- الْإِيمَان بالكتب كلهَا.
[قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّه﴾ يَعْنِي: وَتُؤْمِنُونَ بِالْكُتُبِ كُلِّهَا كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ﴾، وَقَوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾] (٢) .
- صحف إِبْرَاهِيم ومُوسَى - ﵉ -.
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْراهِيمَ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا هَذَا الَّذِي أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي سُورَةِ «الْأَعْلَى» أَنَّهُ صُحُفٌ وَأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا فِي تِلْكَ الصُّحُفِ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحياةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِى الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسَى﴾ .
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَآ أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا مَا أُوتِيَهُ مُوسَى وَعِيسَى، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَهُ فِي مَوَاضِعَ أُخر. فَذَكَرَ أَنَّ مَا أُوتيه مُوسَى هُوَ التَّوْرَاةُ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالصُّحُفِ فِي قَوْلِهِ: ﴿صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسَى﴾، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ وَهُوَ التَّوْرَاةُ بِالْإِجْمَاعِ. وَذَكَرَ أَنَّ مَا أُوتِيَهُ عِيسَى هُوَ الْإِنْجِيلُ كَمَا فِي قَوْله: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
_________________
(١) - ٣/٢٩٠: ٢٩٢، النَّحْل / ٢٧.
(٢) - ١/٢٥١، آل عمرَان / ١١٩، وَانْظُر أَيْضا (٥/٣١) (الْحَج/٥) .
[ ٢ / ٤١٦ ]
وَآتَيْنَاهُ الإنجِيلَ﴾ .] (١) .
وَقَالَ أَيْضا: [قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ الظَّاهِر فِي مَعْنَاهُ: أَنَّ الْفُرْقَانَ هُوَ الْكِتَابُ الَّذِي أُوتِيَهُ مُوسَى، وَأَنَّمَا عَطَفَ عَلَى نَفْسِهِ؛ تَنْزِيلًا لِتَغَايُرِ الصِّفَاتِ مَنْزِلَةَ تَغَايُرِ الذَّوَاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ الَّذِي هُوَ التَّوْرَاةُ مَوْصُوفٌ بِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَكْتُوبٌ كَتَبَهُ اللَّه لِنَبِيِّهِ مُوسَى عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ فُرْقَانٌ أَيْ فَارَقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فَعَطَفَ الْفُرْقَانَ عَلَى الْكِتَابِ، مَعَ أَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ نَظَرًا لتغاير الصفتين، كَقَوْل الشَّاعِرِ:
إِلَى الْمَلِكِ الْقِرْمِ وَابْنِ الْهُمَامِ وَلَيْثِ الكتيبة فِي المزدحم
ثمَّ قَالَ: وَالدَّلِيل من القرءان عَلَى أَنَّ الْفُرْقَانَ هُوَ مَا أُوتِيَهُ مُوسَى، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ .] (٢) .
وَقَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [وَجَاءَ عِنْدَ الْقُرْطُبِيِّ: أَنَّ صُحُفَ إِبْرَاهِيمَ كَانَتْ أَمْثَالًا، وَصُحُفَ مُوسَى كَانَتْ مَوَاعِظَ، وَذَكَرَ نَمَاذِجَ لَهَا.
وَعِنْدَ الْفَخْرِ الرَّازِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ﵁، أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «كَمْ أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ؟ فَقَالَ: مِائَةً وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ عَلَى آدَمَ عَشْرَ صُحُفٍ، وَعَلَى شِيثَ خَمْسِينَ صَحِيفَةً: وَعَلَى إِدْرِيسَ ثَلَاثِينَ صَحِيفَةً، وَعَلَى إِبْرَاهِيمَ عشر صَحَائِف والتوراة وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور وَالْفرْقَان» (٣) .
_________________
(١) - ١/٧٤، الْبَقَرَة / ١٣٦.
(٢) - ١/٦٦، الْبَقَرَة/٣٣.
(٣) - أخرجه ابْن حبَان فِي "صَحِيحه" (٢/٧٦) (٣٦١)، وَأَبُو نعيم فِي الْحِلْية (١/١٦٦) من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن هِشَام بن يحيى بن يحيى الغساني عَن أَبِيه عَن جده عَن أبي إِدْرِيس الْخَولَانِيّ عَن أبي ذَر مطولا، الحَدِيث وَإِسْنَاده ضَعِيف جدا فإبراهيم بن هِشَام بن يحيى بن يحيى الغساني فال عَنهُ أَبُو حَاتِم، وَأَبُو زرْعَة: كَذَّاب، وَقَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ: مَتْرُوك. إِلَّا أَن الشَّيْخ الألباني - ﵀ - فِي الصَّحِيحَة (٦/٣٦١ - ٣٦٤) ذكر لَهُ متابعات عِنْد أبي نعيم وَلم يسق لَفظهَا، وَمَال إِلَى تَقْوِيَة الحَدِيث بِطُولِهِ.
[ ٢ / ٤١٧ ]
وَفِي هَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مِمَّا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى، وَقَدْ جَاءَ مَا يَدُلُّ أَنْ مَعَانٍ أُخْرَى كَذَلِكَ
فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى كَمَا فِي سُورَةِ النَّجْمِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ .
وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّهَا أَكْثَرُهَا أَمْثَالًا وَمَوَاعِظَ، كَمَا يُؤَكِّدُ تَرَابُطَ الْكتب السماوية.] (١) .
- الْكتاب الَّذِي أَخذه يحيى - ﵇ - بِقُوَّة هُوَ: التَّوْرَاة.
[اعْلَمْ أَنَّهُ هُنَا وَصَفَهُ بِأَنَّهُ قَالَ لَهُ ﴿يايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ وَوَصَفَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًا﴾ . فَقَوْلُهُ ﴿يايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ. أَيْ وَقُلْنَا لَهُ يَا يحيى خُذ الْكتاب بِقُوَّة. وَالْكتاب: التوارة. أَيْ خُذِ التَّوْرَاةَ بِقُوَّةٍ. أَيْ بِجِدٍّ وَاجْتِهَادٍ، وَذَلِكَ بِتَفَهُّمِ الْمَعْنَى أَوَّلًا حَتَّى يَفْهَمَهُ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ، ثُمَّ يَعْمَلَ بِهِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، فَيَعْتَقِدَ عَقَائِدَهُ، وَيُحِلَّ حَلَالَهُ، وَيُحَرِّمَ حَرَامَهُ، وَيَتَأَدَّبَ بِآدَابِهِ، وَيَتَّعِظَ بِمَوَاعِظِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ جِهَاتِ الْعَمَلِ بِهِ. وَعَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَن المُرَاد بِالْكتاب هُنَا: التوارة. وَحَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ.
وَقِيلَ: هُوَ كِتَابٌ أُنْزِلَ عَلَى يَحْيَى، وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ الْكُتُبَ الْمُقَدَّمَةَ. وَقِيلَ: هُوَ صُحُفُ إِبْرَاهِيم. وَالْأَظْهَر قَول الْجُمْهُور: إِنَّه التَّوْرَاة
_________________
(١) - ٩/١٨٤، الْأَعْلَى/١٦: ١٩.
[ ٢ / ٤١٨ ]
كَمَا قدمنَا.] (١) .
- معنى تَنْزِيل الْقُرْآن على قلب النَّبِيِّ - ﷺ -.
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ أَن جِبْرِيل ألْقى القرءان فِي قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ سَمَاعِ قِرَاءَةٍ وَنَظِيرُهَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ . وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخر أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَلَكَ يَقْرَؤُهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْمَعَهُ مِنْهُ، فَتَصِلُ مَعَانِيهِ إِلَى قَلْبِهِ بَعْدَ سَمَاعِهِ وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى تَنْزِيلِهِ عَلَى قَلْبِهِ. وَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ إَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ .] (٢) .