الشيهة الأولى: حديث استسقاء عمر بالعاس ﵄
الفصل الرابع: شبهات والجواب عليها
يورد المخالفون في هذا الموضوع بعض الاعتراضات والشبهات، ليدعوا رأيهم الخاطىء، ويوهموا العامة بصحته، ويلبسوا الأمر عليهم، وأعرض فيما يلي هذه الشبهات واحدة إثر واحدة، وأرد عليها ردًا علميًا مقنعًا إن شاء الله، بما يقرر ما بينته في الفصل السابق وينسجم معه، ويقنع كل مخلص منصف، ويدحض كل افتراء علينا بالباطل، وبالله تعالى وحده التوفيق، وهو المستعان.
الشبهة الأولى: حديث استسقاء عمر بالعباس ﵄:
يحتجون على جواز التوسل بجاه الأشخاص وحرمتهم وحقهم بحديث أنس السابق: "أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كان إذا قَحَطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون"١.
فيفهمون من هذا الحديث أن توسل عمر - ﵁ - إنما كان بجاه العباس - ﵁ -، ومكانته عند الله سبحانه، وأن توسله
_________________
(١) ١ رواه البخاري وغيره، وانظر ص ٤٠.
[ ٥١ ]
كأنه مجرد ذكر منه للعباس في دعائه، وطلب منه لله أن يسقيهم من أجله، وقد أقره الصحابة على ذلك، فأفاد بزعمهم ما يدعون. وأما سبب عدول عمر ﵁ عن التوسل بالرسول ﷺ بزعمهم وتوسله بدلًا منه بالعباس - ﵁ -، فإنما كان لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل ليس غير.
وفهمهم هذا خاطىء، وتفسيرهم هذا مردود من وجوه كثيرة اهمها:
١- إن القواعد المهمة في الشريعة الإسلامية أن النصوص الشرعية يفسر بعضها بعضًا، ولا يفهم شيء منها في موضوع ما بمعزل عن بقية النصوص الواردة فيه. وبناء على ذلك فحديث توسل عمر السابق إنما يفهم على ضوء ما ثبت من الروايات والأحاديث الواردة في التوسل بعد جمعها وتحقيقها، ونحن والمخالفون متفقون على أن في كلام عمر: "كنا نتوسل إليك بنبينا.. وإنا نتوسل إليك بعم نبينا" شيئًا محذوفًا، لا بد له من تقدير، وهذا التقدير إما أن يكون: كنا نتوسل بجاه نبينا، وإنا نتوسل إليك بجاه" عم نبينا على رأيهم هم، أو يكون: "كنا نتوسل إليك بـ"دعاء" نبينا، وإنا نتوسل إليك بـ"دعاء" عم نبينا" على رأينا نحن.
ولا بد من الأخذ بواحد من هذين التقديرين ليفهم الكلام بوضوح وجلاء.
ولنعرف أي التقديرين صواب لا بد من اللجوء إلى السنة، لتبين لنا طريقة توسل الصحابة الكرام بالنبي ﷺ.
[ ٥٢ ]
ترى هل كانوا إذا أجدبوا وقحَطوا قبع كل منهم في دراه، أو مكان آخر، أو اجتمعوا دون أن يكون معهم رسول الله ﷺ، ثم دعوا ربهم قائلين: اللهم بنبيك محمد، وحرمته عندك، ومكانته لديك اسقنا الغيث. مثلًا أم كانوا يأتون النبي ﷺ ذاته فعلًا، ويطلبون منه أن يدعو الله تعالى لهم، فيحقق ﷺ طلْبتهم، ويدعو ربه سبحانه، ويتضرع إليه حتى يسقوا؟
أما الأمر الأول فلا وجود له إطلاقًا في السنة النبوية الشريفة، وفي عمل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولا يستطيع أحد من الخلفيين أو الطُّرُقيين أن يأتي بدليل يثبت أن طريقة توسلهم كانت بأن يذكروا في أدعيتهم اسم النبي ﷺ، ويطلبوا من الله بحقه وقدره عنده ما يريدون بل الذي نجده بكثرة، وتطفح به كتب السنة هو الأمر الثاني، إذ تبين أن طريقة توسل الأصحاب الكرام بالنبي ﷺ إنما كانت إذا رغبوا في قضاء حاجة، أو كشف نازلة أن يذهبوا إليه ﷺ، ويطلبوا منه مباشرة أن يدعو لهم ربه، أي أنهم كانوا يتوسلون إلى الله تعالى بدعاء الرسول الكريم ﷺ ليس غير.
ويرشد إلى ذلك قوله ﵎: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ ١.
ومن أمثلة ذلك ما مر معنا في حديث أنس السابق الذي ذكر فيه مجيء الأعرابي إلى المسجد يوم الجمعة حيث كان رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ سورة النساء: الآية ٦٤.
[ ٥٣ ]
يخطب، وعرضه له ضنك حالهم، وجدب أرضهم، وهلاك ماشيتهم، وطلبه منه أن يدعو الله سبحانه لينقذهم مما هم فيه، فاستجاب له ﷺ، وهو الذي وصفه ربه بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ١ فدعا ﷺ لهم ربه، واستجاب سبحانه دعاء نبيه، ورحم عباده ونشر رحمته، وأحيا بلدهم الميت.
ومن ذلك أيضًا مجيء الأعرابي السابق نفسه أو غيره إلى النبي ﷺ وهو يخطب الجمعة الثانية، وشكواه له انقطاع الطرقات وتهدم البنيان، وهلاك المواشي، وطلبه منه أن يدعو لهم ربه، ليمسك عنهم الأمطار، وفعل ﷺ فاستجاب له ربه جل شأنه أيضًا.
ومن ذلك ما روته السيدة عائشة - ﵂ - حيث قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه. قالت: فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله، ثم قال: "إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم " الحديث٢ وفيه أنه ﷺ دعا الله سبحانه، وصلى بالناس، فأغاثهم الله تعالى حتى سالت السيول، وانطلقوا إلى بيوتهم مسرعين، فضحك الرسول ﷺ
_________________
(١) ١ سورة التوبة: الآية ١٢٨. ٢ رواه أبو داود "١١٧٣" وقال: هذا حديث غريب إسناده جيد وهو كما قال وصححه جمع وبيانه في صحيح أبي داود "١٠٦٤".
[ ٥٤ ]
حتى بدت نواجذه، وقال: "أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله".
فهذه الأحاديث وأمثالها مما وقع زمن النبي ﷺ وزمن أصحابه الكرام رضوان الله عليهم تُبين بما لا يقبل الجدال أو الممارة أن التوسل بالنبي ﷺ أو بالصالحين الذي كان عليه السلف الصالح هو مجيء المتوسل إلى المتوسل به، وعرضه حاله له، وطلبه منه أن يدعو له الله سبحانه، ليحقق طلبه، فيستجيب هذا له، ويستجيب من ثم الله ﷾.
٢- وهذا الذي بيناه من معنى الوسيلة هو المعهود في حياة الناس وفي استعمالهم، فإنه إذا كانت لإنسان حاجة ما عند مدير أو رئيس أ، موظف مثلًا، فإنه يبحث عمن يعرفه ثم يذهب إليه ويكلمه، ويعرض له حاجته فيفعل، وينقل هذا الوسيط رغبته إلى الشخص المسؤول، فيقضيها له غالبًا فهذا هو التوسل المعروف عند العرب منذ القديم، وما يزال، فإذا قال أحدهم: إني توسلت إلى فلان، فإنما يعني أنه ذهب إلى الثاني وكلمه في حاجته، ليحدث بها الأول، ويطلب منه قضاءها، ولا يفهم أحد من ذلك أنه ذهب إلى الأول وقال له: بحق فلان "الوسيط" عندك، ومنزلته لديك اقضي لي حاجتي.
وهكذا فالتوسل إلى الله ﷿ بالرجل الصالح ليس معناه التوسل بذاته وبجاهه وبحقه، بل هو التوسل بدعائه وتضرعه واستغاثته به ﷾، وهذا هو بالتالي معنى قول عمر - ﵁ -: "اللهم إنا منا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا" أي: كنا إذا قل
[ ٥٥ ]
المطر مثلًا نذهب إلى النبي ﷺ، ونطلب منه ان يدعو لنا الله جل شأنه.
٣- ويؤكد هذا ويوضحه تمام قول عمر ﵁: وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، أي إننا بعد وفاة نبينا جئنا بالعباس عم النبي ﷺ، وطلبنا منه أن يدعو لنا ربنا سبحانه ليغيثنا.
تُرى لماذا عدل عمر - ﵁ - عن التوسل بالنبي ﷺ إلى التوسل بالعباس - ﵁ -، مع العلم ان العباس مهما كان شأنه ومقامه فإنه لا يذكر امام شأن النبي ﷺ ومقامه؟
أما الجواب برأينا فهو: لأن التوسل بالنبي ﷺ غير ممكن بعد وفاته، فأنى لهم أن يذهبوا إليه ﷺ ويشرحوا له حالهم، ويطلبوا منه أن يدعو لهم، ويؤمنوا على دعائه، وهو قد انتقل إلى الرفيق الأعلى، وأضحى في حال يختلف عن حال الدنيا وظروفها مما لا يعلمه إلا الله ﷾، فأنى لهم أن يحظوا بدعائه ﷺ وشفاعته فيهم، وبينهم وبينه كما قال الله عز شأنه: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ١.
ولذلك لجأ عمر - ﵁ - وهو العربي الأصيل الذي صحب النبي ﷺ ولازمه في أكثر أحواله، وعرفه حق المعرفة، وفهم دينه حق الفهم، ووافقه القرآن في مواضع عدة، لجأ إلى توسل ممكن فاختار العباس - ﵁ - لقرابته من النبي ﷺ من ناحية، ولصلاحه ودينه وتقواه من ناحية آخرى، وطلب منه أن يدعو لهم بالغيث والسقيا. وما كان لعمر ولا لغير عمر أن يدع التوسل بالنبي
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون: الآية ١٠٠.
[ ٥٦ ]
ﷺ، ويلجأ إلى التوسل بالعباس أو غيره لو كان التوسل بالنبي ﷺ ممكنًا، وما كان من المعقول ان يقر الصحابة رضوان الله عليهم عمر على ذلك أبدًا، لأن الإنصراف عن التوسل بالنبي ﷺ إلى التوسل بغيره ما هو إلا كالإنصراف عن الإقتداء بالنبي ﷺ في الصلاة إلى الإقتداء بغيره، سواء بسواء، ذلك أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا يعرفون قدر نبيهم ﷺ ومكانته وفضله معرفة لا يدانيهم فيها أحد، كما نرى ذلك واضحًا في الحديث الذي رواه سهل بن سعد الساعدي ﵁: أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي بالناس، فأقيم؟ قال: فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله ﷺ، فأشار إليه رسول الله ﷺ أن أمكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه، فحمد الله ﷿ على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم النبي ﷺ فصلى ثم انصرف، فقال: "يا أبا بكر: ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ " قال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ؟ ١.
فأنت ترى أن الصحابة - ﵃ - لم يستسيغوا الاستمرار على الإقتداء بأبي بكر - ﵁ - في صلاته عندما حضر الرسول ﷺ، كما أن أبا بكر ﵁ لم تطاوعه نفسه على
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٣٧٦ مختصره" ومسلم "٤/١٤٥- ١٤٩ بشرح النووي".
[ ٥٧ ]
الثبات في مكانه مع أمر النبي ﷺ له بذلك، لماذا؟ كل ذلك لتعظيمهم نبيهم ﷺ، وتأدبهم معه، ومعرفتهم حقه وفضله، فإذا كان الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم -لم يرتضوا الإقتداء بغير النبي ﷺ عندما أمكن ذلك، مع أنهم كانوا بدأوا الصلاة في غيابه ﷺ عنهم، فكيف يتركون التوسل به ﷺ أيضًا بعد وفاته، لو كان ذلك ممكنًا، ويلجئون إلى التوسل بغيره؟ وكما لم يقبل ابوبكر أن يؤم المسلمين فمن البديهي أن لا يقبل العباس أيضًا أن يتوسل الناس به، ويدعوا التوسل بالنبي ﷺ لو كان ذلك ممكنًا.
"تنبيه": وهذا يدل من ناحية أخرى على سخافة تفكير من يزعم أنه ﷺ في قبره حي كحياتنا، لأنه لو كان ذلك كذلك لما كان ثمة وجه مقبول لانصرافهم عن الصلاة وراءه ﷺ إلى الصلاة وراء غيره ممن لا يدانيه أبدًا في منزلته وفضله. ولا يعترض احد على ما قررته بأنه قد ورد أن النبي ﷺ قال: "أنا في قبري حي طري، من سلم علي سلمت عليه". وأنه يستفاد منه أنه ﷺ حي مثل حياتنا، فإذا توسل به سمعنا واستجاب لنا، فيحصل مقصودنا، وتتحقق رغبتنا، وأنه لا فرق في ذلك بين حاله ﷺ في حياته، وبين حاله بعد وفاته أقول: لا يعترض أحد بما سبق لأنه مردود من وجهين:
الأول حديثي: وخلاصته أن الحديث المذكور لا أصل له بهذا اللفظ، كما أن لفظة "طري" لا وجود لها في شيء من كتب السنة إطلاقًا، ولكن معناه قد ورد في عدة أحاديث صحيحة، منها قوله ﷺ:
[ ٥٨ ]
"إن أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي" قالوا: يا رسول الله! وكيف تعرض صلاتنا عليك، وقد أرمتَ؟ قال: يقولون: بَليتَ، قال: "إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء" ١ ومنها قوله ﷺ: "الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون" ٢ وقوله ﷺ: "مررت ليلة أسري بي على موسى قائمًا يصلي في قبره" ٣ وقوله: "إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام" ٤.
الجواب الثاني فقهي: وفحواه أن حياته ﷺ بعد وفاته مخالفة لحياته قبل الوفاة، ذلك أن الحياة البرزخية غيب من الغيوب، ولا يدري كنهها إلا الله ﷾، ولكن من الثابت والمعلوم أنها تختلف عن الحياة الدنيوية، ولا تخضع لقوانينها، فالانسان في الدنيا يأكل ويشرب، ويتنفس ويتزوج، ويتحرك ويتبرز، ويمرض ويتكلم، ولا أحد يستطيع أن يثبت أن أحدًا بعد الموت حتى الأنبياء ﵇، وفي مقدمتهم نبينا محمد ﷺ تعرض له هذه الأمور بعد موته.
_________________
(١) ١ رواه أبو داود "١٠٤٧" والنسائي وغيرهما هم أوس بم أوس وإسناده صحيح وراجع له "المشكاة" ١٣٦١ وغيره. ٢ رواه أبو يعى والبزار وغيرهما عن أنس بن مالك وإسناده صحيح وهو مخرج كتابي "سلسلة الأحاديث الصحيحة- ٦٢". ٣ رواه أحمد ومسلم والنسائي عن أنس بن مالك أيضا. ٤ رواه النسائي والدارمي وابن حبان والحاكم "٢/٢١" عن ابن مسعود وصححه ووافقه الذهبي وابن حبان وهو كما قالوا. وهو مخرج في تخريج المشكاة- ٩٢٤" و"فضل الصلاة على النبي ﷺ - ٢١".
[ ٥٩ ]
ومما يؤكد هذا أن الصحابة - ﵃ - كانوا يختلفون في مسائل كثيرة بعد وفاته ﷺ، ولم يخطر في باب أحد منهم الذهاب إليه ﷺ في قبره، ومشاورته في ذلك، وسؤاله عن الصواب فيها، لماذا؟ إن الأمر واضح جدًا، وهو أنهم كلهم يعلمون أنه ﷺ انقطع عن الحياة الدنيا، ولم تعد تنطبق عليه أحوالها ونواميسها. فرسول الله ﷺ بعد موته حي، أكمل حياة يحياها إنسان في البرزخ، ولكنها حياة لا تشبه حياة الدنيا، ولعل مما يشير إلى ذلك قوله ﷺ: "ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇" ١ وعلى كل حال فإن حقيقتها لا يدريها إلا الله ﷾، ولذلك فلا يجوز قياس الحياة البرزخية أو الحياة الأخروية على الحياة الدنيوية، كما لا يجوز أن تعطى واحدة منهما أحكام الأخرى، بل لكل منها شكل خاص وحكم معين، ولا تتشابه إلا في الاسم، أما الحقيقة فلا يعلمها إلا الله ﵎.
ونعود بعد هذا التنبيه إلى ما كنا فيه من الرد على المخالفين في حديث توسل عمر بالعباس، فنقول: إن تعليلهم لعدول عمر - رضي الله - عنه عن التوسل بالنبي ﷺ إلى التوسل بالعباس ﵁ بأنه لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل هو تعليل مضحك وعجيب. إذ كيف يمكن أن يخطر في بال عمر - ﵁ - أو في
_________________
(١) ١ رواه أبو داود عن أبي هريرة وإسناده حسن وهو مخرج في كتابي "الأحاديث الصحيحة ٢٦٦٦" و"الأحاديث الضعيفة- ٣/٥" و"نقد الكتاني- ٤٧" و"صحيح أبي داود ١٧٩٩".
[ ٦٠ ]
بال غيره من الصحابة الكرام - ﵃ - تلك الحذلقة الفقهية المتأخرة، وهو يرى الناس في حالة شديدة من الضنك والكرب، والشقاء والبؤس، يكادون يموتون جوعًا وعطشًا لشح الماء وهلاك الماشية، وخلو الأرض من الزرع والخضرة حتى سمي ذاك العام بعام الرمادة، كيف يَرِد في خاطره تلك الفلسفة الفقهية في هذا الظرف العصيب، فيدع الأخذ بالوسيلة الكبرى في دعائه، وهي التوسل بالنبي الأعظم ﷺ، لو كان ذلك جائزًا ويأخذ بالوسيلة الصغرى، التي لا تقارن بالأولى، وهي التوسل بالعباس، لماذا؟ لا لشيء إلا ليبين للناس أنه يجوز لهم التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل!!
إن الشاهد والمعلوم أن الإنسان إذا حلّت به شدة يلجأ إلى أقوى وسيلة عنده في دفعها، ويدَع الوسائل الأخرى لأوقات الرخاء، وهذا كان يفهمه الجاهليون المشركون أنفسهم، إذا كانوا يَدعون أصنامهم في أوقات اليسر، ويتركونها ويدْعون الله تعالى وحده في أوقات العسر، كما قال ﵎: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ١.
فنعلم منهذا أن الإنسان بفطرته يستنجد بالقوة العظمى، والوسيلة الكبرى حين الشدائد والفواقر، وقد يلجأ إلى الوسائل الصغرى حين الأمن واليسر، وقد يخطر في باله حينذاك أن يبين ذلك الحكم الفقهي الذي افترضوه، وهو جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل. وأمر
_________________
(١) ١ العنكبوت: ٦٥ والفلك: السفن.
[ ٦١ ]
آخر نقوله جوابًا على شبهة أولئك، وهو: هب أن عمر - ﵁ - خطر في باله أن يبين ذلك الحكم الفقهي المزعوم، ترى فهل خطر ذلك في بال معاوية والضحاك بن قيس حين توسلا بالتابعي الجليل: يزيد بن الأسود الجُرَشي أيضًا؟ لا شك أن هذا ضرب من التمحل والتكلف لا يحسدون عليه.
٤ – إننا نلاحظ في حديث استسقاء عمر بالعباس ﵄ أمرًا جديرًا بالانتباه، وهو قوله: "إن عمر بن الخطاب كان إذا قَحطوا، استسقى بالعباس بن عبد المطلب، ففي هذا إشارة إلى تكرار استسقاء عمر بدعاء العباس ﵄، ففيه حجة بالغة على الذين يتأولون فعل عمر ذلك أنه إنما ترك التوسل به ﷺ إلى التوسل بعمه ﵁، لبيان جواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل، فإننا نقول: لو كان الأمر كذلك لفعل عمر ذلك مرة واحدة، ولما استمر عليه كلما استسقى، وهذا بيّن لا يخفى إن شاء الله تعالى على أهل العلم والإنصاف.
٥- لقد فسرت بعض روايات الحديث الصحيحة كلام عمر المذكور وقصده، إذ نقلت دعاء العباس - ﵁ - استجابة لطلب عمر ﵁، فمن ذلك ما نقله الحافظ العسقلاني ﵀ في الفتح "٣/١٥٠" حيث قال: قد بين الزبير بن بكار في "الأنساب" صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال: "اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجّه القوم بي إليك لمكاني من
[ ٦٢ ]
نبيك، وهذا أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث، قال: فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس.
وفي هذا الحديث:
أولًا: التوسل بدعاء العباس - ﵁ - لا بذاته كما بينه الزبير بن بكار وغيره، وفي هذا رد واضح على الذين يزعمون أن توسل عمر كان بذات العباس لا بدعائه، إذ لو كان الأمر كذلك لما كان ثمة حاجة ليقوم العباس، فيدعو بعد عمر دعاءً جديدًا.
ثانيًا: أن عمر صرح بأنهم كانوا يتوسلون بنبينا ﷺ في حياته، وأنه في هذه الحادثة توسل بعمه العباس، ومما لا شك فيه أن التوسليْن من نوع واحد: توسلهم بالرسول ﷺ وتوسلهم بالعباس، وإذ تبين للقارىء – مما يأتي – أن توسلهم به ﷺ إنما كان توسلًا بدعائه ﷺ فتكون النتيجة أن توسلهم بالعباس إنما هو توسل بدعائه أيضًا، بضرورة أن التوسليْن من نوع واحد.
أما أن توسلهم به ﷺ إنما كان توسلًا بدعائه، فالدليل على ذلك صريح رواية الإسماعيلي في مستخرجه على الصحيح لهذا الحديث بلفظ: كانوا إذ قحطوا على عهد النبي ﷺ استسقوا به، فيستسقي لهم، فيسقون، فلما كان في إمارة عمر فذكر الحديث، نقلته من "الفتح ٢/٣٩٩"، فقوله: فيستسقي لهم صريح في أنه ﷺ كان يطلب لهم السقيا من الله تعالى ففي النهاية لابن الأثير: الاستسقاء،
[ ٦٣ ]
استفعال من طلب السقيا أي إنزال الغيث على البلاد والعباد، يقال: سقى الله عباده الغيث وأسقاهم، والاسم السقيا بالضم، واستقيت فلانًا إذا طلبت منه أن يسقيك.
إذا تبين هذا، فقوله في هذه الرواية: "استسقوا به" أي بدعائه، وكذلك قوله في الرواية الأولى: "كنا نتوسل إليك بنبينا" أي بدعائه، لا يمكن أن يفهم من مجموع رواية الحديث إلا هذا. ويؤيده.
ثالثًا: لو كان توسل عمر إنما هو بذات العباس أو جاهه عند الله تعالى، لما ترك التوسل به ﷺ بهذا المعنى، لأن هذا ممكن لو كان مشروعًا، فعدول عمر عن هذه إلى التوسل بدعاء العباس - ﵁ - أكبر دليل على أن عمر والصحابة الذين كانوا معه كانوا لا يرون التوسل بذاته ﷺ، وعلى هذا جرى عمل السلف من بعدهم، كما رأيت في توسل معاوية بن أبي سفيان والضحاك ابن قيس بيزيد بن الأسود الجرشي، وفيهما بيان دعائه بصراحة وجلاء.
فهل يجوز أن يجمع هؤلاء كلهم على ترك التوسل بذاته ﷺ لو كان جائزًا، سيّما والمخالفون يزعمون أنه أفضل من التوسل بدعاء العباس وغيره؟! اللهم إن ذلك غير جائز ولا معقول، بل إن هذا الإجماع منهم من أكبر الأدلة على أن التوسل المذكور غير مشروع عندهم، فإنهم أسمى من أن يستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير!
اعتراض ورده:
وأما جواب صاحب "مصباح الزجاجة في فوائد قضاء الحاجة" عن
[ ٦٤ ]
ترك عمر التوسل بذاته ﷺ بقوله "ص٢٥": "إن عمر لم يبلغه حديث توسل الضرير، ولو بلغه لتوسل به".
فهو جواب باطل من وجوه:
الأول: أن حديث الضرير إنما يدل على ما دل عليه توسل عمر هذا من التوسل بالدعاء لا بالذات، كما سبق ويأتي بيانه.
الثاني: أن توسل عمر لم يكن سرًا، بل كان جهرًا على رؤوس الأشهاد، وفيهم كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فإذا جاز أن يخفى الحديث على عمر، فهل يجوز أن يخفى على جميع الموجودين مع عمر من الصحابة؟!
الثالث: أن عمر – كما سبق – كان يكرر هذا التوسل كلما نزل بأهل المدينة خطر، أو كلما دعي للاستسقاء كما يدل على ذلك لفظ "كان" في حديث أنس السابق أن عمر كان إذا قحَطوا استسقى بالعباس وكذلك روى ابن عباس عن عمر كما ذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب" "٣/٩٨"، فإذا جاز أن يخفى ذلك عليه أول مرة، أفيجوز أن يستمر على الجهل به كلما استسقى بالعباس، وعنده المهاجرون والأنصار، وهم سكوت لا يقدمون إليه ما عندهم من العلم بحديث الضرير؟! اللهم إن هذا الجواب ليتضمن رمي الصحابة جميعهم بالجهل بحديث الضرير مطلقًا، أو على الأقل بدلالته على جواز التوسل بالذات، والأول باطل لا يخفى بطلانه، والثاني حق فإن الصحابة لو كانوا يعلمون أن حديث الضرير يدل على التوسل المزعوم
[ ٦٥ ]
لما عدلوا عن التوسل بذاته ﷺ إلى التوسل بدعاء العباس كما سبق.
رابعًا: أن عمر ليس هو وحده الذي عدل عن التوسل بذاته ﷺ إلى التوسل بالدعاء، بل تابعه على ذلك معاوية بن أبي سفيان فإنه أيضًا عدل إلى التوسل بدعاء يزيد بن الأسود، ولم يتوسل به ﷺ وعنده جماعة من الصحابة وأجلاء التابعين، فهل يقال أيضًا إن معاوية ومن معه لم يكونوا يعلمون بحديث الضرير؟ وقل نحو ذلك في توسل الضحاك بن قيس بيزيد هذا أيضًا.
ثم أجاب صاحب المصباح بجواب آخر، وتبعه من لم يوفق من المتعصبين المخالفين فقال: إن عمر أراد بالتوسل بالعباس الإقتداء بالنبي ﷺ في إكرام العباس وإجلاله، وقد جاء هذا صريحًا عن عمر، فروى الزبير بن بكار في "الأنساب" من طريق داود بن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: "استسقى عمر ابن الخطاب عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب، فخطب عمر فقال: إن رسول ﷺ كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد، فاقتدوا أيها الناس برسول الله ﷺ، واتخذوه وسيلة إلى الله "، ورواه البلاذري من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه به.
والجواب من وجوه أيضًا:
الأول: عدم التسليم بصحة هذه الرواية، فإنها من طريق داود ابن عاطاء وهو المدني، وهو ضعيف كما في "التقريب"، ومن طريق الزبير بن بكار عنه رواه الحاكم "٣/٣٣٤" وسكت عنه، وتعقبه الذهبي بقوله: "داود متروك" قلت: والرواي عنه ساعدة بن عبيد الله المزني لم
[ ٦٦ ]
أجد من ترجمه، ثم إن في السند اضطرابًا، فقد رواه – كما رأيت – هشام بن سعد عن زيد بن أسلم فقال: "عن أبيه" بدل ابن عمر، لكن هشامًا أوثق من داود، إلا أننا لم نقف على سياقه، لننظر هل فيه مخالفة لسياق داود هذا أم لا؟ ولا تغتر بقولهم في "المصباح" عقب هذا الإسناد: "به" المفيد أن السياق واحد، فإن عمدته فيما نقله عن البلاذري إنما هو "فتح الباري" وهو لم يقل: "به". انظر "الفتح" "٢/٣٩٩".
الثاني: لو صحت هذه الرواية، فهي إنما تدل على السبب الذي من أجله توسل عمر بالعباس دون غيره من الصحابة الحاضرين حينذاك، وأما أن تدل على جواز الرغبة عن التوسل بذاته ﷺ - لو كان جائزًا عندهم – إلى التوسل بالعباس أي بذاته فكلا، ثم كلا، لأننا نعلم بالبداهة والضرورة – كما قال بعضهم – أنه لو أصاب جماعة من الناس قحط شديد، وأرادوا أن يتوسلوا بأحدهم لما أمكن أن يعدلوا عمن دعاؤه أقرب إلى الإجابة، وإلى رحمة الله ﷾، ولو أن إنسانًا أصيب بمكروه فادح، وكان أمامه نبي، وآخر غير نبي، وأراد أن يطلب الدعاء من أحدهما لما طلبه إلا من النبي، ولو طلبه من غير النبي، وترك النبي لعد من الآثمين الجاهلين، فكيف يظن بعمر ومن معه من الصحابة أن يعدلوا عن التوسل به ﷺ إلى التوسل بغيره، لو كان التوسل بذاته ﷺ جائزًا، فكيف وهو أفضل عند المخالفين من التوسل بدعاء العباس وغيره من الصالحين؟! لا سيما وقد تكرر ذلك منهم مرارًا كما سبق، وهم لا يتوسلون به ﷺ ولا مرة واحدة، واستمر
[ ٦٧ ]
الأمر كذلك، فلم ينقل عن أحد منهم خلاف ما صنع عمر، بل صح عن معاوية ومن معه ما يوافق صنيعه حيث توسلوا بدعاء يزيد بن الأسود، وهو تابعي جليل، فهل يصح أن يقال: إن التوسل به كان اقتداء بالنبي ﷺ؟!
الحق أقول: إن جريان عمل الصحابة على ترك التوسل بذاته ﷺ عند نزول الشدائد بهم – بعد أن كانوا لا يتوسلون بغيره ﷺ في حياته – لهو أكبر الأدلة الواضحة على أن التوسل بذاته ﷺ غير مشروع، وإلا لنقل ذلك عنهم من طرق كثيرة في حوادث متعددة، ألا ترى إلى هؤلاء المخالفين كيف ليهجون بالتوسل بذاته ﷺ لأدنى مناسبة لظنهم أنه مشروع، فلو كان الأمر كذلك لنُقِل مثله عن الصحابة، مع العلم أنهم أشد تعظيمًا ومحبة له ﷺ من هؤلاء، فكيف ولم يُنقل عنهم ذلك ولا مرة واحدة، بل صح عنهم الرغبة عنه إلى التوسل بدعاء الصالحين؟!
[ ٦٨ ]
الشبهة الثانية: حديث الضرير
بعد أن فرغنا من تحقيق الكلام في حديث توسل عمر بالعباس - ﵁ - وبينا أنه ليس حجة للمخالفين بل هو عليهم، نشرع الآن في تحقيق القول في حديث الضرير، والنظر في معناه: هل هو حجة لهم أم عليهم أيضًا؟ فنقول:
أخرج أحمد وغيره بسند صحيح عن عثمان بن حنيف أن رجلًا
[ ٦٨ ]
ضرير البصر أتى النبي ﷺ، فقال: ادع الله أن يعافيني. قال: "إن شئت دعوت لك، وإن شئت أخّرتُ ذاك، فهو خير"، وفي رواية: "وإن شئتَ صبرتَ فهو خير لك"، فقال: ادعهُ. فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، فيصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهتُ بك إلى ربي في حاجتي هذه، فتقضى لي، اللهم فشفّعه فيَّ "وشفّعني فيه"" قال: ففعل الرجل فبرئ١.
يرى المخالفون: أن هذا الحديث يدل على جواز التوسل في الدعاء
_________________
(١) ١ أخرجه في المسند "٤/١٣٨" ورواه الترمذي "٤/٢٨١-٢٨٢" وابن ماجه "١/٤١٨" والطبراني في الكبير "٣/٢/٢" والحاكم "١/٣١٣" كلهم من طريق عثمان بن عمر "شيخ أحمد فيه": أن شعبة بن أبي جعفر المدني قال: سمعت عمارة بن خزيمة يحدث عن عثمان به وقال الرتمذي: "حسن صحيح غريب" وفي ابن ماجه عقبه: "قال أبو إسحاق: حديث صحيح" ثم رواه أحمد: ثنا شعبة به وفي الرواية الأخرى وتابعه محمد بن جعفر ثنا شعبة به. رواه الحاكم "١/٥١٩" وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وقد أعله بعضهم كصاحب "صيانة الإنسان" وصاحب "تطهير الجنان ص ٣٧" وغيرهما بأن في إسناده أبي جعفر قال الترمذي: "لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي جعفر ووليس الخطمي" فقالوا هو إذن الرازي وهو صدوق ولكنه سيئ الحفظ. قلت: ولكن هذا مفدوع بأنالصواب أن الخطمي نفسه. وهكذا نسبه أحمد في رواية "٤/١٣٨" وسماه في أخرى: "أبا جعفر المدني. وقد ورد هكذا في المعجم الصغير وكذلك سماه الحاكم والخطمي هذا لا الرازي هو المدني. وقد ورد هكذا في المعجم الصغير للطبراني وفي طبعة بولاق من سنن الترمذي أيضا. ويؤكد ذلك بشكل قاطع أن الخطمي هذا هو الذي يروي عن عمارة بن خزيمة ويروي عن شعبة كما في إسناده هنا وهو صدوق وعلى هذا فلإسناد جيد لا شبهة فيه.
[ ٦٩ ]
بجاه النبي ﷺ أو غيره من الصالحين، إذ فيه أن النبي ﷺ علم الأعمى أن يتوسل به في دعائه، وقد فعل الأعمى ذلك فعاد بصيرًا.
وأما نحن فنرى أن هذا الحديث لا حجة لهم فيه على التوسل المختلف فيه، وهو التوسل بالذات، بل هو دليل آخر على النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع الذي أسلفناه، لأن توسل الأعمى إنما كان بدعائه. والأدلة على ما نقول من الحديث نفسه كثيرة، وأهمها:
أولًا: أن الأعمى إنما جاء إلى النبي ﷺ ليدعو له، وذلك قوله: "أدعُ الله أن يعافيني"، فهو توسل إلى الله تعالى بدعائه ﷺ، لأنه يعلم أن دعاءه ﷺ أرجى للقبول عند الله بخلاف دعاء غيره، ولو كان قصد الأعمى التوسل بذات النبي ﷺ أو جاهه أو حقه لما كان ثمة حاجة به إلى أن يأتي النبي ﷺ، ويطلب منه الدعاء له، بل كان يقعد في بيته، ويدعو ربه بأن يقول مثلًا: اللهم إني أسألك بجاه نبيك ومنزلته عندك أن يشفيني، وتجعلني بصيرًا. ولكنه لم يفعل، لماذا؟ لأنه عربي يفهم معنى التوسل في لغة العرب حق الفهم، ويعرف أنه ليس كلمة يقولها صاحب الحاجة، يذكر فيها اسم الموسَّل به، بل لابد أن يشتمل على المجيء إلى من يعتقد فيه الصلاح والعلم بالكتاب والسنة، وطلب الدعاء منه له.
ثانيًا: أن النبي ﷺ وعده بالدعاء مع نصحه له ببيان ما هو الأفضل له، وهو قوله ﷺ: "إن شئت دعوتُ، وإن شئت صبرت فهو خير لك". وهذا الأمر الثاني هو ما أشار إليه ﷺ في الحديث الذي رواه
[ ٧٠ ]
عن ربه ﵎ أنه قال: "إذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه – أي عينيه – فصبر، عوضته منهما الجنة" ١.
ثالثًا: إصرار الأعمى على الدعاء وهو قوله: "فادع" فهذا يقتضي أن الرسول ﷺ دعا له، لأنه ﷺ خير من وفى بما وعد، وقد وعده بالدعاء له إن شاء كما سبق، فقد شاء الدعاء وأصر عليه، فإذن لا بد أنه ﷺ دعا له، فثبت المراد، وقد وجه النبي ﷺ الأعمى بدافع من رحمته، وبحرص منه أن يستجيب الله تعالى دعاءه فيه، وجهه إلى النوع الثاني من التوسل المشروع، وهو التوسل بالعمل الصالح، ليجمع له الخير من أطرافه، فأمرهأن يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يدعو لنفسه وهذه الأعمال طاعة لله ﷾ يقدمها بين يدي دعاء النبي ﷺ له، وهي تدخل في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ كما سبق.
وهكذا فلم يكتف الرسول ﷺ بدعائه للأعمى الذي وعده به، بل شغله بأعمال فيها
طاعة لله ﷾ وقربة إليه، ليكون الأمر مكتملًا من جميع نواحيه، وأقرب إلى القبول والرضا من الله ﷾، وعلى هذا، فالحادثة كلها تدور حول الدعاء – كما هو ظاهر – وليس فيها ذكر شيء مما يزعمون.
وقد غفل عن هذا الشيخ الغماري أو تغافل، فقال في "المصباح/٢٤": "وإن شئتَ دعوتُ". أي وإن شئت علمتك دعاء تدعو به، ولقنتك إياه، وهذا التأويل واجب ليتفق أول الحديث مع آخره.
_________________
(١) ١ رواه البخاري عن أنس وهو مخرج في "الصحيحة ٢٠١٠" - مكتبة المعارف للنشر والتوزيع.
[ ٧١ ]
قلت: هذا التأويل باطل لوجوه كثيرة منها: أن الأعمى إنما طلب منه ﷺ أن يدعو له، لا أن يعلمه دعاء، فإذا كان قوله ﷺ له: "وإن شئت دعوت" جوابًا على طلبه تعين أنه الدعاء له، ولابد، وهذا المعنى هو الذي يتفق مع آخر الحديث، ولذلك رأينا الغماري لم يتعرض لتفسير قوله في آخره: "اللهم فشفعه في، وشفعني فيه" لأنه صريح في أن التوسل كان بدعائه ﷺ كما بيناه فيما سلف.
ثم قال: "ثم لو سلمنا أن النبي ﷺ دعا للضرير فذلك لا يمنع من تعميم الحديث في غيره" قلت: وهذه مغالطة مكشوفة، لأنه لا أحد ينكر تعميم الحديث في غير الأعمى في حالة دعائه ﷺ لغيره، ولكن لما كان الدعاء منه ﷺ بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى غير معلوم بالنسبة للمتوسلين في شتى الحوائج والرغبات، وكانوا هم أنفسهم لا يتوسلون بدعائه ﷺ بعد وفاته، لذلك اختلف الحكم، وكان هذا التسليم من الغماري حجة عليه.
رابعًا: أن في الدعاء الذي علمه رسول الله ﷺ إياه أن يقول: "اللهم فشفعه في" ١ وهذا يستحيل حمله على التوسل بذاته ﷺ، أو جاهه، أو حقه، إذ أن المعنى: اللهم اقبل شفاعته ﷺ في، أي اقبل دعائه في أن ترد عليَّ بصري، والشفاعة لغة الدعاء، وهو المراد بالشفاعة الثابتة له ﷺ ولغيره من الأنبياء والصالحين يوم القيامة، وهذا يبين أن الشفاعة أخص من الدعاء، إذ لا تكون إلا إذا كان هناك اثنان يطلبان أمرًا، فيكون أحدهما شفيعًا للآخر، بخلاف الطالب الواحد الذي لم
_________________
(١) ١ هذه الجملة هي عند أحمد أيضا والحاكم وغيرهما وإسناده صحيح.
[ ٧٢ ]
يشفع غيره، قال في "لسان العرب":
"الشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره، والشافع الطالب لغيره، يتشفع به إلى المطلوب، يقال بشفعت بفلان إلى فلان، فشفعني فيه".
فثبت بهذا الوجه أيضًا أن توسل الأعمى إنما كان بدعائه ﷺ لا بذاته.
خامسًا: إن مما علم النبي ﷺ الأعمى أن يقوله: "وشفعني فيه" ١ أي اقبل شفاعتي، أي دعائي في أن تقبل شفاعته ﷺ، أي دعاءه في أن ترد علي بصري. هذا الذي لا يمكن أن يفهم من هذه الجملة سواه.
ولهذا ترى المخالفين يتجاهلونها ولا يتعرضون لها من قريب أو من بعيد، لأنها تنسف بنيانهم من القواعد، وتجتثه من الجذور، وإذا سمعوها رأيتهم ينظرون إليك نظر المغشي عليه. ذلك أن شفاعة الرسول ﷺ في الأعمى مفهمومة، ولكن شفاعة الأعمى في الرسول ﷺ كيف تكون؟ لا جواب لذلك عندهم البتة. ومما يدل على شعورهم بأن هذه الجملة
_________________
(١) ١ هذه الجملة صحت في الحديث أخرجها أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وهي وحدها حجة قاطعة على أن حمل الحديث على التوسل بالذات باطل كما ذهب إليه بعض المؤلفين حديثا والظاهر أنهم علموا ذلك ولهذا لم يوردوا هذه الجملة مطلقا الأمر الذي يدل على مبلغ أمانتهم في النقل. وقريب من هذا أنهم أوردوا الجملة التي قبلها "اللهم فشفعه" في من الأدلة على التوسل بالذات وأما توضيح دلالتها على ذلك فما لم يتفضلوا به على القراء ذلك لأن فاقد الشيء لا يعطيه!
[ ٧٣ ]
تبطل تأويلاتهم أنك لا ترى واحدًا منهم يستعملها، فيقول في دعائه مثلًا: اللهم شفع فيَّ نبيك، وشفعني فيه.
سادسًا: إن هذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي ﷺ ودعائه المستجاب، وما أظهره الله ببركة دعائه من الخوارق والإبراء من العاهات، فإنه بدعائه ﷺ لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره، ولذلك رواه المصنفون في "دلائل النبوة" كالبيهقي وغيره، فهذا يدل على ان السر في شفاء الأعمى إنما هو دعاء النبي ﷺ. ويؤيده كل من دعا به من العميان مخلصًا إليه تعالى، منيبًا إليه قد عوفي، بل على الأقل لعوفي واحد منهم، وهذا ما لم يكن ولعله لا يكون أبدًا.
كما أنه لو كان السر في شفاء الأعمى أنه توسل بجاه النبي ﷺ وقدره وحقه، كما يفهم عامة المتأخرين، لكان من المفروض أن يحصل هذا الشفاء لغيره من العميان الذين يتوسلون بجاهه ﷺ، بل ويضمون إليه أحيانًا جاه جميع الأنبياء المرسلين، وكل الأولياء والشهداء والصالحين، وجاه كل من له جاه عند الله من الملائكة، والإنس والجن أجمعين! ولم نعلم ولا نظن أحدًا قد علم حصول مثل هذا خلال القرون الطويلة بعد وفاته ﷺ إلى اليوم.
إذا تبين للقارىء الكريم ما أوردناه من الوجوه الدالة على أن حديث الأعمى إنما يدور حول التوسل بدعائه ﷺ، وأنه لا علاقة له بالتوسل بالذات، فحينئذ يتبين له أن قول الأعمى في دعائه: "اللهم إني أسألك، وأتوسل إليك بنبيك محمد ﷺ" إنما المراد به: أتوسل إليك بدعاء نبيك، أي على حذف المضاف، وهذا أمر معروف في اللغة، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي
[ ٧٤ ]
أهل القرية وأصحاب العير. ونحن والمخالفون متفقون على ذلك، أي على تقدير مضاف محذوف، وهو مثل ما رأينا في دعاء عمر وتوسله بالعباس، فإما أن يكون التقدير: إني أتوجه إليك بـ "جاه" نبيك، ويا محمد إني توجهت بـ"ذات" ك أو "مكانت" ك إلى ربي كما يزعمون، وإما أن يكون التقدير: إني أتوجه إليك بـ "دعاء" نبيك، ويا محمد إني توجهت بـ "دعاء" ك إلى ربي كما هو قولنا. ولا بد لترجيح احد التقديرين من دليل يدل عليه. فأما تقديرهم "بجاهه" فليس لهم عليه دليل لا من هذه الحديث ولا من غيره، إذ ليس في سياق الكلام ولا سباقه تصريح أو إشارة لذكر الجاه أو ما يدل عليه إطلاقًا، كما أنه ليس عندهم شيء من القرآن أو من السنة أو من فعل الصحابة يدل على التوسل بالجاه، فيبقى تقديرهم من غير مرجح، فسقط من الاعتبار، والحمد لله.
أما تقديرنافيقوم عليه أدلة كثيرة، تقدمت في الوجوه السابقة.
وثمة أمر آخر جدير بالذكر، وهو أنه لو حمل حديث الضرير على ظاهره، وهو التوسل بالذات لكان معطلًا لقوله فيما بعد: "اللهم فشفعه في، وشفعني فيه" وهذا لا يجوز كما لا يخفى، فوجب التوفيق بين هذه الجملة والتي قبلها. وليس ذلك إلا على ما حملناه من أن التوسل كان بالدعاء، فثبت المراد، وبطل الاستدلال به على التوسل بالذات، والحمد لله.
على أنني أقول: لو صح أن الأعمى إنما توسل بذاته ﷺ، فيكون حكمًا خاصًا به ﷺ، لا يشاركه فيه غيره من الأنبياء والصالحين، وإلحاقهم به مما لا يقبله النظر الصحيح، لأنه ﷺ سيدهم وأفضلهم
[ ٧٥ ]
جميعًا، فيمكن أن يكون هذا مما خصه الله به عليهم ككثير مما صح به الخبر، وباب الخصوصيات لا تدخل فيه القياسات، فمن رأى أن توسل الأعمى كان بذاته لله، فعليه أن يقف عنده، ولا يزيد عليه كما نقل عن الإمام أحمد والشيخ العز بن عبد السلام رحمهما الله تعالى. هذا هو الذي يقتضيه البحث العلمي مع الإنصاف، والله الموفق للصواب.
دفع توهم:
هذا ولا بد من بيان ناحية هامة تتعلق بهذا الموضوع، وهي أننا حينما ننفي التوسل بجاه النبي ﷺ، وجاه غيره من الأنبياء والصالحين فليس ذلك لأننا ننكر أن يكون لهم جاه، أو قدر أو مكانة عند الله، كما أنه ليس ذلك لأننا نبغضهم، وننكر قدرهم ومنزلتهم عند الله، ولا تشعر أفئدتنا بمحبتهم، كما افترى علينا الدكتور البوطي في كتابه "فقه السيرة" "ص٣٥٤" فقال ما نصه: فقد ضل أقوام لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول الله ﷺ، وراحوا يستنكرون التوسل بذاته ﷺ بعد وفاته كلا ثم كلا، فنحن ولله الحمد من أشد الناس تقديرًا لرسول الله ﷺ، وأكثرهم حبًا له، واعترافًا بفضله ﷺ، وإن دل هذا الكلام على شيء فإنما يدل على الحقد الأعمى الذي يملأ قلوب أعداء الدعوة السلفية على هذه الدعوة وعلى أصحابها، حتى يحملهم على أن يركبوا هذا المركب الخطر الصعب، ويقترفوا هذه الجريمة البشعة النكراء، ويأكلوا لحوم إخوانهم المسلمين، ويكفروهم دونما دليل، اللهم إلا الظن الذي هو أكذب الحديث، كما قال النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم١.
ولا أدري كيف سمح هذا المؤلف الظالم لنفسه أن يصدر مثل
_________________
(١) ١ رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر ﵄.
[ ٧٦ ]
هذا الحكم الذي لا يستطيع إصداره إلا الله ﷿، المطلع وحده على خفايا القلوب ومكنونات الصدور، ولا تخفى عليه خافية.
أتراه لا يعلم جزاء من يفعل ذلك، أم إنه يعلم، ولكنه أعماه الحقد الأسود والتحامل الدفين على دعاة السنة؟ أي الأمرين كان فإننا نذكره بهذين الحديثين الشريفين لعله ينزجر عن غيه، ويفيق من غفلته، ويتوب من فعلته.
قال رسول الله ﷺ: "أيما رجل أكفر رجلًا مسلمًا، فإن كان كافرًا وإلا كان هو الكافر" ١ وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: "إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق" ٢.
كما نقول له أخيرًا: ترى هل دريت يا هذا بأنك حينما تقول ذاك الكلام فإنك ترد على سلف هذه الأمة الصالح، وتكفر أئمتها المجتهدين ممن لا يجيز التوسل بالنبي ﷺ وغيره بعد وفاتهم كالإمام أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى، وقد قال أبو حنيفة: "أكره أن يتوسل إلى الله إلا بالله" كما تقدم.
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ
ونعود لنقول: إن كل مخلص منصف ليعلم علم اليقين بأننا والحمد لله من أشد الناس حبًا لرسول الله ﷺ، ومن أعرفهم بقدره وحقه وفضله ﷺ، وبأنه أفضل النبيين، وسيد المرسلين، وخاتمهم وخيرهم،
_________________
(١) ١ رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة - ﵁ -. ٢ رواه أحمد وأبو داود عن سعيد بن زيد وإسناده صحيح.
[ ٧٧ ]
وصاحب اللواء المحمود، والحوض المورود، والشفاعة العظمى، والوسيلة والفضيلة، والمعجزات الباهرات، وبأن الله تعالى نسخ بدينه كل دين، وأنزل عليه سبعًا من المثاني والقرآن العظيم، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس. إلى آخر ما هنالك من فضائله ﷺ ومناقبه التي تبين قدره العظيم، وجاهه المنيف ﵌ تسليمًا كثيرًا.
أقول: إننا – والحمد لله – من أول الناس اعترافًا بذلك كله، ولعل منزلته ﷺ عندنا محفوظة أكثر بكثير مما هي محفوظة لدى الآخرين، الذين يدعون محبته، ويتظاهرون بمعرفة قدره، لأن العبرة في ذلك كله إنما هي في الاتباع له ﷺ، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، كما قال ﷾: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ١، ونحن بفضل الله من أحرص الناس على طاعة الله ﷿، واتباع نبيه ﷺ وهما أصدق الأدلة على المودة والمحبة الخالصة بخلاف الغلو في التعظيم، والإفراط في الوصف اللذين نهى الله تعالى عنهما، فقال سبحانه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ ٢ كما نهى النبي ﷺ عنهما فقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" ٣.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: الآية ٣١. ٢ سورة النساء الآية ١٧١. ٣ رواه البخاري في الصحيح "٧/٣٠٠ و١٥/١٦١ من الفتح" والترمذي في "الشمائل" وأحمد والدارمي.
[ ٧٨ ]
ومن الجدير بالذكر أن النبي ﷺ جعل من الغلو في الدين أن يختار الحاج إذا أراد رمي الجمرات بمنى الحصوات الكبيرة وأمر أن تكون مثل حصى الخذف، فعن ابن عباس ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة: "هات ألْقِطْ لي". قال: فلقطت له نحو حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده قال: "مثل هؤلاء" – ثلاث مرات – "وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" ١ ذلك لأنه ﷺ يعد مسألة رمي الجمار مسألة رمزية الغرض منها نبذ الشيطان ومحاربته، وليس حقيقية يراد بها قتله وإماتته، فعلى المسلم تحقيق الأمر، ومنابذة الشيطان عدو الإنسان اللدود بالعداء ليس غير، ومع هذا التحذير الشديد من الغلو في الدين، وقع المسلمون فيه مع الأسف، واتبعوا سنن أهل الكتاب، فقال قائلهم:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم
فهذا الشاعر الذي يعظمه كثير من المسلمين، ويترنمون بقصيدته هذه، المشهورة بالبردة، ويتبركون بها، وينشدونها في الموالد وبعض مجالس الوعظ والعلم، ويعدون ذلك قربة إلى الله ﵎، ودليلًا على محبتهم نبيهم ﷺ، أقول: هذا الشاعر قد ظن النهي الوارد في الحديث السابق منصبًا فقط على الادعاء بأن محمدًا ﷺ ابن الله، فنهى عن هذه القولة، ودعا إلى القول بأي شيء آخر مهما كان، وهذا
_________________
(١) ١ رواه أحمد "١/٢١٥ و٣٤٧" والنسائي وابن ماجه وغيرهم وإسناده صحيح وهو مخرج في كتاب "الصحيحة ١٢٨٣" وتخريج السنة لابن أبي عاصم "٩٨".
[ ٧٩ ]
غلط بالغ وضلال مبين، ذلك لأن للاطراء المنهي عنه في الحديث معنيين اثنين أولهما مطلق المدح، وثانيهما المدح المجاوز للحد. وعلى هذا فيمكن أن يكون المراد الحديث النهي عن مدحه ﷺ مطلقًا، من باب سد الذريعة، واكتفاءً باصطفاء الله تعالى له نبيًا ورسولًا، وحبيبًا وخليلًا، ومما أثنى سبحانه عليه في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ١، إذ ماذا يمكن للبشر أن يقولوا فيه بعد قول الله ﵎ هذا؟ وما قيمة أي كلام يقولونه أمام شهادة الله تعالى هذه؟ وإن أعظم مدح له ﷺ أن تقول فيه ما قال ربنا ﷿: إنه عبد له ورسوله، فتلك أكبر تزكية له ﷺ، وليس فيها إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا تقصير. وقد وصفه ربنا ﷾ وهو في أعلى درجاته، وأرفع تكريم من الله تعالى له، وذلك حينما أسرى وعرج به إلى السماوات العلى، حيث أراه من آيات ربه الكبرى، وصفه حينذاك بالعبودية فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ ٢.
ويمكن أن يكون المراد: لا تبالغوا في مدحي، فتصفوني بأكثر مما أستحقه، وتصبغوا علي بعض خصائص الله ﵎.
ولعل الأرجح في الحديث المعنى الأول لأمرين اثنين: أولهما تمام الحديث، وهو قوله ﷺ: "فقولوا عبد الله ورسوله" أي اكتفوا بما وصفني به الله ﷿ من اختياري عبدًا له ورسولًا، وثانيهما ما عقد بعض أئمة الحديث له من الترجمة، فأورده الإمام الترمذي مثلًا تحت
_________________
(١) ١ سورة القلم: الآية ٤. ٢ سورة الإسراء: الآية ١.
[ ٨٠ ]
عنوان: "باب تواضع النبي ﷺ" فحمل الحديث على النهي عن المدح المطلق وهو الذي ينسجم مع معنى التواضع ويأتلف معه.
تنبيه:
واعلم انه وقع في بعض الطرق الأخرى لحديث الضرير السابق زيادتان لا بد من بيان شذوذهما وضعفهما، حتى يكون القارىء على بينة من أمرهما، فلا يغتر بقول من احتج بهما على خلاف الحق والصواب.
الزيادة الأولى:
زيادة حماد بن سلمة قال: حدثنا أبو جعفر الخطمي.. فساق إسناده مثل رواية شعبة، وكذلك المتن إلا أنه اختصره بعض الشيء، وزاد في آخره بعد قوله: وشفع نبيي في رد بصري: "وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك" رواه أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه، فقال: حدثنا مسلم بن إبراهيم: حدثنا حماد بن سلمه به.
وقد أعلَّ هذه الزيادة شيخ الإسلام ابن تيمية في "القاعدة الجليلة" "ص١٠٢" بتفرد حماد بن سلمة بها، ومخالفته لرواية شعبة، وهو أجلّ من روى هذا الحديث وهذا إعلال يتفق مع القواعد الحديثية، ولا يخالفها البتة، وقول الغماري في "المصباح" "ص٣٠" بأن حمادًا ثقة من رجال الصحيح، وزيادة الثقة مقبولة، غفلة منه أو تغافل عما تقرر في المصطلح، أن القبول مشروط بما إذا لم يخالف الراوي من هو أوثق
[ ٨١ ]
منه، قال الحافظ في "نخبة الفكر": "والزيادة مقبولة ما لم تقع منافية لمن هو أوثق فإن خولف بأرجح، فالراجح المحفوظ، ومقابله الشاذ".
قلت: وهذا الشرط مفقود هنا، فإن حماد بن سلمة، وإن كان من رجال مسلم، فهو بلا شك دون شعبة في الحفظ، ويتبين لك ذلك بمراجعة ترجمة الرجلين في كتب القوم، فالأول أورده الذهبي في "الميزان" وهو إنما يورد فيه من تُكُلَّم فيه، ووصفه بأنه "ثقة له أوهام" بينما لم يورد فيه شعبة مطلقًا، ويظهر لك الفرق بينهما بالتأمل في ترجمة الحافظ لهما، فقد قال في "التقريب": حماد بن سلمة ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بآخره ثم قال: شعبة بن الحجاج ثقة حافظ متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال، وذب عن السنة، وكان عابدًا.
قلت: إذا تبين لك هذا عرفت أن مخالفة حماد لشعبة في هذا الحديث وزيادته عليه تلك الزيادة غير مقبولة، لأنها منافية لمن هو أوثق منه فهي زيادة شاذة كما يشير إليه كلام الحافظ السابق في "النخبة" ولعل حمادًا روى هذا الحديث حين تغير حفظه، فوقع في الخطأ، وكأن الإمام أحمد أشار إلى شذوذ هذه الزيادة، فإنه أخرج الحديث من طريق مؤمَّل "وهو ابن اسماعيل" عن حماد – عقب رواية شعبة المتقدمة – إلا أنه لم يسق لفظ الحديث، بل أحال به على لفظ حديث شعبة، فقال: "فذكر الحديث" ويحتمل أن الزيادة لم تقع في رواية مؤمل عن حماد، لذلك لم يشر إليها الإمام أحمد كما هي عادة الحفاظ إذا أحالوا
[ ٨٢ ]
في رواية على أخرى بينوا ما في الرواية المحالة من الزيادة على الأولى، وخلاصة القول: إن الزيادة لا تصح لشذوذها، ولو صحت لم تكن دليلًا على جواز التوسل بذاته ﷺ، لاحتمال أن يكون معنى قوله: "فافعل مثل ذلك" يعني من إتيانه ﷺ في حال حياته، وطلب الدعاء منه والتوسل به، والتوضؤ والصلاة، والدعاء الذي علمه رسول الله ﷺ أن يدعو به. والله أعلم.
الزيادة الثانية: قصة الرجل مع عثمان بن عفان، وتوسله به ﷺ حتى قضى له حاجته، وأخرجها الطبراني في "المعجم الصغير" "ص١٠٣-١٠٤" وفي "الكبير" "٣/٢/١/١-٢" من طريق عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفان - ﵁ - في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف، فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان: إئت الميضأة، فتوضأ، ثم ائت المسجد، فصل فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمدصلى الله عليه وسلم نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك ﷿، فقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح إليَّ حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال، ثم أتى باب عثمان - ﵁ - فجاء البواب حتى أخذ بيده، فأدخله عليه، فأجلسه معه على الطنفسة، وقال: حاجتك؟ فذكر حاجته، فقضاها له، ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال: ما كانت لك من
[ ٨٣ ]
حاجة فأتنا، ثم إن الرجل خرج من عنده، فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك الله خيرًا، ما كان ينظر في حاجتي، ولا يلتفت إلي حتى كامته في، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته، ولكن شهدت رسول الله ﷺ وأتاه ضرير، فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي ﷺ: "فتصبر؟ " فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد، وقد شق علي، فقال النبي ﷺ: "ائت الميضأة، فتوضأ ثم صلي ركعتين، ثم ادعُ بهذه الدعوات" قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا، وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط. قال الطبراني: لم يرواه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد أبو سعيد المكي وهو ثقة، وهو الذي يحدث عنه أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد الأيلي، وقد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي – واسمه عمير بن يزيد – وهو ثقة تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة، والحديث صحيح.
قلت: لا شك في صحة الحديث، وإنما البحث الآن في هذه القصة التي تفرد بها شبيب بن سعيد كما قال الطبراني، وشبيب هذا متكلم فيه، وخاصة في رواية ابن وهب عنه، لكن تابعه عنه إسماعيل وأحمد ابنا شبيب بن سعيد هذا، أما اسماعيل فلا أعرفه، ولم أجد من ذكره، ولقد أغفلوه حتى لم يذكروه في الرواة عن أبيه، بخلاف أخيه أحمد فإنه صدوق، وأما أبوه شبيب فملخص كلامهم فيه: أنه ثقة في حفظه ضعف، إلا في رواية ابنه أحمد هذا عنه عن يونس خاصة فهو حجة، فقال الذهبي في "الميزان": صدوق يغرب، ذكره ابن عدي في
[ ٨٤ ]
"كامله" فقال..له نسخة عن يونس بن يزيد مستقيمة، حدث عنه ابن وهب بمناكير، قال ابن المديني: كان يختلف في تجارة إلى مصر، وكتابه صحيح قد كتبته عن ابنه أحمد. قال ابن عدي: كان شبيب لعله يغلط ويهم إذ حدث من حفظه، وأرجو أنه لا يتعمد، فإذا حدث عنه ابنه أحمد بأحاديث يونس فكأنه يونس آخر. يعني يجوَّد".
فهذا الكلام يفيد أن شبيبًا هذا لا بأس بحديثه بشرطين اثنين: الأول: ان يكون من رواية ابنه أحمد عنه، والثاني: أن يكون من رواية شبيب عن يونس، والسبب في ذلك أنه كان عنده كتب يونس بن يزيد، كما قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" عن أبيه "٢/١/٣٥٩"، فهو إذا حدث من كتبه هذه أجاد، وإذا حدث من حفظه وهو كما قال ابن عدي، وعلى هذا فقول الحافظ في ترجمته من "التقريب": لا بأس بحديثه من رواية ابنه أحمد عنه، لا من رواية ابن وهب فيه نظر، لأنه أوهم أنه لا بأس بحديثه من رواية أحمد مطلقًا، وليس كذلك، بل هذا مقيد بأن يكون من روايته هو عن يونس لما سبق، ويؤيده أن الحافظ نفسه أشار لهذا القيد، فإنه أورد شبيبًا هذا في من طعن فيه من رجال البخاري من "مقدمة فتح الباري" "ص١٣٣" ثم دفع الطعن عنه – بعد أن ذكر من وثقه وقول ابن عدي فيه – بقوله: "قلت: أخرج البخاري من رواية ابنه عنه عن يونس أحاديث، ولم يخرج من روايته عن غير يونس، ولا من رواية ابن وهب عنه شيئًا. فقد أشار ﵀ بهذا الكلام إلى أن الطعن قائم في شبيب إذا كانت روايته عن غير يونس، ولو من رواية ابنه أحمد عنه، وهذا هو الصواب كما بينته آنفًا،
[ ٨٥ ]
وعليه يجب أن يحمل كلامه في "التقريب" توفيقًا بين كلاميه، ورفعًا للتعارض بينهما.
إذا تبين هذا يظهر لك ضعف هذه القصة، وعدم صلاحية الاحتجاج بها. ثم ظهر لي فيها علة أخرى وهي الاختلاف على أحمد فيها، فقد أخرج الحديث ابن السني في "عمل اليوم والليلة" "ص٢٠٢" والحاكم "١/٥٢٦" من ثلاثة طرق عن أحمد بن شبيب بدون القصة، وكذلك رواه عون بن عمارة البصري ثنا روح ابن القاسم به، أخرجه الحاكم، وعون هذا وإن كان ضعيفًا، فروايته أولى من رواية شبيب، لموافقتها لرواية شعبة وحماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي.
وخلاصة القول: إن هذه القصة ضعيفة منكرة، لأمور ثلاثة: ضعف حفظ المتفرد بها، والاختلاف عليه فيها، ومخالفته للثقات الذين لم يذكروها في الحديث، وأمر واحد من هذه الأمور كاف لإسقاط هذه القصة، فكيف بها مجتمعة؟
ومن عجائب التعصب واتباع الهوى أن الشيخ الغماري أورد روايات هذه القصة في "المصباح" "ص١٢و١٧" من طريق البيهقي في "الدلائل" والطبراني، ثم لم يتكلم عليها مطلقًا لا تصحيحًا ولا تضعيفًا، والسبب واضح، أما التصحيح فغير ممكن صناعة، وأما التضعيف فهو الحق ولكن
ونحو ذلك فعل من لم يوفق في "الإصابة"، فإنهم أوردوا "ص٢١-٢٢" الحديث بهذه القصة، ثم قالوا: وهذا الحديث صححه
[ ٨٦ ]
الطبراني في الصغير والكبير!
وفي هذا القول على صغره جهالات:
أولًا: أن الطبراني لم يصحح الحديث في "الكبير" بل في "الصغير" فقط، وأنا نقلت الحديث عنه للقارئين مباشرة، لا بالواسطة كما يفعل أولئك، لقصر باعهم في هذا العلم الشريف "ومن ورد البحر استقل السواقيا".
ثانيًا: أن الطبراني إنما صحح الحديث فقط دون القصة، بدليل قوله وقد سبق: قد روى الحديث شعبة والحديث صحيح فهذا نص على أنه أراد حديث شعبة، وشعبة لم يرو هذه القصة، فلم يصححها إذن الطبراني، فلا حجة لهم في كلامه.
ثالتًا: أن عثمان بن حنيف لو ثبتت عنه القصة لم يُعَلَّم ذلك الرجل فيها دعاء الضرير بتمامه، فإنه أسقط منه جملة "اللهم شفعه في وشفعني فيه" لأنه يفهم بسليقته العربية أن هذا القول يستلزم أن يكون النبي ﷺ داعيًا لذلك الرجل، كما كان داعيًا للأعمى، ولما كان هذا منفيًا بالنسبة للرجل، لم يذكر هذه الجملة؟ قال شيخ الإسلام "ص١٠٤": "ومعلوم أن الواحد بعد موته ﷺ إذا قال: "اللهم فشفعه في وشفعني فيه" – مع أن النبي ﷺ لم يدعُ له – كان هذا كلامًا باطلًا، مع أن عثمان بن حنيف لم يأمره ان يسأل النبي ﷺ شيئًا، ولا أن يقول: "فشفعه في"، ولم يأمره بالدعاء المأثور على وجهه، وإنما أمره ببعضه، وليس هناك من النبي ﷺ شفاعة، ولا ما يظن أنه شفاعة، فلو قال بعد موته: "فشفعه في" لكان كلامًا لا معنى له، ولهذا لم يأمر به عثمان،
[ ٨٧ ]
والدعاء المأثور عن النبي ﷺ لم يأمر به، والذي أمر به ليس مأثورًا عن النبي ﷺ، ومثل هذا لا تثبت به شريعة، كسائر ما ينقل عن آحاد الصحابة في حسن العبادات أو الإباحات أو الايجابات أو التحريمات، إذ لم يوافقه غيره من الصحابة عليه، وكان ما يثبت عن النبي ﷺ يخالفه ولا يوافقه، لم يكن فعله سنة يجب على المسلمين اتباعها، بل غايته ان يكون ذلك مما يسوغ فيه الاجتهاد، ومما تنازعت فيه الأمة، فيجب رده إلى الله والرسول.
ثم ذكر أمثلة كثيرة مما تفرد به بعض الصحابة، ولم يتبع عليه مثل إدخال ابن عمر الماء في عينيه في الوضوء، ونحو ذلك فراجعه.
ثم قال: وإذا كان في ذلك كذلك، فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبي ﷺ بعد موته من غير أن يكون النبي ﷺ داعيًا له، ولا شافعًا فيه فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعًا بعد مماته كما كان يشرع في حياته، بل كانوا في الاستسقاء في حياته ﷺ يتوسلون فلما مات لم يتوسلوا به، بل قال عمر في دعائه الصحيح المشهور الثابت بإتفاق أهل العلم بمحضر من المهاجرين والأنصار في عام الرمادة المشهور، لما اشتد بهم الجدب حتى حلف عمر: لا يأكل سمينًا حتى يخصب الناس، ثم لما استسقى بالناس قال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. فيسقون. وهذا دعاء أقره عليه جميع الصحابة، ولم ينكره أحد مع شهرته، وهو من أظهر الإجماعات الإقرارية، ودعا بمثله معاوية بن أبي سفيان في
[ ٨٨ ]
خلافته، فلو كان توسلهم بالنبي ﷺ بعد مماته كتوسلهم في حياته لقالوا: كيف نتوسل بمثل العباس ويزيد بن الأسود ونحوهما، ونعدل عن التوسل بالنبي ﷺ الذي هو أفضل الخلائق، وهو أفضل الوسائل وأعظمها عند الله؟ فلما لم يقل ذلك أحد منهم، وقد علم أنهم في حياته إنما توسلوا بدعائه وشفاعته، وبعد مماته توسلوا بدعاء غيره، وشفاعة غيره، علم أن المشروع عندهم التوسل بدعاء المتوسل به، لا بذاته.
هذا، وفي القصة جملة إذا تأمل فيها العاقل العارف بفضائل الصحابة وجدها من الأدلة الأخرى على نكارتها وضعفها، وهي أن الخليفة الراشد عثمان - ﵁ - كان لا ينظر في حاجة ذلك الرجل، ولا يلتفت إليه! فكيف يتفق هذا مع ما صح عن النبي ﷺ أن الملائكة تستحي من عثمان، ومع ما عرف به - ﵁ - من رفقه بالناس، وبره بهم، ولينه معهم؟ هذا كله يجعلنا نستبعد وقوع ذلك منه، لأنه ظلم يتنافى مع شمائه - ﵁ - وأرضاه.
"تنبيه": اطلعنا بعد صف هذه الملزمة على كتاب "التوصل إلى حقيقة التوسل" للشيخ محمد نسيب الرفاعي، الذي ذيل اسمه عليه بلقب "مؤسس الدعوة السلفية وخادمها"، وتقتضينا الأمانة العلمية، والنصيحة الدينية وقول كلمة الحق أن نبين حكم الله كما نفهمه، وندين الله تعالى به في هذا اللقب فنقول:
إن من نافلة القول أن نبين ان الدعوة إنما هي دعوة الإسلام الحق كما أنزله الله تعالى على خاتم رسله وأنبيائه محمد ﷺ، فالله
[ ٨٩ ]
وحده سبحانه هو مؤسسها ومشرعها، وليس لأحد من البشر كائنًا من كان أن يدعي تأسيسها وتشريعها، وحتى النبي الأكرم محمد صلوات الله وسلامه عليه إنما كان دوره فيها التلقي الواعي الأمين، والتبليغ الكامل الدقيق، ولم يكن مسموحًا له التصرف في شيء من شرع الله تعالى ووحيه، ولهذا فادعاه إنسان مهما علا وسما تأسيس هذه الدعوة الإلهية المباركة إنما هو في الحقيقة خطأ جسيم وجرح بليغ، هذا إن لم يكن شركًا أكبر، والعياذ بالله.
فلا ندري كيف وقع هذا من رجل عاش دهرًا طويلًا مع إخوانه في حلب وغيرها من البلاد الشامية في الدعوة السلفية التي هي أخص خصائصها وأهم اهتماماتها محاربة الشركيات والوثنيات اللفظية، فضلًا عن الشركيات الاعتقادية، ثم اعتزلهم جميعًا، هدانا الله تعالى وإياه، وجنبنا الزلل والفتن ومضلات الأهواء.
ولعل أحدًا يحاول التماس عذر للمؤلف بأنه إنما قصد من ذاك اللقب أنه مجدد الدعوة السلفية، وليس أنه منشئها وصائغ تعاليمها، وقد كان في المسلمين قديمًا وحديثًا مجددون، والمؤلف واحد من هؤلاء في ظنه.
ونقول: نعم، إن هناك مجددين لدعوة الإسلام الحق على تتالي الزمان، ولكن شتان بين المؤلف وأولئك المجددين، وحسبه أن يكون تابعًا لأحدهم، ولو وافقناه جدلًا على حشر نفسه معهم لكان من الواجب عليه ان يحدد دائرة لتجديده المزعوم كبلد أو قطر، أما إطلاقه
[ ٩٠ ]
ذاك اللقب الفضفاض فإنه يوحي إلى القراء بأنه المجدد للإسلام في العالم الإسلامي كله في هذا العصر، وأين هو من هذا؟
أضف إلى ذلك أن من الأخلاق الأساسية التي يجب أن يتصف بها الداعية المسلم المتواضع، والبعد عن حب الظهور والتفاخر والإدعاء، فإن هذه أدواء قاتلة تجرد الساعي اليها، والحريص عليها من أهلية الدعوة، وتفقده سلاحًا ماضيًا للنصرعلى أعدائها، وتجعل عمله هباءً منثورًا، والعياذ بالله، فاللهم عصمتك وهداك.
هذا وقدتصفحنا الكتاب المشار إليه على عجل، فوجدنا فيه بعض الأخطاء، ننبه على بعضها في محله، ومنها أنه قال في "ص٢٣٧" في صدد الحديث عن إسناد القصة السابقة
ما نصه: إن في سند هذا الحديث رجلًا اسمه روح بن صلاح، وقد ضعفه الجمهور وابن عدي وقال ابن يونس: يروي أحاديث منكرة. وهذا خطأ محض لا ندري وجهه، وهذا الرجل "أي روح بن صلاح إنما هو علة الحديث الثالث كما سيأتي.
[ ٩١ ]
الشبهة الثالثة: الأحاديث الضعيفة في التوسل
يحتج مجيزو التوسل المبتدع بأحاديث كثيرة، إذا تأملناها نجدها تندرج تحت نوعين اثنين: الأول ثابت بالنسبة إلى رسول الله ﷺ، ولكنه لا يدل على مرادهم، ولا يؤيد رأيهم كحديث الضرير، وقد تقدم الكلام على هذا النوع.
[ ٩١ ]
والنوع الثاني غير ثابت النسبة إلى رسول الله ﷺ، وبعضه يدل على مرادهم، وبعضه
لا يدل، وهذه الأحاديث التي لا تصح كثيرة، فأكتفي بذكر ما اشتهر منها، فأقول:
الحديث الأول:
عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "من خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا أقبل الله عليه بوجهه".
رواه أحمد "٣/٢١" واللفظ له، وابن ماجه، وانظر تخريجه مفصلًا في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" "رقم ٢٤". وإسناده ضعيف لأنه من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري، وعطية ضعيف كما قال النووي في "الأذكار" وابن تيمية في "القاعدة الجليلة" والذهبي في "الميزان" بل قال في "الضعفاء" "٨٨/١": "مجمع على ضعفه"، والحافظ الهيثمي في غير موضع من "مجمع الزوائد" منها "٥/٢٣٦" وأورده أبوبكر بن المحب البعلبكي في "الضعفاء والمتروكين"، والبوصيري كما يأتي، وكذا الحافظ ابن حجر بقوله فيه: صدوق يخطىء كثيرًا، كان شيعيًا مدلسًا، وقد أبان فيه عن سبب ضعفه وهو أمران:
الأول: ضعف حفظه بقوله: يخطىء كثيرًا، وهذا كقوله فيه "طبقات المدلسين": "ضعيف الحفظ" وأصرح منه قوله في "تلخيص الحبير" "ص٢٤١ طبع الهند" وقد ذكر حديثًا آخر:
وفيه عطية بن سعيد العوفي وهو ضعيف.
[ ٩٢ ]
الثاني: تدليسه، لكن كان على الحافظ أن يبين نوع تدليسه، فإن التدليس عند المحدثين على أقسام كثيرة من أشهرها ما يلي:
الأول: أن يروي الرواي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهمًا أنه سمعه منه، كأن يقول: عن فلان، أو قال فلان.
الثاني: أن يأتي الرواي باسم شيخه أو لقبه على خلاف المشهور به تعمية لأمره، وقد صرحوا بتحريم هذا النوع إذا كان شيخه غير ثقة، فدلسه لئلا يعرف حاله، أو أوهم أنه رجل آخر من الثقات على وفق اسمه أو كنيتهحمد١، وهذا يعرف عندهم بتدليس الشيوخ.
قلت: وتدليس عطية من هذا النوع المحرم، كما كنت بينته في كتابي "الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة" "٢٤".
وخلاصة ذلك أن عطية هذا كان يروي عن أبي سعيد الخدري ﵁، فلما مات جالس أحد الكذابين المعروفين، بالكذب في الحديث وهو الكلبي، فكان عطية إذا روى عنه كناه أبا سعيد، فيتوهم السامعون منه أنه يريد أبا سعيد الخدري! وهذا وحده عندي يسقط عدالة عطية هذا، فكيف إذا انضم إلى ذلك سوء حفظه! ولهذا كنت أحب للحافظ ﵀ أن ينبه على أن تدليس عطية من هذا النوع الفاحش، ولو بالإشارة كما فعل في "طبقات المدلسين" إذ قال: "مشهور بالتدليس القبيح" كما سبق.
_________________
(١) ١ اختصار علوم الحديث للحافظ ان كثير "ص ٥٩" بشرح أحمد شاكر طبعة مكتبة المعارف للنشر والتوزيع الرياض.
[ ٩٣ ]
ثم كأن الحافظ نسي أو وهم – أو غير ذلك من الأسباب التي تعرض للبشر – فقال في تخريجه لهذا الحديث: إن عطية قال في رواية: حدثني أبو سعيد. قال: "فأمن بذلك تدليس عطية" كما نقله ابن علان عنه، وقلده في ذلك بعض المعاصرين.
قلت: والتصريح بالسماع إنما يفيد إذا كان التدليس من النوع الأول، وتدليس عطية من النوع الآخر القبيح، فلا يفيد فيه ذلك، لأنه في هذه الرواية أيضًا قال: "حدثني أبو سعيد" فهذا هو عين التدليس القبيح١.
فتبين مما سبق أن عطية ضعيف لسوء حفظه وتدليسه الفاحش، فكان حديثه هذا ضعيفًا، وأما تحسين الحافظ له الذي اغتر به من لا علم عنده فهو بناء على سهوه السابق، فتنبه ولا تكن من الغافلين. وفي الحديث علل أخر تكلمت عليها في الكتاب المشار إليه سابقًا، فلا حاجة للإعادة، فليرجع إليه من شاء الزيادة.
وأما فهم بعض المعاصرين من عبارة الحافظ ابن حجر السابقة في "التقريب" أنها تفيد توثيق عطية هذا ففهم لا يغبطون عليه، وقد سألت
_________________
(١) ١ من هذا يتبن للقراء الكرام أن من قلد الحافظ في هذه الجملة بعد تنبيهنا على نوع تدليس عطية فإنما هو مغرض متبع للهوى كما فعل أحدهم حيث نقل عبارة الحافظ هذه في صدد الرد على إعلالي للحديث بالتدليس أيضا أقول إنه مغرض لأنني على يقين من أنه أطلع على نوع التدليس المذكور في مقالي المشار إليه آنفا لأن رده في هذا الحديث ينصب عليه ومع ذلك فإنه تعامى عن ذلك ولم يجب عنه ولو بكلمة وإنما افرتض أن التدليس من النوع الأول الذي ينجبر بمجيئه من طريق آخر مصرحا بالتحديث أفلا يعذرني القراء إذا قلت: ألا يستحق هؤلاء أن يلحقوا بالمدلسين أمثال عطية هذا؟!
[ ٩٤ ]
الشيخ أحمد بن الصديق حين التقيت به في ظاهرية دمشق عن هذا الفهم فتعجب منه، فإن من كثر خطؤه في الرواية سقطت الثقة به بخلاف من قال ذلك منه، فالأول ضعيف الحديث، والآخر حسن الحديث، ولذلك جعل الحافظ في "شرح النخبة" من كثر غلطه قرين من ساء حفظه، وجعل حديث كل منهما مردودًا فراجعه مع حاشية الشيخ علي القاري عليه "ص١٢١، ١٣٠".
وإنما غرّ هؤلاء ما نقلوه عن الحافظ أنه قال في "تخريج الأذكار": ضعف عطية إنما جاء من قبل تشيعه، وقيل تدليسه، وإلا فهو صدوق.
وهم لقصر باعهم إن لم نقل لجهلهم في هذا العلم لا جرأة لهم على بيان رأيهم الصريح في أوهام العلماء، بل إنهم يسوقون كلماتهم كأنها في مأمن من الخطأ والزلل، لا سيما إذا كانت موافقة لغرضهم كهذه الجملة، وإلا فهي ظاهرة التعارض مع قول الحافظ المنقول عن "التقريب" إذ أنها تعلل ضعف عطية بسببين:
أحدهما: التشيع، وهذا ليس جرحًا مطلقًا على الراجح.
والثاني: التدليس، وهذا جرح قد يزول كما سيأتي، ومع ذلك فإنه أشار إلى تضعيفه لهذا السبب بقوله: "قيل". بينما جزم في "التقريب" بأنه كان مدلسًا، كما جزم بأنه كان شيعيًا، ولذلك أورده أعني الحافظ نفسه في رسالة "طبقات المدلسين" "ص١٨" فقال: تابعي معروف، ضعيف الحفظ مشهور بالتدليس القبيح ذكره في "المرتبة الرابعة" وهي
[ ٩٥ ]
التي يورد فيها من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل كبقية بن الوليد كما ذكره في المقدمة، فهذان النصان من الحافظ نفسه دليل على وهمه في تضعيفه كون عطية مدلسًا في الجملة المذكورة آنفًا. فهذا وجه من وجوه التعارض بينها وبين عبارة "التقريب". وثمة وجه آخر وهو أنه في هذه الجملة لم يصفه بما هو جرح عنده – كما سبق عن "شرح النخبة" – وهو قوله في "التقريب": يخطىء كثيرًا فهذا كله يدلنا على أن الحافظ رحمه الله تعالى لم يكن قد ساعده حفظه حين تخريجه لهذا الحديث، فوقع في هذا القصور الذي يشهد به كلامه المسطور في كتبه الأخرى، وهي أولى بالاعتماد عليها من كتابه "التخريج"، لأنه في تلك ينقل عن الأصول مباشرة، ويلخص منها بخلاف صنيعه في "التخريج".
ولما ذكرنا من حال العوفي ضعف الحديث غير واحد من الحفاظ كالمنذري في "الترغيب"١ والنووي وشيخ الإسلام ابن تيمية في "القاعدة الجليلة" وكذا البوصيري، فقال في "مصباح الزجاجة" ٥٢/٢:
"هذا إسناد مسلسل بالضعفاء: عطية وفضيل بن مرزوق والفضل بن الموفق كلهم ضعفاء". وقال صديق خان في "نزل الأبرار"
_________________
(١) ١ فقال "٢/٢٦٥": رواه لبن ماجه بإسناده فيه مقال وضعفه فيمكان آخر "١/١٣٠-١٣١" حيث صدره بقوله: "روي" مشيرا بذلك إلى أنه لا يتطرق إليه احتمال التحسين كما صرح به في "المقدمة".
[ ٩٦ ]
"ص٧١" بعد أن أشار لهذا الحديث وحديث بلال الآتي بعده:
"وإسنادهم ضعيف، صرح بذلك النووي في الأذكار".
الحديث الثاني:
وحديث بلال الذي أشار إليه صديق خان هو ما روي عنه أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج إلى الصلاة قال: "بسم الله، آمنت بالله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. اللهم بحق السائلين عليك، وبحق مخرجي هذا، فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا.." الحديث أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة – رقم٨٢" من طريق الوازع بن نافع العقيلي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله عنه.
قلت: وهذا سند ضعيف جدًا، وآفته الوازع هذا، فإنه لم يكن عنده وازع يمنعه من الكذب، كما بينته في "السلسلة الضعيفة" ولذلك لما قال النووي في "الأذكار": حديث ضعيف أحد رواته الوازع بن نافع العقيلي وهو متفق على ضعفه، وأنه منكر الحديث قال الحافظ بعد تخريجه:
هذا حديث واه جدًا، أخرجه الدارقطني في "الأفراد" من هذا الوجه وقال: تفرد به الوازع، وهو متفق على ضعفه وأنه منكر الحديث. والقول فيه أشد من ذلك، فقال ابن معين والنسائي: ليس بثقة، وقال أبو حاتم وجماعة، متروك الحديث، وقال الحاكم:
[ ٩٧ ]
يروي أحاديث موضوعة١.
قلت: فلا يجوز الاستشهاد به كما فعل الشيخ الكوثري، والشيخ الغماري في "مصباح الزجاجة-٥٦" وغيرهما من المبتدعة.
ومع كون هذين الحديثين ضعيفين فهما لا يدلان على التوسل بالمخلوقين أبدًا، وإنما يعودان إلى أحد أنواع التوسل المشروع الذي تقدم الكلام عنه، وهو التوسل إلى الله تعالى بصفة من صفاته ﷿، لأن فيهما التوسل بحق السائلين على الله وبحق ممشى المصلين. فما هو حق السائلين على الله تعالى؟، لا شك أنه إجابة دعائهم، وإجابة الله دعاء عباده صفة من صفاته ﷿، وكذلك حق ممشى المسلم إلى المسجد هو أن يغفر الله له، ويدخله الجنة ومغفرة الله تعالى ورحمته، وإدخاله بعض خلقه ممن يطيعه الجنة. كل ذلك صفات له ﵎.
وبهذا تعلم أن هذا الحديث الذي يحتج به المبتدعون ينقلب عليهم،
_________________
(١) ١ قلت في "السلسلة الضعيفة" بعد أن تكلمت عن حديث بلال هذه والذي قبله: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع الرياض. "وجملة القول إن هذا الحديث ضعيف من طريقيه وأحدهما أشد ضعفا من الآخر". فتغافل بعض المؤلفين عن هذه الجملة وأحدهام أشد ضعفا من الآخر فافتروا علي وقالوا: فقد اتضح أنهما حديثان متغايران في الإسناد ابتداء وانتهاء فكيف يصح أن يجعل حديثا واحدا ويحكم عليهما بحكم واحد إن هذا دليل على مبلغ تخليط قائله. قلت: فليتأمل القارئ هل صدقوا فيما زعموا ثم ليعذرني إذا ذكرت قوله ﷺ: "من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ماشئت"!
[ ٩٨ ]
ويصبح بعد فهمه فهمًا جيدًا حجة لنا عليهم، والحمد لله على توفيقه.
الحديث الثالث:
عن أبي أمامة قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح، وإذا أمسى دعا بهذا الدعاء: "اللهم أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد.. أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض، وبكل حق هو لك، وبحق السائلين عليك ".
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد-١٠/١١٧":
رواه الطبراني، وفيه فضال بن جبير، وهو ضعيف مجمع على ضعفه.
قلت: بل هو ضعيف جدًا، اتهمه ابن حبان فقال:
شيخ يزعم أنه سمع أبا أمامة، يروي عنه ما ليس منه حديثه. وقال أيضًا: لا يجوز الاحتجاج به بحال، يروي أحاديث لا أصل له.
وقال ابن عدي في "الكامل-٢٥/١٣":
"أحاديثه كلها غير محفوظة".
قلت: فالحديث شديد الضعف، فلا يجوز الاستشهاد به أيضًا، كما فعل صاحب "المصباح-ص٥٦".
الحديث الرابع:
عن أنس بن مالك قال: لما ماتت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي ﵄ دعا أسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن
[ ٩٩ ]
الخطاب وغلامًا أسود يحفرون فلما فرغ دخل رسول الله ﷺ، فاضطجع فيه فقال: "الله الذي يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، اغفر لأمي فاطمة بين أسد، ولقنها حجتها، ووسع مدخلها بحق نبيك، والأنبياء الذين من قبلي، فإنك أرحم الراحمين..".
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد-٩/٢٥٧": رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه روح بن صلاح، وثقة ابن حبان والحاكم وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح.
قلت: ومن طريق الطبراني رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء-٣/١٢" وإسناده عندهما ضعيف، لأن روح بن صلاح الذي في إسناده قد تفرد به، كما قال أبو نعيم نفسه، وروح ضعفه ابن عدي، وقال ابن يونس: رويت عنه مناكير، وقال الدارقطني: "ضعيف في الحديث" وقال ابن ماكولا: "ضعفوه" وقال ابن عدي بعد أن أخرج له حديثين: "له أحاديث كثيرة، في بعضها نكرة" فقد اتفقوا على تضعيفه فكان حديثه منكرًا لتفرده به.
وقد ذهب بعضهم إلى تقوية هذا الحديث لتوثيق ابن حبان والحاكم لروح هذا، ولكن ذلك لا ينفعهم، لما عرفا به من التساهل في التوثيق، فقولهما عند التعارض لا يقام له وزن حتى لو كان الجرح مبهمًا، فكيف مع بيانه كما هي الحال هنا، وقد فصلت الكلام على ضعف هذا الحديث في "السلسلة الضعيفة- ٢٣" فلا نعيد الكلام عليه في هذه العجالة، ولكن المشار إليهم جاؤوا بما يضحك فقالوا: حكم عليه الشيخ ناصر
[ ١٠٠ ]
بالضعف، فنطالبه بمن ضعف هذا الحديث من المحدثين".
قلت: قد ذكرنا من ضعف رواية روح بن صلاح الذي تفرد به، وهذا يستلزم ضعف حديثه كما لا يخفى إلا عند المتابعة وقد نفاها أبو نعيم، أو عند مجيئه من طريق آخر وهيهات! ثم قالوا: "ولو فرض تضعيفه، فضعفه خفيف فلا يمنع جواز العمل، لأنه من باب ما جوزه المحدثون والفقهاء من العمل بالضعيف الذي ليس ضعفه بشديد في الترغيب والترهيب"، قلت: ليس في هذا الحديث شيء من الترغيب، ولا هو يبين فضل عمل ثابت في الشرع، إنما هو ينقل أمرًا دائرًا بين أن يكون جائزًا أو غير جائز، فهو إذن يقرر حكمًا شرعيًا لو صح، وأنتم إنما توردونه من الأدلة على جواز هذا التوسل المختلف فيه، فإذا سلمتم بضعفه لم يجز لكم الاستدلال به، وما أتصور عاقلا يوافقكم على إدخال هذا الحديث في باب الترغيب والترهيب، وهذا شأن من يفر من الخضوع للحق، يقول ما لا يقوله جميع العقلاء.
الحديث الخامس:
عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد قال:
كان رسول الله ﷺ يستفتح بصعاليك المهاجرين.
فيرى المخالفون أن هذا الحديث يفيد أن النبي ﷺ كان يطلب من الله تعالى أن ينصره، ويفتح عليه بالضعفاء المساكين من المهاجرين، وهذا – بزعمهم – هو التوسل المختلف فيه نفسه.
[ ١٠١ ]
والجواب من وجهين:
الأول: ضعف الحديث، فقد أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" "١/٨١/٢": حدثنا محمد بن إسحاق بن راهويه حدثنا أبي حدثنا عيسى بن يونس حدثني أبي عن أبيه عن أميه به.
وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي بن عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن أبي إسحاق عن أمية بن خالد به. ثم رواه من طريق قيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن المهلب بن أبي صفرة عن أمية بن خالد مرفوعًا بلفظ: يستفتح ويستنصر بصعاليك المسلمين.
قلت: مداره على أمية هذا، ولم تثبت صحبته، فالحديث مرسل ضعيف، وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب-١/٣٨":
"لا تصح عندي صحبته، والحديث مرسل"، وقال الحافظ في "الإصابة" "١/١٣٣":
"ليست له صحبة ولا رواية".
قلت: وفيه علة أخرى، وهي اختلاط أبي اسحاق وعنعنته، فإنه كان مدلسًا، إلا أن سفيان سمع منه قبل الاختلاط، فبقيت العلة الأخرى وهي العنعنة.
فثبت بذلك ضعف الحديث وأنه لا تقوم به حجة. وهذا هو الجواب الأول.
[ ١٠٢ ]
الثاني: أن الحديث لو صح فلا يدل إلا على مثل ما دل عليه حديث عمر، وحديث الأعمى من التوسل بدعاء الصالحين. قال المناوي في "فيض القدير": "كان يستفتح" أي يفتتح القتال، من قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ ذكره الزمخشري. ويستنصر أي يطلب النصرة "بصعاليك المسلمين" أي بدعاء فقرائهم الذين لا مال لهم.
قلت: وقد جاء هذا التفسير من حديثه، اخرجه النسائي "٢/١٥" بلفظ: "إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم، وصلاتهم وإخلاصهم" وسنده صحيح، وأصله في "صحيح البخاري" "٦/٦٧"، فقد بين الحديث أن الاستنصار إنما يكون بدعاء الصالحين، لا بذواتهم وجاههم.
ومما يؤكد ذلك أن الحديث ورد في رواية قيس بن الربيع المتقدمة بلفظ: "كان يستفتح ويستنصر "، فقد علمنا بهذا أن الاستنصار بالصالحين يكون بدعائهم وصلاتهم وإخلاصهم، وهكذا الاستفتاح، وبهذا يكون هذا الحديث – إن صح – دليلًا على التوسل المشروع، وحجة على التوسل المبتدع، والحمد لله.
الحديث السادس:
عن عمر بن الخطاب مرفوعًا: "لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال: يا آدم ! وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه؟ قال: يا رب لما خلقتني بيدك، ونفخت في من روحك
[ ١٠٣ ]
رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبًا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضِف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال: غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتُك".
أخرجه الحاكم في "المستدرك" "٢/٦١٥" من طريق أبي الحارث عبد الله بن مسلم الفهري: حدثنا إسماعيل بن مسلمة: أنبأ عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده عن عمر. وقال: صحيح الإسناد وهو أول حديث ذكرته لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذا الكتاب.
فتعقبه الذهبي بقوله:
قلت: بل موضوع، وعبد الرحمن واهٍ، وعبد الله بن أسلم الفهري لا أدري من ذا قلت: ومن تناقض الحاكم في "المستدرك" نفسه أنه أورد فيه "٣/٣٣٢" حديثًا آخر لعبد الرحمن هذا ولم يصححه، بل قال: والشيخان لم يحتجا بعبد الرحمن بن زيد!.
قلت: والفهري هذا أورده الذهبي في "الميزان" وساق له هذا الحديث وقال: خبر باطل، وكذا قال الحافظ ابن حجر في "اللسان" "٣/٣٦٠" وزاد عليه قوله في الفهري هذا:
"لا أستبعد أن يكون هو الذي قبله فإنه من طبقته"، قلت: والذي قبله هو عبد الله بن مسلم بن رُشيد، قال الحافظ: ذكره ابن حبان، منهم بوضع الحديث، يضع على ليث ومالك وابن لهيعة، لا يحل كتب حديثه، وهو الذي روى عن ابن هدية نسخة كأنها معمولة.
[ ١٠٤ ]
قلت: والحديث رواه الطبراني في "المعجم الصغير" "ص٢٠٧": ثنا محمد بن داود بن أسلم الصدفي المصري: ثنا أحمد ابن سعيد المدني الفهري: ثنا عبد الله بن إسماعيل المدني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم به. وهذا سند مظلم فإن كل من دون عبد الرحمن لا يعرفون، وقد أشار إلى ذلك الحافظ الهيثمي حيث قال في "مجمع الزوائد" "٨/٢٥٣":
"رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفيه من لم أعرفهم.
قلت: وهذا إعلال قاصر، يوهم من لا علم عنده أن ليس فيهم من هو معروف بالطعن فيه، وليس كذلك فإن مداره على عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال البيهقي: "إنه تفرد به" وهو متهم بالوضع، رماه بذلك الحاكم نفسه، ولذلك أنكر العلماء عليه تصحيحه لحديثه، ونسبوه إلى الخطأ والتناقض، فقال وراث علم الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين شيخ الإسلام ابن تيمية١ ﵀ في "القاعدة الجليلة- ص٨٩":
ورواية الحاكم لهذا الحديث مما أنكر عليه، فإنه نفسه قد قال في كتاب "المدخل إلى معرفة الصحيح من السقيم": "عبد الرحمن بن زيد بن أسلم روى عن أبيه أحاديث موضوعة، لا تخفى على من تأملها من أهل الصنعة أن الحمل فيها عليه"٢. قلت: وعبد الرحمن بن زيد
_________________
(١) ١ من كلام العلامة الشيخ محب الدين الخطيب في مقدمته لقاعدة الجليلة. ٢ نقل هذا الكلام عن الحاكم وابن حبان أيضا الحافظ ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي- ص ٢٩" والحافظ ابن حجر في "التهذيب".
[ ١٠٥ ]
بن أسلم ضعيف باتفاقهم يغلط كثيرًا١، ضعفه أحمد بن حنبل وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والدارقطني، وغيرهم. وقال ابن حبان: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك من روايته من رفع المراسيل، وإسناد الموقوف، فاستحق الترك.
وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله فهذا مما أنكره عليه أئمة العلم بالحديث، وقالوا: إن الحاكم يصحح أحاديث موضوعة مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث. ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم.
قلت: وقد أورد الحاكم نفسه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في كتابه "الضعفاء" كما سماه العلامة ابن عبد الهادي، وقال في آخره:
فهؤلاء الذين قدمت ذكرهم قد ظهر عندي جرحهم، لأن الجرح لا يثبت إلا ببينة، فهم الذين أبين جرحهم لمن طالبني به، فإن الجرح لا أستحله تقليدًا، والذي أختاره لطالب هذا الشأن أن لا يكتب حديث واحد من هؤلاء الذين سميتهم، فالراوي لحديثهم داخل في قوله ﷺ: "من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبَيْن" ٢.
قلت: فمن تأمل في كلام الحاكم هذا والذي قبله يتبن له بوضوح
_________________
(١) ١ هذا نص من شيخ الإسلام على أن كلمة "يغلط كثيرا" صيغة جرح لاتعديل ولا يخفى أنه لافرق بينهما وبين كلمة "يخطيء كثيرا" التي وصف الحافظ بها عطية العوفي كما سبق. ٢ أخرجه مسلم "١/٧" وابن حبان في صحيحه "١/٢٧" من حديث سمرة بن جندب ومسلم من حديث المغيرة بن شعبة وقال: "هو حديث مشهور".
[ ١٠٦ ]
أن حديث عبد الرحمن بن زيد هذا موضوع عند الحاكم نفسه، وأن من يرويه بعد العلم بحاله فهو أحد الكاذبَيْن.
وقد اتفق عند التحقيق كلام الحفاظ ابن تيمية والذهبي والعسقلاني على بطلان هذا الحديث، وتبعهم على ذلك غير واحد من المحققين كالحافظ ابن عبد الهادي كما سيأتي، فلا يجوز لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصحح الحديث بعد اتفاق هؤلاء على وضعه تقليدًا للحاكم في أحد قوليه، مع اختياره في قوله الآخر لطالب العلم أن لا يكتب حديث عبد الرحمن هذا، وأنه إن فعل كان أحد الكاذبين كما سبق.
"تنبيه": إذا عرفت هذا فقول بعض المشايخ: إن حكم الشيخ ناصر على الحديث بأنه كذب وموضوع باطل لأن مستنده قول الذهبي إنه موضوع باطل حقًا لأن الذهبي قد وافقه من ذكرنا من الحفاظ الأعلام، ثم قالوا: ومستند الذهبي ما في إسناد الحاكم من رجل قيل فيه إنه متهم. قلت: "هذا باطل أيضًا، لأن الرجل المشار إليه وهو عبد الله بن مسلم الفهري جهله الذهبي ولم يتهمه كما تقدم نقله عنه، وما أظن هذا يخفى عليهم ولكنهم تجاهلوه لغرض في أنفسهم، وهو أن يتسنى لهم أن يقولوا عقب ذلك: "لكن للحديث إسناد آخر عند الطبراني ليس فيه هذا المتهم، وغاية ما فيه أن فيه من هو غير معروف"، قلت: بل فيه ثلاثة لا يعرفون، وإذا كانوا لا يعلمون ذلك فلماذا عدلوا عن تقليد الهيثمي في قوله: "وفيه من لم أعرفهم" كما
[ ١٠٧ ]
سبق، وهو هلكى وراء التقليد، إلى قولهم: فيه من هو غير معروف"؟!
السبب في ذلك أن قول الهيثمي نص على أن:من هو غير معروف: جماعة، وأما قولهم فليس نصًا على ذلك، بل هذا يقال إذا كان في السند شخص لا يعرف أو أكثر، فهو في الحقيقة من تلبيساتهم على القراء. نعوذ بالله من الخذلان. ثم قالوا عطفًا على ما سبق: وإن فيه عبد الرحمن بن زيد وهو على الراجح عند الحافظ ابن حجر ممن يقال فيه ضعيف، وهذه الكلمة من أخف مراتب التضعيف أقول: لكن الراجح عند غير الحافظ أنه أشد ضعفًا من ذلك، فقد قال فيه أبو نعيم: "روى عن أبيه أحاديث موضوعة". وكذا قال الحاكم نفسه كما سبق، وهو وكذا أبو نعيم من المعروفين بتساهلهم في التوثيق، فإذا جرحا فإنما ذلك بعد ان ظهر لهما ان عبد الرحمن مجروح حقًا، ولذلك اتفقوا على تضعيفه كما نص في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، بل ضعّفه جدًا علي بن المديني وابن سعد وغيرهما، وقال الطحاوي: "حديثه عند أهل العلم بالحديث في النهاية من الضعف"، فهو معروف بالضعف الشديد منذ القديم، فما الذي حمل المخالفين على الإعراض عن هذه الأقوال المتضافرة على أن عبد الرحمن هذا ضعيف جدًا – إن لم يكن كذابًا – إلى التمسك بقول الحافظ فيه ضعيف؟! أقول هذا مع احتمال أن يكون سقط من قلم الحافظ أو قلم بعض النساخ عقب قوله "ضعيف" لفظة "جدًا" وعلى كل حال
[ ١٠٨ ]
فإن تقليدهم للحافظ في هذه الكلمة لا يفيدهم شيئًا، بعد أن حكم هو على الحديث بأنه "خبر باطل" كما سبق نقله عن "لسانه"! فهذا من الأدلة الكثيرة على أن هؤلاء أتباع هوى، وليسوا طلاب حق، وإلا لأخذوا بقول الحافظ هذ الموافق لقول الذهبي وغيره من المحققين، ولم يعرجوا على تضعيفه فقط لعبد الرحمن، ليعارضوا به الذهبي، ويدلسوا على الناس أمر الحديث، ويظهروه بمظهر الأحاديث التي اختلف فيها العلماء حتى يتسنى لهم ابتداع رأي جديد حول الحديث يتلاءم مع قول أحد الحفاظ في احد رواته! انظر اليهم كيف قالوا عقب ما سبق: فما كان حاله هكذا عند المحدثين فليس من الموضوع، ولا من الضعيف الشديد، بل هو من القسم الذي يعمل به في "الفضائل"!
أقول: وهذا كلام ساقط من وجهين: الأول: أنه مبني على أن عبد الرحمن ضعيف فقط وليس كذلك بل هو ضعيف جدًا كما سبق، وسيأتي التصريح بذلك عن أحد الحفاظ النقاد. الثاني: أنه معارض لحكم الحافظ بل الحفاظ على الحديث بالبطلان كما سبق، فكيف جاز لهم مخالفتهم لا سيما قد صرح أحدهم في "التعقيب الحثيث - ٢١" ليس له صفة التصحيح والتضعيف! فلعله قال ذلك تواضعًا! وإلا فأنت تراه هنا قد أعطى لنفسه منزلة تسوغ له الاستقلال في البحث ولو أدى إلى مخالفة كل أولئك الحفاظ والنقاد! ويؤيد هذا الذي نقوله فيه أنه قال عطفًا على ما سبق: "فنحن في هذا الحديث مع من لم
[ ١٠٩ ]
ير به ذلك "يعني الوضع" كالحاكم والحافظ السبكي، فليس علينا فيه افتيات على الحافظ الذهبي، لكن رأينا ما عليه الحافظان المذكوران أقرب إلى الصواب".
أقول: ولا يخفى ما في هذا الكلام من التلبيس والتدليس فإن الحاكم إنما ذهب في "المستدرك" إلى تصحيح الحديث كما سبق، والسبكي قلده في ذلك كما بينه الحافظ ابن عبد الهادي فقال في رده عليه في "الصارم المنكي-ص٣٢":
"وإني لأتعجب منه كيف قلد الحاكم في تصحيحه مع أنه حديث غير صحيح ولا ثابت، بل هو حديث ضعيف الإسناد جدًا، وقد حكم عليه بعض الأئمة بالوضع، وليس إسناده من الحاكم إلى عبد الرحمن بن زيد بصحيح بل مفتعل على عبد الرحمن كما سنبينه، ولو كان صحيحًا إلى عبد الرحمن لكان ضعيفًا غير محتج به، لأن عبد الرحمن في طريقه، وقد أخطأ الحاكم وتناقض تناقضًا فاحشًا كما عرف له ذلك في مواضيع، فإنه قال في كتاب "الضعفاء"، بعد أن ذكر عبد الرحمن "منهم". وذكر ما نقلته عنه فيما سبق "ص١٠٧": فانظر إلى ما وقع للحاكم في هذا الموضع من الخطأ العظيم والتناقض الفاحش، ثم إن هذا المعترض المخذول عمد إلى هذا الذي اخطأ فيه الحاكم وتناقض، فقلده فيه، واعتمد عليه، فقال: "ونحن قد اعتمدنا في تصحيحه على الحاكم"، وذكر قبل ذلك بقليل أنه مما تبين له صحته. فانظر يرحمك الله إلى هذا الخذلان البين والخطأ الفاحش! كيف جاء هذا المعترض إلى
[ ١١٠ ]
حديث غير صحيح ولا ثابت، بل هو حديث موضوع، فصححه واعتمد عليه، وقلد في ذلك الحاكم مع ظهور خطئه وتناقضه، مع معرفة هذا المعترض بضعف راويه وجرحه واطلاعه على الكلام المشهور فيه".
أقول: هذا شأن السبكي رحمه الله تعالى في هذا الحديث، وتقليد الحاكم في تصحيحه، وهذا مع كونه خطأ في نفسه كما سبق بيانه فهو خلاف رأي المشار إليه سابقًا الذي صرح بأن الحديث ضعيف لا صحيح ولا موضوع، فقد خالف – هو ومن قلده وناصره – الحاكم والسبكي كما خالفوا من سبق ذكرهم من العلماء الفحول الذين قالوا بوضع الحديث أو بطلانه، فليس افتئاتهم على الذهبي فقط، بل وعلى من وافقه وخالفه جميعًا! فليتأمل العاقل ما يفعل الهوى بصاحبه! لقد أرادوا أن ينزهوا أنفسهم عن الافتئات على الذهبي، وإذا بهم يقولون بما هو أدهى وأمر من الافتئات على من ذكرنا من العلماء!
ومن مغالطاتهم المكشوفة عند أهل العلم قولهم في أثناء كلامهم السابق بعد أن أشاروا إلى طريق الطبراني الذي سبق الكلام عليه:
"فالذهبي لم يطلع على هذا الطريق، وإلا لو اطلع عليه لم يقل ذلك".
أقول: وهذا كلام باطل، إذ أن الذهبي حكم على الحديث بالوضع والبطلان من طريق الحاكم، وفيه عبد الرحمن بن زيد ورجل آخر لا يعرفه، كما سبق بيانه في أول هذا التنبيه، وطريق الطبراني فيه علاوة
[ ١١١ ]
على عبد الرحمن هذا ثلاث رجال آخرون لا يعرفون كما سبق أيضًا، فكيف يصح أن يقال حينئذ:
"إن الذهبي لو اطلع على هذا الطريق لم يقل بذلك"؟!
اللهم إن هذه مغالطة ومكابرة مكشوفة أو جهل مركب، فرحمتك اللهم وهداك!
لقد تبين للقراء الكرام مما سلف أن للحديث علتين:
الأولى: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأنه ضعيف جدًا.
الثانية: جهالة الإسناد إلى عبد الرحمن.
وللحديث عندي علة أخرى. وهي اضطراب عبد الرحمن أو من دونه في إسناده، فتارة كان يرفعه كما مضى، وتارة كان يرويه موقوفًا على عمر، لا يرفعه إلى النبي ﷺ، كما رواه
أبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة ص ٤٢٧" من طريق عبد الله ابن اسماعيل بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن زيد به، وعبد الله هذا لم أعرفه أيضًا، فلا يصح عن عمر مرفوعًا ولا موقوفًا، ثم رواه الآجري من طريق آخر عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه أنه قال: من الكلمات التي تاب الله بها على آدم قال: اللهم أسألك بحق محمد عليك.. الحديث نحوه مختصرًا، وهذا مع إرساله ووقفه، فإن إسناده إلى ابن أبي الزناد ضعيف جدًا، وفيه عثمان بن خالد والد أبي مروان العثماني، قال النسائي: "ليس بثقة".
[ ١١٢ ]
وعلى هذا فلا يبعد أن يكون أصل هذا الحديث من الإسرائليات التي تسربت إلى المسلمين من بعض مسلمة أهل الكتاب أو غير مسلمتهم. أو عن كتبهم التي لا يوثق بها، لما طرأ عليها من التحريف والتبديل كما بينه شيخ الإسلام في كتبه، ثم رفعه بعض هؤلاء الضعفاء إلى النبي ﷺ خطأ أو عمدًا.
مخالفة هذا الحديث للقرآن:
ومما يؤيد ما ذهب إليه العلماء من وضع هذا الحديث وبطلانه أنه يخالف القرآن الكريم في موضعين منه:
الأول: أنه تضمن أن الله تعالى غفر لآدم بسبب توسله به ﷺ، والله ﷿ يقول: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ . وقد جاء تفسير هذه الكلمات عن ترجمان القرآن ابن عباس ﵄ مما يخالف هذا الحديث، فأخرج الحاكم "٣/٥٤٥" عنه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ قال: أي رب! ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: ألم تنفخ فيَّ من روحك؟ قال: بلى. قال: أي رب! ألم تسكنّي جنتك؟ قال: بلى. قال: ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى. قالت: أرأيت إن تبتُ وأصلحت، أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: بلى. قال: فهو قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ وقال الحاكم: "صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
قلت: وقول ابن عباس هذا في حكم المرفوع من وجهين:
الأول: أنه أمر غيبي لا يقال من مجرد الرأي.
[ ١١٣ ]
الثاني: أنه ورد في تفسير الآية، وما كان كذلك فهو في حكم المرفوع كما تقرر في محله، ولا سيما إذا كان من قول إمام المفسرين عبد الله بن عباس ﵄ الذي دعا له رسول الله ﷺ بقوله: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل".
وقد قيل في تفسير هذه الكلمات: إنها ما في الآية الاخرى ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ . وبهذا جزم السيد رشيد رضا في "تفسيره" "١/٢٧٩". لكن أشار ابن كثير "١/٨١" إلى تضعيفه، ولا منافاة عندي بين القولين، بل أحدهم يتمم الآخر، فحديث ابن عباس لم يتعرض لبيان ما قاله آدم ﵇ بعد أن تلقى من ربه تلك الكلمات وهذا القول يبين ذلك، فلا منافاة والحمد لله، وثبت مخالفة الحديث للقرآن، فكان باطلًا.
الموضع الثاني: قوله في آخره: "ولولا محمد ما خلقتك" فإن هذا أمر عظيم يتعلق بالعقائد التي لا تثبت إلا بنص متواتر اتفاقًا، أو صحيح عند آخرين، ولو كان ذلك صحيحًا لورد في الكتاب والسنة الصحيحة، وافتراض صحته في الواقع مع ضياع النص الذي تقوم به الحجة ينافي قوله ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ . والذكر هنا يشمل الشريعة كلها قرآنًا وسنة، كما قرره ابن حزم في "الإحكام" وأيضًا فإن الله ﵎ قد أخبرنا عن الحكمة التي من أجلها خلق آدم وذريته، فقال ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، فكل ما خالف هذه الحكمة أو زاد عليها لا يقبل إلا بنص صحيح عن المعصوم ﷺ كمخالفة هذا الحديث الباطل.
[ ١١٤ ]
ومثله ما اشتهر على ألسنة الناس: لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك فإنه موضوع كما قاله الصنعاني ووافقه الشوكاني في "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" "ص١١٦". ومن الطرائف أن المتنبي ميرزا غلام أحمد القادياني سرق هذا الحديث الموضوع فادعى أن الله خاطبه بقوله: لولاك لما خلقت الأفلاك!! وهذا شيء يعترف به أتباعه القاديانيون هنا في دمشق وغيرها، لوروده في كتاب متنبئهم "حقيقة الوحي" "ص٩٩".
ثم على افتراض أن هذا الحديث ضعيف فقط كما يزعم بعض المخالفين خلافًا لمن سبق ذكرهم من العلماء والحفاظ، فلا يجوز الاستدلال به على مشروعية التوسل المختلف فيه، لأن – على قولهم – عبادة مشروعة، وأقل أحوال العبادة أن تكون مستحبة، والاستحباب حكم شرعي من الأحكام الخمسة التي لا تثبت إلا بنص صحيح تقوم به الحجة، فإذا الحديث عنده ضعيف، فلا حجة فيه البتة، وهذا بين لا يخفى إن شاء الله تعالى.
الحديث السابع: "توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم":
وبعضهم يرويه بلفظ: "إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم".
هذا باطل لا أصل له في شيء من كتب الحديث البتة، وإنما يرويه بعض الجهال بالسنة كما نبَّه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
[ ١١٥ ]
الله في "القاعدة الجليلة" "ص١٣٢، ١٥٠" قال: "مع أن جاهه ﷺ عند الله أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين، ولكن جاه المخلوق عند الخالق ليس كجاه المخلوق عند المخلوق فإنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، والمخلوق يشفع عند المخلوق بغير إذنه، فهو شريك له في حصول المطلوب، والله تعالى لا شريك له كما قال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ١.
فلا يلزم إذن من كون جاهه ﷺ عند ربه عظيمًا، أن نتوسل به إلى الله تعالى لعدم ثبوت الأمر به عنه ﷺ، ويوضح ذلك أن الركوع والسجود من مظاهر التعظيم فيما اصطلح عليه الناس، فقد كانوا وما يزال بعضهم يقومون ويركعون ويسجدون لمليكهم ورئيسهم والمعظم لديهم، ومن المتفق عليه بين المسلمين أن محمدًا ﷺ هو أعظم الناس لديهم، وأرفعهم عندهم. ترى فهل يجوز لهم أن يقوموا ويركعوا ويسجدوا له في حياته وبعد مماته؟
الجواب: إنه لا بد لمن يجوز ذلك، من أن يثبت وروده في الشرع، وقد نظرنا فوجدنا أن السجود والركوع لا يجوزان إلا له ﷾، وقد نهى النبي ﷺ أن يسجد أو يركع أحد لأحد، كما أننا رأينا في السنة كراهية النبي ﷺ للقيام، فدل ذلك على عدم مشروعيته.
_________________
(١) ١ سورة سبأ: الآية ٢٢ و٢٣.
[ ١١٦ ]
ترى فهل يستطيع أحد أن يقول عنا حين نمنع السجود لرسول الله ﷺ: إننا ننكر جاهه ﷺ وقدره؟: كلا ثم كلا.
وكذلك فهل يستطيع أحد أن يبني على ثبوت جاه النبي ﷺ ثبوت السجود له والركوع؟ أيضا نقول: كلا ثم كلا.
فظهر من هذا بجلاء إن شاء الله تعالى أنه لا تلازم بين ثبوت جاه النبي ﷺ وبين تعظيمه بالتوسل بجاهه ما دام أنه لم يرد في الشرع.
هذا، وإن من جاهه ﷺ أنه يجب علينا اتباعه وإطاعته كما يجب إطاعة ربه، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: "ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله إلا أمرتكم به" ١ فإذا لم يأمرنا بهذا التوسل ولو أمرَ استحباب فليس عبادة، فيجب علينا اتباعه في ذلك وأن ندع العواطف جانبًا، ولا نفسح لها المجال حتى ندخل في دين الله ما ليس منه بدعوى حبه ﷺ، فالحب الصادق إنما هو بالاتبْاع، وليس بابتداع كما قال ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ومنه قول الشاعر:
تعصى الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمرك في القياس بديع
لو كان حبك صادقًا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
أثران ضعيفان:
١- أثر الاستسقاء بالرسول ﷺ بعد وفاته:
وبعد أن فرغنا من إيراد الأحاديث الضعيفة في التوسل، وتحقيق
_________________
(١) ١ رواه الشافعي والطبراني وغيرهما.
[ ١١٧ ]
القول فيها يحسن بنا أن نورد أثرًا، كثيرًا ما يورده المجيزون لهذا التوسل المبتدع، لنبين حاله من صحة او ضعف، وهل له علاقة بما نحن فيه أم لا؟ فأقول: قال الحافظ في "الفتح -٢/٣٩٧" ما نصه:
وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار – وكان خازن عمر – قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! استسق لأمتك، فإنهم قد هلكوا، فأتي الرجلُ في المنام، فقيل له: ائت عمر.. الحديث. وقد روى سيف في "الفتوح" أن الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة.
قلت: والجواب من وجوه:
الأول: عدم التسليم بصحة هذه القصة، لأن مالك الدار غير معروف العدالة والضبط، وهذان شرطان أساسيان في كل سند صحيح كما تقرر في علم المصطلح، وقد أورده ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٤/١ - ٢١٣" ولم يذكر راويًا عنه غير أبي صالح هذا، ففيه إشعار بأنه مجهول، ويؤيده أن ابن أبي حاتم نفسه – مع سعة حفظه واطلاعه – لم يحك فيه توثيقًا فبقي على الجهالة، ولا ينافي هذا قول الحافظ: " بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان " لأننا نقول: إنه ليس نصًا في تصحيح جميع السند بل إلى أبي صالح فقط، ولولا ذلك لما ابتدأ هو الإسنادَ من عند أبي صالح، ولقال رأسًا: "عن مالك الدار وإسناده صحيح"، ولكنه تعمد ذلك، ليلفت النظر إلى أن ها هنا شيئًا ينبغي النظر فيه، والعلماء إنما يفعلون ذلك لأسباب منها:
[ ١١٨ ]
أنهم قد لا يحضرهم ترجمة بعض الرواة، فلا يستجيزون لأنفسهم حذف السند كله، لما فيه من إيهام صحته لاسيما عند الاستدلال به، بل يوردون منه ما فيه موضع للنظر فيه، وهذا هو الذي صنعه الحافظ ﵀ هنا، وكأنه يشير إلى تفرد أبي صالح السمان عن مالك الدار كما سبق نقله عن ابن أبي حاتم، وهو يحيل بذلك إلى وجوب التثبت من حال مالك هذا أو يشير إلى جهالته. والله أعلم.
وهذا علم دقيق لا يعرفه إلا من مارس هذه الصناعة، ويؤيد ما ذهبت اليه أن الحافظ المنذري أورد في "الترغيب-٢/٤١-٤٢" قصة أخرى من رواية مالك الدار عن عمر ثم قال: "رواه الطبراني في "الكبير"، ورواته إلى مالك الدار ثقات مشهورون، ومالك الدار لا أعرفه". وكذا قال الهيثمي في "مجمع الزوائد - ٣/١٢٥".
وقد غفل عن هذا التحقيق صاحب كتاب "التوصل - ص٢٤١" فاغتر بظاهر كلام الحافظ، وصرح بأن الحديث صحيح، وتخلص منه بقوله: "فليس فيه سوى: جاء رجل.."، واعتمد على أن الرواية التي فيها تسمية الرجل ببلال بن الحارث فيها سيف، وقد عرفت حاله.
وهذا لا فائدة كبرى فيه، بل الأثر ضعيف من أصله لجهالة مالك الدار كما بيناه.
الثاني: أنها مخالفة لما ثبت في الشرع من استحباب إقامة صلاة الاستسقاء لاستنزال الغيث من السماء، كما ورد ذلك في أحاديث كثيرة، وأخذ به جماهير الأئمة، بل هي مخالفة لما أفادته الآية من
[ ١١٩ ]
الدعاء والاستغفار، وهي قوله تعالى في سورة نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا..﴾ وهذا ما فعله عمر بن الخطاب حين استسقى وتوسل بدعاء العباس كما سبق بيانه، وهكذا كانت عادة السلف الصالح كلما أصابهم القحط أن يصلوا ويدعوا، ولم ينقل عن أحد منهم مطلقًا أنه التجأ إلى قبر النبي ﷺ، وطلب منه الدعاء للسقيا، ولو كان ذلك مشروعًا لفعلوه ولو مرة واحدة، فإذا لم يفعلوه دل ذلك على عدم مشروعية ما جاء في القصة.
الثالث: هب أن القصة صحيحة، فلا حجة فيها، لأن مدارها على رجل لم يسم، فهو مجهول أيضًا، وتسميته بلالًا في رواية سيف لا يساوي شيئًا، لأن سيفًا هذا – وهوابن عمر التميمي – متفق على ضعفه عند المحدثين، بل قال ابن حبان فيه: "يروي الموضوعات عن الأثبات، وقالوا: إنه كان يضع الحديث". فمن كان هذا شأنه لا تقبل روايته ولا كرامة، لا سيما عند المخالفة.
"تنبيه": سيف هذا يرد ذكره كثيرًا في تاريخ ابن جرير وابن كثير وغيرهما، فينبغي على المشتغلين بعلم التاريخ أن لا يغفلوا عن حقيقة أمره حتى لا يعطوا الروايات ما لا تستحق من المنزلة.
ومثله لوط بن يحيى أو مخنف قال الذهبي في "الميزان": "أخباري تالف لا يوثق به، تركه أبو حاتم وغيره. وقال الدارقطني: ضعيف، وقال يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال ابن عدي: شيعي محترق صاحب أخبارهم".
[ ١٢٠ ]
ومثله محمد بن عمر المعروف بالواقدي – شيخ ابن سعد صاحب "الطبقات" الذي يكثر الرواية عنه – وقد اغتر به الدكتور البوطي، فروى أخبارًا كثيرة في "فقه السيرة" من طريقه مع أنه تعهد بأن ينقل عن الصحاح، وما صح من السيرة! والواقدي هذا متروك الحديث أيضًا كما قال علماء الحديث، فتأمل.
الفرق بين التوسل بذات النبي ﷺ وبين طلب الدعاء منه:
الوجه الرابع: أن هذا الأثر ليس فيه التوسل بالنبي ﷺ، بل فيه طلب الدعاء منه بأن يستسقي الله تعالى أمته، وهذه مسألة أخرى لا تشملها الأحاديث المتقدمة، ولم يقل بجوازها أحد من علماء السلف الصالح ﵃، أعني الطلب منه ﷺ بعد وفاته، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "القاعدة الجليلة" "ص١٩-٢٠":
لم يكن النبي ﷺ بل ولا أحد من الأنبياء قبله شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين، ويستشفعوا بهم، لا بعد مماتهم، ولا في مغيبهم، فلا يقول أحد: يا ملائكة الله اشفعوا لي عند الله، سلو الله لنا أن ينصرنا أو يرزقنا أو يهدينا، وكذلك لا يقول لمن مات من الأنبياء والصالحين: يا نبي الله يا ولي الله الأصل: رسول الله ادع الله لي، سل الله لي، سل الله أن يغفر لي ولا يقول: أشكو إليك ذنوبي أو نقص رزقي أو تسلط العدو علي، أو أشكو إليك فلانًا الذي ظلمني، ولا يقول: أنا نزيلك، أنا ضيفك، أنا جارك، أو أنت تجير من يستجيرك. ولا يكتب أحد ورقة ويعلقها عند القبور، ولا يكتب احد محضرًا أنه استجار بفلان، ويذهب بالمحضر إلى من يعمل بذلك
[ ١٢١ ]
المحضر ونحو ذلك مما يفعله أهل البدع من أهل الكتاب والمسلمين، كما يفعله النصارى في كنائسهم، وكما يفعله المبتدعون من المسلمين عند قبور الأنبياء والصالحين أو في مغيبهم، فهذا مما علم بالإضطرار من دين الإسلام، وبالنقل المتواتر وبإجماع المسلمين أن النبي ﷺ لم يشرع هذا لأمته، وكذلك الأنبياء قبله لم يشرعوا شيئًا من ذلك، ولا فعل هذا احد من أصحابه ﷺ والتابعين لهم بإحسان، ولا استحب ذلك أحد من الأئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا ذكر أحد من الأئمة لا في مناسك الحج ولا غيرها أنه يستحب لأحد أن يسأل النبي ﷺ عند قبره أن يشفع له أو يدعو لأمته، أو يشكو إليه ما نزل بأمته من مصائب الدنيا والدين، وكان أصحابه يبتلون بأنواع البلاء بعد موته، فتارة بالجدب، وتارة بنقص الرزق، وتارة بالخوف وقوة العدو، وتارة بالذنوب والمعاصي، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر الرسول ولا قبر الخليل ولا قبر أحد من الأنبياء فيقول: نشكوا إليك جدب الزمان أو قوة العدو، أ، كثرة الذنوب ولا يقول: سل الله لنا أو لأمتك أن يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم، بل هذا وما يشبهه من البدع المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين، فليست واجبة ولا مستحبة باتفاق أئمة المسلمين، وكل بدعة ليست واجبة ولا مستحبة فهي بدعة سيئة وضلالة باتفاق المسلمين١.
_________________
(١) ١ يحمل كلام شيخ الإسلام هنا على أحد وجهين: أولهما: أن يكون خاطب المخالفين بما يعتقدون من انقسام البدعة بحسب الأحكام الخمسة ومنها الوجوب والاستحباب. وثانيهما: أن يكون أراد بالبدعة اللغوية منها وهي ماحدث بعد النبي ﷺ ودل عليها الدليل الشرعي. وإنما قلنا هذا لما هو معروف عنه ﵀ أنه يعد البدعة الشرعية كلها ضلالة وتمام كلامه هنا يدل عليه.
[ ١٢٢ ]
ومن قال في بعض البدع: إنها بدعة حسنة فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي على أنها مستحبة، فأما ما ليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد من المسلمين: إنها من الحسنات التي يتقرب بها إلى الله، ومن تقرب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر إيجاب ولا استحباب فهو ضال متبع للشيطان، وسبيله من سبيل الشيطان، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: خط لنا رسول الله ﷺ خطًا، وخط خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: "هذا سبيل الله، وهذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه" ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ١.
قلت: إنما وقع بعض المتأخرين في هذا الخطأ المبين بسبب قياسهم حياة الأنبياء في البرزخ على حياتهم في الدنيا، وهذا قياس باطل مخالف للكتاب والسنة والواقع، وحسبنا الآن مثالًا على ذلك أن أحدًا من المسلمين لا يجيز الصلاة وراء قبورهم، ولا يستطيع أحد مكالمتهم، ولا التحدث اليهم، وغير ذلك من الفوارق التي لا تخفى على عاقل.
الاستغاثة بغير الله تعالى:
ونتج من هذا القياس الفاسد والرأي الكاسد تلك الضلالة الكبرى، والمصيبة العظمى التي وقع فيها كثير من عامة المسلمين وبعض خاصتهم، ألا وهي الاستغاثة بالأنبياء الصالحين من دون الله تعالى في الشدائد والمصائب حتى إنك لتسمع جماعات متعددة عند بعض القبور يستغيثون بأصحابها في أمور مختلفة، كأن هؤلاء الأموات يسمعون ما
_________________
(١) ١ سورة الأنعام: الآية ٥٣.
[ ١٢٣ ]
يقال لهم، ويطلب منهم من الحاجات المختلفة بلغات متباينة، فهم عند المستغيثين بهم يعلمون مختلف لغات الدنيا، ويميزون كل لغة عن الأخرى، ولو كان الكلام بها في آن واحد! وهذا هو الشرك في صفات الله تعالى الذي جهله كثير من الناس، فوقعوا بسببه في هذه الضلالة الكبرى.
ويبطل هذا يرد عليه آيات كثيرة. منها قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ ١ والآيات في هذا الصدد كثيرة، بل قد ألف في بيان ذلك كتب ورسائل عديدة٢. فمن كان في شك من ذلك فليرجع إليها يظهر له الحق إن شاء الله، ولكني وقفت على نقول لبعض علماء الحنفية رأيت من المفيد إيرادها هنا حتى لا يظن ظان أن ما قلناه لم يذهب إليه أحد من أصحاب المذاهب المعروفة.
قال الشيخ أبو الطيب شمس الحق العظيم آبادي في "التعليق المغني على سنن الدارقطني - ص٥٢٠-٥٢١":
ومن أقبح المنكرات وأكبر البدعات وأعظم المحدثات ما اعتاده أهل البدع من ذكر الشيخ عبد القادر الجيلاني ﵀ بقولهم: يا شيخ عبد القادر الجيلاني شيئًا لله، والصلوات المنكوسة إلى بغداد،
_________________
(١) ١ سورة الإسراء: الآية ٥٦. ٢ منها "قاعدة جليلة في "التوسل والوسيلة" "والرد على البكري" لشيخ الإسلام ابن تيمية ومن أجمعها "مجموعة التوحيد النجدية" فعليك بمطالعتها.
[ ١٢٤ ]
وغير ذلك مما لا يعد، هؤلاء عبدة غير الله ما قدروا الله حق قدره، ولم يعلم هؤلاء السفهاء أن الشيخ ﵀ لا يقدر على جلب نفع لأحد ولا دفع ضر عنه مقدار ذرة، فلم يستغيثون به ولم يطلبون الحوائج منه؟! أليس الله بكاف عبده؟!! اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك أو نعظم أحدًا من خلقك كعظمتك، قال في "البزازية" وغيرها من كتب الفتاوى: "من قال: إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر"١ وقال الشيخ فخر الدين أبو سعد عثمان الجياني بن سليمان الحنفي في رسالته: ومن ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقد بذلك كفر. كذا في "البحر الرائق"، وقال القاضي حميد الدين ناكوري الهندي في "التوشيح": منهم الذين يدعون الأنبياء والأولياء عند الحوائج والمصائب بإعتقاد أن أرواحهم حاضرة تسمع النداء وتعلم الحوائج، وذلك شرك قبيح وجهل صريح، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ ٢ وفي "البحر"٣: لو تزوج بشهادة الله ورسوله لا ينعقد النكاح، ويكفر لاعتقاده أن النبي ﷺ يعلم الغيب٤، وهكذا في فتاوى قاضي خان والعيني والدر المختار والعالمكيرية وغيرها من كتب
_________________
(١) ١ البحر "٥/١٣٤". ٢ سورة الأحقاف: الآية ٥. ٣ ج ٣ ص ٩٤. ٤ ومن هذا القبيل ما اعتاده كثير من الناس من الإجابة بقولهم: "الله ورسوله أعلم"! وما ورد من قول بعض الصحابة ذلك فإنما كان في حال حياته ﷺ أما في حال وفاته فلا يجوز بهذا حال.
[ ١٢٥ ]
العلماء الحنفية، وأما في الآيات الكريمة والسنة المطهرة في إبطال أساس الشرك، والتوبيخ لفاعله فأكثر من أن تحصى، - ولشيخنا العلامة السيد محمد نذير حسين الدهلوي في رد تلك البدعة المنكرة رسالة شافية.
٢- أثر فتح الكوى فوق قبر الرسول ﷺ إلى السماء:
روى الدارمي في "سننه" "١/٤٣": حدثنا أبو النعمان ثنا سعيد ابن زيد ثنا عمرو بن مالك النكري حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال: قحَط أهل المدينة قحطًا شديدًا، فشكوا إلى عائشة، فقالت: انظروا قبر النبي ﷺ فاجعلوا منه كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا، فمطرنا مطرًا حتى نبت العشب، وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم، فسمي عام الفتق.
قلت: وهذا سند ضعيف لا تقوم به حجة لأمور ثلاثة:
أولها: أن سعيد بن زيد وهو أخو حماد بن زيد فيه ضعف. قال فيه الحافظ في "التقريب": صدوق له أوهام. وقال الذهبي في "الميزان":
قال يحيى بن سعيد: ضعيف، وقال السعدي: ليس بحجة، يضعفون حديثه، وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وقال أحمد: ليس به بأس، كان يحيى بن سعيد لا يستمرئه.
وثانيهما: أنه موقوف على عائشة وليس بمرفوع إلى النبي ﷺ، ولو صح لم تكن فيه حجة، لأنه يحتمل أن يكون من قبيل الآراء الاجتهادية لبعض الصحابة، مما يخطئون فيه ويصيبون، ولسنا ملزمين بالعمل بها.
[ ١٢٦ ]
وثالثها: أن أبا النعمان هذا هو محمد بن الفضل، يعرف بعارم، وهو وإن كان ثقة فقد اختلط في آخر عمره. وقد أورده الحافظ برهان الدين الحلبي حيث أورده في "المختلطين" من كتابه "المقدمة" وقال "ص٣٩١":
"والحكم فيهم أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط ولا يقبل حديث من أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده".
قلت: وهذا الأثر لا يدرى هل سمعه الدارمي منه قبل الاختلاط أو بعده، فهو إذن غير مقبول، فلا يحتج به١، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في"الرد على البكري ص ٦٨-٧٤": "وما روي عن عائشة ﵂ من فتح الكوة من قبره إلى السماء، لينزل المطر فليس بصحيح، ولا يثبت إسناده، ومما يبين كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت كوة، بل كان باقيًا كما كان على عهد النبي ﷺ، بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه، كما ثبت في "الصحيحين" عن عائشة أن النبي ﷺ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها، لم يظهر الفيء بعد، ولم تزل الحجرة النبوية كذلك في مسجد الرسول ﷺ.. ومن حينئذ دخلت الحجرة النبوية في المسجد، ثم إنه يُبنى حول حجرة عائشة التي فيها القبر جدار عال، وبعد ذلك جعلت الكوة لينزل منها من ينزل إذا احتيج إلى ذلك لأجل كنس أو تنظيف. وأما
_________________
(١) ١ وتغافل عن هذه العلة الشيخ الغماري في "المصباح - ٤٣" كما تغافل من لم يوفق للإصابة ليوهموا الناس صحة هذا الأثر.
[ ١٢٧ ]
وجود الكوة في حياة عائشة فكذب بين لو صح ذلك لكان حجة ودليلًا على أن القوم لم يكونوا يقسمون على الله بمخلوق ولا يتوسلون في دعائهم بميت، ولا يسألون الله به، وإنما فتحوا على القبر لتنزل الرحمة عليه، ولم يكن هناك دعاء يقسمون به عليه، فأين هذا من هذا، والمخلوق إنما ينفع المخلوق بدعائه أو بعمله، فإن الله تعالى يحب أن نتوسل اليه بالإيمان والعمل والصلاة والسلام على نبيه ﷺ ومحبته وطاعته وموالاته، فهذه هي الأمور التي يحب الله أن نتوسل بها إليه، وإن أريد أن نتوسل إليه بما تُحَبُ ذاته، وإن لم يكن هناك ما يحب الله أن نتوسل به من الإيمان والعمل الصالح، فهذا باطل عقلًا وشرعًا، أما عقلًا فلأنه ليس في كون الشخص المعين محبوبًا له ما يوجب كون حاجتي تقضى بالتوسل بذاته إذا لم يكن مني ولا منه سبب تقضى به حاجتي، فإن كان منه دعاء لي أو كان مني إيمان به وطاعة له فلا ريب أن هذه وسيلة، وأما نفس ذاته المحبوبة فأي وسيلة لي منها إذا لم يحصل لي السبب الذي أمرت به فيها.
وأما الشرع فيقال: العبادات كلها مبناها على الاتباع لا على الابتداع، فليس لأحد أن يشرع من الدين ما لم يأذن به الله، فليس لأحد أن يصلي إلى قبره ويقول هو أحق بالصلاة إليه من الكعبة، وقد ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" مع أن طائفة من غلاة العباد يصلون إلى قبور شيوخهم، بل يستدبرون القبلة، ويصلون إلى قبر الشيخ ويقولون: هذه قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة! وطائفة أخرى يرون الصلاة عند قبور شيوخهم
[ ١٢٨ ]
أفضل من الصلاة في المساجد حتى المسجد الحرام] والنبوي [والأقصى. وكثير من الناس يرى أن الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين أفضل منه في المساجد، وهذا كله مما قد علم جميع أهل العلم بديانة الإسلام أنه مناف لشريعة الإسلام. ومن لم يعتصم في هذا الباب وغيره بالكتاب والسنة فقد ضَل وأضل، ووقع في مهواة من التلف. فعلى العبد أن يسلم للشريعة المحمدية الكاملة البيضاء الواضحة، ويسلم أنها جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإذا رأى من العبادات والتقشفات وغيرها التي يظنها حسنة ونافعة ما ليس بمشروع علم أن ضررها راجح على نفعها، ومفسدتها راجحة على مصلحتها، إذ الشارع الحكيم لا يهمل المصالح. ثم قال:
"والدعاء من أجل العبادات، فينبغي للإنسان أن يلزم الأدعية المشروعة فإنها معصومة كما يتحرى في سائر عبادته الصور المشروعة، فإن هذا هو الصراط المستقيم. والله تعالى يوفقنا وسائر إخواننا المؤمنين".
"تنبيه": اعلم أن كتاب الدارمي هذا هو على طريقة السنن الأربعة في ترتيب الكتب والأبواب، ولذلك فالصواب إطلاق اسم "السنن" عليه كما فعل فضيلة الشيخ دهمان في طبعته إياه.
وقد اشتهر قديمًا بـ"مسند الدارمي"، وهذا وهم لا وجه له مطلقًا عند أهل العلم، ومثله تسميته بـ"الصحيح" وهذا أبعد ما يكون عن الصواب، لأن فيه أحاديث مرفوعة كثيرة ضعيفة الأسانيد، وبعضها
[ ١٢٩ ]
مرسلات ومعضلات، وفيه آثار موقوفة، وكثير منها ضعيفة كهذا الأثر، فأنَّى له الصحة!! ومثل هذا الخطأ إطلاق لفظ "الصحاح" على السنن الأربعة أيضًا، كما يفعل بعض الدكاترة! فإن هذا مع منافاته لأسمائها الحقيقية "السنن" فإنها منافية أيضًا لواقع الأمر، فإن فيها أحاديث ضعيفة كثيرة أيضًا، ومنافية أيضًا لصنيع مؤلفيها، فإنهم ينبهون أحيانًا على بعض الأحاديث الضعيفة التي وقعت فيها، وبخاصة منهم الإمام الترمذي فإنه واسع الباع في بيان الضعيف الذي في كتابه، كما يعرف ذلك أهل العلم بهذه "السنن". وفي "سنن ابن ماجه" غير ما حديث موضوع فضلًا عن الضعيف، فلا يطلق على هذه "السنن" اسم "الصحاح" إلا جاهل أو مغرض.
[ ١٣٠ ]
الوجه الرابع: الشبهة الرابعة: قياس الخالق على المخلوقين
يقول المخالفون، إن التوسل بذوات الصالحين وأقدارهم أمر مطلوب وجائز، لأنه مبني على منطق الواقع ومتطلباته، ذلك أن أحدنا إذا كانت له حاجة عند ملك أو وزير أو مسؤول كبير فهو لا يذهب إليه مباشرة، لأنه يشعر أنه ربما لا يلتفت إليه، هذا إذا لم يرده أصلًا، ولذلك كان من الطبيعي إذا أردنا حاجة من كبير فإننا نبحث عمن يعرفه، ويكون مقربًا إليه أثيرًا عنده، ونجعله واسطة بيننا وبينه، فإذا فعلنا ذلك استجاب لنا، وقضيت حاجتنا، وهكذا الأمر نفسه في علاقتنا بالله سبحانه – بزعمهم – فالله ﷿ عظيم العظماء، وكبير الكبراء، ونحن مذنبون عصاة، وبعيدون لذلك عن جناب الله، ليس من
[ ١٣٠ ]
اللائق بنا أن ندعوه مباشرة، لأننا إن فعلنا ذلك خفنا أن يردنا على أعقابنا خائبين، أو لا يلتفت إلينا فنرجع بخفي حنين، وهناك ناس صالحون كالأنبياء والرسل والشهداء قريبون إليه سبحانه، يستجيب لهم إذا دعوه، ويقبل شفاعتهم إذا شفعوا لديه، أفلا يكون الأولى بنا والأخرى ان نتوسل إليه بجاههم، ونقدم بين يدي دعائنا ذكرهم، عسى ان ينظر الله تعالى إلينا إكرامًا لهم، ويجيب دعاءنا مراعاة لخاطرهم، فلماذا تمنعون هذا النوع من التوسل، والبشر يستعملونه فيما بينهم، فلم لا يستعملونه مع ربهم ومعبودهم؟
ونقول جوابًا على هذه الشبهة: إنكم يا هؤلاء إذن تقيسون الخالق على المخلوق، وتشبهون قيوم السماوات والأرض، أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، الرؤوف الرحيم بأولئك الحكام الظالمين، والمتسلطين المتجبرين الذين لا يأبهون لمصالح الرعية، ويجعلون بينهم وبين الرعية حجبًا وأستارًا، فلا يمكنها أن تصل إليهم إلا بوسائط ووسائل، ترضي هذه الوسائط بالرشاوي والهبات، وتخضع لها وتتذلل، وتترضاها ووتقرب إليها، فهل خطر ببالكم أيها المساكين أنكم حين تفعلون ذلك تذمون ربكم، وتطعنون به، وتؤذونه، وتصفونه بما يمقته وما يكرهه؟
هل خطر ببالكم انكم تصفون الله تعالى بأبشع الصفات حين تقيسونه على الحكام الظلمة، والمتسلطين الفجرة، فكيف يسَّوغ هذا لكم دينكم، وكيف يتفق هذا مع ما يجب عليكم من تعظيمكم لربكم، وتمجيدكم لخالقكم؟
ترى لو كان يمكن لأحد الناس أن يخاطب الحاكم وجهًا لوجه،
[ ١٣١ ]
ويكلمه دون واسطة أو حجاب أيكون ذلك أكمل وأمدح له، أم حين لا يتمكن من مخاطبته إلا من خلال وسائط قد تطول وقد تقصر؟
يا هؤلاء إنكم تفخرون في أحاديثكم بعمر بن الخطاب - ﵁ - وتمجدونه وتشيدون به وتبينون للناس أنه كان متواضعًا لا يتكبر ولا يتجبر، وكان قريبًا من الناس، يتمكن أضعفهم من لقائه ومخاطبته، وأنه كان يأتيه الأعرابي الجاهل الفظ من البادية، فيكلمه دون واسطة أو حجاب، فينظر في حاجته ويقضيها له إن كانت حقًا. ترى هل هذا النوع من الحكام خير وأفضل، أم ذاك النوع الذي تضربون لربكم به الأمثال؟
فما لكم كيف تحكمون؟ وما لعقولكم أين ذهبت، وما لتفكيركم أين غاب، وكيف ساغ لكم تشبيه الله تعالى بالملك الظالم، أم كيف غطى عنكم الشيطان بشاعة قياس الله سبحانه على الأمير الغاشم؟
يا هؤلاء إنكم لو شبهتم الله تعالى بأعدل الناس وأتقى الناس، وأصلح الناس لكفرتم، فكيف وقد شبهتموه بأظلم الناس، وأفجر الناس، وأخبث الناس؟
يا هؤلاء إنكم لو قستم ربكم الجليل على عمر بن الخطاب التقي العادل لوقعتم في الشرك، فكيف تردى بكم الشيطان، فلم ترضوا بذلك حتى أوقعكم في قياس ربكم على أهل الجور والفساد من الملوك والأمراء والوزراء؟
إن تشبيه الله تعالى بخلقه كفر كله حذر منه سبحانه حيث قال:
[ ١٣٢ ]
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١ كما نفى سبحانه أي مشابهة بينه وبين أي خلق من مخلوقاته فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢. ولكن شر تشبيه أن يشبهه المرء بالأشرار والفجار والفساق من الولاة، وهو يظن أنه يحسن صنعًا! إن هذا هو الذي يحمل بعض العلماء والمحققين على المبالغة في إنكار التوسل بذوات الأنبياء، واعتباره شركًا، وإن كان هو نفسه ليس شركًا عندنا، بل يخشى ان يؤدي إلى الشرك، وقد ادى فعلًا بأولئك الذين يعتذرون لتوسلهم بذلك التشبيه السابق الذي هو الكفر بعينه لو كانوا يعلمون.
ومن هنا يتبين أن قول بعض الدعاة الإسلاميين اليوم في الأصل الخامس عشر من أصوله العشرين: "والدعاء إذا قُرن بالتوسل إلى الله بأحد من خلقه خلاف فرعي في كيفية الدعاء، وليس من مسائل العقيدة" ليس صحيحًا على إطلاقه لما علمت أن في الواقع ما يشهد بأنه خلاف جوهري، إذ فيه شرك صريح كما سبق. ولعل مثل هذا القول الذي يهوّن من أمر هذا الانحراف هو أحد الأسباب التي تدفع الكثيرين إلى عدم البحث فيه، وتحقيق الصواب في أمره، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى استمرار المبتدعين في بدعهم، واستفحال خطرها بينهم، ولذلك قال الإمام العز بن عبد السلام في رسالة "الواسطة"
_________________
(١) ١ سورة النحل: الآية ٧٤. قال الحافظ ابن كثير: "أي لا تجعلوا لله أندادا وأشباها وأمثالا". ٢ سورة الشورى: الآية ١١.
[ ١٣٣ ]
"ص٥": "ومن أثبت الأنبياء وسواهم من مشايخ العلم والدين وسائط بين الله وبين خلقه كالحجّاب الذين بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله تعالى حوائج خلقه، وأن الله تعالى إنما يهدي عباده ويرزقهم وينصرهم بتوسطهم، بمعنى أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملك حوائج الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك، ولأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطلب، فمن أثبتهم وسائط على هذه الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبَّهون لله، شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أندادًا..".
[ ١٣٤ ]
الشبهة الخامسة: هل هناك مانع من التوسل المبتدع على وجه الإباحة لا استحباب؟
قد يقول القائل: صحيح أنه لم يثبت في السنة ما يدل على استحباب التوسل بذوات الأنبياء والصالحين، ولكن ما المانع منه إذا فعلناه على طريق الإباحة، لأنه لم يأتِ نهي عنه؟
فأقول: هذه شبهة طالما سمعناها ممن يريد أن يتخذ موقفًا وسطًا بين الفريقين لكي يرضي كلًا منهما، وينجو من حملاتهما عليه! والجواب: يجب أن لا ننسى في هذا المقام معنى الوسيلة إذ هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود كما تقدم بيانه.
ولا يخفى أن الذي يراد التوصل إليه إما أن يكون دينيًا، أو دنيويًا،
[ ١٣٤ ]
وعلى الأول لا يمكن معرفة الوسيلة التي توصل إلى الأمر الديني إلا من طريق شرعي، فلو ادعى رجل ان توسله إلى الله تعالى بآية من آياته الكونية العظيمة كالليل والنهار مثلًا سبب لاستجابة الدعاء لرد عليه ذلك إلا أن يأتي بدليل، ولا يمكن أن يقال حينئذ بإباحة هذا التوسل، لأنه كلام ينقض بعضه بعضًا، إذ أنك تسميه توسلًا، وهذا لم يثبت شرعًا، وليس له طريق آخر في إثباته، وهذا بخلاف القسم الثاني من القسمين المذكورين وهو الدنيوي، فإن أسبابه يمكن أن تعرف بالعقل أو بالعلم أو بالتجربة ونحو ذلك، مثل الرجل يتاجر ببيع الخمر، فهذا سبب معروف للحصول على المال، فهو وسيلة لتحقيق المقصود وهو المال، ولكن هذه الوسيلة نهى الله عنها، فلا يجوز اتباعها بخلاف ما لو تاجر بسبب لم يحرمه الله ﷿، فهو مباح، أما السبب المدعى أن يقرب إلى الله وأنه أرجى في قبوله الدعاء، فهذا سبب لا يعرف إلا بطريق الشرع، فحين يقال: بأن الشرع لم يرد بذلك، لم يجز تسميته وسيلة حتى يمكن أن يقال إنه مباح التوسل به، وقد تقدم الكلام في هذا النوع مفصلًا في الفصل الثاني من هذه الرسالة.
وشيء ثان: وهو أن التوسل الذي سلمنا بعدم وروده قد جاء في الشرع ما يغني عنه، وهو التوسلات الثلاثة التي سبق ذكرها في أول البحث، فما الذي يحمل المسلم على اختيار هذا التوسل الذي يم يرد، والإعراض عن التوسل الذي ورد؟ وقد اتفق العلماء على أن البدعة إذا صادمت سنة فهي بدعة ضلالة اتفاقًا، وهذا التوسل من هذا القبيل، فلم يجز التوسل به، ولو على طريق الإباحة دون الاستحباب!.
[ ١٣٥ ]
وأمر ثالت: وهو أن هذا التوسل بالذوات يشبه توسل الناس ببعض المقربين إلى الملوك والحكام، والله ﵎ ليس كثله شيء باعتراف المتوسلين بذلك، فإذا توسل المسلم إليه تعالى بالأشخاص فقد شبهه عملًا بأولئك الملوك والحكام كما سبق بيانه، وهذا غير جائز.
[ ١٣٦ ]
الشبهة السادسة: قياس التوسل بالذات على التوسل بالعمل الصالح
هذه شبهة أخرى يثيرها بعض أولئك المبتدعين١ زينها لهم الشيطان، ولقنهم إياها حيث يقولون: قد قدمتم أن من التوسل المشروع اتفاقًا التوسل إلى الله تعالى بالعمل الصالح، فإذا كان التوسل بهذا جائزًا فالتوسل بالرجل الصالح الذي صدر منه هذا العمل أولى بالجواز، وأحرى بالمشروعية، فلا ينبغي إنكاره.
والجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن هذا قياس، والقياس في العبادات باطل كما تقدم "ص١٣٠"، وما مثل من يقول هذا القول إلا كمثل من يقول: إذا جاز توسل المتوسل بعمله الصالح – وهو بلا شك دون عمل الولي والنبي – جاز أن يتوسل بعمل النبي والولي، وهذا وما لزم منه باطل فهو باطل.
الوجه الثاني: أن هذه مغالطة مكشوفة، لأننا لم نقل – كما لم يقل أحد من السلف قبلنا – إنه يجوز للمسلم أن يتوسل بعمل غيره الصالح، وإنما التوسل المشار إليه إنما هو التوسل بعمل المتوسل الصالح
_________________
(١) ١ منهم صاحب كتاب "التاج".
[ ١٣٦ ]
نفسه، فإذا تبين هذا قلبنا عليهم كلامهم السابق فقلنا: إذا كان لا يجوز التوسل بالعمل الصالح الذي صدر من غير الداعي فأولى ثم أولى ألا يجوز التوسل بذاته، وهذا بين لا يخفى والحمد لله.
[ ١٣٧ ]
الشبهة السابعة: قياس التوسل بذات النبي ﷺ على التبرك بآثاره
وهذه شبهة أخرى لم تكن معروفة فيما مضى من القرون، ابتدعها ورَوّجها الدكتور البوطي ذاته، إذ قرر في كتابه "فقه السيرة ص ٣٤٤-٤٥٥" خلال حديثه عن الدروس المستفادة من غزوة الحديبية مشروعية التبرك بآثاره النبي ﷺ، ثم قاس على ذلك التوسل بذاته بعد وفاته، وأتى نتيجة لذلك برأي غريب وعجيب لم يقل به أحد من المشتغلين بالعلم، حتى من المغرقين في التقليد والجمود والتعصب والإبتداع في الدين.
ولكي لا يظن أحد أننا نتقول عليه أو نظلمه ننقل نص كلامه بتمامه، ونعتذر إلى القراء لطوله، قال:
"وإذا علمت أن التبرك بالشيء إنما هو طلب الخير بواسطته ووسيلته علمت أن التوسل بآثار النبي ﷺ أمر مندوب إليه ومشروع، فضلًا عن التوسل بذاته الشريفة، وليس ثمة فرق بين أن يكون ذلك في حياته ﷺ أو بعد وفاته، فآثار النبي ﷺ وفضلاته لا تتصف بالحياة مطلقًا، سواء تعلق التبرك والتوسل بها في حياته أو بعد وفاته، ولقد توسل الصحابة بشعراته من بعد وفاته كما ثبت ذلك في صحيح البخاري في باب شيب رسول الله ﷺ.
[ ١٣٧ ]
ومع ذلك فقد ضل أقوام لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول الله ﷺ، وراحوا يستنكرون التوسل بذاته ﷺ بعد وفاته، بحجة أن تأثير النبي ﷺ قد انقطع بوفاته، فالتوسل به إنما هو توسل بشيء تأثير له البتة. وهذه حجة تدل على جهل عجيب جدًا، فهل ثبت لرسول الله ﷺ تأثير ذاتي في الأشياء في حال حياته حتى نبحث عن مصير هذا التأثير بعد وفاته؟ إن أحدًا من المسلمين لا يستطيع أن ينسب أي تأثير ذاتي في الأشياء لغير الواحد الأحد، ومن اعتقد خلاف ذلك يكفر بإجماع المسلمين كلهم فمناط التبرك والتوسل به أو بآثاره ﷺ ليس هو إسناد أي تأثير إليه، وإنما المناط كونه أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق، وكونه رحمة من الله للعباد، فهو التوسل بقربه ﷺ إلى ربه وبرحمته الكبرى للخلق، وبهذا المعنى توسل الأعمى به ﷺ في أن يرد عليه بصره، فرده الله عليه١، وبهذا المعنى كان الصحابة يتوسلون بآثاره وفضلاته دون أن يجدوا منه أي إنكار. وقد مر بيان استحباب الاستشفاع بأهل الصلاح والتقوى وأهل بيت النبوة في الاستسقاء وغيره، وأن ذلك مما أجمع عليه جمهور الأئمة والفقهاء بما فيهم الشوكاني وابن قدامة والصنعاني وغيرهم. والفرق بعد هذا بين حياته وموته ﷺ خلط عجيب وغريب في البحث لا مسوغ له".
ولنا على هذا الكلام مؤاخذات كثيرة نورد أهمها فيما يلي:
١ – لقد أشرنا "ص٧٦-٧٧" إلى تعريض البوطي بالسلفيين، واتهامه
_________________
(١) ١ قلت أورد الدكتور في الحاشية حديث الأعمى وذكر أن في بعض الروايات زيادة: "فإن كان لك حاجة فافعل مثل ذلك"! جاهلا ضعفها انظر "ص ٨٣".
[ ١٣٨ ]
إياهم بأن أفئدتهم لا تشعر بمحبة رسول الله ﷺ والاستدلال على ذلك بإنكارهم التوسل به ﷺ بعد وفاته. وهذه فرية باطلة، وبهتان ظالم لا شك أن الله تعالى سيحاسبه عليه أشد الحساب ما لم يتبْ إليه التوبة النصوح. ذلك لأن فيها تكفيرًا لآلاف المسلمين دونما دليل أو برهان إلا الظن والوهم اللذين لا يغنيان من الحق شيئًا.
٢- إنه قد خلط في كلامه السابق بين الحق والباطل خلطًا عجيبًا، فاستدل بحقه على باطله، فوصل من جرّاء ذلك إلى رأي لم يسبقه إليه أحد من العالمين.
وإذا أردنا أن نميز بين نوعي كلامه فإننا نقول:
إن الحق الذي تضمنه هو:
أ- أن النبي ﷺ قريب إلى الله ﵎، وأنه كان رحمة من الله تعالى للخلق.
ب- أنه لا تأثير لأحد حتى للنبي ﷺ تأثيرًا ذاتيًا في الأشياء، وإنما التأثير كله لله الواحد الأحد.
ج- أنه يشرع التبرك بآثار النبي ﷺ، وأن الصحابة فعلوا ذلك في حياته ﷺ وبإقرار منه.
هذه النقاط الثلاثة صحيحة لا خلاف فيها، ولو وقف الكاتب عندها لما كان ثمة حاجة للتعليق عليه.
وأما الباطل الذي تضمنه كلامه وفيه الخلاف العريض فهو:
[ ١٣٩ ]
أ- أن التوسل بآثار النبي ﷺ جائز، وأن الصحابة كانوا يتوسلون بآثاره ﷺ وفضلاته.
ب- تسويته بين التبرك والتوسل.
ج- أن التوسل بذاته ﷺ جائز كجواز التبرك بفضلاته.
د- أن مناط التوسل به ﷺ هو كونه أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق.
هـ- جهله بمعنى كلمة الاستشفاع مما حمله على الإستدلال بها على التوسل المبتدع.
وافتراؤه على السلفيين بأنهم يرون أن النبي ﷺ كان له تأثير ذاتي في الأشياء خلال حياته، وقد انقطع ذاك التأثير بوفاته، وأن هذا هو سبب إنكارهم التوسل به ﷺ بعد وفاته !
ز- ادعاؤه أن الأعمى توسل بقربه ﷺ من ربه.
ح- ادعاؤه أن محمدًا ﷺ أفضل الخلائق على الإطلاق.
وننتقل بعد هذا الإجمال إلى الشرح والتفصيل فنقول:
١- تخليط البوطي في التسوية بين التبرك والتوسل:
لقد قال الدكتور البوطي: "إن التوسل بآثار النبي ﷺ أمر مندوب إليه ومشروع فضلًا عن التوسل بذاته الشريفة". وظاهر كلامه أن يقيس التوسل بذاته ﷺ قياسًا أولويًا على التبرك بآثاره، ويسمى هذا التبرك توسلًا، ويؤكد ما ذكرناه قوله في "ص١٩٦" من كتابه المذكور حيث ذكر بعض الروايات التي فيها تبرك بعض الصحابة بآثاره ﷺ، ثم
[ ١٤٠ ]
قال: "فإذا كان هذا شأن التوسل بآثاره المادية، فكيف بالتوسل بمنزلته عند الله ﷻ؟ وكيف بالتوسل بكونه رحمة للعالمين؟ ".
ولكنه سرعان ما تراجع عن كل ذلك زاعمًا أن التبرك والتوسل معناهما واحد، منكرًا أنه يقيس التوسل على التبرك، وأن المسألة لا تعدو أن تكون استدلالًا بالقياس، فإن التوسل والتبرك كلمتان تدلان على معنى واحد، وهو التماس الخير والبركة عن طريق المتوسل به، وكل من التوسل بجاهه ﷺ عند الله والتوسل بآثاره أو فضلاته أو ثيابه أفرادًا وجزئيات داخلة تحت نوع شامل هو مطلق التوسل الذي ثبت حكمه بالأحاديث الصحيحة، وكل الصور الجزئية له يدخل تحت عموم النص بواسطة ما يسمى بتنقيح المناط عند علماء الأصول".
والحقيقة أن ظاهر كلام الدكتور الأول كان أهون بكثير من كلامه الأخير هذا، لأن التوسل يختلف اختلافًا بينًا عن التبرك، ومن يسوي بينهما فإنه يكون قد ارتكب خطأ شنيعًا، ووقع في جهل فظيع بالحقائق الشرعية، مما لا يجوز أن يقع في طالب علم يحترم نفسه.
إن التبرك هو التماس من حاز أثرًا من آثار النبي ﷺ حصول خير به خصوصية له ﷺ، وأما التوسل فهو إرفاق دعاء الله تعالى بشيء من الوسائل التي شرعها الله تعالى لعباده، كأن يقول: اللهم إني أسألك بحبي لنبيك ﷺ أن تغفر لي، ونحو ذلك. ويتبدى هذا الفرق في أمرين:
[ ١٤١ ]
أولهما: أن التبرك يرجى به شيء من الخير الدنيوي فحسب، بخلاف التوسل الذي يرجى به أي شيء من الخير الدنيوي والأخروي.
ثانيهما: أن التبرك هو التماس الخير العاجل كما سبق بيانه، بخلاف التوسل الذي هو مصاحب للدعاء ولا يستعمل إلا معه.
وبيانًا لذلك نقول: يشرع للمسلم أن يتوسل في دعائه باسم من أسماء الله ﵎ الحسنى مثلًا، ويطلب بها تحقيق ما شاء من قضاء حاجة دنيوية كالتوسعة في الرزق، أو أخروية كالنجاة من النار، فيقول مثلًا: اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بأنك أنت الله الأحد، الصمد، أن تشفيني أو تدخلني الجنة ، ولا أحد يستطيع أن ينكر عليه شيئًا من ذلك، بينما لا يجوز لهذا المسلم أن يفعل ذلك حينما يتبرك بأثر من آثاره ﷺ، فهو لا يستطيع ولا يجوز له أن يقول مثلًا: اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بثوب نبيك أو بصاقه أو بوله أن تغفر لي وترحمني.. ومن يفعل ذلك فإنه يعرّض نفسه من غير ريب ليشك الناس في عقله وفهمه فضلًا عن عقيدته ودينه. وظاهر كلام الدكتور أنه يجيز هذا التوسل العجيب، ويعده هو والتبرك بأثر من آثار النبي ﷺ شيئًا واحدًا، وهو بهذا يخلط خلطًا قبيحًا، ومع ذلك لا يخجل من اتهام السلفيين بأنهم يخلطون خلطًا عجيبًا لا مسوغ له، فقد علم القراء من الذين يخلط ويخبط خبط عشواء.
إن هذا ليذكرنا حقًا بالمثل العربي القائل: رمتني بدائها وانسلّت. وصدق النبي الكريم ﷺ حيث يقول: "إن مما أدرك الناس من كلام
[ ١٤٢ ]
النبوة الأولى: إذا لم تسنح فاصنع ما شئت" ١.
وثمة ملاحظة هامة وخطيرة في كلام الدكتور السابق، وهي أنه يدعي ثبوت مطلق التوسل بالأحاديث الصحيحة، وهذا باطل، لأنه ليس أكثر من افتراض ودعوى مجردة لا حقيقة لها إلا في ذهنه، إذ لم يثبت من التوسل المتعلق بالنبي ﷺ إلا دعاؤه ﷺ كما تقدم في ثنايا هذه الرسالة، واما التوسل بجاهه ﷺ أو آثاره فلم يثبت منه شيء البتة في كتاب أو سنة، ونحن نطالب الدكتور أن يدلنا على حديث واحد ثابت، فيه هذه الدعوى، ونحن على يقين أنه لن يجد شيئًا من ذلك، فقد عوّدنا على تقرير أحكام ضخمة دونما دليل "خبط لزق"! وادعاء دعاوى عريضة لا تقوم على أساس إلا أنها بدت له هكذا، وحسب القارىء له أن يؤمن بما يقول ويسلم له تسليمًا، وإياه ثم إياه أن يسأله عن الدليل، لأن ذلك من قلة الأدب، ورقة الدين، وطريقة السلفيين، والعياذ بالله. فتأمل.
٢- بطلان التوسل بآثار النبي ﷺ:
وبعد إثبات الفرق بين التوسل والتبرك نعلم أن آثار النبي ﷺ لا يتوسل بها إلى الله تعالى وإنما يتبرك بها فحسب، أي يرجى بحيازتها حصول بعض الخير الدنيوي كما سبق بيانه.
إننا نرى أن التوسل بآثار النبي ﷺ غير مشروع البتة، وأن من الافتراء على الصحابة رضوان الله عليهم الادعاء بأنهم كانوا يتوسلون بتلك الآثار، ومن ادعى خلاف رأينا فعليه الدليل، بأن يثبت أن
_________________
(١) ١ رواه أحمد والبخاري وغيرهما وهو مخرج في "الصحيحة" برقم "٦٨٤".
[ ١٤٣ ]
الصحابة كانوا يقولون في دعائهم مثلًا: اللهم ببصاق نبيك اشفِ مرضانا، أو: اللهم ببول نبيك أو غائطه أجرنا من النار!! إن أحدًا من العقلاء لا يستسيغ رواية ذلك مجرد رواية فكيف بإستعماله، وإذا كان الدكتور البوطي ما يزال في شك من ذلك، وإذا كان يرى جواز ذلك فعليه أن يثبته عمليًا بأن يدعو من على منبره بمثل الدعوات السابقة، وإن لم يفعل – ولن يفعل إن شاء الله ما بقي فيه عقل، وفي قلبه ذرة من إيمان – فذلك دليل على أنه يقول بلسانه ما لا يعتقد في قلبه.
هذا ولابد من الإشارة إلى أننا نؤمن بجواز التبرك بآثاره ﷺ، ولا ننكره خلافًا لما يوهمه صنيع خصومنا، ولكن لهذا التبرك شروطًا منها الإيمان الشرعي المقبول عند الله، فمن لم يكن مسلمًا صادق الإسلام فلن يحقق الله له أي خير بتبركه هذا، كما يشترط للراغب في التبرك أن يكون حاصلًا على أثر من آثاره ﷺ ويستعمله، ونحن نعلم أن آثاره ﷺ من ثياب أو شعر أو فضلات قد فقدت، وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين، وإذا كان الأمر كذلك فإن التبرك بهذه الآثار يصبح أمرًا غير ذي موضوع في زماننا هذا١ ويكون أمرًا نظريًا محضًا، فلا ينبغي إطالة القول فيه، ولكن ثمة أمر يجب
_________________
(١) ١ لقد حاول الدكتور في هامش ص ١٩٧ من كتابه المذكور الرد على ما كنت بينته في رسالتي "نقد نصوص حديثية" للكتاني ونقل أنني قلت فيها: "إنه لا فائدة ترجى من أحاديث التبرك بآثاره ﷺ في هذا العصر " ومن المؤسف أن الدكتور قد ارتكب في هذا النقل الصغير خيانة علمية مكشوفة وحرف كلامي تحريفا سيئا والذي قلته لا حقا هو لا يتعلق كبير فائدة في تقرير مشروعية التبرك بآثاره ﷺ في زماننا الحاضر". فانظر رحمك الله كيف غير الدكتور كلامي وحرفه وما أري له بذلك من غرض إلا أن يتاح له المجال للطعن في وإثارة العامة علي فهل يتفق هذا الصنيع - أخي القارئ - مع تقوى الله ﷿ والإخلاص في الوصول إلى الحق؟ وقد فصلت القول في الرد على هذه الفرية في إحدى مقالاتي التي تنشر في مجلة التمدن الإسلامي بعنوان "تعليق على أحاديث فقه السيرة" وقد نشرت قريبا في رسالة خاصة تحت عنوان "دفاع عن الحديث النبوي والسيرة في الرد على جهالات الدكتور البوطي في كتاب فقه السيرة".
[ ١٤٤ ]
تبيانه، وهو أن النبيصلى الله عليه وسلم وإن أقر الصحابة في غزوة الحديبية وغيرها على التبرك بآثاره والتمسح بها، وذلك لغرض مهم وخاصة في تلك المناسبة، وذلك الغرض هو إرهاب كفار قريش وإظهار مدى تعلق المسلمين بنبيهم، وحبهم له، وتفانيهم في خدمته وتعظيم شأنه، إلا أن الذي لا يجوز التغافل عنه ولا كتمانه أن النبي ﷺ بعد تلك الغزوة رغّب المسلمين بأسلوب حكيم وطريقة لطيفة عن هذا التبرك، وصرفهم عنه، وأرشدهم إلى أعمال صالحة خير لهم منه عند الله ﷿، وأجدى، وهذا ما يدل عليه الحديث الآتي:
عن عبد الرحمن بن أبي قراد ﵁ أن النبي ﷺ توضأ بومًا، فجعل أصحابه يتمسحون بوضوئه، فقال لهم النبي ﷺ: "ما يحملكم على هذا؟ " قالوا: حب الله ورسوله. فقال النبي ﷺ: "من سره أن يحب الله ورسوله، أو يحبه الله ورسوله فليصدق حديثه إذا حدث، وليؤد أمانته إذا اؤتمن، وليحسن جوار من جاوره" ١.
_________________
(١) ١ قلت: وهو حدبث ثابت له طرق وشواهد في معجمي الطبراني وغيرهما وقد أشار المنذري في "الترغيب" ٣/٢٦ إلى تحسينه وفد خرجته في "الصحيحة" برقم "٢٩٩٨" ط. مكتبة المعارف للنشر والتوزيع.
[ ١٤٥ ]
٣- افتراء عريض:
والظاهر أن الدكتور لا يطيب له عيش، ولا يهنأ له بال إلا إذا افترى على السلفيين، وكذب عليهم، كذبًا مكشوفًا حينًا ومغطى حينًا آخر. وها هو هنا يفتري علينا حين يزعم أننا نحتج على منع التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته بالقول بأن تأثيره ﷺ في الحوادث قد انقطع بعد وفاته، ويتطوع بأن يثبت أن النبي ﷺ سواء في حياته أو بعد وفاته ليس له تأثير ذاتي في الأشياء في كل ظرف وفي كل حين، وأن المؤثر الوحيد فيها هو الله وحده سبحانه.
وواضح من هذا بجلاء أنه يتهم السلفيين بأنهم يعتقدون أن النبي ﷺ كان له تأثير ذاتي في الأشياء حال حياته. وهذا كذب صراح، وافتراء مكشوف، لم يقل به سلفي قط، بل ولا خطر في بال أحد من السلفيين البتة، وكيف يقولونه وهم دعاة التوحيد الخالص، والدين الصحيح، والذين جعلوا أكبر همهم دعوة الناس إلى إخلاص عبوديتهم لله تعالى وحده، وتخليص عقائدهم من كل شائبة من شوائب الشرك، والتنديد بكل ما يخدش جناب التوحيد، ولو كان ذلك خطأ لفظيًا. وقد تحملوا في سبيل ذلك الأذى من الناس والتشهير بهم والافتراء عليهم واتهامهم بأقبح التهم، وما نقم الناس – وفيهم الدكتور البوطي – عليهم إلا لدعوتهم الحقة هذه، ومع ذلك فلا يخجل من أن يرميهم بهذه التهمة الباطلة التي يعلم هو – فيما نرجح – قبل غيره أنها باطلة مفتراة، وإلا فليبين لنا – إن استطاع – مصدر
[ ١٤٦ ]
هذا القول المزعوم، ومن قاله من السلفيين، وفي أي كتاب ورد من كتبهم أو نشراتهم، فإن لم يفعل
– وهيهات أن يفعل – فإنه يكون قد ظهر لكل أحد كذبه وافتراؤه.
وشيء آخر نذكره هنا، وهو أن كلام البوطي السابق "ومن ادعى شيئًا من ذلك يكفر بإجماع المسلمين" يفيد لمن تأمله تكفير السلفيين عمومًا، وهذا كذب آخر واتهام ظالم، لا شك أن الله تعالى سيحاسبه عليه، لأن السلفيين هم مسلمون، بل هم أحق الناس بصفة الإسلام، وهم يعلمون حق العلم أن نسبة التأثير الذاتي للنبي ﷺ أو لغيره هو من الشرك في الربوبية المخرج من الملة، وهم من أشد الناس تنبهًا له وتحذيرًا منه، بينما البوطي وأمثاله يلتمسون للواقعين فيه مختلف الأعذار والتبريرات.
ولا يفوتنا هنا أن نذكره وأمثاله بما بيناه في ثنايا هذه الرسالة من أن السبب الذي يدعونا إلى منع التوسل بذوات الصالحين ومكانتهم وجاههم إنما هو كونه لم يرد في الشريعة الغراء، ولم يستعمله النبي ﷺ ولا أصحابه، فهو لذلك محدَث مبتدع، وما ورد من النصوص التي يحتج بها المخالفون بعضها ثابت ولكنه لا يدل على ما يدعون، وبعضها الآخر غير ثابت، وقد مضى تفصيل ذلك.
إن هذا هو السبب الذي يحملنا على إنكار ذلك التوسل، وتقول بصراحة: إنه لو ورد في الشرع لقلنا به، ولم يمنعنا منه مانع، لأننا أسرى في يد الشريعة، فما أجازته أجزناه، وما منعته منعناه، والغريب أن الدكتور تغافل عن هذا السبب الأساسي، واختلق من عنده سببًا
[ ١٤٧ ]
تخيله كما شاء له هواه قاصدًا بذلك أن يتمكن من الطعن فينا والتشهير بنا، وإثارة الغوغاء علينا، فانظر – رحمك الله – إلى هذا الأسلوب الغريب المنافي للدين والعلم، واشتكِ معنا إلى الله ﷿ من غربة الحق وأهله في هذا الزمان.
٤ - خطؤه في ادعائه أن مناط التوسل بالنبي ﷺ كونه أفضل الخلائق:
وهذا خطأ آخر وقع فيه الدكتور نتيجة لتهوره وعدم تفكيره فيما يكتب، حيث ادعى أن مناط التوسل بالنبي ﷺ هو كونه أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق، وكونه رحمة من الله للعباد كما تقدم من كلامه.
ونقول له: إن معنى ذلك عندك أن من لم يكن كذلك "أي أفضل الخلائق عند الله.." فلا يجوز التوسل به، لأنه لم يتحقق فيه المناط المزعوم، ذلك لأن المناط أصلًا هو علة الحكم التي يوجد بوجودها، وينعدم بعدمها، وعلى هذا فمعنى عبارة الدكتور – لو كان يعقل ما يقول – إنه لا يجوز التوسل بأحد مطلقًا إلا بالنبي ﷺ، ونحن نعلم علم اليقين أنه يعتقد خلاف ذلك، ويرى جواز التوسل بكل نبي أو ولي أو صالح، وبهذا يكون هو نفسه قد قال ما لا يعتقد، وناقض نفسه بنفسه، والسبب في ذلك أحد أمرين، فإما أن يكون غير فاهم لإصطلاح المناط عند العلماء، وإما أن يكون غير متأمل فيما ينتج عنه من كلامه، وهذا هو الأقرب، والله أعلم.
[ ١٤٨ ]
وأمر آخر نذكره في هذه المناسبة وهو أن من المقرر لدى علماء الأصول أنه لابد لاعتبار المناط في حكم ما من أن يكون قد ورد تعيينه في نص من كتاب أو سنة، ولا يكفي فيه الاعتماد على الظن والاستنباط.
وإذا عدنا إلى ما ذكره الدكتور وجدنا أنه قد ادعى مناطًا ليس عليه شبة دليل من الكتاب والسنة، وإنما عمدته في ذلك مجرد الظن والوهم، فهل هكذا يكون العلم وإثبات الحقائق الشرعية عند الدكتور الذين يُعَنْون لبعض كتبه بأنها "أبحاث في القمة"؟
وأمر ثالث وأخير وهو أن الدكتور قد ادعى أن النبي ﷺ أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق. وهذه عقيدة، وهي لا تثبت عنده١، إلا بنص قطعي الثبوت قطعي الدلالة٢، أي بآية قطعية الدلالة، أو حديث متواتر قطعي الدلالة، فأين هذا النص الذي يثبت كونه ﷺ أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق؟
ومن المعلوم أن هذه القضية مختلف فيها بين العلماء، وقد توقف فيها الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، ومن شاء التفصيل فعليه بشرح عقيدة الإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي ﵀، "ص٣٣٧-٣٤٨، طبعة المكتب الإسلامي بتحقيقي".
_________________
(١) ١ كما قررت ذلك في أكثر من كتاب من كتبه "كبرى اليقينات الكونية ط ٢ ص ٢٦" و"اللامذهبية". ٢ انظر بيان خطأ الرأي في رسالتنا "وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة".
[ ١٤٩ ]
ولعل مستند الدكتور في تقرير تلك العقيدة ما ورد في قصة المعراج المنسوبة كذبًا وعدوانًا إلى الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄، مع أنه هو نفسه يقول١ عن هذه القصة: "إنه كتاب ملفق من مجموعة أحاديث باطلة لا أصل لها ولا سند"!
والحقيقة أن كلامه هذا بهذا الإطلاق هو الباطل، إذ يوجد في الكتاب المذكور كثير منالأحاديث الصحيحة، وبعضها مما رواه الشيخان، ولكن المؤلف خلطها بأحاديث أخرى بعضها موضوع وبعضها لا أصل له، وبعضها ضعيف، وقد بينت ذلك في ردي على الدكتور البوطي الذي نشر في مجلة التمدن الإسلامي أولًا، ثم في كتاب مستقل، كما سبق بيانه قريبًا "ص ١٤٥".
٥ – جهلة بالمعنى اللغوي لكلمة الاستشفاع:
وهذه غلطة شنيعة أخرى وقع فيها الدكتور – أصحله الله وهداه – إذ استدل بالاستشفاع الوارد في أحاديث الاستسقاء على التوسل المبتدع، فقال: "وقد مر بيان استحباب الاستشفاع بأهل الصلاح والتقوى، وأهل بيت النبوة الوارد في الاستسقاء وغيره، وأن ذلك مما أجمع عليه جمهور الأئمة والفقهاء بما فيهم الشوكاني وابن قدامة والصنعاني وغيرهم" وما كان للدكتور أن يقع في هذا الخطأ لو كان يفقه معنى الاستشفاع في اللغة، ورغبة في تنوير القراء وإفادتهم نورد بعض ما ذكرته كتب اللغة في بيان معنى الشفاعة والاستشفاع:
_________________
(١) ١ في كتابه "فقه السيرة - ١٥٥".
[ ١٥٠ ]
قال صاحب "القاموس المحيط": "الشَفْع خلاف الوتر وهو الزوج، والشفعة هي أن تشفع فيما تطلب، فتضمه إلى ما عندك فتشفعه أي تزيده، وشاة شافع: في بطنها ولد يتبعها آخر، سميت شافعًا لأن ولدها شفعها أو شفعته، واستشفعه إلينا: سأله أن يشفع".
وفي "المعجم الوسيط" الذي أصدره مجمع اللغة العربية في مصر: "شفع الشيء شفعًا: ضم مثله إليه وجعله زوجًا، والبصرُ الأشباحً: رآها شيئين، واستشفع: طلب الناصر والشفيع، والشفائع: المزدوجات، والشفاعة: كلام الشفيع، والشفيع: ما شفع غيره، وجعله زوجًا".
وفي "النهاية" لابن الأثير: "الشُفْعة مشتقة من الزيادة، لأن الشفيع يضم المبيع إلى ملكه، فيشفعه به، كأنه كان واحدًا وترًا، فصار زوجًا شفعًا، والشافع هو الجاعل الوتر شفعًا ".
فمن هذه النقول وأمثالها يظهر معنى الاستشفاع بوضوح، وهو أن يطلب إنسان من آخر أن يشاركه في الطلب، فيزيد به ويكونا شفعًا أي زوجًا، وقد أخذ من هذا الأصل اللغوي المعنى الشرعي للاستشفاع حيث أريد به الطلب من أهل الخير والعلم والصلاح أن يشاركوا المسلمين في الدعاء إلى الله في الملمات، فيشفعوهم بذلك ويزيدوا الداعين، فيكون ذلك أرجى لقبول الدعاء.
وبهذا يمكننا فهم الشفاعة العظمى للنبي ﷺ يوم القيامة، فهي بإتفاق العلماء دعاء النبي ﷺ للناس بعد مجيئهم إليه، وطلبهم منه أن
[ ١٥١ ]
يدعو الله تعالى ليعجّل لهم الحساب، ولم يفهم أحد من أهل العلم من ذلك أن يقول الناس مثلًا: اللهم بمنزلة محمد ﷺ عندك عجّل لنا الحساب.
ومن الغريب حقًا أن يتجرأ الدكتور البوطي فيدعي إجماع الأئمة والفقهاء بما فيهم الشوكاني وابن قدامة والصنعاني على فهمه الشاذ المبني على جهل فظيع بمعاني الألفاظ المستعملة في اللغة والشرع. ونكتفي للرد عليه بنقل كلام أحد الأئمة الذين نص على أسمائهم، وادعى مشاركتهم إياه في فهمه لمعنى الاستشفاع، ونعني الإمام ابن قدامة المقدسي صاحب أكبر كتاب في الفقه الحنبلي وهو "المغني" إذ قال فيه "٢/٢٩٥" ما نصه:
"ويستحب بأن يستسقي بمن ظهر صلاحه، لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء، فإن عمر استسقى بالعباس عم النبي ﷺ. قال ابن عمر: استسقى عمر عام الرمادة بالعباس، فقال: اللهم إن هذا عم نبيك نتوجه إليك به، فاسقنا، فما برحوا حتى سقاهم الله، وروي أن معاوية خرج يستسقي، فلما جلس على المنبر قال: أين يزيد بن الأسود الجُرَشي؟ فقام يزيد، فدعاه معاوية فأجلسه عند رجليه، ثم قال: اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا وأفضلنا يزيد بن الأسود، يا يزيد ارفع يديك، فرفع يديه ودعا الله تعالى، فثارت في الغرب سحابة مثل الترس، وهبَّ لها ريح، فسقوا حتى كادوا لا يبلغون منازلهم، واستسقى به الضحاك مرة أخرى".
وواضح من كلام ابن قدامة هذا أنه يعني بالاستشفاع الوارد في
[ ١٥٢ ]
الاستسقاء أن يطلب إمام المسلمين من بعض أهل العلم والصلاح أن يشترك مع المسلمين في التوجه إلى الله ودعائه سبحانه لكشف الشدة عن عبادة المؤمنين. ولم يقصد الإمام ابن قدامة بل ونجزم بأنه لم يخطر في باله ذاك المعنى الخاطىء الذي يحمله عليه البوطي وأمثاله من المبتدعين، ويريدون حمل الألفاظ الشرعية عليه.
ترى كيف يدعي البوطي مثل هذا الإجماع المزيف ويستشهد بابن قدامة وغيره، وها هو كلام ابن قدامة ينسف فهمه من الجذور؟ أم أنه لا يفهم ما في كتب القوم، أم لعله يدعي ما يروق له من الدعاوى الساقطة دون أن يراجع الكتب، أو يقرأ كلام العلماء اعتمادًا منه على أن قارئيه مقلدون تقليدًا أعمى وليسوا ممن يراجع أو يقرأ أو يتثبت مما يقال؟
إنه لأمر مؤسف والله، وبلية من أعظم البلايا التي نشهدها في واقع المسلمين، وهي من غير شك من الأسباب الكبرى في تأخر المسلمين وضعفهم وانحطاطهم، ومحال أن تتغير هذه الحال إلا إذا غيروا ما بأنفسهم من الجمود والتصوف والفقه المذهبي وعلم الكلام، وعادوا إلى هدي الله الحق المتمثل في الكتاب والسنة، والذي توضحه الدعوة السلفية الغراء.
٦ – خطؤه في ادعائه أن توسل الأعمى كان بمنزلة النبي ﷺ عند الله:
ونختم الرد على الدكتور البوطي بالإشارة إلى خطئه في ادعائه أن
[ ١٥٣ ]
توسل الأعمى إنما كان بمنزلة النبي ﷺ، وبكونه أفضل الخلائق عند الله، لأن ذلك مجرد دعوى لا برهان عليها، ولم يستطع الدكتور أن يأتي بشبه دليل على ذلك، وقد تقدم في هذه الرسالة إثبات أن توسل الأعمى إنما كان بدعاء النبي ﷺ. وقد فندنا كل الشبهات فيما علمنا التي يوردها المخالفون، ويحتجون بها على رأيهم الخاطىء، كما بيَّنا "٨١-٨٢" ضعف الزيادة التي أشار الدكتور إليها، وسكت عنها جهلًا أو تجاهلًا، وهي قوله: "فإن كان لك حاجة فافعل مثل ذلك". ورغبة في عدم الإطالة لا نعيد ذلك.
ومما سبق كله، يتبين لكل منصف مريد للحق بطلان تلك الشبهة البوطية وسقوطها، وصدق الله ﵎ إذ يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ ويقول: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ .
والحمد لله أولًا وآخرًا على توفيقه وهداه، وهو وحده المستعان، لا إله غيره، ولا رب سواه.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
[ ١٥٤ ]