وأقوال العلماء في ذلك
واجب المسلم نحو السلف:
وقد أمرنا باقتفاء آثارهم، والاهتداء بمنارهم، وحذرنا المحدثات، وأخبرنا أنها من الضلالات، فقال النبي ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» .
_________________
(١) (أ) ما معنى اقتفاء آثارهم.. إلخ؟ (ب) وماذا يفيد قوله: "عليكم بسنتي"؟ (ج) وما السنة؟ (د) ومن المراد بالخلفاء هنا؟ (هـ) وما صفة العض عليها؟ (و) وما المحدثات؟ (ز) وكيف تكون المحدثة بدعة والبدعة ضلالة؟ (ح) وما درجة هذا الحديث؟
[ ٥١ ]
(أ) الاقتفاء هو: الاتباع وآثارهم: أفعالهم التي أثرت عنهم، أمرنا بأن نفعل ما فعلوا وندين بما دانوا.
والاهتداء: الاستدلال، والمنار: علم الطريق، أي: أمرنا بأن نستدل في سيرنا المعنوي بالأعلام التي نصبوها لنا في الطريق وهي: ما قالوه وفعلوه وخلفوه لمن بعدهم في العقائد والأعمال.
(ب) قوله: (عليكم بسنتي) يفيد الأمر بلزومها والتمسك بها واتباعها، وهذه الصيغة تفيد التحريض على الأمر بالشيء فإذا قلت: عليك بالجد والمواظبة، فهو أمر بذلك وتحريض عليه.
(ج) والسنة: الطريقة والمنهج والمراد: الأقوال والأفعال المأثورة عن الرسول ﵊ وخلفائه ﵃.
(د) المراد بالخلفاء الراشدين: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، وألحق بهم عمر بن عبد العزيز ﵁ لحسن سيرته، فهم الذين خلفوا الرسول ﷺ وقاموا مقامه وعملوا كما عمل، والرشد: الصلاح والاهتداء في السير والعمل وهو ضد الغواية.
(هـ) قوله: (عضوا عليها) أي: تصلبوا في التمسك بها، كما يتمسك العاض على الشيء بجميع أضراسه والنواجذ: أقاصي الأسنان.
[ ٥٢ ]
(و) (وإياكم ومحدثات الأمور) أي: ابتعدوا عنها وهذه الصيغة تفيد التنفير عن الشيء فإذا قلت: إياك والكسل، وإياك والبطالة، فالمعنى: احذر ذلك وابتعد عنه، والمحدثات: كل ما ليس له أصل في الدين مما يحدثه الناس بالأهواء والآراء.
(ز) (فإن كل محدثة بدعة): هذا تفسير للكلمة بما يوضحها، فإنه لما اشتهر النهي عن البدع في الدين والزيادة فيه بعد أن أكمله الله وجاء التحذير عن المبتدعين، فسر هنا المحدثة التي نهى عنها بأنها تكون بدعة ثم أخبر بأن البدعة ضلالة، أي: ذهاب عن الحق، وضياع في الدين وسلوك لسبيل الضالين.
(ح) والحديث صحيح فقد رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه، وهو أحد الأربعين النووية.
[ ٥٣ ]
١ - قول ابن مسعود في هذا الباب:
وقال عبد الله بن مسعود ﵁: " اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم".
_________________
(١) (أ) ما مراد ابن مسعود بالاتباع والابتداع؟ (ب) وماذا كفوا في قوله: فقد كفيتم؟ (أ) أي: اتبعوا سنن الرسول وخلفائه، وسيروا على نهجهم، ولا تبتدعوا في الدين وتزيدوا فيه من قبل أنفسكم باستحسان عقولكم، فتضيفون إليه بعد كماله ما ليس منه. (ب) (فقد كفيتم) أي: كفاكم الرسول وخلفاؤه الاستحسان، وأراحوكم من الرأي والنظر. وهذا الأثر والحديث قبله دلالتهما ظاهرة في الأمر باتباع السلف وتقليدهم، سواء في الأصول والعقائد أو في الفروع.
[ ٥٤ ]
٢ - قول عمر بن عبد العزيز في هذا الباب:
وقال عمر بن عبد العزيز ﵁ كلاما معناه: قف حيث وقف القوم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى؛ فلئن قلتم: حَدَثَ بعدهم؛ فما أحدثه إلا من خالف هديهم، ورغب عن سنتهم، وقد وصفوا منه ما يشفي، وتكلموا منه بما يكفي، فما فوقهم محسِّر، وما دونهم مقصِّر، لقد قصر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم.
_________________
(١) (أ) من يريد بالقوم المذكورين؟ (ب) وما وقوفهم عن علم؟ (ج) وعن أي شيء كفوا؟ (د) وما مراده بالبصر النافذ؟ (هـ) وما مرجع الضمير في كشفها؟ (و) وما مراد من قال: حدث بعدهم؟ (ز) وما وصفهم وكلامهم بما يشفي ويكفي؟ (ح) وما المحسر والمقصر والجافي والغالي؟
[ ٥٥ ]
(أ) هذا كلام جليل القدر، يدل على قوة المعرفة بالله، وبدينه، وبحملة الدين، ففيه الأمر بالتمسك بالسنة، واتباع طريق السابقين الأولين، وفيه النهي عن الخوض في الدين بغير علم؛ سواء في العقائد أو في العبادات؛ ومراده بالقوم الصحابة، وعلماء التابعين.
(ب) ووقوفهم: هو تركهم الخوض في المتشابه، ونهيهم عن السؤال والبحث في أمور الغيب بمجرد الظن والتخمين، وقد ابتلي بهذا أهل الكلام حتى صار من أسباب خطئهم وضلالهم، فالصحابة والتابعون وقفوا عن علم، حيث علموا ما في البحث عنها من الخطر وعلموا قصر الإنسان، وضعفه عن إدراك أمور الغيب، وعلموا أنما يهمهم معرفة أمور العبادات والأعمال.
(ج) وقوله: (كفوا) أي: صدوا ومالوا عن الكلام فيما لا يعنيهم، وما حجبوا عنه.
(د) ومراده بالبصر: البصيرة؛ وهي: نظر القلب، والنافذ: الثاقب القاطع للمبصرات، أي: أن السلف كفوا عن الخوض في البدع والكلام، وما لم يطلعهم الله عليه وكان انكفافهم عن بصيرة ويقين، لا عن ظن وتخمين.
(هـ) (ولهم على كشفها) أي: كشف الأمور المبتدعة، كالقدر، والإرجاء، والتعطيل للصفات ونحوها، واللام قبل الضمير موطئة للقسم.
[ ٥٦ ]
أي: هم أقدر وأقوى على إظهارها، وكشف معانيها، وأحرى بذلك، وأحق بالحصول عليه لو كان فيه فضل، فلما كفوا عنها مع قدرتهم دل على أن لا خير في بحثها، فالوقوف حيث وقفوا أولى بمن أراد نجاة نفسه.
(و) فإن قيل: إنها تجددت بعدهم، وأنهم لم يتوسعوا في العلم، ولو بحثت في وقتهم وظهرت لتكلموا فيها!!
فالجواب: إن الذين أحدثوها لا يقاسون بالصحابة، ولا يدانونهم في العلم ولا في الفضل، وإحداثهم لهذه البدع دليل على أنهم قد زاغوا عن السبيل، وخالفوا هدي الصحابة، رغبة عن سنتهم، ورضوا لأنفسهم أن يسلكوا غير سبيلهم: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ .
(ز) (وقد وصفوا منه ما يشفي وتكلموا منه بما يكفي) أي: لم يخف عليهم هذا الأمر الذي قيل إنه متجدد بعدهم، بل قد علموه، ولكنهم سكتوا عما لا يعنيهم، واشتغلوا بما لهم فيه فائدة، فوضحوه وتكلموا بما فيه الكفاية لمن أراد الله هدايته، وتكلموا أيضا في تلك الأمور المبتدعة، فنهوا عن الخوض في القدر، وحذروا من القدرية، والخوارج، والمعطلة ونحوهم.
(ح) (فما فوقهم محسر، وما دونهم مقصر) أي: من تجاوزهم وتكلم
[ ٥٧ ]
بما سكتوا عنه حسر وعجز، وانتهى إلى الحيرة والشك، كما حدث لبعض كبار المتكلمين، ومن تجاهل علمهم وترك ما بحثوا فيه فهو مقصر أي: ناقص المعرفة.
والجفاء: هو التنقص والاحتقار للدين، وذلك فيمن ترك شيئا من علومه الواجبة.
والغلو هو مجاوزة الحد، كالتدخل فيما لا يعني الإنسان، وخير الأمور أوساطها، وهو الصراط المستقيم.
[ ٥٨ ]
قول الإمام الأوزاعي في هذا الباب
٣ - قول الإمام الأوزاعي في هذا الباب: وقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي ﵁: عليك بآثار من سلف، وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوه لك بالقول.
_________________
(١) (أ) من الأوزاعي؟ (ب) وماذا يفيده أول كلامه؟ (ج) وما رفض الناس؟ (د) وما الآراء؟ (هـ) وكيف زخرفتها؟ (أ) الأوزاعي هو إمام الشام أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو، من كبار تابع التابعين، مات سنة ١٥٧ هـ، وهذا الأثر عنه مشهور، كما في تذكرة الحفاظ: (١\١٨٠) . (ب) ويفيد قوله: (عليك بآثار من سلف) لزومها والتمسك بها، والآثار: ما أثر عنهم من أقوال وأفعال، قي العقائد، والعبادات. والمراد بمن سلف: الصحابة وأجلاء التابعين. (ج) ورفض الناس للإنسان: أن يمقتوه، ويعيبوا فعله، فإن أغلب الناس يميلون مع كل مستحدث جديد، ويمقتون من تمسك بسنة الأقدمين،
[ ٥٩ ]
ويرمونهم بالرجعية والتقهقر والتزمت إلخ. مما هم بريئون منه.
(د) وآراء الرجال: تخرصاتهم، واستحساناتهم التي قالوها بمجرد النظر والظن، مع مخالفتها للدليل، أي: اتركها وابتعد عنها.
(هـ) والزخرفة: الزينة والصبغة الجميلة ظاهرا، وأصل الزخرف: الذهب، ثم شبه به كل مموه ومزور، أي: لا تقبل أفكارهم وآراءهم، ولو بالغوا في تحسينها وتحليتها إلى المسامع، وأكثروا لها من تعليل، مادامت مخالفة للحق، ودلالة الأثر في أمر الأوزاعي ﵀ باتباع آثار السلف الصالح، في العقائد والأعمال، ونهيه عن بدع المبتدعين.
[ ٦٠ ]
قول الإمام الأدرمي في هذا الباب
٤ - قول الإمام الأدرمي في هذا الباب: وقال محمد بن عبد الرحمن الأدرمي لرجل تكلم ببدعة، ودعا الناس إليها: هل علمها رسول الله ﷺ، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي أو لم يعلموها؟ قال: لم يعلموها. قال: فشيء لم يعلمه هؤلاء أعلمته أنت؟ قال الرجل: فإني أقول: قد علموها. قال: أفوسعهم أن لا يتكلموا به، ولا يدعوا الناس إليه أم لم يسعهم؟ قال: بلى وسعهم. قال: فشيء وسع رسول الله ﷺ وخلفاءه لا يسعك أنت، فانقطع الرجل، فقال الخليفة -وكان حاضرا: لا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم.
وهكذا من لم يسعه ما وسع أصحاب رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، والأئمة من بعدهم، والراسخين في العلم، من تلاوة آيات الصفات، وقراءة أخبارها، وإمرارها كما جاءت فلا وسع الله عليه.
_________________
(١) (أ) ماذا يفيده كلام الأدرمي هذا؟ (ب) وما تلك البدعة؟ (ج) ومن ذلك المبتدع؟ (د) وأي خليفة عنده؟ (أ) هذه مناظرة بليغة قاطعة من جهة النظر، وقد ذكرت في كتب التأريخ والتراجم، والعقائد وغيرها، وفي أكثر الروايات ما سمي الأدرمي، وإنما ذكروا أنه جيء به موثقا لتعذيبه، وسمي في بعضها عبد الله بن محمد.
[ ٦١ ]
والصواب ما هنا.
(ب) وتلك البدعة هي القول بخلق القرآن.
(ج) والمبتدع هو: أحمد بن أبي دؤاد فهو الذي زين للخلفاء امتحان أهل السنة، وإلزامهم بهذا القول، فامتحن الإمام أحمد وغيره، وضربوا، وحبسوا، حتى نصرهم الله. وأول من هم بالمحنة الخليفة المأمون فمات قبل التمكن منها، ونفذها بعده أخوه المعتصم ثم بعده الواثق.
(د) والمراد بالخليفة هنا هو: الواثق.
ودلالة هذا الأثر واضحة هنا في وجوب السير على آثار السلف، وترك البدع التي أحدثت بعدهم، فإنهم لو جهلوها لكان الدين ناقصا في وقتهم، وذلك ينافي قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ .
وفي بعض ألفاظ هذه المناظرة أنه قال لابن أبي دؤاد: فيا لكع بن لكع، يجهل رسول الله ﷺ وخلفاؤه شيئا، وتعلمه أنت؟ فإنه من المستقر في عقائد المسلمين تفضيل الرسول ﵊، وخلفائه الراشدين على من بعدهم، في العلم، والدين، وسائر صفات الفضل؛ وحيث أن الرسول ﵊ قد بين وبلغ ما أوحي إليه، ولم يكتم منه شيئا، ولم ينزل بعده وحي، وحيث أن أصحابه قد ورثوا سنته، وقاموا بتبليغها بعده؛ فمن المحال أن يكون من بعدهم خيرا منهم في هذه الأمور
[ ٦٢ ]
وعلى فرض أنهم علموا هذه العلوم التي يخوض فيها من بعدهم، واعتقدوها حسب اعتقاد هؤلاء المبتدعة، فإنهم لم يلزموا الناس باعتقادها، ولم يدعوهم إليها، فلا وسع الله على من لم يسعه ما وسعهم، وحينئذ فقد وسع الرسول ﷺ، والصحابة، والتابعين لهم بإحسان قراءة آيات الصفات، والإقرار بها، وإمرارها كما جاءت بلا كيف فمن لم يسعه ذلك فلا وسع الله عليه.
[ ٦٣ ]