وأما ما أجاب به بعض العلماء المحققين: فقد قال الشيخ الجليل محمد بشير الهندي في كتابه "صيانة الإنسان، عن وسوسة دحلان"- لما ساق حديث الشفاعة- أقول: هذا ليس مما نحن فيه، فإن الاستغاثة بالمخلوق على نوعين:
أحدهما: أن يستغاث بالمخلوق الحي فيما يقدر على الغوث فيه، مثل أن يستغيث المخلوق بالمخلوق ليعينه على حمل حجر، أو يحول بينه وبين عدوه الكافر، أو يدفع عنه سبعًا صائلًا، أو لصًا أو نحو ذلك. ومن ذلك: طلب الدعاء لله تعالى من بعض عباده لبعض. وهذا لا خلاف في جوازه. والاستغاثة الواردة في حديث المحشر: من هذا القبيل. فإن الأنبياء الذين تستغيث العباد بهم يوم القيامة يكونون أحياء، وهذه الاستغاثة إنما تكون بأن يأتي أهل المحشر هؤلاء الأنبياء يطلبون منهم: أن يشفعوا لهم إلى الله سبحانه، ويدعوا لهم بفصل الحساب، والإراحة من ذلك الموقف، ولا ريب أن الأنبياء قادرون على
[ ٣٧٤ ]
الدعاء، فهذه الاستغاثة تكون بالمخلوق الحي فيما يقدر على الغوث فيه.
والثاني: أن يستغاث بمخلوق ميت أو حي فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى. وهذا هو الذي يقول فيه أهل التحقيق: إنه منكر غير جائز. انتهى.
وقال الشيخ الجليل محمود شكري الألوسي في كتابه "فتح المنان" لما ساق حديث الشفاعة:
والجواب: أن استغاثة الناس بالنبي ﷺ وبآدم ثم بنوح، ثم بموسى- إلى آخر الحديث- فهذه شفاعة بالدعاء واستغاثة بما يقدر عليه المستغاث، مستحسنة عقلًا وشرعًا. ومن ذلك: الرفقة يستغيث بعضهم بعضًا، أي في مهماتهم التي يقدرون عليها. وكذلك ما طلب الناس من شفاعة النبي ﷺ التي هي الدعاء. ولذلك يقول سيد الشفعاء ﷺ في آخر الحديث: "فأجيء فأسجد" وأن الله تعال يلهمه من الثناء والدعاء شيئًا لم يفتحه لغيره ﷺ. فعند ذلك يأذن الله له في الشفاعة. ويقول له كما ورد في الحديث: "يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع" وهذا ظاهر جدًا. انتهى.
وأما قول الملحد: "وقد سلم ابن تيمية بهذا الحديث وما كابر بإنكاره".
فنقول لهذا الملحد: إن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لا يكابر بإنكار الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ. بل يحميها عن تحريف المحرفين، وتأويل المبطلين أمثالك، وأمثال من قلدتهم على عمى، دحلان والنبهاني ويكابر أشد المكابرة في إنكار أحاديثكم الموضوعة التي لا أصل لها عن الله ولا عن رسوله ﷺ. بل هي دعاية شيطانية، لتشريك المخلوق مع الخالق دل جلاله في خالص عبادته. الذي هو الدعاء، ألست أيها الملحد العدو الألد لسنّة رسول الله ﷺ وحًملتها، إذ تحرم العلم بنصوصها؟ هل ترمي من يدعو إليها بالزندقة، ألست القائل في رسالتك هذه الضالة: "وأما قولكم: إنكم ما خرجتم عن الإجماع فهذا هو المغالطة. لأنا بينما كنا نباحثكم على إجماع الفقهاء والتعامل، التجأتم إلى الإجماع على كتب الحديث. ومع هذا فأخبرونا متى أجمعت الأمة
[ ٣٧٥ ]
على التعبد والتعامل بصحيح البخاري أو غيره؟ وأي عالم أو فقيه أفتى في حكم على البخاري، أو غيره؟ " ألست القائل: "إن أئمة أهل الحديث ما تعرضوا لشيء منها البتة، بل سردوا الأحاديث سردًا في أبوابها على علاتها. فإذا وجدتهم حديثًا في البخاري وغيره في مسألة، ومثله في موطأ مالك مثلًا أحدهما فيه تشديد والثاني فيه ترخيص. فأنَّى لكم معرفة الناسخ فترجحوه على المنسوخ؟ وهكذا في سائر الأقسام التي تتوقف صحة الحكم على معرفتها. وأنتهم لا تجدون في كتب بالحديث بيانًا، ولا إشارة تهديكم إلى الصواب. أيجوز لكم الترجيح بمجرد الظن والتخرص؟ فهذه زنذقة لا إسلامية" انتهى. المراد منه للإشارة إلى عداوة هذا الملحد لأئمة أهل الحديث، وتحريمه أخذ الأحكام من نصوص الكتاب والسنّة الصحيحة عن رسول الله ﷺ التي خص منها صحيح البخاري، جازاه الله تعالى بما يستحقه.
[ ٣٧٦ ]