قال الملحد: "السابع: روى البخاري في الاستسقاء عن أنس ﵁: أن الناس أصابهم قحط في خلافة عمر ﵁، وهو عام الرَّمادة، فأخذ عمر بيد العباس ﵄، والناس خلفهما، فوقف وتوسل لله تعالى بحرمة نبيّه ﵊، فما قفلوا حتى سقاهم الله". قال
[ ٣٦٩ ]
القسطلاني في شرح هذا الحديث: إن عمر ﵁ قال: يا أيها الناس: إن رسول الله ﷺ كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد، فافتدوا به في عمه، واتخذوه وسيلة إلى الله تعالى".
والجواب: إن هذا الملحد يتعمد الكذب والمغالطة، لترويج باطله الذي يدعو إليه، من إشراك المخلوق مع الخالق ﷻ، في عبادته التي خلق الله الخلق من أجلها، فقد اختلق هذا القول من عنده وافتراه بمنتهى الوقاحة والفجور، وظن أن الناس كلهم على مثل جهله وضلاله وعمى قلبه، وتجاهل أن نسخ صحيح البخاري لا يكاد يخلو منها بيت. وأن من السهل اليسير على كل مسلم أن يفتح صحيح البخاري ليجد فيه في "باب سؤال الناس الإمام إذا قحطوا" ويقرأ ما يصفع هذا الملحد على وجهه الأسود الكالح، فيزيده سوادًا. فإن نص الحديث فيه: عن أنس: "أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن المطلب. فقال: اللهم إنّا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا. وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون". وشتان بين هذا القول الصحيح وبين الظلمات التي افتراها هذا الملحد ونسبها إلى البخاري. فهذا الحديث في دعاء الأحياء بينهم حاضر لحاضر، فهو حدة لنا على بطلان دعاء الأموات، مقتدين بعمل أصحاب نبينا ﵊. وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي في كتابه الصارم المنكي في الرد على السبكي: وقد أجدب الناس على عهد عمر بن الخطاب ﵁ فاستسقى بالعباس، وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا. وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون" فاستسقوا به كما كانوا يستسقون بالنبي ﷺ في حياته. وهم إنما كانوا يتوسلون بدعائه وشفاعته لهم، فيدعو لهم ويدعون معه، كالإمام والمأمومين. من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق، كما أنه ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق. ولما مات ﷺ توسلوا بدعاء العباس واستقوا به. وانتهى.
[ ٣٧٠ ]
وقال الحافظ في الفتح: وقد بين الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك. فأخرج بإسناد له: "أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة. وقد توجه القوم بي لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة، فاستقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الحبال، حتى أخصبت الأرض وعاش الناس" انتهى.
وأما ما ذكره عن القسطلاني فمردود عليه، إذ لم يذكره بسند يرجع إليه، ولم يذكره أيضًا عن أحد من المحققين يعتمد عليه، فلا يلتفت إليه.
[ ٣٧١ ]