معنى التوسل في لغة العرب:
وقبل الخوض في هذا الموضوع بتفصيل، أحب أن ألفت النظر إلى سبب هام من أسباب سوء فهم كثير من الناس لمعنى التوسل، وتوسعهم فيه، وإدخالهم فيه ما ليس منه، وذلك هو عدم فهمهم لمعناه اللغوي، وعدم معرفتهم بدلالته الأصلية، ذلك أن لفظة "التوسل" لفظة عربية أصيلة، وردت في القرآن والسنة وكلام العرب من شعر ونثر، وقد عنى بها: التقرب إلى المطلوب، والتوصل إليه برغبة، قال ابن الأثير في "النهاية": "الواسل: الراغب، والوسيلة: القربة والواسطة، وما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به، وجمعها وسائل" وقال الفيروز أبادي في "القاموس": "وسل إلى الله تعالى توسيلًا: عمل عملًا تقرب به إليه كتوسل" وقال ابن فارس في "معجم المقاييس": "الوسيلة: الرغبة والطلب، يقال: وسل إذا رغب، والواسل: الراغب إلى الله ﷿، وهو في قول لبيد:
أرى الناس لا يدرون ما قدْرُ أمرهم بلى، كل ذي دين إلى الله واسلُ"
وقال الراغب الأصفاني في "المفردات": "الوسيلة: التوصل إلى
[ ١١ ]
الشيء برغبة، وهي أخص من الوصيلة، لتضمنها لمعنى الرغبة، قال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾، وحقيقة الوسيلة إلى الله تعالى: مراعاة سبيله بالعمل والعبادة، وتحري مكارم الشريعة، وهي كالقربة، والواسل: الراغب إلى الله تعالى".
وقد نقل العلامة ابن جرير هذا المعنى أيضًا وأنشد عليه قول الشاعر:
إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل
هذا وهناك معنى آخر للوسيلة هو المنزلة عند الملك، والدرجة والقربة، كما ورد في الحديث تسمية أعلى منزلة في الجنة بها، وذلك هو قوله ﷺ: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة" ١.
وواضح ان هذين المعنيين الأخيرين للوسيلة وثيقا الصلة بمعناها الأصلي، ولكنهما غير مرادين في بحثنا هذا.
_________________
(١) ١ رواه مسلم وأصحاب السنن وغيرهم وهو مخرج في كتابي "إرواء الغليل" يراجع "٢٤٢.
[ ١٢ ]
معنى الوسيلة في القرآن:
إن ما قدمته من بيان معنى التوسل هو المعروف في اللغة، ولم يخالف فيه أحد، وبه فسر السلف الصالح وأئمة التفسير الآيتين الكريمتين اللتين وردت فيهما لفظة "الوسيلة"، وهما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١ وقوله سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ٢.
فأما الآية الأولى، فقد قال إمام المفسرين الحافظ ابن جرير ﵀ في تفسيرها: "يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم، ووعد من الثواب، وأوعد من العقاب. "اتقوا الله" يقول: أجيبوا الله فيما أمركم، ونهاكم بالطاعة له في ذلك. "وابتغوا إليه الوسيلة" يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه.
ونقل الحافظ ابن كثير عن ابن عباس ﵄ أن: معنى الوسيلة فيها القربة، ونقل مثل ذلك عن مجاهد وأبي وائل والحسن وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد، ونقل عن قتادة قوله فيها: "أي تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه" ثم قال ابن كثير: "وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه.. والوسيلة
_________________
(١) ١ سورة المائدة: الآية ٣٥. ٢ سورة الإسراء: الآية ٥٧.
[ ١٣ ]
هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود"١.
وأما الآية الثانية فقد بين الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود - ﵁ - مناسبة نزولها التي توضح معناها فقال: "نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون"٢.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله٣: "أي استمر الإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن، والجن لا يرضون بذلك، لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وهذا هو المعتمد في تفسير الآية".
قلت: وهي صريحة في أن المراد بالوسيلة ما يتقرب به إلى الله تعالى، ولذلك قال: "يبتغون" أي يطلبون ما يتقربون به إلى الله تعالى من الأعمال الصالحة، وهي كذلك تشير إلى هذه الظاهرة الغريبة المخالفة لكل تفكير سليم، ظاهره أن يتوجه بعض الناس بعبادتهم ودعائهم إلى بعض عباد الله، يخافونهم ويرجونهم، مع أن هؤلاء العباد المعبودين قد أعلنوا إسلامهم، وأقروا لله بعبوديتهم، وأخذوا يتسابقون في التقرب إليه سبحانه، بالأعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، ويطمعون في رحمته، ويخافون من عقابه، فهو سبحانه يُسَفه في هذه
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير "٢/٥٢-٥٣". ٢ رواه مسلم "٨/٢٤٥ نووي" والبخاري بنحوه "٨/٣٢٠-٣١ فتح". ٣ فتح الباري "١٠/١٢ و١٣".
[ ١٤ ]
الآية أحلام أولئك الجاهلين الذين عبدوا الجن، واستمروا على عبادتهم مع أنهم مخلوقون عابدون له سبحانه، وضعفاء مثلهم، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، وينكر الله عليهم عدم توجيههم بالعبادة إليه وحده، ﵎، وهو الذي يملك وحده الضر والنفع، وبيده وحده مقادير كل شيء وهو المهيمن على كل شيء.
[ ١٥ ]
الأعمال الصالحة وحدها هي الوسائل المقربة إلى الله:
ومن الغريب أن بعض مدعي العلم اعتادوا الاستدلال بالآيتين السابقتين على ما يلهج به كثير منهم من التوسل بذوات الأنبياء أو حقهم أو حرمتهم أو جاههم، وهو استدلال خاطى لا يصح حمل الآيتين عليه، لأنه لم يثبت شرعًا أن هذا التوسل مشروع مرغوب فيه، ولذلك لم يذكروا هذا الاستدلال أحد من السلف الصالح، ولا استحبوا التوسل المذكور، بل الذي فهموه منهما أن الله ﵎ يأمرنا بالتقرب إليه بكل رغبة، والتقدم إليه بك قربة، والتوصل إلى رضاه بكل سبيل.
ولكن الله سبحانه قد علمنا في نصوص أخرى كثيرة أن علينا إذا أردنا التقرب إليه أن نتقدم إليه بالإعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، وهو لم يكل تلك الأعمال إلينا، ولم يترك تحديدها إلى عقولنا وأذواقنا، لأنها حينذاك ستختلف وتتباين، وستضطرب وتتخاصم، بل أمرنا سبحانه أن نرجع إليه في ذلك، ونتبع إرشاده وتعليمه فيه، لأنه لا يعلم ما يرضي الله ﷿ إلا الله وحده، فلهذا كان من الواجب علينا حتى نعرف الوسائل المقربة إلى الله أن نرجع في كل مسألة إلى ما شرعه الله سبحانه، وبينه رسول الله ﷺ، ويعني ذلك أن نرجع إلى
[ ١٥ ]
كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهذا هو الذي وصانا به رسولنا محمد صلوات الله عليه وسلامه حيث قال: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله" ١.
_________________
(١) ١ رواه مالك مرسلا والحاكم من حديث ابن عباس وإسناده حسن. وله شاهد من حديث جابر خرجته في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" "١٧١٦" طبع مكتبة المعارف للنشر والتوزيع- الرياض.
[ ١٦ ]
متى يكون العمل صالحًا؟:
وقد تبين من الكتاب والسنة أن العمل حتى يكون صالحًا مقبولًا يقرب إلى الله سبحانه، فلا بد من أن يتوفر فيه أمران هامان عظيمان، أولهما: أن يكون صاحبه قد قصد به وجه الله ﷿، وثانيهما: أن يكون موافقًا لما شرعه الله ﵎ في كتابه، أو بينه رسوله في سنته، فإذا اختل واحد من هذين الشرطين لم يكن العمل صالحًا ولا مقبولًا.
ويدل على هذا قوله ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ١ فقد أمر سبحانه أن يكون العمل صالحًا، أي موافقًا للسنة، ثم أمر أن يخلص به صاحبه لله، لا يبتغي به سواه.
قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره": "وهذان ركنا العمل المتقبل، لا بد أن يكون خالصًا لله، صوابًا على شريعة رسول الله ﷺ وروي مثل هذا عن القاضي عياض ﵀ وغيره.
_________________
(١) ١ سورة الكهف: الآية ١١٠.
[ ١٦ ]