلم يبق إلا ثلاثة أفراس لصاحب مصر - المستنصر -بعد ألوف من الكراع، وماتت الفيلة، وبيع الكلاب بخمسة دنانير، وأوقية (٢) زيت بقيراط (٣)، واللوز والسكر بوزن الدراهم، والبضة بعشرة قراريط، والراوية من الماء بدينار لغسل الثياب، وخرج وزير صاحب مصر إلى السلطان، فنزل عن بغلته وما معه إلا غلام واحد لعدم ما يطعم
_________________
(١) - الجرف: الأخذ الكثير، وجرفت الشيء أجرفه أي: ذهبت به كله أو جله وقد جرفه الدهر أي: اجتاح ماله وأفقره. يراجع: لسان العرب (٩/٢٥، ٢٦) .
(٢) - الأوقية: زنة سبعة مثاقيل، وزنة أربعين درهمًا، أو نصف سدس الرطل. يراجع: النهاية (٥/٢١٧)، باب الواو مع القاف. يراجع: لسان العرب (١٥/٤٠٤) مادة (وقى) .
(٣) - القيراط: جزء من أجزاء الدنيا، وهو نصف عشره في أكثر البلاد. وأهل الشام يجعلونه جزءًا من أربعة وعشرين. يراجع: النهاية (٤/٤٢)، يراجع: لسان العرب (٧/٣٧٥) .
[ ١٥٧ ]
الغلمان، فدخل، وشُغِل الركابي (١) عن البلغة لضعف قوته فأخذها ثلاثة أنفس ومضوا بها فذبحوها وأكلوها، فأنهى ذلك إلى صاحب مصر فتقدم بقتلهم وصلبهم، فصُلِبُوا، فلما كان من الغد وجدت عظامهم مرمية تحت خشبهم وقد أكلهم الناس، وباع رجل دارًا بمصر كان ابتاعها بتسعمائة دينارًا فاشترى بها دون الكارة (٢) من الدقيق) . ا. هـ (٣) .
فخلاصة الكلام: أن العبيديين لما دخلوا مصر وأرادوا نشر مذهبهم الباطني، متخذين التشيع ستارًا يحجب أنظار الناس عن حقيقة دعوتهم، استعملوا في سبيل ذلك شتى الوسائل: فأغروا العامة ورعاع الناس بالهدايا والولائم والاحتفالات كأداة من أدوات نشر مذهبهم، وبالمقابل استعملوا القتل والسجن والأذى لمن عارضهم من أهل السنة المدركين لحقيقة دعوتهم. فعامة الناس كانوا متطلعين إلى هذه الاحتفالات البدعية لحاجتهم لما يُنْفق فيها من الأموال، ولرغبتهم في ترويح أنفسهم، والاستجابة لهواها. والخوف من السلطان ومن يعلم بدعية هذه الاحتفالات وغيرها من المحدثات لا يستطيع الإنكار لما ينتظره من القمع والتعذيب.
فكان مناخًا مناسبًا لانتشار البدع، وتعويد الناس عليها، وتعليقهم بها، لما يعلموا من وراء ذلك من الترغيب والترهيب من السلطان الظالم.
بالإضافة إلى أنهم كانوا يشعرون في قرارة أنفسهم -والله أعلم- بأنهم أدعياء على النسب الشريف، فظنُّوا- وتحقق ظنهم - أن إقامة الموالد للنبي ﷺ وآله تثبت للناس صحة نسبهم وانتسابهم إلى آل البيت، فابتدعوا تلك الموالد وأنفقوا عليها الأموال الطائلة، والله أعلم.
_________________
(١) - الركابي: نسبة إلى الركاب، والركاب: هو ما يركب من دابة. يراجع: لسان العرب (١/٤٣٠) مادة (ركب) .
(٢) - الكارة: هي من الثياب ما يجمع ويشد، وهي مقدار أو معلوم من الطعام يحمله الرجل على ظهره. يراجع: الإفصاح في فقه اللغة (٢/٧٢٢) .
(٣) - يراجع: المنتظم (٨/٢٥٧، ٢٥٨) . يراجع كذلك: وفيات الأعيان (٥/٢٣٠) ترجمة المستنصر، البداية والنهاية (١٢/١٠٧)، واتعاظ الحنفا (١/٢٧٩، ٢٩٦- ٢٩٩) .
[ ١٥٨ ]
المبحث الثالث