قال الملحد: "الحديث الخامس: أخرج الترمذي والنسائي والبيهقي والطبراني عن عثمان بن حنيف ﵁: "أن رجلًا ضريرًا أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني. فقال له: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت، وهو خير لك. قال الرجل: فادعه، فأمره أن يتوضأ ويحسن وضوءه، ويدعو الله بقوله: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضي. اللهم شفعه في، فعاد الرجل، وقد أبصر". انتهى. وأخرج هذا الحديث البخاري في تاريخه وابن ماجه والحاكم في المستدرك والسيوطي في الجامعين، وشاع هذا الدعاء بين الصحابة حتى استعملوه فيما بينهم.
والجواب: أن هذا الحديث غير صحيح فإن رواته مختلفون في سنده ومتنه، مع أنه لم يذكر في شيء من الكتب المعتمدة. بل جاء ذكره في بعض الكتب التي تذكر فيها الأحاديث الضعيفة والموضوعة على وجه التنبيه. وأيضًا في سنده أبو جعفر عيسى بن ماهان الرازي. قال الحافظ ابن حجر في التقريب: الأكثرون على ضعفه. وقال الفلاس: سيئ الحفظ. وقال ابن حبان: ينفرد بالمناكير عن المشاهير. وقال أبو زرعة: يهم كثيرًا. هذا بعض ما قيل في سند هذا الحديث.
وأما ما قيل في معناه من القول الذي يفصل الباطل عن الحق: فهو ما ذكره العالم الجليل السيد محمود شكري الألوسي في كتابه "فتح المنان" تتمة منهاج التأسيس. قال رحمه الله تعالى في الكلام على حديث عثمان بن حنيف هذا.
والجواب: أن هذا الدليل لا يفيد العراقي شيئًا، بل هو من نمط ما قبله. وببيان معنى الحديث يعلم ذلك. فقوله: "اللهم إني أسألك" أي اطلب منك
[ ٣٦٥ ]
"وأتوجه إليك بنبيك محمد" صرح باسمه مع ورود النهي عن ذلك تواضعًا منه، لكون التعليم من قبله. وفي ذلك قصر السؤال الذي هو الدعاء على الله تعالى الملك المتعال، ولكنه توسل بالنبي، أي بدعائه. ولذا قال في آخره: "اللهم شفعه فيَّ" إذ شفاعته لا تكون إلا بدعائه قطعًا، ولو كان المراد التوسل بذاته فقط لم يكن لذلك التعقيب معنى. إذ التوسل بقوله "بنبيك" كاف في إفادة هذا المعنى. فقوله: "يا محمد إني توجهت بك إلى ربي" قال الطيبي: الباء في "بك" للاستعانة. وقوله: "إني أتوجه بك" بعد قوله: "أتوجه إليك" فيه معنى قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة، الآية:٢٥٥] فيكون خطابًا لحاضر معاين في قلبه، مرتبط بما توجه به عند ربه من سؤال نبيه بدعائه، الذي هو عين شفاعته. ولذلك أتى بالصيغة الماضوية بعد الصيغة المضارعية، المفيد كل ذلك: أن هذا الداعي قد توسل بشفاعة نبيه في دعائه. فكأنه استحضره وقت ندائه ومثل ذلك كثير في المقامات الخطابية، والقرائن الاعتبارية. فقوله: "في حاجتي هذه، لتقضى له" أي ليقضيها لي ربي بشفاعته، أي بدعائه. وذلك مشروع مأمور به. فإن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كانوا يطلبون منه الدعاء، وكان يدعو لهم. وكذلك يجوز الآن أن تأتي رجلًا صالحًا فتطلب منه الدعاء لك، بل يجوز للأعلى أن يطلب من الأدنى الدعاء له، كما طلبه النبي ﷺ عن عمر بن الخطاب ﵁ في عمرته بأن قال له: "لا تنسانا يا أخي من دعائك" قال عمر ﵁: ""ما يسرُّني أن لي بها حمر النعم" قال العلامة المناوي: سأل الله أولًا أن يأذن لنبيّه أن يشفع. ثم أقبل على النبي ملتمسًا شفاعته له، ثم كرَّ مقبلًا على ربه أن يقبل شفاعته. والباء في "بنبيك" للتعدية وفي "بك" للاستعانة. وقوله: "اللهم فشفعه بي" أي اقبل شفاعته في حقي والعطف على مقدر. أي اجعله شفيعًا لي فشفعه. وكل هذه المعاني دالة على وجود شفاعته بذلك. وهو دعاؤه ﷺ له بكشف عاهته وليس ذلك بمحظور، غاية الأمر أنه توسل من غير دعاء، بل هو نداء الحاضر. والدعاء أخص من النداء إذ هو نداء عبادة شامل للسؤال بما لا يقدر عليه إلا الله. وإنما المحظور
[ ٣٦٦ ]
السؤال بالذات، لا مطلقًا. بل على معنى: أنهم وسائل الله تعالى بذواتهم وأما كونهم وسائل بدعائهم فغير محظور. وإذا اعتقد أنهم وسائل لله بذواتهم يُسأل منهم الشفاعة للتقريب إليه، فذلك عين ما كان عليه المشركون الأولون.
فتبين: أنه لا دلالة في الحديث على جواز الاستعانة بالنبي أصلًا. انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" والميت لا يُطلب منه شيء، لا دعاء ولا غيره. وكذلك حديث الأعمى فإنه طلب من النبي ﷺ ليدعو له، ليرد الله عليه بصره. فعلمه النبي ﷺ دعاء، أمره فيه: أن يسأل الله قبول شفاعه نبيِّه فيه. فهذا يدل على أن النبي ﷺ شفع فيه، وأمره أن يسأل الله قبول شفاعته. وأن قوله: "أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة" أي بدعائه وشفاعته. كما قال عمر ﵁: "كنا نتوسل إليك بنبينا" فلفظ "التوسل" و"التوجه" في الحديثين بمعنى واحد. ثم قال: "يا محمد يا رسول الله، إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها. اللهم فشفعه فيّ" فطلب من الله أن يشفع فيه نبيه ﷺ. وقوله: "يا محمد يا نبي الله" هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب فيما يخاطب المشهود في القلب، كما يقول المصلي: "السلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله وبركاته" والإنسان يفعل مثل هذا كثيرًا، يخاطب من يتصوره في نفسه، وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب. فلفظ "التوسط" بالشخص، و"التوجه" به، و"السؤال به" فيه إجمال واشتراك، غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة ﵃. يراد به التسبب به، لكونه داعيًا وشافعًا مثلًا. ولكون الداعي محبًا له، مطيعًا لأمره مقتديًا به، فيكون التسبب إما لمحبة السائل له وإتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته، ويراد به الإقسام به، والتوسل بذاته. فلا يكون التوسل منه ولا من السائل، بل بذاته أو بمجرد الإقسام به على الله. فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه. وكذلك السؤال بشيء، قد يراد به: المعنى الأول. وهو التسبب لكونه سببًا في حصول المطلوب، وقد يراد به الإقسام. إلى آخر ما قاله. انتهى.
[ ٣٦٧ ]