- المَسْأَلَةُ الأُولَى: هَلْ مِنْ مَعْنَى الإِيمَانِ بِالقَدَرِ تَرْكُ العَمَلِ وَالاتِّكَالُ عَلَى مَا كُتِبَ فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ؟ وَهَلْ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ لِلعَاصِي عَلَى مَعْصِيَتِهِ؟
الجَوَابُ: لَا، وَذَلِكَ لِسَبَبَينِ:
١ - دَلِيلٌ أَثَرِيٌ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالعَمَلِ رُغْمَ وُجُودِ الكِتَابَةِ وَفِي نَفْسِ الحَدِيثِ.
وَهُوَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁؛ قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَولَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ (^١)، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، وَمَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَو سَعِيدَةً»، قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ؛ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ قَالَ: «أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ؛ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ؛ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ الآيَةَ [اللَّيل: ٥ - ٧]. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ (^٢).
فَالحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي الأَمْرِ بِالعَمَلِ رُغْمَ وُجُودِ الكِتَابَةِ، وَلَكِنْ يَكُونُ العَمَلُ
_________________
(١) المِخْصَرَةُ: مَا يُتَوَكَّأُ عَلَيهِ مِنْ عَصَا وَغَيرِهَا.
(٢) البُخَارِيُّ (٤٩٤٨)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٤٧).
[ ٢ / ٣٨٤ ]
نَفْسُهُ سَبَبًا لِلجَنَّةِ أَو لِلنَّارِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزُّخْرُف: ٧٢].
وَأَيضًا فِي الحَدِيثِ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ اللهَ ﷿ خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ؛ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ فَفِيمَ العَمَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ ﷿ إِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ الجَنَّةَ، وَإِذَا خَلَقَ العَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ النَّارَ» (^١).
٢ - دَلِيلٌ نَظَرِيٌّ: أَنَّهُ يُقَالُ لِهَذَا الرَّجُلِ العَاصِي: مَا الَّذِي أَعْلَمَكَ أَنَّ اللهَ كَتَبَكَ مُسِيئًا؟ هَلْ تَعْلَمُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَعْمَلَ الإِسَاءَةَ؟ فَجَوَابُهُ حَتْمًا هُوَ النَّفْيُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ اخْتَارَ ذَلِكَ.
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأَنْعَام: ١٤٨ - ١٤٩]
_________________
(١) صَحِيحٌ. سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ (٤٧٠٣). قُلْتُ: وَجُمْلَةُ: «مَسْحِ الظَّهْرِ» ضَعَّفَهَا الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ ﵀ قَدِيمًا؛ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى تَصْحِيحِهَا بَعْدَ أَنْ تَنَبَّهَ إِلَى شَوَاهِدَ لَهَا. تَخْرِيجُ الطَّحَاوِيَّةِ (ص ٢٦٦ - ط ٢).
[ ٢ / ٣٨٥ ]
حَيثُ جَعَلَ تَعَالَى عَدَمَ عِلْمِهِم بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ حُجَّةً بِالِغَةً عَلَيهِم.
وَقَالَ تَعَالَى أَيضًا عَنْهُم: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠] (^١).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٧/ ٢٢٤): " ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أَي: بِصِحَّةِ مَا قَالُوهُ وَاحْتَجُّوا بِهِ، ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ أَي: يَكْذِبُونَ وَيَتَقَوَّلُونَ".
[ ٢ / ٣٨٦ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَا الجَوَابُ عَنْ أَدِلَّةِ الفِرْقَتَينِ الضَّالَّتَينِ فِي مَسَائِلِ القَدَرِ؟
حَيثُ كَانَتْ أَدِلَّةُ الفِرْقَةِ الأُولَى (الجَبْرِيَّةِ) -بِإِيجَازٍ-:
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصَّافَّات: ٩٦] (^١).
وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأَنْفَال: ١٧]، فَنَفَى اللهُ الرَّمْيَ عَنْ نَبِيِّهِ حِينَ رَمَى وَأَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ!
وَكَانَتْ أَدِلَّةُ الفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ (المُعْتَزِلَةِ القَدَرِيَّةِ) -بِإِيجَازٍ-:
قَولُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عِمْرَان: ١٥٢]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التَّكْوِير: ٢٨]، وَكَقَولِهِ تَعَالَى أَيضًا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فُصِّلَت: ٤٦] وَنَحْوِهَا مِنَ النُّصُوصِ القُرْآنِيَّةِ وَالنَّبَوِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ لِلعَبْدِ إِرَادَةً وَمَشِيئَةً خَاصَّةً بِهِ، وَأَنَّهُ هُوَ العَامِلُ الكَاسِبُ الرَّاكِعُ السَّاجِدُ وَنَحْو ذَلِكَ.
وَقَالُوا أَيضًا: إِنَّ هَذَا فِيهِ نِسْبَةَ الفَحْشَاءِ -بِزَعْمِهِم- إِلَى اللهِ تَعَالَى! فَمَعْصِيَةُ العَبْدِ لَا يَجُوزُ أَنْ تُنْسَبَ إِلَيهِ تَعَالَى!
الجَوَابُ عَلَى اسْتِدْلَالِ الفِرْقَةِ الأُولَى:
١ - قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ هُوَ حُجَّةُ عَلَيهِم، لِأَنَّهُ تَعَالَى أَضَافَ العَمَلَ إِلَيهِم، وَأَمَّا كَونُ اللهِ تَعَالَى خَالِقُهُ؛ فَلِأَنَّ عَمَلَ العَبْدِ حَاصِلٌ بِإِرَادَتِهِ الجَازِمَةِ وَقُدْرَتِهِ التَّامَّةِ، وَالإِرَادَةُ وَالقُدْرَةُ مَخْلُوقَتَانِ للهِ ﷿؛ فَكَانَ بِهِمَا الفِعْلُ مَخْلُوقًا أَيضًا للهِ تَعَالَى.
_________________
(١) وَهُوَ عَلَى تَوجِيهِ أَنَّ العَمَلَ هُنَا هُوَ صِفَةُ العَبْدِ القَائِمَةِ بِهِ؛ وَلَيسَ المَعْمُولَ؛ أَي: الأَصْنَامَ.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
٢ - وَأَمَّا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيهِم أَيضًا؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَضَافَ الرَّمْيَ إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ، لَكِنَّ الرَّمْيَ فِي الآيَةِ لَهُ مَعْنَيَانِ:
أ- رَمْيُ الشَّيءِ المَرْمِيِّ؛ وَهُوَ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي أَضَافَهُ اللهُ إِلَيهِ.
ب- إِيصَالُ المَرْمِيِّ إِلَى أَعْيُنِ الكُفَّارِ الَّذِينَ رَمَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالتُّرَابِ يَومُ بَدْرٍ فَأَصَابَ عَينَ كُلِّ وَاحِدٍ مَنْهُم، وَهَذَا مِنْ فَعْلِ اللهِ، إِذْ لَيسَ بِمَقْدُورِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُوصِلَ التُّرَابَ إِلَى عَينِ كُلِّ وَاحِدٍ مَنْهُم (^١) (^٢).
_________________
(١) قَالَ الإِمَامُ البَيهَقِيُّ ﵀: "بَابٌ: القَولُ فِي خَلْقِ الأَفْعَالِ، قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ [غافر: ٦٢] فَدَخَلَ فِيهِ الأَعْيَانُ وَالأَفْعَالُ مِنَ الخَيرِ وَالشَّرِّ" ثُمَّ أَورَدَ مَجْمُوعَةً مِنَ الأَدِلَّةِ إِلَى أَنْ قَالَ: "فَثَبَتَ أَنَّ الأَفْعَالَ كُلَّهَا -خَيرَهَا وَشَرَّهَا- صَادِرَةٌ عَنْ خَلْقِهِ وَإِحْدَاثِهِ إِيَّاهَا؛ وَلِأَنَّهُ قَالَ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأَنْفَال: ١٧]، وَقَالَ: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الوَاقِعَة: ٦٤] فَسَلَبَ عَنْهُمْ فِعْلَ القَتْلِ وَالرَّمْيِ وَالزَّرْعِ مَعَ مُبَاشَرَتِهِمْ إِيَّاهُ، وَأَثْبَتَ فِعْلَهَا لِنَفْسِهِ لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ المَعْنَى المُؤَثِّرَ فِي وُجُودِهَا بَعْدَ عَدَمِهَا هُوَ إِيجَادُهُ وَخَلْقُهُ، وَإِنَّمَا وُجِدَتْ مِنْ عِبَادِهِ مُبَاشَرَةُ تِلْكَ الأَفْعَالِ بِقُدْرَةٍ حَادِثَةٍ أَحْدَثَهَا خَالِقُنَا ﷿ عَلَى مَا أَرَادَ، فَهِيَ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ خَلْقٌ -عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي اخْتَرَعَهَا بِقُدْرَتِهِ القَدِيمَةِ- وَهِيَ مِنْ عِبَادِهِ كَسْبٌ -عَلَى مَعْنَى تَعَلُّقِ قُدْرَةٍ حَادِثَةٍ بِمُبَاشَرَتِهِمُ الَّتِي هِيَ أَكْسَابُهُمْ-". الاعْتِقَادُ (ص ١٤٢).
(٢) قُلْتُ: وَمِنْ هَذَا البَابِ مَا يُتَنَاقَلُ عَلَى لِسَانِ العَامَّةِ فَضْلًا عَنِ الخَاصَّةِ مِنْ أَنَّهُم يَنْسِبُونَ أَفْعَالًا قَامَتْ بِالعِبَادِ إِلَى اللهِ تَعَالَى كَقَولِ المَرِيضِ: (شَفَانِي اللهُ تَعَالَى) بَعْدَ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَعَاطَى عِلَاجَ الطَّبِيبِ، وَمِثْلُ أَنْ يَقُولَ: (أَعْطَانِي اللهُ هَذَا المَالَ) مَعَ أَنَّهُ وَرِثَهُ أَو كَسِبَهُ مِنْ عَمَلٍ أَو تِجَارَةٍ وَنَحْو ذَلِكَ، فَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ فِي سِيَاقِ إِظْهَارِ نِعْمَةِ المُنْعِمِ بِذَلِكَ وَهُوَ اللهُ ﵎، وَلَا يَخْفَى أَنَّ عِلَاجَ الطَّبِيبِ إِنَّمَا أَخَذَ أَثَرَهُ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، بَلْ طِبُّ الطَّبِيبِ إِنَّمَا كَانَ بِتَعْلِيمِ اللهِ تَعَالَى لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النَّحْل: ٧٨]، وَأَيضًا هِبَةُ المَالِ أَو كَسْبُهُ فِي التِّجَارَةِ إِنَّمَا تَمَّ بِتَعْلِيمِ وَتَيسِيرِ اللهِ لِهَذَا المَالِ إَلَى أَنْ يَقَعَ فِي يَدِ ذَلِكَ التَّاجِرِ أَوِ الوَارِثِ أَوِ الكَاسِبِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النُّور: ٣٣].
[ ٢ / ٣٨٨ ]
٣ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَبْطَلَ حُجَّةَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ اسْتَدَلُّوا بِالقَدَرِ عَلَى مَعَاصِيهِم وَزَعَمُوا أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي شَاءَ ذَلِكَ، بِمَعْنَى أَنَّهُم لَيسَ لَهُم اخْتِيَارٌ يُلَامُونَ عَلَيهِ! فَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأَنْعَام: ١٤٨].
٤ - أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ لِلعَبْدِ مَشِيئَةً مُسْتَقِلَّةً -مِنْ جِهَةِ اخْتِيَارِهِ-، وَلَكِنَّهَا خَاضِعَةٌ لِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى؛ فَلَا يَقَعُ إِلَّا مَا شَاءَهُ اللهُ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التَّكْوِير: ٢٨ - ٢٩] (^١).
٥ - أَنَّ القَولَ بِسَلْبِ مَشِيئَةِ وَاخْتِيَارِ العَبْدِ يُبْطِلُ الثَّوَابَ وَالعِقَابَ! وَلَولَا نِسْبَةُ الفِعْلِ إِلَى العَبْدِ مَا كَانَ لِلثَّنَاءِ عَلَى المُؤْمِنِ المُطِيعِ وَإِثَابَتِهِ فَائِدَةٌ، وَكَذَلِكَ عُقُوبَةُ العَاصِي وَتَوبِيخُهُ، وَهَذَا قَادِحٌ فِي الإِيمَانِ بِاليَومِ الآخِرِ، وَقَادِحٌ فِي عَدْلِهِ تَعَالَى.
بَلْ إِنَّهُ "إِذَا كَانَ الْعُقَلَاءُ مُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّ حَقَّ الْمَخْلُوقِ لَا يَجُوزُ إسْقَاطُهُ احْتِجَاجًا بِالْقَدَرِ؛ فَكَيفَ يَجُوزُ إسْقَاطُ حَقِّ الْخَالِقِ احْتِجَاجًا بِالْقَدَرِ؟! وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْحَكَمُ الْعَدْلُ الَّذِي لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْه أَجْرًا عَظِيمًا" (^٢).
_________________
(١) وَفِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيهَا﴾ [الإسراء: ١٥] بَعْدَ قَولِه سُبْحَانَه: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ أَنَّ "الأَفْعَالَ جَارِيَةٌ مِن فَاعِلِيهَا عَلَى مَا سَبَقَ مِن القَضَاءِ عَلَيهِم فِيهَا، وَإِنَّ مَن نَسَبَ الفِعْلَ إِلَيهِم وَالقَضَاءَ إِلَيهِ سُبْحَانَهُ؛ فَقَد قَالَ بِجَمِيعِ المَعْنَيَين وَاسْتَقَامَ قَولُهُ". يُنْظَرُ: النُّكَتُ الدَّالَّةُ عَلَى البَيَانِ، لِلقَصَّابِ (٢/ ١٠٩).
(٢) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١٤/ ٣١٤).
[ ٢ / ٣٨٩ ]
وَفي الحَدِيثِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ ﵍ -بِنْتَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُمْ: «أَلَا تُصَلُّونَ؟» فَقَالَ عَلِيٌّ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللهِ؛ فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا. فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيهِ شَيئًا، ثُمَّ سَمِعَهُ -وَهُوَ مُدْبِرٌ يَضْرِبُ فَخِذَهُ- وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا﴾ [الكَهْف: ٥٤] (^١).
"فِي هَذَا الحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي مُعَارَضَةُ الأَمْرِ بِالقَدَرِ، فَإِنَّ قَولَهُ: (إِنَّمَا نُفُوسُنَا بِيَدِ اللهِ) إِلَى آخِرِهِ، اسْتِنَادٌ إِلَى القَدَرِ فِي تَرْكِ امْتِثَالِ الأَمْرِ، وَهَذَا القَولُ فِي نَفْسِهِ حَقٌّ، وَلَكِنْ لَا يَصْلُحُ لِمُعَارَضَةِ الأَمْرِ، بَلْ مُعَارَضَةُ الأَمْرِ بِهَذَا مِنْ بَابِ الجَدَلِ المَذْمُومِ الَّذِي قَالَ اللهُ فِيهِ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا﴾، وَلِهَذَا انْصَرَفَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ كَارِهًا لِمَقَالَتِهِ، وَتَلَا قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا﴾، وَضَرْبُهُ فَخِذَهُ يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ أَيضًا، وَتَعَجُّبِهِ مِنْ عَلِيٍّ كَيفَ يُعَارِضُ قَولَهُ لَهُ: «أَلَا تُصَلُّونَ؟» بِتِلْكَ المَقَالَةِ؟! وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ شَيءٍ بِمَشِيئَةِ اللهِ، فَلَو أَنَّ كُلَّ مَنْ أُمِرَ بِأَمْرٍ قَالَ: إِذَا شَاءَ اللهُ فَعَلْتُهُ وَإِذَا شَاءَ لَمْ أَفْعَلْهُ! لَتَعَطَّلَتِ الأَوَامِرُ كُلُّهَا، وَسَادَ هَوَى النُّفُوسِ" (^٢).
وَأَمَّا الجَوَابُ عَلَى اسْتِدْلَالِ الفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ فَهُوَ:
١ - أَنَّ إِثْبَاتِ مَشِيئَةِ العَبْدِ لَا يَعْنِي اسْتِقْلَالَهَا -مِنْ جِهَةِ الوُقُوعِ-! وَلَكِنَّهَا تَحْتَ مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التَّكْوِير: ٢٨ - ٢٩].
٢ - أَنَّ إِثْبَاتَ وُجُودِ شَيءٍ فِي الكَونِ بِغَيرِ مَشِيئَةِ اللهِ هُوَ نَوعُ إِشْرَاكٍ بِهِ مِنْ جِهَةِ
_________________
(١) البُخَارِيُّ (٧٣٤٧)، وَمُسْلِمٌ (٧٧٥).
(٢) شَرْحُ كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٢/ ٢٥٩) لِلغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
تَوحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلِهَذَا سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ القَدَرِيَّةَ مَجُوسَ هَذِهِ الأُمَّةِ (^١).
٣ - أَنَّ عِلْمَ اللهِ بِكُلِّ شَيءٍ وَبِمَا سَيَكُونُ فِي المُسْتَقْبَلِ يَدُلُّ عَلَى أنَّهُ أَرَادَهُ كَونًا؛ وَهَذِهِ هِيَ المَشِيئَةُ.
٤ - أَنَّ فِعْلَ العَبْدِ مِنْ طَاعَةٍ أَو مَعْصِيَةٍ يُنْسَبُ إِلَيهِ مُبَاشَرَةً لِأَنَّ فِيهِ اخْتِيَارًا مِنْهُ، وَهُوَ أَيضًا يُنْسَبُ إِلَى اللهِ تَعَالَى خَلْقًا وَمَشِيئَةً، وَمَفَادُهُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ شَيءٌ عَنْ مُلْكِهِ وَإِذْنِهِ سُبْحَانَهُ، فَهُوَ دَلِيلُ عَظَمَةِ الرَّبِّ تَعَالَى وَكَمَالِ سُلْطَانِهِ، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البَقَرَة: ٢٥٣] (^٢) (^٣).
_________________
(١) صَحِيحٌ. وَهُوَ لَفْظُ الحَدِيثِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (٤٦٩١) عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٤٤٤٢). قَالَ البَيهَقِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ السُّنَنُ الكُبْرَى (١٠/ ٣٤٩): "إِنَّمَا سَمَّاهُمْ مَجُوسًا لِمُضَاهَاةِ بَعْضِ مَا يَذْهَبُونَ إِلَيهِ مَذَاهِبَ المَجُوسِ فِي قَولِهِمْ بِالأَصْلَينِ -وَهُمَا النُّورُ وَالظُّلْمَةُ-، يَزْعُمُونَ أَنَّ الخَيرَ مِنْ فِعْلِ النُّورِ وَأَنَّ الشَّرَّ مِنْ فِعْلِ الظُّلْمَةِ! فَصَارُوا ثَنَوِيَّةً، كَذَلِكَ القَدَرِيَّةُ يُضِيفُونَ الخَيرَ إِلَى اللهِ وَالشَّرَّ إِلَى غَيرِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى خَالِقُ الخَيرِ وَالشَّرِّ، وَالأَمْرَانِ مَعًا مُضَافَانِ إِلَيهِ خَلْقًا وَإِيجَادًا وَإِلَى الفَاعِلِينَ لَهُمَا مِنْ عِبَادِهِ فِعْلًا وَاكْتِسَابًا، هَذَا قَولُ أَبِي سُلَيمَانَ الخَطَابِيِّ ﵀". قُلْتُ: وَهُمْ فِي الحَقِيقةِ فَاقُوا المَجُوسَ فِي هَذِهِ البِدْعَةِ لِأَنَّهُم أَثْبَتُوا خَالِقَينِ كُثُر بِعَدَدِ العِبَادِ.
(٢) قَالَ الشَّيخُ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٢/ ٤٩٢): "فَأَفْعَالُ العِبَادِ مَخْلُوقَةٌ للهِ كَسَائِرِ مَخْلُوقَاتِهِ، وَمَفْعُولَةٌ لَهُ، وَهِيَ فِعْلُ العِبَادِ حَقِيقَةً، وَقَائِمَةٌ بِهِم حَقِيقَةً. فَالكُفْرُ وَالكَذِبُ وَالظُّلْمُ وَنَحْو ذَلِكَ مِنَ القَبَائِحِ؛ يَتَّصِفُ بِهَا مَنْ قَامَتْ بِهِ وَفَعَلَهَا، وَلَا يَتَّصِفُ بِهَا مَنْ خَلَقَهَا وَجَعَلَهَا صِفَةً لِغَيرِهِ! فَكَمَا أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَكُونُ مُتَّصِفًا بِمَا خَلَقَهُ فِي خَلْقِهِ مِنَ الأَلْوَانِ وَالرَّوَائِحِ وَالطُّعُومِ! فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ مُتَّصِفًا بِالفِعْلِ الَّذِي خَلَقَهُ فِي عِبَادِهِ وَجَعَلَهُ وَصْفًا لَهُم. وَبِهَذَا تَزُولُ شُبْهَةُ المُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُم فَي نَفْيِهِمُ الأَفْعَالَ القَبِيحَةَ أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللهِ وَخَلْقِهِ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ القَبِيحِ. وَاللهُ أَعْلَمُ".
(٣) وَيُقَالُ: "إِنَّ بَعْضَ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ أُحْضِرَ لِلْمُنَاظَرَةِ مَعَ بَعْضِ أَئِمَّةِ المُعْتَزِلَةِ، فَلَمَّا جَلَسَ المُعْتَزِلِيُّ قَالَ: =
[ ٢ / ٣٩١ ]
وَيَزِيدُ هَذَا بَيَانًا مَعْرِفَةُ أَنَّ إِرَادَةَ اللهِ تَعَالَى نَوعَانِ؛ شَرْعِيَّةٌ وَكَونِيَّةٌ؛ وَالفَرْقُ بَينَهُمَا:
أ- مِنْ حَيثُ المَحَبَّةِ؛ الشَّرْعيَّةُ تَتَعَلَّقُ بِمَا يُحِبُّهُ اللهُ، وَأَمَّا الكَونِيَّةُ فَقَدْ يُحِبُّهَا اللهُ وَقَدْ لَا يُحِبُّهَا.
ب- مِنْ حَيثُ الوُقُوعِ؛ الشَّرْعِيَّةُ قَدْ تَقَعُ وَقَدْ لَا تَقَعُ، بِخِلَافِ الكَونِيَّةِ فَهِيَ وَاقِعَةٌ لَا مَحَالَةَ، وَكِلَا النَّوعَينِ مَقُرُونٌ بِالحِكْمَةِ.
وَمِثَالُ الكَونِيَّةِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البُرُوج: ١٦)، وَالإِرَادَةُ الكَونِيَّةُ هِيَ نَفْسُهَا المَشِيئَةُ؛ فَمَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشأْ لَمْ يَكُنْ.
وَمِثَالُ الشَّرْعِيَّةِ: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيكُمْ﴾ [النِّسَاء: ٢٧]
_________________
(١) = سُبْحَانَ مَنْ تَنَزَّهَ عَنِ الفَحْشَاءِ. فَقَالَ السُّنِّيُّ: سُبْحَانَ مَنْ لَا يَقَعُ فِي مُلْكِهِ إِلَّا مَا يَشَاءُ. فَقَالَ المُعْتَزِلِيُّ: أَيَشَاءُ رَبُّنَا أَنْ يُعْصَى؟! فَقَالَ السُّنِّيُّ: أَفَيُعْصَى رَبُّنَا قَهْرًا؟! فَقَالَ المُعْتَزِلِيُّ: أَرَأَيتَ إِنْ مَنَعَنِي الهُدَى وَقَضَى عَلَيَّ بِالرَّدَى؛ أَحْسَنَ إِلَيَّ أَو أَسَاءَ؟ فَقَالَ السُّنِّيُّ: إِنْ كَانَ مَنَعَكَ مَا هُوَ لَكَ؛ فَقَدْ أَسَاءَ، وَإِنْ كَانَ مَنَعَكَ مَا هُوَ لَهُ؛ فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ. فَانْقَطَعَ". فَتْحُ البَارِي (١٣/ ٤٥١).
[ ٢ / ٣٩٢ ]
المسألة الثالثة: كيف الجمع بين حديث: «من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره؛ فليصل رحمه» مع الأحاديث الكثيرة الصريحة التي فيها كتابة أجل الإنسان ع
- المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: كَيفَ الجَمْعُ بَينَ حَدِيثِ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أثَرِهِ؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (^١) مَعَ الأَحَادِيثِ الكَثِيرَةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي فِيهَا كِتَابَةُ أَجَلِ الإِنْسَانِ عَلَيهِ، وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ المَرْفُوعُ فِي الصَّحِيحَينِ (^٢) وَالَّذِي فِيهِ: «إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَومًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَمْ سَعِيدٍ» وَذَلِكَ فِي كَونِ الأَجَلِ مَكْتُوبًا، وَفِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ بَيَّنَ أَنَّهُ قَابِلٌ لِلزِّيَادَةِ؟ (^٣)
وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يُونُس: ٤٩]؟
الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّ هَذَا أَمْرٌ غَيبِيٌّ لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرِيعَةِ، فَيَجِبُ إِثْبَاتُ كِلَا الأَمْرَينِ، فَنَقُولُ: العُمْرُ مَكْتُوبٌ؛ وَأَيضًا هُوَ قَابِلٌ لِلزِّيَادَةِ بِسَبَبِ هَذِهِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.
٢ - أَنَّ الشَّرِيعَةَ قَدْ دَلَّتْ أَصْلًا عَلَى إِمْكَانِيَّةِ حُصُولِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَوِ النُّقْصَانِ فِي الأَعْمَارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فَاطِر: ١١] (^٤).
_________________
(١) رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٥٩٨٥)، وَمُسْلِمٌ (٢٥٥٧) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا.
(٢) البُخَارِيُّ (٣٣٣٢)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٤٣).
(٣) وَإِذَا كَانَ قَابِلًا لِلزِّيَادَةِ فَهُوَ أَيضًا قَابِلٌ لِلنَّقْصِ.
(٤) وَفي شَرْحِ هَذَا التَّعْمِيرِ وَالنَّقْصِ أَقْوَالٌ؛ أَشْهَرُهَا أَرْبَعَةٌ، وَهِيَ -بِاخْتِصَارٍ وَتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ مِنْ تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ (١٤/ ٣٣٣) -: =
[ ٢ / ٣٩٣ ]
٣ - أَنَّ هَذِهِ الكِتَابَةَ لَا تُنَافِي وُجُودَ الزِّيَادَةِ أَصْلًا فِي الأَعْمَارِ تَبَعًا لِهَذَهِ الأَسْبَابِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الكِتَابَةَ مَقْطُوعٌ بِهَا بِاعْتِبَارِ الخَاتِمَةِ وَالنِّهَايَةِ؛ فَلَا يَمْنَعُ أَصْلًا أَنْ تَكُونَ مُعْتَبَرَةً ضِمْنَ هَذِهِ الكِتَابَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فَاطِر: ١١] (^١).
_________________
(١) = الأَوَّلُ: أَنَّ التَّعْمِيرَ هُوَ كِتَابَةُ كَمْ يَكُونُ لَهُ مِنَ العُمُرِ، كَمْ سَنَةً وَكَمَ شَهْرًا وَكَمْ يَومًا وَكَمْ سَاعَةً، وَالإِنْقَاصُ هُوَ كِتَابَةُ تَنَاقُصِ عُمُرِهِ البَاقِي حَتَّى يَسْتَوفيَ أَجَلَهُ. كَمَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ: يُكْتَبُ عُمُرُهُ كَذَا وَكَذَا سَنَةً، ثُمَّ يُكْتَبُ فِي أَسْفَلِ ذَلِكَ: ذَهَبَ يَومٌ، ذَهَبَ يَومَانِ، حَتَّى يَأْتيَ عَلَى آخِرِهِ. وَالضَّمِيرُ فِي قَولِهِ: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ يَعُودُ إِلَى نَفْسِ الشَّخْصِ. الثَّاني: أَنَّ المُعَمَّرَ مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً، وَالمَنْقُوصَ مِنْ عُمُرِهِ مَنْ يَمُوتُ قَبْلَ سِتِّينَ سَنَةً، فَالتَّقْصِيرُ لَهُ هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ كَانَ عُمُرُهُ أَطْوَلَ مِنْهُ. وَالضَّمِيرُ فِي قَولِهِ: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ يَعُودُ إِلَى غَيرِ الأَوَّلِ. الثَّالِثُ: أَنَّ اللهَ كَتَبَ عُمُرَ الإِنْسَانِ مِائَةَ سَنَةٍ مَثَلًا إِنْ أَطَاعَ، وَتِسْعِينَ إِنْ عَصَى، فَأيُّهُمَا بَلَغَ فَهُوَ فِي كِتَابٍ. أَي: أَنَّهُ يُكْتَبُ فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ: عُمُرُ فُلَانٍ كَذَا سَنَةً، فَإِنْ وَصَلَ رَحِمَهُ زِيدَ فِي عُمُرِهِ كَذَا سَنَةً، فَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي مَوضِعٍ آخَرَ مِنَ اللَّوحِ المَحْفُوظِ إنَّهُ سَيَصِلُ رَحِمَهُ، فَمَنْ اطَّلَعَ عَلَى الأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي ظَنَّ أَنَّهُ زِيَادَةٌ أَو نُقْصَانٌ. وَالضَّمِيرُ فِي قَولِهِ: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ يَعُودُ إِلَى نَفْسِ الشَّخْصِ. الرَّابِعُ: أَنَّ النَّقْصَ هُوَ النَّقْصُ مِنَ العُمُرِ المَكْتُوبِ، كَمَا يُرَادُ بِالزِّيَادَةِ الزِّيَادَةُ فِي العُمُرِ المَكْتُوبِ. وَالتَّغْيِيرُ يَكُونُ فِي صُحُفِ المَلَائِكَةِ دُونَ مَا فِي عِلْمِ اللهِ تَعَالَى. وَالضَّمِيرُ فِي قَولِهِ: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ يَعُودُ إِلَى نَفْسِ الشَّخْصِ. وَالقَولُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ قَرِيبَانِ، وَالرَّابِعُ أَرْجَحُ عِنْدِي لِمُوَافَقَتِهِ صَرِيحَ الحَدِيثِ وَكَلَامَ السَّلفِ كَعُمَرَ ﵁؛ كَمَا سَيَأْتِي.
(٢) وَفِي صَحيحِ مُسْلِمِ (٢٦٤٧) عَنْ حُذَيفَةَ بْنِ أَسِيدٍ مَرْفُوعًا: «يَدْخُلُ المَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَمَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَرْبَعِينَ لَيلَةً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَاذَا؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقُولُ اللهُ فَيُكْتَبَانِ، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَثَرُهُ وَمُصِيبَتُهُ وَرِزْقُهُ وَأَجَلُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصَّحِيفَةُ فَلَا يُزَادُ عَلَى مَا فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ» فَهُوَ يُبَيِّنُ عَدَمَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ؛ وَلَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ التَّبْدِيلِ مِنْ جِهَةِ المَلَكِ، كَمَا فِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: «فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ وَلَا يُنْقِصُ».
[ ٢ / ٣٩٤ ]
وَأَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرَّعْد: ٣٩] (^١).
٤ - أَنَّ التَّبْدِيلَ هُوَ حَاصِلٌ بِدِلَالَةِ صَرِيحِ الحَدِيثِ لَكِنَّهُ يَكُونُ فِي صُحُفِ المَلَائِكَةِ؛ بِخِلَافِ مَا هُوَ فِي عِلْمِ اللهِ تَعَالَى أَوِ اللَّوحِ المَحْفُوظِ فَهُوَ لَا يَتَغَيَّرُ.
كَمَا ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ -وَهُوَ يَطُوفُ بِالبَيتِ وَيَبْكِي-: (اللَّهُمَّ! إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَ عَلَيَّ شِقْوَةً أَو ذَنْبًا؛ فَامْحُهُ؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الكِتَابِ، فَاجْعَلْهُ سَعَادَةً وَمَغْفِرَةً) (^٢).
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "وَالجَوَابُ المُحَقَّقُ: أَنَّ اللهَ يَكْتُبُ لِلْعَبْدِ أَجَلًا فِي صُحُفِ المَلَائِكَةِ؛ فَإِذَا وَصَلَ رَحِمَهُ زَادَ فِي ذَلِكَ المَكْتُوبِ، وَإِنْ عَمِلَ مَا يُوجِبُ النَّقْصَ نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ المَكْتُوبِ.
وَنَظِيرُ هَذَا مَا فِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيرِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ آدَمَ لَمَّا طَلَبَ مِنَ اللهِ أَنْ يُرِيَهُ صُورَةَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ؛ فَأَرَاهُ إيَّاهُمْ، فَرَأَى فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ بَصِيصٌ؛ فَقَالَ: مَنْ هَذَا يَا
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٤/ ٤٦٩) بَعْدَ إِيرَادِهِ عِدَّةَ أَقْوَالٍ: "وَمَعْنَى هَذِهِ الأَقْوَالِ: أَنَّ الأَقْدَارَ يَنْسَخُ اللهُ مَا يَشَاءُ مِنْهَا، وَيُثْبِتُ مِنْهَا مَا يَشَاءُ، وَقَدْ يُسْتَأْنَسُ لِهَذَا القَولِ بِمَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ (٢٢٣٨٦) عَنْ ثَوبَانَ مَرْفُوعًا: «إِنَّ الرَّجُلُ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ، وَلَا يَرُدُّ القَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، ولَا يَزِيدُ فِي العُمُرِ إِلَّا البِرُّ» ". قُلْتُ: وَالشَّطْرُ الأَوَّلُ مِنَ الحَدِيثِ لَمْ يَصِحَّ، كَمَا فِي الصَّحِيحَةِ (١٥٤).
(٢) صَحِيحٌ. الطَّبَرِيُّ فِي التَّفْسِيرِ (١٦/ ٤٨١). اُنْظُرِ التَّعْلِيقَ عَلَى حَدِيثِ الضَّعِيفَةِ (٥٤٤٨).
[ ٢ / ٣٩٥ ]
رَبِّ؟ فَقَالَ: (ابْنُكَ دَاوُد). قَالَ: فَكَمْ عُمُرُهُ؟ قَالَ: (أَرْبَعُونَ سَنَةً). قَالَ: وَكَمْ عُمْرِي؟ قَالَ: (أَلْفُ سَنَةٍ). قَالَ: فَقَدْ وَهَبْتُ لَهُ مِنْ عُمْرِي سِتِّينَ سَنَةً. فَكَتَبَ عَلَيهِ كِتَابًا وَشَهِدَتْ عَلَيهِ المَلَائِكَةُ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ قَالَ: قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمْرِي سِتُّونَ سَنَةً! قَالُوا: وَهَبْتَهَا لِابْنِك دَاوُد. فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَأَخْرَجُوا الكِتَابَ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَنَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ». وَرُوِيَ أَنَّهُ كَمَّلَ لِآدَمَ عُمُرَهُ وَلِدَاوُدَ عُمُرَهُ. فَهَذَا دَاوُدُ كَانَ عُمُرُهُ المَكْتُوبُ أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ جَعَلَهُ سِتِّينَ. وَهَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: (اللَّهُمَّ إنْ كُنْت كَتَبَتْنِي شَقِيًّا فَامْحُنِي وَاكْتُبْنِي سَعِيدًا؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ). وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ عَالِمٌ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَو كَانَ كَيفَ كَانَ يَكُونُ، فَهُوَ يَعْلَمُ مَا كَتَبَهُ لَهُ وَمَا يَزِيدُهُ إيَّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالمَلَائِكَةُ لَا عِلْمَ لَهُمْ إِلَّا مَا عَلَّمَهُمُ اللهُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ الأَشْيَاءَ قَبْلَ كَونِهَا وَبَعْدَ كَونِهَا؛ فَلِهَذَا قَالَ العُلَمَاءُ: إنَّ المَحْوَ وَالإِثْبَاتَ فِي صُحُفِ المَلَائِكَةِ، وَأَمَّا عِلْمُ اللهِ سُبْحَانَهُ فَلَا يَخْتَلِفُ وَلَا يَبْدُو لَهُ مَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ، فَلَا مَحْوَ فِيهِ وَلَا إثْبَاتَ، وَأَمَّا اللَّوحُ المَحْفُوظُ فَهَلْ فِيهِ مَحْوٌ وَإِثْبَاتٌ عَلَى قَولَينِ. وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ" (^١).
وَقَالَ الشَّيخُ السَّعْدِيُّ ﵀: " ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ مِنَ الأَقْدَارِ ﴿وَيُثْبِتُ﴾ مَا يَشَاءُ مِنْهَا، وَهَذَا المَحْو وَالتَّغْيِيرُ فِي غَيرِ مَا سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ وَكَتَبَهُ قَلَمُهُ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يَقَعُ فِيهِ تَبْدِيلٌ وَلَا تَغْيِيرٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللهِ أَنْ يَقَعَ فِي عِلْمِهِ نَقْصٌ أَو خَلَلٌ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أَي اللَّوحُ المَحْفُوظُ الَّذِي تَرْجِعُ إِلَيهِ سَائِرُ الأَشْيَاءِ؛ فَهُوَ
_________________
(١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (١٤/ ٤٩١). قُلْتُ: وَحَدِيثُ آدَمَ وَدَاوُدَ ﵉ صَحِيحٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٣٣٦٨) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. صَحِيحُ الجَامِعِ (٥٢٠٨).
[ ٢ / ٣٩٦ ]
أَصْلُهَا وَهِيَ فُرُوعٌ لَهُ وَشُعَبٌ.
فَالتَّغْيِيرُ وَالتَّبْدِيلُ يَقَعُ فِي الفُرُوعِ وَالشُّعَبِ كَأَعْمَالِ اليَومِ وَاللَّيلَةِ الَّتِي تَكتُبُهَا المَلَائِكَةُ (^١)، وَيَجْعَلُ اللهُ لِثُبُوتِهَا أَسْبَابًا وَلِمَحْوِهَا أَسْبَابًا، لَا تَتَعَدَّى تِلْكَ الأَسْبَابُ مَا رُسِمَ فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ، كَمَا جَعَلَ اللهُ البِرَّ وَالصِّلَةَ وَالإِحْسَانَ مِنْ أَسْبَابِ طُولِ العُمُرِ وَسِعَةِ الرِّزْقِ، وَكَمَا جَعَلَ المَعَاصِي سَبَبًا لِمَحقِ بَرَكَةِ الرِّزْقِ وَالعُمُرِ، وَكَمَا جَعَلَ أَسْبَابَ النَّجَاةِ مِنَ المَهَالِكِ وَالمَعَاطِبِ سَبَبًا لِلسَّلَامَةِ، وَجَعَلَ التَّعَرُّضَ لِذَلِكَ سَبَبًا لِلعَطَبِ، فَهُوَ الَّذِي يُدَبِّرُ الأُمُورَ بِحَسْبِ قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَمَا يُدَبِّرُهُ مِنْهَا لَا يُخَالِفُ مَا قَدْ عَلِمَهُ وَكَتَبَهُ فِي اللَّوحِ المَحْفُوظِ" (^٢) (^٣).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ فِي الفَتْحِ (١١/ ٤٨٨): "وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَعَلَّقَ ذَلِكَ بِمَا فِي عِلْمِ الحَفَظَةِ وَالمُوَكَّلِينَ بِالآدَمِيِّ؛ فَيَقَعُ فِيهِ المَحْو وَالإِثْبَاتُ كَالزِّيَادَةِ فِي العُمُرِ وَالنَّقْصِ، وَأَمَّا مَا فِي عِلْمِ اللهِ فَلَا مَحْوَ فِيهِ وَلَا إِثْبَاتَ. وَالعِلْمُ عِنْدَ اللهِ".
(٢) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (ص ٤١٩).
(٣) وَهُنَاكَ وَجْهٌ خَامِسٌ أَورَدَهُ بَعْضُهُم، وَهُوَ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي العُمُرِ هِيَ بِمَعْنَى البَرَكَةِ، وَهَذَا الوَجْهُ بَعِيدٌ عَنِ الصِّحَّةِ، وَالرَّاجِحُ مَا أَثْبَتْنَاهُ. قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (١٤/ ٤٩٠): "وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ المُرَادَ بِهِ البَرَكَةُ فِي العُمْرِ؛ بِأَنْ يَعْمَلَ فِي الزَّمَنِ القَصِيرِ مَا لَا يَعْمَلُهُ غَيرُهُ إِلَّا فِي الكَثِيرِ، قَالُوا: لِأَنَّ الرِّزْقَ وَالأَجَلَ مُقَدَّرَانِ مَكْتُوبَانِ. فَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ: تِلْكَ البَرَكَةُ -وَهِيَ الزِّيَادَةُ فِي العَمَلِ وَالنَّفْعِ- هِيَ أَيضًا مُقَدَّرَةٌ مَكْتُوبَةٌ وَتَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ". وَفَرَّقَ بَعْضُهُم بَينَ العُمْرِ وَالأَجَلِ؛ فَجَعَلَ العُمْرَ قَابِلًا لِلزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ بِدِلَالَةِ النُّصُوصِ، وَجَعَلَ الأَجَلَ غَيرَ قَابِلٍ لِلزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ أَيضًا بِدِلَالَةِ النُّصُوصِ! قُلْتُ: وَلَكِنَّ التَّفْرِيقَ يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ أَصْرَحَ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
- المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إِذَا كَانَ العَبْدُ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ تَعَالَى وَكَتَبَ ذَلِكَ عِنْدَهُ؛ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ أَو مِنْ أَهْلِ النَّارِ؛ فَلِمَاذَا العَمَلُ؟
الجَوَابُ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّ عِلْمَ اللهِ تَعَالَى هُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ رُبُوبِيَّتِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى عَظَمَتِهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَّوَابُ وَالعِقَابُ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ الثَّوَابُ وَالعِقَابُ بِعَمَلِ العَبْدِ، فَاللهُ تَعَالَى عَلِمَ مَا سَيَكُونُ وَكَتَبَ عِنْدَهُ، وَأَمَّا جَزَاؤُهُ فَمُتَعَلِّقٌ بِعَمَلِ العَبْدِ، وَهَذَا عِلْمٌ آخَرُ غَيرُ العِلْمِ الأَوَّلِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عِمْرَان: ١٤٢]، فَالعَبْدُ مَأْمُورٌ بِالعَمَلِ لِتَكُونَ لَهُ حُجَّتُهُ عِنْدَ رَبِّهِ (^١).
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يُونُس: ٢] كَيفَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الإِيمَانَ سَبَبًا لِمَا سَبَقَ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِهِ بِدُخُولِهِمُ الجَنَّةَ.
٢ - أَنَّ العَبْدَ وَإِنْ كَانَ مَكْتُوبًا اسْمُهُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ أَوِ السَّعَادَةِ؛ فَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ الفَرِيقَينِ! وَلَكِنَّ عَمَلَهُ يَكُونُ دَالًّا عَلَى ذَلِكَ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ؛ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقْنَا الآنَ، فِيمَ العَمَلُ اليَومَ، أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟ قَالَ: «لَا، بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ المَقَادِيرُ».
_________________
(١) قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀: "فِي غَرِيبِ سُورَةِ يُونُس: فَقَالَ: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يُونُس: ٢]: سَبَقَ لَهُمُ السَّعَادَةُ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ". الإِتْقَانُ فِي عُلُومِ القُرْآنِ (٢/ ١٨) تَحْتَ النَّوعِ السَّادِسِ وَالثَّلَاثِينَ: فِي مَعْرِفَةِ غَرِيبِهِ.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
قَالَ: فَفِيمَ العَمَلُ؟ قَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ» (^١)، فَعَمَلُ العَبْدِ هُوَ الشَّاهِدُ لَهُ وَهُوَ الدَّلِيلُ عَلَيهِ (^٢).
وَفي الصَّحِيحَينِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، وَمَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَو سَعِيدَةً»، قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ؛ فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ قَالَ: «أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ الآيَةَ [اللَّيل: ٥ - ٧] (^٣).
فَتَأَمَّلْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ -كَمَا فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ- أَنَّ مَنْ بَادَرَ بِالطَّاعَةِ وَالتَّصْدِيقِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى سَيُيَسِّرُهُ لِلحُسْنَى الَّتِي هِيَ الجَنَّةُ، والعَكْسُ بِالعَكْسِ (^٤).
قَالَ ابْنُ بَطَّال ﵀ فِي شَرْحِ البُخَاريِّ: "وَقَولُهُ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ
_________________
(١) مُسْلِمٌ (٢٥٤٨).
(٢) وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ (٣٣٧) فِي آخِرِ الحَدِيثِ: قَالَ سُرَاقَةُ: (فَلَا أَكُونُ أَبَدًا أَشَدَّ اجْتِهَادًا فِي الْعَمَلِ مِنِّي الْآنَ). التَّعْلِيقَاتُ الحِسَانُ (٣٣٨).
(٣) البُخَارِيُّ (١٣٦٢)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٤٧).
(٤) وَقَدْ سَأَلَ أَحَدُ إِخْوَانِنَا الشَّيخَ حَمْدِي بْنَ عَبْدِ المَجِيدِ السَّلَفِيَّ حَفِظَهُ اللهُ عَنْ أَحَدِ مَشَايخِ السُّوءِ الَّذِي ادَّعَى أَنَّ فُلَانًا -مِنْ أَكَابِرِ مُجْرِمِيهَا- أَنهُّ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ!! فَأَجَابَ الشَّيخُ الفَاضِلُ بِقَولِهِ: "صَحِيحٌ أَنِّي لَا أَعْرِفُ عَنْ فُلَانٍ -مِثْلَ مَا يَقُولُ ذَلِكَ الشَّيخُ- أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ! وَلَكِنِّي أَعْرِفُ صِفَاتِ كُلِّ أَهْلِ الجَنَّةِ؛ وَلَيسِ فَرْدًا وَاحِدًا".
[ ٢ / ٣٩٩ ]
لَهُ» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إِبْطَالِ قَولِ أَهْلِ الجَبْرِ، لِأَنَّ التَّيسِيرَ غَيرُ الجَبْرِ! وَاليُسْرَى: العَمَلُ بِالطَّاعَةِ، وَالعُسْرَى: العَمَلُ بِالمَعْصِيَةِ.
قَالَ الطَّبَرِيُّ -فِي حَدِيثِ عَليٍّ-: إِنَّ اللهَ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا بِمَنْ يُطِيعُهُ فَيُدْخِلُهُ الجَنَّةَ، وَبِمَنْ يَعْصِيهِ فَيُدْخِلُهُ النَّارَ، وَلَمْ يَكُنِ اسْتِحْقَاقُ مِنْ يَسْتَحِقُّ الجَنَّةَ مِنْهُم بِعِلْمِهِ السَّابِقِ فِيهِم؛ وَلَا اسْتِحْقَاقِهِ النَّارَ لِعِلْمِهِ السَّابِقِ فِيهِم! وَلَا اضْطَرَّ أَحَدًا مِنْهُم عِلْمُهُ السَّابِقُ إِلَى طَاعَةٍ أَو مَعْصِيَةٍ! وَلَكِنَّهُ تَعَالَى نَفَذَ عِلْمُهُ فِيهِم قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُم وَمَا هُمْ عَامِلُونَ وَإِلى مَا هُمْ صَائِرُونَ، إِذْ كَانَ لَا تَخْفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُم وَلَا بَعْدَ مَا خَلَقَهُم، وَلِذَلِكَ وَصَفَ أَهْلَ الجَنَّةِ فَقَالَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الوَاقِعَة: ١٣ - ١٤]، إِلَى قَولِهِ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الوَاقِعَة: ٢٢ - ٢٤]، وقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السَّجْدَة: ١٧].
وَكَذَلِكَ قَالَ فِي أَهْلِ النَّارِ: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فُصِّلت: ٢٨]، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَثَابَ أَهْلَ طَاعَتِهِ جَنَّتَهُ بِطَاعَتِهِ، وَجَازَى أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ النَّارَ بِمَعْصِيَتِهِم إِيَّاهُ، وَلَم يُخْبِرْنَا أنَّهُ أَدْخَلَ مَنْ أَدْخَلَ مِنْهُم النَّارَ وَالجَنَّةَ لِسَابِقِ عِلْمِهِ فِيهِم! وَلَكِنَّهُ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّ هَذَا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَالجَنَّةِ وَأَنَّهُ يَعْمَلُ بِطَاعَتِهِ؛ وَفِي هَذَا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ وَأَنَّهُ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا بِمَعْصِيَتِهِ، فَلِذَلِكَ أَمَرَ تَعَالَى وَنَهَى، لِيُطِيعَهُ المُطِيعُ مِنْهُم فَيَسْتَوجِبَ بِطَاعَتِهِ الجَنَّةَ، وَيَسْتَحِقَّ العِقَابَ مِنْهُم بِمَعْصِيَتِهِ العَاصِي فَيَدْخُلَ بِهَا النَّارَ، وَلِتَتِمَّ حُجَّةُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا مَعْنَى قَولِهِ ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» إِنْ كَانَ الأَمْرُ كَمَا وُصِفَ مِنْ أَنَّ الَّذِي سَبَقَ لِأَهْلِ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاءِ لَمْ يَضْطَرَّ وَاحِدًا مِنَ الفَرِيقَينِ إِلَى الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ وَيُمَهِّدُ لِنَفْسِهِ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يُجْبِرْهُ عَلَى ذَلِكَ؟
[ ٢ / ٤٠٠ ]
قِيلَ: هُوَ أَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنْ هَذِينِ مُسَهَّلٌ لَهُ العَمَلُ الَّذِي اخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ؛ مُزَيَّنٌ ذَلِكَ لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحُجُرَات: ٧] الآيَةُ (^١).
وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاءِ؛ فَإِنَّهُ زَيَّنَ لَهُم سُوءَ أَعْمَالِهِم لِإِيثَارِهِم لَهَا عَلَى الهُدَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النَّمْل: ٤]، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فَاطِر: ٨]، وَهَذَا يُصَحِّحُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ عِلْمَ اللهِ النَّافِذَ فِي خَلْقِهِ بِمَا هُمْ بِهِ عَامِلُونَ؛ وَكِتَابَهُ الَّذِي كَتَبَهُ قَبْلَ خَلْقِهِ إِيَّاهُم بِأَعْمَالِهِم: لَمْ يَضْطَرَّ أَحَدًا مِنْهُم إِلَى عَمَلِهِ ذَلِكَ! بَلْ هُوَ أَنَّ المُضْطَرَّ إِلَى الشَّيءِ لَا شَكَّ أَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَيهِ لَا مُحِبٌّ لَهُ! بَلْ هُوَ لَهُ كَارِهٌ وَمِنْهُ هَارِبٌ، وَالكَافِرُ يُقَاتِلُ دُونَ كُفْرِهِ أَهْلَ الإِيمَانِ! وَالفَاسِقُ يُنَاصِبُ دُونَ فِسْقِهِ الأَبْرَارَ! مُحَامَاةً مِنْ هَذَا عَنْ كُفْرِهِ الَّذِي اخْتَارَهُ عَلَى الإِيمَانِ، وَإِيثَارًا مِنْ هَذَا لِفِسْقِهِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَكَذَلِكَ المُؤْمِنُ يَبْذُلُ مُهْجَتَهُ دُونَ إِيمَانِهِ، وَيُؤْثِرُ العَنَاءَ وَالنَّصَبَ دُونَ مَلَاذِّهِ وَشَهَوَاتِهِ حُبًّا لِمَا هُوَ لَهُ مُخْتَارٌ مِنْ طَاعَةِ رَبِّهِ عَلَى مَعَاصِيهِ، وَأَنَّى يَكُونُ مُضْطَرًّا إِلَى مَا يَعْمَلُهُ مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَاتُهُ؟ فَبَانَ أَنَّ مَعْنَى قَولِهِ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» هُوَ أَنَّ كُلَّ فرِيقَي السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ مُسَهَّلٌ لَهُ العَمْلُ الَّذِي اخْتَارَهُ؛ مُزَيَّنٌ ذَلِكَ لَهُ" (^٢).
_________________
(١) وَعَلَيهِ تَكُونُ عَلَامَةُ هِدَايَةِ اللهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ هِيَ أَنْ يُحِبَّ العَبْدُ مَا يُحِبُّ اللهُ تَعَالَى، وَأَنْ يَكْرَهَ العَبْدُ مَا يَكْرَهُهُ اللهُ تَعَالَى، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأَنْعَام: ١٢٥].
(٢) شَرْحُ البُخَارِيِّ (١٠/ ٣٠٣).
[ ٢ / ٤٠١ ]
المسألة الخامسة: ما الجواب عن قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله﴾
- المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: مَا الجَوَابُ عَنْ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيءٍ مِنَ الصَّيدِ تَنَالُهُ أَيدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المَائِدَة: ٩٤] وَالَّذِي فِيهِ الإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَعْلَمُ مَا سَيَكُونُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَّا بَعْدَ الوُقُوعِ؟ (^١)
الجَوَابُ:
إِنَّ هَذَا العِلْمَ عِلْمٌ آخَرُ غَيرُ العِلْمِ السَّابِقِ، فَهُوَ عِلْمُ مُشَاهَدَةٍ وَظُهُورٍ، أَمَّا العِلْمُ السَّابِقُ لَهُ سُبْحَانَهُ فَهُوَ عِلْمٌ أَزَلِيٌّ بِمَا كَانَ وَمَا سَيَكُونُ -كَمَا سَبَقَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَدِلَّةِ-، وَلَكِنَّ الفَرْقَ بَينَهُمَا أَنَّ العِلْمَ المُضَارِعَ للعَمَلِ هُوَ الَّذِي يُبْنَى عَلَيهِ الثَّوَابُ وَالعِقَابُ، وَذَلِكَ كَي لَا يَكُونَ لِلعَاصِي حُجَّةٌ عَلَى مَعْصِيَتِهِ (^٢).
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "وَأَمَّا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيهِ﴾ [البَقَرَة: ١٤٣]، وَقَوْلُهُ: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَينِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف: ١٢] وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ فَهَذَا هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْلُومِ بَعْدَ وُجُودِهِ، وَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ الْمَدْحُ وَالذَّمُّ، وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ سَيَكُونُ، وَمُجَرَّدُ ذَلِكَ الْعِلْمِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ مَدْحٌ وَلَا ذَمٌّ، وَلَا ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ؛ فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ وُجُودِ الْأَفْعَالِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذَا: (لِنَرَى). وَكَذَلِكَ الْمُفَسِّرُونَ قَالُوا:
_________________
(١) وَمِثْلُهُ أَيضًا قَولُهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عِمْرَان: ١٤٢].
(٢) قُلْتُ: وَأَمَّا لَو اسْتَنْفَدَ العَاصيُ فُرْصَتَهُ فِي العَمَلِ؛ فَإِنَّ عِلْمَ اللهِ تَعَالَى السَّابِقَ حَاكِمٌ عَلَيهِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٢٨].
[ ٢ / ٤٠٢ ]
لِنَعْلَمَهُ مَوْجُودًا بَعْدَ أَنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَكُونُ" (^١).
وَقَالَ الشَّيخُ العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ ﵀ -فِي القَوَاعِدِ الحِسَانِ-: "القَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالأَرْبَعُونَ: مَتَى عَلَّقَ اللهُ عِلْمَهُ بِالأُمُورِ بَعْدَ وُجُودِهَا؛ كَانَ المُرَادُ بِذَلِكَ العِلْمَ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيهِ الجَزَاءُ" (^٢).
_________________
(١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٨/ ٤٩٦).
(٢) القَوَاعِدُ الحِسَانُ (ص ١٢٣).
[ ٢ / ٤٠٣ ]
- المَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: إِذَا كَانَتِ الهِدَايَةُ مِنَ اللهِ تَعَالَى؛ فَكَيفَ يَكُونُ لِلعَبْدِ أَصْلًا سَعْيٌ فِيهَا، وَمَا الَّذِي يُمَيِّزُ العَاصِي عَنِ الطَّائِعِ؟
الجَوَابُ:
إنَّ اللهَ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِ كُلِّ عَبْدٍ، فَإِذَا عَلِمَ مِنْهُ صِدْقَ الطَّلَبِ لِلهِدَايَةِ، وَالإِنْصَافَ فِي سَمَاعِ الحَقِّ وَتَمْيِيزَهُ، وَحِرْصَهُ عَلَى ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى يَهْدِيه كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأَنْفَال: ٢٣]، وَهَذِهِ الهِدَايَةُ هِيَ فَضْلٌ وَرَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ تَعَالَى عَلَى نَفْسِهِ.
وَأَمَّا المُعْرِضُ عَنْ سَمَاعِ وَتَدَبُّرِ الآيَاتِ؛ المُسْتَكْبِرُ عَنِ الحَقِّ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَطْمِسُ عَلَى قَلْبِهِ فَلَا يَشْرَحُ صَدْرَهُ لِلِإسْلَامِ، كَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يُونُس: ١٠٠)، فَلَا يَجِدُ المُعْرِضُ مَا يَجِدُ المُؤْمِنُ مِنْ حَلَاوَةِ الطَّاعَاتِ وَمَحَبَّةِ العِبَادَةِ وَالتَّعَلُّقِ بِاللهِ تَعَالَى وَالفَرَحِ بِذِكْرِ اللهِ وَالاطْمِئْنَانِ إِلَى السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَالانْشِرَاحِ إِلَيهَا (^١).
_________________
(١) وَكَمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصَّف: ٥]. قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٨/ ١٠٩): "وَقَولُهُ: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾: أَي: فَلَمَّا عَدَلُوا عَنِ اتِّبَاعِ الحَقِّ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ؛ أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ عَنِ الهُدَى، وَأَسْكَنَهَا الشَّكَّ وَالحَيرَةَ وَالخُذْلَانَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأَنْعَامِ: ١١٠]، وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النِّسَاءِ: ١١٥] وَلِهَذَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ".
[ ٢ / ٤٠٤ ]
وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأَنْعَام: ١٢٥].
[ ٢ / ٤٠٥ ]
- المَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: مَا هُوَ حَدِيثُ الكِتَابَينِ، وَأَينَ هُمَا الآنَ؟
الجَوَابُ:
الحَدِيثُ هُوَ: خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ، فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الكِتَابَانِ؟» فَقُلْنَا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا، فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ اليُمْنَى: «هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ؛ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا»، ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ: «هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ؛ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ (^١)؛ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا»، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: فَفِيمَ العَمَلُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا؛ فَإِنَّ صَاحِبَ الجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدَيهِ فَنَبَذَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: «فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ العِبَادِ؛ فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ» (^٢).
وَأَمَّا نَفْسُ الكِتَابَينِ؛ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا تَمْثِيلٌ وَتَقْرِيبٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَيسَ هُمَا كِتَابَينِ حَقِيقَةً (^٣)، وَبَيَانُ ذَلِكَ هُوَ مِنْ أَوجُهٍ:
أ- أَنَّ اللَّوحَ المَحْفُوظَ الَّذِي فِيهِ تِلْكَ الأَسْمَاءُ هُوَ مَحْفُوظٌ أَصْلًا مَنْ أَنْ يَمَسَّهُ أَحَدٌ.
_________________
(١) قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (١١/ ١٢٨): "أَجْمَلْتُ الحِسَابَ: إِذَا جَمَعْتُ آحَادَهُ وَكَمَّلْتُ أَفْرَادَهُ، أَي: أُحْصُوا وَجُمِعُوا؛ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ".
(٢) صَحِيحٌ. التِّرْمِذِيُّ (٢١٤١) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو بْنِ العَاصِ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (٨٤٨).
(٣) وَذَهَبَ المُبَارَكْفُورِي ﵀ فِي كِتَابِهِ (مِرْعَاةُ المَفَاتِيحِ) (١/ ١٨٥) إِلَى حَقِيقَةِ الكِتَابَينِ. قُلْتُ: وَمَا أَثْبَتْنَاهُ أَولَى لِمَا سَتَرَى مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
ب- أَنَّهُ لَو كَانَ المَقْصُودُ حَقِيقَتَهُ؛ لَتَوَاتَرَتِ الأَخْبَارُ عَنْهُمَا وَعَنْ مَصِيرِهِمَا؛ فَشَأْنُهُمَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَخْفَيَانِ عَلَى أَحَدٍ.
ج- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَبَذَهُمَا بِيَدِهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا لَيسَا بِمُحْتَرَمَينِ أَصْلًا مِنْ جِهَةِ حَقِيقَتِهِمَا.
قَالَ الشَّيخُ الغُنَيمَانُ حَفِظَهُ اللهُ: "وَهَذَانِ الكِتَابَانِ اللَّذَانِ أَخَذَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيسَا هُمَا الكِتَابَانِ اللَّذَانِ كَتَبَ اللهُ فِيهِمَا أَسْمَاءَ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ تَمْثِيلٌ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ وَتَقْرِيبٌ إِلَى أَفْهَامِ النَّاسِ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى عَلِمَ كُلَّ شَيءٍ مِمَّا سَيَكُونُ وَمَا يَصِيرُ إِلَيهِ العِبَادُ، وَكَتَبَهُ تَأْكِيدًا لِعِلْمِهِ تَعَالَى فَلَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَبَدَّلُ" (^١).
_________________
(١) شَرْحُ كِتَابِ التَّوحِيدِ مِنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٢/ ٦٢٨).
[ ٢ / ٤٠٧ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: إِذَا كَانَ لَا يَجُوزُ الاحْتِجَاجُ بِالقَدَرِ عَلَى المَعْصِيَةِ؛ فَكَيفَ احْتَجَّ آدَمُ ﵊ بِالقَدَرِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ؟ (^١)
الجَوَابُ هُوَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَينِ:
١ - أَنَّ لَومَ مُوسَى ﵊ لِآدَمَ لَيسَ هُوَ عَلَى المَعْصِيَةِ؛ وَإِنَّمَا عَلَى الخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَجَابَ عَنْهُ آدَمُ ﵊ بِكَونِهِ مَكْتُوبًا عَلَيهِ وَعَلَى ذُرِّيَّتِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ المَعْصِيَةَ، فَهُوَ اسْتِدْلَالٌ بِالقَدَرِ عَلَى الخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ وَلَيسَ عَلَى المَعْصِيَةِ نَفْسِهَا، فَالمَعْصِيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِآدَمَ وَحْدَهُ، بِخِلَافِ الهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ فَهُو مُتَعَلِّقٌ بِكُلِّ بَني آدَمَ، وَهَذَا الَّذِي لَامَ عَلَيهِ مُوسَى ﵊.
وَعَلَيهِ؛ فَإِنَّ آدَمَ لَمْ يَحْتَجَّ بِالقَدَرِ عَلَى المَعْصِيَةِ! وَإِنَّمَا عَلَى الهُبُوطِ بِشَأْنِ الذُّرِّيَّةِ، وَهُوَ شَيءٌ مُخْتَلِفٌ عَنِ المَعْصِيَةِ.
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "الصَّوَابُ فِي قِصَّةِ آدَمَ وَمُوسَى أَنَّ مُوسَى لَمْ يَلُمْ آدَمَ إلَّا مِنْ جِهَةِ المُصِيبَةِ الَّتِي أَصَابَتْهُ وَذُرِّيَّتَهُ بِمَا فَعَلَ لَا لِأَجْلِ أَنَّ تَارِكَ الْأَمْرِ مُذْنِبٌ عَاصٍ! وَلِهَذَا قَالَ: لِمَاذَا أَخْرَجْتنَا وَنَفْسَك مِنَ الجَنَّةِ؟ لَمْ يَقُلْ: لِمَاذَا خَالَفْت الْأَمْرَ وَلِمَاذَا عَصَيْت؟ وَالنَّاسُ مَأْمُورُونَ عِنْدَ المَصَائِبِ الَّتِي تُصِيبُهُمْ بِأَفْعَالِ النَّاسِ أَوْ بِغَيْرِ أَفْعَالِهِمْ بِالتَّسْلِيمِ لِلْقَدَرِ وَشُهُودِ الرُّبُوبِيَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلَّا
_________________
(١) وَالحَدِيثُ هُوَ: «التَقَى آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى لِآدَمَ: أنْتَ الَّذِي أَشْقَيتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الجَنَّةِ؟! قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ، وَاصْطَفَاكَ لِنَفْسِهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيكَ التَّورَاةَ؟! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَوَجَدْتَهَا كُتِبَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي؟ قَالَ: نَعَمْ. فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى». البُخَارِيُّ (٤٧٣٦)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٥٢) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا. وَمَعْنَى (فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى): أَي: غَلَبَهُ بِالحُجَّةِ.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَوْ غَيْرُهُ: هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ المُصِيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ" (^١).
٢ - أَنَّ احْتِجَاجَ آدَمَ ﵊ لَوْ كَانَ بِالقَدَرِ عَلَى وُقُوعِ المَعْصِيَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا حَرَجَ فِيهِ هُنَا لِأَنَّهُ احْتِجَاجٌ بَعْدَ التَّوبَةِ مِنْهَا وَلَيسَ مَعَ المَعْصِيَةِ! وَعَلِيهِ فَلَا إِشْكَالَ فِي الاحْتِجَاجِ بِالقَدَرِ لِأَنَّه لَا يُبَرِّرُ مُحَرَّمًا وَلَا يَمْنَعُ وَاجِبًا، وَهُوَ دَلِيلُ ضَعْفِ العَبْدِ وَافْتِقَارِهِ إِلَى رَبِّهِ فِي كُلِّ أَمْرِهِ حَتَّى فِي حِفْظِهِ مِنْ شَرِّ نَفْسِهِ. وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀: "وَقَدْ يَتَوَجَّهُ جَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الاحْتِجَاجَ بِالقَدَرِ عَلَى الذَّنْبِ يَنْفَعُ فِي مَوضِعٍ وَيَضُرُّ فِي مَوضِعٍ، فَيَنْفَعُ إِذَا احْتُجَّ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ وَالتَّوبَةِ مِنْهُ وَتَرْكِ مُعَاوَدَتِهِ -كَمَا فَعَلَ آدَمُ-، فَيَكُونُ فِي ذِكْرِ القَدَرِ إِذْ ذَاكَ مِنَ التَّوحِيدِ وَمَعْرِفَةِ أَسْمَاءِ الرَّبِّ وَصِفَاتِهِ وَذِكْرِهَا مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الذَّاكِرُ وَالسَّامِعُ، لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ بِالقَدَرِ أَمْرًا وَلَا نَهْيًا وَلَا يُبْطِلُ بِهِ شَرِيعَةً! بَلْ يُخْبِرُ بِالحَقِّ المَحْضِ عَلَى وَجْهِ التَّوحِيدِ وَالبَرَاءَةِ مِنَ الحَولِ وَالقُوَّةِ" (^٢).
_________________
(١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٨/ ٣١٩). قُلْتُ: وَأَمَّا الأَثَرُ الأَخِيرُ؛ فَفِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ (٢٣/ ١٢) عَنْ عَلْقَمَةَ.
(٢) شِفَاءُ العَلِيلِ (ص ١٨).
[ ٢ / ٤٠٩ ]
- المَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: إِذَا كَانَ الشَّرُّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ فَمَا الجَوَابُ عَنِ الحَدِيثِ المَعْرُوفِ: «وَتَؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ»؟
الجَوَابُ:
إِنَّ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيهِ تَعَالَى هُوَ الشَّرُّ الَّذِي هُوَ مِنْ جِهَةِ الأَفْعَالِ -أَي: نَفْسِ فِعْلِهِ تَعَالَى-، وَفي الحَدِيثِ: «والشَّرُّ لَيسَ إِلَيكَ» (^١)، وَلَكِنَّهُ يُنْسَبُ إِلَيهِ تَعَالَى خَلْقًا وَمَشِيئَةً؛ إِذْ لَا يَحْصُلُ فِي مُلْكِهِ تَعَالَى إِلَّا مَا شَاءَ وَأَذِنَ بِهِ سُبْحَانَهُ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الحَكِيمُ (^٢)، وَلَهُ فِي ذَلِكَ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ، وَتَأَمَّلْ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيرِ فِتْنَةً وَإِلَينَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٣٥] فَظَاهِرٌ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أَنَّ الإِنْسَانَ مَخْلُوقٌ لِلابْتِلَاءِ بِالشَّرِّ وَالخَيرِ، وَلَكِنَّهُ رَاجِعٌ لَا مَحَالَةَ إِلَى اللهِ تَعَالَى فَمُجَازِيهِ عَلَى مَا عَمِلَ فِي ابْتِلَائِهِ.
وَأَمَّا قَولُهُ ﵊ فِي الحَدِيثِ: «وَتَؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ» فَيُقْصَدُ بِهِ المَقْدُورُ أَوِ القَضَاءُ الَّذِي هُوَ المَخْلُوقُ وَلَيسَ نَفْسَ تَقْدِيرِ اللهِ تَعَالَى، فَهُوَ كُلُّهُ خَيرٌ، وَالقَدَرُ وَالقَضَاءُ هُمَا مِنَ الأَلْفَاظِ المُشْتَرَكَةِ الَّتِي إِذَا اجْتَمَعَتْ افْتَرَقَتْ؛ وَإِذَا افْتَرَقَتْ اجْتَمَعَتْ (^٣)
_________________
(١) وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٧٧١).
(٢) قَالَ الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ ﵀: "وَيَقُولُونَ: إِنَّ اللهَ لَمْ يَأْمُرْ بِالشَّرِّ، بَلْ نَهَى عَنْهُ وَأَمَرَ بِالَخيرِ، وَلَمْ يَرْضَ بِالشَّرِّ وَإِنْ كَانَ مُرِيدًا لَهُ". مَقَالَاتُ الإِسْلَامِييَن (١/ ٢٢٨).
(٣) قَالَ فِي لِسَانِ العَرَبِ (١٥/ ١٨٦): "وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: القَضَاءُ فِي اللُّغَةِ عَلَى وُجُوهٍ مَرْجِعُهَا إِلَى انْقِطَاعِ الشَّيءِ وَتَمَامِهِ. وَكُلُّ مَا أُحْكِمَ عَمَلُهُ أَو أُتِمَّ أَو خُتِمَ أَو أُدِّيَ أَدَاءً أَو أُوجِبَ أَو أُعْلِمَ أَو أُنْفِذَ أَو أُمْضِيَ فَقَدْ قُضِيَ. قَالَ: وَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّهَا فِي الحَدِيثِ، وَمِنْهُ القَضَاءُ المَقْرُونُ بِالقَدَرِ، وَالمُرَادُ بِالقَدَرِ =
[ ٢ / ٤١٠ ]
_________________
(١) = التَّقْدِيرُ، وَبِالقَضَاءِ الخَلْقُ، كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أَي: خَلَقَهُنَّ، فَالقَضَاءُ وَالقَدَرُ أَمْرَانِ مُتَلَازِمَانِ لَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ، لِأَنَّ أَحَدَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الأَسَاسِ وَهُوَ القَدَرُ، وَالآخَرُ بِمَنْزِلَةِ البِنَاءِ وَهُوَ القَضَاءُ، فَمَنْ رَامَ الفَصْلَ بَينَهُمَا فَقَدْ رَامَ هَدْمَ البِنَاءِ وَنَقْضَهُ". وَقَالَ الشَّيخُ عَبْدُ الرَّحْمَن ِبْنِ حَسَن آلِ الشَّيخِ ﵀ فِي كِتَابِ الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ (٣/ ٢١٣): "وَأَمَّا سُؤَالُهُ عَنِ الفَرْقِ بَينَ القَضَاءِ وَالقَدَرِ؟ فَالقَدَرُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الإِيمَانِ، كَمَا فِي سُؤَالِ جِبْرِيلَ ﵇، وَمَا أَجَابَهُ بِهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ سَأَلَهُ، قَالَ: «الإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَومِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرَّهِ»، وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَم، فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ، فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ» أَي: جَرَى بِمَا يَكُونُ مِمَّا يَعْلَمُ اللهُ تَعَالَى، فَإِنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ؛ لَو كَانَ كَيفَ يَكُونُ، ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سَبَأ: ٣]. وَأَمَّا القَضَاءُ: فَيُطْلَقُ فِي القُرْآنِ وَيُرَادُ بِهِ إِيجَادُ المُقَدَّرِ، كَقَولِهِ: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ﴾ [فُصِّلَت: ١٢]، وَقَولِهِ: ﴿فَلَمَّا قَضَينَا عَلَيهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ [سَبَأ: ١٤]. وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الإِخْبَارُ بِمَا سَيَقَعُ مِمَّا قَدَّرَ، كَقَولِهِ: ﴿وَقَضَينَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإِسْرَاءُ: ٤]، أَخْبَرَهُم فِي كِتَابِهِم أَنَّهُم يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ مَرَّتَينِ. وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الأَمْرُ وَالوَصِيَّةُ، كَمَا قَالَ: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإِسْرَاء: ٢٣ - أَي: أَمَرَ وَوَصَّى. وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الحُكْمُ، كَقَولِهِ: ﴿وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزُّمَر: ٦٩). وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ القَدَرُ، وَنَحْو ذَلِكَ". وَقَالَ الشَّيخُ العَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ فِي كِتَابِهِ شرْحُ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ (٢/ ١٨٧): "وَلِهَذَا نَقُولُ: إِنَّ القَضَاءَ وَالقَدَرَ مُتَبَايِنَانِ إِنْ اجْتَمَعَا، وَمُتَرَادِفَانِ إِنْ تَفَرَّقَا؛ عَلَى حَدِّ قَولِ العُلَمَاءِ: هُمَا كَلِمَتَانِ إِنْ اجْتَمَعَتَا افْتَرَقَتَا، وَإِنْ افْتَرَقَتَا اجْتَمَعَتَا. فَإِذَا قِيلَ: هَذَا قَدَرُ اللهِ؛ فَهُوَ شَامِلٌ لِلقَضَاءِ، أَمَّا إِذَا ذُكِرَا جَمِيعًا؛ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنًى. فَالتَّقْدِيرُ: هُوَ مَا قَدَّرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي الأَزَلِ أَنْ يَكُونَ فِي خَلْقِهِ، وَأَمَّا القَضَاءُ: فَهُوَ مَا قَضَى بِهِ اللهُ ﷾ فِي خَلْقِهِ مِنْ إِيجَادٍ أَو إِعْدَامٍ أَو تَغْيِيرٍ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّقْدِيرُ سَابِقًا". =
[ ٢ / ٤١١٠ ]
. . . . . (^١).
وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ العَرَبَ تُطْلِقُ اسْمَ مَا تَوَلَّدَ مِنَ الشَيءِ عَلَى الشَيءِ، وَتُطْلِقُ الصِّفَةَ عَلَى المَفْعُولِ، كَقَولِكَ عَنِ المَقْدُورِ: هَذِهِ قُدْرَةُ اللهِ، فَمِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ يُمْكِنُ
_________________
(١) = وَقَالَ الشَّيخُ صَالِحُ آلِ الشَّيخِ حَفِظَهُ اللهُ فِي شَرْحِ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ -شَرِيط رَقَم (٣١) -: "قَالَ: «وَالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ، وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ مِنَ اللهِ تَعَالَى» وَالخَيرُ وَالشَّرُّ وَالحُلْوُ وَالمُرُّ فِي القَدَرْ: المَقْصُودُ بِهِ مَا يُضَافُ لِلعَبْدِ مِنَ القَدَرِ -يَعْنِي: المَقْدُور- فَالقَدَرُ لَهُ جِهَتَانِ: أ- جِهَةٌ صِفَةُ اللهِ وَفِعْلُ اللهِ: وَهَذِهِ مُرْتَبِطَةٌ بِعَدَدٍ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ: أَوَّلُهَا: العِلْمُ، وَالثَّانِي: الكِتَابَةُ وَالمَشِيئَةُ وَالخَلْقُ وَالحِكْمَةُ وَهِيَ وَضْعُ الأُمُورِ مَوَاضِعَهَا اللَّائِقَةَ بِهَا المُوَافِقَةَ لِلغَايَاتِ المَحْمُودَةِ مِنْهَا، وَالعَدْلُ فِي حُكْمِهِ تَعَالَى القَدَرِيِّ؛ وَهُوَ وَضْعُ الأُمُورِ وَالمَقَادِيرِ فِي مَوَاضِعِهَا، هَذِهِ جِهَةٌ تَتَعَلَّقُ بِاللهِ تَعَالَى. ب- جِهَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالعَبْدِ: وَهِيَ المَقْدُورُ: وُقُوعُ المَقْدُورِ؛ وُقُوعُ المُقَدَّرِ عَلَيهِ؛ وُقُوعُ القَدَرِ عَلَيهِ؛ أَو حُصُولُ القَدَرِ، وَهَذِهِ تُسَمَّى المَقْدُورَ، وَتُسَمَّى القَضَاءَ كَمَا أَسْلَفْنَا لَكُم فِي الفَرْقِ مَا بَينَ القَدَرِ وَالقَضَاءِ. هَذَا المُقَدَّرُ هُوَ الَّذِي يَنْقَسِمُ إِلَى خَيرٍ وَشَرٍّ وَإِلى حُلْوٍ وَمُرٍّ".
(٢) قُلْتُ: وَعَلَيهِ؛ فَإِنَّ مَا اشْتُهِرَ فِي دُعَاءِ القُنُوتِ عِنْدَ العَامَّةِ بِقَولِهِم: (وَقِنِا شَرَّ وَسُوءَ مَا قَدَّرْتَ وَقَضَيتَ) يَكُونُ مُنْكَرًا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الشَّرَّ وَالسُّوءَ فِي تَقْدِيرِ اللهِ نَفْسِهِ الَّذِي هُوَ فِعْلُهُ تَعَالَى -وَفِعْلُهُ كُلُّهُ خَيرٌ كَمَا سَلَفَ-، وَأَمَّا جَعْلُهُ فِي القَضَاءِ أَيضًا -الَّذِي هُوَ المَقْدُورُ-؛ فَهَذَا صَحِيحٌ لَا رَيبَ فِيهِ، فَالمَحْظُورُ وَقَعَ هُنَا عِنْدَمَا جُمِعَ بَينَ القَضَاءِ وَالقَدَرِ فِي مَوطِنٍ وَاحِدٍ مَعَ نِسْبَةِ السُّوءِ وَالشَّرِّ إِلَيهِمَا جَمِيعًا. وَأَمَّا الدُّعَاءُ المَسْنُونُ فَهُوَ بِلَفْظِ: «وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيتَ» فَقَط؛ كَمَا تَجِدُهُ فِي سُنَنِ أَبي دَاوُدَ (١٤٢٥)؛ فَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّهِ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، وَصَدَقَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ حِينَ قَالَ: (الاقْتِصَادُ فِي السُّنَّةِ خَيرٌ مِنَ الاجْتِهَادِ فِي البِدْعَةِ). رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ (٣٥٢)، وَصَحَّحَهُ الشَّيخُ الأَلْبَانِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى حَدِيثِ الضَّعِيفَةِ (٣٩١٧). وَقَرِيبٌ مِنَ الدُّعَاءِ السَّابِقِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيرَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ البَلاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ». البُخَارِيُّ (٦٦١٦).
[ ٢ / ٤١٢ ]
التَّعْبِيرُ عَنِ المَفْعُولِ بِالصِّفَةِ لِأَنَّهُ نَاجِمٌ عَنْهَا، فَالقَدَرُ يُطْلَقُ عَلَى نَفْسِ تَقْدِيرِ اللهِ تَعَالَى -وَهَذَا مُلَازِمٌ لِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعِلْمِهِ سُبْحَانَهُ- وَهَذَا كُلُّهُ خَيرٌ؛ لَيسَ فِيهِ شَرٌّ مُطْلَقًا، وَأَيضًا يُطْلَقُ القَدَرُ عَلَى المَقْدُورِ، وَهُوَ المُفْعُولِ مِنْهُ ﷾ فِي خَلْقِهِ -وَهَذَا هُوَ الَّذِي فِيهِ الخَيرُ وَالشَّرُّ-، لِأَنَّهُ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ ابْتِلَاءِ اللهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ بِالخَيرِ وَالشَّرِّ، كَمَا سَبَقَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيرِ فِتْنَةً وَإِلَينَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأَنْبِيَاء: ٣٥]، فَيَظْهَرُ فِيهِ -مَآلًا- فَضْلُهُ تَعَالَى مَعَ المُطِيعِ، وَعَدْلُهُ مَعَ العَاصِي، وَكُلُّ ذَلِكَ خَيرٌ فِي حَقِيقَتِهِ (^١).
وَقَدْ أَشَارَ البُخَارِيُّ ﵀ إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ في صَحِيحِهِ فَقَالَ: "بَابُ مَا جَاءَ فِي تَخْلِيقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَغَيرِهَا مِنَ الخَلَائِقِ، وَهُوَ فِعْلُ الرَّبِّ ﵎ وَأَمْرُهُ، فَالرَّبُّ بِصِفَاتِهِ وَفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ وَكَلَامِهِ؛ وَهُوَ الخَالِقُ المُكَوِّنُ: غَيرُ مَخْلُوقٍ، وَمَا كَانَ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ وَتَخْلِيقِهِ وَتَكْوِينِهِ فَهُوَ مَفْعُولٌ مَخْلُوقٌ مُكَوَّنٌ) (^٢).
_________________
(١) وَلِتَمَامِ الفَائِدَةِ فِي بَيَانِ أَنَّ الصِّفَةَ تُطْلَقُ عَلَى المَفْعُولِ؛ رَاجِعِ الفَوَائِدَ فِي شَرْحِ بَابِ (فَضْلِ التَّوحِيدِ وَمَا يُكَفَّرُ مِنَ الذُّنُوبِ) مِنْ كِتَابِنَا هَذَا.
(٢) البُخَارِيُّ (٩/ ١٣٤).
[ ٢ / ٤١٣ ]
المسألة العاشرة: أليس في قوله ﵊: «الله أعلم بما كانوا عاملين به»
- المَسْأَلَةُ العَاشِرَةُ: أَلَيسَ فِي قَولِهِ ﵊: «اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانوا عَامِلِينَ بِه» (^١)، وَقَولِهِ أَيضًا: «إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ؛ فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ؛ فَيَدْخُلُهَا» (^٢) دِلَالَةٌ عَلَى الاحْتِجَاجِ بِالقَدَرِ عَلَى الأَعْمَالِ؟!
الجَوَابُ: لَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ:
١ - أَنَّ مَقْصُودَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ هُوَ أَنْ لَا تَحْكُمُوا عَلَيهِم بِالنَّارِ بِسَبَبِ كُفْرِ آبَائِهِم إِذْ لَمْ يَبْلُغُوا فَيَكْفُرُوا، وَلَا تَحْكُمُوا عَلَيهِم بِمِيثَاقِ الفِطْرَةِ الَّتِي وُلِدُوا عَلَيهَا؛ لِأَنَّهُم لَمْ يَبْلُغُوا فَيُؤْمِنُوا (^٣).
_________________
(١) وَالحَدِيثُ هُوَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَولَادِ المُشْرِكِينَ؛ فَقَالَ: «اللَّهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». البُخَارِيُّ (٦٥٩٧)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٥٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. وَمِثْلُهُ مَا رَوَاهُ أَيضًا البُخَارِيُّ (٦٥٩٩) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ مَولُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تُنْتِجُونَ البَهِيمَةَ؛ هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟! حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَرَأَيتَ مَنْ يَمُوتُ -وَهُوَ صَغِيرٌ- قَالَ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ».
(٢) وَالحَدِيثُ بِتَمَامِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَومًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيهِ المَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَمْ سَعِيدٍ؛ فَوَ اللهِ الَّذِي لَا إلَهَ غَيرُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ؛ فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا! وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ؛ فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا». رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٣٣٢)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٤٣).
(٣) أَفَادَهُ ابْنُ قُتَيبَةَ ﵀ كَمَا فِي كَشْفُ المُشْكِلِ مِنْ حَدِيثِ الصَّحِيحَينِ (٢/ ٣٦٦) لِابْنِ الجَوزِيِّ ﵀. قُلْتُ: وَيَزِيدُهُ تَأْكِيدًا حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يُؤْتَى بِأَرْبَعَةٍ يَومَ القِيَامَةِ: بِالمَولُودِ، وَبِالمَعْتُوهِ، وَبِمَنْ مَاتَ فِي الفَتْرَةِ، وَالشَّيخِ الفَانِي: كُلُّهُمْ يَتَكَلَّمُ بِحُجَّتِهِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ ﵎ لِعُنُقٍ مِنَ النَّارِ: ابْرُزْ. فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنِّي كُنْتُ أَبْعَثُ إِلَى عِبَادِي رُسُلًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ؛ وَإِنِّي رَسُولُ نَفْسِي إِلَيكُمْ، ادْخُلُوا هَذِهِ، =
[ ٢ / ٤١٤ ]
وَأَمَّا حَدِيثُ: وَسُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَّتُونَ -مِنَ المُشْرِكِينَ- فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ؛ قَالَ: «هُمْ مِنْهُمْ» (^١) فَالمَقْصٌودٌ بِهِ أَنَّهُم فِي الدُّنْيَا يُعَامَلُونَ مُعَامَلَةَ آبَائِهِم الكُفَّارِ.
٢ - أَنَّ قَولَهُ فِي الحَدِيثِ الثَّانِي: «فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ» لَا يَعني أنَّهُ أُجْبِرَ عَلَى عَمَلِ أَهْلِ النَّارِ! وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ تَحَوُّلِ عَمَلِ الرَّجُلِ نَفْسِهِ، وَلَكِنَّ عِلْمَ اللهَ تَعَالَى سَابِقٌ لِعَمَلِ الرَّجُلِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: «لَا عَلَيكُمْ أَنْ لَا تَعْجَبُوا بِأَحَدٍ حَتَّى تَنْظُرُوا بِمَ يُخْتَمُ لَهُ؛ فَإِنَّ العَامِلَ يَعْمَلُ زَمَانًا مِنْ عُمْرِهِ أَو بُرْهَةً مِنْ دَهْرِهِ بِعَمَلٍ صَالِحٍ لَو مَاتَ عَلَيهِ دَخَلَ الجَنَّةَ؛ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا سَيِّئًا! وَإِنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ البُرْهَةَ مِنْ دَهْرِهِ بِعَمَلٍ سَيِّءٍ لَو مَاتَ عَلَيهِ دَخَلَ النَّارَ؛ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا! وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيرًا اسْتَعْمَلَهُ قَبْلَ مَوتِهِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيفَ يَسْتَعْمِلُهُ؟ قَالَ: «يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيهِ» (^٢).
_________________
(١) = فَيَقُولُ مَنْ كُتِبَ عَلَيهِ الشَّقَاءُ: يَا رَبِّ؛ أَينَ نَدْخُلُهَا وَمِنْهَا كُنَّا نَفِرُّ؟! قَالَ: وَمَنْ كُتِبَتْ عَلَيهِ السَّعَادَةُ يَمْضِي، فَيَتَقَحَّمُ فِيهَا مُسْرِعًا، قَالَ: فَيَقُولُ ﵎: أَنْتُمْ لِرُسُلِي أَشَدُّ تَكْذِيبًا وَمَعْصِيَةً، فَيُدْخِلُ هَؤُلَاءِ الجَنَّةَ، وَهَؤُلَاءِ النَّارَ». صَحِيحٌ. مُسْنَدُ أَبِي يَعْلَى (٤٢٢٤). الصَّحِيحَةُ (٢٤٦٨).
(٢) البُخَارِيُّ (٣٠١٣)، وَمُسْلِمٌ (١٧٤٥) عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ مَرْفُوعًا.
(٣) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١٢٢١٤) عَنْ أَنَس مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٣٣٤).
[ ٢ / ٤١٥ ]
المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى في الحديث القدسي: «كلكم ضال إلا من هديته» يشكل مع حديث أبي هريرة المرفوع
- المَسْأَلَةُ الحَادِيَةَ عَشَرَةَ: قَولُهُ تَعَالَى فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ: «كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيتُهُ» (^١) يُشْكِلُ مَعَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ المَرْفُوعِ: «كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ فأَبَوَاه يُهَوِّدَانِهِ، أَو يُنَصِّرَانِهِ، أَو يُمَجِّسَانِهِ» (^٢) مِنْ جِهَةِ حُصُولِ الهِدَايَةِ ابْتِدَاءً؛ فَمَا الجَوَابُ؟
الجَوَابُ هُوَ مِنْ وَجْهَينِ:
١ - أَنَّ الخِطَابَ فِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ هُوَ عَنِ المُكَلَّفِينَ الَّذِينَ تَبَيَّنَ سَعْيُهُم، وَاخْتَارُوا طَرِيقَهُم، بَينَمَا الحَدِيثُ الآخَرُ: الكَلَامُ فِيهِ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُكَلَّفُوا بَعْدُ.
٢ - أَنَّ مَعْنَى الفِطْرَةِ فِي هَذَا الحَدِيثِ الثَّانِي هُوَ الاسْتِعْدَادُ لِقَبُولِ الإِسْلَامِ؛ وَلَيسَ هُوَ نَفْسَ الإِسْلَامِ.
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ ﵀: "قَدْ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «يَقُولُ اللهُ ﷿: خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ -وَفِي رِوَايَةٍ: مُسْلِمِينَ- فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ» وَلَيسَ كَذَلِكَ! فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ بَنِي آدَمَ، وَفَطَرَهُمْ عَلَى قَبُولِ الإِسْلَامِ، وَالمَيلِ إِلَيهِ دُونَ غَيرِهِ، وَالتَّهَيُّؤِ لِذَلِكَ، وَالِاسْتِعْدَادِ لَهُ بِالقُوَّةِ، لَكِنْ لَا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنْ تَعْلِيمِ الإِسْلَامِ بِالفِعْلِ؛ فَإِنَّهُ قَبْلَ التَّعْلِيمِ جَاهِلٌ لَا يَعْلَمُ شَيئًا، كَمَا قَالَ ﷿: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيئًا﴾ [النَّحْل: ٧٨]، وَقَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضُّحَى: ٧]، وَالمُرَادُ: وَجَدَكَ غَيرَ عَالِمٍ بِمَا عَلَّمَكَ مِنَ الكِتَابِ وَالحِكْمَةِ" (^٣).
_________________
(١) رَوَاهُ أَبُو ذَرٍّ مَرْفُوعًا، وَهُوَ قُدُسِيٌّ. صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢٥٧٧).
(٢) البُخَارِيُّ (١٣٥٨)، وَمُسْلِمٌ (٢٦٥٨).
(٣) جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ (٢/ ٣٩). قُلْتُ: وَحَدِيثُ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٢٨٦٥) مَرْفُوعًا.
[ ٢ / ٤١٦ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشَرَةَ: مَا حُكْمُ قَولِ القَائِلِ: "حَصَلَ هَذَا الأَمْرُ الفُلَانِيُّ صُدْفَةً"؟
الجَوَابُ:
حُكْمُهُ يَخْتَلِفُ بِحَسْبِ مَنْ يُنْسَبُ إِلَيهِ العَمَلُ، فَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ العَبْدِ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ العَبْدَ لَا يَعْلَمُ الغَيبَ، وَإِنَّمَا يُجْرِي سَائِرَ أَعْمَالِهِ وُفْقَ ظَنِّهِ فِيهَا، فَهُوَ مِنْ جِهَةِ الوَاقِعِ يُصَادِفُ أَشْيَاءَ بِغَيرِ حُسْبَانٍ لَهَا.
وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ لَفْظُ حَدِيثِ البُخَارِيِّ عَنْ عَلِيٍّ (أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَشْكُو إِلَيهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى -وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ- فَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ …) إِلَى آخِرِ قِصَّةِ الحَدِيثِ (^١).
أَمَّا إِنْ كَانَ الأَمْرُ فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى كُلّ شَيءٍ عِنْدَهُ مَعْلُومٌ وَهُوَ بِقَدَرٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القَمَر: ٤٩].
_________________
(١) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٥٣٦١).
[ ٢ / ٤١٧ ]