فأخبر أبو بكر -﵁- أن الصمت المطلق لا يحل، وعقَّب ذلك بقوله: «هذا من عمل الجاهلية»، قاصدًا بذلك عيب هذا العمل وذمّه.
وتعقيب الحكم بالوصف: دليل على أن الوصف علَّة، فدلَّ على أن كونه من عمل الجاهلية وصف يوجب النهي عنه، والمنع منه.
ومعنى قوله: «من عمل الجاهلية»، أي: ما انفراد به أهل الجاهلية ولم يشرع في الإسلام، فيدخل في هذا كل ما اتخذ من عبادة، مما كان أهل الجاهلية يتعبدون به، ولم يشرع الله التعبد به في الإسلام، وإن لم ينوه عنه بعينه، كالمكاء والتصدية، فإن الله تعالى قال عن الكافرين: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (١) . والمكاء: الصفير ونحوه، والتصدية: التصفيق (٢) .
فما تقدم من الآيات والأحاديث والآثار: يدلُّ على وجوب مخالفة أهل الكتاب عمومًا، وعدم التشبه بهم في جميع الأمور.
أما ما يتعلق بالنهي عن مشابهتهم في أعيادهم واحتفالاتهم، فقد وردت فيه آيات وأحاديث وآثار ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - وسأذكر بعضها فيما يلي:
أولًا: من الكتاب:
ما تأوَّله غير واحد من التابعين وغيرهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٣) .
قال أبو العالية،
_________________
(١) - سورة لأنفال: الآية٣٥.
(٢) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٣٢٦- ٣٢٧) .
(٣) - سورة الفرقان:٧٢.
[ ٤١٦ ]
وطاوس، وابن سيرين، والضحاك، والربيع بن أنس، وغيرهم: (هو أعياد المشركين) (١) .
وفي رواية عن ابن عباس - ﵄ -: أنه أعياد المشركين. وقال عكرمة - ﵀ -: (لعب كان في الجاهلية يسمى بالزور) (٢) .
وقول هؤلاء التابعين: إنه أعياد الكفار، ليس مخالفًا لقول بعضهم: إنه الشرك، أو صنم كان في الجاهلية، ولقول بعضهم: إنه مجالس الخنا (٣)، وقول بعضهم: إنه الغناء؛ لأنَّ عادة السلف في تفسيرهم هكذا، يذكر الرجل نوعًا من أنواع المسمى لحاجة المستمع إليه، أو لينبه به على الجنس.
وقال قوم: إن المراد: شهادة الزور هي الكذب، وهذا فيه نظر، فإنه تعالى قال: ﴿لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ ولم يقل: لا يشهدون بالزور، والعرب تقول: (شهدت كذا: إذا حضرته) . كقول ابن عباس - ﵄-: «شهدت العيد مع
_________________
(١) - يُراجع: تفسير لبن كثير (٣/٣٢٨، ٣٢٩)، واقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٤٢٦- ٤٢٧) .
(٢) -يُراجع: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١٣/٧٩/٨٠) .
(٣) - الخنا: الفحش في القول. والخنا من الكلام: أفحشه. يُراجع: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (٢/٨٦) باب الخاء مع النون. ولسان العرب (١٤/٢٤٤) مادة (خنا)
[ ٤١٧ ]
رسول الله ﷺ» (١) .
ووجه تفسير التابعين المذكورين: أن الزور هو المحسن المموه حتى يظهر بخلاف ما هو عليه في الحقيقة، ومنه قوله ﷺ: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» (٢)؛ لما كان يظهر مما يعظم به مما ليس عنده.
فالشاهد بالزور يظهر كلامًاُ يخالف الباطن، ولهذا فسَّره السلف تارة بما يظهر حسنه لشبهة أو الشهود، وهو قبيح في الباطن، فالشرك ونحوه: يظهر حسنه للشبهة، والغناء ونحوه: يظهر حسنه للشهوة.
وأما أعياد المشركين: فجمعت الشبهة والشهود، وهي باطل؛ إذ لا منفعة فيها في الدين، وما فيها من اللذة العاجلة: فعاقبتها إلى ألم فصارت زورًا، وحضورها شهودًا.
وإذا كان الله قد مدح ترك شهودها، الذي هو مجرد الحضور، برؤية أو سماع، فكيف بالموافقة بما يزيد على ذلك، من العمل الذي هو عمل الزور، لا مجرد شهود؟!
ثم مجرد هذه الآية، فيها الحمد لهؤلاء والثناء عليهم، وذلك وحده يفيد الترغيب في ترك شهود أعيادهم، وغيرها من الزور، ويقضي الندب إلى ترك حضورها، وقد يفيد كراهة حضورها لتسمية الله لها زورًا، فأما تحريم شهودها من هذه الآية ففيه نظر، ودلالتها على تحريم فعلها أوجه (٣) .
ثانيًا: من السنة:
ما رواه أنس بن مالك - ﵁ - قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «ما هذان اليومان؟» قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية،
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٢/٤٥٣) كتاب العيدين، حديث رقم (٩٦٢) . ورواه مسلم (٢/٦٠٢) كتاب صلاة العيدين، حديث رقم (٨٨٤) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٩/٣١٧) كتاب النكاح، حديث رقم (٥٢١٩) . ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٦٨١) كتاب اللباس والزينة، حديث رقم (٢١٢٩) .
(٣) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٢٨- ٤٣٠) .
[ ٤١٨ ]
فقال ﷺ: «إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر» (١) .
وجه الدلالة من الحديث:
أن العيدين الجاهلين لم يقرهما رسول الله ﷺ، ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة، بل قال: «إن الله قد أبدلكم بهما يومين آخرين»، والإبدال من الشيء يقتضي ترك المبدل منه؛ إذ لا يجمع بين البدل والمبدل منه، ولهذا لا تستعمل هذه العبارة إلا فيما ترك اجتماعهما، كقوله ﷾: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (٢) . وقوله تعالى: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ (٣) . وقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ (٤) . وقوله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ (٥) .
ومنه الحديث في المقبور: «فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به خيرًا منه مقعدًا في الجنة» (٦) .
فقوله ﷺ: «إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما» يقتضي ترك الجمع بينهما لاسيما وقوله «خيرًا منهما» يقتضي الاعتياض بما شرع لنا، عما كان في الجاهلية.
وأيضًا فقوله لهم: «إن الله قد أبدلكم» لما سألهم عن اليومين فأجابوا: بأنهما يومان كانوا يلعبون فيهما في الجاهلية، دليلٌ على أنه نهاهم عنهما اعتياضًا بيومي الإسلام؛ إذ لو لم يقصد النهي لم يكن ذكر هذا الإبدال مناسبًا؛ إذ أصل شرع اليومين الإسلاميين كانوا يعلمونه، ولم يكونوا ليتركوه لأجل يومي الجاهلية.
وفي قول أنس - ﵁ -: «ولهم يومان يلعبون فيهما»، وقول النبي ﷺ: «إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منها: يوم الأضحى ويوم الفطر» دليل على أن أنسًا -﵁- فهم من
_________________
(١) - رواه أحمد في مسنده (٣/١٠٣) . ورواه أبو داود في سننه (١/٦٧٥) كتاب الصلاة، حديث رقم (١١٣٤) . ورواه النسائي في سننه (٣/١٧٩، ١٨٠) كتاب العيدين. ورواه الحاكم في المستدرك (١/٢٩٤) كتاب العيدين، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه.
(٢) -سورة الكهف: الآية٥٠.
(٣) -سورة النساء: الآية٢.
(٤) -سورة البقرة: الآية٥٩.
(٥) -سورة سبأ، الآية: ١٦.
(٦) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٣/ ٢٣٢) كتاب الجنائز، حديث رقم (١٣٧٤) . ورواه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٢٠٠، ٢٢٠١) كتاب الجنة، وحديث رقم (٢٨٧٠) .
[ ٤١٩ ]
قول النبي ﷺ: «أبدلكم بهما» تعويضًا باليومين المبدلين.
وأيضًا فإن ذينك اليومين الجاهليين قد ماتا في الإسلام، فلم يبق لهما أثر على عهد رسول الله ﷺ، ولا عهد خلفائه، ولو لم يكن قد نهى الناس عن اللعب فيهما، ونحوه مما كانوا يفعلونه لكانوا بقوا على العادة؛ إذ العادات لا تتغير إلا بمغير يزيلها ولاسيما طباع النساء والصبيان، ونفوس كثير من الناس متشوقة إلى اليوم الذي يتخذونه عيدًا للبطالة واللعب، ولهذا قد يعجز كثير من الملوك والرؤساء عن نقل الناس من عاداتهم في أعيادهم، لقوة مقتضيها من نفوسهم، وتوفر همم الجماهير على اتخاذها، فلولا قوة المانع من رسول الله ﷺ لكانت باقية، ولو على وجه ضعيف، فعلم أن المانع القوي منه كان ثابتًا، وكل ما منع منه النبي ﷺ منعًا قويًا كان محرمًا؛ إذا لا يعنى بالمحرم إلا هذا.
وهذا أمر بيِّن لا شُبهة فيه، فإن مثل ذينك العيدين، لو عاد الناس إليهما بنوع مما كان يفعل فيهما - إن رخص فيه - كان مراغمة بينه وبين ما نهى عنه، فهو المطلوب.
والمحذور في أعياد أهل الكتابين التي نقرهم عليها، أشد من المحذور في أعياد الجاهلية التي لا نقرهم عليها، فإنَّ الأئمة قد حذَّروا مشابهة اليهود والنصارى، وأخبروا أن سيفعل قوم منهم هذا المحذور بخلاف دين الجاهلية، فإنه لا يعود إلا في آخر الدهر، عند اخترام (١) أنفس المؤمنين عمومًا، ولو لم يكن أشد منه، فإنه مثله على ما لا يخفى؛ إذا الشر الذي له فاعل موجود، يخاف على الناس منه أكثر من شر لا مقتضى له قوي (٢) .
ما رواه ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلًا ببوانة، فأتي النبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلًا ببوانة، فقال النبي ﷺ:
_________________
(١) - اخترم فلان عنا: مات وذهب، واخترمته المنية: أخذته، واخترمهم الدهر: استأصلهم. يُراجع: لسان العرب (١٢/ ١٧٢) مادة (خرم) .
(٢) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٣٢- ٤٣٥) .
[ ٤٢٠ ]
«هل كان فيه وثن (١) من أوثان الجاهلية يعبد؟» قالوا: لا، قال: هل كان فيها عيد من أعياده؟ قال: لا، قال رسول ﷺ: «أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» (٢) .
وجه الدلالة من الحديث:
أن هذا الناذر كان قد نذر أن يذبح نعمًا: إما إبلًا وإما غنمًا - على رواية أخرى (٣) - بمكان سماه - بوانة- فسأله النبي ﷺ: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد؟» قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟» . قال: لا. قال: «أوفِ بنذرك»، ثم قال: «لا وفاء لنذر في معصية الله» . وهذا يدلُّ على أن الذبح بمكان عيدهم، ومحل أوثانهم معصية لله، من وجوهٍ:
أحدها: أن قوله: «فأوف بنذرك» (٤) تعقيب للوصف بالحكم بحرف الفاء، وذلك يدلُّ على أن الوصف هو سبب الحكم، فيكون سبب الأمر بالوفاء: وجود النذر خاليًا من هذين الوصفين، فيكون الوصفان ما نعين من الوفاء، ولو لم يكن معصية لجاز الوفاء به.
الثاني: أنه عقّب ذلك بقوله: «لا وفاء لنذر في معصية الله» . ولولا اندراج الصورة المسئول عنها في اللفظ العام، لم يكن في الكلام ارتباط، والمنذور في نفسه -وإن لم يكن معصية- لكن لما سأله النبي ﷺ عن الصورتين قال له:
«فأوف بنذرك» . يعني: حيث ليس هناك ما يوجب تحريم الذبح هناك فكان جوابه ﷺ فيه أمر بالوفاء عند الخلو من هذا، ونهي عن وجود هذا، وأصل الوفاء بالنذر معلوم، فبيَّن ما لا وفاء فيه. واللفظ العام إذا ورد على سبب، فلا بدَّ أن يكون السبب مندرجًا فيه.
الثالث: أنه لو كان الذبح في مواضع العيد جائز لسوغ النبي ﷺ للناذر الوفاء، كما سوغ لمن نذرت الضرب بالدف أن تضرب به (٥) . بل لأوجب الوفاء به، إذا كان الذبح بالمكان المنذور واجبًا، وإذا كان الذبح بمكان عيدهم منهيًا عنه، فكيف بالموافقة
_________________
(١) - الوثن: هو كل ما له جثة معلولة من جواهر الأرض، أو من الخشب والحجارة، كصورة الآدمي، تعمل وتنصب فتعبد، ومن العلماء من قال: الوثن هو الصنم، وقيل: الصنم: هو الصورة بلا جثة. يُراجع: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/١٥١)، باب الواو مع الثاء.
(٢) - رواه أبو داود في سننه (٣/٦٠٧) كتاب الأيمان والنذور، حديث رقم (٣٣١٣) . ورواه البيهقي في سننه (١٠/ ٨٣) كتاب النذور. ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/٦٨)، حديث رقم (١٣٤١) . وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: وإسناده على شرطهما. يراجه: كتاب التوحيد بحاشية الشيخ ابن قاسم ص (١٠٤-١٠٦) ويراجع: النهج السديد حديث رقم (١٣٢) .
(٣) - رواها أبو داود في سننه (٣/٦٠٧، ٦٠٨) كتاب الأيمان والنذور، حديث رقم (٣٣١٤) .
(٤) - رواه أبو داود في سننه (٣/٦٠٧، ٦٠٨) كتاب الأيمان والنذور، حديث رقم (٣٣١٤)، بلفظ: «فأوف بما نذرت به لله» .
(٥) - رواه أبو داود في سننه (٣/٦٠٧، ٦٠٨) كتاب الأيمان والنذور، حديث رقم (٣٣١٢)، ورواه ابن حبان في صحيحه، يراجع موارد الظمآن ص (٢٨٩)، حديث رقم (١١٩٣) .
[ ٤٢١ ]
في نفس العيد، بفعل بعض الأعمال التي تعمل بسبب عيدهم؟
فإذا كان النبي ﷺ قد نهى أن يذبح في مكان، كان الكفار يعملون فيه عيدًا، وإن كان أولئك الكفار قد أسلموا وتركوا ذلك العيد، والسائل لا يتخذ المكان عيدًا، بل يذبح فيه فقط، فقد ظهر أن ذلك سدًا للذريعة إلى بقاء شيء من أعيادهم، خشية أن يكون الذبح هناك سببًا لإحياء أمر تلك البقعة، وذريعة إلى اتخاذها عيدًا، مع أن ذلك العيد إنما كان- والله أعلم - سوقًا يتبايعون فيها، ويلعبون كما قالت الأنصار: يومان كنا نلعب فيهما في الجاهلية. لم تكن أعياد الجاهلية عبادة لهم، ولهذا فرق ﷺ بين كونها مكان وثن، وكونها مكان عيد، وهذا نهي شديد عن أن يفعل شيء من أعياد الجاهلية على أي وجه كان.
وفعل أعياد الكتابيين وغيرهم التي تتخذ دينًا وعبادة أعظم تحريمًا من عيد يتخذ لهوًا ولعبًا؛ لأن التعبد بما يسخطه الله ويكرهه أعظم من اقتضاء الشهوات بما حرَّمه. ولهذا كان الشرك أعظم إثمًا من الزنا، ولهذا كان جهاد أهل الكتاب أفضل من جهاد الوثنيين.
وإذا كان الشارع قد حسم مادة أعياد أهل الأوثان، خشية أن يتدنس المسلم بشيء من أمر الكفار - الذين قد يئس الشيطان أن يقيم أمرهم في جزيرة العرب -، فالخشية من تدنسه بأوضار (١) الكتابيين الباقين أشد، والنهي عنه أوكد، كيف وقد تقدم الخبر الصادق بسلوك طائفة من هذه الأمة سبيلهم. ويضاف إلى ما تقدم أيضًا: أن هذا الحديث وغيره، قد دلَّ على أنه كان للناس في الجاهلية أعياد يجتمعون فيها، ومعلوم أنه بمبعث رسول الله ﷺ محى الله ذلك عنه فلم يبق شيء من ذلك، ومعلوم أنه لولا نهيه ومنعه لما ترك الناس تلك الأعياد؛ لأن المقتضى لها قائم من جهة الطبيعة التي تحب ما يُصنع في الأعياد، وخصوصًا أعياد الباطل، من اللعب واللذات، ومن جهة العادة التي ألفت ما يعود من العيد، فإن العادة طبيعة ثانية وإذا كان المقتضي قائمًا قويًا، فلولا المانع القوي لما درست تلك الأعياد.
وهذا يوجب العلم اليقيني، بأن إمام المتقين ﷺ كان يمنع أمته منعًا قويًا عن أعياد الكفار، ويسعى في دروسها وطمسها بكل سبيل، وليس في إقرار أهل الكتاب على
_________________
(١) - الأوضار: جمع وضر، وهو الدرن والدسم، أو وسخ الدسم، واللبن وغسالة السقاء، والقصعة ونحوهما. يراجع: لسان العرب (٥/٢٨٤) مادة (وضر) .
[ ٤٢٢ ]
دينهم، إبقاء لشيء من أعيادهم في حق أمته، كما أنه ليس في ذلك إبقاء في حق أمته، لما هم عليه في سائر أعمالهم، من سائر كفرهم ومعاصيهم، بل قد بالغ ﷺ في أمر أمته بمخالفتهم في كثير من المباحات، وصفات الطاعات؛ لئلا يكون ذلك ذريعة إلى موافقتهم في غير ذلك من أمورهم، ولتكون المخالفة في ذلك حاجزًا ومانعًا عن سائر أمورهم، فإنه كلما كثرت المخالفة بينك وبين أصحاب الجحيم، كان أبعد عن أعمال أهل الجحيم (١) .
ما روته عائشة - ﵂ - قالت: دخل أبو بكر -﵁- وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بُعاث (٢)، قال: وليستا بمغنيتين. فقال أبو بكر -﵁-: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله ﷺ؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا بكر إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا» (٣)
وفي رواية: «يا أبا بكر! إن لكل قوم عيدًا وإن عيدنا هذا اليوم» (٤) . وفي رواية: «دعهما يا أبي بكر، فإنها أيام عيد» . وتلك الأيام أيام منى (٥) .
_________________
(١) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٣٦- ٤٤٥) .
(٢) - بُعاث: موضع في نواحي المدينة، على ليلتين منها، كانت فيه وقعة عظيمة بين الأوس والخزرج في الجاهلية، قُتل فيها خلق من أشراف الأوس والخزرج وكبرائهم، ولم يبق من شيوخهم إلا القليل. روى البخاري في صحيحه عن عائشة - ﵂ - قالت: «كان يوم بعاث يومًا قدمه الله لرسول ﷺ فقدم رسول الله ﷺ وقد افترق ملأهم، وقتلت سرواتهم وجرحوا. فقدمه الله لرسول ﷺ في دخولهم في الإسلام» . رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع الباري (٧/١١٠) كتاب مناقب الأنصار، حديث رقم (٣٧٧٧) . يُراجع: البداية والنهاية (٣/١٦٢) . ويُراجع: معجم البلدان (١/٤٥١) .
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٢/٤٤٥) كتاب العيدين، حديث رقم (٩٥٢) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٦٠٧، ٦٠٨) كتاب صلاة العيدين رقم (٨٩٢)
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٧/٢٦٤) كتاب مناقب الأنصار، حديث رقم (٣٩٣١)، بلفظ: «دعهما يا أبي بكر » الحديث
(٥) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٢/٤٧٤) كتاب العيدين، حديث رقم (٩٨٧) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٦٠٨) كتاب صلاة العيدين رقم (٨٩٢) (١٧) .
[ ٤٢٣ ]
وجه الدلالة من الحديث:
أحدها: قوله: «إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا» . فإن هذا يوجب اختصاص كل قوم بعيدهم، كما أن الله ﷾ لما قال: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٢)، أوجب ذلك اختصاص كل قوم بوجهتهم وبشرعتهم، وذلك أن اللام تورث الاختصاص، فإذا كان لليهود عيد، وللنصارى عيد، كانوا مختصين به فلا نشركهم فيه، كما لا نشركهم في قبلتهم وشرعتهم، وكذلك لا ندعهم يشركوننا في عيدنا.
الثاني: قوله: «وهذا عيدنا» فإنه يقتضي حصر عيدنا في هذا فليس لنا عيد سواه، وكذلك قوله: «وإن عيدنا هذا اليوم» فإن التعريف باللام والإضافة يقتضي الاستغراق، فيقتضي أن يكون جنس عيدنا منحصرًا في جنس ذلك، كما في قوله: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» (٣) .
وليس غرض ﷺ الحصر في عين ذلك العيد، أو عين ذلك اليوم، بل الإشارة إلى جنس المشروع، كما تقول الفقهاء: باب صلاة العيد، ويندرج فيه صلاة العيدين، كما يُقال: لا يجوز صوم يوم العيد.
وكذا قوله: «وإن هذا اليوم»، أي: جنس هذا اليوم، كما يقول القائل لما يعاينه من الصلاة: هذه صلاة المسلمين، ويقول لمخرج الناس إلى الصحراء، وما يفعلونه من التكبير والصلاة ونحو ذلك: هذا عيد المسلمين ونحو ذلك.
ومن هذا الباب: قوله: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام منى عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب» (٤) .
_________________
(١) - سورة البقرة: الآية١٤٨
(٢) -سورة المائدة: الآية٤٨
(٣) - رواه أحمد في مسنده (١/١٢٣) . رواه أبو داود في سنن (١/٤١١) كتاب الصلاة، حديث رقم (٦١٨) . ورواه الترمذي في سننه (١/٥) أبواب الطهارة، حديث رقم (٣) ورواه ابن ماجه في سننه (١/١٠١) كتاب الطهارة، حديث رقم (٢٧٥) ورواه الحاكم في المستدرك (١/١٣٢) كتاب الطهارة، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه.
(٤) - رواه أحمد في مسنده (٤/١٥٢) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨٠٠) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٤١) عن نبيشة الهذلي، وحديث رقم (١١٤٢) عن كعب بن مالك الأنصارى. ورواه أبو داود في سننه (٢/٨٠٤) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٤١٩) . ورواه الترمذي في سننه (٢/١٣٥) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٧٠)، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه النسائي في سننه (٥/٢٥٢) كتاب مناسك الحج، باب النهي عن صوم يوم عرفة. ورواه ابن حبان في صحيحه. يُراجع: موارد الظمآن ص (٢٣٨) كتاب الصيام رقم (٩٥٨) . ورواه الحاكم في المستدرك (١/٤٣٤)، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه.
[ ٤٢٤ ]
فإنه دليل مفارقتنا لغيرنا في العيد، والتخصيص بهذه الأيام الخمسة؛ لأنَّه يجتمع فيها العيدان: المكاني والزماني، ويطول زمنه، وبهذا يسمى العيد الكبير، فلما كملت فيه صفات التعبيد: حصر الحكم فيه لكماله، أو لأنه عدّ أيامًا، وليس لنا عيد هو أيام، إلا هذه الخمسة.
الثالث: أنه رخص في لعب الجواري بالدف، وتغنيهن، معللًا بأن لكل قوم عيدًا، وأن هذا عيدنا، وذلك يقتضي أن الرخصة معللة بكونه عيد مسلمين، وأنها لا تتعدى إلى أعياد الكفار، وأنه لا يرخص في اللعب في أعياد الكفار، كما يرخص فيه في أعياد المسلمين؛ إذ لو ما فعل في عيدنا من ذلك اللعب يسوغ مثله في أعياد الكفار أيضًا لما قال: «فإن لكل قوم عيدًا، وإن هذا عيدنا»؛ لأن تعقيب الحكم بالوصف بحرف الفاء دليل على أنه علة، فيكون علة الرخصة: أن كل أمة مختصة بعيد، وهذا عيدنا، وهذه العلة مختصة بالمسلمين، فلا يجوز لنا أن نفعل في كل عيد للناس من اللعب ما نفعل في عيد المسلمين، وهذا فيه دلالة على النهي عن التشبه بهم في اللعب ونحوه (١) .
أن أرض العرب ما زال فيها يهود ونصارى، حتى أجلاهم عمر بن الخطاب -﵁- في خلافته، وكان اليهود بالمدينة (٢) كثيرًا في حياة رسول الله ﷺ، وكان قد هادنهم حتى نقضوا العهد، طائفة بعد طائفة، وما زال بالمدينة يهود، وإن لم يكونوا كثيرًا، فإنه مات ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي، وكان في اليمن يهود كثير، والنصارى بنجران (٣)
وغيرها، والفرس بالبحرين (٤) .
ومن المعلوم أن هؤلاء كانت لهم أعياد يتخذونها، ومن المعلوم أيضًا أن المقتضي لما يفعل في العيد: من الأكل والشرب، واللباس والزينة، واللعب والراحة ونحو ذلك، قائم في النفوس كلها، إذا لم يوجد مانع، خصوصًا في نفوس الصبيان والنساء، وأكثر الفارغين من الناس.
_________________
(١) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٤٥- ٤٤٩) .
(٢) - المدينة: وكانت تسمى في الجاهلية: يثرب. وهي مدينة رسول الله ﷺ ومهاجره، ورد في فضلها وأنها بلد حرام، أحاديث كثيرة، عقد لها البخاري كتابًا في صحيحه وسماه كتاب: فضائل المدينة، وفيها مسجد الرسول ﷺ وقبره ومنبره اللذين ورد في أن ما بينهما روضة من رياض الجنة، وبها استقر خير أمة محمد عليه والسلام من الخلفاء الراشدين والصحابة وبها ماتوا ودُفنوا. وفي شمالها يقع جبل أحد الذي وقعت عنده الغزوة المشهورة غزوة أحد، وهي في حرة سبخة الأرض، وبها نخيل كثيرة ومياه ومزارع. وتقع شمال مكة على نحو عشر مراحل (حوالي ٤٥٠كم) . يراجع: معجم البلدان (٥/٨٢، ٨٨)، وصحيح البخاري (٢/٢٢٠- ٢٥٥) كتاب فضائل المدينة.
(٣) - نجران من مخاليف اليمن من ناحية مكة، وسمي بذلك نسبة إلى نجران بن يعرب بن قحطان؛ لأنه أول من عمرها، وبها واد عظيم، وكان بها على زمن النبي ﷺ كعبة وبها أساقفة وهم الذين دعاهم ﷺ للمباهلة. وبها خُد الأخدود ولا زالت آثاره باقية. وهي الآن تابعة للمملكة العربية السعودية، وبها إمارة خاصة بمنطقة نجران وتبعد عن الرياض حوالي تسعمائة كيلوا متر عن طريق وادي الدواسر، وتشتهر بالزراعة. يراجع: معجم البلدان (٥/٢٦٦ - ٢٧٠) .
(٤) - البحرين: اسم جامع لبلاد على ساحل البحر بين البصرة وعُمان. وفيها عيون ومياه وبلاد واسعة. يراجع: معجم البلدان (١/٣٤٦ - ٣٤٩) .
[ ٤٢٥ ]
ثم من كانت له خبرة بالسيرة، علم يقينًا أن المسلمين على عهده ﷺ ما كانوا يشركونهم في شيء من أمرهم، ولا يغيرون لهم عادة في أعياد الكافرين، بل ذلك اليوم عند رسول الله ﷺ وسائر المسلمين يوم من الأيام، لا يخصونه بشيء أصلًا، إلا ما قد اختلف فيه من مخالفتهم فيه كصومه ونحو ذلك.
فلولا أن المسلمين كان دينهم الذي تلقوه عن نبيهم ﷺ منع من ذلك وكف عنه، لوجب أن يوجد من بعضهم فعل بعض ذلك؛ لأن المقتضى إلى ذلك قائم، كما تدلُّ عليه الطبيعة والعادة، فلولا المانع الشرعي لوجد مقتضاه، ثم على هذا جرى عمل المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين، فلا شك أن المسلمين تلقُّوا عن نبيهم ﷺ المنع عن مشاركتهم في أعيادهم (١) .
ما رواه أبو هريرة -﵁- أنه سمع النبي ﷺ يقول: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتينا من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدًا، والنصارى بعد غدًا» (٢) . وفي لفظ: «بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له» (٣)
وعن أبي هريرة وحذيفة - ﵄ - قالا: قال رسول الله ﷺ:
_________________
(١) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٤٩- ٤٥٠) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٢/٣٥٤) كتاب الجمعة، حديث رقم (٨٧٦) عدا قوله: «وأوتينا من بعدهم» فقد ورد في حديث بنفس المعنى برقم (٨٩٦) كتاب الجمعة. ورواه مسلم في صحيحه (٢/٥٨٥) كتاب الجمعة، حديث رقم (٨٥٥) .
(٣) - ورواه مسلم في صحيحه (٢/٥٨٥) كتاب الجمعة، حديث رقم (٨٥٥) (٢١) .
[ ٤٢٦ ]
«أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد فجاء الله بنا، فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقتضي لهم» . وفي رواية: «المقضي بينهم - قبل الخلائق» (١) . وقد سمى النبي ﷺ الجمعة عيدًا في غير موضع ونهى عن إفراد بالصوم لما فيه من معنى العيد.
وجه الاستدلال من الحديث:
أنه ذكر أن الجمعة لنا، كما أن السبت لليهود، والأحد للنصارى، واللام تقتضي الاختصاص، وهذا الكلام يقتضي الاقتسام، فإذا قيل: هذه ثلاثة أبواب: هذا لي، وهذا لزيد وهذا لعمرو. أوجب ذلك أن يكون كل واحد مختصًا بما جعل له، ولا يشركه فيه غيره. فإذا نحن شاركناهم في عيدهم يوم السبت، أو عيد يوم الأحد، خالفنا هذا الحديث، وإذا كان هذا في العيد الأسبوعي، فكذلك في العيد الحولي، إذا لا فرق، بل إذا كان هذا في عيد يُعرف بالحساب العربي، فكيف بأعياد الكافرين العجمية التي لا تُعرف إلا بالحساب الرومي أو القبطي أو الفارسي أو العبري ونحو ذلك (٢) .
ثالثًا: ومن الإجماع:
ما تقدم التنبيه عليه، من أن اليهود والنصارى والمجوس، ما زالوا في أمصار المسلمين بالجزية، يفعلون أعيادهم التي لهم والمقتضي لبعض ما يفعلونه قائم في كثير من النفوس، ثم لم يكن على عهد السابقين من المسلمين، من يشركهم في شيء من ذلك، فلولا قيام المانع في نفوس الأمة، كراهة ونهيًا عن ذلك، وإلا لوقع ذلك كثيرًا، والمانع هو الدين، فعُلِم أن الدين دين الإسلام هو المانع من الموافقة، وهو المطلوب.
أنه قد تقدَّم في شروط عمر - ﵁ - التي اتفقت عليها الصحابة، وسائر الفقهاء بعدهم، أن أهل الذمة من أهل الكتاب لا يظهرون أعيادهم في دار الإسلام،
_________________
(١) - ورواه مسلم في صحيحه (٢/٥٨٦) كتاب الجمعة، حديث رقم (٨٥٦)، ورواه النسائي في سننه (٣/٨٧) كتاب الجمعة، باب إيجاب الجمعة.
(٢) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٥٠- ٤٥١) .
[ ٤٢٧ ]
وسُمُّوا الشعانين (١) والباعوث (٢) فإذا كان المسلمون قد اتفقوا على منعهم من إظهارها، فكيف يسوغ للمسلمين فعلها؟ أوليس فعل المسلم لها أشد من فعل الكافر لها مظهرًا لها؟ . وذلك: أنَّا إنَّما منعناهم من إظهارها لما فيه من الفساد؛ إما لأنها معصية، أو شعار معصية، وعلى التقديرين: فالمسلم ممنوع من المعصية ومن شعارها، ولو لم يكن في فعل المسلم لها من الشر إلا تجرئة الكافر على إظهارها لقوة قلبه بالمسلم إذا فعلها، فكيف وفيها من الشر الشيء الكثير! (٣)
رابعًا: من الآثار:
قول عمر - ﵁ -: «لا تعلموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة (٤) تنزل عليهم» (٥) .
قول عمر - ﵁ -: «اجتنبوا أعداء الله في عيدهم» (٦) .
قول عبد الله بن عمر﵄ -: «من بنى ببلاد الأعاجم وصنع
_________________
(١) - هو أول أحد في صومهم، يخرجون فيه بورق الزيتون ونحوه، ويزعمون أن ذلك مشابهة لما جرى للمسيح ابن مريم - ﵇ - حين دخل إلى بيت المقدس، راكبًا أتانا مع جحشها فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فثار عليه غوغاء الناس، وكان اليهود قد وكلوا قوماُ معهم عصى يضربونه بها، فأورقت تلك العصى، وسجد أولئك للمسيح، فعيد الشعانين مشابهة لذلك الأمر. ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٧٨- ٤٧٩)
(٢) - الباعوث: يخرجون فيه النصارى، ويجتمعون فيه كما يخرج المسلمون يوم الأضحى والفطر، ينبعثون إليه من كل ناحية. ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٣٢١) وأحكام أهل الذمة (٢/٧٢١) .
(٣) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٥٤)
(٤) - السخط: ضد الرضا، وسخط: أي غضب، ويسخط: أي يكره، ويعاقب. والمراد بالسخطة هنا - والله أعلم -: العقوبة. يراجع: لسان العرب (٣١٢، ٣١٣) .
(٥) - رواه البيهقي في سننه (٩/٢٣٤) كتاب الجزية، باب كراهية الدخول على أهل الذمة في كنائسهم. ورواه عبد الرواق في مصنفه (١/٤١١)، رقم (١٦٠٩) . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٥٥): وروى البيهقي بإسناد صحيح وذكر الأثر.
(٦) - رواه البيهقي في سننه (٩/٢٣٤) بإسناده عن البخاري، كتاب الجزية، باب كراهية الدخول على أهل الذمة في كنائسهم.
[ ٤٢٨ ]
نيروزهم (١) ومهرجانهم (٢)، وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حُشِر معهم يوم القيامة» (٣) .
عن محمد بن سيرين قال: أُتي على -﵁- بهدية النيروز. فقال: ما هذا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين هذا يوم النيروز. قال: فاصنعوا كل يوم فيروزًا. قال أسامة: كره أن يقول: نيروز (٤) .
وقال البيهقي: وفي هذا الكراهة لتخصيص يوم بذلك لم يجعله الشرع مخصوصًا به (٥) .
_________________
(١) -تقدم الكلام عنهم في المبحث الثاني.
(٢) - المهرجان: من أعيان الفرس، ويكون في السادس والعشرين من تشرين الأول من شهور السريان، ويكون هذا الزمان وسط الخريف. وهو ستة أيام، ويسمى اليوم السادس المهرجان الأكبر. يراجع: نهاية الأرب (١/١٨٧) .
(٣) - رواه البيهقي في سننه (٩/٢٣٤) كتاب الجزية، باب كراهية الدخول على أهل الذمة في كنائسهم. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀- في اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٥٧، ٤٥٨): (وروى البيهقي بإسناد صحيح عن عبد بن عمر وقال: وذكر الأثر) .
(٤) - رواه البيهقي في سننه (٩/٢٣٥) كتاب الجزية، باب كراهية الدخول على أهل الذمة في كنائسهم.
(٥) - يُراجع: السنن الكبرى للبيهقي (٩/٢٣٥) كتاب الجزية.
[ ٤٢٩ ]
فمما تقدم من الآثار نري أن عمر - ﵁- نهى عن تعلم لسانهم، وعن مجرد دخول الكنيسة عليهم يوم عيدهم، فكيف بفعل بعض أفعالهم؟! أو فعل ما هو من مقتضيات دينهم؟. أليست موافقتهم في العمل أعظم من الموافقة في اللغة؟. أو ليس عمل بعض أعمال عيدهم أعظم من مجرد الدخول عليهم في عيدهم؟ .
وإذا كان السخط ينزل عليهم يوم عيدهم بسبب عملهم، فمن يشركهم في العمل أو بعضه أليس قد تعرض لعقوبة ذلك؟
ثم قال: «اجتنبوا أعداء الله في عيدهم» . أليس نهيًا عن لقائهم والاجتماع بهم فيه؟ فكيف بمن عمل عيدهم؟ وأما عبد الله بن عمر - ﵄ - فصرح أنه: من بنى ببلادهم، وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت حُشر معهم. وهذا يقتضي أنه جعله كافرًا بمشاركتهم في مجموع هذه الأمور، أو جعل ذلك معصية؛ لأنه لو لم يكن مؤثرًا في استحقاق العقوبة، لم يجز جعله جزاءًا من المقتضي، إذا المباح لا يُعاقب عليه، وليس الذم على بعض ذلك مشروطًا ببعض، لأن أبعاض ما ذكره يقتضي الذم منفردًا، وإنما ذكر - والله أعلم - من بني ببلادهم، لأنهم على عهد عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة كانوا ممنوعين من إظهار أعيادهم بدار الإسلام، وما كان أحد من المسلمين يتشبه بهم في عيدهم، وإنَّما كان يتمكن من ذلك بكونه في أرضهم.
وأما علي - ﵁ -، فكره موافقتهم في اسم يوم العيد الذي ينفردون به، فكيف بموافقتهم في العمل؟ (١) .
ومن الاعتبار: وجوه عدة، منها:
* الوجه الأول:
أن الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك، التي قال الله ﷾ فيها:
_________________
(١) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٥٥-٤٦٠) .
[ ٤٣٠ ]
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ (١) . كالقبلة والصلاة والصيام، فلا فرق بين مشاركتهم في العيد، وبين مشاركتهم في سائر المناهج، فإن الموافقة في جميع العيد، موافقة في الكفر، والموافقة في بعض فروعه، موافقة في بعض شعب الكفر، بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر، فالموافقة فيها موافقة في أخص شرائع الكفر، وأظهر شرائعه، ولا ريب أن الموافقة في هذا قد تنتهي إلى الكفر في الجملة بشروطه. وأما مبدؤها فأقل أحواله أن يكون معصية، وإلى هذا الاختصاص أشار النبي ﷺ بقوله: «إن لكل قوم عيدًا وإن هذا عيدنا» . وهذا أقبح من مشاركتهم في لبس الزنار (٢) ونحوه من علاماتهم؛ لأن تلك علامة وضعية ليست من الدين، وإنما الغرض بها مجرد التمييز بين المسلم والكافر، وأما العيد وتوابعه، فإنه من الدين الملعون أهله، فالموافقة فيه موافقة فيما يتميزون به من أسباب سخط الله وعقابه.
فعيد الكفار شريعة من شرائع الكفر، أو شعيرة من شعائره، فحرمت موافقتهم فيه كسائر شعائر الكفر وشرائعه (٣) .
* الوجه الثاني:
أن ما يفعلونه في أعيادهم معصية لله؛ لأنَّه إما محدث مبتدع، وإما منسوخ، وأحسن أحواله- ولا حسن فيه- أن يكون بمنزلة صلاة المسلم إلى بيت المقدس.
هذا إذا كان المفعول مما يتدين به، وأما ما يتبع ذلك من التوسع في العادات من الطعام واللباس، واللعب والراحة، فهو تابع لذلك العيد الديني، كما أن ذلك تابع له في دين الله: الإسلام. فيكون بمنزلة أن يتخذ بعض المسلمين عيدًا مبتدعًا يخرج فيه إلى الصحراء، ويفعل فيه من العبادات والعادات من جنس المشروع في يومي الفطر والنحر، أو مثل أن ينصب بنية يطاف بها وتحج، ويصنع لمن يفعل ذلك طعامًا ونحو ذلك.
فلو فعل المسلم ذلك، لكان غير عادته ذلك اليوم، كما يغير أهل البدعة عادتهم
_________________
(١) - سورة الحج، الآية: ٦٧.
(٢) - الزنانير: جمع زنارة وزنارة: ما يلبسه المجوسي والنصراني على وسطه يشده به. يُراجع: لسان العرب (٤/٣٣٠) مادة (زنر) .
(٣) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٧١-٤٧٢) .
[ ٤٣١ ]
في الأمور العادية أو بعضها، بصنعة طعام وزينة لباس، وتوسيع في نفقة ونحو ذلك، من غير أن يتعبد بتلك العادة المحدثة، ألم يكن هذا من أقبح النكرات؟ فكذلك موافقة هؤلاء المغضوب عليهم والضالين أشدّ.
وأهل الكتاب يقرون على دينهم المبتدع والمنسوخ مستسرين به، والمسلم لا يقر على مبتدع ولا منسوخ، لا سرًا ولا علانية، وأما مشابهة الكفار فكمشابهة أهل البدع وأشدّ (١) .
* الوجه الثالث:
أنه إذا سوغ فعل القليل من ذلك، أدي إلى فعل الكثير، ثم إذا اشتهر الشيء دخل فيه عوام الناس، وتناسوا أصله، حتى يصير عادة للناس بل عيدًا، حتى يضاهى بعيد الله، بل قد يُزاد عليه حتى يكاد أن يفضي إلى موت الإسلام وحياة الكفر، كما قد سوله الشيطان لكثير ممن يدعي الإسلام، فيما يفعلونه في أواخر صوم النصارى، من الهدايا والأفراح، والنفقات وكسوة الأولاد، وغير ذلك، مما يصير به مثل عيد المسلمين، بل البلاد المصاقبة (٢) للنصارى التي قلَّ عِلْمُ أهلها وإيمانهم، قد صار ذلك أغلب عندهم وأبهى في نفوسهم من عيد الله ورسوله.
فالمشابهة تفضي إلى كفر، أو معصية غالبًا، أو تقضي إليهما في الجملة، وليس في هذا المفضي مصلحة، وما أفضى إلى ذلك كان محرمًا، فالمشابهة محرمة، والمقدمة الثانية لا ريب فيها، فإن استقراء الشريعة في مواردها ومصادرها دالٌّ على أن ما أفضى إلى الكفر غالبًا حرِّم، وما أفضى إليه وجه خفي حرم، وما أفضى إليه في الجملة ولا حاجة تدعوا إليه حرم.
والمقدمة الأولى قد شهد بها الواقع شهادة لا تخفى على بصير ولا أعمى مع أن الإفضاء أمر طبيعي، قد اعتبره الشارع في عامة الذرائع التي سدَّها، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في كتاب «إقامة الدليل على إبطال التحليل» (٣) . (٤) .
_________________
(١) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٧٢-٤٧٣) .
(٢) - المصاقبة: القريبة والملاصقة. .يراجع: لسان العرب (١/٥٢٥) مادة (صقب) .
(٣) - يوجد ضمن الفتاوى الكبرى، الجزء الثالث. ويقع في نحو ٢٦٥صفحة (طبعة ١٣٢٨هـ بمصر) نشر مكتبة المثني ببغداد.
(٤) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٧٣-٤٨٢) .
[ ٤٣٢ ]
* الوجه الرابع:
أن الأعياد والمواسم في الجملة لها منفعة عظيمة في دين الخلق ودنياهم، كانتفاعهم بالصلاة والزكاة والصيام والحج، ولهذا جاءت بها كل شريعة، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١) . وقال جل وعلا: ﴿كُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ (٢) .
ثم إن الله شرع على لسان خاتم النبيين ﷺ من الأعمال ما فيه صلاح الخلق على أتم الوجوه، وهو الكمال المذكور في قوله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ (٣) . ولهذا أنزل الله هذه الآية في أعظم أعياد الأمة الحنيفية، فإنه لا عيد في النوع أعظم من العيد الذي يجتمع فيه المكان والزمان وهو عيد النحر، ولا عين من أعيان هذا النوع أعظم من يوم كان قد أقامه رسول الله ﷺ بعامة المسلمين، وقد نفى الله تعالى الكفر وأهله.
ومن شأن الجسد إذا كان جائعًا فأخذ من طعام حاجته استغنى عن طعام آخر، حتى لا يأكله إن أكل منه إلا بكراهة وتجشم (٤)، وربما ضره أكله، أو لم ينتفع به، ولم يكن هو المغذي له، الذي يقيم بدنه، فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته، قلَّت رغبته في المشروع وانتفاعه به، بقدر ما اعتاض من غيره، بخلاف من صرف نهمته وهمَّته إلى المشروع، فإنه تعظم محبته له ومنفعته به، ويتم دينه ويكمل إسلامه.
ولذا تجد من أكثر سماع القصائد لطلب صلاح قلبه، تنقص رغبته في سماع القرآن، حتى ربما كرهه.
ولهذا عظَّمت الشريعة النكير على من أحديث البدع، وكرهتها؛ لأنَّ البدع لو خرج الرجل منها كفافًا لا عليه ولا له، لكان الأمر خفيفًا، بل لابد أن يوجب له فسادًا، منه نقص منفعة الشريعة في حقه؛ إذ القلب لا يتسع للعوض والمعوض منه.
_________________
(١) - سورة الحج، الآية: ٣٤.
(٢) - سورة الحج، الآية:٦٧
(٣) - سورة المائدة، الآية: ٣.
(٤) - تجشم: تكلف على مشقة، وتجشمت كذا: أي فعلته على كره ومشقة. يُراجع: لسان العرب (١٢/١٠٠) مادة (جشم) .
[ ٤٣٣ ]
ولهذا قال ﷺ في العيدين الجاهليين: «إن الله قد أبدلكم بهما يومين خيرًا منهما» (١) . فيبقى اغتذاء قلبه من هذه الأعمال المبتدعة، مانعًا من الاغتذاء، أو من كمال الاغتذاء بتلك الأعمال الصالحة النافعة الشرعية، فيفسد عليه حاله من حيث لا يشعر، كما يفسد جسد المغتذي بالأغذية الخبيثة من حيث لا يشعر، وبهذا يتبين بعض ضرر البدع (٢) .
* الوجه الخامس:
أن مشابهتهم في بعض أعيادهم يوجب سرور قلوبهم، بما هم عليه من الباطل، خصوصًا إذا كانوا مقهورين تحت ذل الجزية والصغار، فرأوا المسلمين قد صاروا فرعًا لهم في خصائص دينهم، فإنَّ ذلك يوجب قوة قلوبهم، وانشراح صدورهم، وربما أطعمهم ذلك في انتهاز الفرص، واستذلال الضعفاء، وهذا أيضًا أمر محسوس، لا يستريب فيه عاقل. فكيف يجتمع ما يقتضي إكرامهم بلا موجب، مع شرع الصغار في حقهم؟ .
* الوجه السادس:
أن فيما يفعلونه في عيدهم: ما هو كفر، وما هو حرام، وما هو مباح، لو تجرد عن مفسدة المشابهة، ثم التمييز بين هذا وهذا يظهر غالبًا، وقد يخفى على كثير من العامة، فالمشابهة فيما لم يظهر تحريم للعالم، يوقع العامي في أن يشابههم فيما حرام، وهذا هو الواقع
والفرق بين هذا الوجه، ووجه الذريعة -الوجه الثالث- أنا هناك قلنا: الموافقة في القليل تدعو إلى الموافقة في الكثير، وهنا جنس الموافقة يلبس على العامة دينهم، حتى لا يميزوا بين المعروف والمنكر، فذاك بيان للاقتضاء من جهة تقاضي الطباع بإرادتها، وهذا من جهة جهل القلوب باعتقاداتها.
* الوجه السابع:
أن الله تعالى جبل بني آدم -بل سائر المخلوقات- على التفاعل بين الشيئين
_________________
(١) - رواه أحمد في مسنده (٣/١٠٣) . ورواه أبو داود في سننه (١/٦٧٥) كتاب الصلاة، حديث رقم (١١٣٤) . ورواه النسائي في سننه (٣/١٧٩، ١٨٠) كتاب العيدين. ورواه الحاكم في المستدرك (١/٢٩٤) كتاب العيدين، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه.
(٢) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٨٢-٤٨٥) .
[ ٤٣٤ ]
المتشابهين، وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم، حتى يؤول الأمر إلى أن لا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط، فالمشابهة والمشاركة في الأمور الظاهرة، توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدرج الخفي.
ويظهر هذا في اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين، فهم أقل كفرًا من غيرهم، والمسلمون الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى، هم أقل إيمانًا من غيرهم ممن جرد الإسلام، والمشاركة في الهدى الظاهر توجب أيضًا مناسبة وائتلافًا، وإن بعد المكان والزمان، فمشابهتهم في أعيادهم -ولو بالقليل- هو سبب لنوع ما من اكتساب أخلاقهم التي هي ملعونة، وما كان مظنَّة لفساد خفي غير منضبط، علق الحكم به، وأدير التحريم عليه، فنقول: مشابهتهم في الظاهر سبب ومظنة لمشابهتهم في عين الأخلاق والأفعال المذمومة، بل في نفس الاعتقادات، وتأثير ذلك لا يظهر ولا ينضبط ونفس الفساد الحاصل من المشابهة قد لا يظهر ولا ينضبط، وقد يتعسَّر أو يتعذر زواله بعد حصوله، لو تفطن له، وكل ما كان سببًا إلى مثل هذا الفساد فإن الشارع يحرمه، كما دلَّت عليه الأصول المقررة (١) .
* الوجه الثامن:
أن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة، وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة، حتى أن الرجلين إذا كانا من بلد واحد، ثم اجتمعا في دار غربة، كان بينهما من المودة والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في مصرهما لم يكونا متعارفين، أو كانا متهاجرين، وكذلك تجد أرباب الصناعات الدنيوية يألف بعضهم بعضًا مالا يألفون غيرهم، وكذلك الملوك والرؤساء وإن تباعدت ديارهم وممالكهم، إلا أن يمنع من ذلك دين أو غرض خاص. فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية، تورث المحبة والولاء لهم، فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ . فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ
_________________
(١) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٨٧-٤٨٨) .
[ ٤٣٥ ]
فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ (١) .
قال تعالى فيما يذل به أهل الكتاب: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ *كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُو *وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٢) .
فبين ﷾ أن الإيمان بالله والنبي وما أُنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم، فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان؛ لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم.
قال ﷾: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ (٣) .
فأخبر سبحانه أنه لا يوجد مؤمن يواد كافرًا، فمن واد الكفار فليس بمؤمن، والمشابهة الظاهرة مظنة الموادة، فتكون محرمة، كما تقدم تقرير مثل ذلك (٤) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: (واعلم أن وجوه الفساد في مشابهتهم كثيرة، فلنقتصر على ما نبهنا عليه) ا. هـ (٥) .
فمما تقدم يتبين لنا أن مشابهة الكفار على وجه العموم، أو الخصوص -في أعيادهم- حرام ومناف للإيمان، ويدل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع والآثار والاعتبار، التي تقدم ذكرها.
فحذار أخي المسلم مشابهة أهل الكتاب وغيرهم، في العادات والتقاليد والعبادات، ظاهرًا وباطنًا؛ لأنَّهُ من تشبه بقوم فهو منهم.
_________________
(١) - سورة المائدة، الآيات: ٥١- ٥٣.
(٢) - سورة المائدة، الآيات: ٧٨- ٨١.
(٣) - سورة المجادلة، الآية:٢٢.
(٤) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٨٨-٤٩٠) .
(٥) - ويُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٩٠) .
[ ٤٣٦ ]
وعليك أيضًا: النصح والإرشاد بالتي هي أحسن لمن رأيته يقلدهم ويتشبه بهم، لعلك تكون سببًا في أن يترك مشابهتهم فينالك من الله الأجر والمثوبة، لاسيما وأن أغلب المقلدين لهم ليس عن اعتقاد، وإنما هو مجرد تقليد أعمى، يفعله عوام الناس وجهَّالهم.
فالواجب على الإنسان المسلم أن يبدأ بنفسه ومن تحت يده، فيترك كل ما فيه مشابهة للكفار وغيرهم، ويوجه وينصح غيره ممن ابتلاه الله بتقليدهم فإن تقليدهم ومشابهتهم من المنكر الذي يجب تغييره، على حسب طاقة الإنسان وقدرته، فإما أن يغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.
وواجب الحكام والعلماء وطلاب العلم أكبر من واجب غيرهم، في إنكار هذا المنكر وغيره؛ لقدرتهم على ذلك، فالحكام بسلطانهم، والعلماء بعلمهم.
فإذا اجتمع السلطان والعلم كان الجهد أكبر، والفائدة أكثر في قمع البدعة وإظهار السنَّة.
والشواهد على ذلك من التاريخ كثيرة.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٤٣٧ ]