- الفَائِدَةُ الأُولَى:
تَفْسِيرُ آيَاتِ سُورَةِ البَقَرَةِ مِنْ تَفْسِيرِ الشَّيخِ السَّعْدِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢ - ١٠٣].
قَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀: "هُمْ كَذَبَةٌ فِي ذَلِكَ، فَلْم يَسْتَعْمِلْهُ سُلَيمَانُ! بَلْ نَزَّهَهُ الصَّادِقُ فِي قِيلِهِ (^١)، ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ﴾ أَي: بِتَعَلُّمِ السِّحْرِ، فَلَمْ يَتَعَلَّمْهُ،
﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ بِذَلِكَ، ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ مِنْ إِضْلَالِهِم وَحِرْصِهِم عَلَى إِغْوَاءِ بَني آدَمَ، وَكَذَلِكَ اتَّبَعَ اليَهُودُ السِّحْرَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى المَلَكِينِ الكَائِنَينِ بِأَرْضِ بَابِلَ مِنْ أَرْضِ العِرَاقِ، أُنْزِلَ عَلَيهِمَا السِّحْرُ امْتِحَانًا وَابْتِلَاءً
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ: "وَعَدَّاهُ بِـ (عَلَى) لِأَنَّهُ تَضَمَّنَ (تَتْلُو): تَكْذِبُ". تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (١/ ٣٥٠).
[ ١ / ٤٦٩ ]
مِنَ اللهِ لِعِبَادِهِ فَيُعَلِّمَانِهِمُ السِّحْرَ (^١)،
﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى﴾ يَنْصَحَاهُ،
وَ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ أَي: لَا تَتَعَلَّمِ السِّحْرَ؛ فَإِنَّهُ كُفْرٌ، فَيَنْهَيَانِهِ عَنِ السِّحْرِ، وَيُخْبِرَانِهِ عَنْ مَرْتَبَتِهِ، فَتَعْلِيمُ الشَّيَاطِينِ لِلسِّحْرِ عَلَى وَجْهِ التَّدْلِيسِ وَالإِضْلَالِ، وَنِسْبَتُهُ وَتَرْويجُهُ إِلَى مَنْ بَرَّأَهُ اللهُ مِنْهُ -وَهُوَ سُلَيمَانُ ﵇[هُوَ أَيضًا
_________________
(١) وَقَدْ اسْتَعْرَضَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٤١٩) قَولَينِ فِيهَا، فَقَالَ ﵀: "قَولُهُ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ قَالَ بَعْضُهُم: مَعْنَاهُ الجَحْدُ، وَهِيَ بمَعْنَى (لَمْ) فَتَأْوِيلُ الآيَةِ عَلَى هَذَا المَعْنَى: وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَى المَلَكَينِ، وَاتَّبَعُوا الَّذِي تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ مِنَ السِّحْرِ، وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ، وَلَا أَنْزَلَ اللهُ السِّحْرَ عَلَى المَلَكَيٍنِ، وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ. فَيَكُونُ حِينَئِذٍ قَولُهُ: ﴿بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ مِنَ المُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقدِيمُ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ تَأْوِيلُ (مَا) الَّتِي فِي قَولِهِ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾: (الذِي) … " وَسَاقَ بِنَحْوِ مَا قَالَهُ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ وَرَجَّحَهُ. وَالأَوَّلُ رَجَّحَهُ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٥٠)، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. وَعَلَى الوَجْهِ الأَوَّلِ (مَا: النَافِيَة): يَكُونُ عِنْدَهُمُ المَلَكَانِ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ هُمَا الَّذَينِ ادَّعَى فِيهِمُ اليَهُودُ النُّزُولَ بِالسِّحْرِ، وَهَارُوتُ وَمَارُوتُ هُمَا الَّذَينِ تَعَلَّمُوا السِّحْرَ مِنَ الشَّيَاطِينِ. قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "لَا شَكَّ أَنَّ الآيَةَ فِيهَا خِلَافٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ، لَكِنِ الَّذِي تَرَجَّحَ لَدَيَّ أَنَا شَخْصِيًّا بِأَنَّ (مَا) فِي قَولِهِ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ لَيسَتْ نَافِيَةً، بَلْ هِيَ مَوصُولَة، أَي: أَنَّ اللهَ ﷿ أَنْزَلَ المَلَكَينِ لِيُعَلِّمُوا النَّاسَ السِّحْرَ، حَيثُ كَانَ السِّحْرُ انْتَشَرَ فِي ذَلِكَ الزَّمانِ؛ وَاخْتَلَطَ أَمْرُهُ بِبَعْضِ المُعْجِزَاتِ الَّتِي كَانَ يَأْتِي بِهَا بَعْضُ الأَنْبِيَاءِ، كَمِثْلِ قِصَّةِ السَّحَرَةِ مَعَ مُوسَى ﵊، حَيثُ أَرَادَ فِرْعَونُ عَلَى يَدِي السَّحَرَةِ أَنْ يُضَلِّلَ الشَّعْبَ عَنْ دَعْوَةِ مُوسَى إِلَى الحَقِّ؛ لِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ إنَّمَا هُوَ السِّحْرُ، ثُمَّ كَمَا نَعْلَمُ أَنَّ اللهَ ﷿ قَضَى عَلَى عَمَلِ السَّحَرَةِ وَأَسْلَمُوا وَآمَنُوا بِاللهِ رَبِّ العَالَمِينَ، فَكَانَ عِلْمُهُم بِالسِّحْرِ سَبَبًا لَهُم لِيُمَيِّزُوا بَينَ مَا كَانَ خَيَالًا وَسِحْرًا وَبَينَ مَا كَانَ حَقِيقَةً، ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشُّعَرَاء: ٤٥] ". أَشْرِطَةُ سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (ش ١٨٩).
[ ١ / ٤٧٠ ]
عَلَى وَجْهِ الإِضْلَالِ] (^١)، وَتَعْلِيمُ المَلَكَينِ امْتِحَانًا مَعَ نُصْحِهِمَا لِئَلَّا يَكُونَ لَهُم حُجَّةٌ (^٢).
فَهَؤُلْاءِ اليَهُودُ يَتَّبِعُونَ السِّحْرَ الَّذِي تُعَلِّمُهُ الشَّيَاطِينُ وَالسِّحْرَ الَّذِي يُعَلِّمُهُ المَلَكَانِ، فَتَرَكُوا عِلْمَ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ وَأَقْبَلُوا عَلَى عِلْمِ الشَّيَاطِينِ، وَكُلٌّ يَصْبُو إِلَى مَا يُنَاسِبُهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ مَفَاسِدَ السِّحْرِ فَقَالَ: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ مَعَ أَنَّ مَحَبَّةَ الزَّوجَينِ لَا تُقَاسُ بِمَحَبَّةِ غَيرِهِمَا؛ لِأَنَّ اللهَ قَالَ فِي حَقِّهِمَا: ﴿وَجَعَلَ بَينَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الرُّوم: ٢١] وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السِّحْرَ لَهُ حَقِيقَةٌ، وَأَنَّهُ يَضُرُّ بِإِذْنِ اللهِ، أَي: بِإِرَادَةِ اللهِ،
وَالإِذْنُ نَوعَانِ: إِذْنٌ قَدَرِيٌّ؛ وَهُوَ المُتَعَلِّقُ بَمَشِيئَةِ اللهِ -كَمَا فِي هَذِهِ الآيَةِ-،
_________________
(١) زِيَادَةٌ مِنِّي -لَيسَتْ فِي الأَصْلِ- كَي يَسْتَقِيمَ الكَلَامُ.
(٢) كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشَّمْس: ٨). قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢٤/ ٤٥٤): "فَبَيَّنَ لَهَا مَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَأْتِيَ أَو تَذَرَ مِنْ خَيرٍ أَو شَرٍّ أَو طَاعَةٍ أَو مَعْصِيَةٍ". قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (١٥/ ٩٩): "كَذَلِكَ قَدْ قِيلَ فِي قَولِهِ: ﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ﴾ [البَلَد: ١٠]: أَي: بَيَّنَا لَهُ طَرِيقَ الخَيرِ وَالشَّرِّ؛ وَهُوَ هُدَى البَيَانِ العَامِّ المُشْتَرَكِ. وَقِيلَ: هَدَينَا المُؤْمِنَ لِطَرِيقِ الخَيرِ وَالكَافِرَ لِطَرِيقِ الشَّرِّ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَدْ جَعَلَ الفُجُورَ هُدَى كَمَا جَعَلَ أُولَئِكَ البَيَانَ إلْهَامًا. وَكَذَلِكَ قَولُهُ ﴿إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإِنْسَان: ٣] قِيلَ: هُوَ الهُدَى المُشْتَرَكُ؛ وَهُوَ أَنَّهُ بَيَّنَ لَهُ الطَّرِيقَ الَّتِي يَجِبُ سُلُوكُهَا وَالطَّرِيقَ الَّتِي لَا يَجِبُ سُلُوكُهَا. وَقِيلَ: بَلْ هَدَى كُلًّا مِنَ الطَّائِفَتَينِ إلَى مَا سَلَكَهُ مِنَ السَّبِيلِ ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ".
[ ١ / ٤٧١ ]
وَإِذْنٌ شَرْعِيٌّ كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٩٧] (^١).
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا؛ أَنَّ الأَسْبَابَ مَهْمَا بَلَغَتْ فِي قُوَّةِ التَّأْثِيرِ؛ فَإِنَّهَا تَابِعَةٌ لِلقَضَاءِ وَالقَدَرِ لَيسَتْ مُسْتَقِلَّةً فِي التَّأْثِيرِ (^٢).
ثُمَّ ذَكرَ أَنَّ عِلْمَ السِّحْرِ مَضَرَّةٌ مَحْضَةٌ، لَيسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَا دِينِيَّةٌ وَلَا دُنْيَوِيَّةٌ كَمَا يُوجَدُ بَعْضُ المَنَافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ فِي بَعْضِ المَعَاصِي، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الخَمْرِ والمَيسِرِ: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البَقَرَة: ٢١٩]، فَهَذَا السِّحْرُ مَضَرَّةٌ مَحْضَةٌ، فَلَيسَ لَهُ دَاعٍ أَصْلًا، فَالمَنْهِيَّاتُ كُلُّهَا إِمَّا مَضَرَّةٌ مَحْضَةٌ أَو شَرُّهَا أَكْبَرُ مِنْ خَيرِهَا، كَمَا أَنَّ المَأْمُورَاتِ إِمَّا مَصْلَحَةٌ مَحْضَةٌ أَو خَيرُهَا أَكْثَرُ مِنْ شَرِّهَا.
﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ أَي اليَهُودُ ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ أَي: رَغِبَ فِي السِّحْرِ رَغْبَةَ المُشْتَرِي فِي السِّلْعَةِ ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أَي: نَصِيبٍ، بَلْ هُوَ مُوجِبٌ لِلعُقُوبَةِ، فَلَمْ يَكُنْ فِعْلُهُم إِيَّاهُ جَهْلًا، وَلَكِنَّهُم اسْتَحَبُّوا الحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ.
﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ عِلْمًا يُثْمِرُ العَمَلَ مَا فَعَلُوهُ" (^٣).
_________________
(١) قُلْتُ: وَهِيَ غَيرُ ظَاهِرَةٍ عِنْدِي فِي كَونِهَا مِنَ الإِذْنِ الشَّرْعِيِّ -الَّذِي قَدْ يَقَعُ وَقَدْ يَتَخَلَّفُ-، وَيُغْنِي عَنْهَا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَينَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشُّورَى: ٢١]. فَالإِذْنُ هُنَا هُوَ الأَمْرُ بِالشَّرْعِ؛ فَمِنَ النَّاسِ مُطِيعٌ وَمِنْهُ عَاصٍّ.
(٢) حَيثُ جُعِلَتْ مُقَيَّدَةً بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.
(٣) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص ٦١).
[ ١ / ٤٧٢ ]
الفائدة الثانية: اعلم أنه قد جاء في التفاسير كثير من الروايات حول هاروت وماروت وما جرى معهما من إنزالهما وافتتانهما بالمرأة وتوبتهما
- الفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي التَّفَاسِيرِ كَثِيرٌ مِنَ الرِّوَايَاتِ حَولَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا جَرَى مَعَهُمَا مِنْ إِنْزَالِهِمَا وَافْتِتَانِهِمَا بِالمَرْأَةِ وَتَوبَتِهِمَا، وَلَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيءٌ مَرْفُوعًا، بَلْ أَقْصَى مَا قَدْ يَصِحُّ مِنْهَا هُوَ مَوقُوفٌ مَنْقُولٌ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَمِمَّا اشْتُهِرَ هُنَا الحَدِيثُ المَوضُوعُ: (لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الزُّهْرَةَ؛ فَإِنَّهَا فَتَنَتِ المَلَكَينِ) (^١).
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: "وَحَاصِلُهَا رَاجِعٌ فِي تَفْصِيلهَا إِلَى أَخْبَار بَنِي إِسْرَائِيل؛ إِذْ لَيسَ فِيهَا حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ صَحِيحٌ مُتَّصِلُ الإِسْنَادِ إِلَى الصَّادِقِ المَصْدُوقِ المَعْصُومِ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، وَظَاهِرُ سِيَاقِ القُرْآنِ إِجْمَالُ القِصَّةِ مِنْ غَيرِ بَسْطٍ وَلَا إِطْنَابٍ فِيهَا، فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِمَا وَرَدَ فِي القُرْآنِ عَلَى مَا أَرَادَهُ اللهُ تَعَالَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحَالِ" (^٢).
وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "قُلْتُ: وَقَدْ زَعَمَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ دَومَةِ الجَنْدَلِ أَنَّهَا رَأَتْهُمَا مُعَلَّقَينِ بِأَرْجُلِهِمَا بِبَابِلٍ (^٣)، وَأَنَّهَا تَعَلَّمَتْ مِنْهُم السِّحْرَ-وَهُمَا فِي هَذِهِ الحَالِةِ- فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ حَكَتْهَا لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ رَوَاهَا ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ، وَلَكِنَّ المَرْأَةَ مَجْهُولَةٌ فَلَا يُوثَقُ بِخَبَرِهَا، وَقَدْ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إِنَّهُ أَثَرٌ غَرِيبٌ وَسِيَاقٌ عَجِيبٌ" (^٤).
_________________
(١) مَوضُوعٌ. ابْنُ السُّنِّيِّ (ص ٦٠٤) عَنْ عَلِيٍّ ﵁. الضَّعِيفَةُ (٩١٣).
(٢) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (١/ ٣٢).
(٣) يَعْنِي: هَارُوتَ وَمَارُوتَ.
(٤) الضَّعِيفَةُ (٩١٣). وَ(دَومَةُ الجَنْدَلِ): اسْمُ مَوضِعٍ فَاصِلٍ بَينَ الشَّامِ وَالعِرَاقِ. عُمْدَةُ القَارِي (٤/ ٩٧).
[ ١ / ٤٧٣ ]
- الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْوَاعُ السِّحْرِ (^١):
قَالَ العَينِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (عُمْدَةُ القَارِي): "وذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الرَّازي أَنْوَاعَ السِّحْرِ ثَمَانِيَةً:
١ - سِحْرُ الكَلْدَانِيِّينَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الكَوَاكِبَ السَّبْعَةَ المُتَحَيِّرَةَ -وَهِيَ السَّيَّارَةُ-، وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا مُدَبِّرَةٌ لِلعَالَمِ، وَأَنَّهَا تَأْتِي بِالخَيرِ وَالشَّرِّ! وَهُمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ الخَلِيلَ مُبْطِلًا لِمَقَالَتِهِم وَرَدًّا لِمَذَاهِبِهِم.
_________________
(١) أَشْهَرُهَا أَرْبَعٌ -تَسْهِيلًا لِلتَّدَبُّرِ وَالتَّمْيِيزِ-: أ- عُقَدٌ وَرُقَى: وَهِيَ قِرَاءَاتٌ وَطَلَاسِمُ يَتَوَصَّلُ بِهَا السَّاحِرُ إِلَى اسْتِخْدَامِ الشَّيَاطِينِ فِيمَا يُرِيدُ بِهِ ضَرَرَ المَسْحُورِ. لَكِنْ قَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢]. ب- خِفَّةُ اليَدِّ: وَهَذِهِ يُحْسِنُونَهَا بِالتَّدَرُّبِ عَلَى المُسَارَعَةِ بِفِعْلِ الأَشْيَاءِ، كَإِخْرَاجِ المُخْبُوءِ مِنْ حَيثُ لَا يُشْعَرُ بِهِ، أَوِ اكْتِسَابِ المَهَارَةِ فِي أَدَاءِ أَعْمَالٍ يَعْسُرُ عَلَى أَغْلَبِ النَّاسِ فِعْلُهَا أَوْ فَهْمُ كَيفِيَّةِ حُصُولِهَا. جـ- سِحْرُ العُيُونِ: وَهَذَا كَثِيرٌ عِنْدَ الدَّجَّاليَنَ، فَهُوَ لَا يُدْخِلُ السَّيفَ -مَثَلًا- فِي جَسَدِهِ، لَكِنَّهُ يَسْحَرُ عُيُونَ المُشَاهِدِينَ وَيُمَرِّرُ السَّيفَ عَلَى جَانِبِهِ، وَيَراهُ النَّاسُ المَسْحُورُونَ مَرَّ فِي وَسَطِهِ، وَبَعْضُهُ يَكُونُ مِنَ القِسْمِ السَّابِقِ. د- اسْتِعْمَالُ المَوَادِّ الكِيمَاوِيَّةِ: وَهَذِهِ يُحْسِنُهَا مَنْ يُجِيدُ تَرْكِيبَ المَوَادِّ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ؛ فَتَنْتُجُ مَادَّةٌ تَمْنَعُ تَأْثِيرَ بَعْضِ المَوَادِّ، مِثْلُ مَا كَانَتْ تَصْنَعُ الطَّائِفَةُ الصُّوفِيَّةٌ الرِّفَاعِيَّةُ مِنْ إِيهَامِ النَّاسِ أَنَّهَا لَا يُؤَثِّرُ بِهِمُ النَّارُ! وَالحَقِيقَةُ أَنَّهُم يَدْهَنُونَ جُلُودَهُم بِبَعْضِ المَوَادِّ الَّتِي تَمْنَعُ تَأْثِيرَ النَّارِ فِيهِم، وَقَدْ تَحَدَّاهُم شَيخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيِمِيَّةَ ﵀ فِي أَنْ يَغْتَسِلُوا بِالمَاءِ السَّاخِنِ وَالخَلِّ قَبْلَ دُخُولِهِمُ النَّارَ؛ فَرَفَضُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَشَفَ حِيلَتَهُم. وَمِنْهَا أَنْ يَأْتِيَ السَّاحِرُ بِحَمَامَةٍ فَيَخْنِقَهَا أَمَامَ المُشَاهِدِينَ ثُمَّ يَضْرِبَهَا بِيَدِهِ فَتَقُومَ وَتَطِيرَ! وَالحَقِيقَةُ: أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ بِنْجٌ! فَأَشَمَّهَا إِيَّاهُ وأَوهَمَهُم أَنَّهُ خَنَقَهَا فَمَاتَتْ! ثُمَّ لَمَّا ضَرَبَهَا أَفَاقَتْ مِنَ البِنْجِ، وَغَيرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِمَّا يَفْعَلُهُ السَّحَرَةُ وَالمُشَعْوِذُونَ.
[ ١ / ٤٧٤ ]
٢ - سِحْرُ أَصْحَابِ الأَوهَامِ وَالنُّفُوسِ القَوِيَّةِ.
٣ - الاسْتِعَانَةُ بِالأَرْوَاحِ الأَرْضِيَّةِ -وَهُمُ الجِنُّ- خِلَافًا لِلفَلَاسِفَةِ وَالمُعْتَزِلَةِ، وَهُم عَلَى قِسْمَينِ: مُؤْمِنُونَ، وَكُفَّارٌ -وَهُمُ الشَّيَاطِينُ-، وَهَذَا النَّوعُ يَحْصُلُ بِأَعْمَالٍ مِنَ الرُّقَى وَالدَّخَنِ، وَهَذَا النَّوعُ المُسَمَّى بِالعَزَائِمِ وَعَمَلِ تَسْخِيرٍ.
٤ - التَّخَيُّلَاتُ وَالأَخْذُ بِالعُيُونِ وَالشَّعْبَذَةُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أَنَّ سِحْرَ السَّحَرَةِ بَينَ يَدِي فِرْعَونَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ بَابِ الشَّعْبَذَةِ (^١).
٥ - الأَعْمَالُ العَجِيبَةُ الَّتِي تَظْهَرُ مِنْ تَرْكِيبِ الآلَاتِ المُرَكَّبَةِ.
٦ - الاسْتِعَانَةُ بِخَوَاصِ الأَدْوِيَةِ؛ يَعْنِي فِي الأَطْعِمَةِ وَالدِّهَانَاتِ.
٧ - تَعَلُّقُ القَلْبِ، وَهُوَ أَنْ يدَّعِي السَّاحِرُ أَنَّهُ عَرَفَ الاسْمَ الأعْظَمَ، وَأَنَّ الجِنَّ يُطِيعُونَهُ وَيَنْقَادُونَ لَهُ فِي أَكْثَرِ الأُمُورِ.
٨ - السَّعيُ بِالنَّميمَةِ بِالتَّصْريفِ مِنْ وُجُوهٍ خَفِيَّةٍ لَطِيفَةٍ، وَذَلِكَ شَائِعٌ فِي النَّاسِ.
وَإنَّمَا أُدْخِلَ كَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الأَنْوَاعِ المَذْكُورَةِ فِي فَنِّ السِّحْرِ لِلَطَافَةِ مَدَارِكِهَا، لِأَنَّ السِّحْرَ فِي اللُّغَةِ: عِبَارَةٌ عَمَّا لَطُفَ وَخَفِيَ سَبَبُهُ، ولِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: «إنَّ مِنَ البيَانِ لَسِحْرًا» (^٢)، وَسُمِّيَ السُّحُورَ لِكَونِهِ يَقَعُ خَفِيًّا آخِرَ اللَّيلِ" (^٣).
_________________
(١) قَالَ فِي تَاجِ العَرُوسِ (٩/ ٤٢٦): "الشَّعْوَذَةُ: السُّرْعَةُ. وَقِيلَ: هِيَ الخِفَّةُ فِي كُلِّ أَمْرٍ". وَقَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢/ ٤٤): "وَالشَّعْوَذِيُّ: البَرِيد؛ لِخِفَّةِ سَيرِهِ". قُلْتُ: وَسَيَأْتِي مَعَنَا رَدُّ قَولِ مَنْ قَالَ إِنَّ سِحْرَ قَومِ فِرْعَونَ كَانَ مِنْ بَابِ الشَّعْبَذَةِ لَا الحَقِيقَةِ! إِنْ شَاءَ اللهُ.
(٢) صَحِيحٌ. البُخَارِيُّ (٥٧٦٧) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.
(٣) عُمْدَةُ القَارِي (١٤/ ٦١)، وَقَدْ اخْتَصَرَهَا ﵀ مِنَ الأَصْلِ، ونَقَلْتُهَا عَنْهُ لِكَونِهَا مُخْتَصَرَةً دَرْءًا لِلإِطَالَةِ.
[ ١ / ٤٧٥ ]
- الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: حُكْمُ السِّحْرِ؛ أَنَّهُ كُفْرٌ (تَعَلُّمُه، وَالعَمَلُ بِهِ):
١ - مِنْ جِهَةِ التَّعَلُّمِ (^١): قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢].
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (^٢): "وَقَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ تَعَلَّمَ السِّحْرَ، وَيُسْتَشْهَدُ لَهُ بِالحَدِيثِ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَو سَاحِرًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ». وَهُوَ صَحِيحٌ مَوقُوفٌ" (^٣).
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ: "وَكَذَا قَولُهُ فِي الآيَةِ عَلَى لِسَانِ المَلَكَينِ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر﴾ فَإِنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ تَعَلُّمَ السِّحْرِ كُفْرٌ؛ فَيَكُونُ العَمَلُ بِهِ كُفْرًا" (^٤).
٢ - مِنْ جِهَةِ العَمَلِ: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فَالسِّحْرُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالكُفْرِ بِاللهِ تَعَالَى، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
_________________
(١) أَي: تَعَلُّمُهُ لَيَعْمَلَ بِهِ، وَلَيسَ لِلاطِّلَاعِ عَلَيهِ! وَهَذَا لَا يَعْنِي طَبْعًا أَنَّ الأَخِيرَ جَائِزٌ، وَلَكِنَّهُ أَدْنَى مَنْزِلَةً مِنَ الأَوَّلِ.
(٢) (١/ ٣٦٣)
(٣) صَحِيحٌ. البزَّارُ (٥/ ٢٥٦) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوقُوفًا، صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٣٠٤٨). قُلْتُ: وَلَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ كَمَا قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٢١٧): "إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأَي".
(٤) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٢٢٥). وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (١٤/ ١٧٦): "وَأَمَّا تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ فَحَرَامٌ؛ فَإِنْ تَضَمَّنَ مَا يَقْتَضِي الكُفرَ كَفَرَ وَإِلَّا فَلَا". قُلْتُ: وَقَولُهُ ﵀ جَارٍ عَلَى قَولِ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي حُكْمِ السَّاحِرِ أَنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا مِنْ جِهَةِ الكُفْرِ. وَسَيَأْتِي البَحْثُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللهُ.
[ ١ / ٤٧٦ ]
- الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: السِّحْرُ لَا يَضُرُّ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.
إِنَّ تَعْلِيقَ أَثَرِ السِّحْرِ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى يُفِيدُ كَمَالَ التَّوَكُّلِ عَلِيهِ سُبْحَانَهُ، لِذَلِكَ فَالاسْتِعَاذَةُ بِاللهِ تَعَالَى وَالرُّقَى الشَّرْعِيَّةُ هِيَ سَبِيلُ التَّحَصُّنِ مِنَ الشَّيطَانِ وَأثَرِ السِّحْرِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا ﵊ أَنْ يَأْمُرَ قَومَهُ بِخَمْسٍ، مِنْهَا: «وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللهَ؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ العَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللهِ» (^١).
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀: "أَنْفَعُ مَا يُسْتَعْمَلُ لِإِذْهَابِ السِّحْرِ؛ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ فِي إِذْهَابِ ذَلِكَ؛ وَهُمَا المُعَوِّذَتَانِ، وَفِي الحَدِيثِ: «لَمْ يَتَعَوَّذِ المُتَعَوِّذُ بِمِثْلِهِمَا» (^٢)، وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ الكُرْسِيِّ فَإِنَّهَا مَطْرِدَةٌ لِلشَّيطَانِ" (^٣).
_________________
(١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٨٦٣) عَنِ الحَارِثِ الأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٦٠٤).
(٢) صَحِيحٌ. النَّسائِيُّ (٥٤٣١) عَنْ عَقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الجُهنيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ النَّسَائِيِّ (٥٤٣١).
(٣) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (١/ ٣٧٢).
[ ١ / ٤٧٧ ]
- الفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: ذِكْرُ شَيءٍ مِنْ أَعْرَاضِ السِّحْرِ وَالمَسِّ، وَعِلَاجُ ذَلِكَ (^١):
ذَكَرَ أَهْلُ الخِبْرَةِ بِالرُّقَى أَعْرَاضًا لِلمَسِّ وَالسِّحْرِ.
فَمِنْ عَلَامَاتِ المَسِّ مَا يَلِي:
١ - الإِعْرَاضُ وَالنُّفورُ الشَّدِيدُ مِنْ سَمَاعِ الأَذَانِ أَوِ القُرْآنِ.
٢ - الإغْمَاءُ أَوِ التَّشَنُّجُ أَوِ الصَّرَعُ وَالسُّقُوطُ حَالَ القِرَاءَةِ عَلَيهِ.
٣ - كَثْرَةُ الرُّؤَى المُفْزِعَةِ.
٤ - الوِحْدَةُ وَالعُزْلَةُ وَالتَّصَرُّفَاتُ الغَرِيبَةِ.
٥ - قَدْ يَنْطِقُ الشَّيطَانُ الَّذِي تَلَبَّسَ بِهِ عِنْدَ القِرَاءَةِ.
٦ - التَّخَبُّطُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البَقَرَة: ٢٧٥].
وَأَمَّا السِّحْرُ فَمِنْ أَعْرَاضِهِ:
١ - كُرْهُ المَسْحُورِ لِزَوجَتِهِ أَوِ المَسْحُورَةِ لِزَوجِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢].
٢ - اخْتِلَافُ حَالَتِهِ خَارِجَ البَيتِ عَنْ حَالَتِهِ دَاخِلَهُ اخْتِلَافًا كُلِّيًّا، فَيَشْتَاقُ إِلَى أَهْلِهِ وَبَيتِهِ فِي الخَارِجِ؛ فَإِذَا دَخَلَ كَرِهَهُم أَشَدَّ الكُرْهِ!
٣ - عَدَمُ القُدْرَةِ عَلَى وِقَاعِ الزَّوجَةِ.
٤ - تَوَالِي إِسْقَاطِ المَرْأَةِ الحَامِلِ بِاسْتِمْرَارٍ.
_________________
(١) مُسْتَفَادٌ مِنْ مَوقِعِ (الإِسْلَامُ سُؤَالٌ وَجَوَابٌ) عَلَى الشَّبَكَةِ العَنْكَبُوتِيَّةِ، فَتْوَى رَقَم (٢٤٠).
[ ١ / ٤٧٨ ]
٥ - التَّغَيُّرُ المُفَاجِئُ فِي التَّصَرُّفَاتِ دُونَ أَيِّ سَبَبٍ وَاضِحٍ.
٦ - عَدَمُ اشْتِهَاءِ الطَّعَامِ بِالكُلِّيَّةِ.
٧ - أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيءَ وَهُوَ لَمْ يَفْعَلْهُ.
٨ - الطَّاعَةُ العَمْيَاءُ وَالمَحَبَّةُ المُفَاجِئَةُ وَالمُفْرِطَةُ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ.
هَذَا وَيَجِبُ الانْتِبَاهُ إِلَى أَنَّ الأَعْرَاضَ المَذْكُورَةَ آنِفًا لَا يُشْتَرَطُ -عِنْدَ تَوَفِّرِ بَعْضِهَا- أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ مُصَابًا بِالسِّحْرِ أَوِ المَسِّ! فَقَدْ يَكُونُ بَعْضُهَا لِأَسْبَابٍ عُضْوِيَّةٍ أَو نَفْسِيَّةٍ أُخْرَى.
أما عِلَاجُ السِّحْرِ وَالمَسِّ، فَيَكُونُ بِـ:
١ - التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، وَصِدْقِ اللُّجُوءِ إِلَيهِ.
٢ - الرُّقَى وَالتَّعْوِيذَاتِ الشَّرْعيَّةِ.
وَأَهَمُّهَا المُعَوِّذَتَانِ، وَهُمَا اللَّتَانِ شَفَى اللهُ بِهَا النَّبِيَّ ﷺ، وَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا قَطُّ، يُضَافُ إِلَيهِمَا قِرَاءَةُ سُورَةِ الإِخْلَاصِ، وَسُورَةِ الفَاتِحَةِ؛ فَإِنَّهَا رُقْيَةٌ نَاجِحَةٌ كَمَا ثَبَتَ.
٣ - اسْتِخْرَاجِ السِّحْرِ -إنْ أَمْكَنَ- وَإتْلَافُهُ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا سَحَرَهُ لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ اليَهُودِيُّ.
٤ - اسْتِعْمَالِ الأَدْوِيَةِ المُبَاحَةِ كَأَكْلِ سَبْعِ تَمَرَاتٍ مِنْ تَمْرِ العَاليَةِ (البَرْنِيِّ؛ مِنْ تُمُورِ المَدِينةِ النَّبَوِيَّةِ) عَلَى الرِّيقِ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ يَأْكُلُ مِنْ أَيِّ تَمْرٍ وَجَدَهُ؛ يَكُونُ نَافِعًا بِإِذْنِ اللهِ (^١).
_________________
(١) فِي الحَدِيثِ: «مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً؛ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ اليَومَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ». البُخَارِيُّ (٥٧٦٩) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَرْفُوعًا.
[ ١ / ٤٧٩ ]
٥ - الحِجَامَةِ.
٦ - الدُّعَاءِ.
- الفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: وَسَائِلُ الاعْتِصَامِ مِن شَرِّ الشَّيطَانِ (^١):
١ - الاسْتِعَاذَةُ بِاللهِ مِن الشَّيطَانِ.
٢ - قِراءَةُ المُعَوِّذَتَينِ (^٢).
٣ - قِرَاءَةُ آيَةِ الكُرْسِيِّ.
٤ - قِرَاءَةُ سُورَةِ البَقَرَةِ.
٥ - قِرَاءَةُ خَاتِمَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ؛ فَفِي الحَدِيثِ: «مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَينِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيلَةٍ كَفَتَاهُ» (^٣).
٦ - قِرَاءَةُ "لَا إِلَه َإِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ" مِئَةَ مَرَّةٍ؛ فَقَد جَاءَ فِي وَصْفِهَا: «وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ» (^٤).
٧ - كَثْرَةُ ذِكْرِ اللهِ؛ فَفِي الحَدِيثِ -فِي وَصِيَّةِ يَحيَى ﵇: «وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا
_________________
(١) بِاخْتِصَارٍ مِن بَدَائِعِ الفَوَائِدِ لِابْنِ القَيِّمِ ﵀ (٢/ ٢٦٧).
(٢) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَابِسٍ الْجُهَنِيَّ ﵁؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «يَا ابْنَ عَابِسٍ؛ أَلَا أَدُلُّكَ -أَوْ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ- بِأَفْضَلِ مَا يَتَعَوَّذُ بِهِ الْمُتَعَوِّذُونَ؟» قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ هَاتَينِ السُّورَتَينِ». صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ (٥٤٣٢). صَحِيحُ الجَامِعِ (٧٨٣٩).
(٣) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٥٠٠٩) مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا.
(٤) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٣٢٩٣) مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا.
[ ١ / ٤٨٠ ]
اللهَ؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا، حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ العَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللهِ» (^١).
٨ - إِمْسَاكُ فُضُولِ النَّظَرِ وَالكَلَامِ وَالطَّعَامِ وَمُخَالَطَةِ النَّاسِ؛ فَإِنَّ الشَّيطَانَ إِنَّمَا يَتَسَلَّطُ عَلَى ابْنِ آدَمَ وَيَنَالُ مِنْهُ غَرَضَهُ مِن هَذِهِ الأَبْوَابِ الأَرْبَعَةِ.
_________________
(١) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢٨٦٣) عَنِ الحَارِثِ الأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٦٠٤).
[ ١ / ٤٨١ ]
- الفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: وَسَائِلُ دَفْعِ شَرِّ الحَاسِدِ (^١):
١ - التَّعَوُّذُ بِاللهِ تَعَالَى مِن شَرِّهِ، وَاللُّجُوءُ وَالتَّحَصُّنُ بِهِ، وَاللُّجُوءُ إِلَيهِ.
٢ - تَقْوَى اللهِ وَحِفْظُهُ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ تَوَلَّى اللهُ حِفْظَهُ وَلَمْ يَكِلْهُ إِلَى غَيرِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيدُهُمْ شَيئًا﴾ [آل عِمْرَان: ١٢٠]، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ: «احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدُهُ تُجَاهَكَ» (^٢).
٣ - الصَّبْرُ عَلَى عَدُوِّهِ، وَأَنْ لَا يُقَاتِلَهُ وَلَا يَشْكُوهُ وَلَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِأَذَاهُ أَصْلًا؛ فَمَا نُصِرَ عَلَى حَاسِدِهِ وَعَدُوِّهِ بِمِثْلِ الصَّبْرِ عَلَيهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ.
٤ - التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطَّلَاقُ: ٣].
٥ - فَرَاغُ القَلْبِ مِنَ الاشْتِغَالِ بِهِ وَالفِكْرِ فِيهِ، وَأَنْ يَقْصِدَ أَنْ يَمْحُوهُ مِن بَالِهِ كُلَّمَا خَطَرَ لَهُ فَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيهِ وَلَا يَخَافُهُ وَلَا يَمْلَأُ قَلْبَهُ بِالفِكْرِ فِيهِ.
٦ - الإِقْبَالُ عَلَى اللهِ، وَالإِخْلَاصُ لَهُ، قَالَ تَعَالَى -حِكَايَةً عَن عَدُوِّهِ إِبْلِيسَ- أَنَّهُ قَالَ: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣].
٧ - تَجْرِيدُ التَّوبَةِ إِلَى اللهِ مِن الذُّنُوبِ الَّتِي سَلَّطَتْ عَلَيهِ أَعْدَاءَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ﴾ [الشُّورَى: ٣٠].
٨ - الصَّدَقَةُ وَالإِحْسَانُ مَا أَمْكَنَهُ.
_________________
(١) بِاخْتِصَارٍ مِن بَدَائِعِ الفَوَائِدِ لِابْنِ القَيِّمِ ﵀ (٢/ ٢٣٨).
(٢) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (٢٨٠٣)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢٥١٦). صَحِيحُ التِّرْمِذِيِّ (٢٥١٦).
[ ١ / ٤٨٢ ]
٩ - إِطْفَاءُ نَارِ الحَاسِدِ وَالبَاغِي وَالمُؤْذِي بِالإِحْسَانِ إِلَيهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فُصِّلَت: ٣٤].
١٠ - تَجْرِيدُ التَّوحِيدِ، وَالتَّرَحُّلُ بِالفِكْرِ فِي الأَسْبَابِ إِلَى المُسَبِّبِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، وَالعِلْمُ بِأَنَّ هَذِهِ آلَاتٌ بِمَنْزِلَةِ حَرَكَاتِ الرِّيَاحِ وَهِيَ بِيَدِ مُحَرِّكِهَا وَفَاطِرِهَا وَبَارِئِهَا، وَلَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
[ ١ / ٤٨٣ ]
- الفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: السِّحْرُ لَا يُغَيِّرُ الأَعْيَانَ.
مِمَّا تَجْدُرُ الإِشَارَةُ إِلَيهِ أَنَّ "السِّحْرَ لَهُ تَأثِيرٌ فِي التَّقْلِيبِ مِنَ الصِّحَّةِ إِلَى المَرَضِ، وَبِالعَكْسِ. أَمَّا فِي قَلْبِ المَاهِيَّةِ؛ فَلَا، وَمَا يُتَرَاءَى فِيهِ مِنْ قَلْبِ المَاهِيَّةِ لَا يَكُونُ فِيهِ إِلَّا التَّخْيِيلُ الصِّرْفُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، فَلَمْ تَنْقَلِبِ الحِبَالُ إِلَى حَيَّاتٍ! وَلَكِنْ خُيِّلَ إِلَيهِ أَنَّهَا انْقَلَبَتْ" (^١).
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأَنْعَام: ٧]، وَوَجْهُ الدِّلَالَةِ: أَنَّهُ "عَلَّقَهُ بِاللَّمْسِ بِاليَدِ إِبْعَادًا لَهُ عَنِ السِّحْرِ، لِأَنَّ السِّحْرَ يَتَخَيَّلُ فِي المَرْئِيَّاتِ دُونَ المَلْمُوسَاتِ. وَمَعْنَى الآيَةِ أَنَّهُم يَدْفَعُونَ الصَّحِيحَ" (^٢) يَعْنِي: يَرُدُّونَ مَا هُوَ حَقِيقِيٌّ لَيسَ بِوَهْمٍ وَلَا تَخْييلٍ!
_________________
(١) فَيضُ البَارِي عَلَى صَحِيحِ البُخَارِيّ لِلْكَشْمِيري (٤/ ٢٩٣).
(٢) زَادُ المَسِيرِ لِابْنِ الجَوزِيِّ (٢/ ١١).
[ ١ / ٤٨٤ ]
المسائل
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلْ يُقْتَلُ السَّاحِرُ؟
الجَوَابُ: فِيهَا عِدَّةُ أَقْوَالٍ:
١ - يُقْتَلُ مُطْلَقًا رِدَّةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالشِّرْكِ.
٢ - يُقْتَلُ رِدَّةً إِذَا كَانَ بِشِرْكٍ، وَحَدًّا إِذَا قَتَلَ غَيرَهُ بِدُونِ شِرْكٍ، كَاسْتِعْمَالِ المَوَادِّ المُمْرِضَةِ.
٣ - قَولُ شَيخِ الإِسْلَامِ؛ بِأَنَّهُ كَالزِّنْدِيقِ؛ يُتْرَكُ أَمْرُهُ إِلَى الإِمَامِ بِحَسْبِ مَا يَرَاهُ، إِنْ رَأَى المَصْلَحَةَ الشَّرْعِيَّةَ فِي قَتْلِهِ؛ قَتَلَهُ.
وَالأَرْجَحُ أَنَّ مَنْ خَرَجَ بِهِ السِّحْرُ إِلَى الكُفْرِ فَقَتْلُهُ قَتْلُ رِدَّةٍ، ومَنْ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ السِّحْرُ إِلَى الكُفْرِ فَقَتْلُهُ هُوَ مِنْ بَابِ دَفْعِ الصَّائِلِ؛ وَحَيثُ رَأَى الإِمَامُ المَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ.
وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّفْرِيقِ عُمُومُ أَمْرِ عُمَرَ لِلأُمَرَاءِ بِالقَتْلِ (^١)، وَقَولُ جُنْدُبٍ وفِعْلُهُ، وَإِقْرَارُ سَلْمَانَ (^٢)، وَكَذَا فِعْلُ حَفْصَةَ ﵃. وَقَدْ سَبَقَ فِي البَابِ المَاضِي بَيَانُ ذَلِكَ.
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "وَالحَاصِلُ: أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ تُقْتَلَ السَّحَرَةُ -سَوَاءً قُلْنَا بِكُفْرِهِم أَمْ لَمْ نَقُلْ-، لِأَنَّهُم يُمْرِضُونَ وَيَقْتُلُونَ ويُفَرِّقُونَ بَينَ المَرْءِ وَزَوجِهِ، وَكَذَلِكَ بِالعَكْسِ، فَقَدْ يَعْطِفُونَ فَيُؤَلِّفُونَ بَينَ الأَعْدَاءِ، وَيَتَوَصَّلُونَ إِلَى أَغْرَاضِهِم، فَإِنَّ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ١٢٥) -عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ اِتِّبَاعِ سُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنَ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ (رَقَم ٢٨) -: "وَبِكُلِّ حَالٍ، فَمَا جَمَعَ عُمَرُ عَلَيهِ الصَّحَابَةَ؛ فَاجْتَمَعُوا عَلَيهِ فِي عَصْرِهِ؛ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ الحَقُّ، وَلَو خَالَفَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ خَالَفَ".
(٢) قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ مَوضِعُ إِنْكَارِهِ عَلَى جُنْدُبٍ هُوَ الافْتِئَاتُ عَلَى الأَمِيرِ وَمُبَاشَرَةُ الحَدِّ بِيَدِهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
[ ١ / ٤٨٥ ]
بَعْضَهُم قَدْ يَسْحَرُ أَحَدًا لِيَعْطِفَهُ إِلَيهِ وَيَنَالَ مآرِبَهُ مِنْهُ، كَمَا لَو سَحَرَ امْرَأَةً لِيَبْغِي بِهَا! وَلِأَنَّهُم كَانُوا يَسْعَونَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا؛ فَكَانَ وَاجِبًا عَلَى وَلِيِّ الأَمْرِ قَتْلُهُم بِدُونِ اسْتِتَابَةٍ مَادَامَ أَنَّهُ لِدَفْعِ ضَرَرِهِم وَفَظَاعَةِ أَمْرِهِم، فَإِنَّ الحَدَّ لَا يُسْتَتَابُ صَاحِبُهُ؛ مَتَى قُبِضَ عَلَيهِ وَجَبَ أَنْ يُنْفِذَ فِيهِ الحَدَّ، وَالقَولُ بِقَتْلِهِم مُوَافِقٌ لِلقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَنَّهُم يَسْعَونَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا، وَفَسَادُهُم مِنْ أَعْظَمِ الفَسَادِ، فَقَتْلُهُم وَاجِبٌ عَلَى الإِمَامِ، وَلَا يَجُوزُ لِلإمَامِ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ قَتْلِهِم، لِأَنَّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ إِذَا تُرِكُوا وَشَأْنَهُم انْتَشَرَ فَسَادُهُم فِي أَرْضِهِم وَفِي أَرْضِ غَيرِهِم، وَإِذَا قُتِلُوا سَلِمَ النَّاسُ مِنْ شَرِّهِم، وَارْتَدَعَ النَّاسُ عَنْ تَعَاطِي السِّحْرِ" (^١).
_________________
(١) القَولُ المُفِيدُ (١/ ٥٠٩).
[ ١ / ٤٨٦ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: احْتَجَّ بَعْضُهُم عَلَى عَدَمِ قَتْلِ السَّاحِرِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْتُلْ مَنْ سَحَرَهُ! فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ:
قَدْ تَقَدَّمَ عَمَلُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَتْلِ السَّاحِرِ، وَلَكِنَّ سَبَبَ عَدَمِ القَتْلِ هُنَا -أَي مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِمَنْ سَحَرَهُ- هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:
أ- أَنَّ سَاحِرَ أَهْلِ الكِتَابِ مُسْتَثْنًى مِنَ القَتْلِ، لِأَنَّ الأَصْلَ أَنَّهُ كَافِرٌ، وَأَمَّا السَّاحِرُ الَّذِي أَصْلُهُ مُسْلِمٌ؛ فَهُوَ مُرْتَدٌّ مُبَدِّلٌ لِدِينِهِ.
وَفِي الحَدِيثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ الله إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبِ الزَّانِي، وَالنَّفْسِ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكِ لِدِينِهِ المُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^١) (^٢).
ب- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُرِدْ قَتْلَهُ دَرْءًا لِلفِتْنَةِ، كَمَا فِي نَفْسِ الحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، وَفِيهِ: فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللهِ؛ أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ! قَالَ: «لَا، أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللهُ وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا»، فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ (^٣) (^٤).
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٦٨٦٧)، وَمُسْلِمٌ (١٦٧٦).
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (٦/ ٢٧٧) -تَعْلِيقًا عَلَى تَبْوِيبِ البُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: بَابُ هَلْ يُعْفَى عَنِ الذِّمِيِّ إِذَا سَحَرَ-: "قَالَ ابْنُ بَطَّال: لَا يُقْتَلُ سَاحِرُ أَهْلِ العَهْدِ لَكِنْ يُعَاقَبُ، إِلَّا إِنْ قَتَلَ بِسِحْرِهِ فَيُقْتَلُ، أَو أَحْدَثَ حَدَثًا فَيُؤْخَذُ بِهِ، وَهُوَ قَولُ الجُمْهُورِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ أَدْخَلَ بِسِحْرِهِ ضَرَرًا عَلَى مُسْلِمٍ؛ نُقِضَ عَهْدُهُ بِذَلِكَ". وَقَالَ العَينِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ عُمْدَةُ القَارِي (١٤/ ٦٣): "وَأَمَّا سَاحِرُ أَهْلِ الكِتَابِ؛ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا يُقْتَلُ السَّاحِرُ المُسْلِمُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكُ وَأَحْمَدُ: لَا يُقْتَلُ لِقِصَّةِ لَبِيدِ بْنِ أَعْصَمٍ".
(٣) وَهُوَ لَفْظٌ لِمُسْلِمٍ (٢١٨٩).
(٤) اعْلَمْ أَنَّ أَلْفَاظَ هَذَا الحَدِيثِ فِي شَأْنِ اسْتِخْرَاجِ السِّحْرِ وَقَتْلِ السَّاحِرِ مُتَنَوِّعَةٌ مُتَبَايِنَةٌ، وَلَمْ أَجِدْ مَا يَرْوِي =
[ ١ / ٤٨٧ ]
جـ- أَنَّ هَذَا حَقٌّ لِلنَّبيِّ ﷺ؛ وَقَدْ عَفَا عَمَّن سَحَرَهُ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: "وَإنَّمَا لَمْ يَقْتُلِ النَّبِيُّ ﷺ لَبِيدَ بْنَ الأَعْصَمِ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ، وَلِأَنَّهُ خَشِيَ إِذَا قَتَلَهُ أَنْ تَثُورَ بِذَلِكَ فِتْنَةٌ بَينَ المُسْلِمِينَ وَبَينَ حُلَفَائِهِ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ مِنْ نَمَطِ مَا رَاعَاهُ مِنْ تَرْكِ قَتْلِ المُنَافِقِينَ سَوَاءً كَانَ لَبِيدُ يَهُودِيًّا أَو مُنًافِقًا عَلَى مَا مَضَى مِنَ الاخْتِلَافِ فِيهِ" (^١).
_________________
(١) = الغَلِيلَ إِلَّا مَا وَجَّهَهُ ابْنُ الجَوزِيِّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (كَشْفُ المُشْكِلِ مِنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَين) (٤/ ٣٤١)، فَقَالَ ﵀: "وَقَولُهَا: أَفَأَخْرَجْتَهُ؟ وَفِي لَفْظٍ: فَهَلَّا أَحْرَقْتَهُ؟ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الَّذِي سُحِرَ فِيهِ، إِلَّا أَنَّا قَدْ رَوَينَاهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ وَفِيهِ: قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا تَأْخُذُ الخَبِيثَ فَتَقْتُلُهُ؟ فَقَالَ: «أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانيَ اللهُ؛ وَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا»، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِشَارَةَ إِلَى اليَهُودِيِّ السَّاحِرِ! وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا لِلسَّاحِرِ وَذَلِكَ لِلسِّحْرِ". قُلْتُ: وَلَا سِيَّمَا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ اسْتَخْرَجَ السِّحَرَ أَصْلًا وَحَلَّهُ، كَمَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ (١٩٢٦٧)، وَالنَّسائيِّ فِي الكُبْرَى (٣٥٢٩) عَنْ زَيدِ بْنِ أَرْقَمٍ بِلَفْظِ: (فَاسْتَخْرَجَهَا، فَجَاءَ بِهَا فَحَلَّلَهَا). وَأَورَدَهُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ (٢٧٦١) بِلَفْظِ: (فَأَمَرَهُ أَنْ يَحُلَّ العُقَدَ -أَي: لِعَليٍّ-).
(٢) فَتْحُ البَارِي (١٠/ ٢٣٦).
[ ١ / ٤٨٨ ]
المسألة الثالثة: أورد بعضهم شبهة في شأن قاتل النفس المؤمنة؛ فقالوا: إنه خالد في النار -وهو كافر تبعا لذلك-!
- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَورَدَ بَعْضُهُم شُبْهَةً فِي شَأْنِ قَاتِلِ النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ (^١)؛ فَقَالُوا: إِنَّهُ خَالِدٌ فِي النَّارِ -وَهُوَ كَافِرٌ تَبَعًا لِذَلِكَ-! قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٩٣] (^٢)، فَهَلْ يَصِحُّ هَذَا؟
الجَوَابُ: لَا يَصِحُّ، وَذَلِكَ مِنْ أَوجُهٍ (^٣):
أ- أَنَّ المُرَادَ بِالخُلُودِ هُوَ لِمُسْتَحِلِّ ذَلِكَ، وَالمُسْتَحِلُّ كَافِرٌ إِجْمَاعًا، وَتَبَعًا لِذَلِكَ هُوَ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَعْنَى قَولِهِ: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ (أَي: مُسْتَحِلًّا لِقَتْلِهِ) (^٤) (^٥).
_________________
(١) وَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ انْظُرْ شَرْحَ (بَابِ مَا جَاءَ فِي التَّنْجِيمِ) مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَمَا فِيهِ مِنَ الكَلَامِ عَلَى نُصُوصِ الوَعِيدِ، وَفِي ظَاهِرِ هَذِهِ النُّصُوصِ إِشْكَالٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يُفهَمُ مِنْهَا الكُفْرُ المُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ؛ وَأَنَّ صَاحِبَهَا خَالِدٌ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ!
(٢) وَبِمَعْنَاهَا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: «كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إِلَاّ مَنْ مَاتَ مُشْرِكَا أَو قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا» صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٢٧٠). صَحِيحُ الجَامِعِ (٤٥٢٤).
(٣) وَهِيَ أَوجَهُهَا. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(٤) أَورَدَهُ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي التَّفْسِيرِ (٥/ ٣٣٤).
(٥) قُلْتُ: وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (٤٢٧٠) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا فَاعْتَبَطَ بِقَتْلِهِ؛ لَمْ يَقْبَلِ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا». صَحِيحٌ. صَحِيحُ الجَامِعِ (٦٤٥٤). قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (٧/ ٣٤٨): "وفِي الحَدِيثِ: «مَن قَتَلَ مُؤْمِنًا فَاعْتَبَطَ بقتْلِه؛ لَمْ يَقْبَلِ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا»؛ هَكَذَا جَاءَ الحَدِيثُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الحَدِيثِ: قَالَ خَالِدُ بْنُ دَهْقَان -وَهُوَ رَاوِي الحَدِيثِ-: سَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى الغَسَّانِيِّ عَنْ قَولِهِ: «اِعْتبَطَ بِقَتْلِهِ»، قَالَ: الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي الفِتْنَةِ؛ فَيَرَى أَنَّهُ عَلَى هُدَى؛ لَا يَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْهُ. قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ: وَهَذَا التَّفْسِيرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الغِبْطةِ -بِالغَينِ المُعْجَمَةِ- وَهِيَ الفَرَحُ وَالسُّرُورُ وَحُسْنُ الحَالِ، لِأَنَّ القَاتِلَ يَفْرَحُ بِقَتْل خَصْمِهِ، فَإِذَا كَانَ المَقْتُولُ مُؤْمِنًا وَفَرِحَ بِقَتْلِهِ دَخَلَ فِي هَذَا الوَعِيدِ. وَقَالَ الخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ -وَشَرَحَ هَذَا الحَدِيثَ- فَقَالَ: اعْتَبَطَ قَتْلَهُ، أَي: قَتَله ظُلْمًا لَا عَنْ قِصَاصٍ".
[ ١ / ٤٨٩ ]
ب- أَنَّ الجَزاءَ فِي الآيَاتِ لَيسَ المَقْصُودُ وُقُوعَهُ؛ وَإنَّمَا الإِخْبَارُ عَنِ اسْتِحْقَاقِهِ لَهُ، فَهُوَ وَعِيدٌ وَلَيسَ بِوَعْدٍ (^١).
قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ (عَونُ المَعْبُودِ) (^٢): "جُمْهُورُ السَّلَفِ وَجَمِيعُ أَهْلِ السُّنَّةِ حَمَلُوا مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى التَّغْلِيظِ، وَصَحَّحُوا تَوبَةَ القَاتِلِ كَغَيرِهِ، وَقَالُوا مَعْنَى قَولِهِ: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ أَي: إِنْ شَاءَ أَنْ يُجَازِيَهُ تَمَسُّكًا بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ " (^٣).
وَقَالَ أَبُو مِجْلَز: (هِيَ جَزَاؤُهُ؛ فَإِنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْهُ فَعَلَ) (^٤).
ج- أَنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ مَخَصُوصَةٌ بِالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى العَفْوِ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَبِالتَّوبَةِ وَبِأَحَادِيثِ الشَّفَاعَةِ الدَّالَّةِ عَلَى إِخْرَاجِ المُوَحِّدَينَ مِنَ النَّارِ، كَمَا قَالَ
_________________
(١) كَمَا فِي الحَدِيثِ: «مَنْ وَعَدَهُ اللهُ ﷿ عَلَى عَمَلٍ ثَوَابًا؛ فَهُوَ مُنْجِزُهُ لَهُ، وَمَنْ وَعَدَهُ عَلَى عَمَلٍ عِقَابًا؛ فَهُوَ فِيهِ بِالخِيَارِ». صَحِيحٌ. أَبُو يَعْلَى (٣٣١٦) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٢٤٦٣).
(٢) هُوَ مُحَمَّدُ؛ شَمْسُ الحَقِّ؛ العَظِيمُ آبَادِي؛ أَبُو الطَّيِّبِ، (ت ١٣٢٩ هـ).
(٣) عَونُ المَعْبُودِ (١١/ ٢٣٦). وَقَالَ أَيضًا ﵀: "وَمِنَ الحُجَّةِ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الإِسْرَائِيلِيِّ الَّذِي قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا؛ ثُمَّ أَتَى تَمَامَ المِائَةِ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: لَا تَوبَة لَكَ؛ فَقَتَلَهُ فَأَكْمَلَ بِهِ مِائَةَ، ثُمَّ جَاءَ آخَرَ فَقَالَ لَهُ: وَمَنْ يَحُول بَينك وَبَين التَّوبَةِ. الحَدِيث. وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لِمَنْ قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ فَمِثْلُهُ لَهُمْ أَولَى لِمَا خَفَّفَ الله عَنْهُمْ مِنَ الأَثْقَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَهُم".
(٤) حَسَنٌ مَقْطُوعٌ. سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ (٤٢٧٦). صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٤٢٧٦). وَأَبُو مِجْلَزٍ: هُوَ لَاحِقُ بْنُ حُمَيدٍ السَّدُوسِيُّ، تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ، (ت ١١٠ هـ). اُنْظُرْ (تَقْرِيبُ التَّهْذِيبِ) (١/ ٥٨٦).
[ ١ / ٤٩٠ ]
تَعَالَى: ﴿اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٤٨].
وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَينِ؛ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الجنَّةَ! يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى القَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ». مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^١).
وَالشَّاهِدُ مِنَ الحَدِيثِ كَونُهُ نَفَعَهُ عَمَلُهُ الصَّالِحُ؛ فَتَجَاوَزَ اللهُ بِهِ عَنْ ذَلِكَ القَتْلِ.
د- أَنَّ الخُلُودَ هُنَا لَيسَ عَلَى بَابِهِ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ طُولُ البَقَاءِ.
قَالَ الإِمَامُ القُرْطُبِيُّ ﵀: "وَالخُلُودُ: البَقَاءُ، وَمِنْهُ جَنَّةُ الخُلْدِ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِيمَا يَطُولُ، وَمِنْهُ قَولُهُمْ فِي الدُّعَاءِ: خَلَّدَ اللهُ مُلْكَهُ، أَي: طَوَّلَهُ.
قَالَ زُهَيرٌ: أَلَا لَا أَرَى عَلَى الحَوَادِثِ بَاقِيًا … وَلَا خَالِدًا إِلَّا الجِبَالَ الرَّوَاسِيَا" (^٢).
قُلْتُ: وَقَدْ عُلِمَ يَقِينًا زَوَالُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ؛ وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَنْسِفُ الجِبَالَ فَلَا تَبْقَى.
هـ- وَيُمْكِنُ أَيضًا الجَوَابُ بِمِثْلِ مَا قالَه السِّنْدِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ النَّسَائِيِّ: "وَكَأَنَّ المُرَادَ: كُلُّ ذَنْبٍ تُرْجَى مَغْفِرَتُهُ ابْتِدَاءً إِلَّا قَتْلَ المُؤْمِنِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُغْفَرُ بِلَا سَبْقِ عُقُوبَةٍ، وَإلَّا الكُفْرَ؛ فَإِنَّه لَا يُغْفَرُ أَصْلًا" (^٣).
_________________
(١) أَورَدَهُ البُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ (٢٨٢٦) -بَابُ: الكَافِرُ يَقْتُلُ المُسْلِمَ ثُمَّ يُسْلِمُ فَيُسَدِّدُ أَو يُقْتَلُ-، وَمُسْلِمٌ (١٨٩٠).
(٢) تَفْسِيرُ القُرْطُبِيِّ (١/ ٢٤١).
(٣) شَرْحُ النَّسَائِيِّ لِلْسِنْدِيِّ (٧/ ٨١).
[ ١ / ٤٩١ ]
- مُنَاقَشَةٌ أُوْلَى: فِي تَحْقِيقِ مَسْأَلَةِ أَلْفَاظِ الخُلُودِ لِغَيرِ أَصْحَابِ الكُفْرِ الأَكْبَرِ.
قَالَ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ: "الخُلُودُ فِي القُرْآنِ نَوعَانِ: خُلُودٌ أَبَدِيٌّ، وَخُلُودٌ أَمَدِيٌّ.
الخُلُودُ فِي اللُّغَةِ -وَاسْتِعْمَالُ القُرْآنِ عَلَى ذَلِكَ-: أَنَّ الخُلُودَ مَعْنَاهُ المُكْثُ الطَّوِيلُ، إِذَا مَكَثَ طَوِيلًا قِيلَ لَهُ: خَالِدٌ، وَلِذَلِكَ العَرَبُ تُسَمِّي أَولَادَهَا خَالِدًا تَفَاؤُلًا بِطُولِ المُكْثِ؛ بِطُولِ العُمُرِ، سَمَّوهُ خَالِدًا، يَعْنِي أَنَّهُ سَيُعَمِّرُ عُمْرًا طَوِيلًا، وَلَيسَ مَعْنَى الخُلُودِ يَعْنِي أَنَّهُ خُلُودٌ لَيسَ مَعَهُ اِنْقِطَاع!، وَإِنَّمَا هَذَا يُمَيَّزُ بِالأَبَدِيَّةِ، لِهَذَا فِي الآيَاتِ ثَمَّ آيَاتٌ فِيهَا ﴿أَبَدًا﴾ وَثَمَّ آيَاتٌ لَيسَ فِيهَا الأَبَدِيَّةُ، فَلَمَّا جَاءَ فِي القَتْلِ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النِّسَاء: ٩٣] أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الخُلُودَ فِي هَذِهِ الآيَةِ لَيسَ أَبَدِيًّا لِأَنَّ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ بِتَوحِيدِهِ" (^١).
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ -فِي ذِكْرِ إِشْكَالٍ وَجَوَابِهِ-: "فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ آدَمُ ﵇ قَدْ عَلِمَ أَنَّ لَهُ عُمُرًا مُقَدَّرًا وَأَجَلًا يَنْتَهِي إِلَيهِ وَأَنَّهُ لَيسَ مِنَ الخَالِدِينَ؛ فَكَيفَ لَمْ يَعْلَمْ كَذِبَ إِبْلِيسَ فِي قَولِهِ: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ [طه: ١٢٠] وقوله: ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]؟
فَالجَوَابُ مِنْ وَجْهَينِ:
أَحَدِهِمَا: أَنَّ الخُلْدَ لَا يَسْتَلْزِمُ الدَّوَامَ وَالبَقَاءَ؛ بَلْ هُوَ المُكْثُ الطَّوِيلُ -كَمَا سَيَأْتِي-.
_________________
(١) شَرْحُ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، شَرِيط رَقَم (٢٨).
[ ١ / ٤٩٢ ]
الثَّانِي: أَنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا حَلَفَ لَهُ وَغَرَّهُ وَأَطْمَعَهُ فِي الخُلُودِ؛ نَسِيَ مَا قُدِّرَ لَهُ مِنْ عُمُرِهِ" (^١).
قُلْتُ: إلَّا أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٥٧٧٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ؛ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» فَفِيهِ ذِكْرُ الأَبَدِيَّةِ عَلَى الانْتِحَارِ!!
وَلَكِنْ يُجَابُ عَنْهُ -زِيَادَةً عَلَى كَونِ الخُلُودِ هُنَا يُقْصَدُ بِهِ المُكْثُ الطَّوِيلُ- بِأَحَدِ أُمُورٍ:
١ - أَنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ المُسْتَحِلُّ، وَذَلِكَ جَمْعًا بَينَ صَرَاحَةِ هَذَا اللَّفْظِ وَبَينَ النُّصُوصِ الَّتِي تَجْعَلُ عَامَّةَ الذُّنُوبِ الَّتِي دُونَ الشِّرْكِ هِي تَحْتَ المَشِيئَةِ.
وَذَهَبَ إِلَى هَذَا التَّفْصِيلِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، مِنْهُمُ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَغَيرُهُ (^٢)، وَحَكَاهُ الإِمَامُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ وَجْهًا وَاحِدًا فِي الجَوَابِ عَنِ الإِشْكَالِ فِي الحَدِيثِ (^٣).
٢ - أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ غَيرُ مَحْفُوظٍ؛ وَأَنَّ المَحْفُوظَ هُوَ بِدُونِ ذِكْرِ الخُلُودِ وَالتَّأْبِيدِ.
وَذَهَبَ إِلَى هَذَا التِّرْمِذِيُّ ﵀ فِي سُنَنِهِ، وَقَالَ: "وَهَذَا أَصَحُّ، لأَنَّ الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا تَجِيءُ بِأَنَّ أَهْلَ التَّوحِيدِ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُمْ يُخَلَّدُونَ فِيهَا"! (^٤)
_________________
(١) حَادِي الأَرْوَاحِ (١/ ٣٦).
(٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلْنَّوَوِيِّ (٢/ ١٢٥).
(٣) أَشْرِطَةُ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ (شَرِيط رَقَم ٣٠٠).
(٤) سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ (٣/ ٤٥٥)، وَبِمِثْلِهِ أَيضًا ابْنُ الجَوزِيِّ ﵀ فِي كَشْفِ المُشْكِلِ (٣/ ٤٥٣)، وَنَقَلَهُ =
[ ١ / ٤٩٣ ]
٣ - أَنَّ مُرَادَ الحَدِيثِ أَنَّ فِعْلَهُ هَذَا أَبَدِيٌّ مَا دَامَ فِي جَهَنَّمَ؛ لَا أَنَّ قِيَامَهُ فِي جَهَنَّمَ أَبَدِيٌّ! وَهَذَا الوَجْهُ أَولَى الأَوجُهِ عِنْدِي (^١).
وَيَشْهَدُ لِهَذَا الوَجْهِ قَولُهُ تَعَالَى عَنِ الكُفَّارِ فِي عَدَمِ تَمَنِّي المَوتِ: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البَقَرَة: ٩٥] مَعَ قَولِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ﴾ [الزُّخْرُف: ٧٧] (^٢).
- مُنَاقَشَةٌ ثَانِيَةٌ: فِي التَّعْلِيقِ عَلَى جَوَازِ إِخْلَافِ الوَعِيدِ دُونَ الوَعْدِ.
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِينَ ﵀ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٤٢]: "أَنَّ الوَعْدَ يَأْتِي فِي الشَّرِّ وَالعُقُوبَةِ؛ خِلَافًا لِمَن قَالَ: الوَعْدُ فِي الخَيرِ؛ وَالإِيعَادُ فِي الشَّرِّ! وَأَنْشَدُوا عَلَى ذَلِكَ قَولَ الشَّاعِرِ: وَإِنِّي؛ وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوعِدِي (^٣)، فَالصَّوَابُ أَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى هَذَا وَعَلَى هَذَا، فَهُنَا قَالَ: ﴿الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ وَعَلَى قِيَاسِ قَولِ البَيتِ يَكُونُ التَّعْبِيرُ: (الَّذِي أَوْعَدْنَاهُم)! وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا جَائِزَةٌ لِهَذَا وَهَذَا" (^٤).
وَقَدْ عَقَّبَ شَيخُنَا الالبَانِيُّ ﵀ عَلَى ابْنِ القَيِّمِ فِي مَسْأَلَةِ فَنَاءِ النَّارِ فِي أَنَّ اللهَ تَعَالَى "لَمْ يَقُلْ فِي مَوضِعٍ وَاحِدٍ: لَا يُخْلِفُ وَعِيدَهُ"! فَقَالَ شَيخُنَا ﵀: "قَدْ فَاتَهُ -
_________________
(١) = الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٣/ ٢٢٧). وَلَكِنْ قَالَ المُبَارَكْفُورِيُّ ﵀ فِي تُحْفَةِ الأَحْوَذِيِّ (٦/ ١٦٦): "مَقْصُودُ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَهْمٌ؛ فَإِنَّهَا تُخَالِفُ الرِّوَايَاتِ الَّتِي تَجِيءُ بِأَنَّ أَهْلَ التَّوحِيدِ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْهَا، قُلْتُ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ زَادَهَا الْأَعْمَشُ وَهُوَ ثِقَةٌ حَافِظٌ، وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، فَتَأْوِيلُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَولَى مِنْ تَوهِيمِهَا".
(٢) وَهَذَا أَجَابَ بِهِ الكَشْمِيرِيُّ ﵀ فِي فَيضِ البَارِي (٣/ ٧٥)، وَكَذَا فِي العُرْفِ الشَّذِيِّ (٣/ ٣٥٠) لَهُ أَيضًا.
(٣) يُنْظَرُ: (حَادِي الأَرْوَاح) لِابْنِ القَيِّمِ (٢/ ٦٠٨).
(٤) البَيتُ لِعَامِرِ بنِ الطُّفَيلِ. يُنْظَرُ: (لِسَانُ العَرَبِ) (١٤/ ٢٢٣).
(٥) تَفْسِيرُ ابْنِ عُثَيمِينَ لِسُورَةِ الزُّخْرُفِ (ص ١٦٣).
[ ١ / ٤٩٤ ]
عَفَا اللهُ عَنَّا وَعَنْهُ- قَولُهُ تَعَالَى في (ق: ٢٧ - ٢٩) ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيكُمْ بِالوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾! وَلِهَذَا قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيمِيَّةَ ﵀ عَقِبَهُ (^١): (وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ صَادِقٌ فِي وَعِيدِهِ أَيضًا، وَأَنَّ وَعِيدَهُ لَا يُبَدَّلُ، وَهَذَا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ القَائِلُونَ بِأَنَّ فُسَّاقَ المِلَّةِ لَا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ! وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيهِمْ فِي غَيرِ هَذَا المَوْضِع. لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُضْعِفُ جَوَابَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ إخْلَافَ الوَعِيدِ جَائِزٌ! فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إلَيكُمْ بِالوَعِيدِ﴾ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَعِيدَهُ لَا يُبَدَّلُ كَمَا لَا يُبَدَّلُ وَعْدُهُ) " (^٢).
وَعَلَى العُمُومِ؛ فَإِنَّ الأَمْرَ فِي نُصُوصِ الوَعِيدِ هُوَ كَمَا قَالَ أَهْلُ العِلْمِ: "هَذَا مِنْ نُصُوصِ الوَعِيْدِ الَّتِي كَرِهَ السَّلَفُ تَأْوِيْلَهَا، وَقَالُوا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ، وَمَنْ تَأَوَّلَهَا فَهُوَ عَلَى خَطَرٍ مِنَ القَولِ عَلَى اللهِ بِلَا عِلْمٍ.
وَأَحْسَنُ مَا يُقَالُ: إنَّ كُلَّ عَمَلٍ دُونَ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ -المُخْرِجِ عَنْ مِلَّةِ الإِسْلَامِ-؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى مَشِيْئَةِ اللهِ، فَإِنْ عَذَّبَهُ فَقَدِ اسْتَوجَبَ العَذَابَ، وَإِنْ غَفَرَ لَهُ فَبِفَضْلِهِ وَعَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ" (^٣).
_________________
(١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١٤/ ٤٩٨).
(٢) انْظُرْ كِتَابَ (رَفْعُ الأَسْتَارِ لِإِبْطَالِ أَدِلَّةِ القَائِلِينَ بِفَنَاءِ النَّارِ) لِلْصَنْعَانِيِّ (ص ٤٤) بِتَعْلِيقِ شَيخِنَا الالبَانِيِّ ﵀. قُلْتُ: وَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ؛ فَقَدْ تَابَعَ شَيخُ الإِسْلَامِ ذَلِكَ بِقَولِهِ: "لَكِنَّ التَّحْقِيقَ: الجَمْعُ بَينَ نُصُوصِ الوَعْدِ وَالوَعِيدِ، وَتَفْسِيرُ بَعْضِهَا بِبَعْضِ مِنْ غَيرِ تَبْدِيلِ شَيءٍ مِنْهَا؛ كَمَا يُجْمَعُ بَينَ نُصُوصِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ غَيرِ تَبْدِيلِ شَيءٍ مِنْهَا".
(٣) فَتْحُ المَجِيْدِ (ص ٣٢٠).
[ ١ / ٤٩٥ ]
المسألة الرابعة: أورد بعضهم شبهة في شأن قاتل النفس المؤمنة أيضا؛ فقالوا: ليس للقاتل توبة!
- المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: أَورَدَ بَعْضُهُم شُبْهَةً فِي شَأْنِ قَاتِلِ النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ أَيضًا؛ فَقَالُوا: لَيسَ لِلقَاتِلِ تَوبَةٌ! اسْتِدْلَالًا بِقَولِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، فَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ؛ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] قَالَ: (لَا تَوبَةَ لَهُ)؛ وَعَنْ قَولِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفُرْقَان: ٧٠] (^١)، قَالَ: (كَانَتْ هَذِهِ فِي الجَاهِلِيَّةِ) البُخَارِيُّ (^٢)، فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوْجُهٍ:
أ- إِنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَينَ الآيَتِينِ أَصْلًا، لِأَنَّ الأُولَى أَثْبَتَتْ لَهُ الجَزَاءَ، وَالثَّانِيَةَ أَثْبَتَتْ لَهُ قَبُولَ التَّوبَةِ إِنْ تَابَ.
قَالَ المُنَاوِيُّ ﵀: "وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ أَحَدٌ إِلَّا بِأَجَلِهِ، وَأَنَّ القَاتِلَ لَا يَكْفُرُ وَلَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ وَإِنْ مَاتَ مُصِرًّا، وَأَنَّ لَهُ تَوبَةً" (^٣).
ب- أَنَّهُ لَيسَ لَهُ تَوبَةٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ اسْتِدْرَاكَ مَا فَاتَهُ، فَهُوَ لَا يَمْلِكُ إِرْجَاعَ الحَيَاةِ لِلمَيِّتِ كَمَا يَمْلِكُ إِرْجَاعَ الحَقُوقِ المَالِيَّةِ.
_________________
(١) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفُرْقَان: ٦٨ - ٧٠].
(٢) البُخَارِيُّ (٤٧٦٤). وَفِي نَفْسِ البَابِ قَالَ ابْنُ عُبَّاسٍ ﵁: (هَذِهِ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ). وَأَيضًا فِي الحَدِيثِ: «أَبَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ لِقَاتِلِ المُؤمِنِ تَوبَةً». صَحِيحٌ. المَقْدِسِيُّ فِي المُخْتَارَةِ (٦/ ١٦٣) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٦٨٩).
(٣) فَيضُ القَدِيرِ (١/ ٧١).
[ ١ / ٤٩٦ ]
وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ حَدِيثُ النَّسَائِيِّ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَمَّنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ثُمَّ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَّى لَهُ التَّوبَةُ؟ سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ يَقُولُ: «يَجِيءُ مُتَعَلِّقًا بِالقَاتِلِ تَشْخُبُ أَودَاجُهُ دَمًا، فَيَقُولُ: أَي: رَبِّ سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي؟». ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ؛ لَقَدْ أَنْزَلَهَا اللهُ ثُمَّ مَا نَسَخَهَا.
فَهُوَ ظَاهِرٌ أَنَّ عَدَمَ القَبُولِ هُوَ بِاعْتِبَارِ حَقِّ المَقْتُولِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ إِرْجَاعُهُ كَمَا فِي قَولِهِ: (وَأَنَّى لَهُ التَّوبَةُ؟) (^١)، وَلَيسَ أَنَّهُ إِنْ تَابَ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ تَوبَتَهُ.
قَالَ الشَّيخُ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ: "وَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا: أَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ تَتَعَلَّقُ فِيهِ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ: حَقٌّ لِأَولِيَاءِ المَقْتُولِ، وَحَقٌّ للهِ جَلَّ وَعَلَا، وَحَقٌّ لِلمَقْتُولِ نَفْسِهِ.
فَأَمَّا حَقُّ أَولِيَاءِ المَقتولِ؛ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ بِالقِصَاصِ أَو بِدَفْعِ الدِّيَةِ، وَأَمَّا حَقُّ اللهِ جَلَّ وعَلَا فَإِنَّه يَسْقُطُ بِالتَّوبَةِ [كَمَا فِي آيَةِ سُورَةِ الفُرْقَانِ]، وَيَبْقَى حَقُّ المَقْتُولِ لَا بُدَّ مِنْ أَدَائِهِ، وَلَا بُدَّ أَنْ تُؤَدَّى الحُقُوقُ إِلَى أَصْحَابِهَا، لِأَنَّهُ يَأْتِي يَومَ القِيَامَةِ مُمْسِكًا قَاتِلَهُ فَيَقُولُ: «يَا رَبِّ! اسْأَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي؟» فَهَلْ يَضِيعُ حَقُّهُ؟ لَا؛ لَنْ يَضِيعَ حَقُّهُ.
وَهَذَا وَجْهٌ اسْتَدَلَّ بِهِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَا تَوبَةَ لَهُ.
وَيَجُوزُ أَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا يُرْضِي المَقْتُولَ عَنِ القَاتِلِ فِي ذَلِكَ المَوقِفِ إِذَا شَاءَ" (^٢).
قُلْتُ: وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لِلأَخِيرِ بحَدِيثِ: «إِنَّ اللهَ ﷿ غَفَرَ لِأَهْلِ عَرفَات وَأَهْلِ المَشْعَرِ؛ وَضَمِنَ عَنْهُم التَّبِعَاتَ» (^٣).
_________________
(١) صَحِيحٌ. النَّسَائِيُّ (٣٩٩٩). صَحِيحُ النَّسائيِّ (٣٩٩٩).
(٢) مُسْتَفَادٌ مِنْ شَرْحِ الشَّيخِ الغُنَيمَانِ حَفِظَهُ اللهُ عَلَى كِتَابِ (فَتْحُ المَجِيدِ)، شَرِيطُ رَقَم (٧٥)، شَرْحُ البَابِ.
(٣) صَحِيحٌ. أَورَدَهُ الحَافِظُ المُنْذِرِيُّ ﵀ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (١٧٩٦) عَنِ ابْنِ المُبَارَكِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّورِيِّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (١١٥١).
[ ١ / ٤٩٧ ]
ج- وَأَمَّا قَولُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ -عَلَى اعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا تَوبَةَ لَهُ مُطْلَقًا-.
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: "هَذَا هُوَ المَشْهُورُ عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ لَهُ تَوبَةً، وَجَوَازُ المَغْفِرَةِ لَهُ، لِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ مَذْهَبُ جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ.
وَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِمَّا يُخَالِفُ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّحْذِيرِ مِنَ القَتْل؛ وَالتَّورِيَةِ فِي المَنْعِ مِنْهُ (^١)، وَلَيسَ فِي هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا اِبْنُ عَبَّاسٍ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يُخَلَّدُ! وَإِنَّمَا فِيهَا أَنَّهُ جَزَاؤُهُ، وَلَا يَلْزَم مِنْهُ أَنَّهُ يُجَازَى" (^٢).
قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحَةِ -فِي مَعْرِضِ ذِكْرِ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ فِي ذَلِكَ-:
"الأُولَى: مَا رَوَاهُ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ عَنْهُ: أَنَّهُ أَتَاهُ رَجَلٌ؛ فَقَالَ: إنِّي خَطَبْتُ امْرَأَةً فَأَبَتْ أَنْ تَنْكِحَنِي؛ وخَطَبَهَا غَيرِي فَأَحَبَّتْ أَنْ تَنْكِحَهُ، فَغِرْتُ عَلَيهَا فَقَتَلْتُهَا! فَهَلْ لِي مِنْ تَوبَةٍ؟ قَالَ: (أُمُّكَ حَيَّةٌ؟) قَالَ: لَا. قَالَ: (تُبْ إِلَى اللهِ ﷿، وَتَقَرَّبْ إِلَيهِ مَا اسْتَطَعْتَ). فَذَهَبْتُ فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: لِمَ سَأَلْتَهُ عَنْ حَيَاةِ أُمِّهِ؟ فَقَالَ: (إنِّي لَا أَعْلَمُ عَمَلًا أَقْرَبَ إِلَى اللهِ ﷿ مِنْ بِرِّ الوَالِدَةِ). أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ
_________________
(١) "وَقَدْ كَانَ ابْنُ شِهَابٍ إِذَا سُئِلَ: هَلْ لِلْقَاتِلِ تَوبَةٌ؟ يَتَعَرَّفُ مِنَ السَّائِلِ: هَلْ قَتَلَ أَمْ لَا؟ وَيُطَاوِلُهُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ؛ قَالَ لَهُ: لَا تَوبَةَ لَهُ، وَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ مِن أَنَّهُ قَدْ قَتَلَ: قَالَ: لَهُ تَوْبَةٌ. وَإِنَّ هَذَا لَحَسَنٌ مِن الفَتْوَى". البَيَانُ وَالتَّحْصِيلُ لِابْنِ رُشْدٍ (١٥/ ٤٨١).
(٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٨/ ١٥٩).
[ ١ / ٤٩٨ ]
صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَينِ.
الثَّانِيَةُ: مَا رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَولِهِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ قَالَ: (لَيسَ لِقَاتِلٍ تَوبَةٌ؛ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْفِرِ اللهَ). أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، وَلَعَلَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُغْفَرُ لَهُ -عَلَى قَولِهِ الأَوَّلِ- ثُمَّ اسْتَدْرَكَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: (إِلَّا أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللهَ). وَاللهُ أَعْلَمُ" (^١).
_________________
(١) التَّعْلِيقُ عَلَى حَدِيثِ الصَّحِيحَةِ (٢٧٩٩).
[ ١ / ٤٩٩ ]
المسألة الخامسة: استدل بعضهم على جواز تعلم السحر بقول الرازي
- المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: اسْتَدَلَّ بَعْضُهُم عَلَى جَوَازِ تَعَلُّمِ السِّحْرِ بِقَولِ الرَّازِي (^١) ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (^٢): "إِنَّ العِلْمَ بِالسِّحْرِ لَيسَ بِقَبِيحٍ وَلَا مَحْظُورٍ! اتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ العِلْمَ لِذَاتِهِ شَرِيفٌ، وَأَيضًا لِعُمُومِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّمَر: ٩]، وَلِأَنَّ السِّحْرَ لَو لَمْ يَكُنْ يُعلَمُ لَمَا أَمْكَنَ الفَرْقُ بَينَهُ وَبَينَ المُعْجِزَةِ، وَالعِلْمُ بِكَونِ المُعْجِزِ مُعْجِزًا وَاجِبٌ"! فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ (^٣):
١ - قَولُهُ: العِلْمُ بِالسِّحْرِ لَيسَ بِقَبِيحٍ! إِنْ كَانَ عَقْلًا؛ فَجُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى المَنْعِ.
٢ - قَولُهُ: وَلَا مَحْظُورَ فِيهِ! فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَولُهُ ﵊: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيءٍ؛ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيلَةً» (^٤).
٣ - قَولُهُ: اتَّفَقَ المُحَقِّقُونَ عَلَى ذَلِكَ! لَيسَ بِصَوَابٍ، فَأَينَ كَلَامُ الأَئِمَّةِ العُلَمَاءِ
_________________
(١) هُوَ أَبُو عَبْدِ اللهِ؛ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ؛ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ المُسَمَّى (مَفَاتِيحُ الغَيبِ)، (ت ٦٠٦ هـ). قَالَ الحَافِظُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي المِيزَانِ (٣/ ٣٤٠): "وَلَهُ كِتَابُ (السِّرُّ المُكْتُومُ) فِي مُخَاطَبَةِ النُّجُومِ؛ سِحْرٌ صَرِيحٌ! فَلَعَلَّهُ تَابَ مِنْ تَأْلِيفِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى". وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١/ ٣٦٧): "وَيُقَالُ: إِنَّهُ تَابَ مِنْهُ، وَقِيلَ: بَلْ صَنَّفَهُ عَلَى وَجْهِ إِظْهَارِ الفَضِيلَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الِاعْتِقَادِ، وَهَذَا هُوَ المَظْنُونُ بِهِ، إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ طَرِيقَهُمْ فِي مُخَاطَبَةِ كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ وَكَيفِيَّةِ مَا يَفْعَلُونَ وَمَا يَلْبَسُونَهُ وَمَا يَتَمَسَّكُونَ بِهِ".
(٢) تَفْسِيرُ الرَّازِي (٣/ ٦٢٦) وَبِحَذْفٍ يَسِيرٍ مِنْ قِبَلِ الحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ (١/ ٣٦٦).
(٣) مُعْظَمُ مَادَّةِ هَذَا الجَوَابِ هُوَ مِنْ رَدِّ الحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ عَلَيهِ فِي التَّفْسِيرِ (١/ ٣٦٦) رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى.
(٤) مُسْلِمٌ (٢٢٣٠) عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ. وَفِي الأَثَرِ أَيضًا: (مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَو سَاحِرًا؛ فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ). صَحِيحٌ. البزَّارُ (٥/ ٢٥٦) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوقُوفًا. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (٣٠٤٨).
[ ١ / ٥٠٠ ]
أَو أَكْثَرِهِم عَلَى تَحْسِينِ تَعَلُّمِ السِّحْرِ (^١)؟!
٤ - قَولُهُ: لِعُمُومِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾! فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الآيَةَ إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَى مَدْحِ العَالِمِينَ العِلْمَ الشَّرْعِيَّ (^٢).
٥ - قَولُهُ: إِنَّهُ لَا يَحْصُلُ العِلْمُ بِالمُعْجِزِ إِلَّا بِالعِلْمِ بِالسِّحْرِ! هُوَ قَولٌ فَاسِدٌ، لِأَنَّ أَعْظَمَ مُعْجِزَاتِ رَسُولِنَا ﷺ هُوَ القُرْآنُ العَظِيمُ؛ وَالعِلْمُ بِأَنَّهُ مُعْجِزٌ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِ السِّحْرِ أَصْلًا!
ثُمَّ مِنَ المَعْلومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةَ المُسْلِمِينَ وَعامَّتَهُم كَانُوا يَعْلَمُونَ المُعْجِزَ وَيُفَرِّقُونَ بَينَهُ وَبَينَ غَيرِهِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ السِّحْرَ وَلَا تَعَلَّمُوهُ وَلَا عَلَّمُوهُ! وَاللهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) وَقَدْ سَبَقَ النَّقْلُ عَنِ النَّوَوِيِّ وَالحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ رَحِمَهُمَا اللهُ فِي تَحْرِيمِ تَعَلُّمِهِ.
(٢) وَإِلَّا فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى ذَمَّ الكُفَّارَ عَلَى مُجَرَّدِ عِلْمِهِم العِلْمَ الدُّنْيَوِيَّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الرُّوم: ٧].
[ ١ / ٥٠١ ]
- المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: أنْكَرَ بَعْضُهُم تَلَبُّسَ الجِنِّيِّ بِالإِنْسِيِّ، وَقَالُوا: لَا يَصِحُّ لِأَنَّ طَبِيعَتَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ، فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ:
قَدْ دَلَّتِ الشَّرِيعَةُ عَلَى وُقُوعِ هَذَا التَّلَبُّسِ فِي عِدَّةِ نُصُوصٍ مِنْهَا (^١):
١ - قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البَقَرَة: ٢٧٥].
قَالَ القُرْطُبِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (^٢): "فِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ إنْكَارِ مَنْ أَنْكَرَ الصَّرَعَ مِنْ جِهَةِ الجِنِّ، وَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الطَّبَائِعِ (^٣)، وَأَنَّ الشَّيطَانَ لَا يَسْلُكُ فِي الإِنْسَانِ وَلَا يَكُونُ مِنْهُ مَسُّ" (^٤).
_________________
(١) وَهِيَ عَلَى سَبِيلِ تَنْوِيعِ أَوجُهِ الدِّلَالَةِ لَا الجَمْعِ وَالاسْتِقْصَاءِ.
(٢) (٣/ ٣٣٥).
(٣) كَجُمْلَةِ الأَمْرَاضِ العَصَبِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ.
(٤) قُلْتُ: وَانْظُرْ وَتَعَجَّبْ مِنْ كَلَامِ الزَّمَخْشَرِيِّ -صَاحِبِ الكَشَّافِ- ﵀ وغَفَرَ لَهُ فِي تَفْسِيرِهِ (١/ ٣٢٠) حَيثُ قَالَ: " ﴿لَا يَقُومُونَ﴾ إِذَا بُعِثُوا مِنْ قُبُورِهِم ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ﴾ أَي المَصْرُوعُ. وَتَخَبُّطُ الشَّيطَانِ مِنْ زَعَمَاتِ العَرَبِ، يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّيطَانَ يَخْبِطُ الإِنْسَانَ فَيُصْرَعُ. وَالخَبْطَ: الضَّرْبُ عَلَى غَيرِ اسْتِوَاءٍ كَخَبْطِ العَشْوَاءِ، فَوَرَدَ عَلَى مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ. وَالمَسُّ: الجُنُونُ، وَرَجُلٌ مَمْسُوسٌ، وَهَذَا أَيضًا مِنْ زَعَمَاتِهِم؛ وَأَنَّ الجنِّيَّ يَمَسُّهُ فَيَخْتَلِطُ عَقْلُهُ، وَكَذَلِكَ جُنَّ الرَّجُلُ: مَعْنَاهُ ضَرَبَتْهُ الجِنُّ. وَرَأَيتُهُم لَهُم فِي الجِنِّ قِصَصٌ وَأَخْبَارٌ وَعَجَائِبُ، وَإِنْكَارُ ذَلِكَ عِنْدَهُم كَإِنْكَارِ المُشَاهَدَاتِ". قُلْتُ: العَجِيبُ مِنْهُ كَيفَ أَنَّهُ يَصِفُ ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ زَعَمَاتِ العَرَبِ؛ رُغْمَ أَنَّ اللهَ ﵎ شَبَّهَ قِيَامَ آكِلِ الرِّبَا بِقِيَامِ مَنْ بهِ مَسٌّ مِنَ الشَّيطَانِ، فَهَلْ يُشَبِّهُ رَبُّنَا تَعَالَى شَيئًا -وَاقِعًا حَتْمًا- بِشَيءٍ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، بَلْ وَيُؤَكِّدُهُ بِالاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ النَّفْي. وَلِلْعِلْمِ أَيضًا؛ فَهَذَا الاعْتِقَادُ بِالمَسِّ لَيسَ مِنْ فَرَائِدِ العَرَبِ! بَلْ عَامَّةُ الأُمَمِ تَعْتَقِدُ بِهِ، وَلَمْ يُنْكِرُهُ سِوَى العَقْلَانِيُّونَ -زَعَمُوا- وَمَنْ سَارَ سَيرَهُم.
[ ١ / ٥٠٢ ]
وَفِي الحَدِيثِ: «مَنْ أَكَلَ الرِّبَا بُعِثَ يَومَ القِيَامَةِ مَجْنُونًا يَتَخَبَّطَ. ثُمَّ قَرَأَ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾» (^١).
وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا فِي الدِّلَالَةِ حَدِيثُ سُلَيمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ -وَرَجُلَانِ يَسْتَبَّانِ-، فَأَحَدُهُمَا احْمَرَّ وَجْهُهُ وَانْتَفَخَتْ أَودَاجُهُ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَو قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَو قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ». فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ». فَقَالَ: وَهَلْ بِي جُنُونٌ!! (^٢)
قُلْتُ: وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الشَّيطَانَ لَهُ أَثَرٌ فِي جُنُونِ النَّاسِ.
٢ - عَنْ عُثْمَان بْنِ أَبِي العَاصِ؛ أَنَّهُ شَكَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَفَلُّتَ القُرْآنِ مِنْ صَدْرِهِ، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي وَقَالَ: «يَا شَيطَانُ! أُخْرُجْ مِنْ صَدْرِ عُثْمَان»، فَمَا نَسِيتُ شَيئًا أُرِيدُ حِفْظَهُ (^٣).
وَقَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ مُعَلِّقًا عَلَيهِ فِي الصَّحِيحَةِ: "وَفِي الحَدِيثِ دِلَالَةٌ صَرِيحَةٌ عَلَى أَنَّ الشَّيطَانَ قَدْ يَتَلَبَّسُ الإِنْسَانَ وَيَدْخُلُ فِيهِ -وَلَو كَانَ مُؤْمِنًا صَالِحًا- وَفِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرْةٌ، … وَمِثْلُهُ عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّة؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنِي هَذَا بِهِ لَمَمٌ (جُنُونٌ) مُنْذُ سَبْعِ سِنِينَ؛ يَأْخُذُهُ كُلَّ يَومٍ مَرَّتَينِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
_________________
(١) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ (١٨/ ٦٠) عَنْ عَوفِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (١٨٦٢).
(٢) البُخَارِيُّ (٦٠٤٨).
(٣) صَحِيحٌ. الطَّبَرَانِيُّ (٩/ ٤٧)، وَالبَيهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبوَّةِ (٥/ ٣٠٧). الصَّحِيحَةُ (٢٩١٨).
[ ١ / ٥٠٣ ]
ﷺ: «أَدْنِيهِ»، فَأَدْنَتْهُ مِنْهُ، فَتَفَلَ فِي فِيهِ، وَقَالَ: «اخْرُجْ عَدُوَّ اللهِ! أَنَا رَسُولُ اللهِ». رَوَاهُ الحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ ، وَبِالجُمْلَةِ فَالحَدِيثُ بِهَذِهِ المُتَابَعَاتِ جَيِّدٌ".
٣ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا: «إِذَا تَثاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطاعَ؛ فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَدْخُلُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^١).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (^٢): "قَالَ العُلَمَاءُ: أُمِرَ بِكَظْمِ التَّثَاؤبِ وَرَدِّهِ وَوَضْعِ اليَدِ عَلَى الفَمِ لِئَلَّا يَبْلُغَ الشَّيطَانُ مُرَادَهُ مِنْ تَشْوِيهِ صُورَتِهِ، وَدُخُولِهِ فَمَهَ، وَضَحِكِهِ مِنْهُ. وَاللهُ أَعْلَمُ".
٤ - يُضَافُ لِمَا سَبَقَ مَا هُوَ مُشَاهَدٌ مَحْسُوسٌ مِنْ أَحْوَالِ المَمْسُوسِينَ مِنْ أَنَّ الجِنَّ يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِهِ.
"قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلَ: قُلْتُ لِأَبِي: إِنَّ قَومًا يَقُولُونَ: إِنَّ الجِنَّ لَا تَدْخُلُ فِي بَدَنِ الإِنْسِ! فَقَالَ: يَا بُنَيَّ يَكْذِبُونَ، هُوَ ذَا يَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِهِ" (^٣).
"وَقَدِ اشْتُهِرَ بَينَ النَّاسِ وُجُودُ عَقْدِ الرَّجُلِ عَنْ امْرَأَتِهِ حِينَ يَتَزَوَّجُهَا؛ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى إتْيَانِهَا وَحَلِّ عَقْدِهِ، فَيَقْدِرُ عَلَيهَا بَعْدَ عَجْزِهِ عَنْهَا! حَتَّى صَارَ مُتَوَاتِرًا لَا يُمْكِنُ جَحْدُهُ. وَرُوِيَ مِنْ أَخْبَارِ السَّحَرَةِ مَا لَا يَكَادُ يُمْكِنُ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ فِيهِ" (^٤).
_________________
(١) مُسْلِمٌ (٢٩٩٥). وَبِمَعْنَاهُ: «إِنَّ الشَّيطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٠٣٩)، وَمُسْلِمٌ (٢١٧٥) عَنْ صَفِيَّةَ مَرْفُوعًا.
(٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٨/ ١٢٣).
(٣) عُمْدَةُ القَارِي (٢١/ ٢١٤).
(٤) المُغْنِي لِابْنِ قُدَامَةَ (٩/ ٢٩).
[ ١ / ٥٠٤ ]
أَخِيرًا؛ نَقُولُ: لَا يِلْزَمُ أَبَدًا مِنْ كَونِ الرَّجُلِ يُصْرَعُ أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ بِمَا بَدَرَ مِنْهُ فِي حَالِ صَرَعِهِ مُطْلَقًا! بَلْ مَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى كَونِهِ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ أَمْ غَيرَ مَغْلُوبٍ، لِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ المَجْنُونِ المَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يَبْرَأَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ، وعَنِ الصَّبِيِّ حتَّى يَحْتَلِمَ» (^١).
قَالَ الشَّيخُ عَبْدُ المُحْسِنِ العَبَّادِ حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى جَوَابًا عَلَى سُؤَالٍ: هَلِ المَسْحُورُ أَوِ الَّذِي بهِ صَرَعٌ لَهُ حُكْمُ المَعْذُورِينَ؟ وَهَلْ إِذَا فَعَلَ إِثْمًا ثُمَّ عُلِمَ أَنَّهُ مَسْحُورٌ -وَفَعَلَ هَذَا بِغَيرِ إِرَادَتِهِ- لَا يُقَامُ عَلَيهِ الحَدُّ؟
الجَوَابُ: "إِذَا كَانَ فَاقِدَ العَقْلِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُقامُ عَلَيهِ الحَدُّ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فَاقِدَ العَقْلِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ شَيءٌ مِنْ تِلْكَ العَوَارِضِ -وَعَقْلُهُ مَوجُودٌ مَعَهُ- فَإِنَّهَ يُقَامُ عَلَيهِ الحَدُّ، حَتَّى لَو كَانَ عِنْدَهُ أَلَمٌ أَوِ اكْتِئَابٌ وَعَدَمُ ارْتِيَاحٍ، لَكِنَّ الشَّيءَ الَّذِي يُعْذَرُ فِيهِ هُوَ فُقْدَانُ العَقْلِ" (^٢).
- مُنَاقَشَةُ شُبْهَةٍ مُتَعَلِّقَةٍ فِي نَفْي المَسِّ
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ بَعْضِهِم -كَالْمُعْتَزِلَةِ- عَلَى نَفْي المَسِّ بِمِثْلِ قَولِهِ تَعَالَى عَنِ الشَّيطَانِ: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إِبْرَاهِيم: ٢٢]، يَعْنَي: أَنَّ سُلْطَانَهُ هُوَ الدَّعْوَةُ فَقَط! وَلَيسَ عِنْدَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ!! فَمَرْدُودٌ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ السُّلْطَانَ هُنَا مَعْنَاهُ: الحُجَّةُ وَالبُرْهَانُ، وَهَذَا حَقٌّ، يَعْنِي أَنَّ الشَّيطَانَ لَيسَ لَهُ حُجَّةٌ وَلَا بُرْهَانٌ فِيمَا دَعَا النَّاسَ إِلَيهِ مِنَ الكُفْرِ بِاللهِ تَعَالَى، وَتَزْيِينِ المَعَاصِي.
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٤٣٩٩) عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٣٥١٢).
(٢) شَرْحُ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، شَرِيط رَقَم (٤٩٦).
[ ١ / ٥٠٥ ]
وَبِهَذَا المَعْنَى فِعْلًا لَيسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى ابْنِ آدَمَ، أَمَّا لَو حُمِلَ السُّلْطَانُ عَلَى مَعْنَى التَّسَلُّطِ وَالتَّلَبُّسِ؛ فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ -قُرْآنًا وَسُنَّةً- قَدْ دَلَّتْ عَلَى حُصُولِ ذَلِكَ، فَلَا تَعَارُضَ بِحَمْدِ اللهِ.
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ يَظْهَرْ لَكَ أَنَّ السُّلْطَانَ هُنَا هُوَ الحَقُّ وَالحُجَّةُ، وَعَلَيهِ فَلَا سُلْطَانَ لِلشَّيطَانِ عَلَى ابْنِ آدَمَ (^١).
وَكَذَا القَولُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحِجْر: ٤٢] أَنَّهُ فِي الحُجَّةِ (^٢).
وَكَذَا القَولُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ * قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ [الصَّافَّات: ٢٨ - ٣٠] أَنَّهُ فِي الحُجَّةِ أَيضًا (^٣).
_________________
(١) قَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١٦/ ٥٦٠): "يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ إِبْلِيسُ ﴿لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ يَعْنِي لَمَّا أُدْخِلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ؛ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ؛ وَاسْتَقَرَّ بِكُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُم قَرَارُهُم ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ﴾ أَيُّهَا الأَتْبَاعُ النَّارَ، وَوَعَدْتُكُم النُّصْرَةَ، فَأَخْلَفْتُكُم وَعْدِي، وَوَفَّى اللهُ لَكُم بِوَعْدِهِ ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ يَقُولُ: وَمَا كَانَ لِي عَلَيكُم فِيمَا وَعَدْتُكُم مِنَ النُّصْرَةِ مِنْ حُجَّةٍ تَثْبُتُ لِي عَلَيكُم بِصِدْقِ قَولِي".
(٢) قَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١٧/ ١٠٥): "يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم حُجَّةٌ؛ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ عَلَى مَا دَعُوتَهُ إِلَيهِ مِنَ الضَّلَالَةِ مِمَّنْ غَوَى وَهَلَكَ".
(٣) قَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٢١/ ٣٢): "يَقُولُ: قَالُوا: وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيكُم مِنْ حُجَّةٍ؛ فَنَصُدَّكُم بِهَا عَنِ الإِيمَانِ وَنَحُولَ بَينَكُم مِنْ أَجْلِهَا وَبَينَ اتِّبَاعِ الحَقِّ".
[ ١ / ٥٠٦ ]
وَأَمَّا القَولُ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النَّحْل: ٩٨ - ١٠٠] فَمَعْنَى السُّلْطَانِ هُنَا: الوَسْوَسَةُ وَالخَوَاطِرُ الرَّدِيَّةُ (^١).
_________________
(١) قَالَ الطَّبَرِيُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (١٧/ ٢٩٥): "وَأَولَى الأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ؛ قَولُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: ﴿إِنَّهُ لَيسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَاسْتَعَاذُوا بِاللهِ مِنْهُ بِمَا نَدَبَ اللهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنَ الاسْتِعَاذَةِ ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ عَلَى مَا عَرَضَ لَهُم مِنْ خَطَرَاتِهِ وَوَسَاوِسِهِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: ذَلِكَ أَولَى التَّأوِيلَاتِ بِالآيَةِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَتْبَعَ هَذَا القَولَ ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وَقَالَ فِي مَوضِعٍ آخَر: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فَكَانَ بَيِّنًا بِذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا نَدَبَ عِبَادَهُ إِلَى الاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ فِي هَذِهِ الأَحْوَالِ لِيُعِيذَهُم مِنْ سُلْطَانِهِ".
[ ١ / ٥٠٧ ]
المسألة السابعة: أنكرت المعتزلة حقيقة السحر!
- المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: أَنْكرَتِ المُعْتَزِلَةُ حَقِيقَةَ السِّحْرِ! وَقَالُوا إِنَّمَا هِيَ أَوهَامٌ وَخِفَّةٌ فِي اليَدِ فَقَط! وَاسْتَدَلُّوا بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طَه: ٦٦]، فَهُوَ خَيَالٌ فِي العَينِ فَقَط! وَأَيضًا أَنَّ هَذِهِ الحِبَالَ كَانَتْ مَمْلُوءَةً زِئْبَقًا (^١)! فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ:
إِنَّهُ يُقَالُ ابْتِدَاءً:
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: "قَالَ الإِمَامُ المَازِرِيُّ ﵀: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَجُمْهُورِ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ عَلَى إِثْبَاتِ السِّحْرِ؛ وَأَنَّ لَهُ حَقِيقَةً كَحَقِيقَةِ غَيرِهِ مِنَ الأَشْيَاءِ الثَّابِتَةِ، خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَنَفَى حَقَيقَتَهُ وَأَضَافَ مَا يَقَعُ مِنْهُ إِلَى خَيَالَاتٍ بَاطِلَةٍ لَا حَقَائِقَ لَهَا" (^٢).
ثُمَّ إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ العِلْمِ أَنَّ السِّحْرَ مِنْهُ مَا هُوَ حَقِيقِيٌّ لَهُ تَأْثِيرٌ، وَمِنْهُ مَا هُوَ جَارٍ عَلَى مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ مِنَ الخِفَّةِ وَالاسْتِتَارِ وَالسُّرْعَةِ وَالخِدَاعِ، فَإِذَا أُثْبِتَ نَوعٌ مَا بِدَلِيلٍ فَهَذَا لَا يَعْنِي نَفْيَ الآخَرِ (^٣)!
_________________
(١) وَهِيَ مُجَرَّدُ دَعْوَى تُخَالِفُ ظَاهِرَ مَا وَرَدَ فِي النُّصُوصِ القُرْآنيَّةِ مِنْ كَونِهِم جَاءُوا بِالسِّحْرِ؛ وَسَحَرُوا أَعيُنَ النَّاسِ؛ وَأَنَّهُ سِحْرٌ عَظِيمٌ.
(٢) شَرْحُ مُسْلِمٍ (١٤/ ١٧٤) بَابُ السِّحْرِ.
(٣) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٢٢٥): "وَقَولُهُ: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طَه: ٦٦]: الآيَةُ عُمْدَةُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ السِّحْرَ إِنَّمَا هُوَ تَخْيِيلٌ! وَلَا حُجَّةَ لَهُ بِهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ وَرَدَتْ فِي قِصَّةِ سَحَرَةِ فِرْعَونَ، وَكَانَ سِحْرُهُم كَذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ السِّحْرِ تَخْيِيلٌ". =
[ ١ / ٥٠٨ ]
وَبَعْدَ ذَلِكَ نَقُولُ: إِنَّ مِنَ أَدِلَّة حَقِيقَةِ وَأَثَرِ السِّحْرِ:
١ - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفَلَق: ١ - ٤] وَالنَّفَّاثَاتُ فِي العُقَدِ: هُنَّ السَّوَاحِرُ (^١) مِنَ النِّسَاءِ، وَلَمَّا أُمِرَ بِالاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّهِنَّ عُلِمَ أَنَّ لَهُنَّ تَأْثِيرًا وَضَرَرًا حَقِيقَةً.
وَفِي الحَدِيثِ: «مَنْ تَصَبَّحَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً؛ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ اليَومَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ» (^٢)، فعَطْفُ السِّحْرِ عَلَى السُّمِّ؛ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ التَّأْثِيرِ الحَقِيقِيِّ؛ بَلْ وَعَلَى عِظَمِ أَثَرِهِ حَيثُ عُطِفَ عَلَى السُّمِّ المُمِيتِ.
٢ - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البَقَرَة: ١٠٢] ظَاهِرٌ فِيهِ أَثَرُ السِّحْرِ فِي التَّفْرِيقِ وَالضَّرَرِ، "وَغَيرُ مُسْتَنْكَرٍ فِي العَقْلِ أَنْ يَكُونَ البَارِي سُبْحَانَهُ يَخْرِقُ العَادَاتِ عِنْدَ النُّطْقِ بِكَلَامٍ مُلَفَّقٍ أَو تَرْكِيبِ أَجْسَامٍ، أَوِ المَزْجِ بَينَ قِوىً عَلَى تَرتَيبٍ مَا لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا السَّاحِرُ" (^٣).
وَالإِيمَانُ بِحَقِيقَةِ السِّحْرِ وَأَثَرِهِ لَيسَ بِأَعْجَبَ مِنَ الإِيمَانِ بِحَقِيقَةِ الحَسَدِ وَالعَينِ،
_________________
(١) = قُلْتُ: أَمَّا كَونُ سِحْرِهِم تَخْيِيلًا فَصَحِيحٌ، أَمَّا كَونُهُ لَيسَ لَهُ حَقِيقَةٌ! فَخَطَأٌ، وَلَيسَ فِي قِصَّةِ مُوسَى مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى حَقِيقَتِهِ أَنَّهُ أثَّرَ فِي الأَعْيُنِ حَتَّى تَخَيَّلوا، فَتَحَوُّلُ الحِبَالِ وَالعِصِيِّ إِلَى أَفَاعِي لَيسَ لَهُ حَقِيقَةٌ، وَأَمَّا تَأَثُّرُ الأَعْيُنِ فَحَقِيقَةٌ. وَاللهُ تَعَالَى المُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
(٢) قَالَهُ البُخَارِيُّ ﵀ فِي الصَّحِيحِ (٧/ ١٣٦).
(٣) البُخَارِيُّ (٥٧٦٩) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَرْفُوعًا.
(٤) إِكْمَالُ المُعْلِمِ (٧/ ٨٦).
[ ١ / ٥٠٩ ]
فَمَنْ آمَنَ بِالثَّانِي وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالأَوَّلِ فَقَدْ تَنَاقَضَ وَخَالَفَ المَحْسُوسَ وَالمُتَوَاتِرَ.
٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ قَالَتْ سَحَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيقٍ يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ، حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيءَ وَمَا فَعَلَهُ! حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَومٍ أَو ذَاتَ لَيلَةٍ -وَهْوَ عِنْدِي- لَكِنَّهُ دَعَا وَدَعَا ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، أَشَعَرْتِ أَنَّ اللهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيتُهُ فِيهِ؟ أَتَانِي رَجُلَانِ؛ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ فَقَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ. قَالَ: فِي أَيِّ شَيءٍ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وَجُفِّ طَلْعِ (^١) نَخْلَةٍ ذَكَرٍ، قَالَ: وَأَينَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ». فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، أَو كَأَنَّ رُءُوسَ نَخْلِهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلَا اسْتَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: «قَدْ عَافَانِي اللهُ؛ فَكَرِهْتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ شَرًّا» فَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ (^٢).
وَالشَّاهِدُ فِيهِ مِنْ جِهَتَينِ: (التَّخْيِيلُ، قَدْ عَافَانِي).
وَأَمَّا فِي خُصُوصِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طَه: ٦٦] أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى التَّخييلِ دُونَ الحَقِيقَةِ! فَالرَّدُّ عَلَيهِم مِنْ جِهَتَينِ:
أ- أَنَّ هَذَا التَّخْيِيلَ -وَإِنْ كَانَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي تَغْيِيرِ أَعْيَانِ الأَشْيَاءِ- وَلَكِنَّهُ كَانَ مُؤَثِّرًا حَقِيقَةً عَلَى العَينَ حَتَّى جَعَلَهَا تَتَخَيَّلُ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى حَقيقَتِهِ وَأَثَرِهِ.
ب- لَا يَصِحُّ حَمْلُ ذَلِكَ السِّحْرِ عَلَى التَّخْيِيلِ بِكَونِ الحِبَالِ وَالعِصِيِّ كَانَتْ
_________________
(١) (جُفِّ طَلْعٍ): الجُفُّ: وِعَاءُ الطَّلعِ وَغِشَاؤُهُ الَّذِي يُكِنُّهُ.
(٢) البُخَارِيُّ (٥٧٦٣)، وَمُسْلِمٌ (٢١٨٩).
[ ١ / ٥١٠ ]
مَمْلُوءَةً زِئْبَقًا، لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ سَعْيُ الحيَّاتِ هَذَا خَيَالًا بَلْ حَرَكَةً حَقِيقِيَّةً! وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سِحْرًا لِأَعْيُنِ النَّاسِ أَصْلًا! وَلَا يُسَمَّى -أَصْلًا- سِحْرًا؛ بَلْ صِنَاعَةً مِنَ الصِّنَاعَاتِ المُشْتَرَكةِ.
وَأَيضًا لَو كَانَ ذَلِكَ حِيلَةً مِنْهُم كَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ؛ لَكَانَ طَرِيقَ إِبْطَالِهَا إِخْرَاجُ مَا فِيهَا مِنَ الزِّئْبَقِ؛ وَبَيَانُ ذَلِكَ المُحَالِ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِلْقَاءِ العَصَا لِابْتِلَاعِهَا! وَأَيضًا فَمِثْلُ هَذِهِ الحِيَلَةِ لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى الاسْتِعَانَةِ بِالسَّحَرَةِ؛ بَلْ يَكْفِي فِيهَا حُذَّاقُ الصُّنَّاعِ، وَلَا يُحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إِلَى تَعْظِيمِ فِرْعَونَ لِلسَّحَرَةِ وَخُضُوعِهِ لَهُم وَوَعْدِهِم بِالتَّقْرِيبِ وَالجَزَاءِ (^١).
_________________
(١) انْظُرْ (بَدَائِعُ الفَوَائِدِ) (ص ٧٤٨) لِابْنِ القَّيِّمِ.
[ ١ / ٥١١ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: مَا صِحَّةُ مَا نُسِبَ إِلَى الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَان ﵀ فِي أَنَّهُ أَنْكَرَ حَقِيقَةَ السِّحْرِ؟
الجَوَابُ:
لَو ثَبَتَ المَطْلُوبُ؛ لَمْ تَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ شَرْعًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ وَأَحْسَنَ مَثْوَاهُ-؛ يُسْتَدَلُّ لَهُ وَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ، فَالحَقُّ لَا يُعْرَفُ بِالرِّجَالِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ الرِّجَالُ بِالحَقِّ.
وَلَكِنْ أَقُولُ -مُسْتَعِينًا بِالله تَعَالَى وَحْدَهُ-:
إِنَّ مَا عُزِيَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مِنْ أَنَّهُ لَا يُثْبِتُ حَقِيقَةَ السِّحْرِ؛ عَلَيهِ مُلَاحَظَاتٌ:
١ - إِنَّ الَّذِينَ نَقَلُوا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ النَّفْيَ؛ إِنَّمَا ذَكَرُوا أَنَّ الإِجْمَاعَ وَقَعَ عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبَ إِلَيهِ ﵀! فَيَكُونُ قَولُهُ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ! وَعَلَيهِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ.
قَالَ الوَزِيرُ أَبُو المُظَفَّرِ ابْنُ هُبَيرَةَ فِي كِتَابِهِ (الإِشْرَافُ عَلَى مَذَاهِبِ الأَشْرَافِ): "بَابٌ فِي السِّحْرِ، فَقَالَ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ السِّحْرَ لَهُ حَقِيقَةٌ إِلَّا أَبَا حَنِيفَةَ؛ فَإِنَّهُ قَالَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ عِنْدَهُ" (^١).
٢ - إِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ نُقِلَ عَنْهُ القَولَانِ مَعًا -مِنْ جِهَةِ الإِثْبَاتِ وَالنَّفْي-.
قَالَ أَبُو الحَسَنِ المَاوَرْدِيُّ ﵀: "فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي حَقِيقَةِ السِّحْرِ، فَقَدِ
_________________
(١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (١/ ٢٥٥).
[ ١ / ٥١٢ ]
اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا، فَالَّذِي عَلَيهِ الفُقَهَاءُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَكَثِيرٌ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ لَهُ حَقِيقَةً وَتَأثِيرًا" (^١).
عِلْمًا أَنَّ أَبَا الحَسَنِ المَاوَرْدِيَّ هَذَا ﵀ كَانَ مُعْتَزِلِيًّا (^٢) -وَالمُعْتَزِلَةُ تُنْكِرُ حَقِيقَةَ السِّحْرِ-؛ وَمَعْ ذَلِكَ فَقَدْ نَسَبَ لِأَبِي حَنِيفَةَ إِثْبَاتَ حَقِيقَةِ السِّحْرِ!
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ المُلَقِّنِ الشَّافِعِيُّ ﵀: "ثُمَّ السِّحْرُ لَهُ حَقِيقَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ يُمْرِضُ مَنْ يُفْعَلُ بِهِ وَيَمُوتُ خِلَافًا لِمَنْ نَفَاهُ وَقَال إِنَّهُ تَخْيِيلٌ وَشَعْوَذَةٌ" (^٣).
وَأَيضًا عُلَمَاءُ المَذْهَبِ الحَنَفِيِّ؛ مِنْهُم مَنْ أَثْبَتَ حَقِيقَتَهُ وَأَثَرَهُ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِقَولِ إِمَامِهِم (^٤).
قَالَ ابْنُ نُجَيمٍ ﵀ فِي كِتَابِهِ (النَّهْرُ الفَائِقُ شَرْحُ كَنْزِ الدَّقَائِقِ) -مِنْ كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ-: "وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا: إِنَّ لَهُ حَقِيقَةً وَتَأثِيرًا فِي إِيلَامِ الأَجْسَامِ، خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ وَقَالَ: إِنَّهُ تَخْيِيلٌ. كَذَا فِي (الفتح) " (^٥).
وَجَاءَ أَيضًا فِي كِتَابِ (الدُّرُّ المُخْتَارُ مَعَ حَاشِيَةِ رَدِّ المُحْتَارِ) -مِنْ كُتُبِ
_________________
(١) الحَاوِي الكَبِير لِلْمَاوَرْدِيّ (١٣/ ٩٣).
(٢) قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ مِيزَانُ الاعْتِدَالِ (٣/ ١٥٥) -فِي تَرْجَمَةِ أَبِي الحَسَنِ المَاوَرْدِيِّ هَذَا-: "عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّد، أَقْضَى القُضَاةِ، أَبُو الحَسَنِ المَاوَرْدِي، صَدُوقٌ فِي نَفْسِهِ؛ لَكِنَّهُ مُعْتَزِلِيٌّ".
(٣) التَّوضِيحُ لِشَرْحِ الجَامِعِ الصَّحِيحِ (٢٧/ ٥٣٦).
(٤) وَمِنْهُم أَيضًا مَنْ جَعَلَ أَثَرَهُ مُتَعَلِّقًا بِمَا كَانَ كَالدُّخَانِ الَّذِي يَصِلُ إِلَى بَدَنِ المَسْحُورِ.
(٥) النَّهْرُ الفَائِقُ شَرْحُ كَنْزِ الدَّقَائِقِ (٣/ ٢٥٤).
[ ١ / ٥١٣ ]
الحَنَفِيَّةِ-: "قَولُهُ: (وَالسِّحْرِ): هُوَ عِلْمٌ يُسْتَفَادُ مِنْهُ حُصُولُ مَلَكَةٍ نَفْسَانِيَّةٍ يُقْتَدَرُ بِهَا عَلَى أَفْعَالٍ غَرِيبَةٍ لِأَسْبَابٍ خَفِيَّةٍ" (^١).
وَانْظُرْ كِتَابَ (مِرْقَاةِ المَفَاتِيحِ) أَيضًا لِلعَلَّامَةِ مُلَّا عَلِي القَاري الحَنَفِيِّ ﵀ (^٢).
٣ - مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ بِحَقِيقَةِ السِّحْرِ أَنَّه يَقُولُ بِحَدِّ السَّاحِرِ وَرِدَّتِهِ، فَلَو كَانَ السِّحْرُ لَيسَ لَهُ حَقِيقَةٌ عِنْدَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ أَعْمَالِ خِفَّةِ اليَدِ وَمَا يُسَمَّى بِسَاحِرِ (السِّيرك)! فَعَلَى أَيِّ شَيءٍ يَكْفُرُ وَيُقْتَلُ السَّاحِرُ عِنْدَهُ؟!
جَاءَ فِي كِتَابِ (الدُّرُّ المُخْتَارُ مَعَ حَاشِيَةِ رَدِّ المُحْتَارِ) -مِنْ كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ-: "قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: السَّاحِرُ إذَا أَقَرَّ بِسِحْرِهِ أَو ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ؛ يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ مِنْهُ" (^٣).
٤ - إِنَّ الرَّاجِحَ فِي مَوقِفِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يَقْصِدُ أَنَّ السِّحْرَ لَهُ حَقِيقَةٌ مِنْ جِهَةِ وُجُودِهِ وَتَأثِيرِهِ عَلَى النَّاسِ بِالمَرَضِ وَالتَّخْيِيلِ وَنَحْوِهِ؛ وَلَيسَ لَهُ حَقِيقَةٌ مِنْ جِهَةِ تَغْيِيرِهِ لِلْأَعْيَانِ، يَعْنِي أَنْ يُحَوِّلَ العِصِيَّ إِلَى أَفَاعِيَ حَقِيقِيَّةٍ مِثَلًا!!
وَهَذَا بَيَّنَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ.
وَهَذَا الجَمْعُ أَولَى مِنْ تَرْجِيحِ وَجْهٍ عَلَى وَجْهٍ، لَا سِيَّمَا وَأَنَّ الجَمْعَ هَذَا لَا يُخْرِجُ رَأْيَهُ ﵀ عَنِ الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الصَّرِيحَةِ فِي هَذَا البَابِ، وَأَيضًا يَبْقَى مُوَافِقًا لِسَائِرِ كَلَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيرَةَ فِيمَا سَبَقَ عن إِجْمَاعِهِم.
_________________
(١) الدُّرُّ المُخْتَارُ مَعَ حَاشِيَةِ رَدِّ المُحْتَارِ (١/ ٤٤).
(٢) مِرْقَاةُ المَفَاتِيحِ (١/ ١٢٣).
(٣) الدُّرُّ المُخْتَارُ مَعَ حَاشِيَةِ رَدِّ المُحْتَارِ (٤/ ٢٤٠).
[ ١ / ٥١٤ ]
قَالَ الكَشْمِيرِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ (فَيضُ البَارِي): "ثُمَّ إِنَّ السِّحْرَ لَهُ تَأثِيرٌ فِي التَّقْلِيبِ مِنَ الصِّحَّةِ إِلَى المَرَضِ، وَبِالعَكْسِ، أَمَّا فِي قَلْبِ المَاهِيَّةِ؛ فَلَا، وَمَا يَتَرَاءَى فِيهِ مِنْ قَلْبِ المَاهِيَّةِ لَا يَكُونُ فِيهِ إِلَّا التَّخْيِيلُ الصَّرْفُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]، فَلَمْ تَنْقَلِبِ الحِبَالُ إِلَى حَيَّاتٍ! وَلَكِنْ خُيِّلَ إِلَيهِ أَنَّهَا انْقَلَبَتْ.
وَهَذَا مَا نُسِبَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةِ أَنَّ فِي السِّحْرِ تَخْيِيلًا فَقَط، وَلَا يُرِيدُ بِهِ نَفْيَ التَّأثِيرِ مُطْلَقًا؛ فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ مَشْهُودٌ، بَلْ يُرِيدُ بِهِ نَفِيَ التَّأثِيرِ فِي حَقِّ قَلْبِ المَاهِيَّاتِ" (^١).
_________________
(١) فَيضُ البَارِي عَلَى صَحِيحِ البُخَارِيّ (٤/ ٢٩٣).
[ ١ / ٥١٥ ]
- المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: أَنْكَرَتِ المُعْتَزِلَةُ كَونَ النَّبِيِّ ﷺ سُحِرَ، مِنْ أَوجُهٍ:
الشُّبْهَةِ الأُولَى: قَالُوا: هَذَا يُدْخِلُ طَعْنًا عَلَى تَبْلِيغِ الدِّينِ!
وَالجَوَابُ:
نَقُولُ: قَدْ ثَبَتَ كُلٌّ مِنَ الأَمْرَينِ، فنُثْبِتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ سُحِرَ (^١)، وَنَنْفِي عَنْهُ الخَطَأَ فِي التَّشْرِيعِ.
قَالَ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: "وَكَانَ غَايَةُ هَذَا السِّحْرِ فِيهِ؛ إِنَّمَا هُوَ فِي جَسَدِهِ وَظَاهِرِ جَوَارِحِهِ، لَا عَلَى عَقْلِه وَقَلْبِه، وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَعْتَقِدُ صِحَّةَ مَا يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ، بَلْ يَعْلَمُ أَنَّهُ خَيَالٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَمِثْلُ هَذَا قَدْ يَحْدُثُ مِنْ بَعْضِ الأَمْرَاضِ. وَاللهُ أَعْلَمُ" (^٢).
_________________
(١) قَالَ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀: "إنَّ هَذَا السِّحْرَ هُوَ مَا يُسَمَّى الآنَ بِالرَّبْطِ، فَلَا يَسْتَطِيعُ الرَّجُلُ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، وَمَعْ هَذَا فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ فِي عَقْلِهِ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ سَائِرِ شُؤُونِهِ" أ. هـ بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ مِنْ أَشْرِطَةِ فَتَاوَى جِدَّة (ش ١١). وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (١٤/ ١٧٥) عَنِ القَاضِي عِيَاضٍ رَحِمَهُمَا اللهُ: "وَيُرْوَى: (يُخَيَّلُ إِلَيهِ): أَي: يَظْهَرُ لَهُ مِنْ نَشَاطِهِ وَمُتَقَدِّمِ عَادَتِهِ القُدْرَةُ عَلَيهِنَّ؛ فَإِذَا دَنَى مِنْهُنَّ أَخَذَتْهُ أَخْذَةُ السِّحْرِ فَلَم يَأْتِهِنَّ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ كَمَا يَعْتَرِي المَسْحُورَ. وكُلُّ مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَاتِ مِنْ أَنَّهُ يُخيَّلُ إِلَيهِ فِعْلُ شَيءٍ لَمْ يَفْعَلْهُ وَنَحْوُهُ فمَحْمُولٌ عَلَى التَّخيُّلِ بِالبَصَرِ لَا لِخَلَلٍ تَطَرَّقَ إِلَى العَقْلِ، وَلَيسَ فِي ذَلِكَ مَا يُدْخِلُ لَبْسًا عَلَى الرِّسَالَةِ".
(٢) زَادُ المَعَادِ (٤/ ١١٦).
[ ١ / ٥١٦ ]
الشُّبْهَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّ المُشْرِكِينَ هُمُ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسْحُورٌ! قَالَ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا * انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإِسْرَاء: ٤٧ - ٤٨].
وَالجَوَابُ: إِنَّ اتِّهَامَهُم لَهُ ﷺ هُوَ مِنْ بَابِ الإيذَاءِ، وَيَقْصِدُونَ أَنَّ كَلَامَهُ كَلَامُ المَجَانِين -وَحَاشَاهُ ﷺ، وَأَنَّهُ أَتَى بِمَا لَا يُعْقَلُ وَلَا يَصِحُّ، وَلَيسَ مِنْ بَابِ أَنَّهُ مُصَابٌ بِسِحْرٍ فِي بَدَنِهِ قَدْ أَمْرَضَهُ! كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذَّارِيَات: ٥].
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي التَّفْسِيرِ: "فَتَارَةً مِنْ إِفْكِهِمْ يَقُولُونَ: سَاحِرٌ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: شَاعِرٌ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: مَجْنُونٌ، وَتَارَةً يَقُولُونَ: كَذَّابٌ. وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإِسْرَاء: ٤٨] " (^١).
وَيَتَأَكَّدُ الجَوَابُ بِبَيَانِ أَنَّ هَذَا هُوَ نَظِيرُ مَا جَرَى مَعَ مُوسَى ﷺ، حَيثُ قَالَ فِرْعَونُ لِمُوسَى: ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإِسْرَاء: ١٠١] مَعَ مَا قَد عُلِمَ مِنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طَه: ٦٦].
_________________
(١) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٦/ ٩٤).
[ ١ / ٥١٧ ]
- المَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ: إِذَا كَانَ حَدِيثُ البَابِ ذَكَرَ سَبْعًا مِنَ المُوبِقَاتِ، فَكَيفَ الجَمْعُ مَعَ مَا وَرَدَ فِي أَلْفَاظٍ كَثِيرْةٍ لِلحَدِيثِ عَنْ غَيرِ هَذِهِ السَّبْعَةِ؟
الجَوَابُ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ (^١):
١ - أَنَّهُ ﷺ أَعْلَمَ أَوَّلًا بِالمَذْكُورَاتِ، ثُمَّ أَعْلَمَ بِمَا زَادَ، فَيَجِبُ الأَخْذُ بِالزَّائِدِ.
٢ - أَنَّ الاقْتِصَارَ وَقَعَ بِحَسْبِ المَقَامِ بِالنِّسبَةِ لِلسَّائِلِ أَو مَنْ وَقَعَتْ لَهُ وَاقِعَةٌ.
٣ - أَنَّ مَفْهُومَ العَدَدِ لَيسَ بِحُجَّةٍ -وَهُوَ جَوَابٌ ضَعِيفٌ-.
_________________
(١) ذَكَرَهَا الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١٢/ ١٨٣).
[ ١ / ٥١٨ ]
- المَسْأَلَةُ الحَادِيَةُ عَشْرَةَ: مَا سَبَبُ عَطْفِ السِّحْرِ عَلَى الشِّرْكِ فِي الحَدِيثِ رُغْمَ أَنَّ السِّحْرَ هُوَ مِنَ الشِّرْكِ؟
الجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:
١ - أَنَّ السِّحْرَ نَوعٌ مِنَ الشِّرْكِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ عَطْفِ الخَاصِّ عَلَى العَامِّ لِلدَّلَالَةِ عَلَى خُطُورَتِهِ.
٢ - أَنَّ السِّحْرَ لَيسَ مُطَابِقًا تَمَامًا لِلشِّرْكِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ لَيسَ بِشِرْكٍ، كَمَا هُوَ فِي اسْتِخْدَامِ العَقَاقِيرِ وَالتَّدْخِينِ وَخِفَّةِ اليَدِ.
[ ١ / ٥١٩ ]