(٣٧)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] عطفٌ على اسم ﴿اللّهُ﴾؛ أي: هم شهداءُ بالوَحدانية.
ويعني بأولي العلم: العارفين بالله، الذين يقيمون البراهينَ على وَحدانيته) (^١).
قوله: (العارفين بالله): فسَّر «أولوا العلم» بالعارفين، ومعلوم أن أول من يدخل في أولي العلم الأنبياء والرسل، ولم يذكرهم الله باسم العارفين، وإنما يوصفون بصفة النبوة والرسالة، ولم يأت ذكر المعرفة في القرآن إلا في معرفة الأعيان بعد طول العهد، كقوله تعالى في يوسف: ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُون (٥٨)﴾ [يوسف]، وفي الإقرار في مقابل الجحد والإنكار، كما في قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣]، وما أثنى الله على أحد بإيتاء المعرفة، بل بإيتاء العلم، ﴿يَرْفَعِ
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٥٢٣).
[ ٩٤ ]
اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وأثنى تعالى على المتفكرين في الآيات بالعلم دون المعرفة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِين (٢٢)﴾ [الروم]، وأثنى الله على نفسه بالعلم دون المعرفة، وهو العليم، وعالم الغيب، ويعلم ما في السماوات والأرض، فمن أسمائه العليم، دون العارف. قيل من الفرق بين العلم والمعرفة: إن المعرفة لا تكون إلا بعد جهل (^١)، والعارف مصطلح صوفي لا يعرف في كلام السلف في الثناء به على الراسخين في العلم، ومعناه عند أرباب التصوف من بلغ الغاية في معرفة الله حتى شهد اللهَ في كل شيء، وهذه حقيقة وحدة الوجود (^٢)، ولا ريب أن ابن جزي ﵀ لا يريد بالعارف هذا المعنى، بل قد فسَّره، وأبان مراده بقوله: القادر على إقامة البراهين على وَحدانية الله، وهذا معنى حسن، وهو يؤول إلى التمكن في العلم بالحجج الدالة على وجوده تعالى ووحدانيته، وصار المأخذ على المفسِّر هو العدول عن المعنى الواضح إلى لفظ مشتبه، لا أثر له في تفسير الآية، فكان الأولى أن يقول: أولو العلم هم العلماء بما بعث الله به رسله الذين يخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر: ٢٨].
_________________
(١) ينظر: «مدارج السالكين» (٤/ ٢٨٠ - ٢٨١)، و«بدائع الفوائد» (٢/ ٤٨٦).
(٢) ينظر: «شرح المصطلحات الفلسفية» (١/ ٢٠٠)، و«درء التعارض» (٦/ ١٥٦)، و«الاستغاثة» (ص ١٥٦ - ١٥٧)، (ص ١٦١)، و«طريق الهجرتين» (٢/ ٧٣٥)، و«شرح كلمة الإخلاص» لشيخنا (ص ٧٩).
[ ٩٥ ]
التعليق (٣٨): مناقشة ابن جزي في نفي صفة «المكر»؛ بناء على اعتقاد أن المكر كله مذموم، وبيان أن من المكر ما هو محمود، وهو ما كان على وجه المجازاة عدلا
(٣٨)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]:
(وعبَّر عن فعلِ اللهِ بالمَكْرِ؛ مشاكَلةً لقولِه: ﴿وَمَكَرُوا﴾) (^١).
قولُه: (عبَّر عن فعلِ اللهِ بالمَكْرِ …)، إلخ:
معناه: أنَّ اللهَ سمَّى ما يفعَلُهُ بالكافِرِينَ مِنْ العقوبةِ: مَكْرًا؛ مشاكَلةً لفظيَّة؛ ليوافِقَ مكرَ الكافِرِينَ بالرسولِ ﷺ والمؤمِنِينَ في الاسمِ؛ فيكونُ الجزاءُ مِنْ جنسِ العمَلِ لفظًا.
وهذا خطأٌ، والحامِلُ عليه عند المؤلِّفِ وغيرِهِ: استقباحُ إضافةِ المكرِ إلى اللهِ حقيقةً؛ بناءً على اعتقادِ أنَّ المكرَ كلَّه مذمومٌ، وليس كذلك؛ بل مِنْ المكرِ ما هو محمودٌ، وهو ما كان على وجهِ المجازاةِ عَدْلًا (^٢)، ومِن هذا: مَكْرُ اللهِ بأعدائِهِ وأعداءِ رسلِه، جزاءً وِفَاقًا، وسُنَّةُ الله أن يكونَ الجزاءُ مِنْ جنسِ العمَل.
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٥٤٥).
(٢) ينظر: «مجموع الفتاوى» (٧/ ١١١)، و«بيان تلبيس الجهمية» (٥/ ٤٠٣)، و«مختصر الصواعق» (٢/ ٧٣٧).
[ ٩٦ ]
ومِن مكرِ اللهِ بالكافرينَ: الإملاءُ لهم واستدراجُهُم؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُون (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِين (١٨٣)﴾ [الأعراف].
[ ٩٧ ]
التعليق (٣٩): مناقشة ابن جزي في تفسير قوله تعالى: في شأن عيسى: ﴿ورافعك إلي﴾ وعدوله عن ظاهر اللفظ الدال على علو الله بتفسيره بلازمه
(٣٩)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]؛ أي: إلى سمائي) (^١).
قولُ ابن جزي في قوله تعالى في شأن عيسى ﵇: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ قال: (أي: إلى سمائي)، هذا عدولٌ باللفظ عن ظاهره، بتفسيره بلازمِهِ؛ فإنَّ رفْعَ عيسى ﵇ إلى الله - الذي هو مدلولُ اللفظ - يستلزمُ رفعَه إلى السَّماء، والذي حمل ابنَ جزي وأمثالَه على هذا التأويل مذهبُهم في علوِّ الله، وهو أنه ليس سبحانه بذاتِه فوقَ سماواته، بل هو في كُلِّ مكان، كما في عددٍ من المواضِعِ التي جَرَى التعليقُ عليها، وهذا خلافُ ما دلَّتْ عليه النصوصُ، وأجمَعَ عليه أهلُ السُّنة (^٢).
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٥٤٦).
(٢) ينظر: «نقض الدارمي» (١/ ٢٢٣)، و«التوحيد» لابن خزيمة (١/ ٢٣١) و(١/ ٢٥٤ - ٣٢٥)، و«الشريعة» للآجري (٣/ ١٠٨١)، و«السنة» للالكائي (٣/ ٤٢٩)، و«درء التعارض» (الجزء السادس بأكمله وأول السابع إلى ص ١٤٠)، و«بيان تلبيس الجهمية» -الجزءان الأول والثاني-، و«الفتوى الحموية» (٢٠١ - ٢٢٠)، و(٢٩٦ - ٥١٢)، و«التدمرية» مع شرح شيخنا (٢٨٠ - ٢٩٥)، و«الصواعق المرسلة» (٤/ ١٢٨٠ - ١٣٤٠)، و«الكافية الشافية -النونية-» (٢/ ٣٠٧ - ٤٨٤، الأبيات رقم/ ١١١٣ - ١٧٦٨)، و«اجتماع الجيوش الإسلامية» (٢/ ٩٦ - ٣٢٥)، و«شرح الطحاوية» (٢/ ٣٧٥ - ٣٩٢)، و«توضيح مقاصد العقيدة الواسطية» لشيخنا (١٠٣ - ١١٥)، و«موقف ابن تيمية من الأشاعرة» (٣/ ١٢٢٨ - ١٢٥٢).
[ ٩٨ ]
ورفعُ عيسى ﵇ إلى السّماءِ التي وجَدَهُ النَّبيُّ ﷺ فيها ليلةَ الإسراء = يتضمَّن تكريمًا وتقريبًا، فمَن كان مِنْ العباد أَعْلى مكانًا كان أقربَ إلى اللهِ تعالى، فإبراهيم وموسى ﵉ أقربُ إلى الله مِنْ المسيح، فإنَّ إبراهيم في السماء السابعة، وموسى في السادسة، وعيسى في الثانية، كما في حديث أنس عند مسلم (^١). والله أعلم.
_________________
(١) برقم (١٦٢) (٢٥٩).
[ ٩٩ ]
التعليق (٤٠): توضيح قول المعتزلة أن المقتول مقطوع عليه أجله
(٤٠)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ في قولِهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]:
(﴿لَّوْ كَانُوا عِنْدَنَا﴾: اعتقادٌ منهم فاسِدٌ؛ لأنَّهم ظنُّوا أنَّ إخوانَهم لو كانوا عندَهم، لم يموتوا ولم يُقتَلُوا؛ وهذا قولُ مَنْ لا يؤمِنُ بالقَدَرِ والأجلِ المحتوم؛ ويقرُبُ منه مذهبُ المعتزِلةِ في القولِ بالأجلَيْن) (^١).
قوله: (ويقرُبُ منه مذهبُ المعتزِلةِ في القولِ بالأجلَيْن): من أقوال المعتزلة: أن المقتولَ مقطوعٌ عليه أجَلُهُ الذي قُدِّرَ له، أو إنَّ له أجلَيْنِ:
أحدُهما: ما حصَلَ بسببِ القتل.
والآخر: هو الذي لو عاشَ لَبَلَغَه (^٢)، وهذا من فروع قولهم في أفعال العباد: إنها ليست معلومة لله ولا هي بقدرته ومشيئته، والقتل: من جملة أفعال العباد، وسيأتي لهذا مزيدُ تفصيلٍ عند التَّعليقين الثالث والستين، والتسعين.
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٥٨٩).
(٢) ينظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ٥١٦).
[ ١٠٠ ]
التعليق (٤١): مناقشة ابن جزي في مفهوم التوكل ودرجاته
(٤١)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀ عند تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُون (١٦٠)﴾ [آل عمران]:
(واعلَمْ: أنَّ الناسَ في التوكُّلِ على ثلاثِ مَراتِبَ:
الأولى: أن يعتمِدَ العبدُ على ربِّه؛ كاعتمادِ الإنسانِ على وكيلِهِ المأمونِ عندَهُ الذي لا يَشُكُّ في نصيحتِهِ له، وقيامِهِ بمصالِحِه.
والثانية: أن يكونَ العبدُ مع ربِّه كالطِّفْلِ مع أمِّه؛ فإنه لا يَعرِفُ سواها، ولا يَلجَأُ إلَّا إليها.
والثالثة: أن يكونَ العبدُ مع ربِّه كالميِّتِ بين يَدَيِ الغاسلِ، قد أسلَمَ نَفْسَهُ إليه بالكليَّة.
فصاحبُ الدرجةِ الأولى: له حظٌّ مِنْ النَّظَرِ لنفسِهِ؛ بخلافِ صاحبِ الثانية. وصاحبُ الثانيةِ: له حظٌّ مِنْ المرادِ والاختيارِ، بخلافِ صاحبِ الثالثة.
وهذه الدرجاتُ مبنيَّةٌ على التوحيدِ الخاصِّ الذي تكلَّمنا عليه في قولِه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]؛ فهي تَقْوَى بقُوَّتِه، وتضعُفُ بضَعْفِه) (^١).
_________________
(١) «التسهيل» (١/ ٥٩١ - ٥٩٢).
[ ١٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قولُه: (واعلَمْ: أنَّ الناسَ في التوكُّلِ على ثلاثِ مَراتِبَ …)، إلخ:
التوكُّلُ مِنْ أعمال القلوب، وهو مِنْ تحقيقِ توحيدِ الربوبيَّة، ومِن مقاماتِ العبوديَّةِ القلبيَّة (^١)، وجَعْلُهُ ثلاثَ درجاتٍ طريقةُ الصوفيَّة، والحقُّ: أنَّه درجتان:
الأولى: توكُّلُ المقتصِدِين.
والثانية: توكُّلُ المقرَّبين.
وهذا يوافِقُ معنى ما ذكَرَهُ المؤلِّفُ في الدرجة الأولى والثانية؛ فإنه لا إشكالَ فيهما.
وأمَّا الدرجةُ الثالثةُ، فهي مِنْ بِدَعِ الصوفيَّةِ التي خالَفُوا فيها الحسَّ والعقلَ والشرعَ؛ فكونُ الإنسانِ يصلُ إلى حالةٍ يكونُ فيها كالمَيِّتِ بين يَدَيِ الغاسلِ، بحيثُ لا تكونُ له إرادةٌ في جلبٍ ولا دفعٍ: حالةٌ ممتنِعةٌ حسًّا وعقلًا، وغيرُ مطلوبةٍ شرعًا.
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ؛ تعليقًا على هذا القولِ المنسوبِ لبعضِ الصوفيَّة: «إنَّ العارِفَ يصيرُ كالميِّتِ بينَ يَدَيِ الغاسِلِ»؛ أي: في استسلامِهِ للقَدَرِ، قال الشيخ: «فهذا إنما يُمدَحُ منه سقوطُ إرادتِهِ التي لم يُؤمَرْ بها، وعدَمُ حظِّه الذي لم يُؤمَرْ بطَلَبِه، وأنه كالميِّتِ في طلَبِ ما لم يُؤمَرْ بطَلَبِه، وتركِ دَفْعِ ما لم يُؤمَرْ بدَفْعِه.
_________________
(١) ينظر: «مدارج السالكين» (٢/ ١١٢).
[ ١٠٢ ]
ومَنْ أراد بذلك: أنه تبطُلُ إرادتُهُ بالكليَّةِ، وأنه لا يُحِسُّ باللَّذَّةِ والأَلَم، والنافعِ والضارِّ؛ فهذا مخالِفٌ لضرورةِ الحسِّ والعقل، ومَن مدَحَ هذا؛ فهو مخالِفٌ لضرورةِ الدِّينِ والعقل». اه. مِنْ «العقيدة التدمريَّة» (^١).
_________________
(١) «العقيدة التدمرية» مع شرح شيخنا (ص ٥٨٨).
[ ١٠٣ ]