(٧٦)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]؛ «النُّورُ»: يُطلَقُ حقيقةً: على الضَّوْءِ الذي يُدرَكُ بالأبصارِ، ومجازًا: على المعاني التي تُدرَكُ بالقلوبِ، واللهُ ليس كمثلِهِ شيءٌ؛ فتأويلُ الآيةِ:
- اللهُ ذو نُورِ السماواتِ والأرضِ.
- أو وصَفَ نفسَهُ بأنه نُورٌ؛ كما تقولُ: «زيدٌ كَرَمٌ»: إذا أَرَدتَّ المبالَغةَ في أنه كريمٌ.
فإنْ أرادَ ب «النُّورِ»: المُدرَكَ بالأبصارِ:
فمعنى: ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾: أنه خلَقَ النُّورَ الذي فيهما؛ مِنْ الشمسِ والقمَرِ والنجوم، أو أنه خلَقَهُما وأخرَجَهُما مِنْ العدَمِ إلى الوجودِ (^١)، فإنما ظهَرَتْ به كما تَظهَرُ الأشياءُ بالضوءِ.
_________________
(١) تقدَّم الكلام على هذه العبارةِ: «مِنْ عدَم»، و«عن عدَم» في التعليقِ السابق.
[ ١٧٦ ]
ومِن هذا المعنى: قرأ عليُّ بن أبي طالبٍ (^١): ﴿اللَّهُ نَوَّرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ بفتحِ النونِ والواوِ والراءِ، وتشديدِ الواو؛ أي: جعَلَ فيهما النُّورَ.
وإنْ أرادَ ب «النُّورِ»: المُدرَكَ بالقلوبِ:
فمعنى: ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾: جاعِلُ النُّورِ في قلوبِ أهلِ السماواتِ والأرضِ؛ ولهذا قال ابن عبَّاس: معناه: «هادي أهلِ السماواتِ والأرضِ») (^٢).
قولُ المؤلِّف ﵀: (﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾؛ «النُّورُ»: يُطلَقُ حقيقةً: على الضَّوْءِ الذي يُدرَكُ بالأبصارِ، ومجازًا: على المعاني التي تُدرَكُ بالقلوبِ …)، إلخ:
النُّورُ نوعانِ: مخلوقٌ، وغيرُ مخلوقٍ هو صفةُ اللهِ تعالى (^٣)؛ قال ابن القيِّم ﵀ (^٤):
وَالنُّورُ ذُو نَوْعَيْنِ مَخْلُوقٌ وَوَصْ
فٌ مَا هُمَا وَاللهِ مُتَّحِدَانِ
_________________
(١) وقرأ بها غيرُهُ أيضًا. انظر: «تفسير ابن عطية» (٦/ ٣٨٥ ط. وزارة الأوقاف قطر)، و«تفسير أبي حيان» (٨/ ٤٢ ط. دار الفكر)، و«الدر المصون» (٨/ ٤٠٣ ط. الخراط)، و«معجم القراءات» (٦/ ٢٦٤).
(٢) «التسهيل» (٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩).
(٣) ينظر: «بيان تلبيس الجهمية» (٨/ ٦٦)، و«مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٧٤ - ٣٩٦)، و«مختصر الصواعق» (٣/ ١٠٢٤)، و«اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ١٨ ط. المجمع).
(٤) في «الكافية الشافية» (١/ ٧٣٦ رقم ٣٣٧٥ - ٣٣٧٦ ط. المجمع).
[ ١٧٧ ]
وَكَذَلِكَ المَخْلُوقُ ذُو نَوْعَيْنِ مَحْ
سُوسٌ وَمَعْقُولٌ هُمَا شَيْئَانِ
وعلى ذلك: فما ذكره المؤلِّف من أن النُّور نوعان: حسيٌّ ومعنويٌّ؛ هو صحيحٌ ومعلوم؛ وهما نَوْعَا النُّورِ المخلوقِ؛ كما سبَقَ في كلامِ ابنِ القيِّم، وهذا يقتضي أنَّ معنى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾؛ أي: مُنوِّرُهما بالنُّورِ الحِسِّيِّ والمعنويِّ (^١):
بالنُّورِ الحسيِّ؛ وهو: ما خلَقَهُ فيهما مِنْ الأنوار؛ كالشمسِ والقمرِ والنجوم.
وبالنُّورِ المعنويِّ؛ وهو: هُدَاهُ الذي يجعَلُهُ في قلوبِ أنبيائِهِ وأوليائِهِ وملائكتِه.
هذا؛ وقد سمَّى الله وَحْيَهُ الذي بعَثَ به رسلَهُ: نُورًا وهدًى؛ قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨]، وقال في الوحيِ: ﴿وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، ونظائرُ هذا متعدِّدة؛ وهذا معنى ما جاء عن ابن عبَّاس؛ قال: «﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾؛ أي: هادي أهلِ السماواتِ والأرضِ»؛ كما ذكَرَهُ المؤلِّف ﵀ (^٢).
_________________
(١) وقد قُرئ شاذًّا: ﴿اللَّهُ مُنَوِّرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وقيل: هذا ورَدَ تفسيرًا عن الحسَن والضَّحَّاك. انظر: «تفسير البيضاوي» (٤/ ١٠٧)، و«تفسير أبي حيَّان» (٨/ ٤٢)، و«الدر المصون» (٨/ ٤٠٣)، و«معجم القراءات» (٦/ ٢٦٤).
(٢) وقد أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (٨/ ٢٥٩٣)، عن ابن عبَّاس. وانظر: «الدر المنثور» (١١/ ٦٠ - ٦١).
[ ١٧٨ ]
وقد جاء في السُّنَّةِ نظيرُ ما في آيةِ النور؛ قال ﷺ: «وَلَكَ الحَمْدُ؛ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ» (^١).
وإذا كان اللهُ مُنوِّرَ السماواتِ والأرضِ، والنُّورُ كمالٌ، فهو أحقُّ أن يكونَ النُّورُ صفةً له؛ إذْ كلُّ كمالٍ ثبَتَ للمخلوقِ لا نقصَ فيه، فالخالقُ أولى به، ومُعطِي الكمالِ أحقُّ به.
ولكنْ لم يثبُتْ أنَّ «النُّورَ» اسمٌ مِنْ أسمائِهِ تعالى؛ بَلِ الاسمُ الذي نطَقَ به الكتابُ والسُّنَّةِ: ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾؛ فيُدعَى بهذا الاسمِ؛ كما دعا به الرسول ﷺ.
وأمَّا قولُ المؤلِّف: (أو وصَفَ نفسَهُ بأنه نُورٌ):
فهذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّ لفظَ النُّورِ في الآيةِ مقيَّدٌ بالإضافةِ إلى السماواتِ والأرضِ؛ فلم يقُلْ تعالى: «اللهُ نُورٌ»، بل قال: ﴿نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، وتقدَّم معنى: نُورِ السماواتِ والأرضِ.
وهذا الاسمُ: «نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ»، نظيرُ: «رَبِّ السَّمَاوَاتِ والأرضِ»، و«قَيُّومِ السماواتِ والأرضِ»، لكنْ «قيُّوم» جاء في القرآنِ معرَّفًا غيرَ مضاف، وفي السُّنَّةِ جاء مضافًا وغيرَ مضاف، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٢٠)، ومسلم (٧٦٩)؛ من حديث ابن عباس ﵄.
[ ١٧٩ ]
التعليق (٧٧): مناقشة ابن جزي في تفسير قوله تعالى: ﴿وجد الله عنده﴾ ونفيه المعية المتضمنة للقاء الله؛ لأنه من نفاة العلو
(٧٧)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ﴾ [النور: ٣٩]، ضميرُ الفاعلِ في «وَجَدَ»: للكافر، والضميرُ في «عندَهُ»: لعمَلِهِ، والمعنى: وجَدَ اللهَ عندَهُ بالجزاءِ، أو وجَدَ زَبَانِيَةَ اللهِ) (^١).
قولُ المؤلِّفِ ﵀: (وجَدَ اللهَ عندَهُ بالجزاءِ)؛ أي: وجَدَ جزاءَ عمَلِهِ الذي أعدَّه اللهُ له:
هذا معنًى صحيحٌ؛ ولا يمنعُ أنْ يكونَ مِنْ معنى الآيةِ: أنَّ الكافرَ يَجِدُ اللهَ يومَ القيامةِ؛ أي: يَلْقَاهُ، فيوبِّخُهُ على كُفْرِه؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُون (٣٠)﴾ [الأنعام]، ولكن المؤلف لا يقرُّ هذه العنديةَ المتضمنةَ للقاء اللهِ؛ لأنَّ من ينفي العلوَّ، ويقول بأن الله في كلِّ مكانٍ لا يكون بعضُ المخلوقاتِ عندَه أو أقربَ إليه من بعضٍ، وهو ما يقتضيه مذهب المؤلف، كما تقدم في مواضع. والله أعلم.
_________________
(١) «التسهيل» (٣/ ٣٠٥ - ٣٠٦).
[ ١٨٠ ]