ويشتمل علي ثلاثة فصول:
الفصل الأول: دور الإخلاص في تصحيح العبادة وقبولها عند الله.
الفصل الثاني: آثار التوحيد على الأعمال التكليفية:
أ - الأعمال القلبية.
ب - أعمال الجوارح.
الفصل الثالث: من المؤثرات على الأعمال التكليفية:
أ - البدعة.
ب - الهوى.
ت - التقليد الأعمى.
****
[ ٥٩ ]
الفصل الأول
دور الإخلاص في تصحيح العبادة وقبولها عند الله
إن الإيمان مسئولية كل إنسان مكلف وقضية الإيمان هي القضية الكبرى في حياة الإنسان وهي القضية التي تحدد مصيره وجزاءه ومن هذا كله نخرج بحقيقة واضحة هي أن الإيمان برحمة الله وعدله وفضله ميسر للناس كلهم.
فالإيمان إذن قضية إنسانية عامة وهي مسئولية كل إنسان هيأ الله أسباب بلوغها لكل إنسان مكلف في الحياة الدنيا وهو محاسب عن ذلك يوم القيامة بين يدي الله ويغفر الله لمن يشاء من عباده ما شاء من ذنوبهم التي يموتون عليها إلا الشرك فمن مات عليه فلا يغفر الله له ذلك أبدا كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء، الآية: ٤٨ [(١).
_________________
(١) التوحيد وواقعنا المعاصر ص / ٨٣ - ٨٤.
[ ٦١ ]
ولقد جعل الله سبحانه المحاسبة على النية من أمره هو يحاسب عليها لأنه هو وحده يعلمها ولا مجال للناس أن تشق صدور الخلق لتعرف ما تطويه الصدور ولكن هذا لا يتعارض مع واجب مطالبة الإنسان أن يكون لنيته أمارات تصدقها فيما يتعلق بحقوق العباد وبأداء الواجبات وبالخضوع لشرع الله (١).
- قال شيخ الإسلام﵀- بل إخلاص الدين لله هو الدين الذي لا يقبل الله سواه وهو الذي بعث به الأولين والآخرين من الرسل .. قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر، الآيتان: ٢:١].
والسورة كلها عامتها في هذا المعنى كقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الزمر، الآية: ١٢،١١ [(٢).
- وقال ابن القيم﵀- ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الإخلاص قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا
_________________
(١) التوحيد وواقعنا المعاصر ص / ٢٣٧.
(٢) الفتاوي جـ / ١٠ص / ٤٩.
[ ٦٢ ]
لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة البينة، الآية: ٥]. وقال ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [سورة الملك، الآية ٢]. قال الفضيل ابن عياض: هو أخلصه وأصوبه قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوبًا، والخالص أن يكون لله والصواب خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [سورة الكهف، الآية: ١١٠ [(١).
وإذا نظرنا إلى من لم يحقق الإخلاص في أعماله نجد أن تلك الأعمال لا تقبل عند الله بل تكون وبالا عليه كما بين ذلك المصطفى ﵇.
ففي الحديث عن أبي موسى - ﵁ - قال: «جاء رجل إلى النبي - ﷺ -، فقال: الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل
_________________
(١) مدارج السالكين جـ / ٢ص / ٩٣.
[ ٦٣ ]
الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (١).
وفي الحديث القدسي أن أول الناس يقضى يوم القيامة عليهم وهم رجل استشهد ورجل تعلم القرآن والأخير رجل منفق وكلهم يقال لكل واحد منهم: كذبت ولكنك فعلت ليقال هو كذا فقد قيل ثم يؤمر به فيسحب على وجهه ثم يلقى في النار (٢).
وفي الحديث الصحيح الإلهي يقول الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه غيري للذي أشرك به وأنا منه بريء».
وفي أثر آخر يقول له يوم القيامة اذهب فخذ أجرك ممن عملت له لا أجر لك عندنا.
- وقال الفضيل: ترك العمل من أجل الناس رياء والعمل من أجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما.
- وقال الجنيد: الإخلاص سر بين الله وبين العبد لا يعلمه
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد باب ١٥ح رقم / ٢٨١٠جـ / ٦ص / ٢٧.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الامارة باب ٤٣ح رقم / ١٩٠٥ جـ١٣ص / ٧٥.
[ ٦٤ ]
ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله.
- والإخلاص كما قال ابن القيم: تصفية العمل من كل الشوائب (١).
والنية هي الخطوة الأولي في الممارسة الإيمانية وهي ركن الشعائر التعبدية وهي محور صلاح عمل الإنسان كله ومنطق السعي المقبول عند الله وقاعدة للأجر والثواب.
والنية النابعة من التوحيد هي التي توزع الري على طاقات الفطرة حتى تحفظ فيها الموازنة الأمينة العادلة، وبالتوحيد وبالنية النابعة منه تكون كل الأعمال موافقة لشرع الله ومقبولة عنده سبحانه وإن النية النابعة من التوحيد تظل طاهرة مشرقة عاملة بالخير كابحة للشر.
هذا هو دور التوحيد، الدور العظيم في حياة ابن آدم يصحح نيته، ويلجم هواه، ويطلق سعيه المبارك إلى الخير والصلاح، هذا هو الدور العظيم للتوحيد في أول خطوة من خطوات الممارسة الإيمانية (٢).
ولا شك أن الإنسان إذا أخلص في أعماله لا شك أنها مقبولة عند الله تعالى كما مر معنا أن من شروط قبول العبادة الإخلاص والمتابعة.
* * *
_________________
(١) انظر مدارج السلكين جـ / ٢ص / ٩٤ وما بعدها بتصرف.
(٢) انظر التوحيد وواقعنا المعاصر ص / ٢٤٤ وما بعدها بتصرف.
[ ٦٥ ]
الفصل الثاني
آثار التوحيد على الأعمال التكليفية
إن الإيمان هو الذي في القلب ولابد فيه- أي الإيمان- من ثلاثة أشياء قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان قال الجنيد بن محمد: التوحيد قول القلب، والتوكل عمل القلب فلابد فيه من قول القلب وعمله، ثم قول البدن وعمله، ولابد فيه من عمل القلب مثل حب الله رسوله، وخشية الله، وحب ما يحبه الله ورسوله، وبغض ما يبغضه الله ورسوله، وإخلاص العمل لله وحده، وتوكل القلب على الله وحده وغير ذلك من أعمال القلوب التي أوجبها الله ورسوله وجعلها من الإيمان.
ثم القلب هو الأصل فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة ولا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب
[ ٦٦ ]
ولهذا قال النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب» (١).
فإذا كان القلب صالحًا بما فيه من الإيمان علمًا وعملًا قلبيًا لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق كما قال أئمة أهل الحديث: قول وعمل، قول باطن وظاهر، وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن لازم له، متى صلح الباطن صلح الظاهر وإذا فسد فسد.
فلابد في إيمان القلب من حب الله ورسوله وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١٦٥].
فوصف الذين آمنوا بأنهم أشد حبا لله من المشركين لأندادهم (٢).
- وقال شيخ الإسلام: والصدق والإخلاص هما في الحقيقة
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب ٢٩ح رقم ٥٣جـ / ١ص / ١٢٦.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية جـ / ٧ص / ١٨٦ - ١٨٨ بتصرف يسير.
[ ٦٧ ]
تحقيق الإيمان والإسلام فإن المظهرين للإسلام ينقسمون إلى مؤمن ومنافق (١).
- وقال أيضًا: وهذه الأعمال الباطنة كمحبة الله والإخلاص له والتوكل عليه والرضا عنه ونحو ذلك كلها مأمور بها في حق العامة لا يكون تركها محمودا في حال أحد وإن ارتقى مقامه (٢).
- وقال أيضًا: فجميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن المحبة المحمودة وأصل المحبة المحمودة هي محبة الله سبحانه إذ العمل الصادر عن محبة مذمومة عند الله لا يكون عملًا صالحًا بل جميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن محبة الله فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه (٣).
- وقال أيضًا: ولهذا كان التوحيد والإيمان أعظم ما تزكو به النفس وكان الشرك أعظم ما يدسيها وتتزكى بالأعمال الصالحة والصدقة هذا كله مما ذكره السلف (٤).
_________________
(١) الفتاوي جـ / ١٠ص / ١١.
(٢) الفتاوي جـ / ١٠ص / ١٦.
(٣) الفتاوي جـ / ١٠ص / ٤٨.
(٤) الفتاوي جـ / ١٠ص / ٦٣٢.
[ ٦٨ ]
والإخلاص أهم أعمال القلوب المندرجة في تعريف الإيمان واعظمها قدرا وشأنا بل إن أعمال القلوب- عموما- آكد وأهم من أعمال الجوارح.
- يقول شيخ الإسلام عن الأعمال القلبية: وهي من أصول الإيمان وقواعد الدين مثل محبة الله ورسوله والتوكل على الله وإخلاص الدين له والشكر له والصبر على حكمه والخوف منه والرجاء له وهذه الأعمال جميعها واجبة على جميع الخلق بإتفاق أئمة الدين (١).
- ويقول ابن القيم في بيان عظم أعمال القلوب: أعمال القلوب هي الأصل وأعمال الجوارح تبع ومكملة، وإن النية بمنزلة الروح والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي إذا فارق الروح فموات، فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح (٢).
- وقال أيضًا: ومن تأمل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب وأنها لا تنفع بدونها وأن
_________________
(١) الفتاوى جـ / ١٠ص / ٥.
(٢) بدائع الفوائد جـ / ٣ص / ٢٢٤.
[ ٦٩ ]
أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح وهل يميز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كل واحد من الأعمال التي ميزت بينهما؟ وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم فهي واجبة في كل وقت (١).
ومما ينبغي التذكير به في هذا الموضع هو أن الإخلاص إذا تمكن من طاعة ما فكانت هذه الطاعة خالصة لوجه الله، فإننا نشاهد أن الله تعالى يجزي الجزاء الكبير والعطاء العظيم لهؤلاء المخلصين وإن كانت الطاعة في ظاهرها يسيرة أو قليلة. يقول ابن تيمية في هذا الشأن: والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه وعبوديته لله فيغفر الله به كبائر كما في في حديث البطاقة.
فهذه حال من قالها بإخلاص وصدق كما قالها هذا الشخص وإلا فأهل الكبائر الذين كما ترجح قول صاحب البطاقة. ثم ذكر ابن تيمية حديث البغي التي سقت كلبا فغفر الله لها والرجل الذي أماط الأذى عن الطريق فغفر الله له ثم قال: فهذه سقت
_________________
(١) بدائع الفوائد جـ / ٣ص / ٣٣٠.
[ ٧٠ ]
الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها وإلا فليس كل بغي سقت كلبا يغفر لها فالأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص (١).
وختاما أذكر آثار التوحيد على الأعمال وفضله كما ذكرها الشيخ عبد الرحمن السعدي وهي باختصار:
١ - أن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب.
٢ - مغفرة الذنوب وتكفيرها.
٣ - أنه السبب الأعظم لتفريج الكربات كربات الدنيا والآخرة ودفع عقوبتها.
٤ - أنه يمنع الخلود في النار.
٥ - أنه يحصل لصاحبه الهدى والكمال والأمن التام في الدنيا والآخرة.
٦ - أنه السبب الوحيد لنيل رضا الله وثوابه.
٧ - أن جميع الأقوال والأعمال متوقفة في قبولها على التوحيد.
٨ - أنه يسهل على العبد فعل الخير وترك المنكرات.
_________________
(١) منهاج السنة النبوية جـ / ٦ص / ٢١٨ - ٢٢١ بتصرف.
[ ٧١ ]
٩ - أنه إذا كمل في القلب حبب الله لصاحبه الإيمان وكره إليه الكفر.
١٠ - أنه يخفف على العبد المكاره ويهون عليه الآلام.
١١ - أنه يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم.
١٢ - أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب فإنه يصير القليل من عمله كثيرا.
١٣ - أن الله تكفل لأهله بالفتح والنصر.
١٤ - أن الله يدفع عن الموحدين شرور الدنيا والآخرة ويمن عليهم بالحياة الطيبة (١).
* * *
_________________
(١) كتاب التوحيد ومعه كتاب القول السديد للسعدي ص ١٦ - ١٩.
[ ٧٢ ]
الفصل الثالث
من المؤثرات على الأعمال التكليفية
إن المؤثرات على الأعمال كثيرة جدًا يصعب الإلمام بها في هذه الرسالة المختصرة، ولكن نشير إلى بعضها خصوصا أهمها فمن ذلك الإشراك بالله- تعالى- بسائر أنواعه فإن الشرك أعظم ذنب عصي الله به فيجب الحذر منه واجتنابه فإن الأولياء من عباد الله كانوا يخافونه على أنفسهم فقد قال الله- تعالى- عن إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [سورة إبراهيم، الآية: ٣٥].
وقال النبي - ﷺ - مخاطبًا صحابته: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ..»
والشرك إذا خالط العبادة أفسدها فعلى المسلم الحذر منه ومن سائر الذنوب والمعاصي التي تنافي التوحيد بالكلية أو تنافي كماله الواجب أو تنقص ثوابه ومن المؤثرات على الأعمال التكليفية أيضًا: البدعة- الهوى- التقليد الأعمى.
[ ٧٣ ]
أ - البدعة:
- قال الطرطوشي: أصل هذه الكلمة من الاختراع وهو الشيء يحدث من غير أصل سبق ولا مثال احتذي ولا ألف مثله ومنه قوله- تعالى-: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة البقرة، الآية: ١١٧ [وقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [سورة الأحقاف، الآية: ٩]. أي لم أكن أول رسول إلى أهل الأرض وهذا الاسم يدخل فيما تخترعه القلوب وفيما تنطق به الألسنة وفيما تفعله الجوارح (١).
والبدعة هي زيادة في الدين لم يشرعه الله ولا رسوله - ﷺ - وهي بريد الكفر والبدعة شر من المعصية الكبيرة لأن العاصي يفعل المعصية وهو يعلم أنها معصية فيتوب منها بخلاف المبتدع فإنه يفعل البدعة يعتقدها دينا يتقرب بها إلى الله فلا يتوب منها والبدع تقتضي على السنن كما قال ابن عباس: ما من عام إلا تظهر فيه بدعة وتموت فيه سنة تظهر البدع وتموت السنن (٢).
_________________
(١) الحوادث والبدع ص / ٤٠.
(٢) الحوادث والبدع ص / ٤٤.
[ ٧٤ ]
والبدعة تباعد عن الله وتوجب غضبه وعقابه وتسبب زيغ القلوب وفسادها.
ولا شك أن مسلك المبتدع في تحليل ما يحرم وتحريم ما يحل من غير سند شرعي وفي دعوة الناس إلى بدعته هو بعينه مسلك الذين اغتصبوا لأنفسهم حق التشريع الذي لا يكون إلا لله.
- قال الإمام أحمد: أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله والاقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة ضلالة.
- وقال الإمام مالك: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة، الآية: ٣]. فما لم يكن يؤمئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا (١).
وفي الحديث عن عائشة - ﵁ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «من أحدث في أمرنا ما ليس
_________________
(١) البدعة لسليم الهلالي ص / ١٦.
[ ٧٥ ]
منه فهو رد» وفي رواية: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١).
ونحن نعلم كما مر معنا أن العبادة لا تكون مقبولة إلا بشرطين الإخلاص والمتابعة فإذا ابتدع الإنسان فإن بدعته وعمله مردود عليه ولا يقيم الله له وزنا بل يجعله هباء منثورا ومن أتى بالبدعة قد يكون رد أمر الله لأنه نصب نفسه مضاهيا لأحكم الحاكمين فشرع في الدين ما لم يأذن به الله.
ولو نظرنا إلى الآثار التي تنتج عن البدعة لوجدنا أن واحدة منها كافية في الضرر البالغ على الأعمال لأن البدع أو البدعة:
١ - سبب للهلاك لأنها تقود إلى ترك السنة.
٢ - البدعة بريد الكفر لأن المبتدع نصب نفسه مشرعا ولله ندا فاستدرك على أحكم الحاكمين.
٣ - أن البدعة تفتح باب الخلاف على مصراعيه وهو باب ضلالة.
٤ - أن عمل المبتدع مردود عليه كما مر في الحديث.
_________________
(١) سبق تخرجه ص / ٤٧.
[ ٧٦ ]
٥ - التوبة محجوبة عن صاحب البدعة إذا كان مصرا على بدعته.
٦ - صاحب البدعة لا يزداد من الله إلا بعدًا والعياذ بالله.
٧ - أن المبتدع عليه إثم من عمل ببدعته إلى يوم القيامة (١).
ب - الهوى:
الهوى هو: محبة الإنسان للشيء وغلبته على قلبه (٢). وعرفه الجرجاني في الاصطلاح: ميلان إلى ما تستلذه من الشهوات من غير داعية الشرع (٣).
- قال شيخ الإسلام: وأما أهل الكفر والبدع والشهوات فكل بحسبه قيل لسفيان بن عيينة ما بال أهل الأهواء لهم محبة شديدة لأهوائهم؟ فقال أنسيت قوله- تعالى-: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٩٣].
- ثم قال: ولهذا يميل هؤلاء إلى سماع الشعر والأصوات
_________________
(١) (*) هناك كتب تكلمت وأحسنت الكلام عن البدع منها كتاب أبي شامة الباعث وكتاب الطرطوشي وكتاب تنبيه أولي الأبصار للسحيمي.
(٢) لسان العرب جـ / ١٥ص / ٣٧١.
(٣) وجوب لزوم الجماعة ص / ١٨٩.
[ ٧٧ ]
التي تهيج المحبة المطلقة التي لا تختص بأهل الإيمان بل يشترك فيها محب الرحمن ومحب الأوثان ومحب الصلبان .. وهؤلاء الذين يتبعون أذواقهم ومواجيدهم من غير اعتبار لذلك بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة (١).
فجميع البدع والمعاصي إنما تنشأ من تقديم هوى النفس على ما يحبه الله ورسوله عليه والصلاة والسلام.
والهوى من الأسباب التي لأجلها خالفت كثير من الأمم أنبياءها فاستكبروا ولم يقبلوا الحق والهدى والنور الذي جاءهم.
قال تعالى-: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [سورة البقرة، الآية: ٨٧]. وقال- تعالى-: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [سورة القصص، الآية: ٥٠]. فالهوى هو الدافع القوي لكل طغيان وكل تجاوز وكل معصية وهو أساس البلوى وينبوع الشر وقل أن يؤتى الإنسان إلا من قبل الهوى فالجهل سهل علاجه ولكن الهوى بعد العلم هو آفة النفس التي تحاج إلى جهاد شاق طويل الأمد لعلاجها (٢).
_________________
(١) الفتاوى جـ / ١٠ص / ١٧٠.
(٢) في ظلال القرآن لسيد قطب جـ / ٦ص / ٣٨١٩.
[ ٧٨ ]
وكما جاء ذم الهوى في القرآن الكريم أيضًا في السنة المطهرة ففي الحديث عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ثلاث منجيات وذكرها ثم قال: وثلاث مهلكات هوى متبع وشح مطاع وإعجاب المرء بنفسه» (١).
وقال ﵊ «إن مما أخشى عليك من بعدي بطونكم وفروجكم ومضلات الأهواء» (٢).
إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة الدالة على خطر الهوى وضرر من اتبع هواه.
- قال الشيخ الغنيمان: ومتبع الهوى لابد أن يضل سواء عن علم أو عن جهل فإنه كثيرًا ما يترك العلم اتباعًا لهواه ولايد أن يظلم إما بالقول أو بالفعل لأن هواه قد أعماه ولهذا حذر السلف من مجالسة من هذه صفته كما قال أبو قلابة لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم ما تعرفون (٣).
_________________
(١) صححه الألباني- السلسلة الصحيحة جـ / ٤ح رقم / ١٨٠٢.
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ح رقم ١٤ جـ / ١ص / ١٢ وقال الألباني إسناده صحيح
(٣) الهوى ص / ٨.
[ ٧٩ ]
فاتباع الهوى هو أصل الضلال والكفر ومعلوم أن ذلك يتفاوت تفاوتا عظيما فمن اتباع الهوى ما يوصل إلى ما ذكر ومنه ما هو أقل من ذلك وكل من خالف الحق لا يخرج عن اتباعه للهوى أو الاعتماد على الظن الذي لا يغني من الحق شيئا (١).
ث - التقليد الأعمى:
التقليد هو قبول قول القائل من غير معرفة لدليله وكما قال ابن القيم: ولا خلاف بين الناس أن التقليد ليس بعلم وأن المقلد لا يطلق عليه اسم عالم (٢).
والتقليد في أصول الدين والتوحيد لا يجوز بل يجب فهم الدين كما جاءت به الرسل على وجهه الصحيح الملهب للضمائر والدافع لجميع القوى والجوارح إلى الأمام في سبيل الله أما في فروع الدين فيجوز تقليد أي مذهب من المذاهب السنية ولو لم يلتزم مذهبا معينا بشرط أن لا يتتبع الرخص (٣).
_________________
(١) الهوى للغنيمان ص / ١٣.
(٢) أعلام الموقعين جـ١ص / ٤٥.
(٣) الأجوبة المفيدة للشيخ الدوسري ص / ٧٣.
[ ٨٠ ]
- وقال محمد صديق حسن: وتقليد الرجال واتباع القيل والقال ضلال وجهل ووبال ولا يجوز لأحد أن يقلد أحدا في شيء حتى يوافق قول الرسول المعصوم عن الخطأ.
فيكون اتباعه له في الحقيقة اتباع الدليل لا تقليد ذلك الإمام الجليل (١).
وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: «من كان مستنًا- أي يريد السلوك على الصراط السوي وسواء السبيل والطريق القويم والهدي المستقيم- فليستن بمن قد مات- أي يقتدي بالمائتين عن الدنيا على الإسلام والعلم والعمل فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة (٢)».
وقال أيضًا: ومن زعم من أسراء التقليد وعبيد الآراء أن القرآن والحديث لا يكفيان لذلك وأن الحاجة ماسة إلى الفقه المصطلح عليه اليوم من المقلدة ومن شابههم فقد أساء الظن بالله وبكتابه وبالرسول وبسنته وآية إكمال الدين تدفعه وترد عليه (٣).
_________________
(١) الدين الخالص جـ / ٣ص / ٥١.
(٢) الدين الخالص جـ / ٣ص / ٦١.
(٣) الدين الخالص جـ / ٤ص / ١٥٤.
[ ٨١ ]
- قال السفاريني:
وكل ما يطلب فيه الجزم فمنع تقليد بذاك حكم
لأنه لا يكتفي بالظن لذي الحجى في قول أهل الفن
وقال: قال علماؤنا وغيرهم: يحرم التقليد في معرفة الله وفي التوحيد والرسالة وكذا في أركان الإسلام الخمس ونحوها مما تواتر واشتهر (١).
- وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
والشيخ تقي الدين وتلميذه- رحمهما الله تعالى- بل وغيرهما إنما يحرمون التقليد في توحيد الله ورسالة النبي، ﵊ وما علم كونه من الدين ضرورة كأركان الإسلام ويدعيان الإجماع وعبارتهما: التقليد السائغ في المسائل المستفتى فيها وهي الاجتهادية، وأما العقلية كوجود الباري- تعالى- وتوحيده والرسالة فلا تقليد فيها (٢).
_________________
(١) لوامع الأنوار البهية جـ / ١ص / ٢٦٧ وله كلام طويل عنن التقليد من ص / ٢٦٧ إلى ص ٢٧٥.
(٢) التوضيح عن توحيد الخلاق ص / ٥٤.
[ ٨٢ ]
- قال شيخ الإسلام: وكل من يخالف الرسل هو مقلد متبع لمن لا يجوز له إتباعه وكذلك من اتبع الرسول بغير بصيرة ولا تبين وهو الذي يسلم بظاهرة من غير أن يدخل الإيمان إلى قلبه (١) وقد جاء في ذم التقليد في القرآن قوله- تعالى-: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [سورة المائدة، الآية: ١٠٤].
فالتقليد الأعمى والتعصب يؤديان إلى مهاوي الردى ويقودان صاحبهما إلى مسالك الغواية والضلال ويصدان عن إتباع النور والهدى فتكون النتيجة تخبطا وانتكاسكًا في الدنيا وهلاكًا وخسرانًا في الآخرة.
* * *
_________________
(١) الفتاوي جـ / ٤ص / ٢٠٠.
[ ٨٣ ]