(٨٦)
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀:
(﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ الآيةَ [لقمان: ٢٧]؛ إخبارٌ بكثرة كلمات الله، والمراد: اتساع علمه) (^١).
قوله: (والمراد اتساع علمه): هذا صريح في تأويل كلمات الله بعلم الله، وهذا خلاف مذهب أهل السنة والجماعة، وهو الفرق بين علم الله، وكلام الله؛ فعلم الله صفة ذاتية ثابتة للرَّب أزلًا وأبدًا، ولا تتعلق بها المشيئة، وأما الكلام فصفة فعلية تتعلق بها المشيئة، أي: إنه تعالى يتكلم بما شاء إذا شاء، وكلماته سبحانه لا تحصى، ولا نهاية لها، كما تدل عليه الآية المذكورة في سورة لقمان، وآية الكهف: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف]، والذي يبدو أن المؤلف ومن قال بقوله حملهم على هذا التأويل - الذي هو في الحقيقة تحريف - الفرارُ من إثبات
_________________
(١) «التسهيل» (٣/ ٥١٠).
[ ٢٠١ ]
التعدد في كلام الله؛ لأنه خلاف أصل الأشاعرة في كلام الله، وهو أنه معنى نفسي واحد، لا تعدد فيه، وهو خلاف ما دلَّ عليه القرآن في آيتي الكهف ولقمان، كما يفيده لفظ الجمع في ﴿كَلِمَاتُ﴾، وكما في قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] بالجمع على إحدى القراءتين (^١).
إذا علم ما تقدم فالصواب أن الكلمات جمع كلمة، وكلمات الله كلُّها من كلامه، ومثل هذه الآيات من أدلة أهل السنة على إثبات كلام الله، وكما دل القرآن على التعدد في كلام الله فقد دلت السنة على ذلك في أحاديث عدة؛ مثل قوله ﷺ: «أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق» (^٢) وما أشبهه، وقوله في التسبيح الذي رغب فيه ﷺ: «ومداد كلماته» (^٣)، (^٤).
_________________
(١) ينظر: «السبعة في القراءات» (ص ٢٦٦)، و«النشر في القراءات العشر» (٢/ ٢٦٢).
(٢) أخرجه بنحوه مسلم (٢٧٠٨) عن خولة بنت حكيم ﵂.
(٣) أخرجه مسلم (٢٧٢٦) عن جويرية ﵂.
(٤) ينظر: التعليق رقم (٦٨).
[ ٢٠٢ ]