- من يقبض الْأَرْوَاح.
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الَّذِي يَقْبِضُ أَرْوَاحَ النَّاسِ مَلَكٌ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ أَنَّ اسْمَهُ عِزْرَائِيلُ.
وَقَدْ بيَّن تَعَالَى فِي آيَاتٍ أُخر أَنَّ النَّاسَ تَتَوَفَّاهُمْ مَلَائِكَةٌ لَا مَلَكٌ وَاحِدٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ﴾، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَإِيضَاحُ هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ الْمُوَكَّلَ بِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ مَلَكٌ وَاحِدٌ، هُوَ الْمَذْكُورُ هُنَا، وَلَكِنْ لَهُ أَعْوَانٌ يَعْمَلُونَ بِأَمْرِهِ يَنْتَزِعُونَ الرُّوحَ إِلَى الْحُلْقُومِ، فَيَأْخُذُهَا مَلَكُ الْمَوْت، أَو يعينونه إِعَانَة غير ذَلِك.
_________________
(١) - ٧/٢٦٣: ٢٧٥، الزخرف / ٦١.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ الطَّوِيلِ الْمَشْهُورِ (١): أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ فِيهِ: «أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ إِذَا أَخَذَ رُوحَ الْمَيِّتِ أَخَذَهَا مِنْ يَدِهِ بِسُرْعَةٍ مَلَائِكَةٌ فَصَعِدُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ»، وَقَدْ بيَّن فِيهِ ﷺ مَا تُعَامَلُ بِهِ رُوحُ الْمُؤْمِنِ وَرُوحُ الْكَافِرِ بَعْدَ أَخْذِ الْمَلَائِكَةِ لَهُ مِنْ مَلَكِ الْمَوْتِ حِينَ يَأْخُذُهَا مِنَ الْبَدَنِ، وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ الْمَذْكُورُ صَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَأَوْضَحَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ «الرُّوحِ»، بُطْلَانَ تَضْعِيفِ ابْنِ حَزْمٍ لَهُ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ حَدِيثَ الْبَرَاءِ الْمَذْكُورَ، دلَّ عَلَى أَنَّ مَعَ مَلَكِ الْمَوْتِ مَلَائِكَةً آخَرِينَ يَأْخُذُونَ مِنْ يَدِهِ الرُّوحَ، حِينَ يَأْخُذُهُ مِنْ بَدَنِ الْمَيِّتِ. وَأَمَّا قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الاْنفُسَ حِينَ مِوْتِهَا﴾، فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَتَوَفَّوْا أَحَدًا إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ جلَّ وَعَلَا: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا﴾ .
فَتَحَصَّلَ: أَنَّ إِسْنَادَ التَّوَفِّي إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ فِي قَوْلِهِ هُنَا: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى وُكّلَ بِكُمْ﴾، لِأَنَّهُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ، وَأَنَّ إِسْنَادَهُ لِلْمَلَائِكَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ؛ لِأَنَّ لِمَلَكِ الْمَوْتِ أَعْوَانًا يَعْمَلُونَ بِأَمْرِهِ، وَأَنَّ إِسْنَادَهُ إِلَى اللَّه فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الاْنفُسَ حِينَ مِوْتِهَا﴾، لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ كَائِنًا مَا كَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِقَضَاءِ اللَّه وَقَدَرِهِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّه تَعَالَى.] (٢) .
فصل: الْقَبْر
- الأَرْض لَا تَأْكُل أجساد الْأَنْبِيَاء، وَهل تَأْكُل أجساد الشُّهَدَاء؟
اسْتدلَّ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ - بِقصَّة الْغُلَام الَّذِي كَانَ يتَرَدَّد بَين السَّاحر
_________________
(١) - أخرجه أَحْمد (٤/٢٨٧)، وَقَالَ الأرناؤوط: إِسْنَاده صَحِيح.
(٢) - ٦/٥٠٤ - ٦٠٦، السَّجْدَة / ١١.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
والراهب وَالَّذِي كَانَ سَببا فِي إِيمَان قريته بعد أَن أَمر الملكَ أَن يُسَمِّي باسم رب الْغُلَام ويقتله على مشْهد من النَّاس، فَفعل فَقتله؛ فَآمن النَّاس بِرَبّ الْغُلَام - ﷾ - ثمَّ قَالَ: [وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْغُلَامَ دُفِنَ فَوُجِدَ زَمَنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَيَدُهُ عَلَى صُدْغِهِ، كُلَّمَا رُفعت خَرَجَ الدَّمُ مِنْ جُرْحِهِ، وَإِذَا تُركت أُعِيدَتْ عَلَى الْجُرْحِ (١) .
وَقَدْ سُقْنَا هَذِهِ الْقِصَّةَ، وَهِي من أمثل مَا جَاءَ فِي هَذِه الْمَعْنَى لِمَا فِيهَا مِنَ الْعِبَرِ، وَالَّتِي يُمْكِنُ أَن يُسْتَفَاد مِنْهَا بعض الْأَحْكَام
السَّادِسَ عَشَرَ: إِبْقَاءُ جِسْمِهِ (٢) حَتَّى زَمَنِ عُمَرَ ﵁ إِكْرَاما لأولِياء اللَّه،
_________________
(١) - أخرج هَذِه الزِّيَادَة ابْن إِسْحَاق فِي سيرته (ص/٤٣)، وَعنهُ ابْن هِشَام فِي سيرته (١/١٥٢)، والطبري فِي "تَارِيخه" (١/٤٣٦) عَن عبد الله بن أبي بكر بن حزم قَالَ: أَنه حُدِّث أَن رجلا من أهل نَجْرَان فَذكره. وَهَذَا إِسْنَاد ضَعِيف لجَهَالَة شيخ عبد الله بن أبي بكر، وَلم يذكر ابْن إِسْحَاق هَذَا الرجل بل قَالَ نَا عبد الله بن أبي بكر بن حزم قَالَ: نهب رجل بِصَنْعَاء يحْفر خربة فَذكره، وَهَذَا إِسْنَاد مُنْقَطع لِأَن عبد الله يروي هَذِه الْقِصَّة فِي زمن سيدنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - ﵁ -، وَهُوَ لم يُدْرِكهُ فقد ولد (٦٥ هـ)، وَقتل سيدنَا عمر - ﵁ - (٢٣ هـ) وَمتْن هَذِه الزِّيَادَة فِيهَا نَكَارَة، كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبا الحَدِيث عَنْهَا - بِمَشِيئَة الله -. وأصل قصَّة هَذَا الْغُلَام بِدُونِ هَذِه الزِّيَادَة أخرجهَا مُسلم (٤/٢٢٩٩) (٣٠٠٥) وَغَيره من حَدِيث صُهَيْب - ﵁ -.
(٢) - وَأما مَسْأَلَة عدم أكل الأَرْض لأجساد الشُّهَدَاء فقد تَكَلَّمت عَلَيْهَا فِي شرحي لسنن الدَّارمِيّ (حَدِيث رقم ٤٥) وخلاصة مَا ذكرت هُنَاكَ: أنني لم أَقف على مَا يصلح لتخصيص عُمُوم قَوْله - ﷺ -: " كل ابْن آدم يَأْكُلهُ التُّرَاب إِلَّا عجب الذَّنب مِنْهُ خلق وَفِيه يركب " - مُتَّفق عَلَيْهِ، وَاللَّفْظ لمُسلم - إِلَّا مَا ورد فِيهِ النَّص فِي حق الْأَنْبِيَاء - عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام - من أَن الله حرم على الأَرْض أَن تَأْكُل أَجْسَادهم الشَّرِيفَة، وَأما مَا نقل عَن شُهَدَاء أحد والغلام عبد الله بن الثَّامِر - على فرض صِحَة أَنه وجد على عهد سيدنَا عمر - ﵁ - على حَالَته - فَهَذِهِ حالات خَاصَّة لَا تصلح لعُمُوم التَّخْصِيص فِي حق أمثالهم من عُمُوم الشُّهَدَاء، فقد تَأْكُل الأَرْض أَجْسَادهم وَلَكِن بعد فَتْرَة أطول من غَيرهم، وَقد يكون هَذَا خَاصّا بِمن قتل مَعَ النَّبِي - ﷺ - دون غَيرهم من الشُّهَدَاء، أَو أَنه يكون قد كشف للنَّاس عَنْهُم كآية من الله للنَّاس، وَيحْتَمل أَن تكون طبيعة الأَرْض الَّتِي وضعُوا فِيهَا تمنع التعفن فَلَا يدود المقبور فِيهَا، وكل هَذَا مُحْتَمل، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
[ ٢ / ٥٨٠ ]
والدعاة من أَن تَأْكُل الأَرْض أجسامهم.
الثَّامِنَ عَشَرَ: حَيَاةُ الشُّهَدَاءِ لِوُجُودِ الدَّمِ وَعَوْدَةِ الْيَد مَكَانهَا، بحركة مَقْصُودَة (١) .] (٢) .
- هَل يسمع الْمَوْتَى؟ وَالْكَلَام على تلقين الْمَوْتَى.
[اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي يَقْتَضِي الدَّلِيلُ رُجْحَانَهُ هُوَ أَنَّ الْمَوْتَى فِي قُبُورِهِمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ مَنْ
كَلَّمَهُمْ (٣)، وَأَنَّ قَوْلَ عَائِشَةَ ﵂ وَمَنْ تَبِعَهَا: إِنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ، اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وَمَا جَاءَ بِمَعْنَاهَا مِنَ الْآيَاتِ غَلَطٌ مِنْهَا ﵂، وَمِمَّنْ تبعها.
_________________
(١) - هَذَا الْكَلَام مَبْنِيّ على ثُبُوت هَذِه الزِّيَادَة، وَقد سبق بَيَان ضعف سندها، وَهَذِه الزِّيَادَة فِيهَا أَيْضا تدل على نَكَارَة متنها؛ فحياة الشُّهَدَاء إِنَّمَا هِيَ عِنْد رَبهم، وحياتهم فِي قُبُورهم حَيَاة برزخية.
(٢) - ٩/١٣٨: ١٤٣، البروج / ٤، ٥.
(٣) - رحم الله الْعَلامَة الشنقيطي رَحْمَة وَاسِعَة، فقد جَانِبه الصَّوَاب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، وَكَذَا مَسْأَلَة تلقين الْمَوْتَى، وأحيلك أَيهَا الْقَارئ الْكَرِيم إِلَى رِسَالَة " الْآيَات الْبَينَات فِي عدم سَماع الْأَمْوَات " للعلامة الألوسي - ﵀ - بتحقيق الشَّيْخ الألباني - ﵀ -، وَكَذَا كتاب أَحْكَام الْجَنَائِز للشَّيْخ الألباني - ﵀ - لتقف على أَن الرَّاجِح عدم سَماع الْأَمْوَات، وَأَن مَا أستدل بِهِ المثبتون مَا هُوَ إِلَّا حالات خَاصَّة لَا يُقَاس عَلَيْهَا غَيرهَا كَحَدِيث قليب بدر، وَسَمَاع قرع النِّعَال، وَأما أَحَادِيث الِاسْتِدْلَال بهَا لَا يَخْلُو من نظر كنحو دُعَاء دُخُول الْمَقَابِر؛ فالتسليم على الْمَوْتَى فِي هَذِه الْحَالة لَا يدل على سماعهم، فقد يكون من بَاب الدُّعَاء، وَكَذَا يَصح أَن يُخَاطب من لَا يسمع؛ كمخاطبة النَّبِي - ﷺ - لجبل أحد، وَنَحْو ذَلِك، وَالله أعلم.
[ ٢ / ٥٨١ ]
وَإِيضَاحُ كَوْنِ الدَّلِيلِ يَقْتَضِي رُجْحَانَ ذَلِكَ، مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ:
الْأُولَى مِنْهُمَا: أَنَّ سَمَاعَ الْمَوْتَى ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَحَادِيثَ مُتَعَدِّدَةٍ، ثُبُوتًا لَا مَطْعَنَ فِيهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ ﷺ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِإِنْسَانٍ وَلَا بِوَقْتٍ.
وَالْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ أَنَّ النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ عَنْهُ ﷺ فِي سَمَاعِ الْمَوْتَى لَمْ يَثْبُتْ فِي الْكِتَابِ، وَلَا فِي السُّنَّةِ شَيْءٌ يُخَالِفُهَا، وَتَأْوِيلُ عَائِشَةَ ﵂ بَعْضَ الْآيَاتِ عَلَى مَعْنًى يُخَالِفُ الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ، لَا يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ فِي مَعْنَى الْآيَاتِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْهُ، فَلَا تُرَدُّ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِتَأَوُّلِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ بَعْضَ الْآيَاتِ، وَسَنُوَضِّحُ هُنَا إِنْ شَاءَ اللَّه صِحَّةَ الْمُقْدِمَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، وَإِذَا ثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ سَمَاعَ الْمَوْتَى ثَابِتٌ عَنْهُ ﷺ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ صَرِيحٍ، عُلِمَ بِذَلِكَ رُجْحَانُ مَا ذَكَرْنَا، أَنَّ الدَّلِيلَ يَقْتَضِي رُجْحَانَهُ.
أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى، وَهِيَ ثُبُوتُ سَمَاعِ الْمَوْتَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ (١): حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدٍ، سَمِعَ رَوْحَ بْنَ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّه ﷺ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقُذِفُوا فِي طُوًى مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا، ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَالُوا: مَا نَرَى يَنْطَلِقُ إِلَّا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ، فَجَعَلَ يناديهم بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِم: «يَا فلَان ابْن فلَان، وَيَا فلَان ابْن فُلَانٍ، أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّه وَرَسُولَهُ، فَإِنَّا قد وجدنَا مَا وعدنا رَبنَا حَقًا، فَهَل وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًا»؟ قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّه ﷺ مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا!! فَقَالَ
_________________
(١) - (٤/١٤٦١) (٣٧٥٧) .
[ ٢ / ٥٨٢ ]
رَسُولُ اللَّه ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»، قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللَّه لَهُ، حَتَّى أَسْمَعَهُمْ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنِقْمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا، فَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ أَقْسَمَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْأَحْيَاءَ الْحَاضِرِينَ لَيْسُوا بِأَسْمَعَ لِمَا يَقُولُ ﷺ مِنْ أُولَئِكَ الْمَوْتَى بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَهُوَ نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي سَمَاعِ الْمَوْتَى، وَلَمْ يَذْكُرْ ﷺ فِي ذَلِكَ تَخْصِيصًا، وَكَلَامُ قَتَادَةَ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ اجْتِهَادٌ مِنْهُ، فِيمَا يَظْهَرُ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي «صَحِيحِهِ» (١) أَيْضًا: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ، حَدَّثَنِي عَبْدَةُ عَنْ هُشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ، فَقَالَ: «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا»؟ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّهُمُ الْآنَ يَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ»، فَذُكِرَ لِعَائِشَةَ، فَقَالَتْ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّهُمُ الْآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ هُوَ الْحَقُّ»، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، حَتَّى قَرَأَتِ الْآيَةَ، انْتَهَى مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ. وَقَدْ رَأَيْتُهُ أَخْرَجَ عَنْ صَحَابِيَّيْنِ جَلِيلَيْنِ، هُمَا: ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو طَلْحَةَ، تَصْرِيحِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّ أُولئك الْمَوْتَى يَسْمَعُونَ مَا يَقُولُ لَهُمْ، وَرَدُّ عَائِشَةَ لرِوَايَة ابْن عمر بِمَا فهمت من القرءان مَرْدُود، كم سَتَرَى إِيضَاحَهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.
وَقَدْ أَوْضَحْنَا فِي سُورَةِ «بَنِي إِسْرَائِيلَ»، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، أَنَّ رَدَّهَا عَلَى ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا رِوَايَتَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ بِمَا فَهِمَتْ مِنَ الْآيَةِ مَرْدُودٌ أَيْضًا، وَأَوْضَحْنَا أَنَّ الْحَقَّ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ لَا مَعَهَا، فِيمَا فهمت من القرءان. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي «صَحِيحِهِ» (٢) أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا ابْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَن
_________________
(١) - (٤/١٤٦٢) (٣٧٦٠) .
(٢) - (١/٤٤٨) (١٢٧٣) .
[ ٢ / ٥٨٣ ]
قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ العَبْد إِذْ وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ ﷺ؟ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّه وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أَبْدَلَكَ اللَّه بِهِ مَقْعَدًا فِي الْجَنَّةِ» الْحَدِيثَ، وَقَدْ رَأَيْتُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ تَصْرِيحِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّ الْمَيِّتَ فِي قَبْرِهِ، يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِ مَنْ دَفَنُوهُ إِذَا رَجَعُوا، وَهُوَ نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي سَمَاعِ الْمَوْتَى، وَلَمْ يَذْكُرْ ﷺ فِيهِ تَخْصِيصًا.
وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ﵀ فِي «صَحِيحِهِ» (١): حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَلِيطٍ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: كُنْتُ مَعَ عُمَرَ (ح)، وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ عُمَرَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَتَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ، الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ كَانَ يُرِينَا مُصَارِعَ أَهْلِ بَدْرٍ بِالْأَمْسِ، يَقُولُ: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّه»، قَالَ: فَقَالَ عمر: فوالذي بَعثه بالحقّ مَا أخطأوا الْحُدُودَ الَّتِي حَدَّ رَسُولُ اللَّه ﷺ، فَجُعِلُوا فِي بِئْرٍ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَانْطَلَقَ رَسُولِ اللَّه ﷺ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «يَا فُلَانَ ابْن فلَان، وَيَا فلَان ابْن فُلَانٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمُ اللَّه وَرَسُولُهُ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي اللَّه حَقًّا»، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّه ﷺ كَيْفَ تُكَلِّمُ أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا؟ قَالَ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيَّ شَيْئًا» . حَدَّثَنَا (٢) هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ ترك قلتى بَدْرٍ ثَلَاثًا ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ، فَقَالَ: «يَا
_________________
(١) - (٤/٢٢٠٢) (٢٨٧٣) .
(٢) - صَحِيح مُسلم (٤/٢٢٠٣) (٢٨٧٤) .
[ ٢ / ٥٨٤ ]
أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا أُميّة بْنَ خَلَفٍ، يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةَ بن ربيعَة، أَلَيْسَ قد وجدْتُم مَا وَعدكُم اللَّه حَقًّا، فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا»، فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّها كَيْفَ يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا، وَقَدْ جَيَّفُوا؟ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا»، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا، فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا رِوَايَةَ أَنَسٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنِ الْبُخَارِيِّ، فَتَرَى هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّابِتَةَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي طَلْحَةَ ﵃، فِيهَا التَّصْرِيحُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّ الْأَحْيَاءَ الْحَاضِرِينَ لَيْسُوا بِأَسْمَعَ مِنْ أُولَئِكَ الْمَوْتَى لِمَا يَقُولُهُ ﷺ، وَقَدْ أَقْسَمَ ﷺ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ تَخْصِيصًا، وَقَالَ مُسْلِمٌ ﵀ فِي «صَحِيحِهِ» (١) أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِمَنِ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّه ﷺ: «أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضع فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ»، قَالَ: «يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُعْقِدَانِهِ» الْحَدِيثَ، وَفِيهِ تَصْرِيحُ النَّبِيِّ ﷺ بِسَمَاعِ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ قَرْعَ النِّعَالِ، وَهُوَ نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي سَمَاعِ الْمَوْتَى، وَظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي كُلِّ مَنْ دُفِنَ وَتَوَلَّى عَنْهُ قَوْمُهُ، كَمَا تَرَى.
وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الدالَّة عَلَى عُمُومِ سَمَاعِ الْمَوْتَى، مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (٢): حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شَرِيكٍ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّه
_________________
(١) - (٤/٢٢٠٠) (٢٨٧٠) .
(٢) - (٢/٦٦٩) (٩٧٤) .
[ ٢ / ٥٨٥ ]
ﷺ يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقُولُ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ غَدًا مُؤَجَّلُونَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّه بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهمّ اغْفِر لأهل بَقِيع الفرقد»، وَلَمْ يُقِمْ قُتَيْبَةُ قَوْلَهُ: «وَأَتَاكُمْ مَا تُوعِدُونَ»، وَفِي رِوَايَةٍ فِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ (١) عَنْهَا، قَالَتْ: كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّه ﷺ؟ قَالَ: «قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَيَرْحَمُ اللَّه الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّه بِكُمْ لَلَاحِقُونَ»، ثُمَّ قَالَ مُسْلِمٌ (٢) ﵀: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّه الْأَسَدِيُّ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ، فَكَانَ قَائِلُهُمْ يَقُولُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: «السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ»، وَفِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّه بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّه لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ»، انْتَهَى مِنْ «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» .
وَخِطَابُهُ ﷺ لِأَهْلِ الْقُبُورِ بِقَوْلِهِ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ»، وَقَوْلُهُ: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّه بِكُمْ»، وَنَحْوُ ذَلِكَ يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ سَلَامَهُ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا لَا يَسْمَعُونَ سَلَامَهُ وَكَلَامَهُ لَكَانَ خِطَابُهُ لَهُمْ مِنْ جِنْسِ خِطَابِ الْمَعْدُومِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْعُقَلَاءِ، فَمِنَ الْبَعِيدِ جَدًّا صُدُورُهُ مِنْهُ ﷺ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّه ذِكْرُ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ فِي قَبْرِهِ يَسْتَأْنِسُ بِوُجُودِ الْحَيِّ عِنْدَهُ.
وَإِذَا رَأَيْتَ هَذِهِ الْأَدِلَّةَ الصَّحِيحَةَ الدالَّة عَلَى سَمَاعِ الْمَوْتَى، فَاعْلَمْ أَنَّ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةَ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وَقَوله: ﴿وَمَا أَنتَ
_________________
(١) - انْظُر الْموضع السَّابِق حَدِيث رقم (١٠٣) .
(٢) - (٢/٦٧١) (٩٧٥) .
[ ٢ / ٥٨٦ ]
بِمُسْمِعٍ مَّن فِى الْقُبُورِ﴾ لَا تُخَالِفُهَا، وَقَدْ أَوْضَحْنَا الصَّحِيحَ مِنْ أَوْجُهِ تَفْسِيرِهَا، وَذَكَرْنَا دَلَالَةَ الْقَرَائِن القرآنية عَلَيْهِ، وَأَن استقراء القرءان يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَمِمَّنْ جَزَمَ بِأَنَّ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةَ لَا تُنَافِي الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي ذَكَرْنَا أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، فَقَدْ قَالَ فِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ مِنْ «مَجْمُوعِ الْفَتَاوِي» مِنْ صَحِيفَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، إِلَى صَحِيفَةِ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ، مَا نَصُّهُ: وَقَدْ تُعَادُ الرُّوحُ إِلَى الْبَدَنِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْمَسْأَلَةِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، إِلَّا رَدَّ اللَّه عَلَيْهِ روحه حَتَّى يرد ﵇» (١) . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ عَنْ أَوْسِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ خَيْرَ أَيَّامِكُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فَأَكْثِرُوا عليَّ مِنَ الصَّلَاةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه كَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ؟ فَقَالَ: «إِنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ» (٢)،
وَهَذَا الْبَابُ فِيهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ، مَا يَضِيقُ هَذَا الْوَقْتُ عَنِ اسْتِقْصَائِهِ، مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْأَبْدَانَ الَّتِي فِي الْقُبُورِ تَنْعَمُ وَتُعَذَّبُ إِذَا شَاءَ اللَّه ذَلِكَ كَمَا يَشَاءُ، وَأَنَّ الْأَرْوَاحَ بَاقِيَةٌ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْبَدَنِ وَمُنْعِمَةٌ أَوْ مُعَذَّبَةٌ، وَلِذَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالسَّلَامِ عَلَى الْمَوْتَى، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ وَالسُّنَنِ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ إِذَا زاروا
_________________
(١) - أخرجه ابْن حبَان فِي الْمَجْرُوحين (٢/٥٨)، والخطيب فِي تَارِيخ بَغْدَاد (٦/١٣٧) (٣١٧٥) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، والْحَدِيث ضعفه الشَّيْخ الألباني - ﵀ - فِي السلسلة الضعيفة (٤٤٩٣) .
(٢) - أخرجه أَبُو دَاوُد (١/٣٤٢) (١٤٠٧)، وَالنَّسَائِيّ (٣/٩١) (١٣٧٤)، وَابْن مَاجَه (١/٣٤٥) (١٠٨٥)، وَأحمد (٤/٨)، والْحَدِيث صَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ -..
[ ٢ / ٥٨٧ ]
الْقُبُورَ أَنْ يَقُولُوا: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّه بِكُمْ لَاحِقُونَ، يَرْحَمُ اللَّه الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَمِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْأَلُ اللَّه لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ، اللَّهمّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ» (١) . وَقَدِ انْكَشَفَ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ ذَلِكَ حَتَّى سَمِعُوا صَوْتَ الْمُعَذَّبِينَ فِي قُبُورِهِمْ، وَرَأَوْهُمْ بِعُيُونِهِمْ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ فِي آثَارٍ كَثِيرَةٍ مَعْرُوفَةٍ، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ دَائِمًا عَلَى الْبَدَنِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي حَالٍ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ (٢) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ
ثَلَاثًا ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: «يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، يَا أُميّة بْنَ خَلَفٍ، يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شيبَة بن ربيعةا أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا»، فَسَمَعَ عُمَرُ ﵁ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّها كَيْفَ يَسْمَعُونَ وَقَدْ جَيَّفُوا؟ فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا»، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ، وَقَدْ أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَفَ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ، فَقَالَ: «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا»؟ وَقَالَ: «إِنَّهُمْ ليسمعون الْآن مَا أَقُول»، فَذكر ذَلِك
_________________
(١) -هَذَا الحَدِيث ملفق من عدَّة رِوَايَات، وَبَعضه فِي صَحِيح مُسلم (١/٢١٨) (٢٤٩)، وَالنَّسَائِيّ (٤/٩١) (٢٠٣٧) وَغَيرهمَا، إِلَّا أَن زِيَادَة: (اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ) فَهِيَ عِنْد ابْن مَاجَه (١/٤٩٣) (١٥٤٦)، وَأحمد (٦/٧١، ٧٦) من حَدِيث عَائِشَة، وَقد ضعفها الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ عَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ - ﵁ - (٤/١٤٦١) (٣٧٥٧)، وَمُسلم من حَدِيث أنس (٤/٢٢٠٣) (٢٨٧٤) .
(٣) - أخرجه البُخَارِيّ (٤/١٤٦٢) (٣٧٦٠)، وَمُسلم (٢/٦٤٣) (٩٣٢) .
[ ٢ / ٥٨٨ ]
لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ: وَهِم ابْنُ عُمَرَ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الْآنَ أَنَّ الَّذِي قُلْتُ لَهُمْ هُوَ الْحَقُّ»، ثُمَّ قَرَأَتْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، حَتَّى قَرَأَتِ الْآيَةَ.
وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ اتَّفَقُوا عَلَى صِحَّةِ مَا رَوَاهُ أَنَسٌ وَابْنُ عُمَرَ، وَإِنْ كَانَا لَمْ يَشْهَدَا بَدْرًا، فَإِنَّ أَنَسًا رَوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، وَأَبُو طَلْحَةَ شَهِدَ بَدْرًا كَمَا رَوَى أَبُو حَاتِمٍ فِي صَحِيحِهِ (١)، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقُذِفُوا فِي طُوًى مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ، وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَحَبَّ أَنْ يُقِيمَ فِي عَرْصَتِهِمْ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا فَحَرَّكَهَا، ثُمَّ مَشَى وَتَبِعَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَالُوا: مَا نَرَاهُ يَنْطَلِقُ إِلَّا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، حَتَّى قَامَ عَلَى شِفَاءِ الرَّكِيِّ، فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ: «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّه وَرَسُولَهُ، فَإِنَّا قد وجدنَا مَا وعدنا رَبنَا حَقًا، فَهَل وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا»، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللَّه ﷺ مَا تُكَلِّمُ مِنْ أَجْسَادٍ وَلَا أَرْوَاحَ فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»، قَالَ قَتَادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللَّه حَتَّى أَسْمَعَهُمْ تَوْبِيخًا، وَتَصْغِيرًا، وَنِقْمَةً، وَحَسْرَةً، وَتَنْدِيمًا، وَعَائِشَةُ قَالَتْ فِيمَا ذَكَرَتْهُ كَمَا تَأَوَّلَتْ.
وَالنَّصُّ الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُقَدَّمٌ عَلَى تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيره، وَلَيْسَ فِي القرءان مَا يَنْفِي ذَلِكَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ السَّمَاعَ الْمُعْتَادَ الَّذِي يَنْفَعُ صَاحِبَهُ، فَإِنَّ هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّه لِلْكُفَّارِ، وَالْكُفَّارُ تَسْمَعُ الصَّوْتَ، لَكِنْ لَا تَسْمَعُ سَمَاعَ قَبُولٍ بِفِقْهٍ وَاتِّبَاعٍ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء
_________________
(١) - صَحِيح ابْن حبَان (١١/٩٩) (٤٧٧٨) وَقَالَ الأرناؤوط: إِسْنَاده صَحِيح على شَرط مُسلم.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
وَنِدَاء﴾، فَهَكَذَا الْمَوْتَى الَّذين ضرب بهم الْمثل لَا يَجِبُ أَنْ يُنْفَى عَنْهُمْ جَمِيعُ أَنْوَاعِ السَّمَاعِ، بَلِ السَّمَاعُ الْمُعْتَادُ كَمَا لَمْ يَنْفِ ذَلِكَ عَنِ الْكُفَّارِ، بَلِ انْتَفَى عَنْهُمُ السَّمَاعُ الْمُعْتَادُ الَّذِي يَنْتَفِعُونَ بِهِ. وَأَمَّا سَمَاعٌ آخَرُ فَلَا يُنْفَى عَنْهُمْ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ الْمَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ، إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَهَذَا مُوَافِقٌ لِهَذَا فَكَيْفَ يُرْفَعُ ذَلِكَ، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ. وَقَدْ تَرَاهُ صَرَّحَ فِيهِ بِأَنَّ تَأَوُّلَ عَائِشَةَ لَا يُرَدُّ بِهِ النَّصُّ الصَّحِيحُ عَنْهُ ﷺ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي القرءان مَا يَنْفِي السَّمَاعَ الثَّابِتَ لِلْمَوْتَى فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة.
وَإِذا علمت بِهِ أَن القرءان لَيْسَ فِيهِ مَا يَنْفِي السَّمَاعَ الْمَذْكُورَ، عَلِمْتَ أَنَّهُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ الصَّحِيحِ، مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ تَأَوُّلَ عَائِشَةَ ﵂ بعض آيَات القرءان، لَا تُرَدُّ بِهِ رِوَايَاتُ الصَّحَابَةِ الْعُدُولِ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ عَنْهُ ﷺ، وَيَتَأَكَّدُ، ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
الْأَوَّلُ: هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ الْآنَ مِنْ أَنَّ رِوَايَةَ الْعَدْلِ لَا تُرَدُّ بِالتَّأْوِيلِ.
الثَّانِي: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ لَمَّا أَنْكَرَتْ رِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ الْآنَ مَا أَقُولُ»، قَالَتْ: إِنَّ الَّذِي قَالَهُ ﷺ: «إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الْآنَ أَنَّ الَّذِي كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ هُوَ الْحَقُّ» (١)، فَأَنْكَرَتِ السَّمَاعَ وَنَفَتْهُ عَنْهُمْ، وَأَثْبَتَتْ لَهُمُ الْعِلْمَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْعِلْمُ صَحَّ مِنْهُ السَّمَاعُ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ.
الثَّالِثُ: هُوَ مَا جَاءَ عَنْهَا مِمَّا يَقْتَضِي رُجُوعَهَا عَنْ تَأْوِيلهَا، إِلَى الرِّوَايَات الصَّحِيحَة.
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (٤/١٤٦٢) (٣٧٥٩) .
[ ٢ / ٥٩٠ ]
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي «فَتْحِ الْبَارِي» (١): وَمِنَ الْغَرِيبِ أَنَّ فِي الْمَغَازِي لِابْنِ إِسْحَاقَ رِوَايَةَ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ، وَفِيهِ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَكَأَنَّهَا رَجَعَتْ عَنِ الْإِنْكَارِ لِمَا ثَبَتَ عِنْدَهَا مِنْ رِوَايَةِ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ؛ لِكَوْنِهَا لَمْ تَشْهَدِ الْقِصَّةَ، انْتَهَى مِنْهُ. وَاحْتِمَالُ رُجُوعِهَا لِمَا ذُكِرَ قَوِيٌّ، لِأَنَّ مَا يَقْتَضِي رُجُوعَهَا ثَبَتَ بِإِسْنَادَيْنِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِنَّ أَحَدَهُمَا جَيِّدٌ، وَالْآخُرُ حَسَنٌ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: كَانَ عِنْدَ عَائِشَةَ مِنَ الْفَهْمِ وَالذَّكَاءِ وَكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ وَالْغَوْصِ عَلَى غَوَامِضِ الْعِلْمِ، مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا سَبِيلَ إِلَى رَدِّ رِوَايَةِ الثِّقَةِ إِلَّا بِنَصٍّ مِثْلِهِ يَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ أَوْ تَخْصِيصِهِ، أَوِ اسْتِحَالَتِهِ، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي أَوَّلِ «كِتَابِ الرُّوحِ»: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: وَهِيَ هَلْ تَعْرِفُ الْأَمْوَاتَ زِيَارَةَ الْأَحْيَاءِ وَسَلَامَهُمْ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُرُّ عَلَى قَبْرِ أَخِيهِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، إِلَّا رَدَّ اللَّه عَلَيْهِ رَوْحَهُ حَتَّى يَرُدَّ ﵇» (٢)، فَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ يَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ، وَيَرُدُّ ﵇.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ: أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلَى بَدْرٍ فَأُلْقُوا فِي قَلِيبٍ، ثُمَّ جَاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِمْ وَنَادَاهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ: «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، وَيَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا»، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّه! مَا تُخَاطِبُ مِنْ أَقْوَامٍ قَدْ جَيَّفُوا، فَقَالَ: «وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ
_________________
(١) - (٧/٣٠٤) .
(٢) - سبق تَخْرِيجه آنِفا، وَهُوَ ضَعِيف.
[ ٢ / ٥٩١ ]
جَوَابًا»، وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ: أَنَّ الْمَيِّتَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِ الْمُشَيِّعِينَ لَهُ إِذَا انْصَرَفُوا عَنْهُ، وَقَدْ شَرَعَ النَّبِيُّ ﷺ لأُمّته إِذَا سَلَّمُوا عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ، أَنْ يُسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ سَلَامَ مَنْ يُخَاطِبُونَهُ، فَيَقُولُ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ»، وَهَذَا خِطَابٌ لِمَنْ يَسْمَعُ وَيَعْقِلُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ هَذَا الْخِطَابُ بِمَنْزِلَةِ خِطَابِ الْمَعْدُومِ وَالْجَمَادِ، وَالسَّلَفُ مُجْمِعُونَ عَلَى هَذَا، وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْآثَارُ عَنْهُمْ أَنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ زِيَارَةَ الْحَيِّ لَهُ، وَيَسْتَبْشِرُ لَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّه بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا فِي «كِتَابِ الْقُبُورِ»: " بَابٌ فِي مَعْرِفَةِ الْمَوْتَى بِزِيَارَةِ الْأَحْيَاءِ": حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ سَمْعَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَزُورُ قَبْرَ أَخِيهِ وَيَجْلِسُ عِنْدَهُ إِلَّا اسْتَأْنَسَ بِهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ، حَتَّى يَقُومَ» (١) .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: إِذَا مَرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ أَخِيهِ يَعْرِفُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ ﵇ وَعَرَفَهُ، وَإِذَا مَرَّ بِقَبْرٍ لَا يَعْرِفُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ ﵇ (٢) .
وَذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كَلَامِ أَبِي الدُّنْيَا وَغَيْرِهِ آثَارًا تَقْتَضِي سَمَاعَ الْمَوْتَى، وَمَعْرِفَتَهُمْ لِمَنْ يَزُورُهُمْ، وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ مَرَائِيَ كَثِيرًا جَدًا، ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ الْمَرَائِي، وَإِنْ لَمْ تَصْلُحْ بِمُجَرَّدِهَا لِإِثْبَاتِ مِثْلِ ذَلِكَ، فَهِيَ عَلَى كَثْرَتِهَا، وَأَنَّهَا لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللَّه قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
_________________
(١) - إِسْنَاده ضَعِيف جدا فِيهِ عبد الله بن زِيَاد بن سمْعَان قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف: أحد المتروكين فى الحَدِيث، كذبه مَالك. وَقَالَ عَنهُ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب: مَتْرُوك، اتهمه بِالْكَذِبِ أَبُو دَاوُد وغَيره.
(٢) - إِسْنَاده ضَعِيف، فِيهِ مُحَمَّد بن قدامَة، قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف: لين. وَقَالَ عَنهُ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب: فِيهِ لين.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
«أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ» (١)، يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَإِذَا تَوَاطَأَتْ رُؤْيا الْمُؤمنِينَ على شىء، كَانَ كتواطىء رِوَايَتِهِمْ لَهُ، وَمِمَّا قَالَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كَلَامِهِ الطَّوِيلِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الْمَيِّتَ يَسْتَأْنِسُ بِالْمُشَيِّعِينَ لِجِنَازَتِهِ بَعْدَ دَفْنِهِ، فَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (٢) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شَمَّاسَةَ الْمَهْرِيِّ، قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَهُوَ فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ، فَبَكَى طَوِيلًا وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ.. الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَسُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ سَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ الْجَزُورُ، وَيُقَسَّمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي، فدلَّ عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ يَسْتَأْنِسُ بِالْحَاضِرِينَ عِنْدَ قَبْرِهِ وَيُسَرُّ بهم، اهـ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، لِأَنَّ اسْتِئْنَاسَ الْمَقْبُورِ بِوُجُودِ الْأَحْيَاءِ عِنْدَ قَبْرِهِ لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ. وَمِمَّا قَالَهُ ابْنُ الْقِيَمِ فِي كَلَامِهِ الطَّوِيلِ الْمَذْكُورِ: وَيَكْفِي فِي هَذَا تَسْمِيَةُ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِمْ زَائِرًا، وَلَوْلَا أَنَّهُمْ يَشْعُرُونَ بِهِ لَمَا صَحَّ تَسْمِيَتُهُ زَائِرًا، فَإِنَّ الْمَزُورَ إِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِزِيَارَةِ مَنْ زَارَهُ، لَمْ يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ: زَارَهُ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْقُولُ مِنَ الزِّيَارَةِ عِنْدَ جَمِيعِ الأُمم، وَكَذَلِكَ السَّلَامُ عَلَيْهِمْ أَيْضًا، فَإِنَّ السَّلَامَ عَلَى مَنْ لَا يَشْعُرُ وَلَا يَعْلَمُ بِالْمُسْلِمِ مُحَالٌ، وَقَدْ عَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ أُمته إِذَا زَارُوا الْقُبُورَ أَنْ يَقُولُوا: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّه بِكُمْ لَاحِقُونَ، يَرْحَمُ اللَّه الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَمِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْأَلُ اللَّه لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ» (٣)، وَهَذَا السَّلَامُ وَالْخِطَابُ وَالنِّدَاءُ لِمَوْجُودٍ يَسْمَعُ، ويخاطب، وَيعْقل، ويردّ،
_________________
(١) - أخرجه الْبُخَارِيِّ (١/٣٨٨) (١١٠٥) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -.
(٢) - (١/١١٢) (١٢١) .
(٣) - سبق الْكَلَام عَنهُ آنِفا.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
وَإِنْ لَمْ يَسْمَعِ الْمُسْلِمُ الرَّدَّ.
وَمِمَّا قَالَهُ ابْنُ الْقِيَمِ فِي كَلَامِهِ الطَّوِيلِ، قَوْلُهُ: وَقَدْ تَرْجَمَ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَقِّ الْأَشْبِيلِيُّ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: ذِكْرُ مَا جَاءَ أَنَّ الْمَوْتَى يُسْأَلُونَ عَنِ الْأَحْيَاءِ، وَيَعْرِفُونَ أَقْوَالَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ كَانَ يَعْرِفُهُ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، إِلَّا عَرَفَهُ وَرَدَّ ﵇» (١) .
وَيُرْوَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ ﵇» (٢)، قَالَ: وَيُرْوَى مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَزُورُ قَبْرَ أَخِيهِ فَيَجْلِسُ عِنْدَهُ، إِلَّا اسْتَأْنَسَ بِهِ حَتَّى يَقُومَ» (٣)، وَاحْتَجَّ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْبَابِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّه عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇» (٤) . ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْ عَبْدِ الْحَقِّ وَغَيْرِهِ مَرَائِيَ وَآثَارًا فِي الْمَوْضُوعِ، ثُمَّ قَالَ فِي كَلَامِهِ الطَّوِيلِ: وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَيْضًا مَا جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ قَدِيمًا وَإِلَى الْآنِ، مِنْ تَلْقِينِ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ وَلَوْلَا أَنَّهُ يَسْمَعُ ذَلِكَ وَيَنْتَفِعُ بِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ، وَكَانَ عَبَثًا. وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀، فَاسْتَحْسَنَهُ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالْعَمَلِ.
_________________
(١) - قَالَ ابْن رَجَب فِي أهوال الْقُبُور (ص/١٤١): خرجه ابْن عبد الْبر وَقَالَ عبد الْحق الإشبيلي: إِسْنَاده صَحِيح يُشِير إِلَى أَن رُوَاته كلهم ثِقَات وَهُوَ كَذَلِك إِلَّا أَنه غَرِيب بل مُنكر.
(٢) - ضعف إِسْنَاده ابْن رَجَب فِي أهوال الْقُبُور (ص/١٤١) بقوله: عبد الرَّحْمَن بن زيد: فِيهِ ضعف وَقد خُولِفَ فِي إِسْنَاده.
(٣) - إِسْنَاده ضَعِيف جدا، وَسبق تَخْرِيجه آنِفا.
(٤) - أخرجه أَبُو دَاوُد (١/٦٢٢) (٢٠٤١)، وَأحمد (٢/٥٢٧) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - بِهِ، والْحَدِيث حسنه الشَّيْخ الألباني - ﵀ - وَانْظُر الصَّحِيحَة (٢٢٦٦) .
[ ٢ / ٥٩٤ ]
وَيُرْوَى فِيهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: ذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمامة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَسَوَّيْتُمْ عَلَيْهِ التُّرَابَ، فَلْيَقُمْ أَحَدُكُمْ على رَأس قَبره، فَيَقُول: يَا فلَان ابْن فُلَانَةَ»، الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: «اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه، وَأَنَّكَ رَضِيتَ باللَّه رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا»، الْحَدِيثَ (١) . ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: فَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ، فَاتِّصَالُ الْعَمَلِ بِهِ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ كَافٍ فِي الْعَمَلِ بِهِ، وَمَا أَجْرَى اللَّه سُبْحَانَهُ الْعَادَةَ قَطُّ، بِأَنَّ أُمة طَبَّقَتْ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، وَهِيَ أَكْمَلُ الأُمم عُقُولًا، وَأَوْفَرُهَا مَعَارِفَ تُطْبِقُ عَلَى مُخَاطَبَةِ مَنْ لَا يَسْمَعُ، وَتَسْتَحْسِنُ ذَلِكَ لَا يُنْكِرُهُ مِنْهَا مُنْكِرٌ بَلْ سَنَّهُ الْأَوَّلُ لِلْآخِرِ، وَيَقْتَدِي فِيهِ الْآخِرُ بِالْأَوَّلِ، فَلَوْلَا أَنَّ الْخِطَابَ يُسْمَعُ لَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْخِطَابِ لِلتُّرَابِ، وَالْخَشَبِ وَالْحَجَرِ وَالْمَعْدُومِ، وَهَذَا وَإِنِ اسْتَحْسَنَهُ وَاحِدٌ فَالْعُلَمَاءُ قَاطِبَةً عَلَى اسْتِقْبَاحِهِ وَاسْتِهْجَانِهِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَضَرَ جِنَازَةَ رَجُلٍ، فَلَمَّا دُفِنَ قَالَ: «سَلُوا لِأَخِيكُمُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» (٢)، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُسْأَلُ حِينَئِذٍ، وَإِذَا كَانَ يُسْأَلُ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ التَّلْقِينَ، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ الْمَيِّتَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ قِصَّةَ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ، وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، وَتَنْفِيذَ عَوْفٍ لِوَصِيَّةِ الصَّعْبِ لَهُ فِي الْمَنَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَثْنَى عَلَى عَوْفِ بْنِ مَالك بالفقه فِي تنفيذه وَصِيَّة الصعب
_________________
(١) - أخرجه الطَّبَرَانِيّ (٨/٢٤٩) (٧٩٧٩)، والْحَدِيث ضعفه الشَّيْخ الألباني - ﵀ - وَانْظُر الإرواء (٧٥٣) .
(٢) - أخرجه أَبُو دَاوُد (٢/٢٣٤) (٣٢٢١) من حَدِيث عُثْمَان - ﵁ - والْحَدِيث صَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
بَعْدَ مَوْتِهِ، لِمَا عُلِمَ صِحَّةُ ذَلِكَ بِالْقَرَائِنِ، وَكَانَ فِي الْوَصِيَّةِ الَّتِي نَفَّذَهَا عَوْفٌ إِعْطَاءُ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ لِيَهُودِيٍّ مِنْ تَرِكَةِ الصَّعْبِ كَانَتْ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ، وَمَاتَ قَبْلَ قَضَائِهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهَذَا مِنْ فِقْهِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ حَيْثُ نَفَّذَ وَصِيَّةَ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَعَلِمَ صِحَّةَ قَوْلِهِ بِالْقَرَائِنِ الَّتِي أَخْبَرَهُ بِهَا، مِنْ أَنَّ الدَّنَانِيرَ عَشْرَةٌ وَهِيَ فِي الْقَرْنِ، ثُمَّ سَأَلَ الْيَهُودِيَّ فَطَابَقَ قَوْلُهُ مَا فِي الرُّؤْيَا فَجَزَمَ عَوْفٌ بِصِحَّةِ الْأَمْرِ، فَأَعْطَى الْيَهُودِيَّ الدَّنَانِيرَ، وَهَذَا فِقْهٌ إِنَّمَا يَلِيقُ بِأَفْقَهِ النَّاسِ وَأَعْلَمِهِمْ، وَهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّه ﷺ، وَلَعَلَّ أَكْثَرَ الْمُتَأَخِّرِينَ يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَيَقُولُ: كَيْفَ جَازَ لِعَوْفٍ أَنْ يَنْقُلَ الدَّنَانِيرَ مِنْ تَرِكَةٍ صَعْبَةٍ، وَهِيَ لِأَيْتَامِهِ وَوَرَثَتِهِ إِلَى يَهُودِيٍّ بِمَنَامٍ. ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ تَنْفِيذَ خَالِدٍ وَأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄، وَصِيَّةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ﵁ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَفِي وَصِيَّتِهِ الْمَذْكُورَةِ قَضَاءُ دِينٍ عَيَّنَهُ لِرَجُلٍ فِي الْمَنَامِ، وَعِتْقِ بَعْضِ رَقِيقِهِ، وَقَدْ وَصَفَ لِلرَّجُلِ الَّذِي رَآهُ فِي مَنَامِهِ الْمَوْضِعَ الَّذِي جَعَلَ فِيهِ دِرْعَهُ الرَّجُلُ الَّذِي سَرَقَهَا، فَوَجَدُوا الْأَمْرَ كَمَا قَالَ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ.
وَإِذَا كَانَتْ وَصِيَّةُ الْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ قَدْ نَفَّذَهَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه ﷺ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُدْرِكُ وَيَعْقِلُ وَيَسْمَعُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي خَاتِمَةِ كَلَامِهِ الطَّوِيلِ: وَالْمَقْصُودُ جَوَابُ السَّائِلِ وَأَنَّ الْمَيِّتَ إِذَا عَرَفَ مِثْلَ هَذِهِ الْجُزْئِيَّاتِ وَتَفَاصِيلَهَا، فَمَعْرِفَتُهُ بزيارة الْحَيّ لَهُ وَسَلَامه عَلَيْهِ ودعائه لَهُ أولى وَأَحْرَى. اهـ
فَكَلَامُ ابْنِ الْقَيِّمِ هَذَا الطَّوِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَا بَعْضَهُ جُمْلَةً وَبَعْضَهُ تَفْصِيلًا، فِيهِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْمُقْنِعَةِ مَا يَكْفِي فِي الدَّلَالَةِ عَلَى سَمَاعِ الْأَمْوَاتِ، وَكَذَلِكَ الْكَلَامُ الَّذِي نَقَلْنَا عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ تَيْمِيَّةَ، وَفِي كَلَامِهِمَا الَّذِي نقلنا عَنْهُمَا
[ ٢ / ٥٩٦ ]
أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ، وَآثَارٌ كَثِيرَةٌ، وَمَرَائِي مُتَوَاتِرَةٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا فِي كَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ مِنْ تَلْقِينِ الْمَيِّتِ بَعْدَ الدَّفْنِ، أَنْكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ: إِنَّهُ بِدْعَةٌ، وَأَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ إِلَّا أَهْلُ الشَّامِ، وَقَدْ رَأَيْتَ ابْنَ الْقَيِّمِ اسْتَدَلَّ لَهُ بِأَدِلَّةٍ، مِنْهَا: أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵀ سُئِلَ عَنْهُ فَاسْتَحْسَنَهُ. وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالْعَمَلِ. وَمِنْهَا: أَنَّ عَمَلَ الْمُسْلِمِينَ اتَّصَلَ بِهِ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ. وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَيِّتَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِ الدَّافِنِينَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَاسْتِدْلَالُهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ اسْتِدْلَالٌ قَوِيٌّ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَسْمَعُ قَرْعَ النِّعَالِ، فَلَأَنْ يَسْمَعُ الْكَلَامَ الْوَاضِحَ بِالتَّلْقِينِ مِنْ أَصْحَابِ النِّعَالِ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَاسْتِدْلَالُهُ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ: «سَلُوا لِأَخِيكُمُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» (١) لَهُ وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ يَسْمَعُ سُؤَالَ السَّائِلِ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ تَلْقِينَ الْمُلَقِّنِ، واللَّه أَعْلَمُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ سَمَاعِهِ سُؤَالَ الْمَلِكِ وَسَمَاعِهِ التَّلْقِينَ مِنَ الدَّافِنِينَ مُحْتَمَلٌ احْتِمَالًا قَوِيًّا، وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ التَّلْقِينَ بَعْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَفْعَلْهُ إِلَّا أَهْلُ الشَّامِ، يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُمْ هُمْ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ، وَلَكِنَّ النَّاسَ تَبِعُوهُمْ فِي ذَلِكَ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. قَالَ الشَّيْخ الْحطاب فِي كَلَامه على قَوْلِ خَلِيلِ بْنِ إِسْحَاقَ الْمَالِكِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ: وَتَلْقِينُهُ الشَّهَادَةَ، وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ بِاسْتِحْبَابِ التَّلْقِينِ بَعْدَ الدَّفْنِ. وَقَالَ الشَّيْخُ زَرُّوقٌ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ وَالْإِرْشَادِ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنِ الطِّلَاعِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، فَقَالَ: هُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَعْمَلُ بِهِ، وَقَدْ رُوِّينَا فِيهِ حَدِيثًا عَنْ أَبِي أُمامة لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَلَكِنَّهُ اعْتَضَدَ بِالشَّوَاهِدِ، وَعَمَلِ أَهْلِ الشَّامِ قَدِيمًا، إِلَى أَنْ قَالَ: وَقَالَ فِي الْمَدْخَلِ: يَنْبَغِي أَنْ يَتَفَقَّدَهُ بَعْدَ انْصِرَافِ النَّاسِ عَنْهُ، مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ
_________________
(١) - سبق تَخْرِيجه آنِفا.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
وَالدِّينِ، وَيَقِفَ عِنْدَ قَبْرِهِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَيُلَقِّنَهُ؛ لِأَنَّ الْمَلَكَيْنِ ﵉، إِذْ ذَاكَ يَسْأَلَانِهِ وَهُوَ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِ الْمُنْصَرِفِينَ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ عُثْمَانَ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ»، إِلَى أَنْ قَالَ: وَقَدْ كَانَ سَيِّدِي أَبُو حَامِدِ بْنُ الْبَقَّالِ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ وَالصُّلَحَاءِ، إِذَا حَضَرَ جِنَازَةً عَزَّى وَلَيَّهَا بَعْدَ الدَّفْنِ، وَانْصَرَفَ مَعَ مَنْ يَنْصَرِفُ، فَيَتَوَارَى هُنَيْهَةً حَتَّى يَنْصَرِفَ النَّاسُ، ثُمَّ يَأْتِي إِلَى الْقَبْرِ، فَيُذَكِّرُ الْمَيِّتَ بِمَا يُجَاوِبُ بِهِ الْمَلَكَيْنِ ﵉، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ الْحَطَّابِ. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ كَلَامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الطِّلَاعِ الْمَالِكِيِّ لَهُ وَجْهٌ قَوِيٌّ مِنَ النَّظَرِ، كَمَا سَتَرَى إِيضَاحَهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ثُمَّ قَالَ الْحَطَّابُ: وَاسْتَحَبَّ التَّلْقِينَ بَعْدَ الدَّفْنِ أَيْضًا الْقُرْطُبِيُّ والثعالبي وَغَيرهمَا، وَيظْهر من كَلَام الأبي فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْجَنَائِزِ يَعْنِي مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي كِتَابِ «الْإِيمَانِ» مَيْلٌ إِلَيْهِ، انْتَهَى مِنَ الْحَطَّابِ. وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الْمُشَارُ إِلَيْهِ، هُوَ الَّذِي ذَكَرْنَا مَحَلَّ الْغَرَضِ مِنْهُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ الطَّوِيلِ الْمُتَقَدِّمِ.
قَالَ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ»: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، وَأَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ. وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ، يَعْنِي أَبَا عَاصِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ شَمَّاسَةَ الْمَهْرِيِّ، قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ، فَبَكَى طَوِيلًا وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ، الْحَدِيثَ. وَقَدْ قَدَّمْنَا مَحَلَّ الْغَرَضِ مِنْهُ بِلَفْظِهِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ الْمَذْكُورِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ حَدِيثَ عَمْرٍو هَذَا لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ، وَأَنَّهُ دَلِيلٌ صَحِيحٌ عَلَى اسْتِئْنَاسِ الْمَيِّتِ بِوُجُودِ الْأَحْيَاءِ عِنْدَ قَبْرِهِ.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ»، مَا نَصُّهُ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُلَقَّنَ الْمَيِّتُ بَعْدَ الدَّفْنِ، فَيُقَالُ: يَا عَبْدَ اللَّه ابْنَ أَمَةِ اللَّه اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا: شَهَادَةَ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه، وأنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّه يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَنْتَ رَضِيَتْ باللَّه رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ إِمَامًا، وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً، وَبِالْمُؤْمِنِينَ إِخْوَانًا، وَرَدَ بِهِ الْخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
قُلْتُ: هَذَا التَّلْقِينُ اسْتَحَبَّهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، مِنْهُمُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ، وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ «التَّهْذِيبُ» وَغَيْرُهُمْ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَنْ أَصْحَابِنَا مُطْلَقًا، وَالْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِيهِ ضَعِيفٌ، لَكِنَّ أَحَادِيثَ الْفَضَائِلِ يُتَسَامَحُ فِيهَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدِ اعْتَضَدَ هَذَا الْحَدِيثُ بِشَوَاهِدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ؛ كَحَدِيثِ: «اسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ»، وَوَصِيَّةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَقِيمُوا عِنْدَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقَسَّمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَعْلَمَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي، رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الشَّامِ عَلَى الْعَمَلِ بِهَذَا التَّلْقِينِ، مِنَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، وَفِي زمن من يقْتَدى بِهِ. اهـ مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ.
وَبِمَا ذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَابْنُ الطِّلَاعِ، وَصَاحِبُ الْمَدْخَلِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالنَّوَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، كَمَا أَوْضَحْنَا كَلَامَهُمْ تَعْلَمُ أَنَّ التَّلْقِينَ بَعْدَ الدَّفْنِ لَهُ وَجْهٌ قَوِيٌّ مِنَ النَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ جَاءَ فِيهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَاعْتَضَدَ بِشَوَاهِدَ صَحِيحَةٍ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الشَّامِ قَدِيمًا، وَمُتَابَعَةِ غَيْرِهِمْ لَهُمْ.
وَبِمَا عُلِمَ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ مِنَ التَّسَاهُلِ فِي الْعَمَلِ بِالضَّعِيفِ، فِي أَحَادِيثِ الْفَضَائِلِ، وَلَا سِيَّمَا الْمُعْتَضِدُ مِنْهَا بِصَحِيحٍ، وَإِيضَاحُ شَهَادَةِ
[ ٢ / ٥٩٩ ]
الشَّوَاهِدِ لَهُ أَنَّ حَقِيقَةَ التَّلْقِينِ بَعْدَ الدَّفْنِ، مُرَكَّبَةٌ مِنْ شَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: سَمَاعُ الْمَيِّتِ كَلَامَ مُلَقِّنِهِ بَعْدَ دَفْنِهِ.
وَالثَّانِي: انْتِفَاعُهُ بِذَلِكَ التَّلْقِينِ، وَكِلَاهُمَا ثَابِتٌ فِي الْجُمْلَةِ، أَمَّا سَمَاعُهُ لِكَلَامِ الْمُلَقِّنِ فَيَشْهَدُ لَهُ سَمَاعُهُ لِقَرْعِ نَعْلِ الْمُلَقِّنِ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَلَيْسَ سَمَاعُ كَلَامِهِ بِأَبْعَدَ مِنْ سَمَاعِ قَرْعِ نَعْلِهِ؛ كَمَا تَرَى. وَأَمَّا انْتِفَاعُهُ بِكَلَامِ الْمُلَقِّنِ، فَيَشْهَدُ لَهُ انْتِفَاعُهُ بِدُعَاءِ الْحَيِّ وَقْتَ السُّؤَالِ فِي حَدِيثِ: «سَلُوا لِأَخِيكُمُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ يُسْأَلُ الْآنَ»، وَاحْتِمَالُ الْفَرْقِ بَيْنَ الدُّعَاءِ وَالتَّلْقِينِ قَوِيٌّ جَدًا كَمَا تَرَى، فَإِذَا كَانَ وَقْتُ السُّؤَالِ يَنْتَفِعُ بِكَلَامِ الْحَيِّ الَّذِي هُوَ دُعَاؤُهُ لَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَشْهَدُ لِانْتِفَاعِهِ بِكَلَامِ الْحَيِّ الَّذِي هُوَ تَلْقِينُهُ إِيَّاهُ، وَإِرْشَادُهُ إِلَى جَوَابِ الْمَلَكَيْنِ، فَالْجَمِيعُ فِي الْأَوَّلِ سَمَاعٌ مِنَ الْمَيِّتِ لِكَلَامِ الْحَيِّ، وَفِي الثَّانِي انْتِفَاعٌ مِنَ الْمَيِّتِ بِكَلَامِ الْحَيِّ وَقْتَ السُّؤَالِ، وَقَدْ عَلِمْتَ قُوَّةَ احْتِمَالِ الْفِرَقِ بَيْنَ الدُّعَاءِ وَالتَّلْقِينِ.
وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ دَلِيلٌ عَلَى سَمَاعِ الْمَيِّتِ كَلَامَ الْحَيِّ، وَمِنْ أَوْضَحِ الشَّوَاهِدِ لِلتَّلْقِينِ بَعْدَ الدَّفْنِ السَّلَامُ عَلَيْهِ، وَخِطَابُهُ خِطَابَ مَنْ يَسْمَعُ، وَيَعْلَمُ عِنْدَ زِيَارَتِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا خِطَابٌ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَقَدِ انْتَصَرَ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ «الرُّومِ»، فِي كَلَامِهِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء﴾، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهُم مُّسْلِمُونَ﴾، لِسَمَاعِ الْمَوْتَى، وَأَوْرَدَ فِي ذَلِكَ كَثِيرًا مِنَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي قَدَّمْنَا فِي كَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ، وَابْنِ أَبِي الدُّنْيَا وَغَيْرِهِمَا، وَكَثِيرًا مِنَ الْمَرَائِي الدالَّة عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْحَدِيثَ الدَّالَّ عَلَى أَنَّ الْمَرَائِيَ إِذَا تَوَاتَرَتْ أَفَادَتِ الْحُجَّةَ، وَمِمَّا قَالَ فِي كَلَامِهِ الْمَذْكُورِ: وَقَدِ اسْتَدَلَّتْ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ ﵂ بِهَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، عَلَى تَوْهِيمِ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ ﵄، فِي رِوَايَتِهِ مُخَاطَبَةَ النَّبِيِّ ﷺ الْقَتْلَى الَّذين ألقوا
[ ٢ / ٦٠٠ ]
فِي قَلِيبِ بَدْرٍ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ ﵄، لِمَا لَهَا مِنَ الشَّوَاهِدِ عَلَى صِحَّتِهَا، مِنْ أَشْهَرِ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مُصَحِّحًا لَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ
أَخِيهِ الْمُسْلِمِ كَانَ يَعْرِفُهُ»، الْحَدِيثَ.
وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ مِرَارًا، وَبِجَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْمَبْحَثِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى آيَةِ «النَّمْلِ» هَذِهِ، تَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي يُرَجِّحُهُ الدَّلِيلُ: أَنَّ الْمَوْتَى يَسْمَعُونَ سَلَامَ الْأَحْيَاءِ وَخِطَابَهُمْ سَوَاءٌ قُلْنَا: إِنَّ اللَّه يَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَرْوَاحَهُمْ حَتَّى يَسْمَعُوا الْخِطَابَ وَيَرُدُّوا الْجَوَابَ، أَوْ قُلْنَا: إِنَّ الْأَرْوَاحَ أَيْضًا تَسْمَعُ وَتَرُدُّ بَعْدَ فَنَاءِ الْأَجْسَامِ، لِأَنَّا قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا يَنْبَنِي عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ، ثُبُوتُ سَمَاعِ الْمَوْتَى بِالسنةِ الصَّحِيحَة، وَأَن القرءان لَا يُعَارِضُهَا عَلَى التَّفْسِيرِ الصَّحِيحِ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ الْقَرَائِن القرآنيّة، واستقراء القرءان، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ مِنْ كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ ظَهَرَ بِذَلِكَ رُجْحَانُهُ عَلَى تَأَوُّلِ عَائِشَةَ ﵂، وَمن تبعها بعض آيَات القرءان، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. وَفِي الْأَدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ عَلَى ذَلِكَ مُقْنِعٌ لِلْمُنْصِفِ، وَقَدْ زِدْنَا عَلَيْهَا مَا رَأَيْتَ، وَالْعلم عِنْد اللَّه تَعَالَى.] (١) .
- عَذَاب الْقَبْر.
وَقَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ . كَلَّا: زَجْرٌ عَنِ التَّلَهِّي وَالتَّكَاثُرِ الْمَذْكُور، وسوف تَعْلَمُونَ: أَيْ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ، وَمَغَبَّةَ هَذَا التَّلَهِّي، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، تَكْرَارٌ لِلتَّأْكِيدِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ لَا تَكْرَارَ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَن الأولى فِي
_________________
(١) - ٦/٤٢١: ٣٩١، النَّمْل / ٨٠.
[ ٢ / ٦٠١ ]
الْقَبْرِ، وَالثَّانِيَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَهُوَ مَعْقُولٌ.
وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ.
وَمَعْلُومٌ صِحَّةُ حَدِيثِ الْقَبْرِ «إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ» (١) .
وَالسُّؤَالُ فِيهِ مَعْلُومٌ، وَلَكِنْ أَرَادُوا مَأْخَذَهُ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى سُورَةِ غَافِرٍ، عِنْدَ ﴿وَحَاقَ بِأالِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾، إِثْبَاتُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْقُرْآنِ.
وَكَذَلِكَ بَيَانُ مَعْنَاهُ فِي آخِرِ سُورَةِ الزُّخْرُفِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
وَهَذَا الزَّجْرُ هُنَا وَالتَّحْذِيرُ لَهُمْ رَدًّا عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي التَّكَاثُرِ.
كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
وَلَسْتَ بِالْأَكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى وَإِنَّمَا الْعِزَّةُ لِلْكَاثِرُِ
وَأَصْرَحُ دَلِيلٍ لِإِثْبَاتِ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْقُرْآنِ، هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، لِأَنَّ الْأَوَّلَ فِي الدُّنْيَا، وَالثَّانِيَ فِي الْآخِرَة.] (٢) .
- الْمَيِّت يعذب ببكاء أَهله عَلَيْهِ.
[مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مِنْ «أَنَّ الْمَيِّتَ يُعَذِّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» (٣) فَيُقَالُ: مَا وَجْهُ تَعْذِيبِهِ ببكاء غَيره، إِذْ مؤاخذته ببكاء
_________________
(١) - أخرجه التِّرْمِذِيّ (٤/٦٣٩) (٢٤٦٠) مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ - مطولا بِهِ، وَقَالَ: حسن غَرِيب، والْحَدِيث قَالَ عَنهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ -: ضَعِيف جدا.
(٢) - ٩/٤٧٨ - ٤٧٩، التكاثر/٣، ٤.
(٣) - أخرجه البُخَارِيّ (١/٤٣٩) (١٢٤٢)، وَمُسلم (٢/٦٤٢) (٩٣٠) بِنَحْوِهِ.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
غَيْرِهِ قَدْ يَظُنُّ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا من أَخذ الْإِنْسَان بذنب غَيره؟
وَالْجَوَاب هُوَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ حَمَلُوهُ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ أَوْصَى بِالنَّوْحِ عَلَيْهِ. كَمَا قَالَ طَرَفَةُ بْنُ الْعَبْدِ فِي مُعَلَّقَتِهِ:
إِذَا مِتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَابِنَّةَ مَعْبَدِ
لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ أَوْصَى بِأَنْ يُنَاحَ عَلَيْهِ: فَتَعْذِيبُهُ بِسَبَبِ إِيصَائِهِ بِالْمُنْكَرِ. وَذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ لَا فِعْلِ غَيْرِهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَهْمِلَ نَهْيَهُمْ عَنِ النَّوْحِ عَلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ مَعَ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ سَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إِهْمَالَهُ نَهْيَهُمْ تَفْرِيطٌ مِنْهُ، وَمُخَالَفَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ فَتَعْذِيبُهُ إِذًا بِسَبَبِ تَفْرِيطِهِ، وَتَرْكِهِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ من قَوْله: ﴿مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ الْآيَة وَهَذَا ظَاهر كَمَا ترى.] (١) .
- زِيَارَة الْقُبُور.
وَقَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [بَحَثَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مَسْأَلَةَ زِيَارَةِ الْقُبُورِ هُنَا لِحَدِيثِ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، أَلَا فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تزهِّد فِي الدُّنْيَا وتذكِّر فِي الْآخِرَةَ» (٢) .
وَقَالُوا: إِنَّ الْمَنْعَ كَانَ عَامًّا مِنْ أَجْلِ ذِكْرِ مَآثِرِ الْآبَاءِ وَالْمَوْتَى، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ رَخَّصَ فِي الزِّيَارَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ رُخِّصَ لَهُ، فَقيل: للرِّجَال دون
_________________
(١) - ٣/٤٢٨، بني إِسْرَائِيل / ١٥.
(٢) - أخرجه ابْن مَاجَه (١/٥٠١) (١٥٧١) من حَدِيث ابْن مَسْعُود - ﵁ - بِهِ، وَقَالَ البوصيري فِي الزَّوَائِد: إِسْنَاده حسن. وَأَيوب بن هَانِئ قَالَ ابْن معِين ضَعِيف. وَقَالَ ابْن حَاتِم صَالح. وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات. والْحَدِيث ضعفه الشَّيْخ الألباني - ﵀ - والْحَدِيث أخرجه مُسلم (٢/٦٧٢) (٩٧٧) من حَدِيث بُرَيْدَة - ﵁ - بِدُونِ الزِّيَادَة الْأَخِيرَة.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
النِّسَاءِ لِعَدَمِ دُخُولِهِنَّ فِي وَاوِ الْجَمَاعَةِ فِي قَوْلِهِ: «فَزُورُوهَا» .
وَقِيلَ: هُوَ عَامٌّ لِلرِّجَالِ وَلِلنِّسَاءِ، وَاسْتَدَلَّ كُلُّ فَرِيقٍ بِأَدِلَّةٍ يَطُولُ إِيرَادُهَا.
وَلَكِنْ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ لِبَيَانِ الْأَرْجَحِ، نُورِدُ نُبْذَةً مِنَ الْبَحْثِ.
فَقَالَ الْمَانِعُونَ لِلنِّسَاءِ: إِنَّهُنَّ عَلَى أَصْلِ الْمَنْعِ، وَلَمْ تَشْمَلْهُنَّ الرُّخْصَةُ، وَمَجِيءُ اللَّعْنِ بِالزِّيَارَةِ فِيهِنَّ.
وَقَالَ الْمُجِيزُونَ: إِنَّهُنَّ يَدْخُلْنَ ضِمْنًا فِي خِطَابِ الرِّجَالِ، كَدُخُولِهِنَّ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاةَ وَآتُواْ الزكاةَ﴾، فَإِنَّهُنَّ يَدْخُلْنَ قَطْعًا.
وَقَالُوا: إِنَّ اللَّعْنَ الْمُنَوَّهَ عَنْهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ بِرِوَايَتَيْنِ رِوَايَةِ: «لَعَنَ اللَّهُ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ» (١) .
وَجَاءَ «لَعَنَ اللَّهُ زوَّارات الْقُبُورِ والمتَّخذات عَلَيْهِنَّ السُّرُجَ» (٢) إِلَى آخِرِهِ.
فَعَلَى صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ: زوَّارات لَا تَشْمَلُ مُطْلَقَ الزِّيَارَةِ، وَإِنَّمَا تَخْتَصُّ لِلْمُكْثِرَاتِ، لِأَنَّهُنَّ بِالْإِكْثَارِ لَا يَسْلَمْنَ مِنْ عَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ تَعْدَادِ مَآثِرِ الْمَوْتَى الْمَحْظُورِ فِي أَصْلِ الْآيَةِ، أَمَّا مُجَرَّدُ زِيَارَةٍ بِدُونِ إِكْثَارٍ وَلَا مُكْثٍ، فَلَا.
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ لَمَّا ذَكَرَ لَهَا ﷺ، السَّلَامَ عَلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ، فَقَالَتْ: «وَمَاذَا أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ أَنَا زرت الْقُبُور؟
_________________
(١) - أخرجه أَبُو دَاوُد (٢/٢٣٨) (٣٢٣٦)، وَالتِّرْمِذِيّ (٢/١٣٦) (٣٢٠) وَقَالَ: حسن، وَالنَّسَائِيّ (٤/٩٤) (٢٠٤٣)، وَأحمد ( ١/٢٢٩) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - والْحَدِيث ضعفه الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
(٢) - أخرجه ابْن مَاجَه (١/٥٠٢) (١٥٧٥) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ -، والْحَدِيث حسنه الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
قَالَ: قُولِي: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ آلَ دَارِ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ» الْحَدِيثَ (١) .
فَأَقَرَّهَا ﷺ، عَلَى أَنَّهَا تَزُورُ الْقُبُورَ وَعَلَّمَهَا مَاذَا تَقُولُ إِنْ هِيَ زَارَتْ.
وَكَذَلِكَ بِقِصَّةِ مُرُورِهِ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي تَبْكِي عِنْدَ الْقَبْرِ فكلَّمها، فَقَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، وَهِيَ لَا تَعْلَمُ مَنْ هُوَ، فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهَا قِيلَ لَهَا: أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، جَاءَتِ تَعْتَذِرُ فَقَالَ لَهَا: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى» (٢) .
وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا الْمَنْعَ مِنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، مَعَ أَنَّهُ رَآهَا تَبْكِي.
وَهَذِهِ أَدِلَّةٌ صَرِيحَةٌ فِي السَّمَاحِ بِالزِّيَارَةِ. وَمِنْ نَاحِيَةِ الْمَعْنَى، فَإِنَّ النَّتِيجَةَ مِنَ الزِّيَارَةِ لِلرِّجَالِ مَنْ فِي حَاجَةٍ إِلَيْهَا كَذَلِكَ، وَهِيَ كَوْنُ زِيَارَةِ الْقُبُورِ تزهِّد فِي الدُّنْيَا وترغِّب فِي الْآخِرَةِ.
وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِخَاصَّةٍ فِي الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، بَلْ قَدْ يَكُنُّ أَحْوَجَ إِلَيْهِ مِنَ الرِّجَالِ.
وَعَلَى كُلٍّ، فَإِنَّ الرَّاجِحَ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ واللَّه تَعَالَى أَعْلَمُ، هُوَ الْجَوَازُ لِمَنْ لَمْ يُكْثِرْنَ وَلَا يَتَكَلَّمْنَ بِمَا لَا يَلِيقُ، مِمَّا كَانَ سَبَبًا لِلْمَنْعِ الْأَوَّلِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
تَنْبِيهٌ آخَرُ
مِنْ لَطَائِفِ الْقَوْلِ فِي التَّفْسِيرِ، مَا ذَكَرَهُ أَبُو حَيَّانَ عَنِ التَّكَاثُرِ فِي قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، مَا نَصُّهُ: وَقِيلَ هَذَا تَأْنِيبٌ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْ زِيَارَةٍ، تَكْثِيرًا بِمَنْ سَلَفَ وَإِشَادَةً بِذِكْرِهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ثُمَّ قَالَ: «فَزُورُوهَا» أَمْرُ إِبَاحَةٍ لِلِاتِّعَاظِ بِهَا، لَا لِمَعْنى المباهاة والتفاخر.
_________________
(١) - أخرجه مُسلم (٢/٦٦٩) (٩٧٤) .
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (١/٤٣٠) (١٢٢٣)، وَمُسلم (٢/٦٣٧) (٩٢٦) .
[ ٢ / ٦٠٥ ]
ثُمَّ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كَمَا يَصْنَعُ النَّاسُ فِي مُلَازَمَتِهَا وَتَسْنِيمِهَا بِالْحِجَارَةِ وَالرُّخَامِ وَتَلْوِينِهَا شَرَفًا، وَبَيَانِ النَّوَاوِيسِ عَلَيْهَا، أَيِ الْفَوَانِيسِ، وَهِيَ السُّرُجُ.
ثُمَّ قَالَ أَبُو حَيَّانَ، وَابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ يَرَ إِلَّا قُبُورَ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ، فَكَيْفَ لَوْ رَأَى مَا يَتَبَاهَى بِهِ أَهْلُ مِصْرَ فِي مَدَافِنِهِمْ بِالْقَرَافَةِ الْكُبْرَى وَالْقَرَافَةِ الصُّغْرَى، وَبَابِ النَّصْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَمَا يَضِيعُ فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ، لَتَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ وَلَرَأَى مَا لَمْ يَخْطُرْ بِبَالٍ.
وَأَمَّا التَّبَاهِي بِالزِّيَارَةِ: فَفِي هَؤُلَاءِ الْمُنْتَمِينَ إِلَى الصُّوفِيَّةِ أَقْوَامٌ لَيْسَ لَهُمْ شُغْلٌ إِلَّا زِيَارَةُ الْقُبُورِ: زُرْتُ قَبْرَ سَيِّدِي فُلَانٍ بِكَذَا، وَقَبَرَ فُلَانٍ بِكَذَا، وَالشَّيْخَ فُلَانٍ بِكَذَا، وَالشَّيْخَ فُلَانٍ بِكَذَا، فَيَذْكُرُونَ أَقَالِيمَ طَافُوهَا عَلَى قَدَمِ التَّجْرِيدِ.
وَقَدْ حَفِظُوا حِكَايَاتٍ عَنْ أَصْحَابِ تِلْكَ الْقُبُورِ وَأُولَئِكَ الْمَشَايِخِ، بِحَيْثُ لَوْ كُتِبَتْ لَجَاءَتْ أَسْفَارًا. وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَعْرِفُونَ فُرُوضَ الْوُضُوءِ وَلَا سُنَنَهُ.
وَقَدْ سَخَّرَ لَهُمُ الْمُلُوكُ وَعَوَامُّ النَّاسِ فِي تَحْسِينِ الظَّنِّ بِهِمْ وَبَذْلِ الْمَالِ لَهُمْ، وَأَمَّا مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ لِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ لِلْعَامَّةِ فَيَأْتِي بِعَجَائِبَ، يَقُولُونَ: هَذَا فَتْحٌ مِنَ الْعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ عَلَى الْخَضِرِ.
حَتَّى إِنَّ مَنْ يَنْتَمِي إِلَى الْعِلْمِ، لَمَّا رَأَى رَوَاجَ هَذِهِ الطَّائِفَةِ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ، وَنَقَلَ كَثِيرًا مِنْ حِكَايَاتِهِمْ، وَمَزَجَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ مِنَ الْعِلْمِ طَلَبًا لِلْمَالِ وَالْجَاهِ وَتَقْبِيلِ الْيَدِ.
وَنَحْنُ نَسْأَلُ اللَّهَ ﷿ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِطَاعَتِهِ. اهـ. بِحُرُوفِهِ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ﵀ مِنْ أَعْظَمِ مَا افْتَتَنَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ مَعًا.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
أَمَّا فِي دِينِهِمْ: فَهُوَ الْغُلُوُّ الَّذِي نَهَى عَنْهُ ﷺ، صِيَانَةً لِلتَّوْحِيدِ، مِنْ سُؤَالِ غَيْرِ اللَّه.
وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ الْكَثِيرَ مِنْ هَؤُلَاءِ يَتْرُكُونَ مَصَالِحَ دُنْيَاهُمْ مِنْ زِرَاعَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ صِنَاعَةٍ، وَيَطُوفُ بِتِلْكَ الْأَمَاكِنِ تَارِكًا وَمُضَيِّعًا مَنْ يَكُونُ السَّعْيُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنْ نَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ.
مِمَّا يَلْزَمُ عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ، أَنْ يُرْشِدُوا الْجَهَلَةَ مِنْهُمْ، وَأَنْ يُبَيِّنُوا لِلنَّاسِ عَامَّةً خَطَأَ وَجَهْلَ أُولَئِكَ، وَأَنَّ الرَّحِيلَ لِتِلْكَ الْقُبُور لَيْسَ من سنة الرُّسُل صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَلَا كَانَ مِنْ عَمَلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَلَا مِنْ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ، وَلَا مَنْ عَمَلِ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ ﵏.
وَإِنَّمَا كَانَ عَمَلُ الْجَمِيعِ زِيَارَةَ مَا جَاوَرَهُمْ مِنَ الْمَقَابِرِ لِلسَّلَامِ عَلَيْهِمْ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ، وَالِاتِّعَاظِ بِحَالِهِمْ، وَالِاسْتِعْدَادِ لِمَا صَارُوا إِلَيْهِ.
نَسْأَلُ اللَّهَ الْهِدَايَةَ وَالتَّوْفِيقَ، لِاتِّبَاعِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالِاقْتِفَاءِ بآثار سلف الْأمة، آمين.] (١) .
فصل: يَوْم الْقِيَامَة
- بعض أَسْمَائِهِ.
[سمى يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَقُومُونَ فِيهِ لَهُ جَلَّ وَعَلَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .] (٢)
_________________
(١) - ٩/٤٧٣: ٤٧٨، التكاثر / ٢.
(٢) - ٥/٤٢، الْحَج / ٦: ٩.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
وَقَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ . وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ (١)، وَقَالَ: كَالطَّامَّةِ وَالصَّاخَّةِ، وَالْآزِفَةِ، وَالْقَارِعَةِ. اهـ. أَيْ وَكَذَلِكَ الصَّاخَّةُ وَالسَّاعَةُ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا عَظُمَ خَطَرُهُ كَثُرَتْ أَسْمَاؤُهُ، أَوْ كَمَا رُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ عَلِيٍّ: كَثْرَةُ الْأَسْمَاءِ تَدُلُّ عَلَى عِظَمِ الْمُسَمَّى.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْمُتَرَادِفَاتِ، فَإِنَّ لِكُلِّ اسْمٍ دَلَالَةً عَلَى مَعْنًى خَاصٍّ بِهِ.
فَالْوَاقِعَةُ لِصِدْقِ وُقُوعِهَا، وَالْحَاقَّةُ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهَا، وَالطَّامَّةُ لِأَنَّهَا تَطِمُ وَتَعُمُّ بِأَحْوَالِهَا، وَالْآزِفَةُ مِنْ قُرْبِ وُقُوعِهَا أَزِفَتِ الْآزِفَةُ مِثْلُ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ، وَهَكَذَا هُنَا.
قَالُوا: الْقَارِعَةُ: مِنْ قَرْعِ الصَّوْتِ الشَّدِيدِ لِشِدَّةِ أَهْوَالِهَا.
وَقِيلَ: الْقَارِعَةُ اسْمٌ لِلشِّدَّةِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: تَقُولُ الْعَرَبُ: قَرَّعَتْهُمُ الْقَارِعَةُ وَفَقَّرَتْهُمُ الْفَاقِرَةُ، إِذَا وَقَعَ بِهِمْ أَمْرٌ فَظِيعٌ.
قَالَ ابْن أَحْمَر:
وقارعة من الأيامِ لَوْلَا سبيلهم لزاحت عنْدك حِينا
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ﴾، وَهِيَ الشَّدِيدَةُ مِنْ شَدَائِد الدَّهْر.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾، تَقَدَّمَ قَوْلُهُمْ: إِنَّ كُلَّ مَا جَاءَ وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهُ يُدْرِيهِ وَمَا جَاءَ وَمَا يُدْرِيكَ لَا يُدْرِيهِ.
_________________
(١) - انْظُر: ٧ / ٧٦١، الْوَاقِعَة / ١، ٢.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
وَقَدْ أَدْرَاهُ هُنَا بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾، وَهَذَا حَالٌ مِنْ أَحْوَالِهَا.
وَقَدْ بَيَّنَ بَعْضَ الْأَحْوَالِ الْأُخْرَى فِي الْوَاقِعَةِ بِأَنَّهَا خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ، وَفِي الطَّامَّةِ وَالصَّاخَّةِ: يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ. وَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ .
وَأَيْضًا فَإِنَّ كُلَّ حَالَةٍ يَذْكُرُ مَعَهَا الْحَالَ الَّذِي يُنَاسِبُهَا، فَالْقَارِعَةُ مِنَ الْقَرْعِ وَهُوَ الضَّرْبُ، نَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ مَعَهَا مَا يُوهِنُ قُوَى الْإِنْسَانِ إِلَى ضِعْفِ الْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ، وَيُفَكِّكُ ترابط الْجبَال إِلَى هباء العهن المنفوش.] (١) .
وَقَالَ أَيْضا: [قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ . يَوْمُ الْجَمْعِ هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ: ظَرْفٌ مَنْصُوبٌ بِاذْكُرْ مُقَدَّرَةٍ أَوْ بِقَوْلِهِ ﴿خَبِيرٌ﴾ .
فَيَكُونُ الْمَعْنَى: أَنَّهُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ خَبِيرٌ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا، سُمِّيَ يَوْمَ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ يُجْمَعُ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يَسْمَعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ .] (٢) .
- إِنْكَار الْكفَّار ليَوْم الْقِيَامَة وتوعدهم على ذَلِك بالسعير.
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْكُفَّارَ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ أَيْ أَنْكَرُوا الْقِيَامَةَ مِنْ أَصْلِهَا لِإِنْكَارِهِمُ الْبَعْثَ بعد الْمَوْت وَالْجَزَاء، وَأَنه جلّ
_________________
(١) - ٩/٤٥٧: ٤٥٩، القارعة / ١: ٣.
(٢) - ٨/٣٤٠ - ٣٤١، التغابن / ٩.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
وَعَلَا اعْتَدَّ أَيْ هَيَّأَ وَأَعَدَّ لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ: أَيْ أَنْكَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَعِيرًا: أَيْ نَارًا شَدِيدَةَ الْحَرِّ يُعَذِّبُهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّكْذِيبَ بِالسَّاعَةِ كُفْرٌ مُسْتَوْجِبٌ لِنَارِ جَهَنَّمَ، كَمَا سَتَرَى الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَهُمَا تَكْذِيبُهُمْ بِالسَّاعَةِ، وَوَعِيدُ اللَّهِ لِمَنْ كَذَّبَ بِهَا بِالسَّعِيرِ جَاءَا مُوَضَّحَيْنِ فِي آيَاتٍ أُخَرَ.
أَمَّا تَكْذِيبُهُمْ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ لِإِنْكَارِهِمُ الْبَعْثَ، وَالْجَزَاءَ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَقَدْ جَاءَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ عَنْ طَوَائِفِ الْكُفَّارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَؤُلاَء لَيَقُولُونَ إِنْ هِىَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الاْوْلَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَن يُحىِ الْعِظَامَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَمَّا كُفْرُ مَنْ كَذَّبَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَوَعِيدِهِ بِالنَّارِ، فَقَدْ جَاءَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَّاصِرِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ﴾، يدل على أَن قَوْلهم: مَا تَدْرِي مَا السَّاعَةُ هُوَ سَبَبُ كَوْنِ النَّارِ مَأْوَاهُمْ، وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ لَا يُنَافِي ذَلِكَ لِأَنَّ مِنِ اتِّخَاذِهِمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا تَكْذِيبَهُمْ بِالسَّاعَةِ، وَإِنْكَارَهُمُ الْبَعْثَ كَمَا لَا يَخْفَى، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَءذَا كُنَّا تُرَابًا أَءنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الاْغْلَالُ فِى أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ﴾ فَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ سُورَةِ الرَّعْدِ أَنَّ إِنْكَارَهُمُ الْبَعْثَ، الَّذِي عَبَّرُوا عَنْهُ بِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَار فِي قَوْله تَعَالَى عَنْهُم ﴿مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ جَامِعٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ.
[ ٢ / ٦١٠ ]
الْأَوَّلُ مِنْهُمَا: أَنَّهُ عَجَبٌ مِنَ الْعَجَبِ لِكَثْرَةِ الْبَرَاهِينِ الْقَطْعِيَّةِ الْوَاضِحَةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَا أَنْكَرُوهُ.
وَالثَّانِي مِنْهُمَا: وَهُوَ مَحَلُّ الشَّاهِدِ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ إِنْكَارَهُمُ الْبَعْثَ الْمَذْكُورَ كُفْرٌ مُسْتَوْجِبٌ لِلنَّارِ وَأَغْلَالِهَا وَالْخُلُودِ فِيهَا، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مُشِيرًا إِلَى الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْبَعْثَ ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الاْغْلَالُ فِى أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ﴾ وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِنْكَارَ الْبَعْثِ إِنْكَارٌ لِلسَّاعَةِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ أَيْ لَا يَصُدَّنَكَ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالسَّاعَةِ عَنِ الْإِيمَانِ بِهَا، فَتَرْدَى: أَيْ تَهْلِكُ لِعَدَمِ إِيمَانِكَ بِهَا، وَالرَّدَى الْهَلَاكُ، وَهُوَ هُنَا عَذَابُ النَّارِ بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ بِالسَّاعَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي آيَةِ طَهَ هَذِهِ: فَتَرْدَى، يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّهُ إِنْ صده من لَا يُؤمن بالساعة من التَّصْدِيقِ بِهَا، أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِرَدَاهُ أَيْ هَلَاكِهِ بِعَذَابِ النَّارِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ فَآيَةُ الرُّومِ هَذِهِ، تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَهُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ مَعْدُودُونَ مَعَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، وَأَنَّهُمْ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ، وَهُوَ عَذَابُ النَّارِ. وَالْآيَاتُ بِمثل ذَلِك كَثِيرَة.] (١) .
- مُدَّة يَوْم الْقِيَامَة.
[قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ . بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْيَوْمَ عِنْدَهُ جَلَّ وَعَلَا كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا يَعُدُّهُ خَلْقُهُ، وَمَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ كَوْنِ الْيَوْمِ عِنْدَهُ كَأَلْفِ سنة، أَشَارَ إِلَيْهِ فِي سُورَة
_________________
(١) - ٦/٢٨٥: ٢٨٧، الْفرْقَان / ١١.
[ ٢ / ٦١١ ]
السَّجْدَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ وَذَكَرَ فِي سُورَةِ الْمَعَارِجِ أَنَّ مِقْدَارَ الْيَوْمِ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ . فَآيَةُ الْحَجِّ، وَآيَةُ السَّجْدَةِ مُتَوَافِقَتَانِ تُصَدِّقُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الْأُخْرَى، وَتُمَاثِلُهَا فِي الْمَعْنَى. وَآيَةُ الْمَعَارِجِ تُخَالِفُ ظَاهِرَهُمَا لِزِيَادَتِهَا عَلَيْهِمَا بِخَمْسِينَ ضِعْفًا. وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي كِتَابِنَا: دَفْعُ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ، عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ. وَسَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ هُنَا مُلَخَّصًا مُخْتَصَرًا. وَنَزِيدُ عَلَيْهِ بَعْضَ مَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ.
فَقَدْ ذَكَرْنَا مَا مُلَخَّصُهُ: أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ رَوَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ حَضَرَ كلا من ابْن عَبَّاس، وَسَعِيد بن الْمسيب، سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَاتِ: فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُهُ فِيهَا، وَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، ثُمَّ ذَكَرْنَا أَنَّ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: هُوَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١) مِنْ أَنَّ يَوْمَ الْأَلْفِ فِي سُورَةِ الْحَجِّ: هُوَ أَحَدُ الْأَيَّام السِّتَّة الَّتِي خلق الله فِيهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَيَوْم الْألف فِي سُورَة السَّجْدَة، هُوَ مِقْدَار سير الْأَمر وعروجه إِلَيْهِ تَعَالَى وَيَوْم الْخَمْسِينَ أَلْفًا، هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِجَمِيعِهَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ اخْتِلَافَ زَمَنِ الْيَوْمِ إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ حَالِ الْمُؤْمِنِ، وَحَالِ الْكَافِرِ لِأَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَخَفُّ عَلَى
_________________
(١) - رِوَايَة سماك عَن عِكْرِمَة مضطربة، وَقد حققت فِي شرحي لكتاب الموقظة أَن: الثَّوْريّ وَشعْبَة، إِذا رويا عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَهَذَا صَحِيح، وَأما إِذا روى غَيرهم عَن سماك فَالرِّوَايَة مضطربة، وَهَذَا الْإِسْنَاد من الثَّانِيَة فقد رَوَاهَا إِسْرَائِيل عَن سماك كَمَا عِنْد الطَّبَرِيّ (٩/١٧١) وَعَلِيهِ فَهَذَا الْإِسْنَاد ضَعِيف.
[ ٢ / ٦١٢ ]
الْمُؤْمِنِ مِنْهُ عَلَى الْكَافِرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ
عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ اهـ. ذَكَرَ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ صَاحِبُ الْإِتْقَانِ.
وَذَكَرْنَا أَيْضًا فِي كِتَابِنَا: دَفْعُ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ، عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ مَا مُلَخَّصُهُ: أَنَّ آيَةَ الْفُرْقَانِ هَذِهِ تَدُلُّ عَلَى انْقِضَاءِ الْحِسَابِ فِي نِصْفِ نَهَارٍ، لِأَنَّ الْمَقِيلَ الْقَيْلُولَةُ أَوْ مَكَانُهَا وَهِيَ الِاسْتِرَاحَةُ نِصْفُ النَّهَارِ فِي الْحَرِّ، وَمِمَّنْ قَالَ بِانْقِضَاءِ الْحِسَابِ فِي نِصْفِ نَهَارٍ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَعِكْرِمَةُ وَابْنُ جُبَيْرٍ لِدَلَالَةِ هَذِهِ الْآيَةِ، عَلَى ذَلِكَ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُ.
وَفِي تَفْسِيرِ الْجَلَالَيْنِ مَا نَصُّهُ: وَأُخِذَ مِنْ ذَلِكَ انْقِضَاءُ الْحِسَابِ فِي نِصْفِ نَهَارٍ، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ انْتَهَى مِنْهُ، مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ أَنَّ مِقْدَارَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بِلَا خِلَافٍ فِي ذَلِكَ.
وَالظَّاهِرُ فِي الْجَوَابِ: أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَطُولُ عَلَى الْكُفَّارِ وَيَقْصُرُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَيُشِيرُ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدَ هَذَا بِقَلِيلٍ ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرحمن وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ فَتَخْصِيصُهُ عُسْرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِالْكَافِرِينَ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَيْسُوا كَذَلِكَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ يَدُلُّ بِمَفْهُومِ مُخَالَفَتِهِ عَلَى أَنَّهُ يَسِيرٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ عَسِيرٍ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَنْبَأَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ: أَنَّ سَعِيدًا الصَّوَّافَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقْصُرُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، حَتَّى يَكُونَ كَمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَأَنَّهُمْ يَتَقَلَّبُونَ
[ ٢ / ٦١٣ ]
فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يُفْرَغَ مِنَ النَّاسِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ وَنَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ فَسَّرَ الْمَقِيلَ فِي الْآيَةِ بِأَنَّهُ الْمَأْوَى وَالْمَنْزِلُ كَقَتَادَةَ ﵀، فَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ لِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي سُرُورٍ وَنِعْمَةٍ، أَنَّهُ يَقْصُرُ عَلَيْهِ الزَّمَنُ الطَّوِيلُ قَصْرًا شَدِيدًا، بِخِلَافِ مَنْ كَانَ فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ وَالْبَلَايَا وَالْكُرُوبِ، فَإِنَّ الزَّمَنَ الْقَصِيرَ يَطُولُ عَلَيْهِ جِدًّا، وَهَذَا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِنَا الْمَذْكُورِ بَعْضَ الشَّوَاهِدِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ يَرْثِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ:
أَرِقْتُ فَبَاتَ لَيْلِي لَا يَزُولُ وَلَيْلُ أَخِي الْمُصِيبَةِ فِيهِ طُولُ
وَقَوْلِ الْآخَرِ:
فَقِصَارُهُنَّ مَعَ الْهُمُومِ طَوِيلَةٌ وَطِوَالُهُنَّ مَعَ السُّرُورِ قِصَارُ
وَقَوْلِ الْآخَرِ:
لَيْلَى وَلَيْلِي نَفَى نَوْمِي اخْتِلَافَهُمَا فِي الطُّولِ وَالطُّولُ طُوبَى لِي لَوِ اعْتَدَلَا
يَجُودُ بِالطُّولِ لَيْلِي كُلَّمَا بَخِلَتْ بِالطُّولِ لَيْلَى وَإِنْ جَادَتْ بِهِ بَخِلَا
وَنَحْوُ هَذَا كَثِيرٌ جِدًّا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَمِنْ أَظْرَفِ مَا قِيلَ فِيهِ مَا رُوِيَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ:
لَا أَسْأَلُ اللَّهَ تَغْيِيرًا لِمَا فَعَلَتْ نَامَتْ وَقَدْ أَسَهَرَتْ عَيْنَيَّ عَيْنَاهَا
فَاللَّيْلُ أَطْوَلُ شَيْءٍ حِينَ أَفْقِدُهَا وَاللَّيْلُ أَقْصَرُ شَيْءٍ حِينَ أَلْقَاهَا
وَقَدْ وَرَدَ بَعْضُ الْأَحَادِيثِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ظَاهِرِ آيَةِ الْحَجِّ، وَآيَةِ السَّجْدَةِ.
وَسَنَذْكُرُ هُنَا طَرَفًا مِنْهُ بِوَاسِطَةِ نَقْلِ ابْنِ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ سُورَةِ الْحَجِّ. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنِي
[ ٢ / ٦١٤ ]
عَبَدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ» (١) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو بِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ (٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا فَقَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، ثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ سُمَيْرِ بْنِ نَهَارٍ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ، بِمِقْدَارِ نِصْفِ يَوْمٍ، قُلْتُ: وَمَا مِقْدَارُ نِصْفِ يَوْمٍ؟ قَالَ: أَوَ مَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى قَالَ: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ﴾ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْمَلَاحِمِ مِنْ سُنَنِهِ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنِي صَفْوَانُ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ النَّبي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنِّي لَأَرْجُو أَلَّا تَعْجِزَ أُمَّتِي عِنْدَ رَبِّهَا أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ، قِيلَ لِسَعْدٍ: وَكَمْ نِصْفُ يَوْمٍ؟ قَالَ: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ» (٣) .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ قَالَ: من الْأَيَّام الَّتِي خلق الله فِيهَا السَّمَوَات وَالْأَرْضَ (٤) . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ بَشَّارٍ، عَن ابْن الْمهْدي
_________________
(١) - أخرجه التِّرْمِذِيّ (٤/٥٧٨) (٢٣٥٣)، وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَابْن مَاجَه (٢/١٣٨٠) (٤١٢٢)، وَأحمد (٢/٣٤٣)، وَالنَّسَائِيّ فِي الْكُبْرَى (٦/٤١٢) (١١٣٤٨)، والْحَدِيث قَالَ عَنهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ -: حسن صَحِيح. وَحسن إِسْنَاده الأرناؤوط.
(٢) - تَفْسِير الطَّبَرِيّ (٩/١٧١) .
(٣) - أخرجه أَبُو دَاوُد (٢/٥٢٩) (٤٣٥٠)، وَأحمد (١/١٧٠)، وَصَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
(٤) - إِسْنَاد ضَعِيف، وَسبق بَيَان علته آنِفا.
[ ٢ / ٦١٥ ]
وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ اهـ مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنَ ابْنِ كَثِيرٍ، وَظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي سَاقَ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ أَصْلَ الْيَوْمِ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَلَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ يَقْصُرُ وَيَخِفُّ، حَتَّى يَكُونَ كَنِصْفِ نَهَارٍ. وَاللَّهُ تَعَالَى أعلم.] (١) .
بعض أَشْرَاط السَّاعَة
- القحطاني.
[فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ» . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي «كِتَابِ الْفِتَنِ» (٢) فِي «بَابِ تَغَيُّرِ الزَّمَانِ حَتَّى يَعْبُدُوا الْأَوْثَانَ»، وَفِي «كِتَابِ الْمَنَاقِبِ» فِي «بَابِ ذِكْرِ قَحْطَانَ» (٣) . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي «كِتَابِ الْفِتَنِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ» فِي «بَابٍ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ مَكَانَ الْمَيِّتِ مِنَ الْبَلَاءِ» (٤) وَهَذَا الْقَحْطَانِيُّ لَمْ يُعْرَفِ اسْمُهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ اسْمُهُ جَهْجَاهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: اسْمُهُ شُعَيْبُ بْنُ صَالِحٍ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْكَلَامِ على حَدِيث القطحاني هَذَا مَا نَصُّهُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ أَنَّ الْبَيْتَ يُحَجُّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ (٥)،
_________________
(١) - ٥/٧١٨: ٧٢٢، الْحَج / ٤٧، وَانْظُر أَيْضا: (٦/٣٠٨) (الْفرْقَان/٢٤)، (٦/٥٠٣ - ٥٠٤) (السَّجْدَة /٥)، (٨/٤٥٧) (المعارج / ٤) .
(٢) - (٦/٢٦٠٤) (٦٧٠٠) .
(٣) - (٣/١٢٩٦) (٣٣٢٩) .
(٤) - (٤/٢٢٣٢) (٢٩١٠) .
(٥) - أخرج البُخَارِيّ (٢/٨٧٥) (١٥١٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ مَرْفُوعا: (ليحجن الْبَيْت وليعتمرن بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ) .
[ ٢ / ٦١٦ ]
وَتَقَدَّمَ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُحَجَّ الْبَيْتُ (١)، وَأَنَّ الْكَعْبَةَ يُخَرِّبُهَا ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ (٢)، فَيَنْتَظِمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَبَشَةَ إِذَا خَرَّبَتِ الْبَيْتَ خَرَجَ عَلَيْهِمُ الْقَحْطَانِيُّ فَأَهْلَكَهُمْ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ ذَلِكَ يَحُجُّونَ فِي زَمَنِ عِيسَى بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهَلَاكِهِمْ، وَأَنَّ الرِّيحَ الَّتِي تَقْبِضُ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ تَبْدَأُ بِمَنْ بَقِيَ بَعْدَ عِيسَى وَيَتَأَخَّرُ أَهْلُ الْيَمَنِ بَعْدَهَا.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِمَّا يُفَسِّرُ بِهِ قَوْلُهُ: «الإيمانُ يمانٍ» (٣) أَيْ: يَتَأَخَّرُ الْإِيمَانُ بِهَا بَعْدَ فَقْدِهِ مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ الْقَحْطَانِيِّ عَقِبَ حَدِيثِ تَخْرِيبِ الْكَعْبَةِ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ فَلَعَلَّهُ رَمَزَ إِلَى هَذَا. انْتَهَى مِنْهُ بِلَفْظِهِ واللَّه أَعْلَمُ، وَنسبَة الْعلم إِلَيْهِ أسلم.] (٤) .
- الدَّجَّال، وَبَيَان أَنه حيّ حَتَّى الْآن.
[وَمَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ مِنْ خُرُوجِ الدَّجَّالِ مِنْ تِلْكَ العمومات - أَي عُمُوم الْأَحَادِيث والآيات الدَّالَّة على نَفْيُ الْخُلْدِ عَنْ كُلِّ بَشَرٍ مِنْ قَبْلِهِ - ﷺ - بِدَلِيلِ حَدِيثِ الْجَسَّاسَةِ لَا دَلِيلَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الدَّجَّالَ أَخْرَجَهُ دَلِيلٌ صَالِحٌ لِلتَّخْصِيصِ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ لَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَهُوَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ﵂، سَمِعْتُ النَّبي ﷺ يَقُولُ: إِنَّهُ حَدَّثَهُ بِهِ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ، وَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ حَدِيثُ تَمِيمٍ الْمَذْكُورُ، لِأَنَّهُ وَافق مَا كَانَ
_________________
(١) - انْظُر الْموضع السَّابِق فِي صَحِيح البُخَارِيّ فقد ذكره كَلَفْظِ لشعبة عَن قَتَادَة للْحَدِيث السَّابِق.
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (٢/٥٧٧) (١٥١٤)، وَمُسلم (٤/٢٢٣٢) (٢٩٠٩) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -.
(٣) - أخرجه البُخَارِيّ (٣/١٢٨٩) (٣٣٠٨)، وَمُسلم (١/٧١) (٥٢) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -.
(٤) - ١/٥٤ - ٥٥، الْبَقَرَة / ٣٠.
[ ٢ / ٦١٧ ]
يُحَدِّثُ بِهِ أَصْحَابَهُ مِنْ خَبَرِ الدَّجَّالِ. قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ﵀ فِي صَحِيحِهِ (١): حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ وَاللَّفْظُ لِعَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ جَدِّي عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ذَكْوَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ بُرَيْدَةَ حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيُّ شَعْبُ هَمْدَانَ، أَنَّهُ سَأَلَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ فَقَالَ: حَدِّثِينِي حَدِيثًا سَمِعْتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا تُسْنِدِيهِ إِلَى أحد غَيره. فَقَالَت لَئِن شِئْت لأفلعن؟ فَقَالَ لَهَا: أَجَلْ؟ حَدِّثِينِي. فَقَالَتْ:.. ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ طُولٌ. وَمَحَلُّ الشَّاهِدِ مِنْهُ قَوْلُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ: فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا، وَأَشَدُّهُ وَثَاقًا، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ مَا بَين رُكْبَتَيْهِ إِلَى كعبيه بالحديد، قُلْنَا: ويلكا مَا لكا الْحَدِيثُ بِطُولِهِ إِلَى قَوْلِهِ وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي، إِنِّي أَنَا الْمَسِيحُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ فَأَخْرُجَ فَأَسِيرَ فِي الْأَرْضِ، فَلَا أَدَعُ قَرْيَةً إِلَّا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً غَيْرَ مَكَّةَ وَطِيبَةَ، فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَى كِلْتَاهُمَا الْحَدِيثَ.
فَهَذَا نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الدَّجَّالَ حَيٌّ مَوْجُودٌ فِي تِلْكَ الْجَزِيرَةِ البحرية الْمَذْكُورَة فِي حَدِيث تَمِيم الدَّارمِيّ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّهُ بَاقٍ وَهُوَ حَيٌّ حَتَّى يَخْرُجَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ. وَهَذَا نَصٌّ صَالِحٌ لِلتَّخْصِيصِ يُخْرِجُ الدَّجَّالَ مِنْ عُمُومِ حَدِيثِ مَوْتِ كُلِّ نفس فِي تِلْكَ الْمِائَة.] (٢) .
- يَأْجُوج وَمَأْجُوج.
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّى فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُ دَكَّآءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقّا ًوَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ وَنُفِخَ فِى الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ . اعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّا قَدْ قَدَّمْنَا فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ لِبَعْضِ الْآيَاتِ بَيَانٌ مِنَ الْقُرْآنِ لَا يَفِي بِإِيضَاحِ الْمَقْصُودِ وَقَدْ بَيَّنَهُ النَّبي ﷺ فمنا نُتَمِّمُ بَيَانَهُ بِذِكْرِ السُّنَّةِ الْمُبَيِّنَةِ لَهُ، وَقَدْ قدمنَا أَمْثِلَة مُتعَدِّدَة لذَلِك، فَإِذا علمت ذَلِك فَاعْلَمْ أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ لَهُمَا بَيَانٌ مِنْ كِتَابٍ أَوْضَحَتْهُ السُّنَّةُ، فَصَارَ بِضَمِيمَةِ السُّنَّةِ إِلَى الْقُرْآنِ بَيَانًا وَافِيًا بِالْمَقْصُودِ، وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا قَالَ فِي كِتَابِهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ، وَآيَةَ الْأَنْبِيَاءِ قَدْ دَلَّتَا فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّ السَّدَّ الَّذِي بَنَاهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ دُونَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ إِنَّمَا يَجْعَلُهُ اللَّهُ دَكًّا عِنْدَ مَجِيءِ الْوَقْتِ الْمَوْعُودِ بِذَلِكَ فِيهِ، وَقَدْ دَلَّتَا عَلَى أَنَّهُ بِقُرْبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّهُ قَالَ هُنَا: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُ دَكَّآءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى
_________________
(١) - (٤/٢٢٦١) (٢٩٤٢) .
(٢) - ٤/١٩١ - ١٩٢، الْكَهْف / ٦٥.
[ ٢ / ٦١٨ ]
حَقًّا وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ وَنُفِخَ فِى الصُّورِ﴾ .
وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِي الْجُمْلَةِ الْمُقَدَّرَةِ الَّتِي عَوَّضَ عَنْهَا تَنْوِينُ «يَوْمَئِذٍ» مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ﴾ أَنَّهُ يَوْمَ إِذْ جَاءَ وَعْدُ رَبِّي بِخُرُوجِهِمْ وَانْتِشَارِهِمْ فِي الْأَرْضِ. وَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ لِمُوَافَقَتِهِ لِظَاهِرِ سِيَاقٍ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ. وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَعْنَى «يَوْمَئِذٍ» يَوْمَ إِذْ جَاءَ الْوَعْدُ بِخُرُوجِهِمْ وَانْتِشَارِهِمْ فَاعْلَمْ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ﴾ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ فَالْمُرَادُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ. وَإِذًا فَقَدْ دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى اقْتِرَانِهِ بِالْخُرُوجِ إِذَا دَكَّ السَّدَّ، وَقَرَّبَهُ مِنْهُ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، فَقَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿وَنُفِخَ فِى الصُّورِ﴾ يَدُلُّ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّهُ قَرِيبٌ مِنْهُ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ «قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي» هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى السَّدِّ، أَيْ: هَذَا السَّدُّ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ عَلَى عِبَادِهِ، أَوْ هَذَا الْإِقْدَارٌ وَالتَّمْكِينٌ مِنْ تَسْوِيَتِهِ ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى﴾ يَعْنِي فَإِذَا دَنَا مَجِيءُ يَوْمِ
[ ٢ / ٦١٩ ]
الْقِيَامَةِ، وَشَارَفَ أَنْ يَأْتِيَ جَعَلَ السَّدَّ دَكًّا، أَيْ مَدْكُوكًا مَبْسُوطًا مُسَوًّى بِالْأَرْضِ، وَكُلُّ مَا انْبَسَطَ مِنْ بَعْدِ ارْتِفَاعٍ فَقَدِ انْدَكَّ، وَمِنْهُ الْجَمَلُ الْأَدَكُّ الْمُنْبَسِطُ السَّنَامِ اهـ.
وَآيَةُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُشَارُ إِلَيْهَا هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ وَإِتْبَاعَهُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِىَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يَدُلُّ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الْكَهْفِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمْ رُوسِيَّةٌ، وَأَنَّ السَّدَّ فُتِحَ مُنْذُ زَمَانٍ طَوِيلٍ.
فَإِذَا قِيلَ: إِنَّمَا تَدُلُّ الْآيَاتُ الْمَذْكُورَةُ فِي «الْكَهْفِ» وَ«الْأَنْبِيَاءِ» عَلَى مُطْلَقِ اقْتِرَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ دَكِّ السَّدِّ وَاقْتِرَابِهِ مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ قَدْ وَقَعَ بِالْفِعْلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾، وَقَالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾، وَقَالَ النَّبي ﷺ: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ، مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ وَحَلَّقَ بِأُصْبَعَيْهِ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا..» الْحَدِيثَ (١)، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ «الْمَائِدَةِ» . فَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ عَلَى أَنَّ اقْتِرَابَ مَا ذَكَرَ لَا يَسْتَلْزِمُ اقْتِرَانُهُ بِهِ، بَلْ يَصِحُّ اقْتِرَابُهُ مَعَ مُهْلَةٍ، وَإِذًا فَلَا يُنَافِي دَكُّ السَّدِّ الْمَاضِي الْمَزْعُومِ الِاقْتِرَابَ مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلَا يَكُونُ فِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُدَكُّ السَّدُّ إِلَى الْآنِ.
فَالْجَوَابُ هُوَ مَا قَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا الْبَيَانَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ لَيْسَ وَافِيًا بِتَمَامِ
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (٣/١٢٢١) (٣١٦٨)، وَمُسلم (٤/٢٢٠٧) (٢٨٨٠) من حَدِيث زيني بنت جحش - ﵂ -.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
الْإِيضَاحِ إِلَّا بِضَمِيمَةِ السُّنَّةِ لَهُ، وَلِذَلِكَ ذَكَرْنَا أَنَّنَا نُتَمِّمُ مِثْلَهُ مِنَ السُّنَّةِ لِأَنَّهَا مُبَيِّنَةٌ لِلْقُرْآنِ. قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ﵀ فِي صَحِيحِهِ (١): حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ جَابِرٍ الطَّائِيُّ قَاضِي حِمْصَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانَ الْكِلَابِيَّ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ فَخَفَضَ فِيهِ وَرَفَعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمَّا رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا فَقَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ»؟ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فَخَفَضْتَ فِيهِ وَرَفَعْتَ، حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ؟ فَقَالَ: «غير الدَّجَّال أخوفني عَلَيْكُمَا إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَالله خليفتي هَل كل مُسلم. إِنَّه شَاب قطط، عينه طائفته، كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ «الْكَهْفِ» إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِينا وعاث شمالًا. «يَا عباد فَاثْبُتُوا» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا لُبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمُ، كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ، أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: «لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: «كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ» .
فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ: فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالْأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذَرًّا وأسبغه ضروعًا،
_________________
(١) - (٤/٢٢٥٠) (٢٩٣٧) .
[ ٢ / ٦٢١ ]
وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ. فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، فَتُتْبِعُهُ كُنُوزَهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُونَ فَيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ. فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ. فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكهُ بِبَاب لد فيقتله. ثمَّ يَأْتِي عِيسَى بن مَرْيَمَ قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ، فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ، وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى: إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ. وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ. فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشْرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ فَيَقُولُونَ لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، وَيَحْصُرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ. فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ. فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ. ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْأَرْضِ فَلَا يَجِدُونَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُمْ وَنَتَنُهُمْ. فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لَا يُكَنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ فَيَغْسِلُ الْأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزُّلْفَةِ ثُمَّ يُقَالُ لِلْأَرْضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ، وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا، يُبَارَكُ فِي الرُّسُلِ حَتَّى إِنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الْإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ.
وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ. واللقحة من الْغنم
[ ٢ / ٦٢٢ ]
لتكفي الْفَخْذ الْفَخِذَ مِنَ النَّاسِ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ. فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ. وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ» انْتَهَى بِلَفْظِهِ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ قَدْ رَأَيْتَ فِيهِ تَصْرِيحِ النَّبي ﷺ: بِأَنَّ الله يوحي إِلَى عِيسَى بن مَرْيَمَ خُرُوجَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ بَعْدَ قَتْلِهِ الدَّجَّالَ. فَمَنْ يَدَّعِي أَنَّهُمْ رُوسِيَّةٌ. وَأَنَّ السَّدَّ قَدِ انْدَكَّ مُنْذُ زَمَانٍ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبي ﷺ مُخَالَفَةً صَرِيحَةً لَا وَجْهَ لَهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ خَبَرٍ نَاقِضٍ خَبَرَ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ ﷺ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ نَقِيضَ الْخَبَرِ الصَّادِقِ كَاذِبٌ ضَرُورَةً كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. وَلَمْ يَثْبُتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ شَيْءٌ يُعَارِضُ هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي رَأَيْتَ صِحَّةَ سَنَدِهِ، وَوُضُوحَ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَقْصُودِ.
وَالْعُمْدَةُ فِي الْحَقِيقَةِ لِمَنِ ادَّعَى أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ هُمْ رُوسِيَّةٌ، وَمَنِ ادَّعَى مِنَ الْمُلْحِدِينَ أَنَّهُمْ لَا وُجُودَ لَهُمْ أَصْلًا هِيَ حُجَّةٌ عَقْلِيَّةٌ فِي زَعْمِ صَاحِبِهَا، وَهِيَ بِحَسَبِ الْمُقَرَّرِ فِي الْجَدَلِ قِيَاسٌ اسْتِثْنَائِيٌّ مُرَكَّبٌ مِنْ شَرْطِيَّةٍ مُتَّصِلَةٍ لُزُومِيَّةٍ فِي زَعْمِ الْمُسْتَدِلِّ بِهِ يُسْتَثْنَى فِيهِ نَقِيضُ التَّالِي، فَيَنْتُجُ نَقِيضُ الْمُقَدَّمِ، وَصُورَةُ نَظْمِهِ أَنْ يَقُولَ: لَوْ كَانَ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَرَاءَ السَّدِّ إِلَى الْآنِ، لَا طلع عَلَيْهِمُ النَّاسُ لِتَطَوُّرِ طُرُقُ الْمُوَاصَلَاتِ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ يُنْتِجُ فَهُمْ لَيْسُوا وَرَاءَ السَّدِّ إِلَى الْآنِ، لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ نَقِيضِ التَّالِي يُنْتِجُ نَقِيضَ الْمُقَدَّمِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ، وَبِعِبَارَةٍ أَوْضَحَ لِغَيْرِ الْمَنْطِقِيِّ: لِأَنَّ نَفْيَ اللَّازِمِ يَقْتَضِي نَفْيَ اللَّازِمِ يَقْتَضِي نَفْيَ الْمَلْزُومِ هَذَا هُوَ عُمْدَةُ حُجَّةِ الْمُنْكِرِينَ وَجُودَهُمْ إِلَى الْآنِ وَرَاءَ السَّدِّ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْقِيَاسَ الِاسْتِثْنَائِيَّ الْمَعْرُوفَ بِالشَّرْطِيِّ، إِذَا كَانَ مُرَكَّبًا مِنْ شَرْطِيَّةٍ مُتَّصِلَةٍ وَاسْتِثْنَائِيَّةٍ، فَإِنَّهُ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْقَدَحُ مِنْ ثَلَاثِ وجهات:
[ ٢ / ٦٢٣ ]
الْأُولَى: أَنْ يَقْدَحَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ شَرْطِيَّتِهِ، لِكَوْنِ الرَّبْطِ بَيْنَ الْمُقَدَّمِ وَالتَّالِي لَيْسَ صَحِيحًا.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقْدَحَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ اسْتِثْنَائِيَّتِهِ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقْدَحَ فِيهِ مِنْ جِهَتِهِمَا مَعًا. وَهَذَا الْقِيَاسُ الْمَزْعُومُ يَقْدَحُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ شَرْطِيَّتِهِ فَيَقُولُ لِلْمُعْتَرِضِ: الرَّبْطُ فِيهِ بَيْنَ الْمُقَدَّمِ وَالتَّالِي غَيْرُ صَحِيحٍ. فَقَوْلُكُمْ: لَوْ كَانُوا مَوْجُودِينَ وَرَاءَ السَّدِّ إِلَى الْآنِ لَاطَّلَعَ عَلَيْهِمُ النَّاسُ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ وَاللَّهُ يُخْفِي مَكَانَهُمْ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ حَتَّى يَأْتِيَ الْوَقْتُ الْمُحَدَّدُ لِإِخْرَاجِهِمْ عَلَى النَّاسِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ إِمْكَانَ هَذَا مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ «الْمَائِدَةِ» مِنْ أَنَّهُ جَعَلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى الأَرْضِ﴾، وَهُمْ فِي فَرَاسِخَ قَلِيلَةٍ مِنَ الْأَرْضِ، يَمْشُونَ لَيْلَهُمْ وَنَهَارَهُمْ وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِمُ النَّاسُ حَتَّى انْتَهَى أَمَدُ التِّيهِ، لِأَنَّهُمْ لَوِ اجْتَمَعُوا بِالنَّاسِ لَبَيَّنُوا لَهُمُ الطَّرِيقَ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَرَبُّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَأَخْبَارُ رَسُولِهِ ﷺ الثَّابِتَةُ عَنْهُ صَادِقَةٌ، وَمَا يُوجَدُ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمَّا يُخَالِفُ مَا ذَكَرْنَا وَنَحْوَهُ مِنَ الْقِصَصِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالسَّنَةِ الصَّحِيحَةِ، زَاعِمِينَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ فِي التَّوْرَاةِ أَوْ غير مِنَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ بَاطِلٌ يَقِينًا لَا يُعَوَّلُ عَلَيْنَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا صَرَّحَ فِي هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ بِأَنَّهُمْ بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا وَغَيَّرُوا فِي كُتُبِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ
[ ٢ / ٦٢٤ ]
وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ
مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ بِخِلَافِ هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، فَقَدْ تَوَلَّى اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا حِفْظَهُ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُكَلِّمْهُ أَحَدٌ حَتَّى يُغَيِّرَ فِيهِ أَوْ يُبَدِّلَ أَوْ يُحَرِّفَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، وَقَالَ: ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، وَقَالَ: ﴿لاَّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ﴾ . وَقَالَ فِي النَّبي ﷺ: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى﴾، وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبي ﷺ أَنَّهُ أَذِنَ لِأُمَّتِهِ أَنْ تُحَدِّثَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١)، وَنَهَاهُمْ عَنْ تَصْدِيقِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ (٢)، خَوْفَ أَنْ يُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ، أَوْ يُكَذِّبُوا بِحَقٍّ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَا يُرْوَى عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْإِسْرَائِيلِيَّاتِ لَهُ ثَلَاثُ حَالَاتٍ: فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا يَجِبُ تَصْدِيقُهُ، وَهِيَ مَا إِذَا دَلَّ الْكِتَابُ أَوِ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ عَلَى صِدْقِهِ. وَفِي وَاحِدَةٍ يَجِبُ تَكْذِيبُهُ، وَهِيَ مَا إِذَا دَلَّ الْقُرْآنُ أَوِ السُّنَّةُ أَيْضًا عَلَى كَذِبِهِ. وَفِي الثَّالِثَةِ لَا يَجُوزُ التَّكْذِيبُ وَلَا التَّصْدِيقُ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ آنِفًا: وَهِيَ مَا إِذَا لَمْ يَثْبُتْ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ صِدْقُهُ وَلَا كَذِبُهُ. وَبِهَذَا
_________________
(١) - أخرج البُخَارِيّ من (٣/١٢٧٥) (٣٢٧٤) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - ﵄ - مَرْفُوعا: " بلغُوا عني وَلَو آيَة وَحَدثُوا عَن بني إِسْرَائِيل وَلَا حرج وَمن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ".
(٢) - أخرج أَبُو دَاوُد (٢/٣٤٢) (٣٦٤٤)، وَأحمد (٤/١٣٦) من حَدِيث أبي نملة الْأنْصَارِيّ مَرْفُوعا: " إِذا حَدثكُمْ أهل الْكتاب فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تكذبوهم "، وَحسن إِسْنَاده الأرناؤوط.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
التَّحْقِيقِ تَعْلَمُ أَنَّ الْقِصَصَ الْمُخَالِفَةَ لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي تُوَجَّهُ بِأَيْدِي بَعْضِهِمْ، زَاعِمِينَ أَنَّهَا فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ يَجِبُ تَكْذِيبُهُمْ فِيهَا لِمُخَالَفَتِهَا نُصُوصَ الْوَحْيِ الصَّحِيحِ، الَّتِي لَمْ تُحَرَّفْ وَلَمْ تبدل. وَالْعلم عِنْد الله تَعَالَى.] (١)
من آثَار يَوْم الْقِيَامَة
وَقَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ وَإِذَا السَّمَآءُ فُرِجَتْ وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ كُلُّهَا تَغْيِيرَاتٌ كَوْنِيَّةٌ مِنْ آثَارِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ.
وَطَمْسُ النُّجُومِ ذَهَابُ نُورِهَا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ ﴿وَإِذَا السَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾ أَيْ تَشَقَّقَتْ وَتَفَطَّرَتْ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا السَّمَآءُ انشَقَّتْ﴾، ﴿إِذَا السَّمَآءُ انفَطَرَتْ﴾، وَنَسْفُ الْجِبَالِ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي عِدَّةِ مَحَالٍّ، وَمَا يَكُونُ لَهَا مِنْ عِدَّةِ أَطْوَارٍ مِنْ دَكٍّ وَتَفْتِيتٍ وَبَثٍّ وَتَسْيِيرٍ كَالسَّحَابِ ثُمَّ كالسراب] (٢) .
- تشقق السَّمَاء.
[قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُواْ إِلَى السَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ الْهَمْزَةُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَفَلَمْ﴾ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وَالْفَاءُ عَاطِفَةٌ عَلَيْهِ، كَمَا قَدَّمْنَا مِرَارًا أَنَّهُ أَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ، وَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي الْخُلَاصَةِ بِقَوْلِهِ:
* وَحَذْفُ مَتْبُوعٍ بَدَا هُنَا استبح *
_________________
(١) - ٤/١٩٨: ٢٠٣، الْكَهْف/ ٩٨، ٩٩.
(٢) - ٨/٦٨٧، المرسلات / ٨: ١٠.
[ ٢ / ٦٢٦ ]
وَالتَّقْدِيرُ: أَأَعْرَضُوا عَنْ آيَاتِ اللَّهِ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَالهَا مِنْ فُرُوجٍ، أَيْ لَيْسَ فِيهَا مِنْ شُقُوقٍ وَلَا تَصَدُّعٍ وَلَا تَفَطُّرٍ، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ تَعْظِيمِ شَأْنِ كَيْفِيَّةِ بِنَائِهِ تَعَالَى لِلسَّمَاءِ وَتَزْيِينِهِ لَهَا وَكَوْنِهَا لَا تَصَدُّعَ وَلَا شُقُوقَ فِيهَا جَاءَ كُلُّهُ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا فِي بِنَائِهِ للسماء: ﴿أَءَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَآءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾، وَقَوله تَعَالَى: ﴿الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سموات طِبَاقًا مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِ الرَّعْدِ: ﴿اللَّهُ الَّذِى رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وَقَوله تَعَالَى فِي لُقْمَان: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي تَزْيِينِهِ لِلسَّمَاءِ ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ . وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي حِفْظِهِ لِلسَّمَاءِ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهَا فُرُوجٌ أَيْ شُقُوقٌ: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾، وَالْفُطُورُ وَالْفُرُوجُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ الشُّقُوقُ وَالصُّدُوعُ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾، أَمَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَإِنَّ السَّمَاءَ تَتَشَقَّقُ وَتَتَفَطَّرُ، وَتَكُونُ فِيهَا الْفُرُوجُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَآءُ بِالْغَمَامِ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانشَقَّتِ السَّمَآءُ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِذَا السَّمَآءُ انشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾، وَقَالَ تَعَالَى:
[ ٢ / ٦٢٧ ]
﴿إِذَا السَّمَآءُ انفَطَرَتْ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ وَإِذَا السَّمَآءُ فُرِجَتْ﴾ .] (١) .
وَقَالَ أَيْضا: [قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ السَّمَاءَ سَتَنْشَقُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّهَا إِذَا انْشَقَّتْ صَارَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَرْدَةً﴾: أَيْ حَمْرَاءَ كَلَوْنِ الْوَرْدِ، وَقَوْلُهُ ﴿كَالدِّهَانِ﴾: فِيهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ لِلْعُلَمَاءِ.
الْأَوَّلُ مِنْهُمَا: أَنَّ الدِّهَانَ هُوَ الْجِلْدُ الْأَحْمَرُ، وَعَلَيْهِ فَالْمَعْنَى أَنَّهَا تَصِيرُ وَرْدَةً مُتَّصِفَةً بِلَوْنِ الْوَرْدِ مُشَابِهَةً لِلْجِلْدِ الْأَحْمَرِ فِي لَوْنِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الدِّهَانَ هُوَ مَا يُدْهَنُ بِهِ، وَعَلَيْهِ، فَالدِّهَانُ، قِيلَ: هُوَ جَمْعُ دُهْنٍ، وَقِيلَ: هُوَ مُفْرَدٌ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي مَا يُدْهَنُ بِهِ دِهَانًا، وَهُوَ مُفْرَدٌ، وَمِنْهُ قَول امرىء الْقَيْس:
كَأَنَّهُمَا مزادتا متعجل فريان لما تدهني بِدِهَانِ
وَحَقِيقَةُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الدِّهَانَ هُوَ الْجِلْدُ الْأَحْمَرُ، يَكُونُ اللَّهُ وَصَفَ السَّمَاءَ عِنْدَ انْشِقَاقِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِوَصْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْحُمْرَةُ فَشَبَّهَهَا بِحُمْرَةِ الْوَرْدِ. وَحُمْرَةِ الْأَدِيمِ الْأَحْمَرِ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّهَا يَصِلُ إِلَيْهَا حُرُّ النَّارِ فَتَحْمَرُّ مِنْ شِدَّةِ الْحَرَارَةِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَصْلُ السَّمَاءِ حَمْرَاءُ إِلَّا أَنَّهَا لِشِدَّةِ بُعْدِهَا وَمَا دُونَهَا مِنَ الْحَوَاجِزِ لَمْ تَصِلِ الْعُيُونُ إِلَى إِدْرَاكِ لَوْنِهَا الْأَحْمَرِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَأَنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُرَى عَلَى حَقِيقَةِ لَوْنِهَا.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الدِّهَانَ هُوَ مَا يُدْهَنُ بِهِ، فَإِن الله وَقد وصف السَّمَاء
_________________
(١) - ٧/٦٤٤ - ٦٤٥، ق / ٦.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
عِنْدَ انْشِقَاقِهَا بِوَصْفَيْنِ أَحَدِهِمَا حُمْرَةِ لَوْنِهَا، وَالثَّانِي أَنَّهَا تَذُوبُ وَتَصِيرُ مَائِعَةً كَالدُّهْنِ.
أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ نَعْلَمْ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تُبَيِّنُ هَذِهِ الْآيَةَ، بِأَنَّ السَّمَاءَ سَتَحْمَرُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى تَكُونَ كَلَوْنِ الْجِلْدِ الْأَحْمَرِ.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ أَنَّهَا تَذُوبُ وَتَصِيرُ مَائِعَةً، فَقَدْ أَوْضَحَهُ اللَّهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ
وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْمَعَارِجِ ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا يَوْمَ تَكُونُ السَّمَآءُ كَالْمُهْلِ﴾، وَالْمُهْلُ شَيْءٌ ذَائِبٌ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ سَوَاءٌ قُلْنَا: إِنَّهُ دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وَهُوَ عَكِرُهُ، أَوْ قُلْنَا إِنَّهُ الذَّائِبُ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ نَحْوِهِمَا.
وَقَدْ أَوْضَحَ تَعَالَى فِي الْكَهْفِ أَنَّ الْمُهْلَ شَيْءٌ ذَائِبٌ يُشْبِهُ الْمَاءَ شَدِيدُ الْحَرَارَةِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ .
وَالْقَوْلُ بِأَن الوردة تَشْبِيه الْفرس الْكُمَيْتِ وَهُوَ الْأَحْمَرُ لِأَنَّ حُمْرَتَهُ تَتَلَوَّنُ بِاخْتِلَافِ الْفُصُولِ، فَتَشْتَدُّ حُمْرَتُهَا فِي فَصْلٍ، وَتَمِيلُ إِلَى الصُّفْرَةِ فِي فَصْلٍ، وَإِلَى الْغَبَرَةِ فِي فَصْلٍ.
وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّشْبِيهِ كَوْنُ السَّمَاءِ عِنْدَ انْشِقَاقِهَا تَتَلَوَّنُ بِأَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ وَاضِحُ الْبُعْدِ عَنْ ظَاهِرِ الْآيَةِ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا تَذْهَبُ وَتَجِيءُ مَعْنَاهُ لَهُ شَاهِدٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَآءُ مَوْرًا﴾، وَلَكِنَّهُ لَا يَخْلُو عِنْدِي مِنْ بُعْدٍ.
وَمَا ذَكَرَهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنِ انْشِقَاقِ السَّمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا السَّمَآءُ انشَقَّتْ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانشَقَّتِ السَّمَآءُ﴾ وَقَوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ
[ ٢ / ٦٢٩ ]
السَّمَآءُ بِالْغَمَامِ﴾ . وَقَوله: ﴿إِذَا السَّمَآءُ انفَطَرَتْ﴾] (١) .
- تسيير الْجبَال وبروز الأَرْض.
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾
وَمَا ذَكَرَهُ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: مِنْ أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَخْتَلُّ فِيهِ نِظَامُ هَذَا الْعَامِ الدُّنْيَوِيِّ، فَتُسَيَّرُ جِبَالُهُ، وَتَبْقَى أَرْضُهُ بَارِزَةً لَا حَجَرَ فِيهَا وَلَا شَجَرَ، وَلَا بِنَاءَ وَلَا وَادِيَ وَلَا عَلَمَ ذَكَرَهُ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ كَثِيرَةٍ، فَذَكَرَ أَنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ الْأَرْضَ وَالْجِبَالَ مِنْ أَمَاكِنِهِمَا، وَيَدُكُّهُمَا دَكَّةً وَاحِدَةً، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِى الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ .
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ تَسْيِيرِ الْجِبَالِ فِي هَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة ذكره أَيْضا فِي مَوَاضِع أخر، كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَآءُ مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ .
ثُمَّ ذَكَرَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّهُ جَلَّ وَعلا َفتتها حَتَّى تَذْهَبَ صَلَابَتُهَا الْحَجَرِيَّةُ وَتَلِينَ، فَتَكُونَ فِي عَدَمِ صَلَابَتِهَا وَلِينِهَا كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ، وَكَالرَّمْلِ الْمُتَهَايِلِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَآءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ وَالْعِهْنُ: الصُّوفُ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أَيْ فُتِّتَتْ حَتَّى صَارَتْ كَالْبَسِيسَةِ،
_________________
(١) - ٧/٧٥٠: ٧٥٢، الرَّحْمَن / ٣٧.
[ ٢ / ٦٣٠ ]
وَهِيَ دَقِيقٌ مَلْتُوتٌ بِسَمْنٍ، عَلَى أَشْهَرِ التَّفْسِيرَاتِ.
ثمَّ ذكر جلّ وَعلا ب أَنَّهُ يَجْعَلُهَا هَبَاءً وَسَرَابًا. قَالَ: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثًّا﴾، وَقَالَ: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ .
وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ السَّرَابَ عِبَارَةٌ عَنْ لَا شَيْءَ. وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ قَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو «تُسَيَّرُ الْجِبَالُ» بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةُ وَفَتْحِ الْيَاءِ الْمُشَدّدَة من قَوْله «تسير» مُبينًا لِلْمَفْعُولِ. وَ﴿الْجِبَالُ﴾ بِالرَّفْعِ نَائِبُ فَاعِلِ ﴿تُسَيَّرُ﴾ وَالْفَاعِلُ الْمَحْذُوفُ ضَمِيرٌ يَعُودُ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا. وَقَرَأَهُ بَاقِي السَّبْعَةِ «نُسَيِّرُ» بِالنُّونِ وَكَسْرِ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ، وَ«الْجِبَالَ» مَنْصُوبٌ مفعول بِهِ، وَالنُّون فِي قَوْله «نسير» التَّعْظِيم.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً﴾ الْبُرُوزُ: الظُّهُورُ. أَيْ تَرَى الْأَرْضَ ظَاهِرَةً مُنْكَشِفَةً لِذَهَابِ الْجِبَالِ وَالظِّرَابِ وَالْآكَامِ، وَالشَّجَرِ وَالْعِمَارَاتِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا. وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا بَيَّنَهُ أَيْضًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لاَّ تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ . وَأَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ رَاجِعَةٌ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّهَا أَرْضٌ مُسْتَوِيَةٌ لَا نَبَاتَ فِيهَا، وَلَا بِنَاءَ وَلَا ارْتِفَاعَ وَلَا انْحِدَارَ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَعْنَى ﴿وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً﴾ أَيْ بَارِزًا مَا كَانَ فِي بَطْنِهَا مِنَ الْأَمْوَاتِ وَالْكُنُوزِ بَعِيدٌ جِدًّا كَمَا تَرَى. وَبُرُوزُ مَا فِي بَطْنِهَا مِنَ الْأَمْوَاتِ وَالْكُنُوزِ دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتٌ أُخَرَ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِى الصُّدُورِ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، وَقَوله: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ .] (١) .
_________________
(١) - ٤/١٢٠: ١٢٢، الْكَهْف / ٤٧، وَأنْظر أَيْضا: (٤/٥٥٦ - ٥٥٧) (طه / ١٠٥)، (٧/٧٦٤ - ٧٦٦) (الْوَاقِعَة / ٤: ٦)، (٨/٤٥٨) (المعارج / ٨، ٩)، (٩/٤٦٠) (القارعة / ٥) .
[ ٢ / ٦٣١ ]
فصل الْبَعْث
- إِنْكَار الْكفَّار للبعث.
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، مِنْ إِنْكَارِ الْكُفَّارِ لِلْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْهُمْ ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظامًا أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُون َإِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ وَقَوله تَعَالَى عَنْهُم ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْهُم ﴿أَءِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى الْحَافِرَةِ أَءِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَةً قَالُواْ تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِىَ رَمِيمٌ﴾ وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.] (١) .
- إِنْكَار الْبَعْث سَببا لدُخُول النَّار.
[وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ كَوْنِ إِنْكَارِ الْبَعْثِ سَبَبًا لِدُخُولِ النَّارِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُمْ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، بَيَّنَ أَنَّ مِنْ أَسبَاب ذَلِك أَنهم قَالُوا ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَءِذَا كُنَّا تُرَابًا أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلَالُ فِى أَعْنَاقِهِمْ وَأولئك أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ﴾ .] (٢) .
_________________
(١) - ٨/٣٥٨، الجاثية / ٢٤.
(٢) - ٧/٧٧٨، الْوَاقِعَة / ٤٧، وَانْظُر أَيْضا: (٦/٢٨٥: ٢٨٧) (الْفرْقَان / ١١)، (٨/٣٣٨ - ٣٣٩) (التغابن / ٧)، (٨/٦٤٣) (الْقِيَامَة / ٣٦) .
[ ٢ / ٦٣٢ ]
- براهين الْبَعْث.
[اعْلَمْ أَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا أَشَارَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ «النَّحْلِ» إِلَى بَرَاهِينِ الْبَعْثِ الثَّلَاثَةِ، الَّتِي قَدَّمْنَا أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ يَكْثُرُ فِيهِ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا عَلَى الْبَعْثِ.
الْأَوَّلُ: خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض الْمَذْكُور فِي قَوْله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ . وَالِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ عَلَى الْبَعْثِ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، كَقَوْلِه: ﴿أَءَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَآءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ إِلَى قَوْله: ﴿مَتَاعًا لَّكُمْ وَلًاّنْعَامِكُمْ﴾، وَقَوله: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ المَوْتَى﴾، وَقَوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الخَلاَّقُ العَلِيمُ﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ.
الْبُرْهَانُ الثَّانِي: خَلْقُ الْإِنْسَانِ أَوَّلًا الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ﴾ لِأَنَّ مَنِ اخْتَرَعَ قَادِرٌ عَلَى الْإِعَادَةِ ثَانِيًا. وَهَذَا يَكْثُرُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ أَيْضًا عَلَى الْبَعْثِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِى أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ﴾، وَقَوله: ﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ.
الْبُرْهَانُ الثَّالِثُ: إِحْيَاءُ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا الْمَذْكُورُ هُنَا فِي قَوْلِهِ: ﴿يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ
وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ﴾، فَإِنَّهُ يَكْثُرُ فِي الْقُرْآن
[ ٢ / ٦٣٣ ]
الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى الْبَعْثِ أَيْضًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِى أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الْمَوْتَى﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذلك الْخُرُوجُ﴾ أَيْ كَذَلِكَ الْأَحْيَاءُ خُرُوجُكُمْ مِنْ قُبُورِكُمْ أَحيَاء بعد الْمَوْت، وَقَوله: ﴿وَيُحْىِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أَيْ مِنْ قُبُورِكُمْ أَحْيَاءً بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَوْلِهِ: ﴿حَتَّى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذلك نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْىِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ.
فَهَذِهِ الْبَرَاهِينُ الثَّلَاثَةُ يَكْثُرُ جِدًّا الِاسْتِدْلَالُ بِهَا عَلَى الْبَعْثِ فِي كِتَابِ اللَّهِ كَمَا رَأَيْتَ وَكَمَا تَقَدَّمَ.
وَهُنَاكَ بُرْهَانٌ رَابِعٌ يَكْثُرُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى الْبَعْثِ أَيْضًا وَلَا ذِكْرَ لَهُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ، وَهُوَ إِحْيَاءُ اللَّهِ بَعْضَ الْمَوْتَى فِي دَارِ الدُّنْيَا، كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي «سُورَةِ الْبَقَرَةِ»، لِأَنَّ مَنْ أَحْيَا نَفْسًا وَاحِدَةً بَعْدَ مَوْتِهَا قَادِرٌ عَلَى إِحْيَاءِ جَمِيعِ النُّفُوسِ: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ .
وَقَدْ ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا هَذَا الْبُرْهَانَ فِي «سُورَةِ الْبَقَرَةِ» فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ.
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
الثَّانِي: قَوْلُهُ: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذلك يُحْىِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ .
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ .
الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى
[ ٢ / ٦٣٤ ]
العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
الْخَامِسُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .] (١) .
- نفخة الْبَعْث، وخروجهم مُسْرِعين لِلْحسابِ.
[قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنُفِخَ فِى الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ ذَكَرَ جلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ النَّفْخَةَ الْأَخِيرَةَ، والصُّور قَرْنٌ مِنْ نُورٍ يَنْفُخُ فِيهِ الْمَلَكُ نَفْخَةَ الْبَعْثِ، وَهِيَ النَّفْخَةُ الْأَخِيرَةُ، وَإِذَا نَفَخَهَا قَامَ جَمِيعُ أَهْلِ الْقُبُورِ مِنْ قُبُورِهِمْ، أَحْيَاءً إِلَى الْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا هُم مّنَ الأَجْدَاثِ﴾، جَمْعُ جَدَثٍ بِفَتْحَتَيْنِ، وَهُوَ الْقَبْرُ، وَقَوْلُهُ: ﴿يَنسِلُونَ﴾، أَيْ: يُسْرِعُونَ فِي الْمَشْيِ مِنَ الْقُبُورِ إِلَى الْمَحْشَرِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾، وَقَوله: ﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾، أَيْ: مُسْرِعِينَ مَادِّي أَعْنَاقِهِمْ عَلَى أَشْهَرِ التَّفْسِيرَيْنِ (٢)، وَمن
_________________
(١) - ٣/٢٠٣ - ٣٠٤، النَّحْل / ١١ - ١٢، وَانْظُر الْمَوَاضِع التالية: (١/٢٣ - ٢٤) (الْمُقدمَة)، (١/٤٥ - ٤٦) (الْبَقَرَة/٢١ -٢٢)، (١/٦٨) (الْبَقَرَة/٧٢ - ٧٣)، (٦/٦٧٧: ٦٨٠) (الصافات / ١١)، (٧/٢١٠) (الزخرف / ١١)، (٧/٦٤٧) (ق/١٥)، (٨/٥٢٩) (نوح / ١٥: ١٨)، (٩/٧: ٩) (النبأ/ ١: ٥)، وَغَيرهَا الْكثير من الْمَوَاضِع
(٢) - قَالَ الْعَلامَة الشنقيطي (٣/١٠١) (إِبْرَاهِيم / ٤٣): [قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ الْإِهْطَاعُ فِي اللُّغَةِ: الْإِسْرَاعُ، وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَأْتُونَ مُهْطِعِينَ أَيْ مُسْرِعِينَ إِذَا دُعُوا لِلْحِسَابِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ . وَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَمِنْ إِطْلَاقِ الْإِهْطَاعِ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الْإِسْرَاعِ قَوْلُ الشَّاعِرِ: بِدِجْلَةَ دَارُهُمْ وَلَقَدْ أَرَاهُمْ بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إِلَى السَّمَاعِ أَي مُسْرِعين إِلَيْهِ] .
[ ٢ / ٦٣٥ ]
إِطْلَاقِ نَسَلَ بِمَعْنَى أَسْرَعَ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾، وَقَوْلُ لَبِيدٍ:
عَسَلَانُ الذِّئْبِ أَمْسَى قَارِبًا بَرَدَ اللَّيْلُ عَلَيْهِ فَنَسَلْ
وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، مِنْ أَنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يَقُومُونَ أَحْيَاءً عِنْدَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ، جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّه تَعَالَى؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنُفِخَ فِى الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَمَن فِى الاْرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذَا هُمْ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾، وَهَذِهِ الصَّيْحَةُ هِيَ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ؛ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ الْحَقّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾، أَيِ: الْخُرُوجِ مِنَ الْقُبُورِ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾، وَالزَّجْرَةُ: هِيَ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ. وَالسَّاهِرَةُ: وَجْهُ الْأَرْضِ وَالْفَلَاةُ الْوَاسِعَةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي كَبِيرٍ الْهُذَلِيِّ:
يَرْتَدْنَ سَاهِرَةً كَأَنَّ جَمِيمَهَا وَعَمِيمَهَا أَسْدَافُ لَيْلٍ مُظْلِمِ
وَقَوْلُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ:
وساهرة يُضحي السراب مجلّلا لأقطارها قد حببتها مُتَلَثِّمَا
وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مّنَ الأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، وَهَذِهِ الدَّعْوَةُ بِالنَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
[ ٢ / ٦٣٦ ]
﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ من الْآيَات.] (١) .
- كَيفَ يُحشر المتقون، ويُساق المجرمون.
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَن الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَتَّقُونَهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا بِامْتِثَالِ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ يُحْشَرُونَ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي حَالِ كَوْنِهِمْ وَفْدًا، وَالْوَفْدُ عَلَى التَّحْقِيقِ: جَمْعُ وَافِدٍ كَصَاحِبٍ وَصَحْبٍ، وَرَاكِبٍ وَرَكْبٍ.
وَقَدَّمْنَا فِي سُورَةِ «النَّحْلِ» (٢) أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الْفِعْلَ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ مِنْ صِيَغِ جُمُوعِ الْكَثْرَةِ لِلْفَاعِلِ
وَصْفًا، وَبَيَّنَّا شَوَاهِدَ ذَلِكَ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ، وَإِنْ أَغْفَلَهُ الصَّرْفِيُّونَ.
وَالْوَافِدُ: مَنْ يَأْتِي إِلَى الْمَلِكِ مَثَلًا إِلَى أَمْرٍ لَهُ شَأْنٌ.
وَجُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَفْدًا﴾ أَيْ رُكْبَانًا، وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: هُمْ رُكْبَانٌ عَلَى نَجَائِبَ مِنْ نُورٍ مِنْ مَرَاكِبِ الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: يُحْشَرُونَ رُكْبَانًا عَلَى صُوَرٍ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ فِي الدُّنْيَا فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَطِيبِ الرَّائِحَةِ.
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ خَالِدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ عَنِ ابْنِ مَرْزُوقٍ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قَالَ: يَسْتَقْبِلُ الْمُؤْمِنَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ قَبْرِهِ أَحْسَنُ صُورَةٍ رَآهَا وَأَطْيَبُهَا رِيحًا، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَمَا تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: لَا إِلَّا أَنَّ اللَّهَ قَدْ طَيَّبَ رِيحَكَ، وَحسن
_________________
(١) - ٦/٦٦٢ - ٦٦٣، يس / ٥١.
(٢) - (٣/٢٩٧ - ٢٩٨) (النَّحْل/ ٧٩) .
[ ٢ / ٦٣٧ ]
وَجْهَكَ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، وَهَكَذَا كُنْتَ فِي الدُّنْيَا حَسَنَ الْعَمَلِ طَيِّبَهُ، فَطَالَمَا رَكِبْتُكَ فِي الدُّنْيَا فَهَلُمَّ ارْكَبْنِي، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ . وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (١) ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قَالَ: رُكْبَانًا» . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قَالَ: عَلَى الْإِبِلِ:» (٢) . وَقَالَ ابْن جريج: هَل النَّجَائِبِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: عَلَى الْإِبِلِ النُّوقِ. وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قَالَ: إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ: حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا النُّعْمَانُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عَلِيٍّ ﵁ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلَى أَرْجُلِهِمْ يُحْشُرُونَ، وَلَا يُحْشَرُ الْوَفْدُ عَلَى أَرْجُلِهِمْ، وَلَكِنْ بِنُوقٍ لَمْ يرَ الْخَلَائِقُ مِثْلَهَا، عَلَيْهَا رَحَائِلُ مِنْ ذَهَبٍ فَيَرْكَبُونَ عَلَيْهَا حَتَّى يَضْرِبُوا أَبْوَابَ الْجَنَّةِ!!» (٣)
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ الْمَدَنِيِّ بِهِ، وَزَادَ عَلَيْهَا: «رَحَائِلُ مِنْ ذَهَبٍ، وَأَزِمَّتُهَا الزَّبَرْجَدُ..»»، وَالْبَاقِي مِثْلُهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هُنَا حَدِيثًا غَرِيبًا جِدًّا مَرْفُوعًا عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ النَّهْدِيُّ، حَدَّثَنَا مسلمة بْنُ جَعْفَرٍ الْبَجَلِيُّ، سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ الْبَصْرِيَّ يَقُولُ: إِنَّ عَلِيًّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأَ هَذِه
_________________
(١) - قَالَ الْمزي فِي تَهْذِيب الْكَمَال: قَالَ أَبُو حَاتِم، عَن دُحَيْم: لم يسمع من ابْن عَبَّاس التَّفْسِير. وَعَلِيهِ فَهَذَا الْإِسْنَاد مُنْقَطع.
(٢) - إِسْنَاده ضَعِيف لجَهَالَة الرَّاوِي عَن أبي هُرَيْرَة - ﵁ -.
(٣) - أخرجه أَحْمد (١/١٥٥)، وَقَالَ الأرناؤوط: إِسْنَاده ضَعِيف..
[ ٢ / ٦٣٨ ]
الْآيَةَ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ فَقَالَ: مَا أَظُنُّ الْوَفْدَ إِلَّا الرَّكْبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَ النَّبي ﷺ: «وَالذي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُمْ إِذَا خَرَجُوا مِنْ قُبُورِهِمْ يُسْتَقْبَلُونَ أَوْ يُؤْتَوْنَ بِنُوقٍ بيضٍ لَهَا أَجنحة وَعَلَيْهَا رحائل الذَّهَب، شرك نِعَالِهِمْ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، كُلُّ خُطْوَةٍ مِنْهَا مَدُّ الْبَصَرِ، فَيَنْتَهُونَ إِلَى شجرةٍ ينبعُ مِنْ أَصْلِهَا عَيْنَانِ فَيَشْرَبُونَ مِنْ إِحْدَاهُمَا فَتَغْسِلُ مَا فِي بطونهم فِي دَنَسٍ، وَيَغْتَسِلُونَ مِنَ الْأُخْرَى فَلَا تَشْعَثُ أَبْشَارُهُمْ وَلَا أَشْعَارُهُمْ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَتَجْرِي عَلَيْهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ فَيَنْتَهُونَ أَوْ فَيَأْتُونَ بَابَ الْجَنَّةِ فَإِذَا حَلْقَةٌ مِنْ يَاقُوتٍ حَمْرَاءَ عَلَى صَفَائِحِ الذَّهَبِ. فَيَضْرِبُونَ بِالْحَلْقَةِ عَلَى الصَّفْحَةِ فَيُسْمَعُ لَهَا طَنِينٌ يَا عَلِيُّ. فَيَبْلُغُ كُلَّ حَوْرَاءَ أَنَّ زَوْجَهَا قَدْ أَقْبَلَ فَتَبْعَثُ قَيِّمَهَا لِيَفْتَحَ لَهُ فَإِذَا رَآهُ خَرَّ لَهُ (قَالَ سَلَمَةُ: أَرَاهُ قَالَ سَاجِدًا) فَيَقُولُ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَإِنَّمَا أَنَا قَيِّمُكَ وكلت بِأَمْرك، فيتبعه ويقفوا أَثَره فتستخف الْحَوْرَاء العجلة فنخرج مِنْ خِيَامِ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ حَتَّى تَعْتَنِقَهُ..» إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ بِطُولِهِ. وَفِي آخِرِ السِّيَاقِ: هَكَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَرْفُوعًا. وَقَدْ رُوِّينَاهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ مِنْ كَلَامِ عَلِيٍّ ﵁، وَهُوَ أشبه بِالصِّحَّةِ (١) . وَالله أعلم اهـ. وَرُكُوبُهُمُ الْمَذْكُورُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمَحْشَرِ إِلَى الْجَنَّةِ، أَمَّا مِنَ الْقَبْرِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ مُشَاةً.
بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا (٢) . هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَجَزَمَ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ السَّوْقُ مَعْرُوفٌ. وَالْمُجْرِمُونَ: جَمْعُ تَصْحِيح للمجرم، وَهُوَ اسْم فَاعل
_________________
(١) - رجح الْحَافِظ ابْن كثير - ﵀ - هُنَا رِوَايَة الْوَقْف، وأضيف أَن رِوَايَة الْوَصْل إسنادها ضَعِيف فمسلمة بن جَعْفَر نقل الْحَافِظ فِي اللِّسَان تَضْعِيفه عَن الْأَزْدِيّ.
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (٣/١٢٢٢) (٣١٧١)، وَمُسلم (٤/٢١٩٤) (٢٨٦٠)، وَلَفظ مُسلم عَن ابْن عَبَّاس: سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُول إِنَّكُم ملاقو الله مشَاة حُفَاة عُرَاة غرلًا.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
الْإِجْرَامِ، وَالْإِجْرَامُ: ارْتِكَابُ الْجَرِيمَةِ، وَهِيَ الذَّنْبُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ بِهِ النَّكَالَ وَالْعَذَابَ، وَلَمْ يَأْتِ الْإِجْرَامُ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا مِنْ أَجرم الرُّبَاعِيِّ عَلَى وَزْنِ أَفعل، وَيَجُوزُ إِتْيَانُهُ فِي اللُّغَةِ بِصِيغَةِ الثُّلَاثِيِّ فَتَقُولُ: جَرم يجْرمُ كَضَرَبَ يضرِب، وَالْفَاعِلُ مِنْهُ جَارِمٌ، وَالْمَفْعُولُ مجْروم، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ الْبَرَّاقَةِ النَّهْمِيِّ:
وَنَنْصُرُ مَوْلَانَا وَنَعْلَمُ أَنَّهُ كَمَا النَّاسِ مَجْرُومٌ عَلَيْهِ وجارمُ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿وِرْدًا﴾ أَيْ عِطَاشًا، وَأَصْلُ الْوِرْدِ: الْإِتْيَانُ إِلَى الْمَاءِ، وَلَمَّا كَانَ الْإِتْيَانُ إِلَى الْمَاءِ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الْعَطَشِ أُطْلِقَ هُنَا اسْمُ الْوِرْدِ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْعِطَاشِ، أَعَاذَنَا اللَّهُ وَالْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعَطَشِ فِي الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، وَمِنْ إِطْلَاقِ الْوِرْدِ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْمَاءِ قَوْلُ الرَّاجِزِ يُخَاطِبُ نَاقَتَهُ:
رِدِي رِدِي وِرْدَ قَطَاةٍ صمًّا كدرية أعجبها برد المَاء] (١) .
- زَلْزَلَة السَّاعَة.
[قَوْله تَعَالَى: ﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلكن عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ أَمَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ: النَّاسَ بِتَقْوَاهُ جَلَّ وَعَلَا، بِامْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ، وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، تَذْهَلُ بِسَبَبِهِ الْمَرَاضِعُ عَنْ أَوْلَادِهَا، وَتَضَعُ بِسَبَبِهِ الْحَوَامِلُ أَحْمَالَهَا، مِنْ شِدَّةِ الْهَوْلِ وَالْفَزَعِ، وَأَنَّ النَّاسَ يُرَوْنَ فِيهِ كَأَنَّهُمْ سُكَارَى مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَمَا هُمْ بسكارى من شرب الْخمر، وَلَكِن عَذَابه
_________________
(١) - ٤/٤٢٢: ٤٢٥، مَرْيَم / ٨٥، ٨٦.
[ ٢ / ٦٤٠ ]
شَدِيد
وَمَا بَيَّنَهُ هُنَا مِنْ شَدَّةِ أَهْوَالِ السَّاعَةِ، وَعِظَمِ زَلْزَلَتِهَا، بَيَّنَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى عِظَمِ هَوْلِ السَّاعَة
وَالزَّلْزَلَةُ: شِدَّةُ التَّحْرِيكِ وَالْإِزْعَاجِ، وَمُضَاعَفَةُ زَلِيلِ الشَّيْءِ عَنْ مَقَرِّهِ وَمَرْكَزِهِ: أَيْ تَكْرِيرُ انْحِرَافِهِ وَتَزَحْزُحِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ، لِأَنَّ الْأَرْضَ إِذَا حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً تَزَلْزَلَ كُلُّ شَيْءٍ عَلَيْهَا زَلْزَلَةً قَوِيَّةً.
وَقَوله ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ مَنْصُوب بتذهل، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الزَّلْزَلَةِ، وَالرُّؤْيَةُ: بَصَرِيَّةٌ، لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ زَلْزَلَةَ الْأَشْيَاءِ بِأَبْصَارِهِمْ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَقيل: إِنَّهَا من رَأْي العلمية.
وَقَوله ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ أَي بِسَبَب تِلْكَ الزلزلة، والذهول: الذّهاب عَن الْأَمر مَعَ دهشة، وَمِنْهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ﵁:
ضربا يزِيل الْهَام عَن مقِيله وَيذْهل الخليلَ عَن خَلِيله
وَقَالَ قطرب: ذهل عَن الْأَمر: اشْتغل عَنهُ. وَقيل: ذهل عَن الْأَمر: غفل عَنهُ لطرو شاغل، من هم أَو مرض، أَو نَحْو ذَلِك، وَالْمعْنَى وَاحِد، وَبَقِيَّة الْأَقْوَال رَاجِعَة إِلَى مَا ذكرنَا.
وَقَوله ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ أَيْ كُلُّ أُنْثَى تُرْضِعُ وَلَدَهَا، وَوَجْهُ قَوْلِهِ: مُرْضِعَةٍ، وَلَمْ يَقُلْ: مُرْضِعٍ: هُوَ مَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ، مِنْ أَنَّ الْأَوْصَافَ
[ ٢ / ٦٤١ ]
الْمُخْتَصَّةَ بِالْإِنَاثِ إِنْ أُرِيدَ بِهَا الْفِعْلُ لَحِقَهَا التَّاءُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا النَّسَبُ جُرِّدَتْ مِنَ التَّاءِ، فَإِنْ قُلْتَ: هِيَ مُرْضِعٌ تُرِيدُ: أَنَّهَا ذَات رضَاع، جردته من التَّاء كَقَوْل امرىء الْقَيْس:
فمثلكِ حُبلى قد طرقت ومرضعا فأَلْهَيْتُهَا عَنْ ذِي تمائِمَ مُغْيَلِ
وَإِنْ قُلْتَ: هِيَ مُرْضِعَةٌ بِمَعْنَى، أَنَّهَا تَفْعَلُ الرَّضَاعَ: أَيْ تُلْقِمُ الْوَلَدَ الثَّدْيَ، قُلْتَ: هِيَ مُرْضِعَةٌ بِالتَّاءِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
كَمُرْضِعَةٍ أَوْلَادَ أُخرى وَضَيَّعَتْ بَنِي بَطْنِهَا هَذَا الضَّلَالُ عَنِ الْقَصْدِ
كَمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ:
وَمَا مِنَ الصِّفَاتِ بِالْأُنْثَى يَخُصُّ عَنْ تَاءٍ اسْتَغْنَى لِأَنَّ اللَّفْظَ نَصٌّ
وَحَيْثُ مَعْنَى الْفِعْلِ يَعْنِي التَّاءَ زِدْ كَذِي غَدَتْ مُرْضِعَةً طِفْلًا ولَد
وَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ النُّحَاةِ الْكُوفِيِّينَ: مِنْ أَنَّ أُمَّ الصَّبِيِّ مُرْضِعَةٌ بِالتَّاءِ وَالْمُسْتَأْجَرَةَ لِلْإِرْضَاعِ: مُرْضِعٌ بِلَا هَاءٍ بَاطِلٌ، قَالَهُ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: كَمُرْضِعَةٍ أَوْلَادَ أُخْرَى الْبَيْتَ: فَقَدْ أَثْبَتَ التَّاءَ لِغَيْرِ الْأُمِّ، وَقَوْلُ الْكُوفِيِّينَ أَيْضًا: إِنَّ الْوَصْفَ الْمُخْتَصَّ بِالْأُنْثَى لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى التَّاءِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا الْفَرْقُ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى: وَالْوَصْفُ الْمُخْتَصُّ بِالْأُنْثَى لَا يَحْتَاجُ إِلَى فَرْقٍ لِعَدَمِ مُشَارَكَةِ الذَّكَرِ لَهَا فِيهِ مَرْدُودٌ أَيْضًا، قَالَهُ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ أَيْضًا مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الْعَرَبِ: مُرْضِعَةٌ، وَحَائِضَةٌ، وَطَالِقَةٌ: وَالْأَظْهَرُ فِي ذَلِكَ هُوَ مَا قَدَّمْنَا، مِنْ أَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ الْفِعْلُ جِيءَ بِالتَّاءِ، وَإِنْ أُرِيدَ النِّسْبَةُ جُرِّدَ مِنَ التَّاءِ، وَمِنْ مَجِيءِ التَّاءِ لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ قَوْلُ الْأَعْشَى:
أَجَارَتَنَا بينِي فَإِنَّكِ طَالِقَهْ كَذَاكَ أُمُورُ النَّاسِ غادٍ وَطَارِقَهْ
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ قِيلَ: مُرْضِعَةٍ دُونَ مُرْضِعٍ؟
[ ٢ / ٦٤٢ ]
قُلْتُ: الْمُرْضِعَةُ الَّتِي هِيَ فِي حَالِ الْإِرْضَاعِ مُلْقِمَةٌ ثَدْيَهَا الصَّبِيَّ، وَالْمُرْضِعُ: الَّتِي شَأْنُهَا أَنْ تُرْضِعَ، وَإِنْ لَمْ تُبَاشِرِ الْإِرْضَاعَ فِي حَالِ وصفهَا بِهِ، فَقيل: مُرْضِعَة، ليدل عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْهَوْلَ، إِذَا فُوجِئَتْ بِهِ هَذِهِ، وَقَدْ أَلْقَمَتِ الرَّضِيعَ ثَدْيَهَا: نَزَعَتْهُ عَنْ فِيهِ، لِمَا يَلْحَقُهَا مِنَ الدَّهْشَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿عَمَّآ أَرْضَعَتْ﴾ الظَّاهِرُ أَنَّ مَا: مَوْصُولَةٌ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ: أَيْ أَرْضَعَتْهُ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ فِي الْخُلَاصَةِ:
* وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مِنْجَلِي *
فِي عائدٍ مُتَّصل إِنِ انْتَصَبَ بفعلٍ أَوْ وصفٍ كَمَنْ نَرْجُو يَهَبْ
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هِيَ مَصْدَرِيَّةٌ: أَيْ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَنْ إِرْضَاعِهَا.
قَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ: وَيُقَوِّي كَوْنَهَا مَوْصُولَةً تَعَدِّي وَضَعَ إِلَى الْمَفْعُولِ بِهِ فِي قَوْلِهِ: حَمْلَهَا لَا إِلَى الْمَصْدَرِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ أَيْ كُلُّ صَاحِبَةِ حَمْلٍ تضع جَنِينهَا، من شدَّة الْفَزع، والهول، وَالْحمل بِالْفَتْحِ: مَا كَانَ فِي بَطْنٍ مِنْ جَنِينٍ، أَوْ عَلَى رَأْسِ شَجَرَةٍ مِنْ ثَمَرٍ.
﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ جَمْعُ سَكْرَانَ: أَيْ يُشَبِّهُهُمْ مَنْ رَآهُمْ بِالسُّكَارَى، مِنْ شِدَّةِ الْفَزَعِ ﴿وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾ مِنَ الشَّرَابِ ﴿وَلكن عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ وَالْخَوْفُ مِنْهُ هُوَ الَّذِي صيَّر مَنْ رَآهُمْ يُشَبِّهُهُمْ بِالسُّكَارَى، لِذَهَابِ عُقُولِهِمْ، مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ، كَمَا يَذْهَبُ عَقْلُ السَّكْرَانِ مِنَ الشَّرَابِ. وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾ بِفَتْحِ السِّينِ، وَسُكُونِ الْكَافِ فِي الْحَرْفَيْنِ عَلَى وَزْنِ فَعْلَى بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ. وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ ﴿سُكَارَى﴾ بِضَمِّ السِّينِ، وَفَتْحِ الْكَافِ بَعْدَهَا أَلِفٌ فِي الْحَرْفَيْنِ أَيْضًا، وَكِلَاهُمَا جَمْعُ سَكْرَانَ عَلَى التَّحْقِيقِ. وَقِيلَ: إِنَّ سَكْرَى بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ: جَمَعُ سَكِرٍ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ بِمَعْنَى: السَّكْرَانِ، كَمَا يُجْمَعُ الزَّمِنُ
[ ٢ / ٦٤٣ ]
عَلَى الزَّمْنَى، قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ. وَقِيلَ: إِن سكرى مُفْرد، وَهُوَ غير صَوَاب
مَسْأَلَةٌ
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَقْتِ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا، هَلْ هِيَ بَعْدَ قِيَامِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ يَوْمَ نَشُورِهِمْ إِلَى عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، أَوْ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ زَلْزَلَةِ الْأَرْضِ قَبْلَ قِيَامِ النَّاسِ مِنَ الْقُبُورِ؟
فَقَالَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: هَذِهِ الزَّلْزَلَةُ كَائِنَةٌ فِي آخِرِ عُمْرِ الدُّنْيَا، وَأَوَّلِ أَحْوَالِ السَّاعَةِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ: عَلْقَمَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ. وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَهُ وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مَا يُؤَيِّدُهُ مِنَ النَّقْلِ، بَلِ الثَّابِتُ مِنَ النَّقْلِ يُؤَيِّدُ خِلَافَهُ. وَهُوَ الْقَوْلُ الْآخَرُ.
وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، جَاءَ بِذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ (١) مُبَيِّنًا دَلِيلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ الزَّلْزَلَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي آخِرِ الدُّنْيَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ الْمَدَنِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٢)
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لما فرغ الله من
_________________
(١) - (١٦/٣٠) .
(٢) - وَهَذَا الْإِسْنَاد ضَعِيف لما فِيهِ من المجاهيل، وَكَذَا لضعف إِسْمَاعِيل بن أبي رَافع، فقد قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف: ضَعِيف واه، وَقَالَ عَنهُ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب: ضَعِيف الْحِفْظ.، وَكَذَا يزِيد، وَصَوَابه: مُحَمَّد بن يزِيد، وَقَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف: لَيْسَ بِحجَّة، وَقَالَ عَنهُ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب: مَجْهُول الْحَال..
[ ٢ / ٦٤٤ ]
خَلْقِ السمواتِ والأرضِ خَلَقَ الصُّور فَأُعْطِيَ إسرافيلَ فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلَى فِيهِ شَاخِصٌ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ يَنْظُرُ مَتَى يُؤْمَرُ:» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الصُّور؟ قَالَ: «قَرْنٌ»، قَالَ: وَكَيْفَ هُوَ؟ قَالَ: «قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيهِ ثَلَاثَ نَفْخَاتٍ، الْأُولَى: نَفْخَةُ الْفَزَعِ، وَالثَّانِيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ: وَالثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ»، يَأْمُرُ اللَّهُ ﷿ إِسْرَافِيلَ بالنَّفخة الْأُولَى: انْفُخْ نَفْخَةَ الْفَزَعِ فَتُفْزِعُ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ والأرضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَيَأْمُرُهُ اللَّهُ فَيُدِيمُهَا وَيُطَوِّلُهَا فَلَا يَفْتُرُ، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ ﴿وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ فَيُسَيِّرُ اللَّهُ الْجِبَالَ فَتَكُونُ سَرَابًا، وَتُرَجُّ الْأَرْضُ بِأَهْلِهَا رَجًّا، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ فَتَكُونُ الْأَرْضُ كَالسَّفِينَةِ الْمُوبَقَةِ فِي الْبَحْرِ، تَضْرِبُهَا الْأَمْوَاجُ تُكْفَأُ بِأَهْلِهَا، أَوْ كَالْقِنْدِيلِ الْمُعَلَّقِ بِالْعَرْشِ، تُرَجِّجُهُ الْأَرْوَاحُ، فَتَمِيدُ النَّاسُ عَلَى ظَهْرِهَا، فَتَذْهَلُ الْمَرَاضِعُ، وَتَضَعُ الْحَوَامِلُ، وَتَشِيبُ الْوِلْدَانُ، وَتَطِيرُ الشَّيَاطِينُ هَارِبَةً حَتَّى تَأْتِيَ الْأَقْطَارَ، فَتَلَقَّاهَا الْمَلَائِكَةُ، فَتَضْرِبُ وُجُوهَهَا، وَيُوَلِّي النَّاسُ مُدْبِرِينَ، يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ ﴿يَوْمَ التَّنَادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ، إِذْ تَصَدَّعَتِ الْأَرْضُ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ فَرَأَوْا أَمْرًا عَظِيمًا، وَأَخَذَهُمْ لِذَلِكَ مِنَ الْكَرْبِ مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، ثُمَّ نَظَرُوا إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا هِيَ كالمُهل، ثُمَّ خُسِفَتْ شَمْسُهَا، وَخُسِفَ قَمَرُهَا، وَانْتَثَرَتْ نُجُومُهَا، ثُمَّ كُشِطَتْ عَنْهُمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالْأَمْوَاتُ لَا يَعْلَمُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ» فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمَنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ حِينَ يَقُول ﴿فَفَزِعَ مَن فِى السَّمَوَات وَمَن فِى الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ﴾ قَالَ: «أُولَئِكَ الشُّهَدَاءُ، وَإِنَّمَا يَصِلُ الْفَزَعُ إِلَى
الْأَحْيَاءِ، أُولَئِكَ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
[ ٢ / ٦٤٥ ]
يُرْزَقُونَ، وَقَاهُمُ اللَّهُ فَزَعَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَأَمَّنَهُمْ، وَهُوَ عَذَاب الله يَبْعَثهُ على شِرَاء خلقه، وَهُوَ الَّذِي يَقُول ﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَلكن عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾» انْتَهَى مِنْهُ. وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ كَمَا تَرَى. وَابْنُ جَرِيرٍ ﵀ قَبْلَ أَنْ يَسُوقَ الْإِسْنَادَ الْمَذْكُورَ قَالَ مَا نَصُّهُ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبي ﷺ بِنَحْوِ مَا قَالَ هَؤُلَاءِ خَبَرٌ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ، وَذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ إِلَى آخِرِ الْإِسْنَادِ، كَمَا سُقْنَاهُ عَنْهُ آنِفًا.
وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: وَقَدْ أَوْرَدَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ مُسْتَنَدَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الصُّورِ، مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ نَحْوَ مَا ذَكَرْنَاهُ بِطُولِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مُطَوَّلًا جِدًّا.
وَالْغَرَضُ مِنْهُ: أَنَّهُ دلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ كَائِنَةٌ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أُضِيفَتْ إِلَى السَّاعَةِ لِقُرْبِهَا مِنْهَا، كَمَا يُقَالُ: أَشْرَاطُ السَّاعَةِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى مِنْهُ. وَقَدْ عَلِمْتَ ضَعْفَ الْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ.
وَأَمَّا حُجَّةُ أَهْلِ الْقَوْلِ الْآخَرِ الْقَائِلِينَ: بِأَنَّ الزَّلْزَلَةَ الْمَذْكُورَةَ كَائِنَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَعْدَ الْبَعْثِ مِنَ الْقُبُورِ، فَهِيَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبي ﷺ مِنْ تَصْرِيحِهِ بِذَلِكَ. وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الصَّوَابُ كَمَا لَا يَخْفَى.
قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵀ فِي صَحِيحِهِ (١) فِي التَّفْسِيرِ فِي بَابِ قَوْلِهِ ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ النَّبي ﷺ
_________________
(١) - (٤/١٧٦٧) (٤٤٦٤) .
[ ٢ / ٦٤٦ ]
«يَقُولُ اللَّهُ ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ ربَّنا وَسَعْدَيْكَ، فَيُنادى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ، قَالَ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ أُرَاهُ، قَالَ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الْحَامِلُ حَمْلَهَا، وَيَشِيبُ الْوَلِيدُ، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى، وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُهُمْ، فَقَالَ النَّبي ﷺ: مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَمِنْكُمْ وَاحِدٌ، وَأَنْتُمْ فِي النَّاسِ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الْأَبْيَضِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ: ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ: شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَكَبَّرْنَا» .
وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾ قَالَ: من كل ألف تِسْعمائَة وَتِسْعَة وَتِسْعين: وَقَالَ جرير، وَعِيسَى بن يُونُس، وَأَبُو مُعَاوِيَة ﴿سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى﴾ انْتَهَى مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ.
وَفِيهِ تَصْرِيحِ النَّبي ﷺ بِأَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي تَضَعُ فِيهِ الْحَامِلُ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى، وَمَا هُمْ بِسُكَارَى: هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَا آخِرُ الدُّنْيَا.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ (١) أَيْضًا فِي كِتَابِ: الرِّقَاقِ فِي بَابِ: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾: حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ «يَقُولُ اللَّهُ يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، قَالَ يَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَذَلِكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى، وَمَا هُمْ
_________________
(١) - (٥/٢٣٩٢) (٦١٦٥) .
[ ٢ / ٦٤٧ ]
بِسُكَارَى. وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ. فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ: قَالَ: «أَبْشِرُوا، فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا، وَمِنْكُمْ رَجُلٌ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا. ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الْأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ، أَوْ كَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ» انْتَهَى مِنْهُ. وَدَلَالَتُهُ عَلَى الْمَقْصُودِ ظَاهِرَةٌ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي صَحِيحِهِ (١) فِي كِتَابِ: بَدْءِ الْخَلْقِ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ فِي بَابِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى الْقَرْنَيْنِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿سَبَبًا﴾ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، حَدثنَا أَبُو صَالح، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبي ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى، وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ» إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ﵀ فِي صَحِيحِهِ (٢): فِي آخِرِ كِتَابِ الْإِيمَانِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ فِي بَابِ: بَيَانِ كَوْنِ هَذِهِ الْأُمَّةِ: نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ الْعَبْسِيُّ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ ﷿: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ، وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، قَالَ: يَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، قَالَ:
_________________
(١) - (٣/١٢٢١) (٣١٧٠) .
(٢) - (١/٢٠١) (٢٢٢) .
[ ٢ / ٦٤٨ ]
فَذَلِكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى، وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ» إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ.
فَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ كَمَا رَأَيْتَ، فِيهِ التَّصْرِيحُ مِنَ النَّبي ﷺ بِأَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي تَضَعُ فِيهِ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى، وَمَا هُمْ بِسُكَارَى، بَعْدَ الْقِيَامِ مِنَ الْقُبُورِ كَمَا تَرَى، وَذَلِكَ نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَذَا النَّصُّ فِيهِ إِشْكَالٌ، لِأَنَّهُ بَعْدَ الْقِيَامِ مِنَ الْقُبُورِ لَا تَحْمِلُ الْإِنَاثُ، حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا مِنَ الْفَزَعِ، وَلَا تُرْضِعَ، حَتَّى تَذْهَلَ عَمَّا أَرْضَعَتْ.
فَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ: هُوَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْ أَنَّ مَنْ مَاتَتْ حَامِلًا تُبْعَثُ حَامِلًا، فَتَضَعُ حَمْلَهَا مِنْ شِدَّةِ الْهَوْلِ وَالْفَزَعِ، وَمَنْ مَاتَتْ مُرْضِعَةً بُعِثَتْ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ هَذَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الْهَوْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ وَمِثْلُ ذَلِكَ مِنْ أَسَالِيبِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ.
تَنْبِيهٌ
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي ذَكَرْنَا بَعْضَهَا يَرِدُ عَلَيْهِ سُؤَالٌ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إِذَا كَانَتِ الزَّلْزَلَةُ الْمَذْكُورَةُ بَعْدَ الْقِيَامِ مِنَ الْقُبُورِ، فَمَا مَعْنَاهَا؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّ مَعْنَاهَا: شِدَّةُ الْخَوْفِ، وَالْهَوْلِ، وَالْفَزَعِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى زِلْزَالًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِيمَا وَقَعَ بِالْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ مِنَ الْخَوْفِ
[ ٢ / ٦٤٩ ]
﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَاْ هُنَالِكَ ابْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ أَيْ وَهُوَ زِلْزَالُ فَزَعٍ وَخَوْفٍ، لَا زِلْزَالُ حَرَكَةِ الْأَرْضِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿اتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِظَمَ الْهَوْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُوجِبٌ وَاضِحٌ لِلِاسْتِعْدَادِ لِذَلِكَ الْهَوْلِ. بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، فِي دَارِ الدُّنْيَا، قَبْلَ تَعَذُّرِ الْإِمْكَانِ لِمَا قَدَّمْنَا مِرَارًا مِنْ أَنَّ إِنَّ الْمُشَدَّدَةَ الْمَكْسُورَةَ تَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ فِي مَسْلَكِ الْإِيمَاءِ وَالتَّنْبِيهِ، وَمَسْلَكِ النَّصِّ الظَّاهِرِ: أَيْ اتَّقُوا اللَّهَ، لِأَنَّ أَمَامَكُمْ أَهْوَالًا عَظِيمَةً، لَا نَجَاةَ مِنْهَا إِلَّا بِتَقْوَاهُ جَلَّ وَعَلَا.] (١) .
- الْحَشْر يكون لجَمِيع الْمَخْلُوقَات.
[وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ أَيْ جَمَعْنَاهُمْ لِلْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ، وَهَذَا الْجَمْعُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْحَشْرِ هُنَا جَاءَ مَذْكُورًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذلك يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ . وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِع آخَرَ أَنَّ هَذَا الْحَشْرَ الْمَذْكُورَ شَامِلٌ لِلْعُقَلَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَجْنَاسِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِى الكِتَابِ مِن شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ .
_________________
(١) - ٥/ ٥: ١٤، الْحَج / ١، ٢.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ أَيْ لَمْ نَتْرُكْ، وَالْمُغَادَرَةُ: التَّرْكُ، وَمِنْهُ الْغَدْرُ؛ لِأَنَّهُ تَرْكُ الْوَفَاءِ وَالْأَمَانَةِ، وَسُمِّيَ الْغَدِيرُ مِنَ الْمَاءِ غَدِيرًا، لِأَنَّ السَّيْلَ ذَهَبَ وَتَرَكَهُ، وَمِنَ الْمُغَادَرَةِ بِمَعْنَى التَّرْكِ قَوْلُ عَنْتَرَةَ فِي مَطْلَعِ مُعَلَّقَتِهِ:
هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ أَمْ هَلْ عَرَفْتِ الدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ
وَقَوْلُهُ أَيْضًا:
غَادَرْتُهُ مُتَعَفِّرًا أَوْصَالُهُ وَالْقَوْمُ بَيْنَ مُجَرَّحٍ وَمُجَدَّلِ
وَمَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ أَنَّهُ حَشَرَهُمْ وَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُمْ أَحَدًا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾، وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ، لِأَنَّ حَشْرَهُمْ جَمِيعًا هُوَ معنى أَنه لم يُغَادر مِنْهُم أحدا.] (١) .
- بَيَان كَيْفيَّة الْعرض.
[قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفَا﴾ ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْخَلَائِقَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ صَفًّا، أَيْ فِي حَالِ كَوْنِهِمْ مُصْطَفِّينَ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: صَفًّا وَاحِدًا وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ «صَفًّا» أَيْ جَمِيعًا، كَقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ ائْتُواْ صَفًّا﴾ عَلَى الْقَوْلِ فِيهِ بِذَلِكَ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: وَخَرَّجَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مِنْدَهْ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبي ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ ﵎ يُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَوْتٍ رَفِيعٍ غَيْرِ فَظِيعٍ: يَا عِبَادِي، أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَأَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ وَأَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ، يَا عِبَادِي لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ، أحضروا حجتكم ويسروا
_________________
(١) - ٤/١٢٢- ١٢٣، الْكَهْف / ٤٧.
[ ٢ / ٦٥١ ]
جَوَابا فَإِنَّكُم مسؤولون مُحَاسَبُونَ، يَا مَلَائِكَتِي، أَقِيمُوا عِبَادِي صُفُوفًا عَلَى أَطْرَافِ أَنَامِلِ أَقْدَامِهِمْ لِلْحِسَابِ» (١) . قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيثُ غَايَةٌ فِي الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَدْ كَتَبْنَاهُ فِي كِتَابِ التَّذْكِرَةِ وَمِنْهُ نَقَلْنَاهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. انْتَهَى كَلَامُ الْقُرْطُبِيِّ. وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ «صَفًّا» فِي هَذِهِ الْآيَةِ يُرَادُ بِهِ صُفُوفًا. كَقَوْلِهِ فِي الْمَلَائِكَةِ: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ . وَنَظِيرُ الْآيَةِ قَوْلُهُ فِي الْمَلَائِكَةِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ .
فَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ حَالًا مِنْ أَحْوَالِ عَرْضِ الْخَلَائِقِ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ بَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَشْيَاءَ أُخَرَ مِنْ أَحْوَالِ عَرْضِهِمْ عَلَيْهِ. كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾ . وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مَا يُلَاقِيهِ الْكُفَّارُ، وَمَا يُقَالُ لَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ الْعَرْضِ عَلَى رَبِّهِمْ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ .] (٢) .
- مَا جَاءَ فِي تطاير الصُّحُف.
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
_________________
(١) - لم أَقف عَليّ إِسْنَاده لانظر فِيهِ، وَكتاب التَّوْحِيد لِابْنِ مَنْدَه لَا تطوله يَدي الْآن، وَقد علمت أَنه من مطبوعات مكتبة الْعُلُوم وَالْحكم بتحقيق د. /عَليّ الفقيهي، وَعزا المتقي الْهِنْدِيّ هَذَا الحَدِيث للديلمي فِي مُسْند الفردوس من حَدِيث معَاذ - ﵁ -، وَقَالَ الشَّيْخ مجدي السَّيِّد فِي تَحْقِيق التَّذْكِرَة: حَدِيث ضَعِيف، قَالَ ابْن السُّبْكِيّ: لم أجد لَهُ إِسْنَادًا.
(٢) - ٤/١٢٣ - ١٢٤، الْكَهْف / ٤٨.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ .
فِي قَوْلِهِ جلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾ وَجْهَانِ مَعْرُوفَانِ مِنَ التَّفْسِيرِ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّائِرِ: الْعَمَلُ، مِنْ قَوْلِهِمْ: طَارَ لَهُ سَهْمٌ إِذَا خَرَجَ لَهُ، أَيْ أَلْزَمْنَاهُ مَا طَارَ لَهُ مِنْ عَمَلِهِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّائِرِ مَا سَبَقَ لَهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ مِنْ شَقَاوَةٍ أَوْ سَعَادَةٍ، وَالْقَوْلَانِ مُتَلَازِمَانِ؛ لِأَنَّ مَا يَطِيرُ لَهُ مِنَ الْعَمَلِ هُوَ سَبَبُ مَا يؤول إِلَيْهِ مِنَ الشَّقَاوَةِ أَوِ السَّعَادَةِ.
فَإِذَا عَرَفْتَ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَاعْلَمْ أَنَّا قَدَّمْنَا فِي تَرْجَمَةِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ: أَنَّ الْآيَةَ قَدْ يَكُونُ
فِيهَا لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ أَوْ أَقْوَالٌ، وَكُلُّهَا حَقٌّ، وَيَشْهَدُ لَهُ قُرْآنُ فَنَذْكُرُ جَمِيعَ الْأَقْوَالِ وَأَدِلَّتَهَا مِنَ الْقُرْآنِ، لِأَنَّهَا
كُلَّهَا حَقٌّ، وَالْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ كِلَاهُمَا يَشْهَدُ لَهُ قُرْآن.
أما على القَوْل الأول بِأم الْمُرَادَ بِطَائِرِهِ عَمَلُهُ فَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ عَمَلَ الْإِنْسَانِ لَازِمٌ لَهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، وَقَوْلِهِ ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ياأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾، وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿فِى عُنُقِهِ﴾ أَيْ جَعَلْنَا عَمَلَهُ أَوْ مَا سَبَقَ لَهُ مِنْ شَقَاوَةٍ فِي عُنُقِهِ، أَيْ لَازِمًا لَهُ لُزُومَ الْقِلَادَةِ أَوِ الْغِلِّ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ: تَقَلَّدَهَا طَوْقَ الْحَمَامَةِ. وَقَوْلُهُمْ: الْمَوْتُ فِي الرِّقَابِ. وَهَذَا الْأَمْرُ رِبْقَةٌ فِي رَقَبَتِهِ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[ ٢ / ٦٥٣ ]
اذْهَبْ بِهَا اذْهَبْ بِهَا طَوَّقْتَهَا طَوْقَ الْحَمَامَةِ
فَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ كُلِّهِ: اللُّزُومُ وَعَدَمُ الِانْفِكَاكِ.
وَقَوْلُهُ جلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ ذَكَرَ جلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ الَّذِي أَلْزَمَ الْإِنْسَانَ إِيَّاهُ يُخرجهُ لَهُ يَوْم الْقِيَامَة مَكْتُوبًا فِي كِتَابٍ يَلْقَاهُ مَنْشُورًا، أَيْ مَفْتُوحًا يَقْرَؤُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ.
وَبَيَّنَ أَشْيَاءَ مِنْ صِفَاتِ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي يَلْقَاهُ مَنْشُورًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ، فَبَيَّنَ أَنَّ مِنْ صِفَاتِهِ: أَنَّ الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقُونَ أَيْ خَائِفُونَ مِمَّا فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا يَتْرُكُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا، وَأَنَّهُمْ يَجِدُونَ فِيهِ جَمِيعَ مَا عَمِلُوا حَاضِرًا لَيْسَ مِنْهُ شَيْءٌ غَائِبًا، وَأَنَّ اللَّهَ جلَّ وَعَلَا لَا يَظْلِمُهُمْ فِي الْجَزَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ جلَّ وَعَلَا: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ ياوَيْلَتَنَا مَا لِهذا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ .
وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يُؤْتَى هَذَا الْكُتَّابُ بِيَمِينِهِ جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِخْوَانِنَا الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ.
وَأَنَّ مَنْ أُوتِيَهُ بِيَمِينِهِ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا، وَأَنَّهُ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ .
وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّ مَنْ أُوتِيَهُ بِشَمَالِهِ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يُؤْتَهُ، وَأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ فَيَصْلَى الْجَحِيمَ، وَيُسْلَكُ فِي سِلْسِلَةٍ مِنْ سَلَاسِلِ النَّارِ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا،
[ ٢ / ٦٥٤ ]
وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يالَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَآ أَغْنَى عَنِّى مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّى سُلْطَانِيَهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاْسْلُكُوهُ﴾ أعذانا اللَّهُ وَإِخْوَانَنَا الْمُسْلِمِينَ مِنَ النَّارِ، وَمِمَّا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ.
وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّ مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ يَصْلَى السَّعِيرَ، وَيَدْعُو الثُّبُورَ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ يَعْنِي أَنَّ نَفْسَهُ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَظْلِمْ، وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ إِلَّا مَا عَمِلَ؛ لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَتَذَكَّرُ كُلَّ مَا عَمِلَ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَوَّلِ عُمْرِهِ إِلَى آخِرِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ .] (١) .
وَقَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا إِنَّهُ كَانَ فِى أَهْلِهِ مَسْرُورًا إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ . فِي هَذَا التَّفْصِيلِ بَيَانٌ لِمَصِيرِ الْإِنْسَانِ نَتِيجَةَ كَدْحِهِ، وَمَا سُجِّلَ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ أَعْمَالِهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ تَقَدَّمَ فِي الِانْفِطَارِ قَوْلَهُ: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ﴾ .
وَجَاءَ فِي الْمُطَفِّفِينَ ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ﴾ ثُمَّ بَعْدَهُ ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ﴾ .
جَاءَ هُنَا بَيَانُ إِتْيَانِهِمْ هَذِهِ الْكُتُبَ مِمَّا يُشِيرُ إِلَى ارتباط هَذِه السُّور بَعْضهَا
_________________
(١) - ٣/٤٢٣: ٤٢٥، بني إِسْرَائِيل / ١٣، ١٤، وَانْظُر أَيْضا: (٤/١٢٧) (الْكَهْف/٤٩) .
[ ٢ / ٦٥٥ ]
بِبَعْضٍ، فِي بَيَانِ مَآلِ الْعَالَمِ كُلِّهِ وَمَصِيرِ الْإِنْسَان نتيجة عمله
وَقَوْلُهُ: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾، فِي سُورَةِ الْكَهْفِ وَهُنَا ذَكَرَ ﷾ حَالَةً مِنْ حَالَاتِ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ.
فَالْأُولَى: يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَهُوَ الْعَرْضُ فَقَطْ دُونَ مُنَاقَشَةٍ، كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عذَّب» (١) .
وَالثَّانِيَةُ: يَدْعُو عَلَى نَفْسِهِ بِالثُّبُورِ وَهُوَ الْهَلَاكُ، وَمِنْهُ: الْمُوَاطَأَةُ عَلَى الشَّيْءِ سُمِّيَتْ مُثَابَرَةً، لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُهْلِكَ نَفْسَهُ فِي طَلَبِهِ.
وَهُنَا مُقَابَلَةٌ عَجِيبَةٌ بَالِغَةُ الْأَهَمِّيَّةِ، وَذَلِكَ بَيْنَ سُرُورَيْنِ أَحَدُهُمَا آجِلٌ والآخِر عَاجِلٌ.
فَالْأَوَّلُ فِي حَقِّ مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، أَنَّهُ يَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورا يُنَادي فَرحا ﴿هَآؤُمُ اقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ﴾، وَأَهْلُهُ آنَذَاكَ فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْحُورِ وَالْوِلْدَانِ، وَمِنْ أَقَارِبِهِ الَّذِينَ دَخَلُوا الْجَنَّةَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا مُلْحَقِينَ بِهِمْ إِلَّا أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِهِمْ، وَهَذَا مِنْ تَمَامِ النِّعْمَةِ أَنْ يُعْلِمَ بِهَا مَنْ يَعْرِفُهُ مِنْ أَهْلِهُ، وَهَذَا مِمَّا يَزِيدُ سُرُورَ الْعَبْدِ، وَهُوَ السُّرُورُ الدَّائِمُ.
وَالْآخَرُ سُرُورٌ عَاجِلٌ، وَهُوَ لِمَنْ أُعْطُوا كُتُبَهُمْ بِشِمَالِهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَمَلِهِمْ مَسْرُورِينَ فِي الدُّنْيَا، وَشَتَّانَ بَيْنَ سُرُورٍ وَسُرُورٍ.
وَقَدْ بَيَّنَ هُنَا نَتِيجَةَ سُرُورِ أُولَئِكَ فِي الدُّنْيَا، بِأَنَّهُمْ يَصِلُونَ سَعِيرًا، وَلَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَ سُرُورِ الْآخَرِينَ، وَلَكِنْ بَيَّنَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَهُوَ خَوْفُهُمْ مِنَ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِى أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ
اللَّهُ عَلَيْنَا
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (١/٥١) (١٠٣)، وَمُسلم (٤/٢٢٠٤) (٢٨٧٦) .
[ ٢ / ٦٥٦ ]
وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ .
وَهُنَا يُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَجْمَعْ عَلَى عَبْدِهِ خَوْفَانِ، وَلَمْ يُعْطِهِ الْأَمْنَانِ مَعًا، فَمَنْ خَافَهُ فِي الدُّنْيَا أَمَّنَهُ فِي الْآخِرَةِ ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ .
وَمِنْ أَمِنَ مَكْرَ اللَّهِ وَقَضَى كُلَّ شَهَوَاتِهِ وَكَانَ لَا يُبَالِي فَيُؤْتَى كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ وَيَصْلَى سَعِيرًا، كَمَا فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾، تَكْذِيبًا لِلْبَعْثِ، وَقَوْلُهُ هَذَا هُوَ بِعَيْنِهِ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ .
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾، هَذَا الظَّنُّ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي حَقِّ الْمُطَفِّفِينَ ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، مِمَّا يُشْعِرُ أَنَّ عَدَمَ الْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ أَوِ الشَّكَّ فِيهِ، هُوَ الدَّافِعُ لِكُلِّ سُوءٍ وَالْمُضَيِّعُ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ هُوَ الْمُنْطَلَقُ لِكُلِّ خَيْرٍ وَالْمَانِعُ لِكُلِّ شَرٍّ، وَالْإِيمَانُ بِالْبَعْثِ هُوَ مُنْطَلَقُ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ كَمَا فِي مُسْتَهَلِّ الْمُصْحَفِ ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ .] (١) .
- وَقَالَ أَيْضا - ﵀ -: [وَقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، فَهُوَ كِتَابٌ مَكْتُوبٌ يُنْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقْرَؤُهُ كُلُّ إِنْسَانٍ بِنَفْسِهِ مِمَّا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ يَجْعَلُ أَخْذَ الْكِتَابِ بِالْيَمِينِ أَوِ الشِّمَالِ كِنَايَةً عَنِ الْيُمْنِ وَالشُّؤْمِ، وَهَذَا فِي الْوَاقِعِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ شُؤْمِ التَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ وَبِدُونِ دَلِيل
_________________
(١) - ٩/١١٦: ١١٨، الانشقاق / ٧: ١٤.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
عَلَيْهِ، وَالْمُسَمَّى عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ بِاللَّعِبِ. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلامَة والعافية.] (١) .
- يَوْم الْقِيَامَة يدعى كل أنَاس بإمامهم.
[قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْمُرَادُ «بِإِمَامِهِمْ» هُنَا كِتَابُ أَعْمَالِهِمْ.
وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكُلَّ شىْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِى إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ كَثِيرٍ. لِدَلَالَةِ آيَةِ «يس» الْمَذْكُورَةِ عَلَيْهِ. وَهَذَا الْقَوْلُ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ذَكَرَهَا ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ، وَعَزَاهُ ابْنُ كَثِيرٍ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالضَّحَّاكِ وَالْحسن.
وَعَن قَتَادَة وَمُجاهد: أَن المُرَاد «بِإِمَامِهِمْ» نَبِيُّهُمْ، وَيَدُلُّ لِهَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، وَقَوْلُهُ ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾،
وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِىءَ بِالنَّبِيِّيْنَ وَالشُّهَدَآءِ﴾ .
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: وَفِي هَذَا أَكْبَرُ شَرَفٍ لِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ إِمَامَهُمُ النَّبي ﷺ.
_________________
(١) - ٨/٤٤٣ - ٤٤٤، الحاقة / ١٩.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾ أَيْ بِكِتَابِهِمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِمْ مِنَ التَّشْرِيعِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ: ابْنُ زَيْدٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ أَيْ نَدْعُو كُلَّ قَوْمٍ بِمَنْ يَأْتَمُّونَ بِهِ، فَأَهْلُ الْإِيمَانِ أَئِمَّتُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ، وَأَهْلُ الْكُفْرِ أَئِمَّتُهُمْ سَادَتُهُمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ مِنْ رُؤَسَاءِ الْكَفَرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، وَهَذَا الْأَخِيرُ أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ عِنْدِي. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
فَقَدْ رَأَيْتَ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَمَا يَشْهَدُ لَهَا مِنْ قُرْآنٍ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا: ﴿فَمَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ مِنَ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى تَرْجِيحِ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ كَثِيرٍ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كِتَابُ الْأَعْمَالِ.
وَذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ كِتَابَهُمْ بأيمانهم يقرؤونه وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا.
وَقَدْ أَوْضَحَ هَذَا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقْرَؤُاْ كِتَابيَهْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يالَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا مُسْتَوْفًى فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَة.
وَقَول من قَالَ: إِن المُرَاد «بِإِمَامِهِمْ» كَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ «أُمَّهَاتُهُمْ» أَيْ يُقَالُ: يَا فلَان بن فُلَانَةٍ قَوْلٌ بَاطِلٌ بِلَا شَكٍّ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «يُرْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ فَيُقَالُ هَذِه غدرة فلَان بن فلَان» (١) .] (٢) .
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (٥/٢٢٨٥) (٥٨٢٣)، وَمُسلم (٣/١٣٥٩) (١٧٣٥) .
(٢) - ٣/٥٦٠: ٥٦٢، بني إِسْرَائِيل /٧١.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
- من أَسبَاب اسوداد الْوُجُوه يَوْم الْقِيَامَة.
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ بَيِّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ اسْوِدَادِ الْوُجُوهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ .
وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ الْكَذِبَ عَلَى اللَّه تَعَالَى وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾، وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ اكْتِسَابَ السَّيِّئَاتِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيّئَاتِ جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِما﴾، وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ مِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ الْكُفْرَ وَالْفُجُورَ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ .
وَهَذِهِ الْأَسْبَابُ فِي الْحَقِيقَةِ شَيْءٌ وَاحِدٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَهُوَ الْكُفْرُ باللَّه تَعَالَى، وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ شِدَّةَ تَشْوِيهِ وُجُوهِهِمْ بِزُرْقَةِ الْعُيُونِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقًا﴾، وَأَقْبَحُ صُورَةً أَنْ تَكُونَ الْوُجُوهُ سُودًا وَالْعُيُونُ زُرْقًا، أَلَا تَرَى الشَّاعِرَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَوِّرَ عِلَلَ الْبَخِيلِ فِي أَقْبَحِ صُورَةٍ وَأَشْوَهِهَا اقْتَرَحَ لَهَا زُرْقَةَ الْعُيُونِ، وَاسْوِدَادَ الْوُجُوهِ فِي قَوْلِهِ:
وَلِلْبَخِيلِ عَلَى أَمْوَالِهِ عِلَلٌ زُرْقُ الْعُيُونِ عَلَيْهَا أَوْجُهٌ سُودُ] (١) .
- السُّؤَال يَوْم الْقِيَامَة.
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْألُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يسْأَل إنسًا وَلَا جانًا عَن ذَنبه،
_________________
(١) - ١/٢٤٩ - ٢٥٠، آل عمرَان / ١٠٦.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
وَبَيَّنَ هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْقَصَصِ: ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ .
وَقَدْ ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي آيَاتٍ أُخَرَ أَنَّهُ يَسْأَلُ جَمِيعَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرُّسُلَ وَالْمُرْسَلَ إِلَيْهِمْ، وَذَلِكَ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْألَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾، وَقَوْلِهِ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ .
وَقَدْ جَاءَتْ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مُبَيِّنَةً لِوَجْهِ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَاتِ، الَّتِي قَدْ يَظُنُّ غَيْرُ الْعَالِمِ أَن بَينهَا اخْتِلَافا، اعْلَم أَولا أَن للسؤال الْمَنْفِيَّ فِي قَوْلِهِ هُنَا ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْألُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾، وَقَوْلِهِ ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أَخَصُّ مِنَ السُّؤَالِ الْمُثْبَتِ فِي قَوْلِهِ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، لِأَنَّ هَذِهِ فِيهَا تَعْمِيمُ السُّؤَالِ فِي كُلِّ عَمَلٍ، وَالْآيَتَانِ قَبْلَهَا لَيْسَ فِيهِمَا نَفْيُ السُّؤَالِ إِلَّا عَنِ الذُّنُوبِ خَاصَّةً، وَلِلْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَاتِ أَوْجُهٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ.
الأول مِنْهَا: وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَهُوَ مَحِلُّ الشَّاهِدِ عِنْدَنَا مِنْ بَيَانِ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ هُنَا، هُوَ أَنَّ السُّؤَالَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا سُؤَالُ التَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ وَهُوَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ، وَالثَّانِي هُوَ سُؤَالُ الِاسْتِخْبَارِ وَالِاسْتِعْلَامِ.
فَالسُّؤَالُ الْمَنْفِيُّ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ هُوَ سُؤَالُ الِاسْتِخْبَارِ وَالِاسْتِعْلَامِ، لِأَنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ بِأَفْعَالِهِمْ مِنْهُمْ أَنْفُسِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ .
وَعَلَيْهِ فَالْمَعْنَى لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ، سُؤَالَ اسْتِخْبَارٍ وَاسْتِعْلَامٍ لِأَنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ بِذَنْبِهِ مِنْهُ.
وَالسُّؤَالُ الْمُثْبَتُ فِي الْآيَاتِ الْأُخْرَى هُوَ سُؤَالُ التَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ، سَوَاءٌ كَانَ عَنْ ذَنْبٍ أَوْ غَيْرِ ذَنْبٍ، وَمِثَالُ سُؤَالِهِمْ عَنِ الذُّنُوبِ سُؤَالَ تَوْبِيخٍ وَتَقْرِيعٍ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ
[ ٢ / ٦٦١ ]
الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، وَمِثَالُهُ عَنْ غَيْرِ ذَنْبٍ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هَذِهِ النَّارُ الَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾، وَقَوْلُهُ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ .
أَمَّا سُؤَالُ الْمَوْءُودَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ فَلَا يُعَارِضُ الْآيَاتِ النَّافِيَةَ السُّؤَالَ عَنِ النّدب، لِأَنَّهَا سُئِلَتْ عَنْ أَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وَهَذَا لَيْسَ مِنْ ذَنْبِهَا، وَالْمُرَادُ بِسُؤَالِهَا تَوْبِيخُ قَاتِلِهَا وَتَقْرِيعُهُ، لِأَنَّهَا هِيَ تَقُولُ لَا ذَنْبَ لِي، فَيَرْجِعُ اللَّوْمُ عَلَى مَنْ قَتَلَهَا ظُلْمًا.
وَكَذَلِكَ سُؤَالُ الرُّسُلِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَوْبِيخُ مَنْ كَذَّبَهُمْ وَتَقْرِيعُهُ، مَعَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ بِأَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْهُ، وَبَاقِي أَوْجُهِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْآيَاتِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قُرْآنٌ، وَمَوْضُوعُ هَذَا الْكِتَابِ بَيَانُ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ، وَقَدْ
بَيَّنَّا بَقِيَّتَهَا فِي كِتَابِنَا دَفْعُ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا طَرَفًا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْألَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١) .] (٢) .
- الشُّهُود يَوْم الْقِيَامَة.
قَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ تَعْدَادُ الشُّهُودِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، مِمَّا يَتَنَاسَبُ مَعَ الْعَرْضِ وَالْحِسَابِ.
_________________
(١) - ٢/٢٥٩ - ٢٦+٠، الْأَعْرَاف / ٦.
(٢) - ٧/٧٥٣ - ٧٥٤، الرَّحْمَن / ٣٩.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
وَمُجْمَلُ ذَلِكَ أَنَّهَا تَكُونُ خَاصَّةً وَعَامَّةً وَأَعَمَّ مِنَ الْعَامَّةِ، فَمِنَ الْخَاصَّةِ شَهَادَةُ الْجَوَارِحِ عَلَى الْإِنْسَانِ كَمَا فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، وَهَذِهِ شَهَادَةُ فِعْلٍ وَمَقَالٍ لَا شَهَادَةُ حَالٍ، كَمَا بَيَّنَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِى أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلكن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾، وَرَدَّ اللَّهُ زَعْمَهُمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِى ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِّنَ الُخَاسِرِينَ﴾ .
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ بَيَانُ شَهَادَةِ الْأَعْضَاءِ فِي سُورَةِ يس وَفِي سُورَةِ النِّسَاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، وَشَهَادَةُ الْمَلَائِكَةِ وَهُمُ الْحَفَظَةُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ﴾، ثُمَّ شَهَادَةُ الرُّسُلِ كُلُّ رَسُولٍ عَلَى أُمَّتِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ عَنْ عِيسَى عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ، ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾، فَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي الْحَيَاةِ فَسَيُؤَدِّيهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَكَقَوْلِهِ فِي عُمُومِ الْأُمَمِ ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِى كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنفُسِهِمْ﴾ .
وَمِنْهَا: شَهَادَةُ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى جَمِيعِ الرُّسُلِ كَمَا فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ .
[ ٢ / ٦٦٣ ]
وَمِنْهَا: شَهَادَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذلك جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ .
وَمِنْهَا: شَهَادَةُ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ .
وَمِنْهَا: شَهَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْجَمِيعِ.
وَهَذَا مَا يَتَنَاسَبُ مَعَ ذِكْرِ الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَمَا يَكُونُ فِيهِ مِنَ الْجَزَاءِ وَالْحِسَابِ عَلَى الْأَعْمَالِ وَمُجَازَاةِ الْخَلَائِقِ عَلَيْهَا: وَسَيَأْتِي فِي نَفْسِ السِّيَاقِ قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾، وَهُوَ كَمَا تَرَى لَا يَتَقَيَّدُ بِشَاهِدٍ
وَاحِدٍ، وَأَيْضًا لَا يُعَارِضُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
فَاخْتِلَافُ الشُّهُودِ وَتَعَدُّدِهِمْ بِاخْتِلَافِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَتَعَدُّدِهِ مِنْ فَرْدٍ إِلَى أُمَّةٍ إِلَى رُسُلٍ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَكُلُّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْمَعْنَى وَوَاقِعَةٌ بِالْفِعْلِ.
وَقَدْ ذُكِرَتْ أَقْوَالٌ أُخْرَى، وَلَكِنْ لَا تَخْتَصُّ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَمِنْهَا: أَن الشَّاهِد الله وَالْمَلَائِكَة وَأولُوا الْعِلْمِ، وَالْمَشْهُودُ بِهِ وَحْدَانِيَّةُ اللَّهِ تَعَالَى.
وَمِنْهَا: الشَّاهِدُ الْمَخْلُوقَاتُ، وَالْمَشْهُودُ بِهِ قُدْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى، فَتَكُونُ الشَّهَادَةُ بِمَعْنَى الْعَلَامَةِ.
وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ إِيرَادًا فِي ذَلِكَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ حَيْثُ سَاقَهَا كُلَّهَا بِأَدِلَّتِهَا إِلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ السُّنَّةِ فَلَمْ يُورِدْهُ.
وَقَدْ جَاءَ فِي السُّنَّةِ تَعْيِينُ الشَّهَادَاتِ لِغَيْرِ مَا ذُكِرَ.
مِنْهَا الشَّهَادَةُ لِلْمُؤَذِّنِ: مَا يَسْمَعُ صَوْتَهُ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ وَلَا مَدَرٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَمِنْهَا: شَهَادَةُ الْأَرْضِ عَلَى الْإِنْسَانِ بِمَا عَمِلَ عَلَيْهَا الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ
[ ٢ / ٦٦٤ ]
تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ .
وَمِنْهَا: شَهَادَةُ الْمَالِ عَلَى صَاحِبِهِ فِيمَ أَنْفَقَهُ.
وَمِنْهَا: شَهَادَةُ الصِّيَامِ وَالْقُرْآنِ وَشَفَاعَتُهُمَا لِصَاحِبِهِمَا. وَنَحْوُ ذَلِكَ وَاللَّهُ تَعَالَى أعلم.] (١) .
- الْمِيزَان.
[قَوْله فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ جَمْعُ مِيزَانٍ، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ تَعَدُّدُ الْمُوَازِينِ لِكُلِّ شَخْصٍ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ فَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ الْوَاحِدِ مَوَازِينَ يُوزَنُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا صِنْفٌ مِنْ أَعْمَالِهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
مَلِكٌ تَقُومُ الْحَادِثَاتُ لِعَدْلِهِ فَلِكُلِّ حَادِثَةٍ لَهَا مِيزَانُ
وَالْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ فِي الْأُصُولِ: أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: الْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا هُوَ مِيزَانٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا جُمِعَ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْأَعْمَالِ الموزونة فِيهِ.] (٢) .
- الْفرق بَين الْكتاب وَالْمِيزَان.
[قَوْله تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِى أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ . بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ فِي حَال كَونه متلبسًا بِالْحَقِّ
_________________
(١) - ٩/١٣٣: ١٣٦، البروج / ٣، وَانْظُر (١/٢٨٩) (النِّسَاء / ٤٢)، (٣/٤٢٥) (بني إِسْرَائِيل / ١٣ - ١٤)، (٦/٦٦٥) (يس / ٦٥) .
(٢) - ٤/٦٣٧، الْأَنْبِيَاء / ٤٧، وَانْظُر (٤/٢١١ - ٢١٢) (الْكَهْف / ١٠٥) .
[ ٢ / ٦٦٥ ]
الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْبَاطِلِ، وَقَوْلُهُ: ﴿الْكِتَابَ﴾ اسْمُ جِنْسٍ مُرَادٌ بِهِ جَمِيعُ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ.
وَقَدْ أَوْضَحْنَا فِي سُورَةِ الْحَجِّ أَنَّ الْمُفْرَدَ الَّذِي هُوَ اسْمُ الْجِنْسِ يُطْلَقُ مُرَادًا بِهِ الْجَمْعُ، وَذَكَرْنَا الْآيَاتِ
الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الشَّوَاهِدِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ الْمِيزَانَ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْعَدْلُ وَالْإِنْصَافُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: الْمِيزَانُ فِي الْآيَةِ: هُوَ آلَةُ الْوَزْنِ الْمَعْرُوفَةُ.
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْمِيزَانَ مِفْعَالٌ، وَالْمِفْعَالُ قِيَاسِيٌّ فِي اسْمِ الْآلَةِ.
وَعَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَنَّ الْمِيزَانَ الْعَدْلُ وَالْإِنْصَافُ، فَالْمِيزَانُ الَّذِي هُوَ آلَةُ الْوَزْنِ الْمَعْرُوفَةُ دَاخِلٌ فِيهِ، لِأَنَّ إِقَامَةَ الْوَزْنِ بِالْقِسْطِ مِنَ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ.
وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي أَنْزِلَ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ أَوْضَحَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ . فَصَرَّحَ تَعَالَى بِأَنَّهُ أَنْزَلَ مَعَ رسله بِالْكتاب وَالْمِيزَانَ لِأَجْلِ أَنْ يَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وَهُوَ الْعَدْلُ وَالْإِنْصَافُ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ ﴿وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِى الْمِيزَانِ وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ﴾ .
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ: أَنَّ الْمِيزَانَ فِي سُورَةِ الشُّورَى وَسُورَةِ الْحَدِيدِ هُوَ الْعَدْلُ وَالْإِنْصَافُ، كَمَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسّرين.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
وَأَنَّ الْمِيزَانَ فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ هُوَ الْمِيزَانُ الْمَعْرُوفُ أَعْنِي آلَةَ الْوَزْنِ الَّتِي يُوزَنُ بِهَا بَعْضُ الْمَبِيعَاتِ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ فِي سُورَةِ الشُّورَى وَسُورَةِ الْحَدِيدِ عَبَّرَ بِإِنْزَالِ الْمِيزَانِ لَا بِوَضْعِهِ، وَقَالَ فِي سُورَةِ الشُّورَى ﴿اللَّهُ الَّذِى أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ .
وَقَالَ فِي الْحَدِيدِ: ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ .
وَأَمَّا فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ فَقَدْ عَبَّرَ بِالْوَضْعِ لَا الْإِنْزَالِ، قَالَ ﴿وَالسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ آلَةُ الْوَزْنِ الْمَعْرُوفَةُ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ﴾، لِأَنَّ الْمِيزَانَ الَّذِي نُهُوا عَنْ إِخْسَارِهِ هُوَ أَخُو الْمِكْيَالِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أَوْفُواْ الْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى عَنْ نبيه شُعَيْب: ﴿وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُ أَيْضًا ﴿قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ .
فَإِنْ قِيلَ: قَدِ اخْتَرْتُمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِيزَانِ فِي سُورَةِ الشُّورَى وَسُورَةِ الْحَدِيدِ، هُوَ الْعَدْلُ وَالْإِنْصَافُ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِيزَانِ فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ هُوَ آلَةُ الْوَزْنِ الْمَعْرُوفَةُ، وَذَكَرْتُمْ نَظَائِرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَعَلَى هَذَا الَّذِي اخْتَرْتُمْ يُشَكَّلُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْكِتَابِ وَالْمِيزَانِ، لِأَنَّ الْكُتُبَ السَّمَاوِيَّةَ كُلُّهَا
[ ٢ / ٦٦٧ ]
عَدْلٌ وَإِنْصَافٌ.
فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الْأَوَّلُ مِنْهُمَا هُوَ مَا قَدَّمْنَا مِرَارًا مِنْ أَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ إِذَا عُبِّرَ عَنْهُ بِصِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ جَازَ عَطْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ تَنْزِيلًا لِلتَّغَايُرِ بَيْنَ الصِّفَاتِ مَنْزِلَةَ التَّغَايُرِ فِي الذَّوَاتِ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الاّعْلَى الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِى أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ فَالْمَوْصُوفُ وَاحِدٌ وَالصِّفَاتُ مُخْتَلِفَةٌ، وَقَدْ سَاغَ الْعَطْفُ لِتَغَايُرِ الصِّفَاتِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إِلَى الْمَلِكِ القرم وَابْن الهما م وَلَيْثِ الْكَتِيبَةِ فِي الْمُزْدَحِمِ
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي:
فَهُوَ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي أَعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ، مِنَ الْمُغَايَرَةِ فِي الْجُمْلَةِ بَيْنَ الْكِتَابِ وَالْمِيزَانِ.
وَإِيضَاحُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِتَابِ هُوَ الْعَدْلُ وَالْإِنْصَافُ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ.
وَأَمَّا الْمِيزَانُ: فَيَصْدُقُ بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ الَّذِي لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ فِي الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ، وَلَكِنَّهُ مَعْلُومٌ مِمَّا صَرَّحَ بِهِ فِيهَا.
فَالتَّأْفِيفُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾، مِنَ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْكِتَابِ، وَمَنْعُ ضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ مَثَلًا الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالنَّهْيِ عَلَى التَّأْفِيفِ مِنَ الْمِيزَانِ، أَيْ مِنَ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ مَعَ رُسُلِهِ.
وَقَبُولُ شَهَادَةِ الْعَدْلَيْنِ فِي الرَّجْعَةِ وَالطَّلَاقِ الْمَنْصُوصُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ، لِأَنَّهُ مُصَرح بِهِ فِيهِ.
وَقَبُولُ شَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ عُدُولٍ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمِيزَانِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ مَعَ رُسُلِهِ.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
وَتَحْرِيمُ أَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلُهُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ مِنَ الْكِتَابِ.
وَتَحْرِيمُ إِغْرَاقِ مَالِ الْيَتِيمِ وَإِحْرَاقِهِ، الْمَعْرُوفُ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْمِيزَانِ، الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ مَعَ رُسُلِهِ.
وَجَلْدُ الْقَاذِفِ الذَّكَرِ لِلْمُحْصَنَةِ الْأُنْثَى ثَمَانِينَ جِلْدَةً وَرَدُّ شَهَادَتِهِ، وَالْحُكْمُ بِفِسْقِهِ الْمَنْصُوص فِي قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ﴾ الْآيَةَ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ.
وَعُقُوبَةُ الْقَاذِفِ الذَّكَرِ لِذَكَرٍ مِثْلِهِ، وَالْأُنْثَى الْقَاذِفَةِ لِلذَّكَرِ أَوْ لِأُنْثَى بِمِثْلِ تِلْكَ الْعُقُوبَةِ الْمَنْصُوصَةِ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمِيزَانِ الْمَذْكُورِ.
وَحِلِّيَّةُ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ مَبْتُوتَةً، بِسَبَبِ نِكَاحِ زَوْجٍ ثَانٍ وَطَلَاقِهِ لَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ الْمَنْصُوصُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ﴾ أَيْ فَإِنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي، بَعْدَ الدُّخُولِ وَذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَيْ لَا جُنَاحَ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ مَبْتُوتَةً وَالزَّوْجُ الَّذِي كَانَتْ حَرَامًا عَلَيْهِ، أَنْ يَتَرَاجَعَا بَعْدَ نِكَاحِ الثَّانِي وَطَلَاقِهِ لَهَا، مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ.
وَأَمَّا إِنْ مَاتَ الزَّوْجُ الثَّانِي بَعْدَ أَنْ دَخَلَ بِهَا وَكَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَحِلِّيَّتُهَا لِلْأَوَّلِ الَّذِي كَانَتْ
حَرَامًا عَلَيْهِ، مِنَ الْمِيزَانِ الَّذِي أَنْزَلَهُ الله مَعَ رسله.] (١) .
_________________
(١) - ٧/١٨٣: ١٨٧، الشورى / ١٧.
[ ٢ / ٦٦٩ ]
فصل: الْجنَّة وَالنَّار
- دُخُول الْجنَّة بِفضل من الله - تَعَالَى-، وتفاوت الْمنَازل بِحَسب الْأَعْمَال.
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَالْإِيمَانَ سَبَبٌ فِي نَيْلِ جَنَّاتِ الْفِرْدَوْسِ.
وَالْآيَاتُ الْمُوَضِّحَةُ لِكَوْنِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ سَبَبًا فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾، وَقَوله: ﴿أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أَيْ بِسَبَبِهِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأولئك يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئًا جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
تَنْبِيهٌ
فَإِنْ قيل هَذِه الآيَات فِيهَا الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ سَبَبٌ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَقَوْلُهُ ﷺ: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ» قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «وَلَا أَنا إِلَّا يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ» (١) يَرِدُ بِسَبَبِهِ إِشْكَال على ذَلِك.
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (٥/٢١٤٧) (٥٣٤٩)، وَمُسلم (٤/٢١٦٩) (٢٨١٦) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - بِهِ.
[ ٢ / ٦٧٠ ]
فَالْجَوَابُ أَنَّ الْعَمَلَ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِدُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَّا إِذَا تَقَبَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَتَقَبُّلُهُ لَهُ فَضْلٌ مِنْهُ، فَالْفِعْلُ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ هُوَ الَّذِي تَقَبَّلَهُ اللَّهُ بِفَضْلِهِ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَعْمَالِ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِدُخُولِ الْجنَّة، وَالْجمع بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ أَوْجُهٌ أُخَرُ، هَذَا أظهرها عِنْدِي. وَالْعلم عِنْد الله تَعَالَى.] (١) .
وَقَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ . فِيهِ النَّصُّ عَلَى أَنَّ عَمَلَهُمْ فِي الدُّنْيَا سَبَبٌ فِي تَمَتُّعِهِمْ بِنَعِيمِ الْجَنَّةِ فِي الْآخِرَةِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدُكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» (٢)، وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ النَّصَّيْنِ، إِذِ الدُّخُولُ بِفَضْلٍ مِنَ اللَّهِ وَبَعْدَ الدُّخُولِ يَكُونُ التَّوَارُثُ وَتَكُونُ الدَّرَجَاتُ وَيَكُونُ التَّمَتُّعُ بِسَبَبِ الْأَعْمَالِ، فَكُلُّهُمْ يَشْتَرِكُونَ فِي التَّفَضُّلِ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ، وَلَكِنَّهُمْ بَعْدَ الدُّخُولِ يَتَفَاوَتُونَ فِي الدَّرَجَاتِ بِسَبَبِ الْأَعْمَالِ.] (٣) .
- التَّوَارُث بَين أهل الْجنَّة وَأهل النَّار.
قَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ وَقَدْ بَيَّنَ الْعُلَمَاءُ حَقِيقَةَ الْغَبْنِ فِي هَذَا الْمَقَامِ بِأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ لَهُ مَكَانٌ فِي الْجَنَّةِ وَمَكَانٌ فِي النَّارِ، فَإِذَا دَخَلَ أَهْلُ النَّارِ النَّارَ بَقِيَتْ أَمَاكِنُهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَإِذَا دخل أهل
_________________
(١) - ٤/٢١٣ - ٢١٤، الْكَهْف/ ١٠٧، وَانْظُر أَيْضا: (٧/٢٨٤) (الزخرف / ٧٢)، (٩/١٥) (النبأ / ٣٦) .
(٢) - سبق تَخْرِيجه آنِفا.
(٣) - ٨/٦٩٠ - ٦٩١، المرسلات / ٤٣.
[ ٢ / ٦٧١ ]
الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ بَقِيَتْ أَمَاكِنُهُمْ فِي النَّارِ. وَهُنَاكَ تَكُونُ مَنَازِلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي النَّارِ لِأَهْلِ النَّارِ، وَمَنَازِلَ أَهْلِ النَّارِ فِي الْجَنَّةِ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَوَارَثُونَهَا عَنْهُمْ، فَيَكُونُ الْغَبْنُ الْأَلِيمُ، وَهُوَ اسْتِبْدَالُ مَكَانٍ فِي النَّارِ بِمَكَانٍ فِي الْجَنَّةِ وَرِثُوا أَمَاكِنَ الْآخَرِينَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى النَّارِ.] (١) .
- بعض مَا جَاءَ فِي نعيم أهل الْجنَّة.
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَنَّ الْجَنَّةَ، فِيهَا كُلُّ مُشْتَهًى، وَكُلُّ مُسْتَلِذٍّ، جَاءَ مَبْسُوطًا مُوَضَّحَةً أَنْوَاعُهُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَجَاءَ مُحَمَّدٌ أَيْضًا إِجْمَالًا شَامِلًا لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ.
أَمَّا إِجْمَالُ ذَلِكَ فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ .
وَأَمَّا بَسْطُ ذَلِكَ وَتَفْصِيلُهُ، فَقَدْ بَيَّنَ الْقُرْآنُ، أَنَّ مِنْ ذَلِكَ النَّعِيمِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ، الْمَشَارِبَ، وَالْمَآكِلَ وَالْمَنَاكِحَ، وَالْفُرُشَ وَالسُّرُرَ، وَالْأَوَانِيَ، وَأَنْوَاعَ الْحُلِيِّ وَالْمَلَابِسَ وَالْخَدَمَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَسَنَذْكُرُ بَعْضَ الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
أَمَّا الْمَآكِلُ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، وَقَالَ: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُواْ هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
أَمَّا الْمَشَارِبُ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا
_________________
(١) - ٨/٣٤١، التغابن/٩.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ بَيْضَآءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾: وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿كُلُواْ وَاشْرَبُواْ هَنِيئًَا بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِى الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ (١) .
وَأَمَّا الْمَلَابِسُ وَالْأَوَانِي وَالْحُلِيُّ، فَقَدْ قَدَّمَنَا الْكَلَامَ عَلَيْهَا مُسْتَوفى فِي سُورَة النَّحْل (٢) .
_________________
(١) - وَانْظُر أَيْضا (١/٢٥) (الْمُقدمَة)، (٢/١١٤: ١١٦) (الْمَائِدَة/٩٠)، (٨/٦٧٩) (الْإِنْسَان/٢١) .
(٢) - قَالَ الْعَلامَة الشنقيطي - رجمه الله - (٣/٢٢٦ - ٢٢٧) (النَّحْل/ ١٤): [فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا بَيَّنَ تَنَعُّمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِلُبْسِ الذَّهَبِ وَالدِّيبَاجِ الَّذِي هُوَ السُّنْدُسُ وَالْإِسْتَبْرَقُ فِي «سُورَةِ الْكَهْفِ» فِي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ . فَمَنْ لَبِسَ الذَّهَبَ وَالدِّيبَاجَ فِي الدُّنْيَا مُنِعَ مِنْ هَذَا التَّنَعُّمِ بِهِمَا الْمَذْكُورِ فِي «الْكَهْفِ» . ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا تَنَعُّمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِلُبْسِ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ فِي «سُورَةِ الْحَجِّ» فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَهُدُواْ إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُواْ إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ . وَبَيَّنَ أَيْضًا تَنَعُّمَهُمْ بِلُبْسِ الذَّهَب وَالْحَرِير فِي «سُورَة فاطر» فِي قَوْله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَقَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ . فَمن لبس الذَّهَب وَالْحَرِير فِي الدُّنْيَا منع من هَذَا التنعم بهما الْمَذْكُور فِي «سُورَة الْحَج وفاطر» . وَذكر جلّ وَعلا تنعمهم بِلبْس الْحَرِير فِي «سُورَة الْإِنْسَان» فِي قَوْله: و﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ وَفِي «الدُّخان» بقوله ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍ فِى جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ . فَمن لبس الْحَرِير فِي الدُّنْيَا منع من هَذَا التنعم بِهِ الْمَذْكُور فِي «سُورَة الْإِنْسَان وَالدُّخَان» ] .
[ ٢ / ٦٧٣ ]
وَأَمَّا الْمَنَاكِحُ فَقَدْ قَدَّمَنَا بَعْضَ الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَيْهَا قَرِيبًا، وَهِيَ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ . وَيَكْفِي مَا قَدَّمْنَا مِنْ ذَلِكَ قَرِيبًا (١) .
وَأَمَّا مَا يَتَّكِئُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْفُرُشِ وَالسُّرُرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَفِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِى ظِلَالٍ عَلَى الأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ .
وَالسُّرُرُ الْمَوْضُونَةُ هِيَ الْمَنْسُوجَةُ بِقُضْبَانِ الذَّهَبِ.
وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾ . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِىٍّ حِسَانٍ﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَمَّا خَدَمُهُمْ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْإِنْسَانِ فِي صِفَةِ هَؤُلَاءِ الْغِلْمَانِ: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا﴾، وَذَكَرَ نَعِيمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِأَبْلَغِ صِيغَةٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ .
وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنْوَاعِ نَعِيمِ الْجَنَّةِ وَحُسْنِهَا وَكَمَالِهَا كَالظِّلَالِ وَالْعُيُونِ وَالْأَنْهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا وَلْنَكْتَفِ مِنْهَا بِمَا ذَكَرْنَا.] (٢) .
_________________
(١) - انْظُر (٧/٢٨٠) (الزخرف/ ٧٠، ٧١) .
(٢) - ٧/٢٨٢: ٢٨٤، الزخرف / ٧١، وَانْظُر أَيْضا: (٣/٢٤٢ - ٢٤٣) (النَّحْل / ٣٠، ٣١)، (٤/٣٦١) (مَرْيَم / ٦٢) .
[ ٢ / ٦٧٤ ]
- بعض صِفَات الْحور الْعين.
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ ذَكَرَ جلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ثَلَاثَ صِفَاتٍ مِنْ صِفَاتِ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ:
الْأُولَى: أَنَّهُنَّ ﴿قَاصِراتُ الطَّرْفِ﴾، وَهُوَ الْعَيْنُ، أَيْ: عُيُونُهُنَّ قَاصِرَاتٌ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، لَا يَنْظُرْنَ إِلَى غَيْرِهِمْ لِشِدَّةِ اقْتِنَاعِهِنَّ وَاكْتِفَائِهِنَّ بِهِمْ.
الثَّانِيَةَ: أَنَّهُنَّ ﴿عِينٌ﴾، وَالْعِينُ جَمْعُ عَيْنَاءَ، وَهِيَ وَاسِعَةُ دَارِ الْعَيْنِ، وَهِيَ النَّجْلَاءُ.
الثَّالِثَةَ: أَنَّ أَلْوَانَهُنَّ بِيضٌ بَيَاضًا مُشْرَبًا بِصُفْرَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ لَوْنُ بَيْضِ النَّعَامِ الَّذِي شَبَّهَهُنَّ بِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ فِي نَحْوِ ذَلِكَ:
كبكر المقانات الْبيَاض بصفرة غذاها غير المَاء نمير الْمُحَلَّلِ
لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: كَبِكْرِ الْمُقَانَاتِ الْبَيَاضُ بِصُفْرَةٍ: أَنَّ لَوْنَ الْمَرْأَةِ الْمَذْكُورَةِ كَلَوْنِ الْبَيْضَةِ الْبِكْرِ الْمُخَالِطِ بَيَاضُهَا بِصُفْرَةٍ، وَهَذِهِ الصِّفَاتُ الثَّلَاثُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا، جَاءَتْ مُوَضَّحَةً فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مَعَ غَيْرِهَا مِنْ صِفَاتِهِنَّ الْجَمِيلَةِ، فبيَّن كَوْنَهُنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي «ص»: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾، وَكَوْنُ الْمَرْأَةِ قَاصِرَةُ الطَّرَفِ مِنْ صِفَاتِهَا الْجَمِيلَةِ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْس:
من القاصرات الطّرف لَو دبّ مَحْمُول مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الْإِتْبِ مِنْهَا لَأَثَّرَا
وَذَكَرَ كَوْنَهُنَّ عِينًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِيهِنَّ: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾، وَذكَرَ صَفَا
[ ٢ / ٦٧٥ ]
أَلْوَانِهِنَّ وَبَيَاضَهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾، وَقَوله تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾، وصافتهن كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّه أَثْنَى عَلَيْهِنَّ بِنَوْعَيْنِ مِنْ أَنْوَاعِ الْقَصْرِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُنَّ ﴿قَاصِراتُ الطَّرْفِ﴾، وَالطَّرْفُ الْعَيْنُ، وَهُوَ لَا يُجْمَعُ وَلَا يُثَنَّى لِأَنَّ أَصْلَهُ مَصْدَرٌ، وَلم يأتِ فِي القرءان إِلَّا مُفْرَدًا؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىّ﴾، وَمَعْنَى كَوْنِهِنَّ ﴿قَاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ هُوَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّهُنَّ لَا يَنْظُرْنَ إِلَى غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ بِخِلَافِ نِسَاءِ الدُّنْيَا.
وَالثَّانِي مِنْ نَوْعَيِ الْقَصْرِ: كَوْنُهُنَّ مَقْصُورَاتٌ فِي خِيَامِهِنَّ، لَا يَخْرُجْنَ مِنْهَا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى لأَزواج نَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ﴾، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُورٌ مَّقْصُوراتٌ فِى الْخِيَامِ﴾، وَكَوْنُ الْمَرْأَةِ مَقْصُورَةٌ فِي بَيْتِهَا لَا تَخْرُجُ مِنْهُ مِنْ صِفَاتِهَا الْجَمِيلَةِ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ:
مَنْ كَانَ حَرْبًا لِلنِّسَاءِ فَإِنَّنِي سِلْمٌ لَهُنَّهْ
فَإِذَا عَثَرْنَ دَعَوْنَنِي وَإِذَا عَثَرْتُ دَعُوتُهُنَّهْ
وَإِذَا بَرَزْنَ لِمَحْفِلٍ فَقِصَارُهُنَّ مِلَاحُهُنَّهْ
فَقَوْلُهُ:
قِصَارُهُنَّ، يَعْنِي: الْمَقْصُورَاتِ مِنْهُنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ اللَّاتِي لَا يَخْرُجْنَ إِلَّا نَادِرًا، كَمَا أَوْضَحَ ذَلِكَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ فِي قَوْلِهِ:
وَأَنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ إِلَيَّ وَمَا تَدْرِي بِذَاكَ الْقَصَائِرُ
عَنَيْتُ قَصِيرَاتِ الْحِجَالِ وَلَمْ أُرِدْ قِصَارَ الْخُطَا شَرُّ النِّسَاءِ الْبَحَاتِرُ
[ ٢ / ٦٧٦ ]
وَالْحِجَالُ: جَمْعُ حَجْلَةٍ، وَهِيَ الْبَيْتُ الَّذِي يُزَيَّنُ لِلْعَرُوسِ، فَمَعْنَى قَصِيرَاتِ الْحِجَالِ: الْمَقْصُورَاتِ فِي حِجَالِهِنَّ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنْ رَجُلًا سَمِعَ آخَرَ، قَالَ: لَقَدْ أَجَادَ الْأَعْشَى فِي قَوْلِهِ:
غَرَّاءُ فَرْعَاءُ مصقول عوارضها تمشي الهوينا كَمَا يمشي الوجي الْوَحِلُ
كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِنْ بَيْتِ جَارَتِهَا مَرُّ السَّحَابَةِ لَا رَيْثٌ وَلَا عَجَلُ
لَيْسَتْ كَمَنْ يَكْرَهُ الْجِيرَانُ طَلْعَتَهَا وَلَا تَرَاهَا لِسِرِّ الْجَارِ تَخْتَتِلُ
فَقَالَ لَهُ: قَاتَلَكَ اللَّه، تَسْتَحْسِنُ غَيْرَ الْحَسَنِ هَذِهِ الْمَوْصُوفَةُ خَرَّاجَةٌ وَلَّاجَةٌ، وَالْخَرَّاجَةُ الْوَلَّاجَةُ لَا خير فِيهَا وَلَا ملاحة لَهَا، فَهَل لَا قَالَ كَمَا قَالَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ:
وتكسل عَن جاراتها فيزنها وتعتل من إتيانهن فَتعذر (١)] (٢) .
- الْجنَّة لَا ليل فِيهَا، وَإِنَّمَا هِيَ نور دَائِم وضياء.
[قَوْله فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فِيهِ سُؤَالٌ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: مَا وَجْهُ ذِكْرِ الْبُكْرَةِ وَالْعَشِيِّ، مَعَ أَن الْجنَّة ضِيَاء دَائِم وَلَا دَلِيل فِيهَا. وَلِلْعُلَمَاءِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ أَجْوِبَةٌ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبُكْرَةِ وَالْعَشِيِّ قَدْرُ ذَلِكَ مِنَ الزَّمَنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ أَيْ قَدْرُ شَهْرٍ. وَرُوِيَ مَعْنَى هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاس، وَابْن جريج وَغَيرهمَا.
_________________
(١) - بِالْأَصْلِ: (وتكسل عَن جاراتها قيزنها وتعتل من إنيانهن فَتعذر)، وَلَعَلَّ الصَّوَاب مَا أثْبته.
(٢) - ٦/٦٨٦: ٦٨٨، الصافات / ٤٨، ٤٩) .
[ ٢ / ٦٧٧ ]
الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ فِي زَمَنِهَا تَرَى أَنَّ مَنْ وَجَدَ غَدَاءً وَعَشَاءً فَذَلِكَ النَّاعِمُ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ مُرَغِّبَةً لَهُمْ وَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَيُرْوَى هَذَا عَنْ قَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ.
الْجَوَابُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْعَرَبَ تُعَبِّرُ عَنِ الدَّوَامِ بِالْبُكْرَةِ وَالْعَشِيِّ، وَالْمَسَاءِ وَالصَّبَاحِ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ:
أَنَا عِنْدَ فُلَانٍ صَبَاحًا وَمَسَاءً، وَبُكْرَةً وَعَشِيًّا. يُرِيدُ الدَّيْمُومَةَ وَلَا يَقْصِدُ الْوَقْتَيْنِ الْمَعْلُومَيْنِ.
الْجَوَابُ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ الْبُكْرَةُ هِيَ الْوَقْتَ الَّذِي قَبْلَ اشْتِغَالِهِمْ بِلَذَّاتِهِمْ، وَالْعَشِيُّ: هُوَ الْوَقْتُ الَّذِي بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْ لَذَّاتِهِمْ، لِأَنَّهُ يَتَخَلَّلُهَا فَتَرَاتُ انْتِقَالٍ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَهَذَا يَرْجِعُ مَعْنَاهُ إِلَى الْجَوَابِ الْأَوَّلِ.
الْجَوَابُ الْخَامِسُ: هُوَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي (نَوَادِرِ الْأُصُولِ) مِنْ حَدِيثِ أَبَانٍ عَنِ الْحَسَنِ وَأَبِي قِلَابَةَ قَالَا: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ فِي الْجَنَّةِ مِنْ لَيْلٍ؟ قَالَ: «وَمَا يُهَيِّجُكَ عَلَى هَذَا»؟ قَالَ: سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَى يَذْكُرُ ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فَقُلْتُ: اللَّيْلُ بَيْنَ الْبُكْرَةِ وَالْعَشِيِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ هُنَاكَ لَيْلٌ، إِنَّمَا هُوَ ضَوْءٌ وَنُورٌ، يَرِدُ الْغُدُوُّ عَلَى الرَّوَاحِ وَالرَّوَاحُ عَلَى الْغُدُوِّ، تَأْتِيهِمْ طُرَفُ الْهَدَايَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِمَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ الَّتِي كَانُوا يُصَلُّونَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا، وَتُسَلِّمُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ» (١) انْتَهَى بِوَاسِطَةِ نَقْلِ صَاحِبِ الدُّرِّ الْمَنْثُورِ وَالْقُرْطُبِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ هَذَا: وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ لِمَعْنَى الْآيَةِ. وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ (التَّذْكِرَةِ) ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ الْعُلَمَاءُ لَيْسَ فِي الْجَنَّةِ لَيْلٌ وَلَا نَهَارٌ، وَإِنَّمَا هم فِي
_________________
(١) - حَدِيث ضَعِيف، قَالَ الشَّيْخ مجدي السَّيِّد فِي تَحْقِيق التَّذْكِرَة: حَدِيث ضَعِيف جدا. تفرد بِهِ الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي "نَوَادِر الْأُصُول" أوردهُ الْقُرْطُبِيّ (١١/١٢٧) فِي تَفْسِيره، وَفِي إِسْنَاده أبان، وَهُوَ ابْن أبي عَيَّاش من المتروكين، وَهُوَ مُرْسل الْإِسْنَاد.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
نُورٍ أَبَدًا، إِنَّمَا يَعْرِفُونَ مِقْدَارَ اللَّيْلِ مِنَ النَّهَارِ بِإِرْخَاءِ الْحُجُبِ، وَإِغْلَاقِ الْأَبْوَابِ، وَيَعْرِفُونَ مِقْدَارَ النَّهَارِ بِرَفْعِ الْحُجُبِ، وَفَتْحِ الْأَبْوَابِ. ذَكَرَهُ أَبُو الْفرج الْجَوْزِيّ والمهدوي وَغَيرهمَا اهـ مِنْهُ. وَهَذَا الْجَوَابُ الْأَخِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الْحَسَنِ وَأَبِي قِلَابَةَ عَنِ النَّبي ﷺ رَاجِعٌ إِلَى الْجَوَابِ الأول. وَالْعلم عِنْد الله تَعَالَى.] (١) .
النَّار
- عدد أَبْوَاب النَّار.
[قَوْله تَعَالَى: ﴿فَادْخُلُواْ أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا عَدَدَ أَبْوَابِهَا، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي «سُورَةِ الْحِجْرِ» فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾، أَرْجُو اللَّهَ أَنْ يُعِيذَنَا وَإِخْوَانَنَا الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا وَمِنْ جَمِيعِ أَبْوَابِهَا إِنَّهُ رَحِيمٌ كريم.] (٢) .
- بعض صِفَات النَّار وَبَيَان أَنَّهَا منَازِل.
قَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ . أَيْ تَتَلَظَّى، وَاللَّظَى: اللَّهَبُ الْخَالِصُ، وَفِي وَصْفِ النَّارِ هُنَا بِتَلَظَّى مَعَ أَنَّ لَهَا صِفَاتٍ عَدِيدَةً مِنْهَا: السَّعِيرُ، وَسَقَرُ، وَالْجَحِيمُ، وَالْهَاوِيَةُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ.
وَذَكَرَ هُنَا صِنْفًا خَاصًّا، وَهُوَ مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى، كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي وَصْفِهَا أَيْضًا بِلَظَى فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى﴾، ثُمَّ بَيَّنَ أَهْلَهَا بِقَوْلِهِ: ﴿تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ .
وَهُوَ كَمَا هُوَ هُنَا ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لاَ يَصْلَاهَآ إِلاَّ الأَشْقَى الَّذِى
_________________
(١) - ٤/٣٦٦: ٣٦٨، مَرْيَم / ٦٢.
(٢) - ٣/٣٢٩، النَّحْل/٢٩.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾، وَهُوَ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾، مِمَّا يَدُلُّ أَنَّ لِلنَّارِ عِدَّةَ حَالَاتٍ أَوْ مَنَاطِقَ أَوْ مَنَازِلَ، كُلُّ مَنْزِلَةٍ تَخْتَصُّ بِصِنْفٍ مِنَ النَّاسِ، فَاخْتَصَّتْ لَظَى بِهَذَا الصِّنْفِ، وَاخْتَصَّتْ سَقَرُ بِمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَكَانُوا يَخُوضُونَ مَعَ الْخَائِضِينَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، كَمَا أَنَّ الْجَنَّةَ مَنَازِلٌ وَدَرَجَاتٌ، حَسَبَ أَعْمَالِ الْمُؤمنِينَ، واللَّه تَعَالَى أعلم.] (١) .
- كَيفَ ينْبت الضريع فِي النَّار.
قَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [وَقَدْ أَوْرَدَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ سُؤَالًا وَالْجَوَابَ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَيْفَ يَنْبُتُ الضَّرِيعُ فِي النَّارِ؟ فَأَجَابَ بِالْإِحَالَةِ عَلَى تَصَوُّرِ كَيْفَ يَبْقَى جِسْمُ الْكُفَّارِ حَيَّا فِي النَّارِ، وَكَذَلِكَ الْحَيَّاتُ وَالْعَقَارِبُ فِي النَّارِ.
وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَجِيهًا مِنْ حَيْثُ مَنْطِقِ الْقُدْرَةِ، وَلَكِنَّ الْقُرْآنَ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ النَّارَ فِيهَا شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، وَأَنَّهَا فِتْنَةٌ لِلظَّالِمِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَذلك خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِى أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾، فَأَثْبَتَ شَجَرَةً تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، وَأَثْبَتَ لَهَا لَازِمَهَا وَهُوَ طَلْعُهَا فِي تِلْكَ الصُّورَةِ الْبَشِعَةِ، وَأَثْبَتَ لَازِمَ اللَّازِمِ وَهُوَ أَكْلُهُمْ مِنْهَا حَتَّى مِلْءِ الْبُطُونِ.
وَالْحُقُّ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ وَجَوَابَهُ قَدْ أَثَارَهُ الْمُبْطِلُونَ، وَلَكِنْ غَايَةُ مَا فِي الْأَمْرِ سَلْبُ خَاصِّيَّةِ الْإِحْرَاقِ فِي النَّارِ عَنِ النَّبَاتِ، وَلَيْسَ هَذَا بِبَعِيدٍ عَلَى قُدْرَةِ من خلق النَّار وَجعل لَهَا الخاصية.
_________________
(١) - ٩/٢٦٣ - ٢٦٤، اللَّيْل / ١٤: ١٦، وَانْظُر (٩/٤٦٣: ٤٦٥) (القارعة / ٨: ١١) .
[ ٢ / ٦٨٠ ]
وَقَدْ وُجِدَ نَظِيرُهُ فِي الدُّنْيَا فَتِلْكَ نَارُ النُّمْرُوذِ، كَانَتْ تُحْرِقُ الطَّيْرَ فِي الْجَوِّ إِذَا اقْتَرَبَ مِنْهَا، وَعَجَزُوا عَنِ الدُّنُوِّ إِلَيْهَا لِيُلْقُوا فِيهَا إِبْرَاهِيمَ وَوَضَعُوهُ فِي الْمَنْجَنِيقِ وَرَمَوْهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَمَعَ ذَلِكَ حَفِظَهُ اللَّهُ مِنْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى لَهَا: ﴿كُونِى بَرْدًا وَسَلَامَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، فَسُبْحَانَ مَنْ بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء.] (١) .
- النَّار لَهَا إِدْرَاك وحس.
[اعْلَمْ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ النَّارَ تُبْصِرُ الْكَفَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا صَرَّحَ اللَّهُ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ هُنَا: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ وَرُؤْيَتُهَا إِيَّاهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ، تَدُلُّ عَلَى حِدَّةِ بَصَرِهَا كَمَا لَا يَخْفَى، كَمَا أَنَّ النَّارَ تَتَكَلَّمُ كَمَا صَرَّحَ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلاَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ وَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ كثير، كَحَدِيثِ مُحَاجَّةِ النَّارِ مَعَ الْجَنَّةِ (٢)، وَكَحَدِيثِ اشْتِكَائِهَا إِلَى رَبِّهَا، فَأَذِنَ لَهَا فِي نَفْسَيْنِ (٣)، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا صَرَّحَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، أَنَّهَا تَرَاهُمْ وَأَنَّ لَهَا تَغَيُّظًا عَلَى الْكُفَّارِ، وَأَنَّهَا تَقُولُ: هَل من مزِيد.
_________________
(١) - ٧/٣٤٤، الجاثية / ٩.
(٢) - أخرج البُخَارِيّ (٤/١٨٣٦) (٤٥٦٩)، وَمُسلم (٤/٢١٨٦) (٢٨٤٦) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (تَحَاجَّتْ النَّار وَالْجنَّة، فَقَالَت النَّار: أُوثِرت بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَت الْجنَّة: فَمَا لي لَا يدخلني إِلَّا ضعفاء النَّاس وَسَقَطهمْ وعجزهم ) الحَدِيث، وَاللَّفْظ لمُسلم.
(٣) - أخرج البُخَارِيّ (١/١٩٩) (٥١٢)، وَمُسلم (١/٤٣١) (٦١٧) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (اشتكت النَّار إِلَى رَبهَا فَقَالَت يَا رب أكل بَعْضِي بَعْضًا فَأذن لَهَا بنفسين نفس فِي الشتَاء وَنَفس فِي الصَّيف فَهُوَ أَشد مَا تَجِدُونَ من الْحر وَأَشد مَا تَجِدُونَ من الزَّمْهَرِير)، وَاللَّفْظ لمُسلم.
[ ٢ / ٦٨١ ]
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ، مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ لِلْعِلْمِ مِنْ أَنَّ النَّارَ لَا تُبْصِرُ، وَلَا تَتَكَلَّمُ، وَلَا تَغْتَاظُ، وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ، أَوْ أَنَّ الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ خَزَنَتُهَا، كُلُّهُ بَاطِلٌ وَلَا مُعَوَّلَ عَلَيْهِ؛ لِمُخَالَفَتِهِ نُصُوصَ الْوَحْيِ الصَّحِيحَةَ بِلَا مُسْتَنَدٍ، وَالْحَقُّ هُوَ مَا ذَكَرْنَا.
وَقَدْ أَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ النُّصُوصَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا إِلَّا لِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي مَحَلِّهِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: إِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ النَّارَ تَرَاهُمْ هُوَ الْأَصَحُّ، ثُمَّ قَالَ لِمَا رُوِيَ مَرْفُوعًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْنَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ مَقْعَدًا، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَهَا عَيْنَانِ؟ قَالَ: أَو مَا سَمِعْتُمُ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ: إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا، يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ لَهُ عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ وَلِسَانٌ يَنْطِقُ فَيَقُولُ: وُكِّلْتُ بِكُلِّ مَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَهُوَ أَبْصَرُ بِهِمْ مِنَ الطَّيْرِ بِحَبِّ السِّمْسِمِ فَيَلْتَقِطُهُ» وَفِي رِوَايَةٍ «يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ فَيَلْتَقِطُ الْكُفَّارَ لَقْطَ الطَّائِرِ حَبَّ السِّمْسِمِ» (١) ذَكَرَهُ رَزِينٌ فِي كِتَابِهِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي قَبَسِهِ، وَقَالَ: أَيْ تَفْصِلُهُمْ عَنِ الْخَلْقِ فِي الْمَعْرِفَةِ، كَمَا يَفْصِلُ الطَّائِرُ حَبَّ السِّمْسِمِ عَنِ التُّرْبَةِ، وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ وَأُذُنَانِ تَسْمَعَانِ وَلِسَانٌ يَنْطِقُ فَيَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَبِكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَبِالْمُصَوِّرِينَ» (٢) وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيث
_________________
(١) - لم أَقف عَلَيْهِ بِهَذَا اللَّفْظ، وَأخرج الطَّبَرَانِيّ (٨/١٣١) (٧٥٩٩) من حَدِيث أبي أُمَامَة مُخْتَصرا بِنَحْوِهِ، وَإِسْنَاده ضَعِيف جدا.
(٢) - أخرجه التِّرْمِذِيّ (٤/٧٠١) (٢٥٧٤)، وَقَالَ: حسن غَرِيب صَحِيح، وَأحمد (٢/٣٣٦) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، والْحَدِيث صَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ.
وَقَالَ صَاحِبُ الدُّرِّ الْمَنْثُورِ: وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدًا مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَهَلْ لِجَهَنَّمَ مِنْ عَيْنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ أَمَا سَمِعْتُمُ اللَّهَ يَقُولُ: إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ، فَهَلْ تَرَاهُمْ إِلَّا بعينين» (١)
وَأخرج عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ خَالِدِ بْنِ دُرَيْكٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ، أَوِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ وَالِدَيْهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْنَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ مَقْعَدًا قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ لَهَا مِنْ عَيْنَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ أَمَا سَمِعْتُمُ اللَّهَ يَقُولُ: إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ» (٢)، وَفِيهِ شِدَّةُ هَوْلِ النَّارِ، وَأَنَّهَا تَزْفِرُ زَفْرَةً يَخَافُ مِنْهَا جَمِيع
_________________
(١) - أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي "الْكَبِير" (٨/١٣١) (٧٥٩٩)، وَفِي "مُسْند الشاميين" (٤/٣٢٠) (٣٤٣٤)، وَأَبُو نعيم فِي الْمُسْتَخْرج (١/٤٨) (٣٣) مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ - ﵁ - بِنَحْوِهِ بِسَنَد مسلسل بالضعفاء، فِيهِ أسيد بن زيد، قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف: (قَالَ النسائى: مَتْرُوك، وقَالَ ابْن عدى: عَامَّة مَا يرويهِ لَا يُتَابع عَلَيْهِ)، وَقَالَ عَنهُ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب: (ضَعِيف أفرط ابْن معِين فكذبه)، وَمُحَمّد بن الْفضل قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف: (تَرَكُوهُ)، وَقَالَ عَنهُ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب: (كذبوه)، والأحوص بن حَكِيم: قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف: (ضعف)، وَقَالَ عَنهُ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب: (ضَعِيف الْحِفْظ)، وَمَكْحُول لم يسمع من أبي أُمَامَة، وَقَالَ الهيثمي فِي الْمجمع (١/٣٧٣): (رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَفِيه الْأَحْوَص بن حَكِيم ضعفه النَّسَائِيّ وَغَيره وَوَثَّقَهُ الْعجلِيّ وَيحيى بن سعيد الْقطَّان فِي رِوَايَة وَرَوَاهُ عَن الْأَحْوَص مُحَمَّد بن الْفضل بن عَطِيَّة ضَعِيف (والراوي عَن مُحَمَّد بن الْفضل أسيد بن زيد كذبوه) والْحَدِيث ضعفه أَيْضا أَبُو نعيم فِي الْمُسْتَخْرج، وَالشَّيْخ الألباني فِي الضعيفة (٢/٤٢٢) ..
(٢) - أخرجه الْخَطِيب فِي الْكِفَايَة (ص/٢٠٠)، وَأعله الشَّيْخ الألباني - ﵀ - فِي الضعيفة (٩٩٤) بالانقطاع بَين خَالِد بن دريك، والصحابي، فَخَالِد لم يدْرك أحدا من الصَّحَابَة.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
الْخَلَائِقِ.
نَرْجُو اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا أَنْ يُعِيذَنَا وَإِخْوَانَنَا الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا، وَمَنْ كُلِّ مَا قَرَّبَ إِلَيْهَا من قَول وَعمل.] (١) .
- أَشد أهل النَّار عذَابا.
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي أَسْفَلِ طَبَقَاتِ النَّارِ، عِيَاذًا باللَّه تَعَالَى.
وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ آلَ فِرْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُؤْمَرُ بِإِدْخَالِهِمْ أَشَدَّ الْعَذَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ .
وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ يُعَذِّبُ مَنْ كَفَرَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَائِدَةِ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنّى مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنّى أُعَذّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذّبُهُ أَحَدًا مّنَ الْعَالَمِينَ﴾، فَهَذِهِ الْآيَاتُ تُبَيِّنُ أَنَّ أَشَدَّ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا الْمُنَافِقُونَ وَآلُ فِرْعَوْنَ وَمَنْ كَفَرَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَائِدَةِ،
كَمَا قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ ﵄] (٢) .
- الْفرق بَين عَذَاب الْكفَّار وعصاة الْمُوَحِّدين.
[قَوْله تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أَيْ لِأَنَّ عَذَابَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ كَانُوا يَسْتَهْزِءُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يُرَادُ بِهِ إِلَّا إهانتهم وخزيهم
_________________
(١) - ٦/٢٨٨: ٢٩٠، الْفرْقَان / ١٢، وَانْظُر أَيْضا: (٧/٦٥٣) (ق/٣٠)، (٨/٣٩٥) (الْملك/ ٧، ٨) .
(٢) - ١/٣٧٩، النِّسَاء /١٤٥.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
وَشِدَّةُ إِيلَامِهِمْ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ.
وَلَيْسَ فِيهِ تَطْهِيرٌ وَلَا تَمْحِيصٌ لَهُمْ بِخِلَافِ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ عُذِّبُوا فَسَيَصِيرُونَ إِلَى الْجَنَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَذَابِ.
فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِعَذَابِهِمْ مُجَرَّدَ الْإِهَانَةِ بَلْ ليؤلوا بعده إِلَى الرَّحْمَة وَدَار الْكَرَامَة.] (١) .
- خُلُود أهل الْجنَّة وخلود أهل النَّار.
[فَإِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تُلْقَى عَصَا التَّسْيَارِ (٢)، وَيُذْبَحُ الْمَوْت (٣)، وَيُقَال: يأهل الْجنَّة خُلُود فَلَا موت! وَيَأْهِلُ الْجنَّة خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ! وَيَبْقَى ذَلِكَ دَائِمًا لَا انْقِطَاعَ لَهُ وَلَا تَحَوُّلَ عَنْهُ إِلَى مَحَلٍّ آخر.] (٤) .
وَقَالَ أَيْضا: [قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ﴾ قَيَّدَ تَعَالَى خُلُودَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ
_________________
(١) - ٧/٣٤٤، الجاثية / ٩.
(٢) - قَالَ الرَّازِيّ فِي مُخْتَار الصِّحَاح: التَّسْيارُ بِالْفَتْح تفعال من السّير.
(٣) - أخرج البُخَارِيّ (٤/١٧٦٠) (٤٤٥٣) من حَدِيث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسل: يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ. ثُمَّ يُنَادَى يَا أَهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ نَعَمْ هَذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ فَيُذْبَحُ. ثُمَّ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ. ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ - وَهَؤُلَاءِ فِي غَفْلَةِ أهل الدُّنْيَا - وهم لَا يُؤمنُونَ﴾) .
(٤) - ٣/٢٤١، النَّحْل / ٣٠، وَانْظُر أَيْضا: (٤/٣٠٣ - ٣٠٤) (مَرْيَم / ٣٩)، (٧/٧٢) (غَافِر / ١١) .
[ ٢ / ٦٨٥ ]
بِالْمَشِيئَةِ. فَقَالَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا: ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ عَدَمَ الِانْقِطَاعِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، فَقَالَ فِي خُلُود أهل الْجنَّة: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا﴾ ﴿عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ .
وَقَالَ فِي خُلُودِ أَهْلِ النَّارِ: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ وَمَعْلُومٌ أَنَّ ﴿كُلَّمَا﴾ تَقْتَضِي التَّكْرَارَ بِتَكَرُّرِ الْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهَا.
وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إِيضَاحًا تَامًّا فِي كِتَابِنَا «دَفْعُ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ» فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ﴾ (١)
وَفِي سُورَةِ النَّبَإِ فِي
الْكَلَام على
_________________
(١) - حَيْثُ قَالَ - ﵀ - هُنَاكَ: [قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاّ مَا شَاءَ اللهُ﴾، هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة يفهم مِنْهَا كَون عَذَاب أهل النَّار غير بَاقٍ بَقَاء لَا انْقِطَاع لَهُ أبدا ونظيرها قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاّ مَا شَاءَ رَبُّك﴾، وَقَوله تَعَالَى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾، وَقد جَاءَت آيَات تدل على أنّ عَذَابهمْ لَا انْقِطَاع لَهُ كَقَوْلِه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ وَالْجَوَاب عَن هَذَا من أوجه: أَحدهَا: أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلاّ مَا شَاءَ اللهُ﴾ مَعْنَاهُ إِلَّا من شَاءَ الله عدم خلوده فِيهَا من أهل الْكَبَائِر من الْمُوَحِّدين، وَقد ثَبت فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة أَن بعض أهل النَّار يخرجُون مِنْهَا وهم أهل الْكَبَائِر من الْمُوَحِّدين، وَنقل ابْن جرير هَذَا القَوْل عَن قَتَادَة وَالضَّحَّاك وَأبي سِنَان وخَالِد بن معدان وَاخْتَارَهُ ابْن جرير وَغَايَة مَا فِي هَذَا القَوْل إِطْلَاق مَا ورد وَنَظِيره فِي الْقُرْآن ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ . الثَّانِي: أَن الْمدَّة الَّتِي استثناها الله هِيَ الْمدَّة الَّتِي بَين بَعثهمْ من قُبُورهم واستقرارهم فِي مصيرهم قَالَه ابْن جرير أَيْضا. الْوَجْه الثَّالِث: أَن قَوْله ﴿إِلاّ مَا شَاءَ اللهُ﴾ فِيهِ إِجْمَال وَقد جَاءَت الْآيَات وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مصرحة بِأَنَّهُم خَالدُونَ فِيهَا أبدا، وظاهرها أَنه خُلُود لَا انْقِطَاع لَهُ، والظهور من المرجحات، فَالظَّاهِر مقدم على الْمُجْمل كَمَا تقرر فِي الْأُصُول. وَمِنْهَا: أنّ "إِلاّ" فِي سُورَة هود بِمَعْنى: "سوى مَا شَاءَ الله من الزِّيَادَة على مُدَّة دوَام السَّمَاوَات وَالْأَرْض". وَقَالَ بعض الْعلمَاء: إِن الِاسْتِثْنَاء على ظَاهره وَأَنه يَأْتِي على النَّار زمَان لَيْسَ فِيهَا أحد، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: "ليَأْتِيَن على جَهَنَّم زمَان تخفق أَبْوَابهَا لَيْسَ فِيهَا أحد، وَذَلِكَ بَعْدَمَا يلبثُونَ أحقابا"، وَعَن ابْن عَبَّاس: "أَنَّهَا تأكلهم بِأَمْر الله". قَالَ مقيده - عَفا الله عَنهُ -: الَّذِي يظْهر لي وَالله تَعَالَى أعلم أَن هَذِه النَّار الَّتِي لَا يبْقى فِيهَا أحد يتَعَيَّن حملهَا على الطَّبَقَة الَّتِي كَانَ فِيهَا عصاة الْمُسلمين كَمَا جزم بِهِ الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيره؛ لِأَنَّهُ يحصل بِهِ الْجمع بَين الْأَدِلَّة، وإعمال الدَّلِيلَيْنِ أولى من إِلْغَاء أَحدهمَا، وَقد أطبق الْعلمَاء على وجوب الْجمع إِذا أمكن، أما مَا يَقُول كثير من الْعلمَاء من الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ من أَن النَّار تفنى وَيَنْقَطِع الْعَذَاب عَن أَهلهَا، فالآيات القرآنية تَقْتَضِي عدم صِحَّته، وإيضاحه أَن الْمقَام لَا يَخْلُو من إِحْدَى خمس حالات بالتقسيم الصَّحِيح وَغَيرهَا رَاجع إِلَيْهَا: الأولى: أَن يُقَال بِفنَاء النَّار وَأَن استراحتهم من الْعَذَاب بِسَبَب فنائها. الثَّانِيَة: أَن يُقَال إِنَّهُم مَاتُوا وَهِي بَاقِيَة. الثَّالِثَة: أَن يُقَال إِنَّهُم أخرجُوا مِنْهَا وَهِي بَاقِيَة. الرَّابِعَة: أَن يُقَال: إِنَّهُم باقون فِيهَا إِلَّا أَن الْعَذَاب يخف عَلَيْهِم. وَذَهَاب الْعَذَاب رَأْسا واستحالته لَذَّة لم نذكرهما من الْأَقْسَام لأَنا نُقِيم الْبُرْهَان على نفي تَخْفيف الْعَذَاب، وَنفي تخفيفه يلْزمه نفي ذَهَابه واستحالته لَذَّة، فاكتفينا بِهِ لدلَالَة نَفْيه على نفيهما، وكل هَذِه الْأَقْسَام الْأَرْبَعَة يدل الْقُرْآن على بُطْلَانه. أما فناؤها فقد نَص تَعَالَى على عَدمه بقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾، وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلاّ مَا شَاءَ رَبُّك﴾ فِي خُلُود أهل الْجنَّة وخلود أهل النَّار وبيّن عدم الِانْقِطَاع فِي خُلُود أهل الْجنَّة بقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وَبِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾، وَقَوله: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ﴾، وبيّن عدم الِانْقِطَاع فِي خُلُود أهل النَّار بقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾، فَمن يَقُول إِن للنار خبوة لَيْسَ بعْدهَا زِيَادَة سعير رد عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة. وَمَعْلُوم أَن (كُلَّمَا) تَقْتَضِي التّكْرَار بِتَكَرُّر الْفِعْل الَّذِي بعْدهَا، ونظيرها قَوْله تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ الْآيَة. وَأما مَوْتهمْ فقد نصّ تَعَالَى على عَدمه بقوله: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾، وَقَوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾، وَقد بيّن النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح أَن الْمَوْت يجاء بِهِ يَوْم الْقِيَامَة فِي صُورَة كَبْش أَمْلَح فَيذْبَح، وَإِذا ذبح الْمَوْت حصل الْيَقِين بِأَنَّهُ لَا موت كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ وَيُقَال: "يَا أهل الْجنَّة خُلُود فَلَا موت، وَيَا أهل النَّار خُلُود فَلَا موت". وَأما إخراجهم مِنْهَا فنص تَعَالَى على عَدمه بقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾، وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ . وَأما تَخْفيف الْعَذَاب عَنْهُم فنص تَعَالَى على عَدمه بقوله: ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾، وَقَوله: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذَابًا﴾، وَقَوله: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾، وَقَوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾، وَقَوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾، وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾، وَقَوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ . وَلَا يخفى أَن قَوْله: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ وَقَوله: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ كِلَاهُمَا فعل فِي سِيَاق النَّفْي فحرف النَّفْي يَنْفِي الْمصدر الكامن فِي الْفِعْل فَهُوَ فِي معنى لَا تَخْفيف للعذاب عَنْهُم وَلَا تفتير لَهُ، وَالْقَوْل بفنائها يلْزمه تَخْفيف الْعَذَاب وتفتيره المنفيان فِي هَذِه الْآيَات، بل يلْزمه ذهابهما رَأْسا، كَمَا أَنه يلْزمه نفي مُلَازمَة الْعَذَاب الْمَنْصُوص عَلَيْهَا بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ وَقَوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ وإقامته النُّصُوص عَلَيْهَا بقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ . فَظَاهر هَذِه الْآيَات عدم فنَاء النَّار الْمُصَرّح بِهِ فِي قَوْله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ وَمَا احْتج بِهِ بعض الْعلمَاء من أَنه لَو فرض أَن الله أخبر بِعَدَمِ فنائها أَن ذَلِك لَا يمْنَع فناءها لِأَنَّهُ وَعِيد وإخلاف الْوَعيد من الْحسن لَا من الْقَبِيح، وَأَن الله تَعَالَى ذكر أَنه لَا يخلف وعده وَلم يذكر أَنه لَا يخلف وعيده وَأَن الشَّاعِر قَالَ: وَإِنِّي وَإِن أوعدته أَو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي فَالظَّاهِر عدم صِحَّته لأمرين: الأول: أَنه يلْزم جَوَاز ألاّ يدْخل النَّار كَافِر لِأَن الْخَبَر بذلك وَعِيد وإخلافه على هَذَا القَوْل لَا بَأْس بِهِ. الثَّانِي: أَنه تَعَالَى صرح بِحَق وعيده على من كذب رسله حَيْثُ قَالَ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيد﴾ ِ، وَقد تقرر فِي مَسْلَك النَّص من مسالك الْعلَّة أَن الْفَاء من حُرُوف التَّعْلِيل كَقَوْلِهِم "سَهَا فَسجدَ" أَي سجد لعِلَّة سَهْوه، و"سرق فَقطعت يَده" أَي لعِلَّة سَرقته فَقَوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيد﴾ أَي وَجب وُقُوع الْوَعيد عَلَيْهِم لعِلَّة تَكْذِيب الرُّسُل ونظيرها قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ . وَمن الْأَدِلَّة الصَّرِيحَة فِي ذَلِك تصريحه تَعَالَى بِأَن قَوْله لَا يُبدل فِيمَا أوعد بِهِ أهل النَّار حَيْثُ قَالَ: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ، مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾، ويستأنس لذَلِك بِظَاهِر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقّ﴾، وَقَوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ فَالظَّاهِر أَن الْوَعيد الَّذِي يجوز إخلافه وَعِيد عصاة الْمُؤمنِينَ لِأَن الله بيّن ذَلِك بقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فَإِذا تبين بِهَذِهِ النُّصُوص بطلَان جَمِيع هَذِه الْأَقْسَام تعيّن الْقسم الْخَامِس الَّذِي هُوَ خلودهم فِيهَا أبدا بِلَا انْقِطَاع وَلَا تَخْفيف بالتقسيم والسبر الصَّحِيح، وَلَا غرابة فِي ذَلِك لِأَن خبثهمْ الطبيعي دَائِم لَا يَزُول فَكَانَ جزاؤهم دَائِما لَا يَزُول، وَالدَّلِيل على أَن خبثهمْ لَا يَزُول قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ﴾ الْآيَة، فَقَوله: ﴿خَيْرًا﴾ نكرَة فِي سِيَاق الشَّرْط فَهِيَ تعم، فَلَو كَانَ فيهم خير مَا فِي وَقت مَا لعلمه الله، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾، وعودهم بعد مُعَاينَة الْعَذَاب لَا يستغرب بعده عودهم بعد مُبَاشرَة الْعَذَاب لِأَن رُؤْيَة الْعَذَاب عيَانًا كالوقوع فِيهِ لَا سِيمَا وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾، وَقَالَ: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ الْآيَة. وَعَذَاب الْكفَّار للإهانة والانتقام لَا للتطهير والتمحيص كَمَا أَشَارَ لَهُ تَعَالَى بقوله: ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾، وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ . وَالْعلم عِنْد الله تَعَالَى.] .
[ ٢ / ٦٨٦ ]
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَّابِثِينَ فِيهَآ أَحْقَابًا﴾ (١) .] (٢) .
_________________
(١) - حَيْثُ قَالَ - ﵀ - هُنَاكَ: [قَوْله تَعَالَى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ تقدم وَجه الْجمع بَينه هُوَ والآيات المشابهة لَهُ كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ مَعَ الْآيَات الْمُقْتَضِيَة لدوام عَذَاب أهل النَّار بِلَا انْقِطَاع كَقَوْلِه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدا﴾ فِي سُورَة الْأَنْعَام فِي الْكَلَام على قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّه﴾ الْآيَة فقد بَينا هُنَاكَ أَن الْعَذَاب لَا يَنْقَطِع عَنْهُم وَبينا وَجه الِاسْتِثْنَاء بِالْمَشِيئَةِ وَأما وَجه الْجمع بَين الأحقاب الْمَذْكُورَة هُنَا مَعَ الدَّوَام الأبدي الَّذِي قدمنَا الْآيَات الدَّالَّة عَلَيْهِ فَمن ثَلَاثَة أوجه: الأول: وَهُوَ الَّذِي مَال إِلَيْهِ ابْن جرير وَهُوَ الْأَظْهر عِنْدِي لدلَالَة ظَاهر الْقُرْآن عَلَيْهِ هُوَ أَن قَوْله لابثين فِيهَا أحقابا مُتَعَلق بِمَا بعده أَي لابثين فِيهَا أحقابا فِي حَال كَونهم لَا يذوقون فِيهَا بردا وَلَا شرابًا إِلَّا حميما وغساقا فَإِذا انْقَضتْ تِلْكَ الأحقاب عذبُوا بأنواع أخر من أَنْوَاع الْعَذَاب غير الْحَمِيم والغساق وَيدل لهَذَا تصريحه تَعَالَى بِأَنَّهُم يُعَذبُونَ بأنواع أخر من أَنْوَاع الْعَذَاب غير الْحَمِيم والغساق فِي قَوْله: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ . وَغَايَة مَا يلْزم على هَذَا القَوْل تدَاخل الْحَال وَهُوَ جَائِز حَتَّى عِنْد من منع ترادف الْحَال كَابْن عُصْفُور وَمن وَافقه. وإيضاحه أَن جملَة: لَا يذوقون: حَال من ضمير اسْم الْفَاعِل المستكن ونعني باسم الْفَاعِل قَوْله لابثين الَّذِي هُوَ حَال وَنَظِيره من إتْيَان جملَة فعل مضارع منفي بِلَا حَالا فِي الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ أَي فِي حَال كونكم لَا تعلمُونَ. الثَّانِي: أَن هَذِه الأحقاب لَا تَنْقَضِي أبدا رَوَاهُ ابْن جرير عَن قَتَادَة وَالربيع بن أنس وَقَالَ إِنَّه أصح من جعل الْآيَة فِي عصاة الْمُسلمين كَمَا ذهب إِلَيْهِ خَالِد بن معدان. الثَّالِث: أَنا لَو سلمنَا دلَالَة قَوْله أحقابا على التناهي والانقضاء فَإِن ذَلِك إِنَّمَا فهم من مَفْهُوم الظّرْف والتأبيد مُصَرح بِهِ منطوقا والمنطوق مقدم على الْمَفْهُوم كَمَا تقرر فِي الْأُصُول. وَقَوله خَالِد بن معدان أَن هَذِه الْآيَة فِي عصاة الْمُسلمين يردهُ ظَاهر الْقُرْآن لِأَن الله قَالَ وكذبوا بِآيَاتِنَا كذابا: وَهَؤُلَاء الْكفَّار.] .
(٢) - ٣ / ٤٤، هود / ١٠٧، وَانْظُر أَيْضا: (٤/١١) (الْكَهْف / ١: ٥)، ٤/٢١٤ - ٢١٥) (الْكَهْف / ١٠٨)، (٤/٣٦٨) (مَرْيَم / ٦٣)، (٧/٢٨٤) (الزخرف/ ٧١) لتتعرف على مَا ذكر من أَدِلَّة لبَيَان خُلُود أهل الْجنَّة. والمواضع التالية (٦/٣٥٠) (الْفرْقَان/٦٥)، (٧/٩٢ - ٩٣) (غَافِر / ٤٩)، (٧/٢٨٥- ٢٨٦) (الزخرف / ٧٧)، (٩/١٢ - ١٣) (النبأ / ٢٣: ٢٥) لتتعرف على مَا ذكر من أَدِلَّة لبَيَان خُلُود أهل النَّار. وَانْظُر أَيْضا رِسَالَة " رفع الأستار لإبطال أَدِلَّة الْقَائِلين بِفنَاء النَّار " للعلامة الصَّنْعَانِيّ، بتحقيق الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
[ ٢ / ٦٨٩ ]