وقد كتب شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة" ننقل منها ما يلزم نقله لموضوعنا هذا. قال رحمه الله تعالى ورضي عنه:
(فصل) إذا عرف هذا: فقد تبين أن لفظ "الوسيلة" والتوسل فيه إجمال واشتباه، يجب أن تعرف معانيه، ويعطي كل ذي حق حقه، فيعرف ما ورد به الكتاب والسنّة من ذلك ومعناه. وما كان يتكلم به الصحابة ﵃ ويفعلونه ومعنى ذلك. ويعرف ما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه. فإن كثيرًا من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها، حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فضل الخطاب. فلفظ "الوسيلة" مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ﴿المائدة، الآية:٣٥] وفي قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء، الآيتان:٥٦-٥٧] فالوسيلة التي أمر الله بها. أن تبتغي إليه وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه هي ما يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات. فهذه الوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها، تتناول كل واجب ومستحب، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك سواء كان محرمًا أو مكروهًا أو مباحًا. فالواجب والمستحب هو ما شرعه الله ورسوله ﷺ فأمر به أمر إيجاب، أو استحباب. وأصل ذلك: الإيمان بما جاء به الرسول ﷺ فجماع الوسيلة التي أمر الله الخلق بابتغائها هو التوسل إليه بإتباع ما جاء به الرسول ﷺ لا وسيلة لأحد إلى الله إلا ذلك.
والثاني لفظ "الوسيلة" في الأحاديث الصحيحة، كقوله ﷺ: "سلوا الله لي
[ ٣٣٧ ]
الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد، فمن سأل الله لي الوسيلة حَلَّت عليه شفاعتي يوم القيامة" وقوله: "من قال حين سمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة والقائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت عليه الشفاعة" فهذه الوسيلة للنبي ﷺ خاصة. وقد أمرنا أن نسأل الله له هذه الوسيلة وأخبرنا أنها لا تكون إلا لعبد من عباد الله، وهو يرجوا أن يكون ذلك العبد وهذه الوسيلة أمرنا أن نسألها للرسول ﷺ وأخبرنا أن من سأل له الوسيلة فقد حلت عليه الشفاعة يوم القيامة لأن الجزاء من جنس العمل. فلما دعوا للنبي ﷺ استحقوا أن يدعو هو لهم فإن الشفاعة نوع من الدعاء، كما قال: "إنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشرًا".
وأما التوسل بالنبي ﷺ والتوجه به في كلام الصحابة ﵃: فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته، والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به، والسؤال به، كما يقسمون بغيره من الأنبياء والصالحين ومن يٌعتقد فيه الصلاح. وحينئذ فلفظ: "التوسل" يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين. ويراد به معنى ثالث لم ترد به سنّة، فأما المعنيان الأولان الصحيحان باتفاق العلماء: فأحدهما: هو أصل الإيمان والإسلام، وهو التوسل بالإيمان به وبطاعته.
والثاني: دعاؤه وشفاعته، كما تقدم. فهذان جائزان بإجماع المسلمين. ومن هذه قول عمر بن الخطاب ﵁: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا. وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا" أي بدعائه وشفاعته. وقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة، الآية:٣٥] أي القربة إليه بطاعته، وطاعة رسوله. قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء، الآية:٨٠] فهذا التوسل الأول هو أصل الدين، وهذا لا ينكره أحد من المسلمين.
[ ٣٣٨ ]
وأما التوسل بدعائه وشفاعته، كما قال عمر: فإنه توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن التوسل به بعد موته إلى التوسل بعمه العباس. ولو كان التوسل هو بذاته لكان هذا أولى من التوسل بالعباس. فلما عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بالعباس علم أن ما يفعل في حياته قد تعذر بموته ﷺ، بخلاف التوسل الذي هو الإيمان به والطاعة له. فإنه مشروع دائمًا فلفظ "التوسل" يراد به ثلاثة معان:
أحدها: التوسل بطاعته، فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به.
والثاني: التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان في حياته، ويكون يوم القيامة، يتوسلون بشفاعته.
والثالث: التوسل بمعنى الإقسام على الله بذاته، والسؤال بذاته: فهذا هو الذي لم تكن الصحابة ﵃ يفعلونه في الاستسقاء ونحوه، لا في حياته ولا بعد مماته عليه الصلاة السلام، لا عند قبره ولا قبر غيره. ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم، وإنما ينقل بشيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة، أو عمن ليس قوله حجة كما سنذكر ذلك إن شاء الله تعالى. وهذا هو الذي قاله أبو حنيفة وأصحابه: أنه لا يجوز ونهوا عنه حيث قالوا: لا يسأل الله بمخلوق، ولا يقول أحد أسألك بحق أنبيائك، قاله أبو الحسن القدوري في كتابه الكبير في الفقه المسمى بشرح الكرخي في باب الكراهة. وقد ذكر هذا غير واحد من أصحاب أبي حنيفة. قال بشر بن الوليد: حدثنا أبو يوسف، قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز، لأنه لا حق للخلق على الخالق، فلا تجوز وفاقًا. انتهى المقصود منه.
وبما أوردناه من تحقيق معنى "الوسيلة والتوسل" الوارد ذكرهما في كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه ﷺ لطالب الحق، وبيان لبطلان كل ما يتعلق به دعاة الوثنية ويغالطون به من ذكر الأسماء مع تغيير الحقائق، وكشف لضلال هذا
[ ٣٣٩ ]
الملحد المخلط المتناقض فكيف تحمد العصمة من ناموسه هذا وهو الذي ألبسه خيري الدنيا والآخرة؟ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر، الآية:٣١] .
وأما قول الملحد: "فانظر ما أقبح تناقض الوهابيين وإخوانهم، فمن جهة تراهم يعتقدون تأثير الأعراض ومن جهة يمنعون التوسل بالأنبياء".
والجواب: أن الوهابيين متمسكون بكتاب ربهم وسنّة نبيّهم ﷺ ومن تمسك بهما عصمه الله تعالى عن التناقض. فأما المتناقضون: فهم الذين يتلاعبون في دين الله تعالى بأهوائهم، محرفين لكتاب الله تعالى وسنّة نبيّه ﷺ أمثال هذا الملحد ومن قلدهم دينه من دعاة الوثنية، الذين جعلوا القبور مساجد، وأشركوا أهلها مع الله تعالى في خالص عبادته، بدعائهم وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات. ويسمون شركهم بهؤلاء الأموات مع الله تعالى توسلًا واستغفارًا وتشفعًا، وغيرها من الأسماء التي هي قلب للحقائق وتحريف للكلم عن مواضعه.
[ ٣٤٠ ]