المتن
بَابُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٠].
ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (﴿يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ يُشْرِكُونَ)، وَعَنْهُ: (سَمُّوا اللَّاتَ مِنَ الإِلَهِ، وَالعُزَّى مِنَ العَزِيزِ).
وَعَنِ الأَعْمَشِ: (يُدْخِلُونَ فِيهَا مَا لَيسَ مِنْهَا) (^١).
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: إِثْبَاتُ الأَسْمَاءِ.
الثَّانِيَةُ: كَونُهَا حُسْنَى.
الثَّالِثَةُ: الأَمْرُ بِدُعَائِهِ بِهَا.
الرَّابِعَةُ: تَرَكُ مَنْ عَارَضَ مِنَ الجَاهِلِينَ المُلْحِدِينَ.
الخَامِسَةُ: تَفْسِيرُ الإِلْحَادِ فِيهَا.
السَّادِسَةُ: وَعِيدُ مَنْ أَلْحَدَ.
_________________
(١) عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فِي التَّفْسِيرِ (٥/ ١٦٢٣): "قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: التَّكْذِيبُ، وَعَنْهُ أَيضًا قَالَ: الإِلْحَادُ، المُلْحِدِينَ: أَنْ ادَّعَوا اللَّاتَ وَالعُزَّى فِي أَسْمَاءِ اللهِ ﷿. وَعَنْ قَتَادَةَ قَولُهُ: (يُلْحِدُونَ) قَالَ: يُشْرِكُونَ. وَقَالَ الأَعْمَشُ: يُدْخِلُونَ فِيهَا مَا لَيسَ مِنْهَا". انْتَهَى بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ وَحَذْفٍ لِلأَسَانِيدِ.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
الشَّرْحُ
- هَذَا البَابُ فِيهِ بَيَانُ الأَدَبِ الأَكْمَلِ فِي سُؤَالِ اللهِ تَعَالَى؛ وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَوَسَّلَ إِلَيهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَهوَ دَلِيلُ العِلْمِ بِهِ وَبِتَعْظِيمِهِ وَالتَّعَلُّقِ بِهِ سُبْحَانَهُ.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿الْحُسْنَى﴾ مُؤَنَّثُ أَحْسَن، وَهُوَ اسْمُ تَفْضِيلٍ، وَمَعنى الحُسْنَى: أَي البَالِغَةَ فِي الحُسْنِ أَكْمَلَهُ، وَاللَّامُ هُنَا لِلاسْتِحْقَاقِ.
وَالحُسْنُ فِي الأَسْمَاءِ يَكُونُ رَاجِعًا إِلَى أَنَّ الصِفَةَ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيهَا ذَلِكَ الاسْمُ تَكُونُ حَقًّا مَوجُودَةً فيمَنْ تَسَمَّى بِهَا، وَعَلَى الوَجْهِ الأَكْمَلِ الَّذِي لَا نَقْصَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وَالإِنْسَانُ -وَإِنْ تَسَمَّى بِاسمٍ فِيهِ مَعنًى- فَقَد لَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ المَعْنَى شَيءٌ! فَيُسَمَّى (صَالِحًا) وَقَد لَا يَكُونُ صَالِحًا! وَيُسَمَّى (خَالِدًا) وَلَا يَكُونُ خَالِدًا -عَلَى مَعْنَى طُولِ العُمُرِ-! وَيُسَمَّى (مُحَمَّدًا) وَقَد لَا يَكُونُ كَثيرَ خِصَالِ الحَمْدِ! وَهَكَذَا؛ فَإِنَّ الإِنْسَانَ قَد يُسَمَّى بِأَسْمَاءٍ كَثِيرَةٍ؛ لَكِنْ لَا تَكُونُ فِي حَقِّهِ حُسْنَى (^١).
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ اعْلَمْ أَنَّ دُعَاءَ اللهِ بِأَسْمَائِهِ لَهُ مَعْنَيَانِ:
١ - دُعَاءُ العِبَادَةِ.
وَذَلِكَ بِأَنْ تَتَعَبَّدَ للهِ بِمَا تَقْتَضِيهِ تِلْكَ الأَسْمَاءُ، فَمَثَلًا: اسْمُ الرَّحِيمِ يَدُلُّ عَلَى
_________________
(١) وَأَهْلُ العِلْمِ إِذَا فَسَّرُوا الأَسْمَاءَ الحُسْنَى؛ فَإِنَّمَا هُوَ تَقْرِيبٌ لَيَدُلُّوا النَّاسَ عَلَى أَصْلِ المَعْنَى، أَمَّا المَعْنَى بِكَمَالِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا اللهُ تَعَالَى، وَلِهَذَا قَالَ ﷺ فِي دُعَائِهِ: «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيتَ عَلَى نَفْسِكَ». مُسْلِمٌ (٤٨٦) عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
الرَّحْمَةِ؛ وَحِينَئِذٍ تَتَطَلَّعُ إِلَى أسَبْابِ الرَّحْمَةِ وَتَفْعَلُهَا.
وَالسَّمِيعُ: يَقْتَضِي أَنْ تَتَعَبَّدَ للهِ بِمُقْتَضَى السَّمْعِ بِحَيثُ لَا تُسْمِعُ اللهَ قَولًا يُغْضِبُهُ وَلَا يَرْضَاهُ مِنْكَ.
وَالبَصِيرُ: يَقْتَضِي أَنْ تَتَعَبَّدَ للهِ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ البَصَرِ بِحَيثُ لَا يَرَى مِنْكَ فِعْلًا يَكْرَهُهُ مِنْكَ (^١).
٢ - دُعَاءُ المَسْأَلَةِ، وَهوَ أَنْ تُقَدِّمَ هَذِهِ الأَسْمَاءَ بَينَ يَدِي سُؤَالِكَ مُتَوَسِّلًا بِهَا إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَالأَكْمَلُ أَنْ يَسْأَلَ بِالاسِمِ المُنَاسِبِ لِلْمَطْلُوبِ.
مَثَلًا: يَا غَفُورُ؛ يَا رَحِيمُ؛ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁؛ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ؛ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي؛ إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ» (^٢).
وَالإِنْسَانُ إِذَا دَعَا وَعَلَّلَ؛ فَقَد أَثْنَى عَلَى رَبِّهِ بِهَذَا الاسْمِ طَالِبًا أَنْ يَكُونَ سَبَبًا
_________________
(١) قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ القُولُ السَّديدُ (ص ١٦١): "فَمَثَلًا أَسْمَاءُ العَظَمَةِ وَالكِبْرِيَاءِ وَالمَجْدِ وَالجَلَالِ وَالهَيبَةِ تَمْلَأُ القُلُوبَ تَعْظِيمًا للهِ وَإِجْلَالًا لَهُ. وَأَسْمَاءُ الجَمَالِ وَالبِرِّ وَالإِحْسَانِ وَالرَّحْمَةِ وَالجُودِ تَمْلَأُ القَلْبَ مَحَبَّةً للهِ وَشَوقًا لَهُ وَحَمْدًا لَهُ وَشُكْرًا. وَأَسْمَاءُ العِزِّ وَالحِكْمَةِ وَالعِلْمِ وَالقُدْرَةِ تَمْلَأُ القَلْبَ خُضُوعًا للهِ وَخُشُوعًا وَانْكِسَارًا بَينَ يَدَيهِ. وَأَسْمَاءُ العِلْمِ وَالخِبْرَةِ وَالإِحَاطَةِ وَالمُرَاقَبَةِ وَالمُشَاهَدَةِ تَمْلَأُ القَلْبَ مُرَاقَبَةً للهِ فِي الحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ، وَحِرَاسَةً لِلخَوَاطِرِ عَنِ الأَفْكَارِ الرَّدِيَّةِ وَالإِرَادَاتِ الفَاسِدَةِ. وَأَسْمَاءُ الغِنَى وَاللُّطْفِ تَمْلَأُ القَلْبَ افْتِقَارًا وَاضْطِرَارًا إِلَيهِ، وَالتِفَاتًا إِلَيهِ كُلَّ وَقْتٍ؛ فِي كُلِّ حَالٍ".
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٨٣٤)، وَمُسْلِمٌ (٢٧٠٥).
[ ٢ / ٢٣٨ ]
لِلإِجَابَةِ، وَالتَّوَسُّلُ بِصِفَةِ المَدْعُوِّ المَحْبُوبَةِ لَهُ هُوَ سَبَبٌ آخَرُ لِلإِجَابَةِ؛ فَإنَّ الثَّنَاءَ عَلَى اللهِ بِأَسْمَائِهِ هُوَ مِنْ أَسْبَابِ الإِجَابَةِ أَيضًا.
وَالآيَةُ هُنَا فِي البَابِ تَحْتَمِلُ المَعنَيِين.
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ أَي: لَا تَسْلُكُوا مَسْلَكَهُم وَلَا طَرِيقَهُم؛ فَإِنَّهُم عَلَى ضَلَالٍ وَعُدْوَانٍ، وَلَيسَ المَعْنَى عَدَمَ مُنَاصَحَتِهِم وَبَيَانَ الحَقِّ لَهُم! إِذْ لَا يُتْرَكُ الظَّالِمُ عَلَى ظُلْمِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ المُرَادَ بِقَولِهِ: (ذَرُوا) هُوَ التَّهْدِيدُ لِلمُلْحِدِين، أَوِ الإِعْرَاضُ عَنْهُم كَمَا قَالَ المُصَنِّفُ ﵀ فِي المَسَائِلِ: "تَرَكُ مَنْ عَارَضَ مِنَ الجَاهِلِينَ المُلْحِدِينَ".
- الإِلْحَادُ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى: هُوَ المَيلُ بِهَا عَمَّا يَجِبُ فِيهَا، وَهُوَ أَنْوَاعٌ سَبَقَ بَيَانُهَا (^١).
- أَنْوَاعُ التَّوَسُّلِ المَشْرُوعِ:
١ - التَّوَسُّلُ بَأَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ.
تَقُولُ: (يَا رَحْمَنُ ارْحَمْنِي)، (يَا غَفُورُ اغْفِرْ لِي) وَهَكَذَا، تَذْكُرُ فِي دُعَائِكَ كُلَّ اسْمٍ يُنَاسِبُ حَاجَتَكَ.
٢ - التَّوَسُّلُ بِدُعَاءِ الصَّالِحِينَ.
فَتَأْتِي إِلَى الرَّجُلِ الصَّالِحِ فَتَقُولُ لَهُ: (ادْعُ اللهَ لِي أَنْ يَغْفِرَ لِي)، وَكَتَوَسُّلِ عُمَرَ بِدُعَاءِ العَبَّاسِ ﵄، كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ (^٢).
_________________
(١) وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي مُخْتَصَرِ القَوَاعِدِ المُثْلَى؛ فَلْيُرَاجَعْ.
(٢) البُخَارِيُّ (١٠١٠). وَسَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَى الشُّبْهَةِ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
٣ - التَّوَسُّلُ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
كَمَا فِي حَدِيثِ أَصْحَابِ الغَارِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ انْطَبَقَتْ عَلَيهِمُ الصَّخْرَةُ (^١).
_________________
(١) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ -كَمَا فِي البُخَارِيِّ (٥٩٧٤) - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄؛ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «بَينَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَاشَونَ؛ أَخَذَهُمُ المَطَرُ، فَمَالُوا إِلَى غَارٍ فِي الجَبَلِ فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَأَطْبَقَتْ عَلَيهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً؛ فَادْعُوا اللهَ بِهَا لَعَلَّهُ يَفْرُجُهَا. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيخَانِ كَبِيرَانِ وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيهِمْ فَحَلَبْتُ؛ بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي، وَإِنَّهُ نَاءَ بِيَ الشَّجَرُ؛ فَمَا أَتَيتُ حَتَّى أَمْسَيتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالحِلَابِ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَومِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا -وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَونَ عِنْدَ قَدَمَيَّ-، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ؛ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللهُ لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَونَ مِنْهَا السَّمَاءَ. وَقَالَ الثَّانِي: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي ابْنَةُ عَمٍّ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ إِلَيهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَعَيتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ، فَلَقِيتُهَا بِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَينَ رِجْلَيهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللهِ؛ اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفْتَحِ الخَاتَمَ، فَقُمْتُ عَنْهَا، اللَّهُمَّ؛ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ؛ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا، فَفَرَجَ لَهُمْ فُرْجَةً. وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيهِ حَقَّهُ؛ فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، فَجَاءَنِي؛ فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي، فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ البَقَرِ وَرَاعِيهَا، فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي! فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ، فَخُذْ ذَلِكَ البَقَرَ وَرَاعِيَهَا، فَأَخَذَهُ فَانْطَلَقَ بِهَا؛ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ؛ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ. فَفَرَجَ اللهُ عَنْهُمْ). وَقَولُهُ: (وَإِنَّهُ نَاءَ بِيَ الشَّجَرُ) أَي: اسْتَطْرَدَ مَعَ غَنَمِهِ فِي الرَّعْي إِلَى أَنْ بَعُدَ عَنْ مَكَانِهِ زِيَادَةً عَلَى العَادَةِ؛ فَلِذَلِكَ أَبْطَأَ عَنْ أَهْلِهِ. (يَتَضَاغَونَ): يَضِجُّونَ وَيَصِيحُونَ مِنَ الجُوعِ. =
[ ٢ / ٢٤٠ ]
وَكَتَوَسُّلِ آدَمَ وَحَوَّاءَ ﵉ بِاعْتِرَافِهِم بِخَطَئِهِم وَظُلْمِهِم لِأَنْفُسِهِم ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأَعْرَاف: ٢٣].
وَكَتَوَسُّلِ المُؤْمِنِينَ بِاتِّبَاعِهِم لِلنَّبيِّ ﷺ: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عِمْرَان: ١٩٣].
- الأَعْمَشُ: هُوَ سُلَيمَانُ بْنُ مَهْرَانَ؛ أَبُو مُحَمَّدٍ، تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ، كَانَ رَأْسًا فِي العِلْمِ النَّافِعِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، ثِقَةٌ حَافِظٌ؛ لَكِنَّهُ يُدَلِّسُ (ت ١٤٨ هـ) (^١).
_________________
(١) = (وَلَا تَفْتَحِ الخَاتَمَ): كِنَايَةٌ عَنِ الجِمَاعِ وَالوَطْءِ. (بِفَرَقِ أَرُزٍّ): الفَرَقُ: إِنَاءٌ يَسَع ثَلَاثَةَ آصُعٍ، وَالصَّاعُ مِكْيَالٌ لِأَهْلِ المَدِينَةِ يَأْخُذُ أَرْبَعَةَ أَمْدَادٍ، وَالمُدُّ مُقَدَّرٌ بِأَنْ يَمُدَّ الرَّجُلُ يَدَيهِ فَيَمْلَأَ كَفَّيهِ.
(٢) الأَعْلَامُ لِلزِّرِكْلِيِّ (٣/ ١٣٥).
[ ٢ / ٢٤١ ]
مسألة: قال بعضهم: إن الطلب والاستغاثة بالصالحين هو من باب الأسباب
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- مَسْأَلَةٌ: قَالَ بَعْضُهُم: إِنَّ الطَّلَبَ وَالاسْتِغَاثَةَ بِالصَّالِحِينَ هُوَ مِنْ بَابِ الأَسْبَابِ، وَلَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّهُم يَعْتَقِدُونَ فِيهِم أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ وَيَضُرُّونَ وَيَنْفَعُونَ! وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِهِم لِتَحْصِيلِ إِغَاثَةِ اللهِ تَعَالَى لَهُم.
وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّوَسُّلِ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المَائِدَة: ٣٥].
وَفِي الحَدِيثِ: «تَوَسَّلُوا بِجَاهِي؛ فَإِنَّ جَاهِي عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ».
وَكَمَا فِي حَدِيثِ تَوَسُّلِ الأَعْمَى بِالنَّبِيِّ ﷺ.
وَقَد تَوَسَّلَ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِأَبي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ -كَمَا فِي أَوَائِلِ تَارِيخِ بَغداد لِلخَطِيبِ البَغْدَادِيِّ ﵀ (^١).
وَفِي البُخَارِيِّ -فِي مَعْرِضِ ذِكْرِ التَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِلاسْتِسْقَاءِ-؛ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتَمَثَّلُ شِعْرَ أَبِي طَالِبٍ؛ وَفِيهِ: (وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ) (^٢)، فَمَا الجَوَابُ عَمَّا سَلَفَ؟
_________________
(١) تَارِيخُ بَغْدَادَ وَذُيُولُهُ (١/ ١٣٥).
(٢) البُخَارِيُّ (١٠٠٨). وَالثِّمَالُ: هُوَ المَلْجَأُ؛ وَالَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيهِ فِي الأُمُورِ.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
الجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ -بِحَولِ اللهِ وَقُوَّتِهِ-:
١ - أَنَّ دَعْوَى (أَنَّ الاسْتِغَاثَةَ بِالصَّالِحِينَ سَبَبٌ لِإِجَابَةِ اللهِ تَعَالَى) كَذِبٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ، وَإِبْطَالٌ لِلتَّوحِيدِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلِ الاسْتِغَاثَةَ بِخَلْقِهِ سَبَبًا لِلإِجَابَةِ! بَلْ هُوَ سَبَبٌ لِلمَنْعِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يُونُس: ١٠٦].
وَتَأَمَّلْ كَيفَ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى الاسْتِغَاثَةَ بِهِ فِي بَدْرٍ سَبَبًا لِحُصُولِ النَّصْرِ -رُغْمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَعَهُم-! قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأَنْفَال: ٩].
وَتَأَمَّلْ حِكْمَةَ اللهِ تَعَالَى كَيفَ خَلَّا بَينَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَينَ أَعْدَائِهِ فِي أُحُدٍ حَتَّى شَجُّوهُ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَّتَهُ! لِيُعْلَمَ أَنَّهُ مِنَ البَشَرِ؛ يَطْرَأُ عَلَيهِ مَا يَطْرَأُ عَلَى البَشَرِ مِنَ الأَسْقَامِ وَالأَوجَاعِ، وَلِيَبْطُلَ بِذَلِكَ التَّعَلُّقُ بِغَيرِ اللهِ تَعَالَى وَلَو كَانَ سَيِّدَ البَشَرِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيهِ (^١).
وَإِنَّ الاسْتِغَاثَةَ بِالمَخْلُوقِ مُنَاقِضَةٌ لِلعُبُودِيَّةِ الخَالِصَةِ للهِ تَعَالَى، حَيثُ يُجْعَلُ الذُّلُّ وَالخُضُوعُ وَالإِنَابَةُ وَالتَّعَلُّقُ لِغَيرِ اللهِ تَعَالَى! فَهَذَا مِنْ أَبْطَلِ البَاطِلِ، وَإنَّمَا يَتَعَيَّنُ عَلَى العِبَادِ جَمِيعِهِم أَنْ يَعْتَمِدُوا عَلَى خَالِقِ الأَسْبَابِ، وَيَرْغَبُوا إِلَيهِ، وَيَسْتَعِينُوا بِهِ، وَيَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (^٢).
_________________
(١) قَالَ القَاضِي عِيَاض ﵀: "وَلِيُعْلَمَ أَنَّهُم مِنَ البَشَرِ؛ تُصِيبُهُم مِحَنُ الدُّنْيَا، وَيَطْرَأُ عَلَى أَجْسَامِهِم مَا يَطْرَأُ". إِكْمَالُ المُعْلِمِ شَرْحُ مُسْلِمٍ (٦/ ٨٤).
(٢) وَهَذَا لَا يَعْنِي عَدَمَ جَوَازِ الاسْتِغَاثَةِ بِالعَبْدِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيهِ العَبْدُ! وَلَكِنَّ المَحْذُورَ هُوَ فِي الاسْتِغَاثَةِ بِمَا كَانَ للهِ تَعَالَى خَارِجًا عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ أَصْلًا، وَتَأَمَّلْ قَولَ اللهِ تَعَالَى عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشُّعَرَاء: ٩٦ - ٩٨].
[ ٢ / ٢٤٣ ]
وَتَأَمَّلْ تَفْرِيقَ النَّبِيِّ ﷺ بَينَ مَا فِي يَدِهِ وَبَينَ مَا عِنْدَ اللهِ عِنْدَمَا قَالَ لابْنَتِهِ: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ! سَلِينِي بِمَا شِئْتِ؛ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيئًا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ (^١).
وَقَالَ تَعَالَى - عَنْ يَومِ القِيَامَةِ أَيضًا -: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانْفِطَار: ١٩] وَذَلِكَ لِتَفَرُّدِهِ سُبْحَانَهُ فِي ذَلِكَ اليَومِ بِالتَّصَرُّفِ وَالحُكْمِ وَالتَّدْبِيرِ، فَلَيسَ لِأَحَدٍ مَعَهُ فِي ذَلِكَ اليَومِ تَصَرُّفٌ وَلَا تَدْبِيرٌ وَلَا أَمْرٌ وَلَا نَهيٌ، بِخِلَافِ الحَالِ فِي الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ مَلَّكَ أَهْلَهَا مَا خَوَّلَهُم فِيهَا فَهُم يَتَصَرَّفُونَ فِيمَا أَعْطَاهُم بِحَسْبِ اخْتِيَارِهِم -مَعَ كَونِ المِلْكِ وَالأَمْرِ فِي الحَقِيقَةِ للهِ وَحْدَهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ-.
٢ - أَمَّا دَعْوَى أَنَّ هَذَا مِنَ التَّوَسُّلِ! فَهَذَا خَطَأٌ كَبِيرٌ.
لِأَنَّ التَّوَسُّلَ مَعْنَاهُ التَّقَرُّبَ.
قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ: "الوَسِيلةُ: المَنْزِلَةُ عِنْدَ المَلِكِ، وَالوَسِيلةُ: الدَّرَجَةُ، وَالوَسِيلَةُ: القُرْبَةُ، وَوَسَّلَ فُلَانٌ إِلَى اللهِ وَسِيلَةً: إِذَا عَمِلَ عَمَلًا تَقَرَّبَ بِهِ إِلَيهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإِسْرَاء: ٥٧]، وَفِي حَدِيثِ الأَذَانِ: «اللَّهُمَّ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ» هيَ فِي الأَصْلِ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى الشَّيءِ وَيُتَقَرَّبُ بِهِ، وَالمُرَادُ بِهِ فِي الحَدِيثِ: القُرْبُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: هِيَ الشَّفَاعَةُ
_________________
(١) مُسْلِمٌ (٢٠٦).
[ ٢ / ٢٤٤ ]
يَومَ القِيَامَةِ، وَقِيلَ: هِيَ مَنْزِلَةٌ مِنْ مَنَازِلِ الجَنَّةِ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ" (^١).
وَمَفَادُ الآيَةِ هُوَ اتِّخَاذُ الوَسَائِلِ المُؤَدِيَّةِ إِلَى رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا بِخِلَافِ دُعَاءِ غَيرِ اللهِ تَعَالى؛ فَإِنَّ هَذَا مِنَ الأَسْبَابِ المَانِعَةِ لِرِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى أَصْلًا! (^٢)
وَالتَّوَسُّلُ إِلَى اللهِ تَعَالَى حَقِيقٌ بِهِ أَنْ يَكُونَ مَحَبَّةً لَهُ سُبْحَانَهُ وَرَغْبَةً إِلَيهِ وَخَوفًا مِنْهُ وَتَوَكُّلًا عَلَيهِ وَأَخْذًا بِأَسْبَابِ كُلِّ ذَلِكَ، خِلَافًا لِمَا يَزْعُمُونَ مِنْ جَعْلِ دُعَاءِ غَيرِ اللهِ تَوَسُّلًا؛ فَيَصْرِفُونَ المَحَبَّةَ وَالخَشْيَةَ وَالإِنَابَةَ وَالرَّجَاءَ إِلَى غَيرِ اللهِ تَعَالَى! وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.
_________________
(١) لِسَانُ العَرَبِ (١١/ ٧٢٤).
(٢) وَأَمَّا قَولُ بَعْضِ مَنِ افْتَرَى عَلَى البَغَويِّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ عِنْدَ قَولِهِ: (يَنْظُرُونَ أَيُّهُم أَقْرَبُ إِلَى اللهِ؛ فَيَتَوَسَّلُونَ بِهِ) حَيثُ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالأَشْخَاصِ، فَهُوَ افْتِرَاءٌ عَلَيهِ ﵀، وَانْظُرْ تَمَامَ كَلَامِهِ حَيثُ تَجِدُهُ عَنَى التَّوَسُّلَ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَلَيسِ بِالأَشْخَاصِ الصَّالِحِينَ! قَالَ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٥/ ١٠٥): "وَقَولُهُ: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ مَعْنَاهُ: يَنْظُرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ إِلَى اللهِ فَيَتَوَسَّلُونَ بِهِ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَيُّهُم أَقْرَبُ يَبْتَغِي الوَسِيلَةَ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَيَتَقَرَّبُ إِلَيهِ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ". وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي التَّفْسِيرِ (٣/ ١٠٣) -عِنْدَ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ -: "قَالَ سُفْيَانُ الثَّورِيُّ: عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَي: القُرْبَةُ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدُ وَأَبُو وَائِلٍ وَالحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ وَالسُّدِّيُّ وَابْنُ زَيدٍ وَغَيرُ وَاحِدٍ، وَقَالَ قَتَادَةُ: أَي: تَقَرَّبُوا إِلَيهِ بِطَاعَتِهِ وَالعَمَلِ بِمَا يُرْضِيهِ، وَقَرَأَ ابْنُ زَيدٍ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةُ لَا خِلَاف بَينَ المُفَسِّرِينَ فِيهِ". قُلْتُ: وَتَأَمَّلْ تَصْرِيحَ الحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ بِأَنَّ هَذَا هُوَ اتِّفَاقُ المُفَسِّرِينَ عَلَى مَعْنَى الآيَةِ الكَرِيمَةِ. وَفِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ (١٠/ ٢٩١): "قَالَ ابْنُ زَيدٍ فِي قَولِهِ: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ قَالَ: المَحَبَّةَ، تَحَبَّبُوا إِلَى اللهِ، وَقَرَأَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإِسْرَاءُ: ٥٧]).
[ ٢ / ٢٤٥ ]
٣ - أَمَّا الحَدِيثُ المَذْكُورُ: «تَوَسَّلُوا بِجَاهِي؛ فَإِنَّ جَاهِي عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ» فَلَا أَصْلَ لَهُ (^١)، وَأَمَّا الأَحَادِيثُ الوَارِدَةُ فِي التَّوَسُّلِ بِهِ ﷺ فَتَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَينِ: صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ.
أَمَّا الصَّحِيحُ؛ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ البَتَّةَ عَلَى المُدَّعَى، مِثْلُ تَوَسُّلِ الصَّحَابَةِ بِهِ ﷺ فِي الاسْتِسْقَاءِ، وَتَوَسُّلِ الأَعْمَى بِهِ ﷺ؛ فَإِنَّهُ تَوَسُّلٌ بِدُعَائِهِ ﷺ لَا بِجَاهِهِ وَلَا بِذَاتِهِ -كَمَا سَيَأْتِي-.
وَلَمَّا كَانَ التَّوَسُّلُ بِدُعَائِهِ ﷺ بَعْدَ انْتِقَالِهِ إِلَى الرَّفِيقِ الأَعْلَى غَيرَ مُمْكِنٍ كَانَ بِالتَّالِي التَّوَسُّلُ بِهِ ﷺ الآنَ غَيرَ جَائِزٍ.
وَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى هَذَا؛ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمَّا اسْتَسْقَوا فِي زَمَنِ عُمَرَ تَوَسَّلُوا بِعَمِّهِ العَبَّاسِ، وَلَمْ يَتَوَسَّلُوا بِهِ ﷺ! وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّهُم يَعْلَمُونَ مَعْنَى التَّوَسُّلِ المَشْرُوعِ -وَهوَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ التَّوَسُّلِ بِدُعَائِهِ ﷺ، وَلِذَلِكَ تَوَسَّلُوا بَعْدَهُ بِدُعَاءِ عَمِّهِ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ وَمَشْرُوعٌ (^٢)، وَكَذَلِكَ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا مِنَ العُمْيَانِ تَوَسَّلَ بِدُعَاءِ ذَلِكَ الأَعْمَى -وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ قَرِيبًا-، ذَلِكَ لِأَنَّ السِّرَّ لَيسَ فِي قَولِ الأَعْمَى: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيكَ بِنَبِيِّكَ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ»! وَإِنَّمَا السِّرُّ الأَكْبَرُ هُوَ فِي دُعَائِهِ ﷺ لَهُ كَمَا
_________________
(١) قَالَ ابْنُ تَيمِيَّةَ وَالأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُمَا اللهُ: "لَا أَصْلَ لَه". اقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، وَالضَّعِيفَةُ (٢٢)، وَتَتِمَّةُ التَّعْلِيقِ مُسْتَفَادٌ مِنَ الضَّعِيفَةِ (٢٢).
(٢) وَلَو كَانَ المُرَادُ مِنَ التَّوَسُّلِ هُوَ التَّوَسُّلُ بِالجَاهِ؛ لَكَانَ الأَمْرُ مُمْكِنًا عِنْدَهُم، وَذَلِكَ لِبَقَاءِ جَاهِ النَّبِيِّ ﷺ حَيًّا وَمَيِّتًا، بِخِلَافِ الدُّعَاءِ بَعْدَ مَوتِهِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مُرَادَهُمُ التَّوَسُّلُ بِالدُّعَاءِ لَا بِالجَاهِ! وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
يَقْتَضِيهِ وَعْدُهُ ﷺ إِيَّاهُ بِالدُّعَاءِ لَهُ، ويُشْعِرُ بِهِ قَولُهُ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ؛ فَشَفِّعْهُ فِيَّ» أَي: اقْبَلْ شَفَاعَتَهُ -وَهُوَ دُعَاءَهُ- فِيَّ، وَقَولُهُ: «وَشَفِّعْنِي فِيهِ» أَي اقْبَلْ شَفَاعَتِي -أَي: دُعَائِي- فِي قَبُولِ دُعَائِهِ ﷺ فِيَّ، فَمَوضُوعُ الحَدِيثِ كُلُّهِ يَدُورُ حَولَ الدُّعَاءِ؛ فَلَا عَلَاقَةَ لِلحَدِيثِ بِالتَّوَسُّلِ المُبْتَدَعِ -وَهُوَ التَّوَسُّلُ بِالجَاهِ وَالذَّاتِ هُنَا- (^١).
٤ - وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ تَوَسُّلِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ بِأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى كَمَا فِي التَّارِيخِ لِلخَطِيبِ البَغْدَادِيِّ (^٢)؛ فَنَصُّهُ: "سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: إِنِّي لَأَتَبَرَّكُ بِأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَجِيءُ إِلَى قَبْرِهِ فِي كُلِّ يَومٍ -يَعْنِي زَائِرًا- فَإِذَا عَرَضَتْ لِي حَاجَةٌ؛ صَلَّيتُ رَكْعَتَينِ، وَجِئْتُ إِلَى قَبْرِهِ، وَسَأَلْتُ اللهَ تَعَالَى الحَاجَةَ عِنْدَهُ، فَمَا تَبْعُدُ عَنِّي حَتَّى تُقْضَى"! فهيَ رِوَايَةٌ بَاطِلَةٌ؛ فَإِنَّ فِيهَا عُمَرَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ غَيرُ مَعْرُوفٍ، وَلَيسَ لَهُ ذِكْرٌ فِي شَيءٍ مِنْ كُتُبِ الرِّجَالِ، وَلَقَد رَأَى الشَّافِعِيُّ بِالحِجَازِ وَاليَمَنِ وَالشَّامِ وَالعِرَاقِ وَمِصْرَ مِنْ قُبُورِ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مَنْ كَانَ أَصْحَابُهَا عِنْدَهُ -وَعِنْدَ المُسْلِمِينَ جَمِيعًا- أَفْضَلَ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَمْثَالِهِ مِنَ العُلَمَاءِ ﵏ وَرَضِيَ عَنْهُم-، وَلَم يُنْقَلْ تَوَسُّلُهُ بِأَحٍدٍ مِنْهُم!
بَلْ قَد جَاءَ عَنِ الشَّافِعِيِّ -مَا هُوَ ثَابِتٌ فِي كِتَابِهِ الأُمِّ- مِنْ كَرَاهَةِ تَعْظِيمِ قُبُورِ
_________________
(١) قَالَ فِي الدُّرِّ المُخْتَارِ مَعَ حَاشِيَةِ رَدَّ المُحْتَارِ (٦/ ٣٩٦) -مِنْ كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ-: "وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة -مَعْزِيًّا لِلْمُنْتَقَى- عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَدْعُوَ اللهَ إِلَّا بِهِ، وَالدُّعَاءُ المَأْذُونُ فِيهِ؛ المَأْمُورُ بِهِ؛ مَا اُسْتُفِيدَ مِنْ قَوله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأَعْرَاف: ١٨٠] ".
(٢) عَزَا الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ الأَثَرَ إِلَى تَارِيخِ الخَطِيبِ (١/ ١٢٣)، وَجُمْلَةُ تَضْعِيفِ الأَثَرِ -مِنْ جِهَةِ الإِسْنَادِ- أَفَادَهُ الشَّيخُ ﵀ تَحْتَ حَدِيثِ الضَّعِيفَةِ (٢٢).
[ ٢ / ٢٤٧ ]
المَخْلُوقِينَ خَشْيَةَ الفِتْنَةِ بِهَا، حَيثُ قَالَ ﵀ فِي كِتَابِهِ (الأُمُّ): "وَأَكْرَهُ أَنْ يُبْنَى عَلَى القَبْرِ مَسْجِدٌ؛ وَأَنْ يُسَوَّى، أَو يُصَلَّى عَلَيهِ وَهُوَ غَيرُ مُسَوَّى -يَعْنِي أَنَّهُ ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ- أَو يُصَلَّى إِلَيهِ.
قَالَ: وَإِنْ صَلَّى إِلَيهِ أَجْزَأَهُ؛ وَقَدْ أَسَاءَ. أَخْبَرَنَا مَالِكٌ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِم مَسَاجِدَ»، قَالَ: وَأَكْرَهُ هَذَا لِلسُّنَّةِ وَالآثَارِ. وَأنَّهُ كَرِهَ -وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- أَنْ يُعَظَّمَ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ -يَعْنِي: يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا-؛ وَلَمْ تُؤْمَنْ فِي ذَلِكَ الفِتْنَةُ وَالضَّلَالُ" (^١).
٥ - وَأَمَّا تَمَثُّلُ ابْنِ عُمَرَ لِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ؛ فَلَيسَ فِيهِ دَلِيلٌ البَتَّةَ عَلَى التَّوَسُّلِ البِدْعِيِّ -أَي: بِالجَاهِ وَالذَّاتِ- وَذَلِكَ لِأُمُورٍ:
أ- أَنَّ هَذَا شِعْرٌ لِأَبي طَالِبٍ؛ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ أَبَدًا، لِكَونِهِ لَيسِ بِمُسْلِمٍ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَمِثْلُ هَذَا يَجْرِي مَجْرَى الشِّعْرِ الَّذِي تَتَنَاقَلُهُ العَرَبُ بِمَا فِيهِ مِنْ حُسْنٍ أَو قُبْحٍ.
ب- أًنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵁؛ إِنَّمَا تَمَثَّلَهُ حَالَ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الاسْتِسْقَاءِ، كَمَا فِي البُخَارِيِّ عَنْهُ: (رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَولَ الشَّاعِرِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَسْقِي؛ فَمَا يَنْزِلُ حَتَّى يَجِيشَ كُلُّ مِيزَابٍ: وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ) (^٢)
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٤٣٧) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
(٢) البُخَارِيُّ (١٠٠٨).
[ ٢ / ٢٤٨ ]
، فَمَنْ أَرَادَ الاحْتِجَاجَ بِهِ؛ فَلْيَحْتَجَّ بِهِ كَمَا وَرَدَ -وَهُوَ التَّوَسُّلُ بِالدُّعَاءِ-.
ج- أَنَّ أَهْلَ الحَدِيثِ الَّذِينَ أَورَدُوا هَذَا الحَدِيثَ لَمْ يَحْمِلُوهُ عَلَى التَّوَسُّلِ بِالجَاهِ! وَإِنَّمَا بِالدُّعَاءِ، فَقَد بَوَّبَ عَلَيهِ:
البُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ: بَابُ سُؤَالِ النَّاسِ الإِمَامَ الِاسْتِسْقَاءَ إِذَا قَحَطُوا (^١).
البَيهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الصُغْرَى: بَابُ الاسْتِسْقَاءِ بِمَنْ تُرْجَى بَرَكَةُ دُعَائِهِ (^٢).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٢/ ٢٧).
(٢) البَيهقيُّ فِي السُّنَنِ الصُغْرَى (٣/ ٤٩١).
[ ٢ / ٢٤٩ ]