[ ٥٧ ]
القاعدة الأولى:
صفات الله تعالى كلها صفات كمال، لا نقص فيها بوجه من الوجوه (١)؛ كالحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والرحمة، والعزة، والحكمة، والعلو، والعظمة، وغير ذلك.
وقد دل على هذا السمع، والعقل، والفطرة.
أما السمع:
فمنه قوله تعالى: " لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " [النحل: ٦٠]، والمَثَلُ الأعلى هو: الوصف الأعلى.
وأما العقل:
فوجهه أن كل موجود حقيقة، فلابد أن تكون له صفة؛ إما صفة كمال، وإما صفة نقص. والثاني باطل بالنسبة إلى الرب الكامل المستحق للعبادة؛ ولهذا أظهر الله - تعالى - بطلان ألوهية الأصنام باتصافها بالنقص والعجز. فقال تعالى: " وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ " [الأحقاف: ٥].
وقال تعالى: " وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/ ٢٧٤)، الرسالة الصفدية (١٣٢)، بدائع الفوائد (١/ ٢٨٤).
[ ٥٩ ]
يُخْلَقُونَ* أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ " [النحل: ٢٠، ٢١]. وقال عن إبراهيم وهو يَحْتَجُّ على أبيه: " يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا " [مريم: ٤٢]، وعلى قومه: " أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ* أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ " [الأنبياء: ٦٦، ٦٧].
ثم إنه قد ثبت بالحس والمشاهدة: أن للمخلوق صفات كمال، وهي من الله - تعالى -، فمعطي الكمال أولى به.
وأما الفطرة:
فلأن النفوس السليمة مجبولةٌ مفطورةٌ على محبة الله وتعظيمه وعبادته، وهل تحب وتعظم وتعبد إلا من علمت أنه متصف بصفات الكمال اللائقة بربوبيته وألوهيته؟!
وإذا كانت الصفة نقصًا لا كمال فيها فهي ممتنعة في حق الله - تعالى - كالموت، والجهل، والنسيان، والعجز، والعمى، والصمم ونحوها؛ لقوله تعالى: " وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ " [الفرقان: ٥٨]، وقوله عن موسى: " فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى " [طه: ٥٢]، وقوله: " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ " [فاطر: ٤٤]، وقوله: " أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ " [الزخرف: ٨٠].
وقال النبي - ﷺ - في الدجال: " إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور " (١).
وقال: " أيها الناس، اِرْبَعُوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧١٣١)، ومسلم (٢٩٣٣) من حديث أنس - ﵁ -.
[ ٦٠ ]
ولا غائبًا " (١).
وقد عاقب الله - تعالى - الواصفين له بالنقص، كما في قوله تعالى: " وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ " [المائدة: ٦٤].
وقوله: " لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ " [آل عمران: ١٨١].
ونَزَّهَ نفسه عما يصفونه به من النقائص، فقال سبحانه: " سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ* وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " [الصافات ١٨٠ - ١٨٢]، وقال تعالى: " مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ " [المؤمنون: ٩١].
وإذا كانت الصفة كمالًا في حال، ونقصًا في حال، لم تكن جائزة في حق الله ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق، فلا تُثْبَتُ له إثباتًا مطلقًا، ولا تنفى عنه نفيًا مطلقًا؛ بل لابد من التفصيل: فتجوز في الحال التي تكون كمالًا، وتمتنع في الحال التي تكون نقصًا وذلك كالمكر، والكيد، والخداع ونحوها (٢)؛ فهذه الصفات تكون كمالًا إذا كانت في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها؛ لأنها حينئذ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله أو أشد، وتكون نقصًا في غير هذه الحال، ولهذا لم يذكرها الله - تعالى - من صفاته على
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٩٩٢)، ومسلم (٢٧٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -.
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٠)، بدائع الفوائد (١/ ٢٨٤).
[ ٦١ ]
سبيل الإطلاق، وإنما ذكرها في مقابلة مَنْ يعاملونه ورسله بمثلها، كقوله تعالى: " وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ " [الأنفال: ٣٠]، وقوله: " إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا* وَأَكِيدُ كَيْدًا " [الطارق: ١٥، ١٦]، وقوله: " وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ*وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ " [القلم: ٤٤، ٤٥]، وقوله: " إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ " [النساء: ١٤٢]، وقوله: " قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ* اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ " [البقرة: ١٤، ١٥].
ولهذا لم يذكر الله أنه خان من خانوه فقال تعالى: " وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " [الأنفال: ٧١]، فقال: " فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ "، ولم يقل: فخانهم؛ لأن الخيانة خدعة في مقام الائتمان، وهي صفة ذَمٍّ مطلقًا.
وبذا عُرِفَ أَنَّ قولَ بعض العوام: " خان الله مَنْ يخون " منكرٌ فاحشٌ، يجب النهي عنه.
التعليق
لما ذكر الشيخ - ﵀ - القواعد المتعلقة بالأسماء الحسنى، وذكر ما رآه مِنْ عَدِّ الأسماء الحسنى = أتبعَ ذلك بذكر قواعد في الصفات، وبَيْنَ الأسماء والصفات ارتباط ظاهر؛ كما تقدم أَنَّ كل اسم متضمن لصفة من صفات الله، لكن ليس كل صفة مستلزمة لإثبات اسم (١)، فلا يشتق لله من كل صفة اسمًا يكون عَلَمًا عليه ويُدْعَا به.
والشيخ يذكر هنا: أن جميع صفات الله صفات كمال - وهذا حق -، دل على ذلك: السمع، والعقل، والفطرة.
_________________
(١) في صفحة رقم ( ٤١ ).
[ ٦٢ ]
والكمال: ضده النقص؛ فجميع أسماء الله حسنى، وجميع صفاته صفات كمال؛ فلا يلحقه النقص، كما جاء في دعاء الاستفتاح: " والشر ليس إليك " (١) يعني: أن الشر لا يدخل في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله (٢).
والدليل على أن صفاته - تعالى - صفات كمال:
١ - قوله تعالى: " للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى " [النحل: ٦٠]، والمثل الأعلى أي: الوصف الأطيب والأكمل.
٢ - ووَصَفَ أسماءه بأنها حسنى " ولله الأسماء الحسنى " [الأعراف: ١٨٠]، ولا تكون كذلك إلا إذا تضمنت صفات كمال، ولو كانت ألفاظًا لا تدل على معان لما كانت حسنى، ولو دلت على صفات نقص لما كانت حسنى، وحسنى أفعل تفضيل، فله - تعالى - الوصف الأكمل، وله من كل صفة غايتها، وهو منزه عن كل نقص.
٣ - والله قد أثنى على نفسه بما له من صفات الكمال في آيات كثيرة.
ثم إن صفات الكمال معروفة معقولة، فالسمع والبصر والحياة كمال، والصمم والعمى والموت نقص.
وإذا كان المخلوق يتصف بالكمال فالخالق أولى (٣)، لأن صفات الكمال للمخلوق جائزة له فيجوز أن يتصف بها أو بضدها، وأما الخالق فهي واجبة له - ﷾ -، فالحياة واجبة بمعنى: أنها لا تنفك عن ذاته، وكذلك كل الصفات الذاتية واجبة، وهي في حق المخلوق جائزة، فالمخلوق يجوز عليه الحياة والموت، وتجوز عليه هذه الصفات
_________________
(١) أخرجه مسلم (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ -.
(٢) بدائع الفوائد (١/ ٢٨٧ وما بعدها).
(٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٧٦، ٨١)، شرح الرسالة التدمرية (١٦٥ وما بعدها).
[ ٦٣ ]
- كالسمع والبصر - وأضدادها، وأما الله - تعالى - فلا تجوز عليه أضدادها، واتصافه - ﷾ - بصفات الكمال يقتضي تأليهه وحده لا شريك له، فهو الخالق ولا خالق سواه، وهو المالك لكل شيء، وهو القادر على كل شيء، وهو العالي على كل شيء، وهو السميع الذي سَمْعُهُ وَسِعَ الأصواتَ كلها، وبصره نافذ في جميع المخلوقات، وأما ما سواه فهو مربوب مخلوقٌ مُدَبَّرٌ، عَبْدٌ فقير.
والله - تعالى - كما وصف نفسه بصفات الكمال: نَزَّهَ نفسه عن أضدادها، فنزه نفسه عن الموت والسِّنَةِ والنوم لأنها تضاد كمال حياته، ونَزَّه نفسه عن الصاحبة والولد لأن ذلك ينافي كمال غناه وصمديته وأحديته، ونَزَّهَ نفسه عن الضلال والنسيان والغفلة لأن ذلك ينافي كمال علمه، ونزه نفسه عن الظلم لأن ذلك ينافي كمال العدل.
وكل نفي في صفات الله فإنه يتضمن كمالًا، وكل إثبات فإنه يتضمن تنزيهًا.
والنفي والتنزيه جاء مجملًا ومفصلًا فقوله: " سبحان الله عما يصفون " [المؤمنون: ٩١] تنزيهٌ لله عن كل ما يصفه به الجاهلون والمفترون.
أما صفاته التي تكون نقصًا وتكون كمالًا - كما قال الشيخ -، فله - تعالى - من ذلك الكمال؛ فالمكر والخداع يكون كمالًا ومحمودًا إذا وقع على من يستحقه، يقول تعالى: " ومكروا مكرا ومكرنا مكرا " [النمل: ٥٠]، وقال تعالى: " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله " [الأنفال: ٣٠]، والله - تعالى - يمكر حقيقة ليس كما يقول بعض المفسرين: إن هذا على سبيل المشاكلة اللفظية فقط (١)، فالله
_________________
(١) تفسير البيضاوي (٢/ ٤٤)، وتفسير أبا السعود (٤/ ١٩)، وفتح القدير (١/ ٣٤٤) وغيرها.
[ ٦٤ ]
يمكر بالكافرين والمنافقين في الدنيا والآخرة كما يمكرون، ويستهزئ بهم ويخدعهم " يخادعون الله وهو خادعهم " [النساء: ١٤٢] فما يكون من الرب من مكر واستهزاء إنما هو عقوبة، وسنة الله في الجزاء أنه من جنس العمل، فيستهزئ بالمستهزئين، ويسخر بالساخرين برسله وأوليائه، ويمكر بالماكرين بأنبيائه ورسله وأوليائه، وأما المخلوق فيكون منه المكر المحمود والمذموم، فمنه ما يكون عدلًا ومنه ما يكون ظلمًا وعدوانًا، والله أعلم.
[ ٦٥ ]
القاعدة الثانية:
باب الصفات أوسع من باب الأسماء (١).
وذلك:
١ - لأنَّ كُلَّ اسمٍ متضمن لصفة - كما سبق في القاعدة الثالثة من قواعد الأسماء -.
٢ - ولأن من الصفات ما يتعلق بأفعال الله - تعالى -، وأفعاله لا منتهى لها، كما أن أقواله لا منتهى لها، قال الله - تعالى -: " وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " [لقمان: ٢٧].
ومن أمثلة ذلك: أن من صفات الله - تعالى -: المجيء، والإتيان، والأخذ، والإمساك، والبطش إلى غير ذلك من الصفات التي لا تحصى، كما قال تعالى: " وَجَاءَ رَبُّك " [الفجر: ٢٢].
وقال: " هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَاتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ " [البقرة: ٢١٠].
وقال: " فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ " [آل عمران: ١١].
وقال: " وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ " [الحج: ٦٥].
وقال: " إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ " [البروج: ١٢].
_________________
(١) بدائع الفوائد (١/ ٢٨٦).
[ ٦٦ ]
وقال: " يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ " [البقرة: ١٨٥].
وقال النبي - ﷺ -: " ينزل ربنا إلى السماء الدنيا " (١).
فَنَصِفُ اللهَ - تعالى - بهذه الصفات على الوجه الوارد، ولا نسميه بها، فلا نقول: إن من أسمائه: الجائي، والآتي، والآخذ، والممسك، والباطش، والمريد، والنازل، ونحو ذلك، وإِنْ كُنَّا نخبر بذلك عنه ونصفه به.
التعليق
من قواعد الصفات: أنها أوسع من الأسماء؛ فكل اسم متضمن لصفة، فتقول: إن الله عليم وسميع وبصير هذه صفات، وهي أسماء.
ولا يشتق له - تعالى - من كل صفة اسم، كالغضب والرضى والمجيء والنزول والإستواء، وبعض الأفعال مشتقة من الأسماء مثل: الخلق فهو الخالق والخلاق، ومثل الرَّزق فهو الرازق والرزَّاق وهو خير الرازقين.
فباب الصفات أوسع، فكل اسم متضمن لصفة، وليس كل صفة تكون اسمًا لله أو يشتق له - تعالى - منها اسم، تقول: الله مستوٍ على عرشه، لكن لا تقول: يا مستوي، فلا تدعوه بهذا لكن تخبر فتقول: الله مستوٍ على عرشه.
والناس عندهم بعض الغلط في هذا:
١ - فبعضهم يقول: الله المُهْدي، ويقولون: عبد المُهْدي.
٢ - ويقولون: عبد العاطي؛ لأنه المعطي.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٧٤٩٤)، ومسلم (٧٥٨) عن أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٦٧ ]
٣ - وكذلك عَدُّ المُعِزِّ والمُذِلِّ من الأسماء، وهي ما ثبتت بهذه الصيغة، وإنما وردت بالفعل: " تعز من تشاء وتذل من تشاء " [آل عمران: ٢٦].
وبعض الأسماء وردت مثل: المحسن (١)، والإحسان المطلق لله - تعالى -، وكذلك الإنعام ولهذا اشتهر: عبد المحسن، وعبد المنعم (٢)؛ فإنه - تعالى - المُنْعِمُ بجميع النعم " وما بكم من نعمة فمن الله " [النحل: ٥٣].
وأفعاله - تعالى - لا حدَّ لها؛ لأنه لم يزل ولا يزال فعالًا لما يريد، وكذلك كلامه لا نهاية له - كما في الآية التي ذكرها الشيخ -.
وهناك قاعدة أخرى قريبةٌ من هذه، وهي: أنَّ باب الإخبار عن الله - تعالى - أوسع من باب الأسماء والصفات، مثل: الموجود، القائم بنفسه، وغيرها؛ فهذه يُخْبَرُ عن الله بها، ولا تدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العُلَى (٣).
_________________
(١) تقدم تخريجه في صفحة ()؛ وانظر كتاب " ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها " للشيخ عبد العزيز الجليل (ص ٧٣١) وهو كتاب قَيِّمٌ، قرأه مؤلفه على الشارح - حفظه الله -.
(٢) تقدمت الإشارة إليه في صفحة رقم ().
(٣) مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٢ وَ٩/ ١٣٠)، درء التعارض (١/ ١٧٣)، الجواب الصحيح (٥/ ٨)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ٢٢)، بدائع الفوائد (١/ ٢٨٤)، شرح الرسالة التدمرية (٣٥٨).
[ ٦٨ ]
القاعدة الثالثة:
صفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين: ثبوتية، وسلبية
فالثبوتية: ما أثبته الله - تعالى - لنفسه في كتابه، أو على لسان رسوله - ﷺ -، وكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه؛ كالحياة، والعلم، والقدرة، والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والوجه، واليدين، ونحو ذلك.
فيجب إثباتها لله - تعالى - حقيقة على الوجه اللائق به بدليل السمع والعقل.
أما السمع:
فمنه قوله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا " [النساء: ١٣٦].
فالإيمان بالله يتضمن: الإيمان بصفاته.
والإيمان بالكتاب الذي نَزَّلَ على رسوله يتضمن: الإيمان بكل ما جاء فيه من صفات الله.
وكون محمد - ﷺ - رسوله يتضمن: الإيمان بكل ما أخبر به عن مُرْسِلِهِ، وهو الله - ﷿ -.
وأما العقل:
فلأن الله - تعالى - أخبر بها عن نفسه، وهو أعلم بها من
[ ٦٩ ]
غيره، وأصدق قيلًا، وأحسن حديثًا من غيره، فوجب إثباتها له كما أخبر بها من غير تردد، فإن التردد في الخبر إنما يتأتى حين يكون الخبر صادرًا ممن يجوز عليه الجهل، أو الكذب، أو العي بحيث لا يفصح بما يريد، وكل هذه العيوب الثلاثة ممتنعة في حق الله - ﷿ - فوجب قبول خبره على ما أخبر به.
وهكذا نقول فيما أخبر به النبي - ﷺ - عن الله - تعالى -؛ فإن النبي - ﷺ - أعلم الناس بربه، وأصدقهم خبرًا، وأنصحهم إرادة، وأفصحهم بيانًا، فوجب قبول ما أخبر به على ما هو عليه.
والصفات السلبية: ما نفاها الله - سبحانه - عن نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله - ﷺ -، وكلها صفات نقص في حقه كالموت، والنوم، والجهل، والنسيان، والعجز، والتعب؛ فيجب نفيها عن الله تعالى - لما سبق - مع إثبات ضدها على الوجه الأكمل (١)، وذلك:
١ - لأن ما نفاه الله - تعالى - عن نفسه؛ فالمراد به بيان انتفائه لثبوت كمال ضده، لا لمجرد نفيه؛ لأن النفي ليس بكمال، إلا أن يتضمن ما يدل على الكمال؛ وذلك لأن النفي عدم، والعدم ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون كمالًا (٢).
٢ - ولأن النفي قد يكون:
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٦/ ٩٩ وَ١٧/ ١٠٧ - ١٠٩، ١٤٢ - ١٤٥، ٣٢٥ - ٣٢٦، ٤٤٩)، شرح الرسالة التدمرية (ص ٥١ - ٨٤، ١٨٢ - ١٨٥، ١٩٩)، وتوضيح مقاصد العقيدة الواسطية (ص ٤٢).
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في التدمرية (ص ١٨٤): وينبغي أنْ يُعْلَم أنَّ النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال؛ لأن النفي المحض عدمٌ محض، والعدم المحض ليس بشيء .
[ ٧٠ ]
أ - لعدم قابلية المحل له، فلا يكون كمالًا كما لو قلت: الجدار لا يَظْلِمْ.
ب - وقد يكون للعجز عن القيام به فيكون نقصًا، كما في قول الشاعر:
قُبَيِّلَةٌ لا يغدرون بذمة * ولا يظلمون الناس حبة خَرْدَلِ (١)
وقول الآخر:
لكن قومي وإن كانوا ذوي حسب * ليسوا من الشر في شيء وإن هانا (٢)
* مثال ذلك: قوله تعالى: " وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوت " [الفرقان: ٥٨]. فَنَفْيُ الموت عنه يتضمن كمال حياته.
* مثال آخر: قوله تعالى: " وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا " [الكهف: ٤٩] نفي الظلم عنه يتضمن كمال عدله.
* مثال ثالث: قوله تعالى: " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ " [فاطر: ٤٤] فنفي العجز عنه يتضمن كمال علمه وقدرته، ولهذا قال بعده: " إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا " [فاطر: ٤٤]، لأن العجز سببه إما الجهل بأسباب الإيجاد، وإما قصور القدرة عنه؛ فلكمال علم الله - تعالى - وقدرته لم يكن ليعجزه شيء في السموات ولا في الأرض.
_________________
(١) هذا البيت للشاعر النجاشي قيس بن عمرو بن مالك؛ وانظر تحقيقًا موسعًا في ألفاظه، وسببه، والشاهد منه في: المجلى في شرح القواعد المثلى (ص ١٩١).
(٢) هذا البيت ينسب لقريط بن أنيق؛ وانظر تحقيقًا موسعًا في ترجمة الشاعر، وألفاظ البيت، ومراد الشاعر منه في: المجلى في شرح القواعد المثلى (ص ١٩١).
[ ٧١ ]
وبهذا المثال علمنا أَنَّ الصفةَ السلبية قد تتضمن أكثر من كمال.
التعليق
يقول الشيخ - ﵀ -: إن صفات الله ثبوتية؛ يعني صفات يجب إثباتها له، وسَلبية وهي سلب النقائص والعيوب، وهذا صحيح.
وهذه صاغها شيخ الإسلام بعبارة أخرى بقوله في التدمرية: (القاعدة الأولى: أنَّ الله - تعالى - موصوف بالإثبات والنفي، فالإثبات كإخباره أنه بكل شيءٍ عليم، وعلى كل شيءٍ قدير، وأنه سميع بصير ونحو ذلك؛ والنفي كقوله: " لا تأخذه سنة ولا نوم " [البقرة: ٢٥٥]) (١).
ونجد هذا في الآيات:
فقوله تعالى: " قل هو الله أحد * الله الصمد " [الإخلاص] هذا إثبات.
وقوله: " لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد " [الإخلاص] هذا نفي.
والنفي يسمى سلبًا، فالله موصوف بإثبات الكمالات وموصوف بسلب النقائص، فالنوم والسِّنَة والولد والظلم ليست هي الصفات السلبية التي نقول: إن الله موصوف بصفات سلبية؛ بل الصفات السلبية هي نفيها؛ فالله موصوف بسلب هذه النقائص، فالصفة هي النفي، فنفي النقائص مما يوصف الله به.
والنفي الذي يوصف الله به هو: النفي المتضمن لإثبات كمال - كما قال الشيخ -، أما النفي المحض الذي لا إثبات فيه فهذا ليس بمدح
_________________
(١) التدمرية (ص ١٨٢).
[ ٧٢ ]
ولا كمال (١).
وقد ذكر شيخ الإسلام هذا المعنى في القاعدة الأولى من القواعد التي ذكرها في التدمرية فقال: (وينبغي أن يُعْلَم أنَّ النفي ليس فيه مدحٌ ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدحٌ ولا كمال؛ لأنَّ النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء - هو كما قيل - ليس بشيء؛ فضلًا عن أنْ يكون مدحًا أو كمالًا) (٢). وقالوا تمثيلًا لهذا: وصف العاجز بأنه لا يظلم، فنفي الظلم عنه لعجزه لا لعدله، ومثل كون الشيء لا يُرى مطلقًا فهذا ليس بمدح، يقول شيخ الإسلام: (لأن المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يُرى مدح) (٣).
فكل نفي في صفات الله فإنه متضمن لإثبات كمال، فنفي الظلم يتضمن إثبات كمال العدل، ونفي النوم والسنة والموت يتضمن كمال الحياة، ونفي الضلال والنسيان يتضمن كمال العلم إلى آخره.
_________________
(١) التدمرية (ص ١٨٤).
(٢) التدمرية (ص ١٨٤).
(٣) التدمرية (ص ١٨٨).
[ ٧٣ ]
القاعدة الرابعة:
الصفات الثبوتية صفات مدح وكمال؛ فكلما كثرت وتنوعت دلالتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر (١).
ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر بكثير من الصفات السلبية (٢)، كما هو معلوم.
أما الصفات السلبية فلم تذكر غالبًا إلا في الأحوال التالية:
الأولى: بيان عموم كماله؛ كما في قوله تعالى: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " [الشورى: ١١]، " وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ " [الإخلاص].
الثانية: نفي ما ادعاه في حقه الكاذبون؛ كما في قوله: " أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا* وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا " [مريم: ٩١، ٩٢].
الثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين؛ كما في قوله: " وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ " [الأنبياء: ١٦]. وقوله: " وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ " [ق: ٣٨].
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/ ٧١) واسم هذه الرسالة: الرسالة الأكملية.
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٦٦ - ٦٨، ٥١٥)، الرسالة الصفدية (ص ١٤٣)، شرح الرسالة التدمرية (٦٧، ٨٠)، توضيح مقاصد العقيدة الواسطية (٤٢، ١٢٠).
[ ٧٤ ]
التعليق
تقدم في القاعدة السابقة: أن الله موصوف بالإثبات والنفي، أو أن صفاته نوعان: ثبوتية وسلبية؛ والسلبية نسبة إلى السَّلب، وهو معنى النفي، فسواءً قلنا: إن الله موصوف بالإثبات والنفي، أو موصوف بصفات ثبوتية وسلبية؛ فالمعنى واحد.
فهو موصوف بإثبات صفات الكمال، وكل ما وصف الله به نفسه فهو صفة كمال بما في ذلك الصفات السلبية أيضًا، أما الثبوتية فأمرها ظاهر، وأما الصفات السلبية فإنها متضمنة للكمال، لأنها متضمنة لإثبات أضدادها، فكل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله من النفي فإنه متضمن لإثبات كمال ضد ما نفاه - كما تقدم هذا المعنى -.
لكن الإثبات في الغالب يأتي مفصلًا، يعني فيه تعداد وتفصيل في الأسماء الحسنى والصفات لأنه إثبات محامد وكمالات، وأما في النفي فالغالب فيه الإجمال كقوله: " ليس كمثله شيء " [الشورى: ١١]، وقد يأتي مفصلًا:
١ - للرد على المفترين - كما قال الشيخ -.
٢ - أو يأتي من أجل دفع توهم نقص في مقام من المقامات كقوله: " وما مسنا من لغوب" [ق: ٣٨] لما ذكر خلقه للسماوات والأرض في ستة أيام، ففي ذلك تأكيد لكمال قدرته - ﷾ -، وأنه لا يلحقه كلال ولا إعياء مع عظيم فعله، ومثله: " الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم " [البقرة: ٢٥٥] فنفي السنة والنوم متضمن لكمال الحياة والقيام.
[ ٧٥ ]
القاعدة الخامسة:
الصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين: ذاتية، وفعلية (١).
فالذاتية: هي التي لم يزل ولا يزال متصفًا بها كالعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والعزة، والحكمة، والعلو، والعظمة؛ ومنها الصفات الخبرية كالوجه، واليدين، والعينين.
والفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها؛ كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا.
وقد تكون الصفة ذاتية فعلية باعتبارين كالكلام (٢)؛ فإنه باعتبار أصله صفة ذاتية، لأن الله - تعالى - لم يزل ولا يزال متكلمًا، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية، لأن الكلام يتعلق بمشيئته، يتكلم متى شاء بما شاء كما في قوله تعالى: " إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ " [يس: ٨٢].
وكل صفة تعلقت بمشيئته - تعالى - فإنها تابعة لحكمته، وقد تكون الحكمة معلومة لنا، وقد نعجز عن إدراكها لكننا نعلم علم اليقين أنه - سبحانه - لا يشاء شيئًا إلا وهو موافق للحكمة، كما
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٦/ ٢٦٨ - ٢٧٢)، جامع الرسائل (٢/ ٣) وهي بعنوان (رسالة في الصفات الاختيارية)، شرح العقيدة الطحاوية (٥٦).
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٢١٩).
[ ٧٦ ]
يشير إليه قوله تعالى: " وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا " [الإنسان: ٣٠].
التعليق
أهل العلم يقسمون الصفات إلى: ذاتية وفعلية، وذاتية فعلية، وهذا التقسيم كغيره مما نبه إليه أهل العلم لدعاء الحاجة إلى ذلك، وإلا فالسلف والصحابة يدركون هذه المعاني دون أن يتكلموا بهذه المصطلحات، لكن لما جاءت البدع ووقع الناس في التخبط نبه العلماء إلى المسائل، وقسَّموا وفصَّلوا مثل تقسيم التوحيد، ومثل تقسيم أفعال العبادات إلى أركان وواجبات وسنن.
فهنا قالوا: إن الصفات منها صفات ذاتية نسبة إلى ذات الله، وهي الصفات الملازمة لذاته التي لا تنفك عنها ذات الرب.
فيمكن أنْ تَضْبِطَ الفرق بين الذاتية والفعلية:
إما أن تقول: الصفات الذاتية هي التي لا تنفك عنها ذات الرب.
أو تقول: إنَّ الصفات الذاتية هي التي لا تتعلق بها المشيئة، والفعلية هي التي تتعلق بها المشيئة، أو تكون بمشيئته - ﷾ - (١).
والفرق ظاهر: فالحياة صفة ذاتية لا تتعلق بها المشيئة، ولا تنفك عنها ذات الرب، فلا تقول: إنه حي إذا شاء، هذا لا يجوز، أو عليم أو يعلم إذا شاء، أو ذو عزة إذا شاء، فهذا لا يستقيم؛ بل هذه صفات لازمة لذاته لا تتعلق بها المشيئة.
أما الصفات الفعلية - وتسمى الصفات الاختيارية، أو الأفعال
_________________
(١) قال الشارح - حفظه الله - في العقيدة الطحاوية (٥٦): فكل ما تستطيع أن نقول فيه: (ما زال كذا) فهي ذاتية؛ وضابط الصفات الذاتية والفعلية: أنَّ الذاتية لا تتعلق بها المشيئة، وأما الفعلية فتتعلق بها المشيئة.
[ ٧٧ ]
الاختيارية -: فهذه تابعة لمشيئته، مثل: النزول، فتقول: ينزل إذا شاء. ومثل: الاستواء على العرش، والمجيء يوم القيامة، وكذلك الغضب والرضى فهذه الصفات فعلية.
يقول الشيخ: ومن الصفات ما يصدق عليها أنها ذاتية فعلية باعتبارين، مثل: الكلام، والخلق، والرَّزق؛ فهذه باعتبار أن الله لم يزل موصوفًا بها، فتقول: الله لم يزل فعالًا لما يريد، ولم يزل خالقًا، ولم يزل غفورًا، ولم يزل رحيمًا، فهذه صفات ذاتية؛ وباعتبار أفراد أو آحاد هذه الأفعال هي تابعة للمشيئة، فهو يرحم من شاء إذا شاء، ويرزق من شاء إذا شاء، ويتكلم إذا شاء، فالكلام قديم النوع حادث الآحاد، فالكلام صفة ذاتية، والخلق صفة ذاتية فعلية، والمغفرة وكونه - تعالى - غفور صفة ذاتية فعلية وما أشبه ذلك.
يقول الشيخ: ومن الصفات الذاتية: الصفات الخبرية، والحقيقة أن الصفات الخبرية منها ذاتية ومنها فعلية أيضًا، فالصفات الخبرية تقابل بالصفات العقلية، فالصفات الخبرية هي: التي طريق العلم بها الخبر والنقل، والعقلية هي: التي طريق العلم بها السمع والعقل؛ فالعلم والسمع والبصر والحياة صفات خبرية سمعية عقلية، والوجه واليدين والقدمين والعينين صفات خبرية.
والصفات الخبرية منها صفات ذاتية كالوجه واليدين، ومنها صفات فعلية كالضحك والفرح والمجيء فهذه صفات خبرية فعلية.
فالصفات الذاتية يقابلها الفعلية، والصفات الخبرية يقابلها العقلية، وكلٌ من الخبرية أو العقلية ينقسم إلى ذاتية وفعلية، والله أعلم.
لكن قد يشكل كون الصفات منها صفات عقلية مع أن الصفات
[ ٧٨ ]
توقيفية؛ والجواب (١): أنَّ الصفات العقلية توقيفية، لكن العقل يدركها، فيتظافر ويجتمع فيها دلالتان، مثل: الحياة صفة كمال؛ وطريق العلم بها: السمع والعقل، والعلم كذلك.
أفيقول قائل: لو لم يأتِ في النصوص ذكر العلم نقول: لا ندري أيوصف بالعلم أو لا يوصف؟!، ولو لم تأتِ النصوص بذكر الحياة نقول: لا ندري أيوصف الله بالحياة أو لا؟! لأنَّ العقل لا يدل على إثبات شيء من ذلك!؛ بل نقول: هذه الصفات تظافرت عليها الدلالات السمعية والعقلية لأن انتفاءها نقص، ومعلوم بضرورة العقل تنزيه الله عن النقص.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٨٨ وَ١٨/ ٢٢٠)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في تنبيه الرجل العاقل (٢/ ٦٢٠): وأما الأمور الحقيقية مثل: صفات الباري ونحو ذلك؛ فلا يجوز ني شيءٍ منها لعدم ما يدل على ثبوته، لجواز أن يكون ثابتًا من غير دليل يدلنا على ثبوته، ولا يمتنع ذلك إذا لم نكن مكلفين باعتقاد ثبوته أو نفيه، وليس الأصل عدمه حتى يُتَمسك فيه بالأصل النافي، إذ ما وَجَبَ قِدَمُهُ امتنعَ عدمُه، ولأن التمسك بالاستصحاب في الاعتقادات ليس بجائز. اهـ. وانظر: شرح العقيدة السفارينية للشيخ ابن عثيمين (١١٠ وما بعدها، ١٦٩، ٢٠١)، وما سيأتي في القاعدة السابعة من قواعد الصفات.
[ ٧٩ ]
القاعدة السادسة:
يلزم في إثبات الصفات التخلي عن محذورين عظيمين:
أحدهما: التمثيل.
والثاني: التكييف (١).
فأما التمثيل فهو: اعتقاد المثبت أن ما أثبته من صفات الله - تعالى - مماثل لصفات المخلوقين، وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل.
أما السمع: فمنه قوله تعالى: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " [الشورى: ١١]، وقوله: " أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ " [النحل: ١٧]، وقوله: " هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا " [مريم: ٦٥]، وقوله: " وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ " [الإخلاص].
وأما العقل فمن وجوه:
الأول: أنه قد علم بالضرورة أن بين الخالق والمخلوق تباينًا في الذات؛ وهذا يستلزم أن يكون بينهما تباين في الصفات؛ لأن صفة كل موصوف تليق به، كما هو ظاهر في صفات المخلوقات المتباينة في الذوات، فقوة البعير - مثلًا - غير قوة الذَّرَّة، فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكها في الإمكان
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٩٥، ٢٥٧ وَ٦/ ٥١٥ وَ٣٣/ ١٧٧)، الحموية (ص ٢٧١)، الرسالة الصفدية (١٣٣)، شرح الرسالة التدمرية (ص ٥٣)، توضيح مقاصد العقيدة الواسطية (٣٣).
[ ٨٠ ]
والحدوث، فظهور التباين بينها وبين الخالق أجلى وأقوى.
الثاني: أَنْ يُقَال: كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابهًا في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى مَنْ يكمله؟! وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق؟! فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا.
الثالث: أننا نشاهد في المخلوقات ما يتفق في الأسماء ويختلف في الحقيقة والكيفية؛ فنشاهد أن للإنسان يدًا ليست كيد الفيل، وله قوة ليست كقوة الجمل، مع الاتفاق في الاسم، فهذه يد وهذه يد، وهذه قوة وهذه قوة، وبينهما تباين في الكيفية والوصف، فعلم بذلك أن الاتفاق في الاسم لا يلزم منه الاتفاقُ في الحقيقة.
والتشبيه كالتمثيل؛ وقد يفرق بينهما بأن التمثيل التسوية في كل الصفات، والتشبيه التسوية في أكثر الصفات، لكن التعبير بنفي التمثيل أولى لموافقة القرآن: " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " [الشورى: ١١].
وأما التكييف: فهو أن يعتقد المثبت أن كيفية صفات الله - تعالى - كذا وكذا، من غير أن يقيدها بمماثل؛ وهذا اعتقاد باطل بدليل السمع والعقل.
أما السمع: فمنه قوله تعالى: " وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا " [طه: ١١٠]، وقوله: " وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا " [الإسراء: ٣٦]، ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفات ربنا؛ لأنه تعالى أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون
[ ٨١ ]
تكييفنا قفوًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به.
وأما العقل:
١ - فلأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته، أو العلم بنظيره المساوي له، أو بالخبر الصادق عنه، وكل هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله - ﷿ - فوجب بطلان تكييفها.
٢ - وأيضًا فإننا نقول: أَيُّ كيفيةٍ تقدرها لصفات الله - تعالى -؟ إِنَّ أَيَّ كيفيةٍ تقدرها في ذهنك، فالله أعظم وأجل من ذلك. وأي كيفية تقدرها لصفات الله - تعالى - فإنك ستكون كاذبًا فيها؛ لأنه لا علم لك بذلك.
وحينئذ يجب الكف عن التكييف تقديرًا بالجنان، أو تقريرًا باللسان، أو تحريرًا بالبنان.
ولهذا لما سئل مالك - رحمه الله تعالى - عن قوله تعالى: " الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى " [طه: ٥] كيف استوى؟ أطرق - ﵀ - برأسه حتى علاه الرُحَضاء (العرق) ثم قال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) (١)، وروي عن شيخه ربيعة أيضًا: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول) (٢).
_________________
(١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٤١) وغيره؛ وانظر: الأثر المشهور عن الإمام مالك - ﵀ - في الاستواء للشيخ عبد الرزاق العباد.
(٢) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٤٢) وغيره. وانظر لمعنى هذه العبارة المأثورة عن السلف: شرح الرسالة التدمرية (١٥١ - ١٥٢)، وتوضيح مقاصد العقيدة الواسطية (١٢٥).
[ ٨٢ ]
وقد مشى أهل العلم بعدهما على هذا الميزان. وإذا كان الكيف غير معقول ولم يرد به الشرع فقد انتفى عنه الدليلان العقلي والشرعي فوجب الكف عنه.
فالحذر الحذر من التكييف أو محاولته، فإنك إن فعلت وقعت في مفاوز لا تستطيع الخلاص منها، وإن ألقاه الشيطان في قلبك فاعلم أنه من نزغاته، فالجأ إلى ربك فإنه معاذك، وافعل ما أمرك به فإنه طبيبك، قال الله تعالى: " وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " [فصلت: ٣٦].
التعليق
معلوم أن مذهب أهل السنة وسط بين أهل التشبيه وأهل التعطيل، لأنهم يقولون: الواجب وصفه - تعالى - بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله إثباتًا بلا تشبيه وتنزيها بلا تعطيل.
فالمثبت للصفات يجب عليه الحذر من مذهب أهل التشبيه وأهل التكييف؛ حتى يكون مذهبه بريئًا من التشبيه والتكييف.
والتشبيه هو اعتقاد الشيءِ شبيهًا للشيء الآخر، فيقول: هذا مثل هذا، ولأن المشبهة يقولون: له سمع كسمعي، وبصر كبصري، ويد كيدي، وهؤلاء ومن سلك هذا المسلك لم يكن مثبتًا على الحقيقة فإنه لم يثبت لله صفاته التي تليق به، فوقع في الأمرين في التعطيل والتشبيه، فعطل الرب عن صفات كماله التي تليق به، ووصفه بما يجب تنزيهه عنه، ولهذا يقول أهل العلم: إن كل مشبهٍ معطل، وكل معطل مشبه (١)؛
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ١٦٤، ٣٦/ ١١٥، ١٢٥)، شرح الرسالة التدمرية (٦٠)، الصواعق المرسلة (١/ ٢٤٤)؛ وانظر: معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات (٦٦ وما بعدها)، وما سيأتي في (ص ٥٨ تنبيه).
[ ٨٣ ]
يعني فيه تلازم بين التشبيه والتعطيل، لكن المشبه أصل مذهبه الإثبات مع التشبيه ولكن لازم قوله التعطيل.
والتكييف هو: بيان كيفية الصفة، وفي الحقيقة أن التكييف يستلزم التشبيه، لأن الإنسان لم يكيف شيئًا إلا في حدود معلوم يتخيله على نحو ما يَعرف، المشبه يقول: سمعه كسمعي، وبصره كبصري، لكن المكيف يقول: إنه يسمع هكذا، وينزل هكذا؛ فيصف الهيئة والكيفية، فالتكييف يستلزم التشبيه، ولهذا النصوص الدالة على نفي التشبيه تتضمن نفي التكييف كقوله: " ولم يكن له كفوا أحد" [الإخلاص]، وقوله: " ليس كمثله شيء " [الشورى: ١١].
والتشبيه نوعان: تشبيه الخالق بالمخلوق، وتشبيه المخلوق بالخالق؛ والتشبيه المراد هنا هو: تشبيه الخالق بالمخلوق.
وكل من التشبيهين باطل؛ فلا يجوز تشبيه الخالق بالمخلوق، وذلك بوصف الخالق بصفات وخصائص المخلوق؛ ولا تشبيه المخلوق بصفات الخالق (١).
لكن الكلام الذي ذكره الشيخ منصبٌ على تشبيه الخالق بالمخلوق؛ كقول المشبهة: له سمع كسمعي، وبصر كبصري إلى آخره؛ فمن وصف الله بخصائص المخلوق فقد شبه الخالق بالمخلوق.
ولكن أكثر ما وقعت فيه البشرية هو: تشبيه المخلوق بالخالق؛ فالمشركون كلهم مشبهون لآلهتهم بالخالق حيث أثبتوا لمعبوداتهم
_________________
(١) قال ابن القيم في الداء والدواء (ص ٣١٣): حقيقة الشرك هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به. هذا هو (التشبيه) في الحقيقة، لا إثبات صفات الكمال التي وصفَ الله بها نفسه، ووصفه بها رسوله - سبحانه -، فَعَكَسَ من نكسَ اللهُ قلبَه، وأعمى عينَ بصيرته، وأرْكَسَهُ بلبسِهِ الأمرَ وجعلِ التوحيد تشبيهًا والتشبيه تعظيمًا وطاعةً.
[ ٨٤ ]
خصائص الإلهية فجعلوها آلهة مع الله، فالمشرك مشبه لمعبوده برب العالمين، ولهذا وردت النصوص في نفي التشبيه على نفي تشبيه المخلوق بالخالق كقوله " ليس كمثله شيء " [الشورى: ١١] أي ليس شيء من الموجودات مِثلًا له، وقوله: " ولم يكن له كفوًا أحد " [الإخلاص] أي: لم يكن أحد كفؤًا له، وقوله: " هل تعلم له سميًا " أي: ليس شيء سميًا له " فلا تضربوا لله الأمثال " [النحل: ٧٤] أي لا تجعلوا له مثلا من خلقه، ولا شك أن إبطال هذا النوع يستلزم إبطال الثاني؛ فمن شبه الله بخلقه فقد لزم منه أن يكون المخلوق كالخالق.
والتشبيه والتكييف - كما قال الشيخ - باطل شرعًا وعقلًا؛ أما الشرع: فللآيات والنصوص - التي أوردها الشيخ -، وأما دلالة العقل: فعلى الوجوه التي ذكرها، وهي واضحةٌ بينةٌ، والله أعلم.
[ ٨٥ ]
القاعدة السابعة:
صفات الله توقيفية لا مجال للعقل فيها (١).
فلا نثبت لله - تعالى - من الصفات إلا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته، قال الإمام أحمد - رحمه الله تعالى -: (لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث). انظر القاعدة الخامسة في الأسماء.
ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة ثلاثة أوجه:
الأول: التصريح بالصفة كالعزة، والقوة، والرحمة، والبطش، والوجه، واليدين، ونحوها.
الثاني: تضمن الاسم لها مثل: الغفور متضمن للمغفرة، والسميع متضمن للسمع، ونحو ذلك. انظر القاعدة الثالثة في الأسماء.
الثالث: التصريح بفعل أو وصف دال عليها كالاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة، والانتقام من المجرمين، الدال عليها - على الترتيب - قوله
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٦)، الرسالة الصفدية (٣٢٢، ٣٣٠)، بدائع الفوائد (١/ ٢٨٥)، نقض الدارمي (١/ ٢٢٠)، شرح الرسالة التدمرية (٥١، ٣٩٥)، شرح العقيدة السفارينية (١٦٩، ٢٠١ وما بعدها). وهل تثبت الصفات بالإجماع؟ انظر: شرح الرسالة التدمرية (٢٠٣).
[ ٨٦ ]
تعالى: " الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى " [طه: ٥]، وقول النبي - ﷺ -: " ينزل ربنا إلى السماء الدنيا " (١)، وقول الله - تعالى -: " وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا " [الفجر]، وقوله: " إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ " [السجدة: ٢٢].
التعليق
يفهم مقصود هذه القاعدة من القاعدتين السابقتين اللتين أحال الشيخ - ﵀ - عليهما، وهما القاعدة الثالثة والخامسة، ولا ريب أنَّ المعول في إثبات الأسماء والصفات على كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - كما قال الإمام أحمد: (لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث) (٢)، وقوله - ﵀ -: (لا يتجاوز القرآن والحديث) أي: لا يزاد على ما ورد فيهما؛ أي: لا يوصف بما لم يرد في كتاب ولا سنة؛ وهذا معنى: أنَّ صفاته - تعالى - توقيفية.
وهذا لا يمنع من دلالة العقل على بعض الصفات، فإنَّ من الصفات ما تتظافر عليها أنواع الأدلة؛ كالعلو لله - تعالى - فقد دلَّ عليه: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة.
ومن الصفات التي دلَّ عليها العقل مع دلالة النقل: العلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والمحبة، والرحمة، والحكمة.
ومن الصفات ما طريق العلم به هو الخبر: كالوجه، واليدين، والاستواء، والضحك، والفرح.
وقول الشيخ - ﵀ -: (لا مجال للعقل فيها): يريد أنَّ العقل لا يستقل
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣١٧)، ومسلم (٣٣٩٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) أخرجه ابن بطة في الإبانة (٣/ ٣٢٦)، ونقله شيخ الإسلام في الحموية (ص ٢٧١) وغيرها.
[ ٨٧ ]
بإثبات شيءٍ من الصفات بحيث يقال هذه الصفة ثبتت بالعقل، ولم يدلَّ عليها السمع؛ فهذا لا يكون.
وبناءً على ما تقدم؛ إذا قيل: إنَّ الصفات قسمان: عقلية وسمعية، أو خبرية؛ فالمراد بالعقلية: ما دلَّ عليه العقل مع دلالة السمع؛ والمراد بالخبرية: ما دلَّ عليه الخبر فقط؛ كما تقدم التمثيل للنوعين (١)، والله أعلم.
_________________
(١) في صفحة رقم (٧٨).
[ ٨٨ ]