[ ١٧ ]
القاعدة الأولى:
أسماء الله تعالى كلها حسنى (١)
أي: بالغة في الحُسْنِ غايته، قال الله تعالى: " وَلِلَّهِ الأسماء الْحُسْنَى " [الأعراف: ١٨٠]، وذلك لأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه، لا احتمالًا ولا تقديرًا.
* مثال ذلك: (الحي) اسم من أسماء الله تعالى، متضمن للحياة الكاملة التي لم تُسْبَق بعدم، ولا يلحقها زوال. الحياة المستلزمة لكمال الصفات من: العلم، والقدرة، والسمع، والبصر، وغيرها.
* ومثال آخر: (العليم) اسم من أسماء الله، متضمن للعلم الكامل، الذي لم يُسْبَق بجهل، ولا يلحقه نسيان، قال الله تعالى: " عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى " [طه: ٥٢]. العلم الواسع المحيط بكل شيء جملةً وتفصيلًا، سواء ما يتعلق بأفعاله، أو أفعال خلقه، قال الله تعالى: " وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ " [الأنعام: ٥٩]. " وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ " [هود: ٦]،
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/ ١٤١)، منهاج السنة (٥/ ٤٠٩)، بدائع الفوائد (١/ ٢٨٧).
[ ١٩ ]
" يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ " [التغابن: ٤].
* ومثال ثالث: (الرحمن) اسم من أسماء الله - تعالى -، متضمن للرحمة الكاملة، التي قال عنها رسول الله - ﷺ -: " لله أرحم بعباده من هذه بولدها " (١) يعني: أم صبي وجدته في السبي فأخذته وألصقته ببطنها وأرضعته، ومتضمن - أيضًا - للرحمة الواسعة التي قال الله عنها: " وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ " [الأعراف: ١٥٦]، وقال عن دعاء الملائكة للمؤمنين:" رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا " [غافر: ٧].
والحُسْنُ في أسماء الله - تعالى - يكون باعتبار كل اسم على انفراده، ويكون باعتبار جمعه إلى غيره، فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمالٌ فوق كمالٍ.
* مثال ذلك: (العزيزُ الحكيم) فإن الله - تعالى - يجمع بينهما في القرآن كثيرًا؛ فيكون كلٌ منهما دالًا على الكمال الخاصِّ الذي يقتضيه، وهو العزة في العزيز، والحُكْمُ والحِكْمَةُ في الحكيم، والجمع بينهما دالٌ على كمالٍ آخر وهو أن عزته - تعالى - مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظلمًا وجورًا وسوء فعل، كما قد يكون من أَعِزَّاء المخلوقين، فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم، فيظلم ويجور ويسيء التصرف؛ وكذلك حُكْمُهُ - تعالى - وحكمته مقرونان بالعز الكامل بخلاف حكم المخلوق وحكمته، فإنهما يعتريهما الذُّل.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥٩٩٩)، ومسلم (٢٧٥٤) من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -.
[ ٢٠ ]
التعليق
أخبر الله - تعالى - بأن له الأسماء الحسنى: " ولله الأسماء الحسنى " [الأعراف: ١٨٠] في مواضع من القرآن (١)، ففي ذلك دلالة على:
١ - أنَّ له أسماء.
٢ - وأن هذه الأسماء حسنى.
وحسنى أفعل تفضيل، لأن أهل اللغة يقولون: حسنى مؤنث أحسن (٢)، فأسماؤه حسنى، وهذا أكمل من أن يقال: إن أسماءه حسنة، لأن هذا لا يعطي معنى حسنى، فحسنى تدل على الحسن وكماله، فأسماؤه أحسن الأسماء، فلا بد أن يكون حسنها هو الغاية التي ليس فوقها غاية.
وفي هذه الآية رد على:
١ - الجهمية؛ نفاة الأسماء مطلقًا.
٢ - وعلى المعتزلة؛ نفاة المعاني الذين ينفون معاني الصفات، لأنها إذا كانت لا تدل على صفات لم تكن حسنى، أفتكون حسنى لألفاظها فقط؟!
فعند الجهمية هذه الأسماء التي في القرآن وفي السنة ليست أسماءً لله، وإضافتها إليه مجاز، وهي أسماء لبعض المخلوقات.
وعند المعتزلة: هي أسماء لله، لكن لا تدل على معان، فعلى مذهبهم لا فرق بين عزيز وحكيم ورحيم وقدير، فكلها تدل على الذات، ولا تدل على إثبات صفات، ولهذا يقال: إنها على مذهبهم أعلام محضة، بمعنى: خالصة،
_________________
(١) سبقت الإشارة إليها في صفحة (١٦).
(٢) لسان العرب (١٣/ ١١٦)، النحو الوافي (٣/ ٤١٣)، وانظر: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى (٣١١)، وأسماء الله الحسنى للغصن (٦٧).
[ ٢١ ]
فإن الاسم:
١ - تارة يكون عَلَمًا محضًا.
٢ - وتارة يكون صفةً.
٣ - وتارة يكون عَلَمًا وصفةً.
فمثال الأول: الإنسان الذي اسمه صالح وليس فيه من الصلاح شيء؛ فصالح بالنسبة له عَلَمٌ محض.
ومثال الثاني: الرجل الذي اسمه محمد وهو رجل صالح، نقول: محمدٌ صالح، فصالح صفة وليس بِعَلَم.
ومثال الثالث: إذا اجتمع الوصف والعلمية؛ كما في اسم الرسول محمد، فمحمد اسم نبينا - ﵊ - هو عَلَمٌ وصفة، ليس هو مثل مَنْ يُسمى مِنْ سائر الناس، فمحمد كما يسمى به بعض الناس هذا عَلَمٌ عليه فقط، لكن بالنسبة لنبينا هو علم وصفة، فهو عَلَم دال على شخصه الكريم، ويدل على ما يتصف به من كثرة المحامد، فمحمد اسم مفعول من حُمِّد، فهو كثيرًا ما يحمد لكثرة محامده - ﵊ -، وضد محمد: مذمم؛ كما يفتري المشركون ويسبون الرسول ويقولون عنه: مذمم، وهو محمد - ﵊ - (١)، وسيأتي توضيحٌ أكثر لهذه المسألة (٢).
_________________
(١) أخرج البخاري في صحيحه (٣٥٣٣) عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريشٍ ولعنهم؟! يشتمون مذممًا ويلعنون مذممًا، وأنا محمد ". وانظر في معنى الحديث: مجموع الفتاوى (١٦/ ٦٠١)، والصارم المسلول (٢/ ٣١٨)، وشروح الصحيح.
(٢) في صفحة ().
[ ٢٢ ]
فأسماء الله - إذن - أعلام وصفات، ومثل هذه يقول أهل العلم: إنها متحدة من وجه ومختلفة من وجه (١)، فيصح أن تقول: العزيز هو الحكيم، والحكيم هو الرحيم، ويصح أن تقول: إن العزيز غير الحكيم، والحكيم غير الرحيم؛ فهي متحدة في دلالتها على الذات، فالمسمى واحد والصفات مختلفة.
والشيخ أوضح معنى كونها حسنى بما ذكره من الأسماء: كالحي والعليم والرحمن والعزيز والحكيم، فكل اسم متضمن لصفة؛ فمثلًا: الحياة هذه الصفة كاملة في حق الله لكنها في حق المخلوق حياة ناقصة مسبوقة بعدم وملحوقة بالموت، وأما حياة الرب فهي حياة كاملة؛ ولهذا نقول: إنها واجبة له تعالى " وتوكل على الحي الذي لا يموت " [الفرقان: ٥٨] " لا تأخذه سنة ولا نوم " [البقرة: ٢٥٥].
وهكذا اسمه العليم؛ فهو يدل على العلم المحيط بكل شيء من صغير وكبير مما كان وما يكون وما لا يكون لو كان كيف يكون.
وهو - ﷾ - الرحمن الرحيم؛ وهو أرحم الراحمين، وهو أرحم من الوالدة بولدها.
_________________
(١) انظر القاعدة الثانية من قواعد الأسماء وما ذكر هناك من مراجع، ومعتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى (٣٣٣).
[ ٢٣ ]
القاعدة الثانية:
أسماء الله - تعالى - أعلام وأوصاف (١)
أعلام باعتبار دلالتها على الذات.
وأوصاف باعتبار ما دلت عليه من المعاني.
وهي بالاعتبار الأول: مترادفة لدلالتها على مسمى واحد، وهو الله - ﷿ -.
وبالاعتبار الثاني: متباينة لدلالة كل واحد منهما على معناه الخاص فـ (الحي، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم)، كلها أسماء لمسمى واحد، وهو الله - ﷾ - لكن معنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير وهكذا.
وإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف:
١ - لدلالة القرآن عليه؛ كما في قوله تعالى: " وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " [يونس: ١٠٧]، وقوله: " وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَة " [الكهف: ٥٨]، فإن الآية الثانية دلت على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة.
٢ - ولإجماع أهل اللغة والعُرْف أنه لا يقال: عليم إلا لمن له
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٠٦)، شرح العقيدة الأصفهانية (١٣٩ وما بعدها)، جواب الاعتراضات المصرية (ص ١٢٩)، بدائع الفوائد (١/ ٢٨٥)، توضيح مقاصد العقيدة الواسطية (١٠٥)؛ وانظر: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى (٣٣١ مهم).
[ ٢٤ ]
علم، ولا سميع إلا لمن له سمع، ولا بصير إلا لمن له بصر، وهذا أمر أَبْيَنُ من أن يحتاج إلى دليل.
وبهذا عُلِمَ ضلالُ من سلبوا أسماء الله - تعالى - معانيها من أهل التعطيل وقالوا: إن الله - تعالى - سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعزيز بلا عزة وهكذا .. وعللوا ذلك: بأن ثبوت الصفات يستلزم تعدد القدماء. وهذه العلة عليلة؛ بل ميتة لدلالة السمع (١) والعقل على بطلانها.
أما السمع: فلأن الله - تعالى - وصف نفسه بأوصاف كثيرة، مع أنه الواحد الأحد، فقال تعالى: " إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ* إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ* وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ* ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ* فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ " [البروج]، وقال تعالى: " سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى* وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى* وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى* فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى " [الأعلى]؛ ففي هذه الآيات الكريمة أوصاف كثيرة لموصوف واحد، ولم يلزم من ثبوتها تعدد القدماء.
وأما العقل: فلأن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف، حتى يلزم من ثبوتها التعدد، وإنما هي مِنْ صفات مَن اتصف بها، فهي قائمة به، وكل موجود فلا بُدَّ له من تعدد صفاته، ففيه صفة الوجود، وكونه واجب الوجود، أو ممكن الوجود، وكونه عينًا قائمًا بنفسه أو وصفًا في غيره.
وبهذا - أيضًا - عُلِمَ أن: (الدهر) ليس من أسماء الله - تعالى -؛
_________________
(١) قال المؤلف - ﵀ -: السمع هو: القرآن والسنة، وسيمر بك هذا التعبير كثيرًا فانتبه له. اهـ قلت: قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - كما في جامع المسائل (المجموعة الخامسة / ص ١٩٣): وهذه الطرق الثلاثة: السمع، والبصر، والعقل = هي طرق العلم.
[ ٢٥ ]
١ - لأنه اسم جامد لا يتضمن معنى يُلحقه بالأسماء الحسنى.
٢ - ولأنه اسم للوقت والزمن، قال الله - تعالى - عن منكري البعث: " وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ " [الجاثية: ٢٤] يريدون مرور الليالي والأيام.
فأما قوله - ﷺ -: " قال الله - ﷿ -: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" (١)، فلا يدل على أن الدهر من أسماء الله - تعالى -؛ وذلك أن الذين يسبون الدهر إنما يريدون الزمان الذي هو محل الحوادث، لا يريدون الله - تعالى -، فيكون معنى قوله: " وأنا الدهر " ما فسره بقوله: " بيدي الأمر أقلب الليل والنهار "، فهو - سبحانه - خالق الدهر وما فيه، وقد بين أنه يقلب الليل والنهار، وهما الدهر، ولا يمكن أن يكون المقلِّب (بكسر اللام) هو المقلَّب (بفتحها)، وبهذا تبين أنه يمتنع أن يكون الدهر في هذا الحديث مرادًا به الله - تعالى -.
التعليق
تقدمت الإشارة إلى أَنَّ أسماء الله متضمنة لصفات (٢)، والأدلة على ذلك كثيرة - كما قال الشيخ -،
١ - تقدم منها قوله: (حسنى) فإن وصْفها بأنها حسنى يدل على
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٨٢٦) وفي مواضع أخر، ومسلم (٢٢٤٦) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) في صفحة ().
[ ٢٦ ]
أنها مشتملة على معانٍ عظيمة، ودالة على صفات كمال، إذ لو كانت ألفاظًا مجردة لا تدل على معانٍ لما كانت حسنى.
٢ - أن الله - تعالى - يذكر هذه الأسماء متمدحًا بها، والاسم العَلَم الذي لا يدل على معنى لا مدح فيه، إنما المدح بما يتضمنه من المعاني.
٣ - ذِكْرهُ - سبحانه - للأسماء تعليلًا لأحكامه الكونية والشرعية والجزائية دليلٌ على تضمنها لمعانٍ تناسب هذه الأحكام وأنها مقتضيةٌ لها، وهذا كثير في القرآن، اقرأ قوله - تعالى -: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم " [المائدة: ٣٨] تجده مناسبًا لما قبله من الحكم بقطع يد السارق، وبعدها: " فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم " [المائدة: ٣٩]، وقبلها: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم " [المائدة: ٣٤].
ولو كانت أعلامًا محضة لا تدل على معانِ لَمَا كان لهذه الأسماء مناسبة لِمَا خُتِمَت به، ولما كان هناك فرق بين ما ذُكِرَ في الآية وبين أن تقول: إن الله يتوب على من تاب، لأنه شديد العقاب! أو بدل " والله عزيز حكيم " تقول: " إن الله لطيف خبير "، فالتذييل بهذه الأسماء لِمَا ذكره الله من أحكامه الشرعية أو الكونية أو الجزائية دليل على تضمنها لمعان، وهذا الأمر - كما قال الشيخ - أوضح وأجلى من أن يحتاج إلى تطويل في البحث عن دليلٍ له.
والقاعدة التي ذكرها الشيخ -﵀ - راجعة إلى قضيةِ تَضَمُّنِ الأسماءِ للصفات (١)، فهي أعلام وأوصاف. أعلامٌ لدلالتها على ذات الرب،
_________________
(١) شرح الرسالة التدمرية (٧٩ - ٨٠).
[ ٢٧ ]
وأوصاف لدلالتها على المعاني؛ فليست أعلامًا محضة - كما تقوله المعتزلة -، وليست مجرد صفات؛ بل هي صفات وأعلام.
والاسم المشتق في اللغة العربية يدل على صفة وموصوف؛ فإذا قلت: (الكاتب) دلَّ على صفة الكتابة وعلى من اتصف بها، فتدل على المعنى وتدل على من قام به ذلك المعنى؛ لكن قد يكون هذا اللفظ عَلَمًا عليه، وقد تكون مجرد إخبارٍ باتصافه بتلك الصفة.
لكن أسماء الله:
١ - أعلام - يعني أسماء له دالة عليه -،
٢ - وهي صفات.
يقول الشيخ: إنها باعتبار دلالتها على الذات مترادفة، والمترادف هو: ما تعدد لفظه واتحد معناه، كما يذكرون في اللغة أن الأسد له عدد من الأسماء وكلها تدل على هذا الجنس، ولكن في الحقيقة أن الترادف المحض - الترادف الحقيقي - لا يكاد يوجد في اللغة؛ بل الموجود في اللغة هو هذا النوع: أسماء متحدة من وجه مختلفة من وجه؛ فأسماء السيف والأسد وأسماء الخمر عند أهل الجاهلية تدل على صفات ومعان يقصدونها، فأسماء السيف - مثلًا - متحدة من وجه، فيقال للسيف: الصارم، والمهند، والحسام، والفيصل، والبتار وغير ذلك، وكلها باعتبار أشياء تنسب إليها، فمهند نسبة للهند، وحسام باعتبار الحسم؛ وهكذا أسماء الله - تعالى - باعتبار دلالتها على الذات هو مسمى واحد، فتقول: العزيز هو: الرحيم، وهو الحكيم، وهو السميع، وهو البصير. وتقول: إن السميع غير البصير، والحي غير القيوم، واللطيف غير الخبير، والعزيز غير الحكيم باعتبار المعاني، فهي متحدة في الذات مختلفة في الصفات.
فلا يقال إن أسماء الله متباينة، ولا يقال إنها مترادفة؛ بل لا بد من
[ ٢٨ ]
التفصيل، فتقول: هي مترادفة في دلالتها على الذات، متباينة في دلالتها على الصفات؛ وهذا النوع قد يعبر عنه بالأسماء المتكافئة (١).
وذكر شيخ الإسلام أن أسماء الرسول كذلك، فأسماء الرسول: محمد وأحمد والماحي والحاشر والبشير النذير - ﷺ - هي أسماء لشخصه الكريم وهي صفات - أيضًا - فأسماء الرسول هي أعلام وصفات (٢).
فمحمد عَلَمٌ، وهو أشهر أسمائه - ﵊ -، ولكنه علم وصفة، ليس علمًا محضًا كما هي حال من يُسَمَّى بهذا الاسم، لأن أصل محمد هو مَنْ كَثُرَ حَمْدُ الغيرِ له، فمحمد اسم مفعول من حُمِّد، وحُمِّد أبلغ من حُمِدَ، فالرسول - ﵊ - محمد من حُمِّد يدل على كثرة حامديه وكثرة حمدهم له، لكثرة صفاته ومحامده - ﵊ - فهو عَلَمٌ وصفة؛ فأسماء الله - كذلك - أعلام وصفات، هذه هي القاعدة والأمر فيها واضح - ولله الحمد والمنة -.
ثم ختم الشيخ بالتنبيه على ما قيل من أنَّ (الدهر) اسم من أسماء الله، وهذا غلط؛ والصواب: أن الدهر ليس من أسماء الله (٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٥٩)، الرد على الشاذلي (ص ١٢٢)، جامع المسائل (المجموعة الرابعة / ص ٤١٤)، شرح الرسالة التدمرية (٢٨٧، ٢٩٢).
(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٥٩ وَ٧/ ١٨٦، ٥٧٤ وَ١٣/ ٩، ٣٣٤، ٣٨٢)، الرد على الشاذلي (ص ١٢٢)، وقال في جواب الاعتراضات المصرية (ص ١٣١): ولهذا كان من أسماء هذا الرسول: محمد، وأحمد، والماحي ونحو ذلك من الأسماء التي يختصُّ هو بمعاني بعضها، ويختصُّ بكمال معاني باقيها، فليس في الرسل مَنْ يُسَمَّى بأسمائه مطلقًا، وإنْ كانَ يَشركه في بعض إطلاق بعض أسمائه عليه لمشاركته له في بعض معانيها. وانظر: شرح الرسالة التدمرية (١٧، ٢٨٨ - ٢٨٩)، شرح العقيدة الطحاوية (٨٥).
(٣) أطال ابن تيمية - ﵀ - الكلام في هذا في مجموع الفتاوى (٢/ ٤٩١ - ٤٩٥)، وبيان تلبيس الجهمية (١/ ١٢٤). وقد ذهب ابن حزم - ﵀ - إلى أنَّ (الدهر) اسمٌ من أسماء الله، وجمع الدكتور محمد بن خليفة التميمي - حفظه الله - في كتابه (معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى) (ص ١٢١ - ١٣٩) ملخصًا لثمانية عشر جمعًا للأسماء الحسنى، ولم يَنْسِب (الدهر) إلا إلى ابن حزم. وقد عزا شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - كما في المجموع (٢/ ٤٩٤) هذا القول إلى: نعيم بن حماد، وطائفة من أهل الحديث، والصوفية؛ وقد بحثت عن إسناد رواية نعيم فلم أعثر عليه.
[ ٢٩ ]
وقوله في الحديث: " وأنا الدهر " لا يريد أنه نفسه هو الدهر، وأن الدهر اسم من أسمائه؛ بل يفسره قوله: " بيدي الأمر أقلب الليل والنهار " فالله هو المتصرف في الزمان، هو خالق الليالي والأيام، وهو المتصرف فيها بما شاء، فكذب الذين يقولون: " وما يهلكنا إلا الدهر " [الجاثية: ٢٤]، والله أعلم.
وهنا شبهة للمعتزلة نفاة الصفات يقولون: إن إثبات عِلْمٍ قديم، وسمع قديم، وبصر قديم يستلزم تعدد القدماء، وأخص أوصاف الإِله القِدَم فيلزم من ذلك تعدد القدماء. ويقولون: القديم واحد والإله واحد، فلا يوصف بالقدم المطلق إلا واحد، فإذا أثبتنا عددًا من هذه المعاني فقد أثبتنا قدماء، فيلزم من ذلك تعدد الإله - وهذه شبهة شيطانية - (١).
والجواب عنها - مثل ما قال الشيخ -: إن تعدد الصفات لا يستلزم تعدد الإله، لأن الإله بصفاته واحد. وقولهم هذا باطل في العقل؛ فهل يقال لمن تعددت صفاته من المخلوقات إنه أشياء كثيرة؟! فالإنسان الذي له عدة صفات هل يكون بتلك الصفات أعدادًا كثيرة؟! هو واحد بصفاته وأقل ما يقال من صفات الإنسان: شيء موجود، قائم بنفسه، ممكن، وهو بهذه المعاني شيء واحد؛ فإثبات الصفات وإن كانت قديمة لا يلزم منها تعدد الإله، لأنها تابعة له قائمة به ليست أشياء مستقلة، ولهذا حَرُمَ نداء الصفة، ونص العلماء على أنه لا يجوز أن تقول: يا رحمة الله، يا
_________________
(١) انظر: شرح الرسالة التدمرية (٣٣٨ وما بعدها).
[ ٣٠ ]
عزة الله، يا قدرة الله (١)؛ لأن هذا يقتضي أن رحمة الله شيء قائم بنفسه يسمع ويخاطَب ويدعا ويرجى؛ بل يقال: يا الله أسألك برحمتك، فيجعل الرحمة وسيلة، ويتوسل إلى الله بصفته - والله أعلم -.
_________________
(١) ذهب شيخ الإسلام - ﵀ - كما في تلخيص الاستغاثة (ص ٨٠) إلى كفر من دعا صفات الله وكلماته، وذكر أنَّ هذا باتفاق المسلمين. وقد سئل الشارح - حفظه الله - السؤال الآتي: ورد أن النبي - ﷺ - قال: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث". فهل يجوز الاستغاثة بصفات الله، ودعاؤه بصفاته كما ورد في هذا الحديث؟ فأجاب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فقوله - ﷺ - في الحديث: " برحمتك أستغيث " هذا من قبيل التوسل لا من قبيل دعاء الصفة، مثل: أسألك يا الله برحمتك، وفي دعاء الاستخارة: " أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك " صحيح البخاري (١١٦٦)، ومثله الاستعاذة بالصفة، كقوله - ﷺ -: " أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك " صحيح مسلم (٤٨٦)، وكقوله - ﷺ -: " أعوذ بكلمات الله التامات " صحيح مسلم (٢٧٠٨). كل هذا من نوع التوسل إلى الله بصفاته، وهو من التوسل المشروع، وأما دعاء الصفة فلم يرد في الأدعية المأثورة، ولا يمكن أن يكون مشروعًا؛ لأن دعاء الصفة كقولك: يا رحمة الله، يا عزة الله، يا قوة الله. تقتضي أن الصفة شيء مستقل منفصل عن الله يسمع ويجيب، فمن اعتقد ذلك فهو كافر، بل صفات الله قائمة به، وليس شيء منها إله يدعى، بل الله بصفاته إله واحد، وهو المدعو والمرجو والمعبود وحده لا إله إلا هو؛ والله أعلم. المصدر: http://albarrak.islamlight.net/index.php?option=com_ftawa&task=view&id=30938&catid=&Itemid=35 وانظر: فتاوى اللجنة الدائمة ()، ومجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين (٢/ ١٦٤ - ١٦٥).
[ ٣١ ]
القاعدة الثالثة:
أسماء الله تعالى إن دلت على وصف متعد، تضمنت ثلاثة أمور (١):
أحدها: ثبوت ذلك الاسم لله - ﷿ -.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله - ﷿ -.
الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها.
ولهذا استدل أهل العلم على سقوط الحد عن قطاع الطريق بالتوبة، استدلوا على ذلك بقوله تعالى: " إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " [المائدة: ٣٤]؛ لأن مقتضى هذين الاسمين أن يكون الله - تعالى - قد غفر لهم ذنوبهم، ورحمهم بإسقاط الحدِّ عنهم.
* مثال ذلك: (السميع) يتضمن إثبات السميع اسمًا لله - تعالى -، وإثبات السمع صفة له، وإثبات حكم ذلك ومقتضاه وهو: أنه يسمع السر والنجوى؛ كما قال تعالى: " وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ " [المجادلة].
وإن دلت على وصف غير متعد تضمنت أمرين:
أحدهما: ثبوت ذلك الاسم لله - ﷿ -.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣٦/ ٩٥)، جامع الرسائل (المجموعة الثانية / ٢٢)، بدائع الفوائد (١/ ٢٨٦).
[ ٣٢ ]
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله - ﷿ -.
* مثال ذلك: (الحي) يتضمن إثبات الحي اسمًا لله - ﷿ -، وإثبات الحياة صفة له.
التعليق
الفعل والوصف تارة يتعدى إلى معمول، وتارة يكون لازمًا لا يتعدى إلى معمول.
قال الشيخ: مثل (الحي)؛ فالحي ليس فيه الحي على كذا أو الحي في كذا، فالحي إنما يدل على الاسم وصفة الحياة فقط، وهكذا العزيز والحكيم ليس فيه تعدٍ، وكذلك القدوس والسلام.
والمتعدي هو الذي يكون له معمول سواءً تعدى إليه بنفسه أو بحرفٍ مثل: سميع يدل على مسموع فيدل على:
١ - الاسم.
٢ - والصفة.
٣ - وثبوت السمع؛ أي: أنه تعالى يسمع الأصوات.
وكذلك الغفور يدل على:
١ - الاسم.
٢ - والوصف.
٣ - ويدل على حصول المغفرة للمذنبين.
ومثل هذا: (الخالق أو الخلاق)، (والرازق والرزاق) كلها من الأوصاف المتعدية، بخلاف (القوي) فهو مثل (الحي).
[ ٣٣ ]
القاعدة الرابعة:
دلالة أسماء الله تعالى على ذاته وصفاته تكون بالمطابقة، وبالتضمن، وبالالتزام (١).
* مثال ذلك: (الخالق) يدل على ذات الله، وعلى صفة الخلق بالمطابقة.
ويدل على الذات وحدها، وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن.
ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام.
ولهذا لما ذكر الله خلق السموات والأرض قال: " لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا " [الطلاق: ١٢].
ودلالة الالتزام مفيدة جدًا لطالب العلم إذا تَدَبَّرَ المعنى ووَفَّقَهُ الله - تعالى - فهمًا للتلازم، فإنه بذلك يحصل من الدليل الواحد على مسائل كثيرة.
واعلم أن اللازم من قول الله - تعالى - وقول رسول الله - ﷺ - إذا صَحَّ أن يكون لازمًا فهو حق؛ وذلك:
١ - لأن كلام الله ورسوله حق، ولازم الحق حق.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ١٨٥ وَ١٠/ ٢٥٤ وَ١٣/ ٣٣٣ - ٣٣٦، ٣٨٣)، وبدائع الفوائد (١/ ٢٨٥). وانظر لأقسام الدلالات اللفظية: آداب البحث والمناظرة للشنقيطي (١٩)، وضوابط المعرفة (٢٧) وغيرها من كتب علم أصول الفقه والمنطق.
[ ٣٤ ]
٢ - ولأن الله - تعالى - عالم بما يكون لازمًا من كلامه وكلام رسوله فيكون مرادًا.
وأما اللازم من قول أحدٍ سوى قول الله ورسوله، فله ثلاث حالات:
الأولى: أَنْ يُذْكَرَ للقائل ويلتزم به؛ مثل أن يقول مَنْ ينفي الصفات الفعلية لمن يثبتها: يلزم من إثباتك الصفات الفعلية لله - ﷿ - أن يكون من أفعاله ما هو حادث. فيقول المثبت: نعم، وأنا ألتزم بذلك؛ فإن الله - تعالى - لم يزل ولا يزال فعالًا لما يريد، ولا نفاد لأقواله وأفعاله؛ كما قال تعالى: " قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا " [الكهف: ١٠٩]. وقال: " وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " [لقمان: ٢٧]. وحدوث آحاد فعله - تعالى - لا يستلزم نقصًا في حقه.
الحال الثانية: أَنْ يُذْكَرَ له ويَمْنَع التلازم بينه وبين قوله؛ مثل أن يقول النافي للصفات لمن يثبتها: يلزم من إثباتك أن يكون الله - تعالى - مشابهًا للخلق في صفاته. فيقول المثبت: لا يلزم ذلك، لأن صفات الخالق مضافة إليه لم تذكر مطلقة حتى يمكن ما ألزمت به، وعلى هذا فتكون مختصة به لائقة به، كما أنك أيها النافي للصفات تثبت لله - تعالى - ذاتًا وتمنع أن يكون مشابهًا للخلق في ذاته، فأي فرق بين الذات والصفات؟!.
وحكم اللازم في هاتين الحالتين ظاهر.
الحال الثالثة: أن يكون اللازم مسكوتًا عنه، فلا يذكر بالتزام ولا منع؛ فحكمه في هذه الحال ألا ينسب إلى القائل،
[ ٣٥ ]
١ - لأنه يَحتمل لو ذكر له أن يلتزم به أو يمنع التلازم.
٢ - ويَحتمل لو ذكر له فتبين له لزومه وبطلانه أن يرجع عن قوله؛ لأن فساد اللازم يدل على فساد الملزوم.
ولورود هذين الاحتمالين لا يمكن الحكم بأن لازم القول قول.
فإن قيل: إذا كان هذا اللازم لازمًا من قوله، لزم أن يكون قولًا له، لأن ذلك هو الأصل، لاسيما مع قرب التلازم.
قلنا: هذا مدفوع بأن الإنسان بشر، وله حالات نفسية وخارجية توجب الذهول عن اللازم، فقد يغفل، أو يسهو، أو ينغلق فكره، أو يقول القول في مضايق المناظرات من غير تفكير في لوازمه، ونحو ذلك (١).
التعليق
هذه القاعدة مبنية على أنواع الدلالة.
وهي تارة تكون بالمطابقة وهي: دلالة اللفظ على كل معناه.
ودلالة التضمن هي: دلالة اللفظ على بعض معناه.
أما دلالته على أمر خارج عنه؛ فهذه دلالة التزام.
مثال ذلك: (البيت) يدل على كل تركيباته دلالة مطابقة.
ويدل على الأبواب دلالة تضمن، فإذا ذكر البيت نفهم أن فيه أبوابًا، وأن فيه حيطانًا فدلالته على وجود الحيطان والأبواب دلالة تضمن.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٢١٧ مهم، وَ٣٥/ ٢٨٨)، القواعد الكلية (٢٥٤، ٥١٥).
[ ٣٦ ]
أما دلالته على أمر خارج عنه، فهذه دلالة التزام؛ كدلالته على الباني، لأنَّ هذا البناء لابد له من بانٍ. وهكذا كل فعل فإنه يستلزم فاعلًا، وكذلك المفعول يستلزم فاعلًا.
وهكذا أسماء الله تدل على ذات الرب وصفاته بالمطابقة.
وعلى أحدهما بالتضمن.
وعلى معنى آخر باللزوم.
ومَثَّلَ الشيخ لهذا بالخالق.
ثم استطرد الشيخ فتكلم عن مسألة اللزوم، ومن القواعد: أن لازم الحق حق، ولازم الباطل باطل؛ فما يلزم من كلام الله وكلام رسوله فهو لازم، وهو مراد لهما؛ لأن الله عالم بما يلزم من كلامه ومن كلام رسوله.
أما المخلوق فعلى التفصيل الذي ذكره الشيخ (١)، والله أعلم.
_________________
(١) شرح الرسالة التدمرية (٣٧٨).
[ ٣٧ ]
القاعدة الخامسة:
أسماء الله تعالى توقيفية، لا مجال للعقل فيها (١):
وعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة، فلا يزاد فيها ولا ينقص؛
١ - لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه - تعالى - من الأسماء، فوجب الوقوف في ذلك على النص، لقوله تعالى: " وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا " [الإسراء: ٣٦]. وقوله: " قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ " [الأعراف: ٣٣].
٢ - ولأن تسميته - تعالى - بما لم يُسَمِّ بِهِ نفسه، أو إنكار ما سمى به نفسه، جناية في حقه تعالى، فوجب سلوك الأدب في ذلك، والاقتصار على ما جاء به النص.
التعليق
ذكر الشيخ - ﵀ - من القواعد: أن أسماء الله توقيفية؛ وأنه يجب الوقوف فيها على ما جاء في الكتاب والسنة فلا يزاد فيها ولا ينقص.
وهذا يجب أن يكون في الأسماء والصفات؛ فأسماء الله وصفاته
_________________
(١) نقض الدارمي (١/ ١٧٧)، بدائع الفوائد (١/ ٢٨٥)، شرح الرسالة التدمرية (٥١ وما بعدها)؛ وانظر: أسماء الله الحسنى للغصن (٥٧).
[ ٣٨ ]
توقيفية فلا يسمى ولا يوصف إلا بما سمى به نفسه وسماه به رسوله، وبما وصف به نفسه ووصفه به رسوله؛ فالباب واحد في الأسماء والصفات (١).
فمن وصف الله بما لم يصف به نفسه كان ذلك من القول على الله بلا علم، فلا يوصف تعالى إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا يتجاوز القرآن والحديث.
ويعبر عن الأسماء بالصفات - أيضًا - لأن كل اسم متضمن لصفة - كما تقدم (٢) -، فتقول مثلًا: إن الله وصف نفسه بأنه غفور، وأنه كريم، وأنه غني، وأنه فتّاح؛ ويجوز أن تقول: إنه سمى نفسه غفورًا كريمًا غنيًا فتاحًا، لاشتمال اللفظ على الاسم والصفة.
والله - تعالى - أخبر بأن له الأسماء الحسنى، وذكر في القرآن كثيرًا من أسمائه، وجاءت السنة بأن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة، ولم تُحَدَّد هذه الأسماء في روايات صحيحة (٣)، ولهذا كثرت مناهج العلماء في تعداد الأسماء وتقصيها.
والذي يقتضيه منهج أهل العلم: أن كل اسم أضيف إلى الله فإنه من أسمائه - والاسم: ما يدل على الذات، ولكنه في حق الله يدل على الذات والصفات -؛ فالسميع اسم والسمع صفة، ويصح أن تقول: السميع صفة، كأن تقول: إن الله وصف نفسه بأنه سميع باعتبار ما يتضمنه من الوصف، وهكذا قل في بقية الأسماء الحسنى (٤).
_________________
(١) ذكر المصنف - ﵀ - في قواعد الصفات: القاعدة السابعة: صفات الله - تعالى - توقيفية لا مجال للعقل فيها.
(٢) في صفحة ().
(٣) سيأتي في صفحة () تخريج الحديث، وكلام أهل العلم عن الروايات التي فيها زيادة سرد الأسماء.
(٤) وانظر مناهج العلماء في تعيين الأسماء الحسنى في: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى (٧٣ وما بعدها)، وأسماء الله الحسنى للغصن (١٣٥).
[ ٣٩ ]
والله - تعالى - يقول: " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها " [الأعراف: ١٨٠] يعني: سموه بها وادعوه متوسلين بأسمائه مثل: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، فكل لفظ جاء إطلاقه على الله فإنك تدعو به، لكن لكل مقام ما يناسبه فإن نداءه - تعالى - بأسمائه يتضمن التوسل مثل: يا حي يا قيوم، وهذان الاسمان جامعان، وتقول: يا غفور اغفر لي، يا رحمن يا رحيم ارحمني، فهذا فيه نوع توسل، أو تقول: يا الله إنك أنت الرزاق ارزقني كذا وكذا، ومثل: أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، ومثل: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم أخذًا من قوله: " وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم " [فصلت: ٣٦].
وأسماء الله منها مالا يطلق على غيره البتة (١)، مثل: الله؛ فهو أعرف المعارف، وأخص أسماء الرب - تعالى - به، وقريب منه: الرحمن؛ ولهذا جاء في الحديث: " أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن " (٢) فهذان الاسمان هما أخص أسمائه - تعالى - به.
ومثل: رب العالمين؛ فلا يطلق هذا الاسم على أحد، ويقال: إنه من أخص أسمائه سبحانه خلافًا للذين قالوا: إن أخص أوصاف الإله: القِدَم.
وهكذا الأسماء الأخرى منها مالا يكاد يطلق على غيره، مثل: القدوس، والقيوم.
_________________
(١) بدائع الفوائد (١/ ٢٨٩).
(٢) أخرجه أبو داود (٤٩٤٩)، والترمذي (٢٨٣٣)، وابن ماجه (٣٧٢٨) من حديث ابن عمر - ﵄ -، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. والحديث في مسلم (٢١٣٢) بلفظ: " إنَّ أحبَّ أسمائكم إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن ".
[ ٤٠ ]
ومثل الألفاظ التي فيها التفضيل المطلق: كخير الراحمين، والغافرين، والرازقين، والناصرين؛ فكل هذه مختصة بالله، فتقول: يا خير الراحمين، ويا خير الغافرين تارة كذا، وتارة تقول: اللهم أنت خير الراحمين، واللهم أنت خير الغافرين. " أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين " [الأعراف: ١٥٥] (١).
ومن القواعد: أنه لا يشتق لله من كل صفة أو فعل اسم (٢)، فلا يقال: إنه الغاضب، أو الغضبان، أو الراضي؛ كما أنه من باب أولى: لا يشتق له من فعل المكر ماكر، لكنه خير الماكرين، وهكذا مُدَمْدِم من " فدمدم عليهم ربهم " [الشمس: ١٤]، ومدمِّر من " فدمرناها تدميرا " [الإسراء: ١٦]، فلا يشتق لله - تعالى - من هذه أسماء.
لكن بعض الأفعال يمكن أن يكون الأمر فيها أوسع مثل: المنعم؛ فقد يقال: إنه صحيح، لأنه من معنى الرب، فالرب هو المنعم، ومن معانيه المنعم، فيتضمن أنه المنعم مطلقًا بجميع النعم (٣).
_________________
(١) فائدة: قال ابن القيم في (الفوائد) (٢٦): والأسماء المذكورة في هذه السورة - أي: سورة الفاتحة - هي أصول الأسماء الحسنى، وهي (الله) و(الرب) و(الرحمن)؛ فاسم (الله) متضمن لصفات الألوهية، واسم (الرب) متضمن لصفات الربوبية، واسم (الرحمن) متضمن لصفات الإحسان والجود والبر؛ ومعاني أسمائه تدور على هذا.
(٢) طريق الهجرتين (٢/ ٧١٩)، بدائع الفوائد (١/ ٢٨٤ - ٢٨٦).
(٣) واختار هذا الشيخ ابن عثيمين - ﵀ - كما في السؤال الثاني من (ثمرات التدوين من مسائل ابن عثيمين) للدكتور أحمد القاضي - حفظه الله -. المصدر: http://www.al-aqidah.com/?aid=show&uid=f ٢٠ dmlbz وقد عدَّ (المنعم) من أسماء الله: جعفر الصادق، وابن منده. انظر: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى (٢٥٤).
[ ٤١ ]
والمحسن؛ قد ورد في بعض الأحاديث (١)، وهو من جنس المنعم، فالمحسن مطلقًا هو الله - تعالى -، فهو المنعم بجميع النعم، وهو المحسن إلى عباده بكل أنواع الإحسان.
وبهذا الاعتبار تكون الأسماء كثيرة جدًا فيدخل في ذلك الرفيق " إن الله رفيق " (٢)، والجميل (٣)، والمسعر: " إن الله هو المسعر، القابض،
_________________
(١) جاء ذكر المحسن في أربعة أحاديث: الأول: عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إذا حكمتم فاعدلوا، وإذا قتلتم فأحسنوا؛ فإن الله محسنٌ يحب المحسنين ". أخرجه ابن أبي عاصم في الديات (ص ٥٢)، وابن عدي في الكامل (٦/ ١٣٣)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٧٦ وَ٧/ ٣٨). الحديث الثاني: عن شداد بن أوس - ﵁ - قال: حفظت من رسول الله - ﷺ - اثنتين، قال: " إن الله محسن، يحب الإحسان إلى كل شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتل ". أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٨٦٠٣)، وإسماعيل القاضي في جزء أحاديث أيوب (رقم ٣٦) وقال: إسناده كلهم ثقات ما عدا الحماني. الحديث الثالث: عن ثوبان - ﵁ - مرفوعًا بمثل حديث شداد. أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (٢٦٨٩). الحديث الرابع: عن سمرة - ﵁ - مرفوعًا: " إن الله - ﷿ - محسنٌ؛ فأحسنوا ". أخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ٤٢٦). وانظر: العلل لابن أبي حاتم (٤/ ٥١٨ / مسألة: ١٦٠٩)، والإرواء (٧/ ٢٩٣)، والصحيحة (٤٧٠). وقد عدَّ (المحسن) من أسماء الله: القرطبي، وابن القيم، وابن عثيمين - ﵏ -. انظر: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى (١٦٥)، والفوائد العلمية من الدروس البازية (٢/ ٢٠).
(٢) أخرجه البخاري (٦٩٢٧) وفي مواضع أُخَر، ومسلم (٢٥٩٣) من حديث عائشة - ﵂ -.
(٣) لحديث عبد الله بن مسعود - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كبر ". قال رجل: إنَّ الرجلَ يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنةً. قال: " إنَّ الله جميلٌ يحبُّ الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس ". أخرجه مسلم في صحيحه (٩١). وانظر لبيان معاني هذا الحديث: الفوائد، لابن قيم الجوزية (٢٦٤ وما بعدها)، وقال في (٢٧١): والمقصود: أنَّ هذا الحديث الشريف مشتمل على أصلين عظيمين؛ فأوَّلُهُ معرفة، وآخره سلوك؛ فيعرف الله - سبحانه - بالجمال الذي لا يماثله فيه شيءٌ، ويعبد بالجمال الذي يُحبه من الأقوال والأعمال والأخلاق
[ ٤٢ ]
الباسط، الرازق " (١) فهو الرازق وهو الرزّاق، وهو أسرع الحاسبين.
وللعلماء كلام كثير في الأسماء ومصنفات وشروح وتوسعات، ومنها هذا الكتاب، فإنه ضمنه سردَ الأسماء الحسنى، وسيأتي ذكرها في المتن - إن شاء الله -.
والجهمية والمعطلة: نفوا أسماءه - تعالى -، والمعتزلة: نفوا ما تدل عليه من المعاني؛ وكل ذلك تعطيل، وهو من جملة الأباطيل والقول المبني على الأوهام والظنون الكاذبة.
وقول الشيخ: (جناية في حقه تعالى) التعبير بجناية عندي فيه شيء؛ لكن يمكن أن يقال: الممتنع أن يقال: جَنَى على الله؛ فهذا لا يجوز، وهذا مثل أن يقال: هذا ظلم لله وإساءة إلى الله، لكن قوله: (جناية في حقه تعالى) يعني جناية من العبد على نفسه في حق الله، فالعبد العاصي إنما يجني على نفسه " ومن أساء فعليها " [فصلت: ٤٦].
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٤٥١)، والترمذي (١٣١٤)، وابن ماجه (٢٢٠٠) من حديث أبي هريرة - ﵁ -، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
[ ٤٣ ]
القاعدة السادسة:
أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد مُعَيَّن (١):
لقوله ﷺ في الحديث المشهور: " أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ". الحديث رواه أحمد وابن حبان والحاكم (٢)، وهو صحيح.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٢)، بدائع الفوائد (١/ ٢٩٣)؛ بل حكى النووي في شرح مسلم (١٧/ ٥) الاتفاق على أن أسماء الله ليست محصورة؛ وحكاية الإجماع فيها نظر، وقد نقل هذا القول ابن تيمية - كما في المجموع (٦/ ٣٨١) - وعزاه إلى جماهير أهل العلم. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - كما في المستدرك على المجموع (١/ ٤٣): ترتيب أسماء الله - ﷾ - الظاهرة نحو: مائة وخمسين اسمًا موجودة في كتاب الله: مفردةً، ومقرونة، ومضافة، ومشبهة بالمضافة؛ فأما الموصولة المضمرة فأكثر من أن تحصى! وكذلك ما قد يشتق من الأفعال المذكورة في القرآن.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٦/ ٢٤٦ / ح ٣٧١٢)، وابن حبان في صحيحه (٩٧٢)، والحاكم في المستدرك (١٨٧٧) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم إن سَلِمَ من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه، فإنه مختلف في سماعه عن أبيه. اهـ. وقد اختلف في ثبوته؛ فانظر مبحثًا في تضعيفه في تخريج الحديث في المسند، ومبحثًا في ثبوته في تخريج الشيخ ياسر فتحي على كتاب (الذكر والدعاء ) (ص ٣٦٤)، والصحيحة (رقم ١٩٩). وانظر كلامًا للشارح في بيان معنى الحديث والتعليق عليه في شرح الرسالة التدمرية (٢٨٣ - ٢٨٥).
[ ٤٤ ]
وما استأثر الله - تعالى - به في علم الغيب لا يمكن لأحدٍ حصره، ولا الإحاطة به.
فأما قوله - ﷺ -: " إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها (١) دخل الجنة " (٢)، فلا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد، ولو كان المراد الحصر لكانت العبارة: " إن أسماء الله تسعة وتسعون اسمًا، من أحصاها دخل الجنة " أو نحو ذلك.
إذن؛ فمعنى الحديث: أَنَّ هذا العدد من شأنه أَنَّ مَنْ أحصاه دخل الجنة، وعلى هذا فيكون قوله: " من أحصاها دخل الجنة " جملة مُكَمِّلَة لما قبلها، وليست مستقلة، ونظير هذا أن تقول: عندي مائة درهم أعددتها للصدقة، فإنه لا يمنع أن يكون عندك دراهم أخرى لم تعدها للصدقة.
ولم يصح عن النبي - ﷺ - تعيين هذه الأسماء، والحديث المروي عنه في تعيينها ضعيف.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (٦/ ٣٨٣ من مجموع ابن قاسم (٣): تعيينها ليس من كلام النبي - ﷺ - باتفاق أهل المعرفة بحديثه، وقال قبل ذلك (ص ٣٧٩) (٤): إن الوليد ذكرها عن بعض
_________________
(١) قال المؤلف: إحصاؤها: حفظها لفظًا، وفهمها معنًى؛ وتمامه: أن يتعبد الله - تعالى - بمقتضاها.
(٢) أخرجه البخاري (٢٧٣٦) وفي مواضع أخر، ومسلم (٢٦٧٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. وانظر: جزءًا في بيان طرق حديث: " إن لله تسعًا وتسعين اسمًا " لأبي نعيم الأصبهاني، وتعليق الشيخ مشهور آل سلمان عليه، وأسماء الله الحسنى للغصن (١٤٩ وما بعدها).
(٣) هذا الكلام يوجد في (٦/ ٣٨٢).
(٤) وقال في هذه الصفحة: وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أنَّ هاتين الروايتين ليستا من كلام النبي - ﷺ -، وإنما كلٌّ منهما من كلام بعض السلف .
[ ٤٥ ]
شيوخه الشاميين، كما جاء مفسرًا في بعض طرق حديثه. اهـ.
وقال ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٢١٥ ط السلفية): ليست العلة عند الشيخين (البخاري ومسلم)، تفرد الوليد فقط، بل الاختلاف فيه والاضطراب، وتدليسه واحتمال الإدراج. اهـ.
ولَمَّا لم يَصِحَّ تعيينها عن النبي - ﷺ - اختلف السلف فيه، وروي عنهم في ذلك أنواع. وقد جمعت تسعة وتسعين اسمًا مما ظهر لي من كتاب الله - تعالى - وسنة رسوله - ﷺ -.
فمن كتاب الله - تعالى -:
الله، الأحد، الأعلى، الأكرم، الإله، الأول، والآخر، والظاهر، والباطن (١)، البارئ، البر، البصير، التواب، الجبار، الحافظ، الحسيب، الحفيظ، الحفي، الحق، المبين، الحكيم، الحليم، الحميد، الحي، القيوم، الخبير، الخالق، الخلاق، الرءوف، الرحمن، الرحيم، الرزاق، الرقيب، السلام، السميع، الشاكر، الشكور، الشهيد، الصمد، العالم، العزيز، العظيم، العليم، العلي، الغفار، الغفور، الغني، الفتاح، القادر، القاهر، القدوس، القدير، القريب، القوي، القهار، الكبير، الكريم، اللطيف، المؤمن، المتعالي، المتكبر، المتين، المجيب، المجيد، المحيط، المصور، المقتدر، المقيت، الملك، المليك، المولى، المهيمن، النصير، الواحد، الوارث، الواسع، الودود، الوكيل، الولي، الوهاب، العفو (٢).
_________________
(١) خالف المؤلف في ترتيب الأسماء على الحروف مراعاةً للآية.
(٢) تأخر اسمه - سبحانه - (العفو) إلى آخر الأسماء المستخرجة من القرآن، وكان حَقُّه على ترتيب الشيخ بعد (العظيم)؛ ولعل الشيخ - ﵀ - أَخَّرَهُ تفاؤلًا برحمة الله للكاتب والقارئ.
[ ٤٦ ]
ومن سنة رسول الله - ﷺ -:
الجميل، الجواد، الحكم، الحيي، الرب، الرفيق، السبوح، السيد، الشافي، الطيب، القابض، الباسط، المقدم، المؤخر، المحسن، المعطي، المنان، الوتر.
هذا ما اخترناه بالتتبع؛ واحد وثمانون اسمًا في كتاب الله - تعالى -، وثمانية عشر اسمًا في سنة رسول الله - ﷺ -، وإن كان عندنا تردد في إدخال (الحفي)؛ لأنه إنما ورد مقيدًا في قوله تعالى عن إبراهيم: " إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا " [مريم: ٤٧].
وما اخترناه فهو حسب علمنا وفهمنا، وفوق كل ذي علم عليم حتى يصل ذلك إلى عالم الغيب والشهادة ومن هو بكل شيء عليم (١).
التعليق
هذه قاعدة يقول فيها الشيخ: إن أسماء الله ليست محصورة بعدد، كأن يقال: إن أسماء الله مائة أو ألف، لا، فأسماء الله كثيرة؛ فمنها ما اختص بعلمه وطوى علمه عن العباد، ومنها ما أنزله في بعض كتبه التي أنزلها على رسله، ومنها ما علمه لبعض عباده من الملائكة والنبيين وغيرهم، وفي كتاب الله من ذلك ما ليس في غيره من كتبه المنزلة.
والله يذكِّر بأسمائه في آيات كثيرة، يختم بها الآيات، مثل: " غفور
_________________
(١) قال المؤلف: لم نذكر الأسماء المضافة مثل: رب العالمين، وعالم الغيب والشهادة، وبديع السموات والأرض، وهي كثيرة؛ لأنه لم يتبين لنا أنها مرادة، والعلم عند الله - تعالى -.
[ ٤٧ ]
رحيم "، " العليم الحكيم "، " العزيز الحكيم "، " العزيز الرحيم "، " اللطيف الخبير "، " الغني الحميد "، ويذكر في بعض المواضع اسمًا واحدًا وفي مواضع يقرن بين اسمين، وفي بعض الآيات سرد لعدد منها كآيات آخر سورة الحشر فقد تضمنت أربعة عشر اسمًا من أسمائه - ﷾ -، وليس لها نظير في سائر سور القرآن، والله - تعالى - كثيرًا ما يذكر أسماءه متفرقة في نهاية الآيات (١).
ثم يذكر الشيخ ما قد يظنه بعض الناس دليلًا على الحصر وهو حديث: " إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة " (٢) فقد يظن بعض الناس أنَّ أسماء الله تسعة وتسعون، وليس كذلك، فهذه الصيغة لا تدل على الحصر، لو كان الحديث: " إن لله تسعة وتسعين اسمًا " وسكت، فربما دل على الحصر، ولكن جاءت هذه الأسماء موصوفة بقوله: " من أحصاها دخل الجنة ".
وجملة (من أحصاها دخل الجنة) إما أن تكون:
١ - صفة للأسماء وهو أظهر.
٢ - وإما أن تكون خبرًا، بمعنى: إن لله تسعة وتسعين اسمًا من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة.
ولنضرب على هذا مثلًا - وهو كلام يعقله أهل اللسان -: فإذا قال قائل: عندي مائة فرس أعددتها للجهاد، فلا يدل على أنه ليس عنده سواها، أو عندي مائة درهم جعلتها صدقة لا ينفي أن يكون عنده غيرها.
ولم يصح عن النبي - ﵊ - تعيين هذه الأسماء، وجاء في بعض روايات هذا الحديث: " إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا
_________________
(١) وذكر في شرح الرسالة التدمرية (ص ٢٨٥) أنَّ أكثر الأسماء التي عَلَّمَنَا الله - تعالى - هي في القرآن.
(٢) سبق تخريجه قريبًا في صفحة ().
[ ٤٨ ]
واحدًا من أحصاها دخل الجنة "، وسَرَد ما في سورة الحشر وأتبعها بأسماء كثيرة حتى بلغت تسعة وتسعين اسمًا، لكن المحققين من أهل الشأن قالوا: إن هذا ليس بصحيح؛ بل هو كلام مدرج، وهي مأخوذة من القرآن، وبعضها من الحديث، وبعضها لا إشكال فيه، وبعضها فيه إشكال في عَدِّه من الأسماء، وبناء على هذا اجتهد جمع من أهل العلم في جمع أسماء الله من القرآن والحديث، وعنوا - أيضًا - بشرح الأسماء، ومن مقاصد الشيخ في هذه الرسالة - أيضًا - جمع ما ظهر له من القرآن والسنة - كما ذكر -، ومع ذلك يبقى الأمر كما هو، ومن جمع شيئًا منها لا يمكن الجزم بأن هذه هي الأسماء التي عناها النبي - ﷺ -، فهذا لا يجوز.
والشيخ - ﵀ - لم يتوجه له ذكر الأسماء المركبة مثل: أسرع الحاسبين، ورب العالمين، وخير الرازقين، وخير الناصرين، وأرحم الراحمين وما أشبه ذلك، والظاهر: أنها أظهر في الدلالة على الرب - ﷾ - من بعض الأسماء المفردة، فتجد كثيرًا من الأسماء المفردة يسمى بها بعض المخلوقات، لكن أرحم الراحمين، ذو الجلال والإكرام، خير الغافرين هذه لا تطلق إلا على الله وحده (١).
والشيخ رتب ما ذكره من الأسماء على حروف الهجاء فبدأ بالهمزة (الله، الأحد، الأعلى )، وهذا المنهج الذي اختاره الشيخ قد يكون غيره أولى منه، فجمْع الأسماء المتناسبة كـ (العلي والأعلى) أولى من تفريقها من وجه.
أما اسمه (الله) فهو أخص الأسماء به وأجمع الأسماء، والصحيح: أنه مشتق أي أن له دلالة، فهو اسم وصفة، فهو ذو الألوهية
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٨٥).
[ ٤٩ ]
- كما روي عن ابن عباس (١) -، ولهذا يقال: إن أصل (الله) الإله، حذفت الهمزة وأدغمت اللام في اللام مع التفخيم فصارت الله، وهذا الاسم تنبني عليه كل الأسماء ويخبر بها عنه، فتقول: الله الرحمن، الله الرحيم، الله الكريم، وهكذا تأتي الأسماء الأخرى تابعة إما صفة وإما خبرًا.
والأحد: لم يرد إلا في سورة الإخلاص: " قل هو الله أحد " [الإخلاص] (٢).
والحفي: توقف فيه المؤلف في آخر كلامه، واسم الحفي ما جاء صفةً لله إلا في كلام إبراهيم: " إنه كان بي حفيا " [مريم: ٤٧]، والصحيح: أنه ليس اسمًا (٣).
_________________
(١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١/ ١٢١)، وقال السيوطي في التدريب (١/ ٦٥): وبشر ضعيف، والضحاك لم يسمع من ابن عباس.
(٢) أخرج أبو داود في سننه (٩٨٥)، والنسائي (١٣٠١) وغيرهما عن عبد الوارث، قال: حدثنا حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن حنظلة بن علي: أنَّ محجن بن الأدرع حدثه قال: دخل رسول الله - ﷺ - المسجد، فإذا هو برجلٍ قد قضى صلاته وهو يتشهد، وهو يقول: اللهم إني أسألك يا الله، الأحد أحمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد: أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنتَ الغفور الرحيم. قال: " قد غُفِرَ له، قد غُفِرَ له " ثلاثًا. وقد اختلف فيه على ابن بريدة؛ والصواب: رواية عبد الوارث المذكورة؛ كما قرر ذلك: أبو حاتم في العلل (٥/ ٤١٦ / ح ٢٠٨٢) حيث قال: حديث عبد الوارث أشبه. انظر: المستدرك على مجموع الفتاوى (١/ ٤٩)، شرح العقيدة الطحاوية (١٤٠).
(٣) عدَّ (الحفي) من أسماء الله كلٌ من: ابن العربي، والقرطبي، وابن حجر، وابن الوزير، وغيرهم. انظر: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى (ص ١٧٥) للدكتور: محمد التميمي.
[ ٥٠ ]
والمبين: ليس واضحًا أنه اسم، فهو صفة تابعة للحق (١).
والقادر: لم يأتِ في القرآن هكذا، لكن الذي جاء: " قل هو القادر على أن يبعث عليكم " الآية [الأنعام: ٦٥] فليس واضحًا اعتباره اسمًا (٢).
وأما القابض الباسط: فاعتبارهما اسمين فيه تأمل، فقد تكون هذه من الأسماء المزدوجة مثلما عدوا الخافض الرافع، النافع الضار (٣).
والإحصاء: يكون بإحصاء ألفاظها ومعانيها والعمل بمقتضاها، هذا هو كمال الإحصاء (٤)؛ فالإحصاء مراتب، إحصاؤها بمعرفة ألفاظها
_________________
(١) عَدَّ (المبين) من أسماء الله كلٌّ من: جعفر الصادق، وابن عيينة، والخطابي، وابن منده، والحَليمي، والبيهقي، وابن حزم، والأصبهاني، وابن العربي، وابن القيم، وابن الوزير، وابن حجر. انظر: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الحسنى (ص ١٦٤).
(٢) عَدَّ (القادر) من أسماء الله كلٌّ من: ابن عيينة، والخطابي، وابن منده، والحَليمي، والبيهقي، والأصبهاني، وابن العربي، وابن القيم، وابن الوزير، وابن حجر، وغيرهم. انظر: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى (ص ١٨٢).
(٣) انظر: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الحسنى (ص ١٤٣ وَ١٦٠).
(٤) اختلف أهل العلم في معنى (الإحصاء) الوارد في الحديث على أقوال؛ انظر في بيانها ومَنْ قالَ بها: المُجَلَّى في شرح القواعد المثلى (ص ١٣٦). قال ابن القيم - ﵀ - في البدائع (١/ ٢٨٨) مبيِّنًا مراتب الإحصاء: المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها، وعددها. المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها. المرتبة الثالثة: دعاؤه بها؛ كما قال تعالى: " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها " [الأعراف: ١٨٠]. وهو مرتبتان: أحدهما: دعاء ثناء وعبادة. والثاني: دعاء طلب ومسألة
[ ٥١ ]
ومعرفة معانيها، ثم لهذه المعرفة أثر فإذا علم الإنسان أن الله سميع بصير فهذا يقتضي أن يراقب ربه في كلامه وفي حركاته لأنه يعلم أن الله سميع يسمعه وبصير يراه، فليس المقصود مجرد المعرفة، لكن المقصود من العلم العمل، فلا يكفي حفظها فقط، ولكن حفظها حسن فتعرف أنه - تعالى - السميع البصير الملك القدوس، وهو الغفور الرحيم، وهو الغني الحميد، وهو اللطيف الخبير، ولا يشرع حفظها بمعنى اتخاذها ذكرًا - كما يفعله بعض الناس - (١).
فمعرفة هذه الأسماء هي من أسباب دخول الجنة، وإذا كان كذلك، فهي من جنس أحاديث الوعد من فعل كذا دخل الجنة فهي سبب من الأسباب، لكن لا يعني هذا أنه يكفي ويجزئ الاقتصار على هذا السبب.
_________________
(١) قال ابن القيم في عدة الصابرين (٨٥): والرب - تعالى - يحبُّ أسماءه وصفاته، ويحب مقتضى صفاته، وظهور آثارها على العبد، فإنه جميل يحب الجمال، عفوٌ يحب أهل العفو، كريمٌ يحب أهل الكرم، عليمٌ يحب أهل العلم، وِتْرٌ يحب الوتر، قوي والمؤمن القوي أحب إليه من المؤمن الضعيف، صبورٌ يحب الصابرين، محسن يحب المحسنين، شكورٌ يحب الشاكرين؛ فإذا كان - سبحانه - يحبُّ المتصفين بآثار صفاته = فهو معهم بحسب نصيبهم من هذا الاتصاف. وانظر: الرد على الشاذلي (ص ٩٥ وما بعدها)، وكتاب (ولله الأسماء الحسنى) للجليل، وخاصةً ما ورد في الفصل الرابع (ص ٧٩٣ وما بعدها) فهو مما تميز به الكتاب.
[ ٥٢ ]
القاعدة السابعة:
الإلحاد في أسماء الله تعالى هو الميل بها عما يجب فيها (١).
وهو أنواع:
الأول: أن ينكر شيئًا منها أو مما دلت عليه من الصفات والأحكام؛ كما فعل أهل التعطيل من الجهمية وغيرهم، وإنما كان ذلك إلحادًا لوجوب الإيمان بها وبما دلت عليه من الأحكام والصفات اللائقة بالله، فإنكار شيء من ذلك ميل بها عما يجب فيها.
الثاني: أن يجعلها دالة على صفات تشابه صفات المخلوقين؛ كما فعل أهل التشبيه، وذلك لأن التشبيه معنى باطل لا يمكن أن تدل عليه النصوص؛ بل هي دالة على بطلانه، فَجَعْلُهَا دالةً عليه ميلٌ بها عما يجب فيها.
الثالث: أن يسمى الله تعالى بما لم يُسَمِّ به نفسه؛ كتسمية النصارى له: (الأب)، وتسمية الفلاسفة إياه (العلة الفاعلة)، وذلك لأن أسماء الله - تعالى - توقيفية، فتسمية الله - تعالى - بما لم يسم به نفسه ميل بها عما يجب فيها، كما أن هذه الأسماء التي سموه بها نفسها باطلة ينزه الله - تعالى - عنها.
_________________
(١) جامع الرسائل (١/ ١٧١)، بدائع الفوائد (١/ ٢٩٧)، شرح الرسالة التدمرية (٥١، ٥٥ - ٦١)؛ وانظر: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الحسنى (٣٧٩)، وأسماء الله الحسنى للغصن (١٠٧).
[ ٥٣ ]
الرابع: أن يشتق من أسمائه أسماء للأصنام؛ كما فعل المشركون في اشتقاق العُزَّى من العزيز، واشتقاق اللات من الإله، على أحد القولين، فسموا بها أصنامهم؛ وذلك لأن أسماء الله - تعالى - مختصة به، لقوله تعالى: " وَلِلَّهِ الأسماء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا " [الأعراف: ١٨٠]. وقوله: " اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأسماء الْحُسْنَى " [طه: ٨]. وقوله: " لَهُ الأسماء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض " [الحشر: ٢٤]. فكما اختص بالعبادة وبالألوهية الحق، وبأنه يُسَبِّحُ له ما في السموات والأرض فهو مختص بالأسماء الحسنى، فتسمية غيره بها على الوجه الذي يختص بالله - ﷿ - ميلٌ بها عما يجب فيها.
والإلحاد بجميع أنواعه محرم؛ لأن الله - تعالى - هَدَّدَ الملحدين بقوله: " وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " [الأعراف: ١٨٠].
ومنه ما يكون شركًا أو كفرًا، حسبما تقتضيه الأدلة الشرعية.
التعليق
هذه القاعدة في تحريم الإلحاد في أسماء الله؛ فالإلحاد في أسماء الله محرم، وهو يتفاوت - كما أشار الشيخ في آخر كلامه -.
وأصل معنى الإلحاد هو: الميل، فمادة (لَ حَ دَ) تدل على الميل، قالوا: ومنه سمي اللحد - وهو: الشق الذي في جانب القبر - لأنه مائل عن سمت الحفرة، ومنه: الملتحد، وهو ما يلجأ إليه الخائف " ولن أجد من دونه ملتحدا " [الجن: ٢٢] (١).
_________________
(١) مقاييس اللغة (٥/ ٢٣٦)، القاموس (٤٠٤)، ومفردات ألفاظ القرآن للراغب (٧٣٧).
[ ٥٤ ]
وجماع معنى الإلحاد في أسماء الله: الميل بها عن الحق الذي يجب اعتقاده.
والإلحاد أنواع؛ وهذا التقسيم الذي ذكره الشيخ - ﵀ - موجود في كلام ابن القيم في البدائع (١) وغيرها.
فالنوع الأول من أنواع الإلحاد في أسماء الله - ﷾ -: جحدها وإنكارها؛ كإلحاد الجهمية، ثم إنه يتجزأ:
١ - فالجهمية: نفوا جميع أسماء الله - ولاسيما الغلاة -؛ فبلغوا الغاية في الإلحاد فجحدوا معانيها وجعلوها أسماء لبعض مخلوقاته، وقالوا: إن إطلاقها على الله مجاز وهي أسماء لبعض مخلوقاته.
٢ - وقد يقع هذا النوع من الإلحاد في بعضها؛ كما قال الله - تعالى - عن المشركين: " وهم يكفرون بالرحمن " [الرعد: ٣٠].
والنوع الثاني من أنواع الإلحاد: نفي معانيها؛ كإلحاد المعتزلة فهم يثبتون الأسماء أعلامًا دالةً على ذات الرب، لكنهم يجحدون معانيها فيجعلونها ألفاظًا مترادفة، فعندهم أن أسماء الله أعلام محضة مترادفة لا تدل على معانٍ.
والنوع الثالث من أنواع الإلحاد: إلحادُ المُشَبِّهَةِ؛ حيث أثبتوا أسماء الله، وزعموا أنها تدل على صفاتٍ كصفات المخلوقين، وهذا باطل؛ فأسماء الله تدل على معان مختصة بالرب لا تماثل صفات المخلوقين.
والنوع الرابع من أنواع الإلحاد - كما ذكر الشيخ -: تسميته تعالى بما لم يسمِّ به نفسه؛ ومن ذلك: تسمية النصارى له (أبًا) أبوة ولادة، فسموا المسيح (ابنًا) وسموا الرب - تعالى - (أبًا)، وجعلوا الكُلَّ آلهة (الأب) و(الابن) و(روح القدس).
_________________
(١) (١/ ٢٩٨).
[ ٥٥ ]
وكذلك الفلاسفة: يسمون الله العلة الأولى؛ يعني التي صدر عنها العالم صدورًا ذاتيًا لا صدور المفعول عن فاعله؛ بل صدور المعلول عن علته التامة، ومن أجل ذلك قالوا بقدم العالم، لأن معلول العلة التامة يكون قديما بقدمها.
والنوع الخامس من أنواع الإلحاد في أسمائه: أن يسمى بها بعض المخلوقات، أو يشتق لبعض المخلوقات منها على الوجه المختص بالله.
واللفتة الأخيرة في كلام الشيخ جيدة وهي قوله: (فتسمية غيره بها على الوجه الذي يختص بالله - ﷿ - ميل بها عما يجب فيها) وإلا فقد جاء لفظ الاشتقاق في قول حسان (١):
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
ففيه التقاء في مطلق المعنى، وهكذا ما جاء في الحديث في شأن الرحم أن الله اشتق لها من اسمه الرحمن؛ فهو الرحمن وهي الرحم (٢)، ومن هذا النوع ما قيل: إن المشركين اشتقوا لآلهتهم أسماء من أسماء الله كالعزى من العزيز، العزة المقتضية للإلهية والعبادة.
فتشعبت وتنوعت طرائق الملحدين في أسماء الله، والله تعالى يقول: " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا اللذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون " [الأعراف ١٨٠]، وفي هذا تهديد للملحدين.
والتحريف يكون كفرًا، ويكون فسقًا ومعصيةً، ويكون خطًأ؛ فقد يقع بعض الناس في شيء من الإلحاد خطأ، وقد يكون ناتجًا عن شبهة، وإلا فالأصل أَنَّ جحدَ شيءٍ مما أخبر الله به ورسوله كفر.
_________________
(١) ديوان حسان بن ثابت (ص ٤٩)، وَنُسِبَ هذا البيت لغيره.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه (١٦٤٩)، والترمذي في سننه (١٩٠٧) من حديث عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -. وقال الترمذي: حديث سفيان عن الزهري حديثٌ صحيح.
[ ٥٦ ]