لما أحدثت بدعة الاحتفال بالمولد النبوي في عهد العبيديين، وفشت وانتشرت بين الناس لوجود الفراغ الروحي والبدني معًا، وترك المسلمون الجهاد وتأصلت هذه البدعة في النفوس، وأصبحت جزءًا من عقيدة كثير من أهل الجهل، لم يجد بعض أهل العلم كالسيوطي -﵀- بُدا من محاربة تبريرها بالبحث عن شبه يمكن أن يُستشهد بها على جواز بدعة المولد هذه، وذلك إرضاء للعامة والخاصة أيضًا من جهة، وتبريرًا لرضى العلماء بها، وسكوتهم عن إنكارها لخوفهم من الحكام والعوام من جهة أخرى.
ومن هذه الشبه:
١- الشبهة الأولى:
قال اليسوطي﵀ -: (وقد استخرج له- أي المولد -إمام الحفاظ أبو الفضل أحمد بن حجر- العسقلاني- أصلًا من السنة، واستخرجت له أنا أصلًا ثانيًا فقد سُئل شيخ الإسلام حافظ العصر أبو الفضل أحمد بن حجر - العسقلاني - عن عمل المولد، فأجاب بما نصه:
(أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن، وتجنب ضدها كان بدعة حسنة وإلا فلا. قال: وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت وهو: ما ثبت في الصحيحين من أن النبي ﷺ قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون، ونجَّى موسى، فنحن نصومه شكرًا لله تعالى (١)، فُيستفاد منه فعل الشكر لله على ما منَّ به في يوم معين من إسداء
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٤٤) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٠٠٤) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٦) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٠) (١٢٨) وفيه: «فصامه موسى شكرًا لله» بدلًا من: «فنحن نصومه شكرًا لله تعالى» .
[ ١٥٩ ]
نعمة أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة﵇ - في ذلك اليوم.
وعلى هذا، فينبغي أن يُتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى - ﵇في يوم عاشوراء، ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر، بل توسع قومٌ فنقلوه إلى يوم من السنة وفيه ما فيه، فهذا ما يتعلق بأصل عمله ) . ا. هـ (١) .
الجواب عن هذه الشبهة: من وجوه:
الوجه الأول:
أن ابن حجر﵀- صرح في بداية جوابه أن أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح، من القرون الثلاثة، وهذا كافٍ في ذمِّ الاحتفال بالمولد؛ إذا لو كان خيرًا لسبق إليه الصحابة والتابعون، وأئمة العلم والهدى من بعدهم.
الوجه الثاني:
أن تخريج ابن حجر في فتواه عمل المولد على حديث صوم عاشوراء، لا يمكن الجمع بينه وبين جزمه أول تلك الفتوى بأن ذلك العمل بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، فإن عدم عمل السلف الصالح بالنص على الوجه الذي يفهمه منه من بعدهم، يمنع اعتبار ذلك الفهم صحيحًا؛ إذا لو كان صحيحًا لم يعزب عن فهم السلف الصالح، ويفهمه من بعدهم.
كما يمنع اعتبار ذلك النص دليلًا عليه؛ إذا لو كان دليلًا عليه لعمل به السلف الصالح، فاستنباط ابن حجر الاحتفال بالمولد النبوي من حديث صوم يوم عاشوراء، مخالف لما أجمع عليه السلف، من ناحية فهمه، ومن ناحية العمل به، وما خالف إجماعهم فهو خطأ؛ لأنهم لا يجتمعون إلا على هدى.
وقد بسط الشاطبي - ﵀ - الكلام على تقرير هذه القاعدة في كتابه
_________________
(١) - يراجع: الحاوي (١/١٩٦) كتاب رقم (٢٤) .
[ ١٦٠ ]
الموافقات في أصول الأحكام (١) .
الوجه الثالث:
أن تخريج بدعة المولد على صيام يوم عاشوراء، إنما هو من التكلُّف المردود؛ لأنَّ العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الرأي والاستحسان والابتداع (٢) .
الوجه الرابع:
أن صيام يوم عاشوراء قد فعله النبي ﷺ، ورغب فيه، بخلاف الاحتفال بمولده، واتخاذه عيدًا، فإنَّ النبي ﷺ لم يفعله، ولم يرغّب فيه، ولو كان في ذلك شيء من الفضل لبين ذلك لأمته لأنَّهُ ﷺ لا خير إلا وقد دلَّهم عليه، ورغَّبهم فيه، ولا شر إلا وقد نهاهم عنه وحذَّرهم منه، والبدع من الشر الذي نهاهم عنه، وحذرهم منه.
قال ﷺ: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٣) .
قال ﷺ: «أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (٤) . (٥) .
٢- الشبهة الثانية:
قال السيوطي - ﵀ - بعد ذكره تخريج ابن حجر عمل المولد على صوم يوم عاشوراء: وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر وهو: ما أخرجه البيهقي
_________________
(١) - يراجع: الموافقات (٣/٤١-٤٤)، المسألة الثانية عشرة من كتاب: الأدلة الشرعية.
(٢) - يراجع: الرد القوي ص (٣٢) .
(٣) - رواه ابن ماجه في سننه مرفوعًا إلى النبي ﷺ (١/١٨)، المقدمة. وفي سنده عبيد بن ميمون المدني، قال ابن حجر: مستور. تقريب التهذيب (١/٥٤٥) .
(٤) - رواه أحمد في مسنده (٣/٣١٠) ورواه مسلم في صحيحه (٢/٥٩٢) كتاب الجمعة، حديث (٨٦٧) . ورواه النسائي في سننه (٣/١٨٨، ١٨٩) كتاب صلاة العيدين، باب كيف الخطبة. ورواه ابن ماجه في سننه (١/١٧) المقدمة، حديث (٤٥) .
(٥) - يراجع: الرد القوي ص (٣٢) .
[ ١٦١ ]
عن أنس - ﵁ - أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد النبوة (١) . مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عق عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فُيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي ﷺ إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين وتشريعًا لأمته، كما كان يصلي على نفسه، لذلك فيستحب لنا أيضًا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع، وإطعام الطعام، ونحو ذلك من وجوه القربات، وإظهار المسرات (٢) .
الجواب عن هذه الشبهة:
أن هذا الحديث لم يثبت عند أهل العلم:
أ-فقد قال عبد الرزاق في مصنفه:
_________________
(١) - رواه البيهقي في سننه (٩/٣٠٠) كتاب الضحايا، وقال: قال عبد الرزاق: إنما تركوا عبد الله بن محرر لحال هذا الحديث، وروي من وجه آخر عن أنس وليس بشيء.
(٢) - يراجع: الحاوي (١/١٩٦) كتاب رقم (٢٤) .
[ ١٦٢ ]
أنبأنا عبد الله بن محرر عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ عقَّ عن نفسه بعد النبوة (١)
قال ابن قيم الجوزية بعد إيراده هذا الحديث وعزوه إلى عبد الرزاق في مصنفه قال عبد الرزاق: (إنَّما تركوا ابن محرر لهذا الحديث) (٢) .
ب- وذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري: أن هذا الحديث لا يثبت، ونسبه للبزار، وقال: قال البزار: تفرد به عبد الله - محرر - وهو ضعيف (٣) .
_________________
(١) - رواه عبد الرزاق في مصنفه (٤/٣٢٩) حديث رقم (٧٩٦٠) .
(٢) - يراجع: تحفة المودود ص (٨٨) . ودكره ابن حجر في فتح الباري (٩/٥٩٥) .
(٣) - يراجع: فتح الباري (٩/٥٩٥) .
[ ١٦٣ ]
جـ - قال النووي في المجموع شرح المهذب: وأما الحديث الذي ذكره في عق النبي ﷺ عن نفسه فرواه البيهقي بإسناده عن عبد الله بن محرر- بالحاء المهملة، والراء المكررة -، عن قتادة، عن أنس أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد النبوة. وهذا حديث باطل، وعبد الله بن محرر ضعيف متفق على ضعفه، وقال الحفاظ: متروك. والله أعلم (١) .
د- قال الذهبي في ميزان الاعتدال- بعد أن ذكر ترجمة عبد الله بن المحرر، وكلام الحفاظ فيه، وأنه متروك، وليس بثقة - ومن بلاياه - عبد الله بن المحرر - روى عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعدما بُعِث (٢) .
٣- الشبهة الثالثة:
قال السيوطي: ثم رأيت إمام القرَّاء الحافظ شمس الدين ابن الجزري قال
_________________
(١) - يراجع: المجموع شرح المهذب (٨/٤٣١، ٤٣٢) .
(٢) - يراجع: ميزان الاعتدال (٢/٥٠٠) ترجمة رقم (٤٥٩١) .
[ ١٦٤ ]
في كتابه المسمى (عرف التعريف بالمولد الشريف) ما نصه:
(قد رؤي أبو لهب بعد موته في النوم، فقيل له ما حالك؟ فقال: في النار، إلا أنه يخفف عني كل ليلة اثنين، وأمص بين أصبعي ماء بقدر هذا- وأشار لرأس أصبعه-وأن ذلك بإعتاقي لثويبة، عندما بشرتني بولادة النبي ﷺ وبإرضاعها له. فإذا كان أبو لهب الكافر، الذي نزل القرآن بذمه جوزي في النار بفرحة ليلة مولد النبي ﷺ به، فما حال المسلم الموحد من أمة النبي ﷺ يسر بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته ﷺ لعمري إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنات النعيم) . ا. هـ (١) .
_________________
(١) - يراجع: الحاوي (١/١٩٦، ١٩٧) .
[ ١٦٥ ]
الرد على هذه الشبهة:
أن هذا الخبر رواه البخاري مرسلًا في باب: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (١)، و«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» (٢) من صحيحة، بعد أن ذكر الحديث بسنده عن عروة بن الزبير، أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت: يا رسول الله! انكح أختي بنت أبي سفيان، فقال: «أو تحبين
_________________
(١) - سورة النساء: الآية٢٣.
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٥/٢٥٣) كتاب الشهادات، حديث رقم (٢٦٤٥)، واللفظ له. ورواه مسلم في صحيحه (٢/١٠٧١) كتاب الرضاع، حديث رقم (١٤٤٧) .
[ ١٦٦ ]
ذلك؟» . فقلت: نعم، لست لك بِمُخلية، وأحب من شاركني في خير أختي. فقال النبي ﷺ: «إن ذلك لا يحل لي» . قلت: فإنا نُحدَّث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال: «بنت أم سلمة؟» . قلت: نعم. فقال: «لو أنها لم تكن ربيبتي (١) في حجري ما حلَّت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن
_________________
(١) - الربيبة: بنت الزوجة من غير زوجها الذي معها. يراجع: النهاية (٢/١٨٠) باب الراء مع الباء.
[ ١٦٧ ]
على بناتكن ولا أخواتكنّ» (١) .
قال عروة: وثويبة مولاة لأبي لهب، وكان أبو لهب أعتقها فأرضعت النبي ﷺ فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حيبة (٢)، قال له: ماذا لقيت؟ قال: أبو لهب: لم ألق بعدكم، غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة (٣) .
قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث دلالة على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة، لكنه مخالف لظاهر القرآن، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (٤) .
وأجيب عن هذا من وجوه منها:
أن الخبر مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثهُ به - كما تقدم -.
وعلى تقدير أن يكون موصلًا، فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه، ولعلَّ الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد فلا يحتج به (٥) .
أن ما ورد في مرسل عروة هذا من إعتاق أبي لهب ثويبة كان قبل
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٩/١٤٠) كتاب النكاح، حديث رقم (٥١٠١)، واللفظ له. ورواه مسلم في صحيحه (٢/١٠٧٢) كتاب الرضاع، حديث رقم (١٤٤٩) .
(٢) - الحيية - بكسر الحاء المهملة وفتح الباء -، أي: بشر حال، والحيبة والحوبة: الهم والحزن. يراجع: النهاية (١/٤٦٦) باب الحاء مع الياء. وقال ابن منظور: أي بحال سوء، وقيل: إذا بات بشدة، وحال سيئة لا يقال إلا في الشر. يراجع: لسان العرب (١/٣٣٩) مادة (حوب) .
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٩/١٤٠) كتاب النكاح، حديث رقم (٥١٠١) .
(٤) - سورة الفرقان:٢٣.
(٥) - يراجع: فتح الباري (٩/١٤٥) .
[ ١٦٨ ]
إرضاعها النبي ﷺ، وما ذكره ابن الجزري من أنه أعتقها عندما بشرته بولادة النبي ﷺ (١): يخالف ما عند أهل السير من أن إعتاق أبي لهب إياها كان بعد ذلك الإرضاع بدهر طويل.
قال ابن سعد: (وأخبرنا محمد بن عمر - الواقدي - عن غير واحد من أهل العلم، وقالوا: وكان رسول الله ﷺ يصلها وهو بمكة، وكانت خديجة تكرمها،
_________________
(١) - وهذا وجه الاستشهاد عند القائلين ببدعة الاحتفال بالمولد النبوي، وأن ما حصل لأبي لهب كان بسبب فرحه بولادة النبي ﷺ وإعتاقه لثويبة بشرته بولادة النبي ﷺ بسبب هذا الفرح. وهذا باطل حقيقة ومعنى.
[ ١٦٩ ]
وهي يومئذٍ مملوكة، وطلبت إلى أبي لهب أن تبتاعها منه لتعتقها، فأبي أبو لهب، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، أعتقها أبو لهب، وكان رسول الله ﷺ يبعث إليها بصلة وكسوة، حتى جاءه خبرها أنها قد تُوفيت سنة سبع مرجعة من خيبر) (١) .
وقال الحافظ ابن عبد البر في ترجمة النبي ﷺ بعد أن ذكره إرضاع ثويبة للرسول ﷺ: (وأعتقها أبو لهب بعدما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة) (٢) ا. هـ.
وقال ابن الجوزي: (وكانت ثويبة تدخل على رسول الله ﷺ بعدما تزوج خديجة فيكرمها رسول الله ﷺ وتكرمها خديجة، وهي يومئذٍ أمة، ثم أعتقها أبو لهب) (٣) ا. هـ.
أنه لم يثبت من طريق صحيح أن أبا لهب فرح بولادة النبي ﷺ ولا أن ثويبة بشرته بولاته، ولا أنه أعتق ثويبة من أجل البشارة بولادة النبي ﷺ وتقدم ذلك - فكل هذا لم يثبت، ومن ادّعى ثبوت شيء من ذلك، فعليه إقامة الدليل على ما ادَّعاه، ولن يجد إلى الدليل الصحيح سبيلًا (٤) .،
_________________
(١) -يراجع: الطبقات (١/١٠٨، ١٠٩) .
(٢) - يراجع: الاستيعاب (١/١٢) .
(٣) - يراجع: الوفا بأحوال المصطفى (١/١٧٨، ١٧٩) .
(٤) - يراجع: الرد القوي ص (٥٧) .
[ ١٧٠ ]
الشبهة الرابعة:
ومن الشبه التي استند إليها القائلون بالاحتفال بالمولد النبوي: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي قتادة الذي جاء فيه: وسئل عن صوم الاثنين؟ . قال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت» أو «أنزل عليه فيه» (١) . فقالوا: هذا دليل أنه ﷺ كان يعظم يوم مولده، وكان يعبر عن هذا التعظيم بالصوم، وهذا في معنى الاحتفال به (٢) .
الجواب عن هذه الشبهة:
أن الرسول ﷺ لم يصم يوم ولادته، وهو اليوم الثاني عشر من ربيع الأول - إن صح أنه كذلك -، وإنما صام يوم الاثنين الذي يتكرر مجيئه في كل شهر أربع مرات، وبناء على هذا فتخصيص يوم الثاني عشر من ربيع الأول، بعمل ما دون يوم الاثنين من كل أسبوع، يعتبر استدراكًا على الشارع، وتصحيحًا لعلمه، وما أقبح هذا إن كان!!! - والعياذ بالله - (٣) .
أن الرسول ﷺ لم يخص يوم الاثنين بالصيام، بل كان يتحرى صيام الاثنين والخميس (٤)، وقال ﷺ: «تُعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم» (٥) .
_________________
(١) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/٢٩٧) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨١٩، ٨٢٠) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٦٢) (١٩٧، ١٩٨) . ورواه ابن خزيمة في صحيحة (٣/٢٩٨، ٢٩٩) حديث رقم (٢١١٧) .
(٢) - يراجع: المدخل لابن الحاج (٢/٢، ٣)، وحوار مع المالكي ص (٤٧)، والرد القوي ص (٦١) .
(٣) - يراجع: الإنصاف للجزائري ص (٤٤) .
(٤) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٦/٨٠) . ورواه الترمذي في سننه (٢/١٢٤) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٤٢)، وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه. ورواه النسائي في سننه (٤/١٥٢، ١٥٣، ٢٠٢، ٢٠٣) كتاب الصيام، باب (٣٦)، وباب (٧٠) . ورواه ابن ماجه في سننه (١/٥٥٣) كتاب الصيام، حديث رقم (١٧٣٩) .
(٥) - رواه الإمام أحمد في مسنده (٥/٢٠١) . ورواه أبو داود في سننه (٢ /٨١٤) كتاب الصوم، حديث (٢٤٣٦) . ورواه الترمذي في سننه (٢/١٢٤) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٤٤)، وقال: حديث حسن غريب. ورواه النسائي في سننه (٤/٢٠١، ٢٠٢) كتاب الصيام.
[ ١٧١ ]
فالاستدلال بصوم يوم الاثنين على جواز الاحتفال ببدعة المولد في غاية التكلف والبعد (١) .
إذا كان المراد من إقامة المولد هو شكر الله تعالى على نعمة ولادة الرسول ﷺ فيه، فإن المعقول والمنقول يحتم أن يكون الشكر من نوع ما شكر الرسول ﷺ ربه به، وهو الصوم وعليه فلنصم كما صام، غير أن أرباب الموالد لا يصومونه؛ لأنَّ الصيام فيه مقاومة لشهوات النفس بحرمانها من لذة الطعام والشراب، وهم يريدون ذلك-الطعام والشراب- فتعارض الغرضان، فآثارون ما يحبون على ما يحب الله، وهذا بعينه أعظم الزلل عند أهل البصرة (٢) .
أن الرسول ﷺ لم يضف إلى الصيام احتفالًا كاحتفال أرباب الموالد، من تجمعات ومدائح وأنغام وطعام وشراب، أفلا يكفي الأمة ما كفى نبيها ويسعها ما وسعه؟ وهل يقدر عاقل أن يقول: لا. وإذن فلم الافتيات على الشارع، والتقدم بالزيادة عليه، والله ﷾ يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) .
ويقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٤)، وقال ﷺ: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلاله» (٥) .
وقال ﷺ: «إن الله حد حدودًا فلا تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء في غير نسيان ولكن رحمة لكم فاقبلوها ولا تبحثوا عنها» (٦) .
_________________
(١) - يراجع: الرد القوي ص (٦٢) .
(٢) - يراجع: الإنصاف ص (٤٤)
(٣) - سورة الحشر: الآية٧.
(٤) - سورة الحجرات:١.
(٥) - رواه ابن ماجه في سننه مرفوعًا إلى النبي ﷺ (١/١٨) المقدمة. وفي سنده عبيده بن ميمون الدني، قال ابن حجر: مستور. تقريب التهذيب (١/٥٤٥) .
(٦) - رواه البيهقي في سننه (١٠/١٢، ١٣) كتاب الضحايا. مرة موقوفًا، ومرة مرفوعًا. وذكره النووي في الأربعين وقال: (حديث حسن رواه الدارقطني وغيره. وقال ابن رجب: وله علتان: إحدهما: أن مكحولًا لم يصح له السماع عن أبي ثعلبة. والثانية: أنه اختلف في رفعه ووقفه على أبي ثعلبة الخشني) ا. هـ. يراجع: جامع العلوم والحكم ص (٢٤٢) الحديث رقم (٣٠) .
[ ١٧٢ ]
٥- الشبهة الخامسة:
ومن الشبه التي استند إليها القائلون بالاحتفال بالمولد النبوي قولهم: إن الفرح به ﷺ مطلوب بأمر القرآن، من قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ (١) . فالله أمرنا أن نفرح بالرحمة والنبي ﷺ أعظم الرحمة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢) . (٣) .
الجواب عن هذه الشبهة:
أن الاستدلال بهذه الآية على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي، من قبيل حمل كلام الله تعالى على ما لم يحمله عليه السلف الصالح، والدعاء إلى العمل به على غير الوجه الذي مضوا عليه، في العمل به، وهذا أمرٌ لا يليق؛ لما بينه الشاطبي في كتابه (الأدلة الشرعية من الموافقات) وهو أن الوجه الذي يثبت عن السلف الصالح العمل بالنص عليه، لا يقبل ممن بعدهم دعوى دلالة النص عليه. قال: إذ لو كان دليلًا عليه لم يعزب عن فهم الصحابة والتابعين ثم يفهمه هؤلاء، فعمل الأولين كيف كان مصادقًا لمقتضى هذا المفهوم، ومعارضًا له، ولو كان ترك العمل (٤)، فما عمل به المتأخرين من هذا القسم مخالف لإجماع الأولين وكل من خالف الإجماع فهو مخطئ، وأمة محمد ﷺ لا تجتمع على ضلالة، فما كانوا عليه من فعل أو ترك فهو السنَّة والأمر المعتبر، وهو الهدى، وليس ثم إلا صواب أو خطأ، فكل من خالف السلف الأولين فهو على خطأ، وهذا كاف وكثير ما تجد أهل البدع والضلالة يستدلُّون بالكتاب والسنة يحملونها مذاهبهم، ويغبرون بمشتبهاتهما في وجوه العامة، ويظنون أنهم على شيء، ولذلك أمثلة كثيرة:
منها: استدلال التناسخية (٥) على صحة ما زعموا بقوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا
_________________
(١) -سورة يونس: الآية٥٨.
(٢) - سورة الانبياء:١٠٧.
(٣) - يراجع: القول الفصل ص (٣٢، ٣٣) .
(٤) - أي: ولو كان عملهم ترك العمل بمعنى الكف عنه.
(٥) - التناسخية: فرقة من الفرق الخارجية عن فرق الإسلام، وهم القائلون بتناسخ الأرواح في الأجساد، والانتقال من شخص إلى شخص، وما يلقى من الراحة والتعب فمرتب على ما أسلفه قبل وهو في بدن آخر، جزاء على ذلك، وأجازوا أن ينقل روح الإنسان إلى كلب، وروح الكلب إلى إنسان، وأن أرواح الصديقين تسري في عمود الصبح إلى النور الذي فوق الفلك في سرور دائم، وأرواح أهل الضلال ترد إلى السفل، فتتناسخ في أجسام الحيوانات. وهم جملة من القدرية، وجملة من الرافضة الغالية. كالبيانية والجناحية والخطابية والراوندية، وأول من قال بها في دولة الإسلام السبابية من الرافضة، لدعواهم أن عليًا صار إلهًا حين حلَّ روح الإله فيه. وزعمت البيانية أن روح الإله دارت في الأنبياء ثم في الأئمة إلى أن صارت في بيان بن سمعان. يراجع الكلام عنهم في: الفرق بين الفِرق ص (٢٥٣- ٢٥٩) .
[ ١٧٣ ]
شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (١) .
واستدلال كل من اخترع بدعة، أو استحسن محدثة لم تكن في السلف الصالح، بأن السلف اخترعوا أشياء لم تكن في زمان رسول الله ﷺ: ككتب المصحف، وتصنيف الكتب، وتدوين الدواوين، وتضمين الصناع، وسائر ما ذكره الأصوليون في أصل المصالح المرسلة، فخلطوا وغلطوا، واتبعوا ما تشابه من الشريعة ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويلها، وهو كله خطأ على الدين، واتباع لسبيل الملحدين، فإن هؤلاء الذين أدركوا هذه المدارك، وعبروا على هذه المسالك، إما أن يكونوا قد أدركوا من فهم الشريعة ما لم يفهمه الأولون أو حادوا عن فهمها، وهذا الأخير هو الصواب؛ إذ المتقدمون من السلف الصالح كانوا على الصراط المستقيم، ولم يفهموا من الأدلة المذكورة وما أشبهها إلا ما كانوا عليه، وهذه المحدثات لم تكن فيهم، ولا عملوا بها، فدل على أن تلك الأدلة لم تتضمن هذه المعاني المخترعة بحال، وصار عملهم بخلاف ذلك دليلًا إجماعيًا على أن هؤلاء في استدلالاهم وعملهم مخطئون ومخالفون للسنة الخ (٢) .
أن كبار المفسرين قد فسَّرُوا هذه الآية الكريمة، ولم يكن في تفسيرهم أن المقصود بالرحمة في هذه الآية رسول الله ﷺ، وإنما المقصود بالفضل والرحمة المفروح بهما، ما عنته الآية السابقة لهذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ
_________________
(١) - سورة الانفطار:٨.
(٢) - يراجع: الموافقات (٣/٤١-٤٤) .
[ ١٧٤ ]
فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١) .
قال ابن جرير في تفسيره: (القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ: «قُلْ» يا محمد لهؤلاء المكذبين بك، وبما أنزل إليك من عند ربك. «بِفَضْلِ اللَّهِ» أيها الناس الذي تفضل به عليكم وهو الإسلام، فبينه لكم، ودعاكم إليه. «وَبِرَحْمَتِهِ» التي رحمكم بها فأنزلها إليكم فعلَّمكم ما لم تكونوا تعلمون من كتابه، فبصركم بها معالم دينكم وذلك القرآن «فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ» يقول: فإن الإسلام الذي دعاهم إليه، والقرآن الذي أنزله عليهم، خير مما يجمعون من حطام الدنيا وكنوزها) (٢) . ا. هـ.
وقال القرطبي - ﵀ - في «الجامع لأحكام القرآن»: قوله تعالي: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ . قال أبو سعيد الخدري وابن عباس - ﵃ -: فضل الله القرآن، ورحمته الإسلام. وعنهما أيضًا: فضل الله القرآن، ورحمته أن جعلكم من أهله.
وعن الحسن، والضحاك، ومجاهد، وقتادة: فضل الله الإيمان،
_________________
(١) - سورة يونس، الآيتان:٥٧، ٥٨.
(٢) - يراجع: تفسير ابن جرير الطبري (١٥/١٠٥) .
[ ١٧٥ ]
ورحمته القرآن - على العكس من القول الأول) (١) ا. هـ.
وقال ابن كثير - ﵀ - في تفسير: (يقول الله تعالى ممتنًا على خلقه بما أنزله من القرآن العظيم، على رسوله الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، أي: زاجر عن الفواحش. ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ أي: من الشبه والشكوك، وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس. ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ أي: يحصل به الهداية والرحمة من الله تعالى، وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدِّقين الموقنين بما فيه، كقوله تعالى ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (٢)، قوله تعالى ﴿.. قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ﴾ (٣)، قوله تعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٤)، أي: بهذا الذي جاءهم من الله من الهدى ودين الحق، فليفرحوا فإنَّهُ أولى ما يفرحون به) (٥) ا. هـ.
وقال ابن قيم الجوزية في تفسير يقوله تعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: (وقد دارت أقوال السلف، على أن فضل الله ورحمته: الإسلام والسنة) (٦) ا. هـ.
_________________
(١) - يراجع: الجامع لأحكام القرآن (٨/٣٥٣) .
(٢) - سورة الاسراء:٨٢.
(٣) -سورة فصلت: الآية٤٤.
(٤) - سورة يونس، الآيتان:٥٧، ٥٨.
(٥) - يراجع: تفسير ابن كثير (٢/٤٢٠، ٤٢١) .
(٦) - يراجع: اجتماع الجيوش الإسلامية ص (٦) .
[ ١٧٦ ]
وقال ابن عبد الهادي في الصارم المنكي في الرد على السبكي: ( ولا يجوز إحداث تأويل في آية، أو في سنة لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه، ولا بيَّنُوه للأمة، فإن هذا يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا، وضلوا عنه، واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر فكيف إذا كان التأويل يخالف تأويلهم ويناقضه؟ ) (١) ا. هـ.
والشبه التي استند إليها القائلون بالاحتفال بالمولد النبوي كثيرة، وليس هذا مجال حصرها؛ لأن استقصاءها والإحاطة بها، تحتاج إلى مؤلف منفرد خاص بها، والقصد هنا هو الإشارة والتنبيه إلى بعض هذه الشبه، وقد ذكرت بشكل موجز ردود العلماء على هذه الشُّبه، وأنه ليس في أي واحدة منها دليل على جواز الاحتفال بالمولد النبوي. ولكن القائلين بهذه البدعة أرادوا إضفاء الصبغة الشرعية على هذا الأمر المبتدع، فاستشهدوا بهذه الأدلة، وفسَّرُوها بما يوافق هواهم، وعقيدتهم الفاسدة، فكانوا كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢) - والله أعلم -.
_________________
(١) - يراجع: الصارم المكني ص (٤٢٧) .
(٢) - سورة الجاثية:٢٣.
[ ١٧٧ ]
المبحث الرابع