المبحث الأول: بعض الآثار الواردة فيه.
المبحث الثاني: بدعة التعريف.
المبحث الثالث: بدعة عيد غدير خم.
[ ٣٥١ ]
المبحث الأول
بعض الآثار الواردة فيه
عن أبي بكرة - رضي الله عن النبي ﷺ قال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، والسنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» الحديث. متفق عليه (١) .
عن أبي بكرة -رضي الله-عن النبي ﷺ قال: «شهران لا ينقصان، شهرا عيد: رمضان وذو الحجة» متفق عليه (٢) .
عن عمر بن الخطاب -﵁-: «أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابهم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لا تخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ (٣) . قال عمر -﵁- قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ وهو قائم بعرفة، يوم جمعة» متفق عليه (٤) .
عن ابن عباس - ﵄- قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر»، فقالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ . فقال رسول ﷺ: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء» (٥)
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١٠/٧) كتاب الأضاحي، حديث رقم (٥٥٥٠)، ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٣٠٥) كتاب القسامة، حديث رقم (١٦٧٩) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/١٢٤) كتاب الصيام، حديث رقم (١٩١٢) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٦٦) كتاب الصيام، حديث رقم (١٠٨٩) .
(٣) -سورة المائدة، الآية: ٣.
(٤) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (١/ ١٠٥) كتاب الإيمان، حديث رقم (٤٥) . ورواه مسلم في صحيحه (٤/ ٢٣١٢، ٢٣١٣) كتاب التفسير، حديث رقم (٣٠١٧) (٥)
(٥) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٢/ ٤٥٧) كتاب العيدين، حديث رقم (٩٦٩)، بلفظ آخر. ورواه أحمد في مسنده (٢/١٦١، ١٦٢) . ورواه داود في سننه (٢/٨١٥) كتاب الصيام، حديث رقم (٢٤٣٨) . ورواه الترمذي في سننه (٢/ ١٢٩) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٥٤)، وقال: حديث ابن عباس حديث حسن غريب صحيح. ورواه الدارمي في سننه (٢/٢٥ كتاب الصيام، باب في فضل العمل في العشر. ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٤/٢٧٣)، حديث رقم (٢٨٦٥) .
[ ٣٥٣ ]
عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «نهى النبي ﷺ عن صوم يوم الفطر ويوم النحر..» الحديث. متفق عليه (١) .
عن أبي هريرة -﵁- «أن رسول الله ﷺ نهى عن صيام يومين: يوم الأضحى، ويوم الفطر» . متفق عليه (٢) .
مولى ابن أزهر قال: شهدت العيد مع عمر بن الخطاب -﵁- فقال: «هذان يومان نهى رسول الله ﷺ عن صيامهما: يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم» . متفق عليه (٣) .
عن أم الفضل بنت الحارث: «أنَّ ناسًا تماروا (٤) عندها يوم عرفة في صوم النبي ﷺ فقال بعضهم: هو صائم. وقال بعضهم: ليس بصائم. فأرسلت إليه
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٣٨، ٢٣٩) كتاب الصوم، حديث رقم (٢) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٩) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٧) .
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٤٠) كتاب الصوم، حديث رقم (١٩٩٣) موقوفًاَ على أبي هريرة. ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٩) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٧) مرفوعًا إلى النبي ﷺ، واللفظ له.
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٣٨، ٢٣٩) كتاب الصوم، حديث رقم (١٩٩٠) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩٩) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٣٧) .
(٤) - تماروا: أي اختلفوا. يُراجع: فتح الباري (٤/٢٣٧) .
[ ٣٥٤ ]
بقدح لبن وهو واقف على بعيره، فشربه» متفق عليه (١)
عن ميمونة﵂-: «أن الناس شكوا في صيام النبي ﷺ يوم عرفة، فأرسلتُ إليه بحلاب (٢) وهو واقف في الموقف، فشرب منه والناس ينظرون» متفق عليه (٣) .
عن عائشة﵂- قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا في العشر قط» (٤)
عن أم سلمة - ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شهره وبشره شيئًا» (٥) .
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٣٦، ٢٣٧) كتاب الصوم، حديث رقم (١٩٨٨) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩١) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٢٣) .
(٢) - الحلاب: اللبن الذي يحلب، وقيل: هو الإناء الذي تحلب فيه الغنم. يُراجع: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/٤٢١، ٤٢٢)، باب الحاء مع اللام.
(٣) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٤/٢٣٧) كتاب الصوم، حديث رقم (١٩٨٩) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٧٩١) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٢٤) .
(٤) - رواه أحمد في مسنده (٦/ ٤٢) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨٣٣) كتاب الاعتكاف، حديث رقم (١١٧٦) . ورواه أبو داود في سننه (٢/ ٨١٦) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٤٣٩) . ورواه الترمذي في سننه (٢/١٢٨) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٥٣) . ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٢٩٣)، حديث رقم (٢١٠٣) .
(٥) - رواه مسلم في صحيحه (٣/١٥٦٥) كتاب الأضحي، حديث رقم (١٩٧٧) . ورواه الترمذي في سننه (٣/٣٩) أبواب الأضاحي، حديث رقم (١٥٦١) بطريق آخر ولفظ آخر. وقال: حديث حسن. ورواه النسائي (٧/٢١٢) كتاب الضحايا. ورواه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٢٠) كتاب الأضاحي، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه.
[ ٣٥٥ ]
عن أبي قتادة - ﵁ -: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: كيف تصوم؟ فغضب رسول الله ﷺ ثم قال رسول الله ﷺ: «ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله، صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله» (١) .
عن عائشة - ﵂ - قالت: إن رسول الله ﷺ قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة. فيقول: أراد هؤلاء؟» (٢) .
عن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب» (٣) .
_________________
(١) - رواه أحمد في مسنده (٥/ ٢٩٦، ٢٩٧) . ورواه مسلم في صحيحه (٣/٨١٨، ٨١٩) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٦٣) . ورواه أبو داود في سننه (٣/ ٨١٨، ٨١٩) كتاب الصيام، حديث رقم (٣٤٣٥) . ورواه الترمذي في سننه مختصرًا (٣/١٣٦) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٤٩) . ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٢٨٨) أبواب صوم التطوع، حديث رقم (٢٠٨٧) .
(٢) - رواه مسلم في صحيحه (٢/ ٩٨٢، ٩٨٣) كتاب الحج، حديث رقم (١٣٤٨) . ورواه النسائي في سننه (٥/ ٢٥١، ٢٥٢) كتاب مناسك الحج، باب ما ذكر في يوم عرفة. ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٦٤) كتاب المناسك، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
(٣) - رواه أحمد في مسنده (٤/١٥٢) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٨٠٠) كتاب الصيام، حديث رقم (١١٤١) عن نبيشة الهذلي، وحديث رقم (١١٤٢) عن كعب بن مالك الأنصاري. ورواه أبو داود في سننه (٢/٨٠٤) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٤١٩) . ورواه الترمذي في سننه (٢/١٣٥) أبواب الصوم، حديث رقم (٧٧٠)، وقال: حديث حسن صحيح. ورواه النسائي في سننه (٥/٢٥٢) كتاب مناسك الحج، باب النهي عن صوم يوم عرفة. ورواه ابن حبان في صحيحه. يُراجع: موارد الظمآن ص (٢٣٨) كتاب الصيام، حديث رقم (٩٥٨) . ورواه الحاكم في المستدرك (١/٤٣٤)، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه.
[ ٣٥٦ ]
عن أنس بن مالك﵁- قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما في الجاهلية، فقال: «إن الله ﵎ قد أبدلكم بهما خيرًا منهما يوم الفطر ويوم النحر» (١) .
عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - أنه دخل على أبيه عمرو بن العاص -﵁- فوجده يأكل. قال: فدعاني. قال: فقلت: إني صائم. فقال: «هذه الأيام التي نهانا رسول الله ﷺ عن صيامهن، وأمرن بفطرهن» . قال مالك: (هي أيام التشريق) (٢)
_________________
(١) - رواه أحمد في مسنده (٣/١٠٣) . ورواه أبو داود في سننه (١/٦٧٥) كتاب الصلاة، حديث رقم (١١٣٤) . ورواه النسائي في سننه (٣/١٨٠، ١٧٩) كتاب العيدين. ورواه الحاكم في المستدرك (١/٢٩٤) كتاب العيدين، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه
(٢) - رواه مالك في الموطأ (١/٣٧٦، ٣٧٧) كتاب الحج، حديث رقم (١٣٧) . ورواه أحمد في المسند (٤/ ١٩٧) . ورواه أبو داود في سننه (٢/٨٠٣، ٨٠٤) كتاب الصوم، حديث رقم (٢٤١٨) . ورواه الدارمي في سننه (٢/٢٤) كتاب الصيام، كتاب النهي عن صيام أيام التشريق. ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٤/٣١٣)، حديث رقم (٢٩٦١) . ورواه الحاكم في المستدرك (١/٤٣٥) كتاب الصوم، وصححه. ووافقه الذهبي في تلخيصه.
[ ٣٥٧ ]
عن أبي نجيح قال: سُئِل ابن عمر - ﵄ - عن صوم يوم عرفة فقال: «حججت مع النبي ﷺ فلم يصمه، وحججت مع أبي بكر فلم يصمه، وحججت مع عمر فلم يصمه، وحججت مع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه، ولا آمر به، ولا أنهى عنه» (١) .
عن عبد الله بن قرط عن النبي ﷺ قال: «إن أعظم الأيام عند الله ﵎ يوم النحر، ثم يوم القر (٢» (٣)
_________________
(١) - رواه أحمد في مسنده (٢/٤٧) . ورواه الترمذي في سننه (٢/١٢٦)، وقال: حديث حسن. ورواه الدرامي في سننه (٢/٢٣) باب في صيام يوم عرفة. ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/٧٢) باب صوم يوم عرفة. رواه ابن حبان في صحيحه. يُراجع: موارد الظمآن (٢٣٣)، حديث رقم (٩٣٤)
(٢) - قال ابن خزيمة في صحيحه (٤/٢٧٤) . يوم القر: يعني يوم الثاني من يوم النحر. وقال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/٣٧) في معنى يوم القر: «هو الغد من يوم النحر، وهو حادي عشر ذي الحجة؛ لأنّ الناس يقرون فيه بمنى، أي: يسكنون ويقيمون) ا. هـ.
(٣) - رواه أحمد في مسنده (٤/٣٥٠) . ورواه أبو داود في سننه (٢/٣٧٠) كتاب المناسك، حديث رقم (١٧٦٥) . ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٤/٢٧٣، ٢٧٤)، حديث رقم (٢٨٦٦) . ورواه ابن حبان في صحيحه. يُراجع: موارد الظمآن ص (٢٥٨)، حديث رقم (١٠٤٤) . ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٢٢١) كتاب الأضاحي، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه. وقد ذكر ابن قيم الجوزية - ﵀ - في تهذيب سنن أبي داود (٢/٢٩٥): أن في هذا الحديث دليل على أن يوم النحر أفضل الأيام، وقال: (وذهب جماعة من العلماء إلى أن يوم الجمعة أفضل الأيام، واحتجُّوا بقوله ﷺ: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة» وهو حديث صحيح رواه ابن حبان وغيره. وفصل النزاع: أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم النحر أفضل أيام العام، فيوم النحر مفضل على الأيام كلها، التي فيها يوم الجمعة وغيرها، ويوم الجمعة مفضل على أيام الأسبوع، فإن اجتمعا يوم تظاهرت الفضيلتان، وإن تباينا فيوم النحر أفضل وأعظم، لهذا الحديث، والله أعلم) ا. هـ.
[ ٣٥٨ ]
عن عبد الله بن عمر﵄- أن رسول الله ﷺ وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حجّ، فقال: «أي يوم هذا؟» . فقالوا: يوم النحر، قال: «هذا يوم الحج الأكبر» (١) .
عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت بيوم الأضحى عيدًا جعله الله لهذه الأمة » الحديث (٢) .
عن أبي هريرة - ﵁ - «أن أبا بكر الصديق - ﵁ - بعثه في الحجة التي أمره
_________________
(١) - رواه البخاري تعليقًا في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٣/ ٥٧٤) كتاب الحج، حديث رقم (١٧٤٢) . ووصله أبو داود في سننه (٢/٤٨٣) كتاب المناسك، حديث رقم (١٩٤٥) . ورواه ابن ماجه في سننه (٢/١٠١٦) كتاب المناسك، حديث رقم (٣٠٥٨) . قال ابن قيم الجوزية في تهذيب سنن أبي دواو (٢/٤٠٦): (والقرآن قد صرَّح بأن الأذان يوم الحج الأكبر، ولا خلاف أن النداء بذلك إنما وقع يوم النحر بمنى، فهذا دليل قاطع على أن يوم الحج الأكبر يوم النحر. وذهب عمر بن الخطاب وابنه عبد الله - ﵄ - والشافعي - رحمة الله - إلى أنه يوم عرفة. وقيل: أيام الحج كلها فعبر عن الأيام باليوم، كما قالوا: يوم الجمل، ويوم صفين، قاله الثوري، والصواب: القول الأول) ا. هـ.
(٢) - رواه أحمد في مسنده (٢/١٦٩) . ورواه أبو داود في سننه (٣/٢٢٧) كتاب الضحايا، حديث رقم (٢٧٨٩) . ورواه النسائي في سننه (٧/٢١٢، ٢١٣) كتاب الضحايا، باب من لم يجد الأضحية. ورواه ابن حبان في صحيحه: يراجع: موارد الظمآن ص (٢٥٨) كتاب الأضاحي، حديث رقم (١٠٤٣)، واللفظ له. ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٢٢٣)، كتاب الأضاحي، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
[ ٣٥٩ ]
النبي ﷺ عليها قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان» (١) . وفي رواية لأبي داود: «ويوم الحج الأكبر يوم النحر والحج الأكبر الحج» (٢) .
عن ابن عباس﵄ - قال: «كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرًا، ويقولون: إذا برأ الدبر (٣)، وعفا الأثر (٤)، وانسخ صفر، حلَّت العمرة لمن اعتمر. قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله! أي الحل؟ قال: «حل كله» متفق عليه (٥) .
عن عبد الله بن عمر - ﵄ - أنه كان يقول: «من اعتمر في أشهر الحج: في شوال، أو ذي القعدة، أو في ذي الحجة » الأثر (٦) .
قال ابن عباس﵄-: «وأشهر الحج التي ذكر الله تعالى: شوال،
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٨/٨٢) كتاب المغازي، حديث رقم (٤٣٦٣) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٩٨٢) كتاب الحج، حديث رقم (١٣٤٧) . وقال البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٨/٣٢٠) كتاب التفسير، حديث رقم (٤٦٥٧): (فكان حميد- بن عبد الرحمن ابن عوف - يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة) ا. هـ. كذلك ذكره مسلم في صحيحه (٢/٩٨٢) كتاب الحج، حديث رقم (١٣٤٧) عن ابن شهاب.
(٢) - رواها في سننه (٢/٤٨٣) كتاب المناسك، حديث رقم (١٩٤٦) .
(٣) - الدبر: الجرح الذي يكون في ظهر البعير، وقيل: هو أن يقرح خف البعير، والمراد: ما كان يحصل بظهور الإبل من الحمل عليها، ومشقة السفر، فإنه كان يبرأ بعد انصرافهم من الحج. يراجع: النهاية لابن الأثير (٢/٩٧)، باب الدال مع الباء. ويراجع: فتح الباري (٣/ ٤٢٦) .
(٤) - عفا الأثر: أي: درس وانمحى. أي: اندرس أثر الإبل وغيرها في سيرها، ويحتمل أثر الدبر المذكور وفي سنن أبي داود. (عفا الوبر) أي كثر وبل الذي حلق بالرحال، يراجع: النهاية لابن الأثير (٣/٢٦٦)، باب العين مع الفاء، ويراجع: فتح الباري (٣/٤٢٦) .
(٥) - رواه في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٣/٤٢٢) كتاب الحج، حديث رقم (١٥٦٤) . ورواه مسلم في صحيحه (٢/٩٠٩، ٩١٠) كتاب الحج، حديث رقم (١٢٤٠)
(٦) - رواه مالك في الموطأ (١/٣٤٤) كتاب الحج، حديث رقم (٦٢) . وروى البخاري في صحيحه (٢/١٥٠) كتاب الحج، باب (٣٣) تعلقيًا قول ابن عمر: (أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة) .
[ ٣٦٠ ]
وذو القعدة، وذو الحجة..» الأثر (١) .
عن ابن عباس - ﵄ - ﴿وَالْفَجْرِ﴾ (٢) قال: فجر النهار، ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ (٣») قال: عشر الأضحى (٤) .
عن جابر - ﵄ - عن النبي ﷺ قال: «إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر» (٥) .
وقد ورد في فضل بعض الأعمال في شهر ذي الحجة بعض الأحاديث الموضوعة، نذكر منها:
حديث: (من صام العشر فله بكل يوم صوم شهر، وله بصوم يوم التروية سنة، وله بصوم يوم عرفة سنتان) (٦) وحديث: (من صام آخر يوم من ذي الحجة، وأول يوم من المحرم، فقد ختم السنة الماضية، وافتتح للسنة المستقبلة بصوم، جعله الله كفارة خمسين سنة) (٧) . وحديث: (من صلى يوم عرفة بين الظهر والعصر أربع ركعات، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة، وقل هو الله أحد خمسين مرة، كتب الله له ألف ألف حسنةالخ) (٨) . وحديث: (من صلى يوم عرفة ركعتين يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب ثلاث مرات إلا قال الله ﷿: أشهدكم أني قد غفرت له) (٩) . وحديث: (من صلى ليلة النحر ركعتين يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب
_________________
(١) - رواه البخاري في صحيحه (٢/١٥٤) كتاب الحج، باب (٣٧)، من طريق أبي كامل فضيل بن حسين البصري معلقًا. وقال ابن حجر في فتح الباري (٣/٤٣٤): (ويحتمل أيضًا أن يكون أخذه - البخاري - عن أبي كامل نفسه فإنه أدركه، وهو من الطبقة الوسطى من شيوخه) ا. هـ.
(٢) - سورة الفجر، الآية:١.
(٣) - سورة الفجر، الآية:٢.
(٤) - رواه الحاكم في المستدرك (٢/٥٢٢) كتاب التفسير، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
(٥) - رواه أحمد في مسنده (٣/٣٢٧) . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/١٣٧): (رواه البزار وأحمد ورجالهما رجال الصحيح، غير عياش بن عقبة وهو ثقة) ا. هـ.
(٦) - حكم عليه بالوضع: ابن الجوزي في الموضوعات (٢/١٩٨) . والسيوطي في اللآلئ (٢/١٠٧، ١٠٨) . والشوكاني في الفوائد ص (٩٦) .
(٧) - حكم عليه بالوضع: ابن الجوزي في الموضوعات (٢/١٩٩) . والسيوطي في اللآلئ (٢/١٠٨) . والشوكاني في الفوائد ص (٩٦) .
(٨) - حكم عليه بالوضع: ابن الجوزي في الموضوعات (٢/١٣٢) . والشوكاني في الفوائد ص (٥٣) .
(٩) - حكم عليه بالوضع: ابن الجوزي في الموضوعات (٢/١٣٣) . والشوكاني في الفوائد ص (٥٣) .
[ ٣٦١ ]
خمس عشرة مرة، وقل هو الله أحد خمس عشرة مرةجعل الله اسمه في أصحاب الجنةالخ) (١) وحديث: (إذا كان يوم عرفة غفر الله للحاج، فإذا كان ليلة المزدلفة غفر الله للتجار الخ) (٢) إلى غير ذلك من الأحاديث الباطلة التي لا تصح عن النبي ﷺ - والله أعلم-.
_________________
(١) - حكم عليه بالوضع: ابن الجوزي في الموضوعات (٢/١٣٣، ١٣٤) .. والشوكاني في الفوائد ص (٥٣) .
(٢) - حكم عليه بالوضع: ابن الجوزي في الموضوعات (٢/٢١٥) . والسيوطي في اللآلئ (٢/١٢٤) .
[ ٣٦٢ ]
المبحث الثاني
بدعة التعريف
المراد بالتعريف:
هو اجتماع غير الحاج في المساجد عشية يوم عرفة، في غير عرفة، يفعلون ما يفعله الحاج يوم عرفة من الدعاء والثناء (١) .
وأول من جمع الناس يوم عرفة في المساجد هو ابن عباس - ﵄ -، وذلك في مسجد البصرة (٢) .
وقيل إن أول من عرف بالكوفة (٣) مصعب بن الزبير (٤) .
قال ابن كثير - ﵀ - في ترجمة ابن عباس - ﵄ -: (وهو أول من عرف بالناس في البصرة، فكان يصعد المنبر ليلة عرفة ويجتمع أهل
_________________
(١) - يُراجع: الباعث لأبي شامة ص (٢٩) .
(٢) - البصرة: مدينة معروفة في العراق. وكان تمصيرها في سنة ١٤هـ في خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ -، ومعنى البصرة في الكلام العرب: الأرض الغليظة، وقيل: البصرة: حجارة رخوة فيها بياض. يُراجع: معجم البلدان (١/٤٣٠- ٤٤١) .
(٣) - الكوفة: المصر المشهور بأرض بابل من سواد العراق، ويسميها قوم خد العذراء. وسُميت بالكوفة لاستدارتها، وقيل لاجتماع الناس بها، وكان تمصيرها في أيام عمر بن الخطاب - ﵁ - سنة ١٧هـ. يُراجع: معجم البلدان (٤٩٠، ٤٩٤) .
(٤) - يراجع: السنن الكبرى للبيهقي (٥/١١٨) كتاب الحج. ويُراجع: الباعث ص (٣١)، وسير أعلام النبلاء (٣/٣٥١)، ترجمة عبد الله بن عباس - ﵄-.
[ ٣٦٣ ]
البصرة حوله، فيفسر شيئًا من القرآن، ويذكر الناس، من بعد العصر إلى الغروب، ثم ينزل فيصلي بهم المغرب) ا. هـ (١) .
حكم التعريف:
اختلف العلماء في حكم التعرف في المساجد يوم عرفة:
١- قال ابن وهب: (سألت مالكًا عن الجلوس يوم عرفة، يجلس أهل البلد في مسجدهم، ويدعو الإمام رجالًا يدعون الله تعالى للناس إلى الشمس فقال: ما نعرف هذا، وإن الناس عندنا اليوم ليفعلونه) ا. هـ (٢) .
قال ابن وهب - أيضًا -: (وسمعت مالكًا يسأل عن جلوس الناس في المسجد عشية عرفة بعد العصر، واجتماعهم للدعاء، فقال: ليس هذا من أمر الناس، وإنَّما مفاتيح هذه الأشياء من البدع) ا. هـ (٣) .
وقال مالك - أيضًا -: (وأكره أن يجلس أهل الآفاق يوم عرفة في المساجد للدعاء، ومن اجتمع إليه الناس للدعاء فلينصرف، ومقامه في منزل أحب إليَّ، فإذا حضرت الصلاة رجع فصلى في المسجد) ا. هـ (٤) .
_________________
(١) - يراجع: البداية والنهاية (٨/٣٢٢) .
(٢) - يُراجع: الحوادث والبدع للطرطوشي ص (١١٥) .
(٣) يُراجع: الحوادث والبدع للطرطوشي ص (١١٥) .
(٤) - يُراجع: الحوادث والبدع للطرطوشي ص (١١٥) .
[ ٣٦٤ ]
وروى ابن وضاح عن أبي حفص المدني قال: اجتمع الناس يوم عرفة في مسجد النبي ﷺ، يدعون بعد العصر، فخرج نافع مولى ابن عمر من دار آل عمر، فقال: أيها الناس إن الذي إن الذي أنتم عليه بدعة، وليست بسنة، إنا أدركنا الناس ولا يصنعون مثل هذا، ثم رجع فلم يجلس، ثم خرج الثانية ففعل مثلها ثم رجع) ا. هـ (١) .
_________________
(١) - يراجع: البدع لابن وضاح ص (٤٦) .
[ ٣٦٥ ]
وروى أيضًا عن ابن عون قال: (شهدت إبراهيم النخعي سُئلَ عن اجتماع الناس عشية عرفة، فكرهه، وقال: محدث) ا. هـ (١) .
وروى أيضًا عن سفيان قال: (ليست عرفة إلا بمكة، ليس في هذه الأمصار عرفة) ا. هـ (٢) .
وقال الحارث بن مسكين: (كنت أرى الليث بن سعد ينصرف بعد العصر يوم عرفة، فلا يرجع إلى قرب المغرب) ا. هـ (٣) .
قال الطرطوشي: فاعلموا- رحمكم الله - أن هؤلاء الأئمة علموا فضل الدعاء يوم عرفة، ولكن علموا أن ذلك بموطن عرفة، لا في غيرها ولا منعوا من خلا بنفسه
_________________
(١) - يراجع: البدع لابن وضاح ص (٤٧) .
(٢) - يراجع: البدع لابن وضاح ص (٤٧) .
(٣) - يُراجع: الحوادث والبدع للطرطوشي ص (١١٦) .
[ ٣٦٦ ]
فحضرته نية صادقة أن يدعو الله تعالى، وإنما كرهوا الحوادث في الدين، وأن يظن العوام أن من سنَّة يوم عرفة بسائر الآفاق الاجتماع والدعاء، فيتداعى الأمر إلى أن يدخل في الدين ما ليس منه.
وقد كنت ببيت المقدس، فإذا كان يوم عرفة حشر أهل السواد وكثير من أهل البلد، فيقفون في المسجد، مستقبلين القبلة مرتفعة أصواتهم بالدعاء، كأنه موطن عرفة، وكنت أسمع سماعًا فاشيًا منهم أن من وقف ببيت المقدس أربع وقفات، فإنها تعدل حجَّة، ثم يجعلونه ذريعة إلى إسقاط فريضة الحج إلى بيت الله الحرام) ا. هـ (١) .
وروى البيهقي عن شعبة قال: سألت الحكم وحمادًا عن اجتماع
_________________
(١) - يُراجع: الحوادث والبدع للطرطوشي ص (١١٦، ١١٧) .
[ ٣٦٧ ]
الناس يوم عرف في المساجد فقالا: (هو محدث) (١) .
وروى كذلك عن إبراهيم - النخعي - قال: (هو محدث) (٢) .
٢- وقال أبو شامة: فإن ابن عباس -﵄- حضرته نية فقعد فدعا، وكذلك الحسن من غير قصد الجمعية، ومضاهاة لأهل عرفة، وإيهام العوام أن هذا شعار من شعائر الدين المنكر، إنَّما هو ما اتَّصف بذلك -والله أعلم- أن تعريف ابن عباس قد صار على صورة أخرى غير مستنكر.
ذكر ابن قتيبة في غريبه قال في حديث ابن عباس أن الحسن ذكره فقال: كان أول من عرف بالبصرة صعد المنبر فقرأ البقرة وآل عمران وفسَّرهما حرفًا حرفًا. قلت: - والقول لأبي شامة -: فتعريف ابن عباس - ﵄ - كان على هذا الوجه فسَّر للناس القرآن، فإنما اجتمعوا لاستماع العلم، وكان ذلك عشية عرفة، فقيل عرَّف ابن عباس بالبصرة، لاجتماع الناس له كاجتماعهم بالموقف.
وعلى الجملة: (فأمر التعريف قريب إلا إذا جرَّ مفسدة، كما ذكره الطرطوشي في التعريف ببيت المقدس) ا. هـ (٣) .
_________________
(١) - رواه البيهقي في سننه (٥/١١٧، ١١٨) كتاب الحج، باب التعرف بغير عرفات.
(٢) - رواه البيهقي في سننه (٥/١١٨) كتاب الحج، باب التعرف بغير عرفات.
(٣) - يُراجع: الباعث ص (٣١، ٣٢) .
[ ٣٦٨ ]
قال ابن قدامة:
(قال القاضي: ولا بأس بالتعريف عشية عرفة بالأمصار، وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن التعريف في الأمصار، يجتمعون في المساجد يوم عرفة. قال: أرجو أن لا يكون به بأس، قد فعله غير واحد.
قال أحمد - ﵀ -: لا بأس به، إنما هو دعاء وذكر الله، فقيل له: تفعله أنت؟ قال: أما أنا فلا) ا. هـ (١) .
وقد تعقب الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رواية الأثرم عن الإمام أحمد - ﵏ - بقوله: (وحينئذ الراجح هو عدم فعله؛ لأنَّ هذه عبادة اختصت بمكان وهو عرفة، ولا يلحق غيره به، فإلحاق مكان بمكان في عبادة، زيادة في الشرع، فالذي عليه العمل أنه بدعة) ا. هـ (٢) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (ومن هذا - المتابعة في السنَّة -
_________________
(١) - يراجع: المغني (٢/٣٩٩)، وطبقات الحنابلة (١/٦٧) ترجمة الأثرم.
(٢) - يُراجع: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (٣/١٢٨) .
[ ٣٦٩ ]
وضع ابن عمر يده مقعد النبي ﷺ، وتعريف ابن عباس بالبصرة، وعمرو بن حريث بالكوفة، فإن هذا لما لم يكن مما فعله سائر الصحابة، ولم يكن النبي ﷺ شرعه لأمته، لم يمكن أن يُقال هذا سنَّة مستحبة، بل غايته أن يًُقال: هذا مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة، أو مما لا ينكر علي فاعله؛ لأنَّه مما يسوغ فيه الاجتهاد، لا لأنه سنة مستحبة سنها النبي ﷺ لأمته. أو يقال في التعريف: إنه لا بأس به أحيانًا لعارض إذا لم يجعل سنة راتبة.
وهكذا يقول أئمة العلم في هذا وأمثاله: تارة يكرهونه، وتارة يسوغون فيه الاجتهاد، وتارة يرخصون فيه إذا لم يتخذ سنة، ولا يقول عالم بالسنة: إن هذه سنة مشروعة للمسلمين، فإن ذلك إنَّما يقال فيما شرعه رسول الله ﷺ؛ إذ ليس لغيره أن يسن ولا أن يشرع، وما سنَّة خلفاؤه الراشدون، فإنما سنُّوه بأمره، فهو من سننه) ا. هـ (١) .
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - أن المداومة في الجماعات على غير السنن المشروعة بدعة: كالأذان في العيدين، والقنوت في الصلوات الخمس أو البردين منها، والتعريف المداوم عليه في الأمصار فإن مضاهاة غير المسنون بالمسنون بدعة مكروهة، كما دلَّ عليه الكتاب والسنَّة والآثار والقياس) (٢) .
_________________
(١) - يُراجع: مجموعة الفتاوى (١/٢٨١، ٢٨٢) .
(٢) - يُراجع: مجموع الفتاوى (٢٠ /١٩٧) .
[ ٣٧٠ ]
وقال -أيضًا-: (فصل: وقد يحدث في اليوم الفاضل مع العيد العلمي المحدث، العيد المكاني، فيغلظ قبح هذا، ويصير خروجًا عن الشريعة، فمن ذلك: ما يفعل يوم عرفة مما لا أعلم بين المسلمين خلافًا في النهي عنه، وهو قصد قبر بعض من يحسن به الظن يوم عرفة، والاجتماع العظيم عند قبره، كما يفعل في بعض أرض المشرق والمغرب، والتعريف هناك كما يفعل في عرفات، فإن هذا النوع من الحج المبتدع الذي لم يشرعه الله، ومضاهاة للحج الذي شرعه الله، واتخاذ القبور أعيادًا.
وكذلك السفر إلى بيت المقدس للتعريف فيه، فإن هذا أيضًا ضلال بيِّن، فإن زيادة بيت المقدس مستحبة مشروعة للصلاة فيه والاعتكاف، وهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، لكن قصد إتيانه في أيام الحج هو المكروه، فإن ذلك تخصيص وقت معين بزيارة بيت المقدس، ولا خصوص لزيارته في هذا الوقت على غيره.
ثم فيه أيضًا مضاهاة للحج إلى المسجد الحرام، وتشبيه له بالكعبة، ولهذا أفضى إلى ما لا يشك مسلم في إنه شريعة أخرى، غير شريعة الإسلام، وهو ما قد يفعله بعض الضلاَّل من الطواف بالصخرة، أو من حلق الرأس هناك أو من قصد النسك هناك، وكذلك ما يفعله بعض الضلال من الطواف بالقبة التي بجبل الرحمة بعرفة (١)، كما يُطاف بالكعبة.
فأما الاجتماع في هذا الموسم لإنشاد الغناء، أو الضرب بالدف بالمسجد الأقصى ونحوه، فمن أقبح المنكرات من جهات أخرى، منها:
فعل ذلك في المسجد، فإن ذلك فيه ما نهي عنه خارج المساجد، فكيف بالمسجد الأقصى!!!.
ومنها: اتخاذ الباطل ديناَ.
ومنها: فعله في الموسم.
فأما قصد الرجل مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر، فهذا هو التعريف في
_________________
(١) - لم تعد هذه القبة موجودة، وذلك بفضل الله ثم بفضل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - ﵀ - حيث قضى على الأمور الشركية والوسئل المؤدية إليها في هذه البلاد، ولله الحمد والمنَّة.
[ ٣٧١ ]
الأمصار الذي اختلف العلماء فيه ففعله ابن عباس، وعمرو بن حريث من الصحابة، وطائفة من البصريين والمدنيين، ورخص فيه أحمد - وإن كان مع ذلك لا يستحبه-. هذا هو المشهور عنه، وكرهه طائفة من الكوفيين والمدنيين، كإبراهيم النخعي، وأبي حنيفة، ومالك وغيرهم.
ومن كرهه قال: هو من البدع، فيندرج في العموم لفظًا ومعنى. ومن رخَّص فيه قال: فعله ابن عباس بالبصرة، حين كان خليفة لعلي بن أبي طالب -﵁-، ولم ينكر عليه، وما يفعله في عهد الخلفاء الراشدين من غير إنكار، لا يكون بدعة، لكن ما يُزاد على ذلك من رفع الأصوات الرفع الشديد في المساجد بالدعاء، وأنواع من الخطب والأشعار الباطلة، مكروه في هذا اليوم وغيره.
والفرق بين هذا التعريف المختلف فيه، وتلك التعريفات التي لم يختلف فيها (١): أنَّ في تلك قصد بقعة بعينها للتعريف فيها، كقبر الصالح، أو كالمسجد الأقصى، وهذا تشبيه بعرفات، بخلاف مسجد المصر (٢)، فإنه قصد له بنوعه لا بعينه، ونوع المساجد مما شرع قصدها، فإن الآتي إلى المسجد ليس قصده مكانًا معينًا لا يتبدل اسمه وحكمه، وإنما الغرض بيت من بيوت الله، بحيث لو حوِّل ذلك المسجد لتحوَّل حكمه، ولهذا لا تتعلق القلوب إلا بنوع المسجد لا بخصوصه.
وأيضًا، فإنَّ شد الرحال إلى مكان للتعريف فيه، مثل الحج، بخلاف المصر.
ألا ترى أن النبي ﷺ قال: «لا تُشدًّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا» (٣) . هذا مما لا أعلم فيه خلافًا.
_________________
(١) - أي: لم يختلف في النهي عنها. والله أعلم.
(٢) - أي: مسجد المدينة التي يسكنها الإنسان. يراجع: لسان العرب (٥/١٧٦) مادة (مصر) .
(٣) - رواه البخارى في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٣/٦٣) كتاب التهجد، حديث رقم (١١٨٩)، ولفظه: «لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ومسجد الأقصى» . ورواه مسلم في صحيحه (٢/١٠١٤) كتاب الحج، حديث رقم (١٣٩٧) .
[ ٣٧٢ ]
فقد نهى النبي صلى اله عليه وسلم عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة، ومعلوم أن إتيان الرجل مسجد مصره إما واجب كالجمعة، وإما مستحب كالاعتكاف فيه.
وأيضًا، فإن التعريف عند القبر اتخاذ له عيدًا، وهذا بنفسه محرم، سواء كان فيه شد للرحل أو لم يكن، وسواء كان في يوم عرفة أو في غيره، وهو من الأعياد المكانية مع الزمانية) ا. هـ (١) .
فمما تقدَّم يتضح لي - والله أعلم - أن التعريف نوعان:
الأول: اتفق العلماء على كراهته، وكونه بدعة وأمرًا باطلًا، وهو الاجتماع في يوم عرفة عند القبور، أو تخصيص بقعة بعينها للتعريف فيها كالمسجد الأقصى، وتشبيه هذه الأماكن بعرفات؛ لأنَّ ذلك يعتبر حجًا مبتدعًا، ومضاهاة للحج الذي شرعه الله، واتخاذًا للقبور أعيادًا، حتى وصل بهم الأمر إلى أن زعموا أن من وقف ببيت المقدس أربع وقفات فإنها تعدل حجة ثم يجعلون ذلك ذريعة إلى إسقاط الحج إلى بيت الله الحرام، كما ذكر ذلك الطرطوشي في كتابه «الحوادث والبدع» (٢) . وهذا هو النوع الذي قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: (لا أعلم بين المسلمين خلافًا في النهي عنه) ا. هـ (٣) .
الثاني: ما اختلف العلماء فيه، وهو قصد الرجل مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر. فقال بعضهم: محدث وبدعة. وقال بعضهم: لا بأس به.
والذي يترجح عندي - والله أعلم - أن قصد الرجل مسجد بلده يوم عرفة للدعاء والذكر: بدعة.
وأما من رخص فيه؛ مستندًا إلى فعل ابن عباس له، وغيره من الصحابة والتابعين، فيمكن الجواب عن ذلك من وجهين:
_________________
(١) - يراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/٦٣٧- ٦٤٠) .
(٢) - يُراجع: الحوادث والبدع ص (١١٧) .
(٣) - يُراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/٦٣٧) .
[ ٣٧٣ ]
* الأول: أن فعل الصحابي لا يقوى على معارضة النصوص الصريحة، التي ورد فيها النهي عن الإحداث في الدين، وهي كثيرة، منها:
قوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) . وقوله﵊ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢) . وقوله ﷺ: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة..» (٣) إلى غير ذلك من النصوص الثابتة التي صرحت بالنهي عن الإحداث في الدين.
* الثاني: أنه لم يكن قصد ابن عباس - والله أعلم - أن يجتمع الناس للدعاء والاستغفار، مضاهاة لأهل عرفة، وأن ذلك من شعائر الدين، كما بيَّن ذلك أبو شامة في كتابه «الباعث» (٤) . وإنَّما كان اجتماع الناس لسماع تفسيره للقرآن، لاسيما وهو أعلم أمة محمد ﷺ بالتأويل بعد نبيها ﵊، فلم يرد أنهم اجتمعوا للدعاء والاستغفار.
وكذلك لم يرد -حسب اطلاعي المحدود- أن ابن عباس -﵄كرر هذا الفعل مرة أخرى. فكيف بمن اتخذ ذلك سنَّة مشروعة، يفعلونها كل عام!!!.
وقد أشرت آنفًا إلى ذكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - الذي ورد فيه أن المداومة في الجماعات على غير السنن المشروع بدعة، ومثل لذلك بالتعريف المداوم عليه في الأمصار - والله أعلم -.
[ ٣٧٤ ]
حديث غدير خم
المبحث الثالث
بدعة غدير خم «١) .
وعن البراء بن عازب -﵁- قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ، فنزلنا
_________________
(١) ٥)
(٢) - رواه البخاري في صحيحه المطبوع مع فتح الباري (٥/٣٠١) كتاب الصلح، حديث رقم (٢٦٩٧) . ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٣٤٣) كتاب الأقضية، حديث رقم (١٧١٨) .
(٣) - ورواه مسلم في صحيحه (٣/١٣٤٣، ١٣٤٤) كتاب الأقضية، حديث رقم (١٧١٨) .
(٤) - رواه ابن ماجه في سننه مرفوعًا إلى النبي ﷺ (١/١٨)، المقدمة. وفي سنده عبيد بن ميمون المدني، قال ابن حجر: مستور. تقريب التهذيب (١/٥٤٥) .
(٥) - يُراجع: الباعث ص (٣١) .
(٦) - غدير خم: يقع بين مكة والمدينة بالجحفة. المطلب الأول: حديث غدير خم. عن زيد بن أرقم -رضي الله عن- قال: قام رسول الله ﷺ يومًا فينا خطيبًا بماء يُدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثني عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: «أما بعد، ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به» . فحثَّ على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال: «وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي..» الحديث - رواه أحمد في مسنده (٤/٣٦٦، ٣٦٧) . ورواه مسلم في صحيحه (٤/١٨٧٣) كتاب فضائل الصحابة، حديث رقم (٢٤٠٨) . ورواه الدارمي في سننه (٢/٤٣١، ٤٣٢) كتاب فضائل القرآن، باب فضل من قرأ القرآن.
[ ٣٧٥ ]
بغدير خم، فنودي فينا الصلاة جامعة، وكسح (١) لرسول الله ﷺ تحت شجرتين فصلى الظهر وأخذ بيد علي -﵁- فقال: «ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» . قالوا: بلى. قال: «ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟» . قالوا: بلى. قال: فأخذ بيد علي فقال: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه» . قال: فلقيه عمر بعد ذلك فقال له: هنيئًا يا ابن أبي طالب! أصبحت وأمسيت ولي كل مؤمن ومؤمنة» (٢) .
وروى الحاكم في المستدرك عن زيد بن أرقم - ﵁- قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى انتهينا إلى غدير خم، فأمر بروح (٣) فكسح في يوم ما أتى
_________________
(١) - الكسح: الكنس، وكسح البيت: كنسه. يُراجع: لسان العرب (٢/٥٧١) مادة (كسح) .
(٢) - رواه أحمد في مسنده (٤/٢٨١) . ورواه الترمذي مختصرًا في سننه (٥/٢٩٧) أبواب المناقب، حديث رقم (٣٧٩٧)، وقال: حديث حسن غريب. ورواه ابن ماجه في سننه (١/٤٣) المقدمة، حديث رقم (١١٦) . قال البوصيري في زوائد ابن ماجه (١/١٩، ٢٠): (هذا إسناد ضعيف، لضعف على بن زيد بن جدعان، رواه الإمام أحمد في مسنده أيضًا من حديث) . ا. هـ.
(٣) - الروح: برد نسيم الريح، والمراد - والله أعلم -: مكان بارد مريح. يُراجع: لسان العرب (٢/٤٥٧) مادة (روح)
[ ٣٧٦ ]
علينا يوم كان أشد حرًا منه، فحمد الله وأثنى عليه وقال: «يا أيها الناس! إنه لم يبعث نبي قط إلا ما عاش نصف ما عاش الذي كان قبله، وإني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تارك فيكم ما لن تضلوا بعده: كتاب الله ﷿» . ثم قام فأخذ بيد علي ﵁فقال: «يا أيها الناس! من أولى بكم من أنفسكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه» (١) .
المطلب الثاني: أول من أحدث هذه البدعة.
أول من أحدث بدعة عيد غدير خم هو معز الدولة بن بويه، وذلك في سنة ٣٥٢هـ ببغداد (٢) .
قال ابن كثير في حوادث سنة ٣٥٢هـ: (وفي عشر ذي الحجة منها أمر معز
_________________
(١) - رواه الحاكم في المستدرك (٣/٥٣٣) كتاب معرفة الصحابة، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في تلخيصه. ورواه الإمام أحمد بطرق كثيرة، منها طرق لا تخلو من ضعف، ومنها طرق بعض رواتها منهم من رُمِي بالتشيع، ومنهم من وصف بالغلو في التشيع. فلتراجع الطرق في: (١/٤٨، ١١٨، ١١٩، ١٥٢، ٣٣٠، ٤/٣٦٨، ٣٧٠، ٣٧٢. ٥/٣٤٧، ٣٥٠، ٣٥٨، ٣٦١، ٣٦٦، ٣٧٠، ٤١٩) . ويراجع البداية والنهاية (٥/٢٣٤، ٢٤٠، ٧/٣٧٩- ٣٨٣) . ومما يدلُّ على كثرة ما رُوي فيه قول ابن كثير في ترجمة ابن جرير الطبري: (وقد رأيت له كتابًا جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين) . يُراجع: البداية والنهاية (١١/١٦٥)، وكذلك (٥/٢٣٣، ٢٣٤) .
(٢) - هي عاصمة العراق قديمًا وحديثًا. وتقع على نهر دجلة. أول من جعلها مدينة الخليفة المنصور العباسي سنة ١٤٩هـ وأنفق عليها ثمانية عشر ألف ألف دينا، فبناها مدورة وسورها وجعل داره وجامعها في وسطها، وجعل لها أربعة أبواب. وقد صنَّف في بغداد وسعتها وعظمها وسعة بقعتها وما ورد فيها وما حدث بها الخطيب أبو بكر البغدادي في كتابه تاريخ بغداد (أربعة عشر مجلدًا) ما فيه الكفاية. يُراجع: معجم البلدان (١/٤٥٦- ٤٦٧)، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي.
[ ٣٧٧ ]
الدولة بن بويه بإظهار الزينة في بغداد، وأن تفتح الأسواق بالليل كما في الأعياد، وأن تضرب الذبابات (١) والبوقات (٢)، وأن تشعل النيران في أبواب الأمراء، وعند الشرط، فرحًا بعيد الغدير- غدير خم- فكان وقتًا عجيبًا مشهودًا، وبدعة شنيعة ظاهرة منكرة) ا. هـ (٣) .
وقال المقريزي: (اعلم أن عيد الغدير لم يكن عيدًا مشروعًا، ولا عمله أحد من سالف الأمة المقتدى بهم، وأول ما عرف في الإسلام بالعراق أيام معز الدولة على بن بويه، فإنه أحدثه في سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة فاتخذه الشيعة (٤) من حينئذٍ عيدًا) ا. هـ (٥) .
ويعتبر عيد «غدير خم» من الأعياد والمواسم التي كان العبيديون - ناصري البدعة - يقيمونها ويرعونها، ويحافظون عليها، وذلك لإثبات تشيعهم ومحبتهم لآل البيت، الذي يدَّعُون الانتساب إليهم!! (٦) .
_________________
(١) - بحثت عن معناهم فلم أقف عليه، ولعلها - والله أعلم -: نوع من الآلات التي تصدر صوتًا كالبوق ونحوه
(٢) - الأبواق: جمع بوق، والبوق: الذي ينفخ فيه ويزمر. يراجع: لسان العرب (١٠/٣١)، مادة (بوق) .
(٣) - يراجع: البداية والنهاية (١١/ ٢٧٢) .
(٤) - الشيعة: هم الذين شايعوا عليًا - ﵁ - على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصًا ووصاية، إما جليًا أو خفيًا، واعتقدوا أن الإمام لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية من عنده، وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة، بل هي قضية أصولية هو ركن الدين، لا يجوز للرسول ﷺ إغفاله وإهماله، ولا تفويضه للعامة وإرساله، ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأئمة وجوبًا عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولي والتبري قولًا وفعلًا وعقدًا، إلا في حال التقية، وهم خمس فرق: كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة، وإسماعيلية. يراجع: الملل والنحل للشهر ستاني ص (١٤٦)، ومقالات الإسلاميين (١/٦٥)، والفرق بين الفرق ص (١٥ـ١٧) .
(٥) - يُراجع: الخطط والآثار (١/٣٨٨) .
(٦) - يُراجع: الخطط والآثار للمقريزي (١/٤٩٠) .
[ ٣٧٨ ]
وأول ما أُقيم الاحتفال بهذا العيد المبتدع في مصر في الثامن عشر من ذي الحجة سنة ٣٦٢هـ) (١)
المطلب الثالث: حكم هذا العيد.
لا شك في أن جعل الثامن عشر من ذي الحجة عيدًا وموسمًا من المواسم التي يحتفل الناس بها، ويفرحون بقدومها، ويخصُّونها بشيء من القرب كالإعتاق والذبح ونحو ذلك: بدعة باطلة، وأساسها الذي اعتمدت عليه أمرٌ باطل لا شك في بطلانه، وهو زعمهم أن النبي ﷺ في اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة سنة عشرة للهجرة، وهو قافلٌ -﵊- من حجة الوداع، أوصى بالخلافة لعلي بن أبي طالب - ﵁ - بمكان يسمى غدير خم.
وهذا يدلُّ دلالة واضحة على أن المبتدعين لهذا العيد، والمعظمين له هم الشيعة، فهم يفضلونه على عيدي الفطر والأضحى، ويسمونه بالعيد الأكبر (٢) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -، في كلامه عن أنواع الأعياد الزمانية المبتدعة، والتي قد يدخل فيها بعض بدع أعياد المكان والأفعال:
(النوع الثاني: ما جرى فيه حادثة كما كان يجري في غيره، من غير أن يوجب ذلك جعله موسمًا، ولا كان السلف يعظمونه، كثامن عشر ذي الحجة، الذي خطب النبي ﷺ فيه بغدير خم مرجعه من حجة الوداع، فإنه ﷺ خطب فيه خطبة وصَّى فيها باتباع كتاب الله، ووصَّى فيها بأهل بيته، كما روى ذلك مسلم في صحيحة (٣)
_________________
(١) - يُراجع: الخطط والآثار للمقريزي (١/٤٨٩) . وقد أطال المؤلف في وصف الاحتفال بهذا العيد، وما يقع فيه من لبس الجديد من الثياب، وإعتاق الرقاب، والإكثار من الذبح، وقراءة نص الخلافة المزعوم من النبي ﷺ إلى أمير المؤمنين على بن طالب - رضي الله عليه - قبل الزوال إلى غير ذلك.
(٢) - يُراجع: مختصر التحفة الاثني عشرية للألوسي ص (٢٠٨) .
(٣) - رواه مسلم في صحيحه (٤/١٨٧٣) كتاب فضائل الصحابة، حديث رقم (٢٤٠٨) . وتقدم تخريجه أيضًا في ص (٣٧٦- ٣٧٧) .
[ ٣٧٩ ]
عن زيد بن أرقم -﵁-.
فزاد بعض أهل الأهواء (١) في ذلك، حتى زعموا أنه عهد إلى علي - ﵁ - بالخلافة بالنص الجلي، بعد أن فرش له، وأقعده على فراش عالية، وذكروا كلامًا وعملًا قد علم بالاضطراب أنه لم يكن من ذلك شيء، وزعموا أن الصحابة تمالؤا على كتمان هذا النص، وغصبوا الوصي حقه، وفسَّقوا وكفَّرُوا إلا نفرًا قليلًا. والعادة التي جبل الله عليها بني آدم، ثم ما كان القوم عليه من الأمانة والديانة، وما أوجبته شريعتهم من بيان الحق، يوجب العلم اليقيني بأن مثل هذا اليوم عيدًا محدث لا صل له، فلم يكن في السلف لا من أهل البيت ولا من غيرهم، من اتخذ ذلك اليوم عيدًا، حتى يحدث فيه أعمالًا؛ إذ الأعياد شريعة من الشرائع، فيجب فيها الاتباع لا الابتداع، وللنبي ﷺ خُطبٌ وعهودٌ ووقائع في أيام متعددة: مثل يوم بدر (٢)، وحنين (٣)، والخندق (٤)
، وفتح مكة (٥)، ووقت هجرته، ودخوله المدينة (٦)، وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين، ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعيادًا. وإنَّما يفعل مثل هذا النصارى، الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى ﵇ - أعيادًا، أو اليهود. وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اتبع، وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه) ا. هـ (٧) .
وقد أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- بأن اتخاذ يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة عيدًا. بدعة، لم يفعلها السلف، ولم يستحبوها، وأن ذلك موسم غير شرعي، وإنما هو من المواسم المبتدعة (٨) - والله أعلم -
_________________
(١) - لاشك أنهم الشيعة.
(٢) - بدر: ماء مشهور بين مكة والمدينة أسفل وادي الصفراء بينه وبين ساحل البحر ليلة، ينسب إلى بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة، وبهذا الماء كانت الوقعة المشهورة التي اظهر الله بها الإسلام، شهدها من الصحابة - رضوان الله عليهم -. يراجع: معجم البلدان (١/٣٥٧، ٣٥٨) .
(٣) - حنين: هو واد قبل الطائف، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا، وهو: المواضع الذي هزم فيه الرسول ﷺ هوازان وذلك سنة ٨هـ. يراجع: معجم ما استعجم ص (٤٧١، ٤٧٢) .
(٤) - وهي المعروفة بغزوة الخندق أو غزوة الأحزاب وفيها اجتمعت القبائل بتحريض من اليهود على قتال النبي ﷺ ومن هذه القبائل: قريش وبنو سليم، وبنو أسد، وفزارة، وأشجع، وبنو مرة، وكان عددهم عشرة آلاف فلما سمع بهم الرسول ﷺ استشار الصحابة فآشار عليه سلمان الفارسي﵁ - بحفر خندق يحول بين العدو وبين المدينة، فأمر به الرسول ﷺ فبادر إليه المسلمون، وعمل بنفسه فيه، وكان حفر الخندق أمام جبل سلع الذي كان خلف ظهور المسلمين، والخندق بينهم وبين الكفار، وكان عدد المسلمين ثلاثة آلاف، وكان ذلك سنة ٥هـ. يراجع: زاد المعاد (٣/٢٩٦- ٢٧١) .
(٥) - مدينة مكة المكرمة: أشهر من أن تعرف فهي قبلة المسلمين، وبها بيت الله الحرام، وأشرف بقعة على وجه الأرض. وكان فتح مكة سنة ٨هـ.
(٦) - المدينة: وكانت تسمى في الجاهلية: يثرب. وهي مدينة رسول الله ﷺ ومهاجره، ورد في فضلها وأنها بلد حرام، أحاديث كثيرة، عقد لها البخاري كتابًا في صحيحه وسماه كتاب: فضائل المدينة، وفيها مسجد الرسول ﷺ وقبره ومنبره اللذين ورد في أن ما بينهما روضة من رياض الجنة، وبها استقر خير أمة محمد عليه والسلام من الخلفاء الراشدين والصحابة وبها ماتوا ودُفنوا. وفي شمالها يقع جبل أحد الذي وقعت عنده الغزوة المشهورة غزوة أحد، وهي في حرة سبخة الأرض، وبها نخيل كثيرة ومياه ومزارع. وتقع شمال مكة على نحو عشر مراحل (حوالي ٤٥٠كم) . يراجع: معجم البلدان (٥/٨٢، ٨٨)، وصحيح البخاري (٢/٢٢٠- ٢٥٥) كتاب فضائل المدينة.
(٧) - يراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (٢/٦١٣- ٦١٥) .
(٨) - يراجع: مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (٢٥/٢٩٨) .
[ ٣٨٠ ]
الفصل التاسع