وَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هُود: ١٥ - ١٦].
في الصَّحَيحِ عَنْ أَبِي هُرَيرَة ﵁؛ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الخَمِيلَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ! تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ. طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ؛ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ؛ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنْ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ! وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ!» (^١).
_________________
(١) صَحِيحُ البُخَارِيِّ (٢٨٨٧). وَأَمَّا ذِكْرُ "الخَمِيلَةِ" فَلَمْ أَجِدْهُ فِي شَيءٍ مِنْ أَلفَاظِ الحَدِيثِ -فَضْلًا عَنْ صَحِيحِ البُخَارِيِّ-، وَقَدْ أَورَدَهُ شَيخُ الإسْلَامِ ﵀ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَى (١/ ٣٥) هَكَذَا -كَمَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ هُنَا-، وَعِوَضًا عَنْهُ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَولُهُ: «القَطِيفَةُ» بَدَلَ: «الخَمِيلَةِ». وَالقَطِيفَةُ: كِسَاءٌ لَهُ خَمْلٌ، وَهِيَ بِمَعْنَى الخَمِيلَةِ؛ كَمَا ذَكَروا فِي كُتُبِ اللُّغَةِ.
[ ٢ / ٤٣ ]
فِيهِ مَسَائِلُ:
الأُولَى: إِرَادَةُ الإِنْسَانِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ.
الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ هُودٍ.
الثَّالِثَةُ: تَسْمِيَةُ الإِنْسَانِ المُسْلِمِ عَبْدَ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالخَمِيصَةِ.
الرَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ ذَلِكَ؛ بِأَنَّهُ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ.
الخَامِسَةُ: قَولُهُ: «تَعِسَ وَانْتَكَسَ».
السَّادِسَةُ: قَولُهُ: «وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ».
السَّابِعَةُ: الثَّنَاءُ عَلَى المُجَاهِدِ المَوصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ.
[ ٢ / ٤٤ ]
الشَّرْحُ
- مُنَاسَبَةُ هَذَا البَابِ لِكِتَابِ التَّوحِيدِ أَنَّهُ مُشَابِهٌ لِلبَابِ السَّابِقِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ العَامِلَ فِيهِ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الثَّوَابَ العَاجِلَ -كَالرِّزْقِ وَالعَافِيَةِ وَالأَمَانِ وَالذُّرِّيَّةِ-؛ وَلَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلبَابِ السَّابِقِ فِي أَنَّ العَامِلَ هُنَا عَمَلُهُ هُوَ لِوَجْهِ اللهِ وَلَيسَ رِيَاءً، وَأَمَّا البَابُ السَّابِقُ فَعَمَلُهُ هُوَ لِمُرَاءَاةِ النَّاسِ، وَاشْتَرَكوا فِي كَونِ الغَايَةِ من عَمَلِهِم هِيَ المَصْلَحَةُ العَاجِلَةُ فَقَط.
قُلْتُ: وَأَيضًا يُمْكِنُ أَنْ يُضَافَ أَنَّ العَمَلَ هُنَاكَ حَابِطٌ لَا ثَوَابَ فِيهِ مِنَ اللهِ -لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الآخِرَةِ-، أَمَّا هُنَا؛ فَقَدْ يُثَابُ عَلَيهِ فِي الدُّنْيَا.
- مَنْ كَانَ عَمَلُهُ كُلُّهُ لِلأَجْرِ العَاجِلِ وَالثَّوَابِ الدُّنْيَوِيِّ ولَا يَرْجُو الآخِرَةِ أَبَدًا؛ فَهَذَا هُوَ الكَافِرُ الكُفْرَ الأَكْبَرَ (^١)، وَسَبَبُ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى عَدَمِ إِيمَانِهِ بِاليَومِ الآخِرِ؛ وَأَنَّ فِيهِ الجَزَاءَ وَالثَّوَابَ وَالجنَّةَ وَالنَّارَ، وَهَذَا يُنَاقِضُ أَصْلَ التَّوحِيدِ، وَمَنْ فَعَلَ فِعْلَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ فَفِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ الكُفْرِ حتَّى يَدَعَهَا (^٢)، وَهُوَ بِذَلِكَ يُنَاقِضُ كَمَالَ التَّوحِيدِ الوَاجِبِ، فَهُوَ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ نَفْعًا فِي الدُّنْيَا فَقَطْ وَهُوَ غَافِلٌ عَنْ ثَوَابِ الآخِرَةِ (^٣).
_________________
(١) وَكَذَلِكَ فِي البَابِ السَّابِقِ مَنْ كَانَ عَمَلُهُ كُلُّهُ لِغَيرِ اللهِ؛ فَهَذَا هُوَ المُنَافِقُ الأَصْلِيُّ، وَكَمَا سَبَقَ قَرِيبًا بَيَانُ أَنَّ الرِّيَاءَ نَوعَانِ: رِيَاءُ المُنَافِقِ، وَرِيَاءُ المُسْلِم.
(٢) كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ المُنَافِقِ الخَالِصِ -كَالكَذِبِ وَالخِيَانَةِ وَالغَدْرِ وَالفُجُورِ-.
(٣) قَالَ العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي التَّفْسِيرِ (ص ٣٧٨): "يَقُولُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ أَي: كُلُّ إِرَادَتِهِ مَقْصُورةٌ عَلَى الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَعَلَى زِينَتِهَا مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالخَيلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالحَرْثِ، قَدْ صَرَفَ رَغْبَتَهُ وَسَعْيَهُ وَعَمَلَهُ فِي هَذِهِ الأَشْيَاء وَلَمْ يَجْعَلْ لِدَارِ القَرَارِ مِنْ إِرَادَتِهِ شَيئًا! فَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا كَافِرًا، لِأَنَّهُ لَو كَانَ مُؤْمِنًا لَكَانَ مَا مَعَهُ مِنَ الإِيمَانِ يَمْنَعُهُ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُ إِرَادَتِهِ لِلدَّارِ الدُّنْيَا، بَلْ نَفْسُ إيِمَانِهِ وَمَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنَ الأَعْمَالِ أَثَرٌ =
[ ٢ / ٤٥ ]
- مَنْ عَمِلَ عَمَلًا مُخْلِصًا فِيهِ للهِ رَاجِيًا بِذَلِكَ الثَّوَابَ العَاجِلَ؛ فَإِنَّهُ قَدْ يُؤْجَرُ عَلَيهِ فِي الدُّنْيَا وَلَو كَانَ كَافِرًا (^١).
وَفِي الحَدِيثِ: «إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً؛ يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ؛ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا» (^٢).
فَالمُشْرِكُ -مَثَلًا- لَمَّا رَكِبَ البَحْرَ وَخَشِيَ الغَرَقَ وَدَعَا اللهَ تَعَالَى مُخْلِصًا لَهُ اسْتَجَابَ لَهُ سُبْحَانَهُ فَنَجَّاهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العَنْكَبُوتُ: ٦٥].
_________________
(١) = مِنْ آثَارِ إِرَادَتِهِ الدَّارَ الآخِرَةَ. وَلَكِنَّ هَذَا الشَّقِيَّ الَّذِي كَأَنَّهُ خُلِقَ لِلدُّنْيَا وَحْدِهَا: ﴿نُوَفِّ إِلَيهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ أَي: نُعْطِيهِم مَا قُسِمَ لَهُم فِي أُمِّ الكِتَابِ مِنْ ثَوَابِ الدُّنْيَا ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ أَي: لَا يُنْقَصُونَ شَيئًا مِمَّا قُدِّرَ لَهُم؛ وَلَكِنْ هَذَا مُنْتَهَى نَعِيمِهِم".
(٢) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُم فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأَحْقَاف: ٢٠]. وَكَمَا فِي البُخَارِيِّ (٢٤٦٨)، وَمُسْلِمٌ (١٤٧٩) مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ﵁؛ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: اُدْعُ اللهَ أَنْ يُوسِّعَ عَلَى أُمَّتِكِ؛ فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومَ؛ وَهُمْ لَا يعْبُدُونَ اللهَ! فَاسْتَوَى جَالِسًا، ثُمَّ قَالَ: «أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ؟! أُولَئِكَ قَومٌ عُجِّلَتْ لَهُم طَيِّبَاتُهم فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا».
(٣) مُسْلِمٌ (٢٨٠٨) عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ فِي التَّفْسِيرِ (١٥/ ٢٦٤) عَنْ قَتَادَةَ قَولَهُ: " ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ أَي: لَا يُظْلَمُونَ. يَقُولُ: مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ وَسَدَمَهُ [أَي: وَلَعَهُ] وَطِلْبَتَهُ وَنِيَّتَهُ جَازَاهُ اللهُ بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ يُفْضِي إِلَى الآخِرَةِ وَلَيسَ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْطَى بِهَا جَزَاءً. وَأَمَّا المُؤْمِنُ؛ فَيُجَازَى بِحَسَنَاتِهِ فِي الدُّنْيَا وَيُثَابُ عَلَيهَا فِي الآخِرَةِ ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ أَي: فِي الآخِرَةِ لَا يُظْلَمُونَ".
[ ٢ / ٤٦ ]
وَهَذَا بِخِلَافِ عَامَّةِ دُعَائِهِ الشِّرْكِيِّ؛ فَإِنَّ اللهَ يَجْعَلُهُ هَبَاءً مَنْثُورًا، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرَّعْدُ: ١٤].
- قَولُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هُود: ١٦] هَذِهِ الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإِسْرَاء: ١٨] أَي: لِمَنْ شَاءَ وبِمَا شَاءَ سُبْحَانَهُ (^١).
- مِنَ الأَمْثِلَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ كَيفِيَّةَ إِرَادَةِ الإِنْسَانِ بِعَمَلِهِ الدُّنْيَا:
أَنْ يُرِيدَ المَالَ، كَمَنْ أَذَّنَ لِيَأْخُذَ رَاتِبَ المُؤَذِّنِ، أَو حَجَّ لِيَأْخُذَ المَالَ.
أَنْ يُرِيدَ المَرْتَبَةَ، كَمَنْ تَعَلَّمَ فِي كُلِّيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ لِيَأْخُذَ الشَّهَادَةَ؛ فَتَرْتَفِعَ مَرْتَبَتُهُ بَينَ النَّاسِ.
أَنْ يُرِيدَ دَفْعَ المَصَائِبِ وَالأَمْرَاضِ عَنْهُ، كَمَنْ يَعْبُدُ اللهَ كَي يَجْزيَهُ اللهُ بِهَذَا فِي الدُّنْيَا بِمَحَبَّةِ الخَلْقِ لَهُ وَدَفْعِ السُّوءِ عَنْهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
- «القَطِيفَةُ» كِسَاءٌ لَهُ خَمْلٌ، وَهِيَ بِمَعْنَى الخَمِيلَةِ.
- سُمِّيَ الرَّجُلُ عَابِدًا لِلدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ لِأَنَّهَا هِيَ المَقْصُودَةُ بِعَمَلِهِ وَهِمَّتِهِ، بِعَكْسِ مَنْ كَانَتْ هِمَّتُهُ مُنْصَرِفَةً لِابْتِغَاءِ الدَّارِ الآخِرَةِ.
- قَولُهُ: «تَعِسَ وَانْتَكَسَ» تَعِسَ: خَابَ وَهَلَكَ، وَانْتَكَسَ: انْتَكَسَتْ عَلَيهِ الأُمُورُ
_________________
(١) وَكَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشُّورَى: ٢٠] فَقَولُهُ تَعَالَى: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ "مِنْ" هُنَا لِلْتَبْعِيضِ، يَعْنِي: نُؤْتِهِ مِنْ بَعْضِهَا.
[ ٢ / ٤٧ ]
بِحَيثُ لَا تَتَيَسَّرُ لَهُ، فَكُلَّمَا أَرَادَ شَيئًا انْقَلَبَتْ عَلَيهِ الأُمُورُ خِلَافَ مَا يُرِيدُ.
- قَولُهُ: «طُوبَى» مِنَ الطِّيبِ، وَهِيَ اسْمُ تَفْضِيلٍ، وَيُقَالُ: (أَطْيَبُ) لِلمُذَكَّرِ وَ(طُوبَى) لِلمُؤَنَّثِ، وَالمَعْنَى: أَطْيَبُ حَالٍ تَكُونُ لِهَذَا الرَّجُلِ، وَفِي الحَدِيثِ: «طُوبَى شَجَرَةٌ فِي الجَنَّةِ مَسِيرَةَ مائَةَ عَامٍ؛ ثِيَابُ أَهْلِ الجَنَّةِ تَخْرُجُ مِنْ أَكْمَامِهَا» (^١).
- فِي قَولِهِ: «إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ … وَإنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ» ذِكْرٌ حَسَنٌ مِنْ صِفَاتِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وَهِيَ:
١ - بَيَانُ ائْتِمَارِهِ بِمَا أُمِرَ طَالَمَا أَنَّهُ فِي سَبيلِ اللهِ (^٢).
٢ - قِيَامُهُ بِعَمَلِهِ عَلَى أَحْسِنِ وَجْهٍ.
وَالتَّكْرَارُ فِي قَولِهِ: «إِنْ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ كَانَ فِي الحِرَاسَةِ» أُسْلُوبٌ مِنَ أَسَالِيبِ العَرَبِ فِي بَيَانَ تَحَقُّقِ الشَّيءِ وَوُقُوعِهِ عَلَى وَجْهِهِ.
٣ - عَدَمُ سَعْيِهِ خَلْفَ ثَنَاءِ النَّاسِ، فَالسَّاقَةُ -وَهِيَ فِي مُؤَخِّرَةُ الجَيشِ- لَا يُتَفَطَّنُ لِصَاحِبِهَا أَنَّهُ فِي جِهَادٍ؛ بِخِلَافِ مُقَدَّمِ الجَيشِ، فَهَذَا الرَّجُلُ بَعِيدٌ عَنِ الرِّيَاءِ.
- قَولُهُ: «إِنْ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ» أَي: لَيسَ لَهُ جَاهٌ وَلَا شَرَفٌ عِنْدَ أَصْحَابِ الدُّنْيَا لِأَنَّه لَيسَ مِنْ طُلَّابِهَا، فَلَا تُقْبَلُ لَهُ شَفَاعَةٌ عِنْدَ أَحَدٍ، وَلَا يُؤْذَنُ لَهُ عِنْدَهُم، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ مَرْفُوعًا: «رُبَّ أشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ؛ لَو أَقْسَمَ
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَحْمَدُ (١١٦٧٣) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا. الصَّحِيحَةُ (١٩٨٥).
(٢) قَالَ العَينِيُّ ﵀: "وَالسَّاقَةُ مُؤَخِّرَةُ الجَيشِ، وَالمَعْنَى: إِيتِمَارُهُ لِمَا أُمِرَ، وَإِقَامَتُهُ حَيثُ أُقِيمَ، لَا يُفْقَدُ مِنْ مَكَانِهِ بِحَالٍ، وَإِنَّمَا ذُكِرَتِ الحِرَاسَةُ وَالسَّاقَةُ؛ لِأَنَّهُمَا أَشَدُّ مَشَقَّةً وَأَكْثَرُ آفَةً، الأَوَّلُ عِنْدَ دُخُولِهِم دَارَ الحَرْبِ، وَالآخَرُ عِنْدَ خُرُوجِهِم مِنْهَا". عُمْدَةُ القَارِي (١٤/ ١٧٢).
[ ٢ / ٤٨ ]
عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ». مُسْلِمٌ (^١).
قِصَّةٌ فِيهَا عِبْرَةٌ:
نَقَلَ ابْنُ الجَوزِيِّ ﵀ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ؛ قَالَ: "كَانَتْ شَجَرَةٌ تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، فَجَاءَ إِلَيهَا رَجُلٌ فَقَالَ: لَأَقْطَعَنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ، فَجَاءَ لِيَقْطَعَهَا -غَضَبًا للهِ-، فَلَقِيَهُ إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ، فَقَالَ: مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَقْطَعَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الَّتِي تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ! قَالَ: إِذَا أَنْتَ لَمْ تَعْبُدْهَا؛ فَمَا يَضُرُّكَ مَن عَبَدَهَا؟! قَالَ: لَأَقْطَعَنَّهَا. فَقَالَ لَهُ الشَّيطَانُ: هَلْ لَكَ فِيمَا هُوَ خَيرٌ لَكَ؟ لَا تَقْطَعْهَا وَلَكَ دِينَارَانِ كُلَّ يَومٍ إِذَا أَصْبَحْتَ عِنْدَ وِسَادَتِكَ. قَالَ: فَمِن أَينَ لِي ذَلِكَ؟ قَالَ: أَنَا لَكَ. فَرَجَعَ فَأَصْبَحَ؛ فَوَجَدَ دِينَارَين عِنْدَ وِسَادَتِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَلَمْ يَجِدْ شَيئًا! فَقَامَ غَضَبًا لِيَقْطَعَهَا، فَتَمَثَّلَ لَهُ الشَّيطَانُ فِي صُورَتِهِ، وَقَالَ: مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ قَطْعَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الَّتِي تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ: كَذَبْتَ، مَا لَكَ إِلَى ذَلِكَ مِن سَبِيلٍ! فَذَهَبَ لِيَقْطَعَهَا؛ فَضَرَبَ بِهِ الأَرْضَ وَخَنَقَهُ حَتَّى كَادَ يَقْتُلَهُ، قَالَ: أَتَدْرِي مَن أَنَا؟ أَنَا الشَّيطَانُ، جِئْتَ أَوَّلَ مَرَّةٍ غَضَبًا؛ فَلَمْ يَكُن لِي عَلَيكَ سَبِيلٌ؛ فَخَدَعْتُكَ بِالدِّينَارَينِ؛ فَتَرَكْتَهَا، فَلَمَّا جِئْتَ غَضَبًا لِلدِّينَارَينِ سُلِّطْتُ عَلَيكَ" (^٢).
قُلْتُ: وَهُوَ مِصْدَاقُ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإِسْرَاء: ٦٥]، وَقَولِهِ: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النَّحْل: ١٠٠] (^٣).
_________________
(١) مُسْلِمٌ (٢٦٢٢).
(٢) تَلْبِيسُ إِبْلِيسَ (ص ٣٠).
(٣) يُنْظَرُ: (النُّبُوَّات) لِابْنِ تَيمِيَّةَ (٢/ ١٠١٨).
[ ٢ / ٤٩ ]
مَسَائِلُ عَلَى البَابِ
- المَسْأَلَةُ الأُولَى: مَا حُكْمُ أَخْذِ المَالِ عَلَى بَعْضِ الوَظَائِفِ الدِّينيَّةِ؛ كَإِمَامَةِ المَسْجِدِ، وَالتَّدْرِيسِ الشَّرْعِيِّ، وَتَعْلِيمِ القُرْآنِ وَمَا أَشْبَهَ؟
الجَوَابُ:
لَا يَجُوزُ أَخْذُهُ عَلَى أَنَّهُ أَجْرٌ عَلَى العِبَادَةِ، وَلَكِنْ يَجُوزُ مِنْ بَابِ الإِعَانَةِ عَلَى الطَّاعَةِ وَالتَّعْوِيضِ لَهُ عَنِ اشْتِغَالِهِ بِالأُمُورِ النَّافِعَةِ لِلمُسْلِمِينَ حَيثُ تَعَطَّلَ عَنْ كَسْبِ القُوتِ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَالفَرْقُ بَينَهُمَا ظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ النِّيَّةِ، وَيَزِيدُ وُضُوحًا أَيضًا فِيمَا لَو لَمْ يُعْطَ الأُجْرَةَ عِنْدَ اكْتِفَائِهِ؛ فَهَلْ سَيَبْقَى عَلَى عَمَلِهِ السَّابِقِ؟
وَفِي الحَدِيثِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ؛ قَالَ: عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الكِتَابَ وَالقُرْآنَ، فَأَهْدَى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوسًا، فَقُلْتُ: لَيسَتْ بِمَالٍ؛ وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿، لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَأَسْأَلَنَّهُ، فَأَتَيتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ رَجُلٌ أَهْدَى إِلَيَّ قَوسًا مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الكِتَابَ وَالقُرْآنَ -وَلَيسَتْ بِمَالٍ؛ وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ-؟ قَالَ: «إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا» (^١). فَالحَدِيثُ هُنَا صَرِيحٌ فِي النَّهْي عَنْ أَخْذِ مُقَابِلٍ عَلَى تَعْلِيمِ القُرْآنِ.
وَفِي مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ مَرْفُوعًا: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ، وَلَا تَغْلُوا فِيهِ، وَلَا تَجْفُوا عَنْهُ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ» (^٢). وَالحَدِيثُ هُنَا أَيضًا صَرِيحٌ فِي النَّهْي عَنِ التَّأَكُّلِ بالقُرْآنِ.
_________________
(١) صَحِيحٌ. أَبُو دَاوُدَ (٣٤١٦)، صَحِيحُ أَبِي دَاوُدَ (٣٤١٦).
(٢) صَحِيحٌ. مُسْنَدُ أَحْمَد (١٥٥٢٩). صَحِيحُ الجَامِعِ الصَّغِيرِ (١١٦٨).
[ ٢ / ٥٠ ]
وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا: «بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالدِّينِ وَالرِّفْعَةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الأَرْضِ؛ فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ» (^١).
وَقَالَ البُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ: "وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لا يَشْتَرِطُ المُعَلِّمُ! إِلَّا أَنْ يُعْطَى شَيئًا فَلْيَقْبَلْهُ. وَقَالَ الحَكَمُ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا كَرِهَ أَجْرَ المُعَلِّمِ. وَأَعْطَى الحَسَنُ دَرَاهِمَ عَشَرَةً" (^٢).
وَأَورَدَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀ -جَمْعًا بَينَ رِوَايَتَينِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ظَاهِرُهُمَا التَّعَارِضُ- وَجْهًا فِي الجَمْعِ: بِأَنَّ المَنْهِيَّ عَنْهُ هُوَ مَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الشَّرْطِ لَا مَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الهِبَةِ وَالهَدِيَّةِ، وَأَيَّدَهُ بِمَا سَلَفَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ﵀ (^٣).
وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ جِهَةِ سَبَبِ أَخْذِ الأُجْرَةِ (^٤)، فَإِنْ كَانَ السَّبَبُ نَفْسَ التَّعَبُّدِ بِالقِرَاءَةِ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ هُوَ التَّعْلِيمَ وَتَقْدِيمَ المَنْفَعَةِ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ -وَكَذَا الرُّقْيَةُ-، كَمَا جَازَ فِي كَونِهِ عِوَضًا فِي قِصَّةِ الوَاهِبَةِ (^٥).
_________________
(١) صَحِيحٌ. ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (٤٠٥)، وَالحَاكِمُ (٤/ ٣٤٦). صَحِيحُ الجَامِعِ (٢٨٢٥).
(٢) البُخَارِي (٣/ ٩٢). وَلَفْظُ أَثَرِ الحَسَنِ فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيبَةَ (٢٠٨٣٨): "لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْكِتَابَةِ أَجْرًا، وَكَرِهَ الشَّرْطَ".
(٣) فَتْحُ البَارِي (٤/ ٤٥٤).
(٤) كَمَا ذَهَبَ إِلَيهِ الشَّيخُ ابْنُ عُثَيمِين ﵀ كَمَا فِي كِتَابِهِ (الشَّرْحُ المُمْتِعُ عَلَى زَادِ المُسْتَقْنِعِ) (١٠/ ٥٤).
(٥) وَالحَدِيثُ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٥١٢١) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّ امْرَأَةً عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ زَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: «مَا عِنْدَكَ؟» قَالَ: مَا عِنْدِي شَيءٌ! قَالَ: «اذْهَبْ فَالْتَمِسْ وَلَو خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيئًا وَلَا خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي وَلَهَا نِصْفُهُ -قَالَ سَهْلٌ: وَمَا لَهُ رِدَاءٌ-، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَمَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؛ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيهَا مِنْهُ شَيءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيكَ مِنْهُ شَيءٌ»! فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ =
[ ٢ / ٥١ ]
قُلْتُ: وَعَلَى كُلِّ حَالٍ؛ فَالاحْتِيَاطُ فِي هَذَا البَابِ هُوَ عَدَمُ أَخْذِ الأُجْرَةِ عَلَى التَّعْلِيمِ لِعُمُومِ وَصَرَاحَةِ أَحَادِيثِ النَّهْي إِلَّا مَا كَانَ مِن بَابِ الضَّرُورَةِ وَالإِعَانَةِ (^١).
وَفِي مَسَائِلِ الإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀: "سَمِعْتُ أَحْمَدَ؛ سُئِلَ عَنْ إِمَامٍ قَالَ لِقَومٍ: أُصَلِّي بِكُمْ رَمَضَانَ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا؟ قَالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ؛ مَنْ يُصَلِّي خَلْفَ هَذَا؟! " (^٢) (^٣).
وَأَمَّا الجَوَابُ عَنِ الاسْتِدْلَالِ بِقِصَّةِ الوَاهِبَةِ؛ فَهُوَ مِنْ أَوجُهٍ:
١ - أَنَّهُ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ، كَمَا أَفَادَهُ الطَّحَاوِيُّ ﵀: "فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ كَانَ مِمَّا خَصَّهُ اللهُ ﷿ بِهِ، مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُمَلِّكَ غَيرَهُ مَا كَانَ لَهُ تَمَلُّكُهُ بِغَيرِ صَدَاقٍ" (^٤).
٢ - أَنَّ هَذَا التَّعْلِيمَ كَانَ مِنْ بَابِ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلَى غَيرِهِ فِي المَهْرِ؛ فَجَازَ فِي هَذِهِ الحَالَةِ (^٥).
_________________
(١) = النَّبِيُّ ﷺ فَدَعَاهُ -أَو دُعِيَ لَهُ- فَقَالَ لَهُ: «مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟» فَقَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا -لِسُوَرٍ يُعَدِّدُهَا- فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَمْلَكْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ». وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ (١٤٢٥) أَنَّهُ قَالَ: «انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا؛ فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ»، وَفِيهِ صَرَاحَةُ كَونِ هَذَا التَّعْلِيمِ عِوَضًا عَنِ المَهْرِ، إِلَّا أَنَّهُ يُمْكِنُ الجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ بِمَا سَيَأْتِي.
(٢) انْظُرْ أَشْرِطَةَ فَتَاوَى سِلْسِلَةِ الهُدَى وَالنُّورِ لِلْأَلْبَانِيِّ (شَرِيط ١٧١).
(٣) مَسَائِلِ الإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ (ص ٩١).
(٤) وَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ (٢٠٩) "عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ؛ قَالَ: إِنَّ مِنْ آخِرِ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَنْ «اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا». حَدِيثُ عُثْمَانَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ كَرِهُوا أَنْ يَأْخُذَ المُؤَذِّنُ عَلَى الأَذَانِ أَجْرًا، وَاسْتَحَبُّوا لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَحْتَسِبَ فِي أَذَانِهِ". وَالحَدِيثُ صَحِيحٌ كَمَا فِي صَحِيحِ الجَامِعِ (١٤٨٠).
(٥) شَرْحُ مَعَانِي الآثَارِ (٣/ ١٨).
(٦) انْظُرِ المَنْتَقَى شَرْحُ المُوَطَّأِ (٣/ ٢٧٧) لِلبَاجِي.
[ ٢ / ٥٢ ]
٣ - أَنَّهُ يُمْكِنُ القَولُ بِأَنَّ البَاءَ هُنَا سَبَبِيَّةٌ -أَو بِمَعْنَى اللَّامِ-، يَعْنِي أَنَّ الإنْكَاحَ هَذَا سَبَبُهُ لِأَجْلِ أَنَّكَ حَامِلٌ لِلقُرْآنِ، وَهَذَا وَجْهٌ فِيهِ إِظْهَارُ حُرْمَةِ القُرْآنِ؛ خِلَافًا لِمَنْ جَعَلَ البَاءَ هُنَا لِلعِوَضِ (^١).
قُلْتُ: وَلَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيهِ لَفْظُ مُسْلِمٍ وَفِيهِ: «انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا؛ فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ» (^٢).
قَالَ العَلَّامَةُ مُحَمَّدُ الأَمِين الشِّنْقِيطِيُّ ﵀ -فِي مَعْرِضِ ذِكْرِ أَدِلَّةِ المُجِيزِينَ-: "فَقَالُوا: هَذَا الرَّجُلُ أَبَاحَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَجْعَلَ تَعْلِيمَهُ بَعْضَ الْقُرْآنِ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ عِوَضًا عَنْ صَدَاقِهَا، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْعِوَضَ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ جَائِزٌ، وَمَا رَدَّ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الِاسْتِدْلَالَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّهُ ﷺ زَوَّجَهُ إِيَّاهَا بِغَيرِ صَدَاقٍ إِكْرَامًا لَهُ لِحِفْظِهِ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ مِنَ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَجْعَلِ التَّعْلِيمَ صَدَاقًا لَهَا! مَرْدُودٌ بِمَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «انْطَلِقْ؛ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا؛ فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: «عَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً وَهِيَ امْرَأَتُكَ» (^٣).
وَاحْتَجُّوا أَيضًا بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ الثَّابِتِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ»، قَالُوا: الْحَدِيثُ -وَإِنْ كَانَ وَارِدًا فِي الْجُعْلِ عَلَى الرُّقْيَةِ بِكِتَابِ اللَّهِ- فَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ الْأَلْفَاظِ لَا بِخُصُوصِ الْأَسْبَابِ، وَاحْتِمَالُ الْفَرْقِ بَينَ الجُعْلِ عَلَى الرُّقْيَةِ وَبَينَ الْأُجْرَةِ عَلَى التَّعْلِيمِ ظَاهِرٌ.
_________________
(١) انْظُرْ كِتَابَ (إِكْمَالُ المُعْلِمِ شَرْحُ مُسْلِمٍ) لِلقَاضِي عِيَاض ﵀ (٤/ ٥٨١).
(٢) صَحِيحُ مُسْلَم (١٤٢٥).
(٣) ضَعِيفٌ. أَبُو دَاود (٢١١٢). ضَعِيفُ الجَامِعِ (٤١١٤).
[ ٢ / ٥٣ ]
قَالَ مُقَيِّدُهُ -عَفَا اللَّهُ عَنْهُ-: الَّذِي يَظْهَرُ لِي -وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا لَمْ تَدْعُهُ الْحَاجَةُ الضَّرُورِيَّةُ؛ فَالْأَوْلَى لَهُ أَلَّا يَأْخُذَ عِوَضًا عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْعَقَائِدِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لِلْأَدِلَّةِ الْمَاضِيَةِ، وَإِنْ دَعَتْهُ الْحَاجَةُ أَخَذَ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ مِنْ بَيتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ المَأْخُوذَ مِنْ بَيتِ الْمَالِ مِنْ قَبِيلِ الْإِعَانَةِ عَلَى الْقِيَامِ بِالتَّعْلِيمِ لَا مِنْ قَبِيلِ الْأُجْرَةِ، وَالْأَوْلَى -لِمَنْ أَغْنَاهُ اللَّهُ- أَنْ يَتَعَفَّفَ عَنْ أَخْذِ شَيءٍ فِي مُقَابِلِ التَّعْلِيمِ لِلْقُرْآنِ وَالْعَقَائِدِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى" (^١).
قَالَ شَيخُ الإِسْلَامِ ﵀: "وَبِكُلِّ حَالٍ؛ فَحَالُ الْمُحْتَاجِ إلَيهِ لَيسَتْ كَحَالِ الْمُسْتَغْنِي عَنْهُ، كَمَا قَالَ السَّلَفُ: كَسْبٌ فِيهِ بَعْضُ الدَّنَاءَةِ خَيرٌ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ.
وَلِهَذَا لَمَّا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ: كَانَ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيرِهِ، أَعْدَلُهَا أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْمُحْتَاجِ، قَالَ أَحْمَد: أُجْرَةُ التَّعْلِيمِ خَيرٌ مِنْ جَوَائِزِ السُّلْطَانِ، وَجَوَائِزُ السُّلْطَانِ خَيرٌ مِنْ صِلَةِ الْإِخْوَانِ.
وَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ كُلُّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ؛ أَنَّهُ يُفَرَّقُ فِي الْمَنْهِيَّاتِ بَينَ الْمُحْتَاجِ وَغَيرِهِ كَمَا فِي الْمَأْمُورَاتِ، وَلِهَذَا أُبِيحَتِ المُحَرَّمَاتُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لَا سِيَّمَا إذَا قُدِّرَ أَنَّهُ يَعْدِلُ عَنْ ذَلِكَ إلَى سُؤَالِ النَّاسِ؛ فَالْمَسْأَلَةُ أَشَدُّ تَحْرِيمًا! وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَجِبُ أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ وَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ إلَّا بِالشُّبُهَاتِ، كَمَا ذَكَرَ أَبُو طَالِبٍ وَأَبُو حَامِدٍ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد سَأَلَهُ رَجُلٌ قَالَ: إنَّ ابْنًا لِي مَاتَ وَعَلَيهِ دَينٌ وَلَهُ دُيُونٌ أَكْرَهُ تَقَاضِيهَا! فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد: أَتَدَعُ ذِمَّةَ ابْنِك مُرْتَهِنَةً؟! يَقُولُ: قَضَاءُ الدَّينِ وَاجِبٌ وَتَرْكُ الشُّبْهَةِ لِأَدَاءِ الْوَاجِبِ هُوَ الْمَأْمُورُ.
_________________
(١) أَضْوَاءُ البَيَانِ (٢/ ١٨٢).
[ ٢ / ٥٤ ]
وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُرْزَقُ الْحَاكِمُ وَأَمْثَالُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَتَنَازَعُوا فِي الرِّزْقِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ فِي وَلِيِّ الْيَتِيمِ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، فَهَكَذَا يُقَالُ فِي نَظَائِرِ هَذَا؛ إذِ الشَّرِيعَةُ مَبْنَاهَا عَلَى تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا، وَالْوَرَعُ تَرْجِيحُ خَيرِ الْخَيرَينِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا؛ وَدَفْعِ شَرِّ الشَّرَّينِ وَإِنْ حَصَلَ أَدْنَاهُمَا" (^١).
وَأَمَّا أَخْذُ الجُعْلِ -لَا الأُجْرَة- عَلَى الرُّقْيَةِ؛ فَلَا بَأْسَ بِهِ، بِحَيثُ إِنَّهُ إِذَا شُفِيَ المَرِيضُ بِالرُّقْيَةِ؛ فَإِنَّ لِلرَّاقِي كَذَا وَكَذَا، لِمَا ثَبَتَ فِي قِصَّةِ رُقْيَةِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ لِسَيِّدِ القَومِ، وَفِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟! اضْرِبُوا لِي مَعَكُم بِسَهْمٍ» (^٢).
_________________
(١) مَجْمُوعُ الفَتَاوَى (٣٠/ ١٩٢).
(٢) وَالحَدِيثُ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ (٥١٢١) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ أَنَّ رَهْطًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْطَلَقُوا فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ؛ فَأَبَوا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ، فَسَعَوا لَهُ بِكُلِّ شَيءٍ لا يَنْفَعُهُ شَيءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَو أَتَيتُمْ هَؤُلاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ قَدْ نَزَلُوا بِكُمْ؛ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيءٌ، فَأَتَوهُمْ فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ، إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ؛ فَسَعَينَا لَهُ بِكُلِّ شَيءٍ لا يَنْفَعُهُ شَيءٌ! فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيءٌ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنِّي لَرَاقٍ، وَلَكِنْ؛ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا! فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ، فَانْطَلَقَ فَجَعَلَ يَتْفُلُ وَيَقْرَأُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] حَتَّى لَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي مَا بِهِ قَلَبَةٌ، قَالَ: فَأَوفَوهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ؛ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟! أَصَبْتُمْ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ». وَقَولُهُ: «مَا بِهِ قَلَبَةٌ»: أَي: أَلَمٌ وَعِلَّةٌ. النِّهَايَةُ لِابْنِ الأَثِيرِ (٤/ ٩٨).
[ ٢ / ٥٥ ]
- المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَلْ يَدْخُلُ فِي الذَّمِّ مَنْ يَتَعَلَّمُونَ فِي الكُلِّيَّاتِ أَو غَيرِهَا لِغَايَةِ شَهَادَةٍ أَو مَرْتَبَةٍ؟
الجَوَابُ:
إِنَّهُم يَدْخُلُونَ فِي ذَلِكَ إِذَا لَمْ يُرِيدُوا غَرَضًا شَرْعِيًّا، وَلَكِنْ نَقُولُ لَهُم:
١ - لَا تَقْصِدُوا بِذَلِكَ المَرْتَبَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ! بَلِ اتَّخِذُوا هَذِهِ الشَّهَادَاتِ وَسِيلَةً لِلعَمْلِ فِي الحُقُولِ النَّافِعَةِ لِلخَلْقِ، لِأَنَّ الأَعْمَالَ فِي الوَقْتِ الحَاضِرِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الشَّهَادَاتِ (^١)، وَالنَّاسُ لَا يَسْتَطِيعُونَ الوُصُولَ إِلَى مَنْفَعَةِ الخَلْقِ إِلَّا بِهَذِهِ الوَسِيلَةِ، وَبِذَلِكَ تَكُونُ النِّيَّةُ سَلِيمَةً.
٢ - أَنَّ مَنْ أَرَادَ العِلْمَ لِذَاتِهِ؛ فَإِنَّه قَدْ لَا يَجِدُهُ إِلَّا فِي الكُلِّيَّاتِ، فَيَدْخُلُ الكُلِّيَّةَ أَو نَحْوَهَا لِهَذَا الغَرَضِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلمَرْتَبَةِ؛ فَإِنَّهَا لَا تَهُمُّهُ.
٣ - أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا أَرَادَ بِعَمَلِهِ الحُسْنَيِينِ -حُسْنَى الدُّنْيَا وَحُسْنَى الآخِرَةِ- فَلَا شَيءَ عَلَيهِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، فَرَغَّبَهُ سُبْحَانَهُ فِي التَّقْوَى بِذِكْرِ المَخْرَجِ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ وَالرِّزْقِ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ (^٢).
_________________
(١) بِاعْتِبَارِ الغَالِبِ.
(٢) يُنْظَرُ (القَولُ المُفِيدُ) لِابْنِ عُثَيمِينَ (٢/ ١٣٨).
[ ٢ / ٥٦ ]