(وأنَّ على العباد حَفظةٌ يكتبون أعمالَهم، ولا يسقطُ شيءٌ من ذلك عن عِلم ربِّهم، وأنَّ مَلَكَ الموتِ يقبضُ الأرواحَ بإذن ربِّه):
من أصول الإيمان: الإيمانُ بالملائكة، دلَّ على ذلك الكتابُ والسنَّةُ في آيات وأحاديث، وهم: أصنافٌ بحسب ما وُكِّلُوا به؛ فمنهم الموكَلُ بالوحي؛ قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢] وهو جبريل، ومنهم الموكَلُ بحفظ عملِ العبدِ وكتابته، ودليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ [الانفطار]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون (٨٠)﴾ [الزخرف]، ومنهم الموكَّل بقبض أرواح الآدميين، وهم ملَك الموت وأعوانه؛ قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٢٨]، وكلُّ هذا ممَّا يجبُ الإيمانُ به، وهو من الإيمان بالملائكة، وفي هذه الآيات أُضيفَ التوفِّي إلى مَلَكِ الموتِ في الآية الأولى؛ لأنَّه الموكلُ بذلك، وأُضيفَ إلى الملائكة في الآية الثانية
[ ١٦٨ ]
كتابة الملائكة لجميع أعمال العباد
والثالثة؛ لأنَّ مَلَكَ الموتِ معه أعوانٌ من الملائكة: ملائكةُ الرحمةِ أو ملائكةُ العذابِ، وقد جاء في بعض الآيات إضافةُ التوفِّي إلى الله ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]؛ لأنَّ ما تفعله الملائكةُ بأمره ومشيئتِه، وبهذا يزول ما يُتوهَّم من التعارض (^١)، وقد تضمَّن كلامُ المؤلفِ ذِكرَ الحفظةِ الكاتبين، ومَلَكَ الموتِ، وبهذا ينتهي كلامُه في الغيبيات التي طريقُ العلمِ بها هو النقلُ المستندُ للوحي.
قوله: (يكتبون أعمالَهم): أي: جميعَ أعمالِهم الصالحةِ وغيرِها، الظاهرةِ والباطنةِ؛ لعموم الأدلةِ في ذلك؛ كقوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد (١٨)﴾ [ق] (^٢).
قوله: (ولا يسقطُ شيءٌ من ذلك عن عِلم ربِّهم): أي: لا يغيب شيءٌ من أعمالِ العبادِ وأقوالهم عن علمِه ﷾، وخَلْقِه تعالى ملائكةً وَكَلَهم بحفظ أعمالِ العبادِ؛ ليس لحاجتِه إلى أنْ يعلمَ أعمالَ العبادِ لِئلَّا ينساها، بل قدَّرَ ذلك لحِكَمٍ بالغةٍ؛ فإنَّ اللهَ تعالى لا يَضِلُّ ولا يَنسى.
* * * * *
_________________
(١) ينظر: تفسير القرطبي (٧/ ٧)، (١٤/ ٩٤)، والبحر المحيط في التفسير (٤/ ٥٣٩ - ٥٤٠)، ودفع إيهام الاضطراب (ص ٢٥٤).
(٢) ينظر: المحرر الوجيز (٥/ ١٦٠)، وزاد المسير (٤/ ١٦٠)، وتفسير ابن كثير (٧/ ٣٩٨)، والإيمان لابن تيمية (ص ٤٤)، والجواب الكافي (ص ٣٧٤).
[ ١٦٩ ]