فصل: تَوْحِيد الله ﷿ فِي الْعِبَادَة
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أَشَارَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إِلَى تَحْقِيقِ مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه؛ لِأَنَّ مَعْنَاهَا مُرَكَّبٌ مِنْ أَمْرَيْنِ: نَفْيٌ وَإِثْبَاتٌ.
فَالنَّفْيُ: خَلْعُ جَمِيعِ الْمَعْبُودَاتِ غَيْرِ اللَّه تَعَالَى فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ، وَالْإِثْبَاتُ: إِفْرَادُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَحْدَهُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ. وَقَدْ أَشَارَ إِلَى النَّفْيِ مِنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه بِتَقْدِيمِ الْمَعْمُولِ الَّذِي هُوَ ﴿إِيَّاكَ﴾ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ، فِي مَبْحَثِ دَلِيلِ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ مَفْهُوم الْمُخَالفَة، وَفِي الْمعَانِي فِي مَبْحَث الْقصر: أَنَّ تَقْدِيمَ الْمَعْمُولِ مِنْ صِيَغِ الْحَصْرِ. وَأَشَارَ إِلَى الْإِثْبَاتِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿نَعْبُدُ﴾ .
وَقَدْ بَيَّنَ مَعْنَاهَا الْمُشَارَ إِلَيْهِ هُنَا مُفَصَّلًا فِي آيَاتٍ أُخر كَقَوْلِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ﴾، فَصَرَّحَ بِالْإِثْبَاتِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾، وَصَرَّحَ بِالنَّفْيِ مِنْهَا فِي آخِرِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطَّاغُوتَ﴾، فَصَرَّحَ بِالْإِثْبَاتِ بِقَوْلِهِ: ﴿أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ وَبِالنَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاجْتَنِبُواْ الْطَّاغُوتَ﴾، وَكَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾، فَصَرَّحَ بِالنَّفْيِ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾، وَبِالْإِثْبَاتِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْمِن بِاللَّهِ﴾؛ وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْراهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا
[ ١ / ٢١٦ ]
تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِى فَطَرَنِى﴾، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ﴾، وَقَوله: ﴿وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾؛ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أَيْ لَا نَطْلُبُ الْعَوْنَ إِلَّا مِنْكَ وَحْدَكَ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ كُلُّهُ بِيَدِكَ وَحْدَكَ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ مِنْهُ مَعَكَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ. وَإِتْيَانُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَوَكَّلَ إِلَّا عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ بِيَدِهِ الْأَمْرُ. وَهَذَا الْمَعْنَى الْمُشَارُ إِلَيْهِ هُنَا جَاءَ مُبَيَّنًا وَاضِحًا فِي آيَاتٍ أُخر كَقَوْلِه: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ لَا اله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾، وَإِلَى غَيْرِ ذَلِكَ من الْآيَات] (١) .
- بعض الْأَدِلَّة على إِفْرَاده تَعَالَى بالألوهية (٢):
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى كُلُواْ وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي النُّهَى﴾ وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ أَرْبَعَ آيَاتٍ مِنْ آيَاتِهِ الْكُبْرَى الدَّالَّةِ عَلَى أَنه المعبود وَحده. وَمَعَ كَونهَا من
_________________
(١) - ١/ ٣٤ - ٣٥، الْفَاتِحَة / ٥، وَانْظُر (٣/٣٧٣ - ٣٧٤) (بني إِسْرَائِيل / ٩) وَقد سبق نقل عِبَارَته فِي هَذَا الْمَوْضُوع فِي مُقَدّمَة بَاب تَوْحِيد الربوبية.
(٢) - وَانْظُر أَيْضا مَا سننقله عَنهُ - ﵀ - فِي الْمَسْأَلَة التالية.
[ ١ / ٢١٧ ]
آيَاتٍ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ الْعِبَادَةَ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَهِيَ مِنَ النِّعَمِ الْعُظْمَى عَلَى بَنِي آدَمَ.
الْأُولَى: فَرْشُهُ الْأَرْضَ عَلَى هَذَا النَّمَطِ الْعَجِيبِ.
الثَّانِيَةُ: جَعْلُهُ فِيهَا سُبلًا يَمُرُّ مَعَهَا بَنُو آدَمَ وَيَتَوَصَّلُونَ بِهَا مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ.
الثَّالِثَةُ: إِنْزَالُهُ الْمَاءَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى هَذَا النَّمَطِ الْعَجِيبِ.
الرَّابِعَةُ: إِخْرَاجُهُ أَنْوَاعَ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ.
أَمَّا الْأُولَى: الَّتِي هِيَ جَعْلُهُ الْأَرْضَ مَهْدًا فَقَدْ ذَكَرَ الِامْتِنَانَ بِهَا مَعَ الِاسْتِدْلَالِ بِهَا عَلَى أَنَّهُ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا﴾، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِى مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَارًا﴾ وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ: الَّتِي هِيَ جَعْلُهُ فِيهَا سُبُلًا فَقَدْ جَاءَ الِامْتِنَانُ وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ.
كَقَوْلِهِ فِي «الزُّخْرُفِ»: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ وَقَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الدالَّة عَلَى هَذَا فِي سُورَةِ «النَّحْلِ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ .
وَأَمَّا الثَّالِثَةُ، وَالرَّابِعَةُ: وَهُمَا إِنْزَالُ الْمَاءِ مِنَ السَّمَاءِ وَإِخْرَاجُ النَّبَاتِ بِهِ مِنَ الْأَرْضِ فَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُمَا فِي الْقُرْآنِ عَلَى سَبِيلِ الِامْتِنَانِ وَالِاسْتِدْلَالِ مَعًا.
[ ١ / ٢١٨ ]
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ﴾ . وَقَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا﴾ الْتِفَاتٌ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى التَّكَلُّمِ بِصِيغَةِ التَّعْظِيمِ. وَنَظِيرُهُ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي «الْأَنْعَامِ»: ﴿وَهُوَ الَّذِى أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا﴾، وَقَوْلُهُ فِي «فَاطِرٍ»: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أنَزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾، وَقَوله فِي «النَّمْل»: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ .
وَهَذَا الِالْتِفَاتُ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى التَّكَلُّمِ بِصِيغَةِ التَّعْظِيمِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ كُلِّهَا فِي إِنْبَاتِ النَّبَاتِ يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ شَأْنِ إِنْبَاتِ النَّبَاتِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ ينزل المَاء وَلم ينْبت شَيْئا لَهَلَكَ النَّاسُ جُوعًا وَعَطَشًا. فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى عَظَمَتِهِ جَلَّ وَعَلَا، وَشِدَّةِ احْتِيَاجِ الْخَلْقِ إِلَيْهِ وَلُزُوم طاعتهم لَهُ جلّ وَعلا ] (١) .
وَقَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ. هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . جَاءَتْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ: ذِكْرُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ مَرَّتَيْنِ، كَمَا ذُكِرَ فِيهَا أَيْضًا تَسْبِيحُ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ، وَذُكِرَ مَعَهُمَا العديد من أَسمَاء الله
_________________
(١) - ٤/٤٥٥: ٤٥٩، طه / ٥٣- ٥٤.
[ ١ / ٢١٩ ]
الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا، فَكَانَتْ بِذَلِكَ مُشْتَمِلَةً عَلَى ثَلَاثِ قَضَايَا أَهَمِّ قَضَايَا الْأَدْيَانِ كُلِّهَا مَعَ جَمِيعِ الْأُمَمِ وَرُسُلِهِمْ، لِأَنَّ دَعْوَةَ الرُّسُلِ كُلَّهَا فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَتَنْزِيهِهِ، وَالرَّدِّ عَلَى مُفْتَرَيَاتِ الْأُمَمِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.
فَالْيَهُودُ قَالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ.
وَالنَّصَارَى قَالُوا الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ.
وَالْمُشْرِكُونَ قَالُوا: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾، ﴿وَجَعَلُواْ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾، وَقَالُوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ .
فَكُلُّهُمُ ادَّعَى الشَّرِيكَ مَعَ اللَّهِ، وَقَالُوا: ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَغَيْرَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ فِي قَضِيَّةِ التَّنْزِيِهِ، فَالْيَهُودُ قَالُوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾، وَقَالُوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ .
وَالْمُشْرِكُونَ قَالُوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾، وَنَسَبُوا لِلَّهِ مَا لَا يَرْضَاهُ أَحَدُهُمْ لِنَفْسِهِ، وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا، فِي الْوَقْت الَّذِي إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بالأُنثى ظلَّ وجهُه مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ.
وَهَذَا كَمَا تَرَاهُ أَعْظَمُ افْتِرَاءٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ سَجَّلَهُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًامَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لأبَآئِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾ وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، وَقَالَ مُبَيِّنًا جُرْمَ مَقَالَتِهِمْ، ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ .
[ ١ / ٢٢٠ ]
فَكَانَتْ تِلْكَ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ عِلَاجًا فِي الْجُمْلَةِ لِتِلْكَ الْقَضَايَا الثَّلَاثِ، تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَتَوْحِيدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَتَنْزِيهِ اللَّهِ ﷾ مَعَ إِقَامَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَيْهَا.
وَقَدِ اجْتَمَعَتْ مَعًا لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ أَحَدُهَا إِلَّا بِالْآخَرَيْنِ، لِيَتِمَّ الْكَمَالُ لِلَّهِ تَعَالَى.
قَالَ أَبُو السُّعُودِ: إِنَّ الْكَمَالَاتِ كُلَّهَا مَعَ كَثْرَتِهَا وَتَشَعُّبِهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الْكَمَالِ فِي الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ اهـ.
وَهَذَا كُلُّهُ مُتَوَفِّرٌ فِي هَذَا السِّيَاقِ، وَقَدْ بَدَأَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، لِأَنَّهَا الْأَصْلُ، لِأَنَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ آمن بِكُل مَا جَاءَ عَن الله، وآمن بِاللَّهِ عَلَى مَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَنَزَّهَهُ عَمَّا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ثُمَّ أَعْقَبَهُ بِالدَّلِيلِ عَلَى إِفْرَادِهِ تَعَالَى بِالْأُلُوهِيَّةِ بِمَا لَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ .
وَهَذَا الدَّلِيلُ نَصٌّ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ دَلِيلٌ لِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَآ إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ وَوَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ هُنَا تُسَاوِي عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ الَّذِى يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِى السَّمَوَات وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ . وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ .
وَهَذَا قَطْعًا لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ﴾ فَكَانَ مِنْ حَقِّهِ عَلَى خَلْقِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَجَاءَ بِدَلِيلٍ ثَانٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ صَرَاحَةً أَيْضًا كَدَلِيلٍ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ
[ ١ / ٢٢١ ]
لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ فَهُوَ رَحْمَن الدُّنْيَا وَرَحِيمُ الْآخِرَةِ.
وَمِنْ رَحْمَتِهِ الَّتِي اخْتَصَّ بِهَا فِي الدُّنْيَا قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أَيْ: بِإِنْزَالِهِ الْغَيْثَ وَإِنْبَاتِ النَّبَاتِ مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا هُوَ فَكَانَ حَقُّهُ عَلَى خَلْقِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
وَقَدْ جَمَعَ الدَّلِيلَيْنِ الْعِلْمَ وَالرَّحْمَةَ مَعًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ .
ثُمَّ جَاءَتْ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ مَرَّةً أُخْرَى، ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾، وَجَاءَ بَعْدَهَا مِنَ الصِّفَاتِ الْجَامِعَةِ قَوْلُهُ: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾، وَهَذَا الدَّلِيلُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ تَعَالَى نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ صَرِيحًا فِي قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُو يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ فَالَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ هُوَ الْمَلِكُ الْحَقُّ الْكَامِلُ الْمُلْكِ، وَهُوَ الَّذِي يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مُلْكِهِ كَمَا يَشَاءُ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ وَحْدَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿تَبَارَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحياةَ﴾ وَهُوَ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ عَلَى مُلْكِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ أَيْضًا ﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾ فَالْقَيُّومُ هُوَ الْمُهَيْمِنُ وَالْقَائِمُ بِكُلِّ نَفْسٍ، الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ، ثُمَّ جَاءَ بِالدَّلِيلِ الْأَعْظَمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَوِّرُ﴾ فَهُوَ وَحْدَهُ الْمُتَفَرِّدُ بِالْخَلْقِ وَالْإِيجَادِ، وَالْإِبْدَاعِ وَالتَّصْوِيرِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿ذلكمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ
[ ١ / ٢٢٢ ]
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ .
وَذَكَرَ أَيْضًا الْخَلْقَ مُفَصَّلًا وَالْمُلْكَ مُجْمَلًا فِي قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِى ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ وَقَالَ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ وَجَمَعَ الْمُلْكَ وَالْخَلْقَ مَعًا فِي قَوْله ﴿الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِى المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَمَنْ تَأَمَّلَ بَرَاهِينَ الْقُرْآنِ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى قُدْرَتِهِ، عَلَى الْبَعْثِ وَهُمَا أَهَمُّ الْقَضَايَا الْعَقَائِدِيَّةِ يَجِدُ أَهَمَّهَا وَأَوْضَحَهَا وَأَكْثَرَهَا، هُوَ هَذَا الدَّلِيلَ، أَعْنِي دَلِيلَ الْخَلْقِ وَالتَّصْوِيرِ.
وَقَدْ جَاءَ هَذَا الدَّلِيلُ فِي الْقُرْآنِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، فَمِنَ الْإِجْمَالِ مَا جَاءَ فِي أَصْلِ الْمَخْلُوقَاتِ جَمِيعًا ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾، وَقَالَ: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ثُمَّ قَالَ ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ وَقَالَ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحياةَ﴾ أَيْ خَالِقُ الْإِيجَادِ وَالْعَدَمِ، وَخَلْقُ الْعَدَمِ يُسَاوِي فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْقُدْرَةِ خَلْقَ الْإِيجَادِ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِعْدَامِ مَا أَوْجَدَ يَكُونُ الْمَوْجُودُ مُسْتَعْصِيًا عَلَيْهِ، فَيَكُونُ عَجْزًا فِي الْمُوجِدِ لَهُ، كَمَنْ يُوجِدُ الْيَوْمَ سِلَاحًا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إِعْدَامِهِ، وَإِبْطَالِ مَفْعُولِهِ، فَقَدْ يَكُونُ سَبَبًا فِي إِهْلَاكِهِ، وَلَا تَكْتَمِلُ الْقُدْرَةُ حَقًّا إِلَّا بِالْخَلْقِ وَالْإِعْدَامِ مَعًا، وَقَالَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: ﴿الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ
[ ١ / ٢٢٣ ]
الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ .
وَقَالَ فِي خَلْقِ الْأَفْلَاكِ وَتَنْظِيمِهَا: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ . ثُمَّ فِي أُصُولِ الْمَوْجُودَاتِ فِي الْأَرْضِ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ .
وَفِي أُصُولِ الْأَجْنَاسِ: الْمَاءُ وَالنَّارُ وَالنَّبَاتُ وَالْإِنْسَانُ، قَالَ: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ .
وَذَكَرَ مَعَهُ الْقُدْرَةَ عَلَى الْإِعْدَامِ: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ .
وَفِي أُصُولِ النَّبَاتِ: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَارِعُونَ﴾ .
وَفِي أُصُولِ الْمَاءِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾ .
وَفِي أُصُولِ تَطْوِيرِ الْحَيَاةِ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِى تُورُونَ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ﴾ .
وَفِي جَانِبِ الْحَيَوَانِ ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ .
وَلِهَذَا فَقَدْ تَمَدَّحَ تَعَالَى بِهَذِهِ الصِّفَةِ، صِفَةِ الْخلق، وسفة آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ بِالْعَجْزِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِى الأَرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَمْ تَخْلُقْ شَيْئًا كَمَا قَالَ تَعَالَى مُوَبِّخًا لَهُمْ: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وَبَيَّنَ أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ
[ ١ / ٢٢٤ ]
كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾، ثُمَّ بَيَّنَ نِهَايَةَ ضَعْفِهَا وَعَجْزِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لًاّنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُورًا﴾ وَهَذَا غَايَةُ الْعَجْزِ. كَمَا ضَرَبَ لِذَلِكَ الْمَثَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ فَهُمْ حَقًّا لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَلَوْ بِقَدْرِ الذُّبَابَةِ؟ وَهَكَذَا تَرَى صِفَةَ الْخَلْقِ الْمُتَّصِفِ بِهَا ﷾ أَعْظَمَ دَلِيلٍ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ صِفَةَ التَّصْوِيرِ وَالْعِلْمِ لِأَنَّ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ صُورَةً تَخُصُّهُ؟ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ عِلْمٍ بِالْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَهَكَذَا أَيْضًا كَانَ هَذَا الدَّلِيلُ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى الْبَعْثِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحىِ الْعِظَامَ وَهِىَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِى أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى صَرِيحًا فِي ذَلِكَ وَنَصًّا عَلَيْهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي المَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي القُبُورِ﴾ .
[ ١ / ٢٢٥ ]
ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ جَاحِدَ هَذَا الدَّلِيلِ إِنَّمَا هُوَ مُكَابِرٌ جَاهِلٌ، ضَالٌّ مُضِلٌّ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ بَعْدَهُ مُبَاشَرَةً: ﴿ومِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ ثَانِىَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِى الدُّنْيَا خِزْىٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلعَبِيدِ﴾ .
وَمن هُنَا كَانَ أَوَّلُ نِدَاءٍ فِي الْمُصْحَفِ يُوَجَّهُ إِلَى النَّاسِ جَمِيعًا بِعِبَادَةِ اللَّهِ كَانَ لِاسْتِحْقَاقِهِ عِبَادَتَهُ وَحْدَهُ، لِأَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِصِفَةِ الْخَلْقِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . أَيْ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا لَهُ بِأَنْدَادٍ فِيمَا اتَّصَفَ بِهِ سُبْحَانَهُ فَلَا تُشْرِكُوهُمْ مَعَ اللَّهِ فِي عِبَادَتِهِ.
فَكَانَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ لِلَّهِ تَعَالَى فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ حَقًّا أَدِلَّةً عَلَى إِثْبَاتِ وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَنَّهُ الْمُسْتَحَقُّ لِأَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ] (١) .
- صِفَات من يسْتَحق الْعِبَادَة وَمن لَا يَسْتَحِقهَا.
[قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًى﴾ . صِيغَةُ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: خَلَقْنَا لِلتَّعْظِيمِ.
وَقَوْلُهُ: إِلَّا بِالْحَقِّ أَي خلقا متلبسًا بِالْحَقِّ.
_________________
(١) - ٨/١٠٨: ١١٧، الْحَشْر / ٢٢: ٢٤. وَهَذَا الْمقَال قد أثْبته هُنَا كَامِلا لربط عباراته، وَعدم قطع تسلسلها، وَقد سبق نقل صَدره عِنْد الْكَلَام على بَيَان تلازم أَنْوَاع التَّوْحِيد، وَنقل جملا من أَثْنَائِهِ عِنْد الْكَلَام على صفة الْخلق، وتضمنها لصفة التَّصْوِير.
[ ١ / ٢٢٦ ]
وَالْحَقُّ ضِدُّ الْبَاطِلِ، وَمَعْنَى كَوْنِ خَلْقِهِ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مُتَلَبِّسًا بِالْحَقِّ أَنَّهُ خَلَقَهُمَا لِحَكَمٍ بَاهِرَةٍ، وَلَمْ يَخْلُقْهُمَا بَاطِلًا، وَلَا عَبَثًا، وَلَا لَعِبًا، فَمِنَ الْحَقِّ الَّذِي كَانَ خَلْقُهُمَا مُتَلَبِّسًا بِهِ، إِقَامَةُ الْبُرْهَانِ، عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْوَاحِدُ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ جَلَّ وَعَلَا، كَمَا أَوْضَحَ ذَلِكَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ لَا تَكَادُ تُحْصِيهَا فِي الْمُصْحَفِ الْكَرِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْبَقَرَةِ ﴿وَالهكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ثُمَّ أَقَامَ الْبُرْهَانَ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْإِلَهُ الْوَاحِد بقوله بعده: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الَليْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَتِي تَجْرِي فِي البَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
فَتَلَبُّسُ خَلْقِهِ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِالْحَقِّ وَاضِحٌ جِدًّا، مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وَالهكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾، لِأَنَّ إِقَامَةَ الْبُرْهَانِ الْقَاطِعِ عَلَى صِحَّةِ مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ هُوَ أَعْظَمُ الْحق.
وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ
الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ فِيهِ مَعْنَى الْإِثْبَاتِ مِنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
وَقَوْلُهُ ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى النَّفْيِ مِنْهَا عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ وَأَتَمِّهِ.
وَقَدْ أَقَامَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا الْبُرْهَانَ الْقَاطِعَ، عَلَى صِحَّةِ مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، بِخَلْقِهِ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ ﴿الَّذِىْ خَلَقَكُمْ
[ ١ / ٢٢٧ ]
وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءً﴾ .
وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ مَا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِأَعْظَمِ الْحَقِّ، الَّذِي هُوَ إِقَامَةُ الْبُرْهَانِ الْقَاطِعِ، عَلَى تَوْحِيدِهِ جَلَّ وَعَلَا، وَمِنْ كَثْرَةِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ، الدَّالَّةِ عَلَى إِقَامَةِ هَذَا الْبُرْهَانِ، الْقَاطِعِ الْمَذْكُورِ، عَلَى تَوْحِيدِهِ جَلَّ وَعَلَا، عُلِمَ مِنِ اسْتِقْرَاءِ الْقُرْآنِ، أَنَّ الْعَلَامَةَ الْفَارِقَةَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ، وَبَيْنَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا، هِيَ كَوْنُهُ خَالِقًا لِغَيْرِهِ، فَمَنْ كَانَ خَالِقًا لِغَيْرِهِ، فَهُوَ الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ، وَمَنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ شَيْءٍ، فَهُوَ مَخْلُوقٌ مُحْتَاجٌ، لَا يَصِحُّ أَنْ يُعْبَدَ بِحَالٍ.
فَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْبَقَرَة الْمَذْكُورَة آنِفا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ .
فَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِىْ خَلَقَكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَعْبُودَ هُوَ الْخَالِقُ وَحْدَهُ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ . يَعْنِي وَخَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ هُوَ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ.
وَقَدْ أَوْضَحَ تَعَالَى هَذَا فِي سُورَةِ النَّحْلِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ فِيهَا الْبَرَاهِينَ الْقَاطِعَةَ، عَلَى تَوْحِيدِهِ جَلَّ وَعَلَا، فِي قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ .
وَذَلِكَ وَاضِحٌ جِدًّا فِي أَنَّ مَنْ يَخْلُقُ غَيْرَهُ هُوَ الْمَعْبُودُ وَأَنَّ مَنْ لَا يَخْلُقُ شَيْئًا لَا يَصِحُّ أَنْ يُعْبَدَ.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى بعده قَرِيبًا مِنْهُ ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ .
[ ١ / ٢٢٨ ]
وَقَالَ تَعَالَى فِي الْأَعْرَافِ ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى فِي الْحَج ﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُواْ لَهُ﴾ أَي وَمن لم يَقْدِرُ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعْبُودًا بِحَالٍ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الاّعْلَى الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى﴾ .
وَلَمَّا بَيَّنَ تَعَالَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْفُرْقَانِ، صِفَاتِ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ، وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ.
قَالَ فِي صِفَاتِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَة: ﴿الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِى المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ .
وَقَالَ فِي صِفَاتِ مَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُعْبَدَ ﴿وَاتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ .
وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا وَكُلُّ تِلْكَ الْآيَاتِ تَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى مَا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِالْحَقِّ.
وَقَدْ بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا أَنَّ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَبَينهمَا، خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِهِ، تَعْلِيمَهُ خَلْقَهُ
أَنَّهُ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِّتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمَا﴾ .
فَلَامُ التَّعْلِيلِ فِي قَوْلِهِ: لِتَعْلَمُوا مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّهُ مَا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ، وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ، وَجَعَلَ الْأَمْرَ يَتَنَزَّلُ بَيْنَهُنَّ، إِلَّا خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِالْحَقِّ.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وَمِنَ الْحَقِّ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِهِ، هُوَ تَكْلِيفُ الْخَلْقِ، وَابْتِلَاؤُهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، ثُمَّ جَزَاؤُهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ هُودٍ: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ .
فَلَامُ التَّعْلِيلِ فِي قَوْله: ليَبْلُوكُمْ مُتَعَلقَة بقوله ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّهُ مَا خَلَقَهُمَا إِلَّا خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِالْحَقِّ.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ الْكَهْفِ ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ الْمُلْكِ: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ .
وَمِمَّا يُوَضِّحُ أَنَّهُ مَا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ إِلَّا خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِالْحَقِّ، قَوْلُهُ تَعَالَى فِي آخِرِ الذَّارِيَاتِ ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ﴾ .
سَوَاءٌ قُلْنَا: إِنَّ مَعْنَى إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أَيْ لِآمُرَهُمْ بِعِبَادَتِي فَيَعْبُدُنِي السُّعَدَاءُ مِنْهُمْ، لِأَنَّ عِبَادَتَهُمْ يَحْصُلُ بِهَا تَعْظِيمُ اللَّهِ وَطَاعَتُهُ، وَالْخُضُوعُ لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُواْ فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأمُونَ﴾ .
أَوْ قُلْنَا: إِنَّ مَعْنَى إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أَيْ إِلَّا لِيُقِرُّوا لِي بِالْعُبُودِيَّةِ، وَيَخْضَعُوا وَيُذْعِنُوا لِعَظَمَتِي، لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ طَوْعًا، وَالْكُفَّارُ يذعنون لقهره وسلطانه تَعَالَى كرها ] (١) .
_________________
(١) - ٧/٣٦٥: ٣٦٩، الْأَحْقَاف /٣، وَانْظُر أَيْضا (٧/٣٧٢ - ٣٧٣) (الْأَحْقَاف/٤) .
[ ١ / ٢٣٠ ]
- أصُول النعم وشكر الْمُنعم.
[نِعَمَ اللَّهِ عَدِيدَةٌ، كَمَا قَالَ: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ﴾ .
وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّمْثِيلِ لَا الْحَصْرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لاَ تُحْصُوهَآ﴾ .
وَأُصُولُ هَذِهِ النِّعَمُ أَوُّلُهَا الْإِسْلَامُ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِينًا﴾ .
وَيَدْخُلُ فِيهَا نِعَمُ التَّشْرِيعِ وَالتَّخْفِيفِ، عَمَّا كَانَ عَلَى الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ.
كَمَا يَدْخُلُ فِيهَا نِعْمَةُ الْإِخَاءِ فِي اللَّهِ ﴿وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾، وَغَيْرُ ذَلِكَ كثيرا.
وَثَانِيهَا: الصِّحَّةُ، وَكَمَالُ الْخِلْقَةِ وَالْعَافِيَةِ، فَمِنْ كَمَالِ الْخِلْقَةِ الْحَوَاسُّ ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا
وَشَفَتَيْنِ﴾ . ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ .
وَثَالِثُهَا: الْمَالُ فِي كَسْبِهِ وَإِنْفَاقِهِ سَوَاءٌ، فَفِي كَسْبِهِ مِنْ حِلِّهِ نِعْمَةٌ، وَفِي إِنْفَاقِهِ فِي أَوْجُهِهِ نِعْمَةٌ.
هَذِهِ أُصُولُ النِّعَمِ، فَمَاذَا يُسْأَلُ عَنْهُ، مِنْهَا جَاءَتِ السُّنَّةُ بِأَنَّهُ سَيُسْأَلُ عَنْ كُلِّ ذَلِكَ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا.
أَمَّا عَنِ الدِّينِ وَالْمَالِ وَالصِّحَّةِ، فَفِي مُجْمَلِ الْحَدِيثِ «إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة، لَا تزل قَدَمُ عَبْدٍ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ عَمَلٌ بِهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أنفقهُ، وَعَن شبابه فيمَ أفناه» (١) .
_________________
(١) - أخرجه التِّرْمِذِيّ (٤/٦١٢) (٢٤١٦) من حَدِيث ابْن مَسْعُود رَضِي اله عَنهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نعرفه من حَدِيث ابْن مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا من حَدِيث الْحُسَيْن بن قيس وحُسَيْن بن قيس يضعف فِي الحَدِيث من قبل حفظه. وَفِي الْبَاب عَن أبي بَرزَة وأبي سعيد. والْحَدِيث حسنه الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
[ ١ / ٢٣١ ]
وَلِعِظَمِ هَذِهِ الْآيَةِ وَشُمُولِهِا، فَإِنَّهَا أَصْبَحَتْ مِنْ قَبِيلِ النُّصُوصِ مَضْرِبَ الْمَثَلِ، فَقَدْ فَصَّلَتِ السُّنَّةُ جُزْئِيَّاتِ مَا كَانَتْ تَخْطُرُ بِبَالِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَقَدْ أَوْرَدَ الْقُرْطُبِيُّ مَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: «مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟» قَالَا: الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «وَأَنَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهَا لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا، قُومُوا» فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ: مَرْحَبًا! وَأَهْلًا! فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيْنَ فُلَانٌ؟» قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ أَيْ يَطْلُبُ مَاءً عَذْبًا. إِذْ جَاءَ الأَنصاريُّ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، مَا أحدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمُ أَضْيَافًا مِنِّي. قَالَ: فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعذْق فِيهِ بُسْرٌ وتمرٌ ورُطبٌ، فَقَالَ: كُلُّوا مِنْ هَذِهِ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِيَّاكَ والحَلوب، فَذَبَحَ لَهُمْ. فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ، وَمِنْ ذَلِكَ العِذق، وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرووا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ وَعمر: «وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهَا لتُسأَلن عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ» وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ فِيهِ: «هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ظِلٌّ بَارِدٌ وَرَطْبٌ طَيِّبٌ، وَمَاءٌ بَارِدٌ» وَكَنَّى الرَّجُلُ الَّذِي مِنَ الْأَنْصَار، فَقَالَ: أَبُو الْهَيْثَم بن التيهَان. (١)
_________________
(١) - أخرجه مُسلم (٣/١٦٠٩) (٢٠٨٣)، وَالتِّرْمِذِيّ (٤/٥٨٢) (٢٣٦٩)، وَقَالَ: حسن صَحِيح غَرِيب.
[ ١ / ٢٣٢ ]
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قُلْتُ: اسْمُ هَذَا الرَّجُلِ مَالِكُ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَيُكَنَّى أَبَا الْهَيْثَمِ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ هَذِهِ الْقِصَّةَ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ.
وَمِنْهَا: عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَخَذَ بِالْفَرَقِ وَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، وَقَالَ: «إِنَّا لمسؤولون عَنْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: خِرْقَةٍ لَفَّ الرَّجُلُ بِهَا عَوْرَتَهُ، أَوْ كِسْرَةٍ سَدَّ بِهَا جَوْعَتَهُ، أَوْ جُحْرٍ يَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الْحَرِّ وَالْقَرِّ» (١) .
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: إِنَّ مَا سَدَّ الْجُوعَ، وَسَتَرَ الْعَوْرَةَ مِنْ خَشِنِ الطَّعَامِ، لَا يُسْأَلُ عَنْهُ الْمَرْءُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، وَإِنَّمَا يُسْأَلُ عَنِ النَّعِيمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ أَسْكَنَ آدَمَ الْجَنَّةَ فَقَالَ لَهُ: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تَضْحَى﴾ .
فَكَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الْأَرْبَعَةُ مَا يُسَدُّ بِهِ الْجُوعُ، وَمَا يُدْفَعُ بِهِ الْعَطَشُ، وَمَا يُسْكَنُ فِيهِ مِنَ الْحَرِّ وَيُسْتَرُ بِهِ عَوْرَتُهُ، لِآدَمَ ﵇ بِالْإِطْلَاقِ، لَا حِسَابَ عَلَيْهِ فِيهَا لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا.
وَذُكِرَ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا بِسَنَدِهِ «أَنَّهُمْ كَانُوا جُلُوسًا فَطَلَعَ عَلَيْهِمُ النَّبي ﷺ وَعَلَى رَأْسِهِ أَثَرُ مَاءٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَاكَ طَيِّبَ النَّفْسِ؟ قَالَ: أَجَلْ، قَالَ: خَاضَ النَّاسُ فِي ذِكْرِ الْغِنَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا بَأْسَ بِالْغِنَى لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ، وَالصِّحَّةُ لِمَنِ اتَّقَى اللَّه، خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى، وَطِيبُ النَّفْسِ مِنَ النِّعَمِ» (٢) .
قَالَ: وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَن أبي هُرَيْرَة (٣) .
_________________
(١) - أخرجه أَحْمد (٥/٨١)، وَحسنه الشَّيْخ الألباني - ﵀ - فِي صَحِيح التَّرْغِيب.
(٢) - أخرجه أَحْمد (٥/٣٧٢)، وَابْن مَاجَه (٢/٧٢٤) (٢١٤١) من حَدِيث معَاذ بن عبد الله بن خبيب عَن أَبِيه عَن عَمه مَرْفُوعا بِهِ، وَحسن إِسْنَاده الأرناؤوط، وَصَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
(٣) - لم أَقف عَلَيْهِ عِنْد ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -.
[ ١ / ٢٣٣ ]
وَبِهَذَا، فَقَدْ ثَبَتَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَنَّ النَّعِيمَ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ السُّؤَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا يَتَنَعَّمُ بِهِ الْإِنْسَانُ فِي الدُّنْيَا، حِسًّا كَانَ أَوْ مَعْنًى.
حَتَّى قَالُوا: النَّوْمُ مَعَ الْعَافِيَةِ، وَقَالُوا: إِنَّ السُّؤَالَ عَامٌّ لِلْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ، فَهُوَ لِلْكَافِرِ تَوْبِيخٌ وَتَقْرِيعٌ وَحِسَابٌ، وَلِلْمُؤْمِنِ تَقْرِيرٌ بِحَسَبِ شُكْرِ النِّعْمَةِ وَجُحُودِهَا وَكَيْفِيَّةِ تَصْرِيفِهَا. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَكُلُّ ذَلِكَ يُرَادُ مِنْهُ الْحَثُّ عَلَى شُكْرِ النِّعْمَةِ، وَالْإِقْرَارِ لِلْمُنْعِمِ وَالْقِيَامِ بِحَقِّهِ سُبْحَانَهُ فِيهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ نَبِيِّ اللَّه: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَالِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِى إِنَّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّى مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ .
اللَّهم أَوْزِعْنَا شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْعَمْتَ بِهِ عَلَيْنَا عَوْنًا لَنَا عَلَى طَاعَتِكَ.] (١) .
- الله - ﷿ - لَا تَنْفَعهُ طَاعَتك، وَلَا تضره معصيتك.
[اللَّه ﵎ يَأْمُرُ الْخَلْقَ وَيَنْهَاهُمْ؛ لَا لِأَنَّهُ تَضُرُّهُ مَعْصِيَتُهُمْ وَلَا تَنْفَعُهُ طَاعَتُهُمْ، بَلْ نَفْعُ طَاعَتِهِمْ لَهُمْ وَضَرَرُ مَعْصِيَتِهِمْ عَلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾، وَقَالَ: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا﴾، وَقَالَ: ﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ .
وَثَبَتَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْ رَسُولِ اللَّه ﷺ، فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِك
من ملكي
_________________
(١) - ٩/٤٨٢: ٤٨٧، التكاثر/٨.
[ ١ / ٢٣٤ ]
شَيْئا» الحَدِيث (١) .] (٢) .
- الْإِقْرَار بالربوبية يسْتَلْزم الِاعْتِرَاف بِعِبَادَتِهِ وَحده:
[وَإِقْرَارُهُمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ تَعَالَى يُلْزِمُهُ الِاعْتِرَافَ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَالْعلم بذلك.] (٣) .
_________________
(١) - أخرجه مُسلم (٤/١٩٩٤) (٢٥٧٧) مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ - ﵁ -.
(٢) - ١/٢٤٧، آل عمرَان /٩٧.
(٣) - ٦/٦٢٠ - ٦٢١، سبأ/٢٤.
[ ١ / ٢٣٥ ]
فصل: معنى " لَا إِلَه إِلَّا الله "
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطَّاغُوتَ﴾ . ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنه بَعَثَ فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَاجْتِنَابِ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ.
وَهَذَا هُوَ مَعْنَى «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، لِأَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ، فَنَفْيُهَا هُوَ خَلْعُ جَمِيعِ المعبودات غير الله تَعَالَى فِي جَمِيع أَنْوَاع الْعِبَادَاتِ، وَإِثْبَاتُهَا هُوَ إِفْرَادُهُ جَلَّ وَعَلَا بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ بِإِخْلَاصٍ، عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي شَرَعَهُ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ.
وَأَوْضَحَ هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرًا فِي الْقُرْآنِ عَنْ طَرِيقِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ. فَمِنَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ مَعَ عُمُومِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَمِنَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ مَعَ الْخُصُوصِ فِي إِفْرَادِ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَهُوَ طَاغُوتٌ. وَلَا تَنْفَعُ عِبَادَةُ اللَّهِ إِلَّا بِشَرْطِ اجْتِنَابِ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ. كَمَا بَيَّنَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ
[ ١ / ٢٣٦ ]
بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾، إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات.] (١) .
وَقَالَ أَيْضا: [قَوْله: ﴿قُلْ إِنَّمَآ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَآ الهكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ فَقَدْ أمَر فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ مَحْصُورٌ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّوْحِيدِ. لِشُمُولِ كَلِمَةِ «لَا إِلَهَ إلاَّ اللَّهُ» لِجَمِيعِ مَا جَاءَ فِي الكُتب. لِأَنَّهَا تَقْتَضِي طَاعَةَ اللَّهِ بِعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ. فَيَشْمَلُ ذَلِكَ جَمِيعَ الْعَقَائِدِ وَالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَمَا
يتْبع ذَلِكَ مِنْ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ، وَالْآيَاتُ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّوْحِيدِ كَثِيرَة.] (٢) .
- الْأَمر باجتناب عبَادَة غير الله - تَعَالَى -، وَمعنى الطاغوت.
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُواْ الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ . «مِنْ» فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَيَانِيَّةٌ. وَالْمَعْنَى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هُوَ الْأَوْثَانُ: أَيْ عِبَادَتَهَا، وَالرِّجْسُ: الْقَذَرُ الَّذِي تَعَافُهُ النُّفُوسُ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الْأَمْرُ بِاجْتِنَابِ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَيَدْخُلُ فِي حُكْمِهَا، وَمَعْنَاهَا عِبَادَةُ كُلِّ مَعْبُودٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ.
وَهَذَا الْأَمْرُ بِاجْتِنَابِ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ هُنَا، جَاءَ مُبَيَّنًا فِي آيَات كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطَّاغُوتَ﴾ وبيَّن تَعَالَى أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ إِيمَانِهِ بِاللَّهِ فِي قَوْله:
_________________
(١) - ٣/٢٤٤ - ٢٤٥، النَّحْل/٣٦، وَانْظُر (١/٣٤ - ٣٥ الْفَاتِحَة / ٥)، (٢/٤٢٩- ٤٣٠) (يُونُس/٣١)، (٣/٧، ٨) (هود/٢)، (٧/٢٣١) (الزخرف/٢٨: ٣٠)، (٧/٣٣٦) (الْأَحْقَاف / ٣)، (٩/٦٦٠) (النَّاس/٣١) .
(٢) - ٣/٣٧٤، بني إِسْرَائِيل/٩.
[ ١ / ٢٣٧ ]
﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وَأَثْنَى اللَّهُ عَلَى مُجْتَنِبِي عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ الْمُنِيبِينَ لِلَّهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ لَهُمُ الْبُشْرَى، وَهِيَ مَا يَسُرُّهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُواْ الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُواْ إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ . وَقَدْ سَأَلَ إِبْرَاهِيمُ رَبَّهُ أَنْ يَرْزُقَهُ اجْتِنَابَ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ، فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ وَالْأَصْنَامُ، تَدْخُلُ فِي الطَّاغُوتِ دُخُولا أوليًا.] (١) .
وَقَالَ أَيْضا: [وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَهُوَ طَاغُوتٌ. وَلَا تَنْفَعُ عِبَادَةُ اللَّهِ إِلَّا بِشَرْطِ اجْتِنَابِ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ. كَمَا بَيَّنَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾، إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات.] (٢) .
وَقَالَ أَيْضا: [﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: ﴿الطَّاغُوتَ﴾ الشَّيْطَانُ وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا ذلكمُ الشَّيْطَانُ يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ﴾، أَيْ يُخَوِّفُكُمْ مِنْ أَوْلِيَائِهِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أُوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾، وَقَوله: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء﴾، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ كُلَّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّه فَهُوَ طَاغُوتٌ وَالْحَظُّ الْأَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى بَنِى آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشَّيطَانَ﴾،
_________________
(١) - ٥/٦٨٨- ٦٨٩، الْحَج / ٣٠.
(٢) - ٣/٢٤٥، النَّحْل/٣٦.
[ ١ / ٢٣٨ ]
وَقَالَ: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾، وَقَالَ عَنْ خَلِيله إِبْرَاهِيم: ﴿سَوِيًّا ياأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾، وَقَالَ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَات.] (١) .
- من لَوَازِم النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ.
وَقَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [الْوَاقِع أَن الْعَمَل بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة - أَي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ هُوَ مِنْ لَوَازِمِ نُطْقِ الْمُسْلِمِ بِالشَّهَادَتَيْنِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، اعْتِرَافٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْأُلُوهِيَّةِ وَبِمُسْتَلْزَمَاتِهَا، وَمِنْهَا إِرْسَالُ الرُّسُلِ إِلَى خَلْقِهِ، وَإِنْزَالُ كُتُبِهِ وَقَوْلَهُ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، اعْتِرَافٌ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ اللَّهِ لِخَلْقِهِ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخْذَ بِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ هَذَا الرَّسُولُ الْكَرِيمُ مِنَ اللَّهِ ﷾، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ إِلَّا بِمَا جَاءَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَا يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ بِمَا نَهَاهُ عَنْهُ رَسُولُ الله، فَهِيَ بِحَق مستلزمة لِلنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ فَرَبَطَ مَرَدَّ الْخِلَافِ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْيَوْم الآخر.] (٢) .
- الإتباع عَلامَة الْمحبَّة.
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ صرح تَعَالَى
_________________
(١) - ١/١٩٩، الْبَقَرَة / ٢٥٧.
(٢) - ٨/٦٧ - ٦٨، الْحَشْر/ ٧.
[ ١ / ٢٣٩ ]
فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ اتِّبَاعَ نَبِيِّهِ مُوجِبٌ لِمَحَبَّتِهِ جَلَّ وَعَلَا ذَلِكَ الْمُتَّبِعِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ طَاعَةَ رَسُولِهِ ﷺ هِيَ عَيْنُ طَاعَتِهِ تَعَالَى، وَصَرَّحَ بِهَذَا الْمَدْلُولِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ﴾ .
تَنْبِيهٌ
يُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ عَلَامَةَ الْمَحَبَّةِ الصَّادِقَةِ للَّه وَرَسُولِهِ ﷺ هِيَ اتِّبَاعُهُ ﷺ، فَالَّذِي يُخَالِفُهُ وَيَدَّعِي أَنَّهُ يُحِبُّهُ فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ؛ إِذْ لَوْ كَانَ مُحِبًّا لَهُ لَأَطَاعَهُ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَنَّ الْمَحَبَّةَ تستجلب الطَّاعَة، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لَأَطَعْتَهُ إِنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ
وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِي:
وَمَنْ لَوْ نَهَانِي مِنْ حُبِّهِ عَنِ الْمَاءِ عَطْشَانَ لَمْ أَشْرَبِ
وَقَدْ أَجَادَ مَنْ قَالَ:
قَالَتْ: وَقَدْ سَأَلَتْ عَنْ حَالِ عَاشِقِهَا باللَّه صِفْهُ وَلَا تَنْقُصْ وَلَا تَزِدِ
فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ رَهْنَ الْمَوْتِ مِنْ ظَمَأٍ وَقُلْتِ: قِفْ عَن وُرُود المَاء لم يرد] (١) .
_________________
(١) - ١/٢٤٣، آل عمرَان / ٣١، وَانْظُر أَيْضا ٧/٦٢١، الحجرات / ٢.
[ ١ / ٢٤٠ ]
فصل: فِي الشّرك
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّى إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ﴾ . الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ ﴿مِنْهُمْ﴾ عَائِدٌ إِلَى الْمَلَائِكَةِ الْمَذْكُورِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ مَعَ كَرَامَتِهِمْ عَلَى اللَّهِ لَوِ ادَّعَى أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّ لَهُ الْحَقَّ فِي صَرْفِ شَيْءٍ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ الْخَاصَّةِ بِهِ إِلَيْهِ فَكَانَ مُشْرِكًا، وَكَانَ جَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّعْلِيقَ يَصِحُّ فِيمَا لَا يُمْكِنُ وَلَا يَقَعُ فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرحمن وَلَدٌ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ تَعْظِيمُ أَمْرِ الشِّرْكِ.
وَهَذَا الْفَرْضُ وَالتَّقْدِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ جَلَّ وَعَلَا هُنَا فِي شَأْنِ الْمَلَائِكَةِ، ذَكَرَهُ أَيْضًا فِي شَأْنِ الرُّسُلِ عَلَى
الْجَمِيعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وَلَمَّا ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا مَنْ ذَكَرَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي سُورَةِ «الْأَنْعَامِ» فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ إِلَى آخَرِ مَنْ ذَكَرَ مِنْهُمْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ
عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ .] (١) .
بَيَان أُمُور من الشّرك
- من الشّرك الاسْتِسْقَاء بالأنواء.
قَالَ الْعَلامَة الشنقيطي - ﵀ - بعد أَن ذكر الْآيَات القرآنية الدَّالَّة
_________________
(١) - ٤/٦١١، الْأَنْبِيَاء / ٢٩.
[ ١ / ٢٤١ ]
على قدرته تَعَالَى على إِنْزَال الْمَطَر، وإسكانه الأَرْض، وإذهابه: [وَهَذِهِ الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ الْمَاءَ فِي الْمُزْنِ، ثُمَّ يُخْرِجُهُ مِنْ خِلَالِ السَّحَابِ، وَخِلَالُ الشَّيْءِ ثُقُوبُهُ وَفُرُوجُهُ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مَسْدُودَةٍ، وَبَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُهُ وَيُصَرِّفُهُ بَيْنَ خَلْقِهِ كَيْفَ يَشَاءُ، فَيُكْثِرُ الْمَطَرَ فِي بِلَادِ قَوْمٍ سَنَةً، حَتَّى يَكْثُرَ فِيهَا الْخِصْبُ وَتَتَزَايَدَ فِيهَا النِّعَمُ، لِيَبْتَلِيَ أَهْلَهَا فِي شُكْرِ النِّعْمَةِ، وَهَلْ يَعْتَبِرُونَ بِعِظَمِ الْآيَةِ فِي إِنْزَالِ الْمَاءِ، وَيُقِلُّ الْمَطَرَ عَلَيْهِمْ فِي بَعْضِ السِّنِينَ، فَتَهْلِكُ مَوَاشِيهِمْ مِنَ الْجَدْبِ وَلَا تَنْبُتُ زُرُوعُهُمْ، وَلَا تُثْمِرُ أَشْجَارُهُمْ، لِيَبْتَلِيَهُمْ بِذَلِكَ، هَلْ يَتُوبُونَ إِلَيْهِ، وَيَرْجِعُونَ إِلَى مَا يُرْضِيهِ.
وَبَيَّنَ أَنَّهُ مَعَ الْإِنْعَامِ الْعَامِّ عَلَى الْخَلْقِ بِإِنْزَالِ الْمَطَرِ بِالْقَدْرِ الْمُصْلِحِ وَإِسْكَانِ مَائِهِ فِي الْأَرْضِ لِيَشْرَبُوا مِنْهُ هُمْ، وَأَنْعَامُهُمْ، وَيَنْتَفِعُوا بِهِ أَبَى أَكْثَرُهُمْ إِلَّا الْكُفْرَ بِهِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُورًا لِّنُحْيِىَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَامًا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا﴾ .
وَلَا شَكَّ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أَبَى مِنْهُمْ إِلَّا كُفُورًا الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَطَرَ لَمْ يُنَزِّلْهُ مُنَزِّلٌ هُوَ فَاعِلٌ مُخْتَارٌ، وَإِنَّمَا نَزَلَ بِطَبِيعَتِهِ، فَالْمُنَزِّلُ لَهُ عِنْدَهُمْ: هُوَ الطَّبِيعَةُ، وَأَنَّ طَبِيعَةَ الْمَاءِ التَّبَخُّرُ، إِذَا تَكَاثَرَتْ عَلَيْهِ دَرَجَاتُ الْحَرَارَةِ مِنَ الشَّمْسِ أَوْ الِاحْتِكَاكِ بِالرِّيحِ، وَأَنَّ ذَلِكَ الْبُخَارَ يَرْتَفِعُ بِطَبِيعَتِهِ. ثُمَّ يَجْتَمِعُ، ثُمَّ يَتَقَاطَرُ. وَأَنَّ تَقَاطُرَهُ ذَلِكَ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ لَا فَاعِلَ لَهُ، وَأَنَّهُ هُوَ الْمَطَرُ. فَيُنْكِرُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ فِي إِنْزَالِهِ الْمَطَرَ وَيُنْكِرُونَ دَلَالَةَ إِنْزَالِهِ عَلَى قُدْرَةِ مُنَزِّلِهِ، وَوُجُوبِ الْإِيمَانِ بِهِ وَاسْتِحْقَاقِهِ لِلْعِبَادَةِ وَحْدَهُ، فَمِثْلُ هَؤُلَاءِ دَاخِلُونَ فِي قَوْلِهِ ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ﴾ . وَقَدْ صَرَّحَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ أَنَّهُ تَعَالَى، هُوَ مُصَرِّفُ الْمَاءِ، وَمُنَزِّلُهُ حَيْثُ شَاءَ كَيْفَ شَاءَ. وَمِنْ قَبِيلِ هَذَا الْمَعْنَى: مَا ثَبَتَ فِي
[ ١ / ٢٤٢ ]
صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ قَالَ «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّبْحَ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي أَثَرِ السَّمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: قَالَ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي، وَكَافِرٌ بِي: فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ ﵀ فِي صَحِيحِهِ (١)، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِبُخَارِ كَذَا مُسْنِدًا ذَلِكَ لِلطَّبِيعَةِ، أَنَّهُ كَافِرٌ بِاللَّهِ مُؤْمِنٌ بِالطَّبِيعَةِ وَالْبُخَارِ. وَالْعَرَبُ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ بَعْضَ الْمَطَرِ أَصْلُهُ مِنَ الْبَحْرِ، إِلَّا أَنَّهُمْ يُسْنِدُونَ فِعْلَ ذَلِك الْفَاعِل الْمُخْتَارِ جَلَّ وَعَلَا، وَمِنْ أَشْعَارِهِمْ فِي ذَلِكَ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ:
لَا تَلُمْنِي إِنَّهَا مِنْ نِسْوَةٍ رُقَّدِ الصَّيْفِ مَقَالِيتٍ نُزُرْ
كَبَنَاتِ الْبَحْرِ يَمْأَدْنَ إِذَا أَنْبَتَ الصَّيْفُ عَسَالِيجَ الْخُضَرْ
فَقَوْلُهُ: بَنَاتُ الْبَحْرِ يَعْنِي: الْمُزْنَ الَّتِي أَصْلُ مَائِهَا مِنَ الْبَحْرِ.
وَقَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ:
سَقَى أُمَّ عَمْرٍو كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ حَنَاتِمُ غرماؤهن نجيج
شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ مَتَى لُجَجٌ خُضْرٌ لَهُنَّ نَئِيجُ
وَلَا شَكَّ أَنَّ خَالِقَ السَّمَوَات وَالْأَرْضِ جَلَّ وَعَلَا، هُوَ مُنَزِّلُ الْمَطَرِ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي يَشَاءُ كَيْفَ يَشَاءُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.] (٢) .
_________________
(١) - صَحِيح مُسلم (١/٨٣) (٧١) .
(٢) - ٥/٧٨٥: ٧٨٧، الْمُؤْمِنُونَ / ١٨، وَانْظُر أَيْضا: ٦/٣٣٦، الْفرْقَان / ٥٠.
[ ١ / ٢٤٣ ]
- من الشّرك إدعاء علم الْغَيْب، وتصديق الْكُهَّان بِمَا يَقُولُونَ.
ذكر الْعَلامَة الشنقيطي - ﵀ - آيَات وعبارات اسْتدلَّ بهَا على أَن الرُّسُل وَالْمَلَائِكَة لَا يعلمُونَ الْغَيْب إِلَّا بِإِذن الله - ﷾ - ثمَّ قَالَ: [فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ أَعْلَمَ الْمَخْلُوقَاتِ وَهُمُ الرُّسُلُ، وَالْمَلَائِكَةُ لَا يَعْلَمُونَ مِنَ الْغَيْبِ إِلَّا مَا عَلَّمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ تَعَالَى يُعَلِّمُ رُسُلَهُ مِنْ غَيْبِهِ مَا شَاءَ، كَمَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ .
تَنْبِيهٌ
لَمَّا جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ بِأَنَّ الْغَيْبَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ كَانَ جَمِيعُ الطُّرُقِ الَّتِي يُرَادُ بِهَا التَّوَصُّلُ إِلَى شَيْءٍ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ غَيْرِ الْوَحْيِ مِنَ الضَّلَالِ الْمُبِينِ، وَبَعْضٌ مِنْهَا يَكُونُ كُفْرًا.
وَلِذَا ثَبَتَ عَنِ النَّبي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَتى عرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شيءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا» (١)، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي مَنْعِ الْعِيَافَةِ وَالْكِهَانَةِ وَالْعَرَافَةِ، وَالطَّرْقِ وَالزَّجْرِ، وَالنُّجُومِ وَكُلُّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي الْكِهَانَةِ، لِأَنَّهَا تَشْمَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ ادِّعَاءِ الِاطِّلَاعِ عَلَى عِلْمِ الْغَيْبِ.
وَقَدْ سُئِلَ ﷺ عَنِ الكهَّان فَقَالَ: «لَيْسُوا بِشَيْءٍ» (٢) .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مَا نَصُّهُ: فَمَنْ قَالَ إِنَّهُ يَنْزِلُ الْغَيْثُ غَدًا. وَجَزَمَ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ أَخْبَرَ عَنْهُ بِأَمَارَةٍ ادَّعَاهَا أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ
_________________
(١) - أخرجه مُسلم (٤/١٧٥١) (٢٢٣٠) من حَدِيث عَن صَفِيَّة عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ.
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (٥/٢٢٩٤) (٥٨٥٩)، وَمُسلم (٤/١٧٥٠) (٢٢٢٨) من حَدِيث عَائِشَة - ﵂ -.
[ ١ / ٢٤٤ ]
يَعْلَمُ مَا فِي الرَّحِمِ فَإِنَّهُ كَافِرٌ، فَإِنْ لَمْ يَجْزِمْ، وَقَالَ: إِنَّ النَّوْءَ يَنْزِلُ بِهِ الْمَاءُ عَادَةً، وَإِنَّهُ سَبَبُ الْمَاءِ عَادَةً، وَإِنَّهُ سَبَبُ الْمَاءِ عَلَى مَا قَدَّرَهُ وَسَبَقَ فِي عِلْمِهِ لَمْ يَكْفُرْ إِلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَلَّا يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَإِنَّ فِيهِ تَشْبِيهًا بِكَلِمَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَجَهْلًا بِلَطِيفِ حِكْمَتِهِ، لِأَنَّهُ يَنْزِلُ مَتَى شَاءَ مَرَّةً بِنَوْءِ كَذَا، وَمَرَّةً دُونَ النَّوْءِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوَاكِبِ» (١) عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْوَاقِعَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَكَذَلِكَ قَوْلُ الطَّبِيبِ إِذَا كَانَ الثَّدْيُ الْأَيْمَنُ مُسْوَدَّ الْحَلَمَةِ، فَهُوَ ذَكَرٌ، وَإِنْ كَانَ فِي الثَّدْيِ الْأَيْسَرِ فَهُوَ أُنْثَى، وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَجِدُ الْجَنْبَ الْأَيْمَنَ أَثْقَلَ فَالْوَلَدُ أُنْثَى، وَادَّعَى ذَلِكَ عَادَةً لَا وَاجِبًا فِي الْخِلْقَةِ لَمْ يَكْفُرْ، وَلَمْ يَفْسُقْ.
وَأَمَّا مَنِ ادَّعَى الْكَسْبَ فِي مُسْتَقْبَلِ الْعُمْرِ فَهُوَ كَافِرٌ، أَوْ أَخْبَرَ عَنِ الْكَوَائِنِ الْمُجْمَلَةِ، أَوِ الْمُفَصَّلَةِ فِي أَنْ تَكُونَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ فَلَا رِيبَةَ فِي كُفْرِهِ أَيْضًا. فَأَمَّا مَنْ أَخْبَرَ عَنْ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، فَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يُؤَدَّبُ وَلَا يُسْجَنُ، أَمَّا عَدَمُ كُفْرِهِ فَلِأَنَّ جَمَاعَةً قَالُوا: إِنَّهُ أَمْرٌ يُدْرَكُ بِالْحِسَابِ وَتَقْدِيرِ الْمَنَازِلِ حَسْبَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ .
وَأَمَّا أَدَبُهُمْ، فَلِأَنَّهُمْ يُدْخِلُونَ الشَّكَّ عَلَى الْعَامَّةِ، إِذْ لَا يَدْرُونَ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَغَيْرِهِ فَيُشَوِّشُونَ عَقَائِدَهُمْ، وَيَتْرُكُونَ قَوَاعِدَهُمْ فِي الْيَقِينِ، فَأُدِّبُوا حَتَّى يَسْتُرُوا ذَلِكَ إِذَا عَرَفُوهُ وَلَا يُعْلِنُوا بِهِ.
قُلْتُ: وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبي ﷺ أَنَّ النَّبي ﷺ قَالَ: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (٢)، وَالْعَرَّافُ: هُوَ الْحَازِي وَالْمُنَجِّمُ الَّذِي يَدَّعِي عِلْمَ الْغَيْبِ، وَهِي
_________________
(١) - أخرجه مُسلم، وَسبق تَخْرِيجه آنِفا.
(٢) - سبق تَخْرِيجه آنِفا.
[ ١ / ٢٤٥ ]
الْعَرَافَةُ وَصَاحِبُهَا عَرَّافٌ، وَهُوَ الَّذِي يَسْتَدِلُّ عَلَى الْأُمُورِ بِأَسْبَابٍ وَمُقَدِّمَاتٍ يدَّعي مَعْرِفَتَهَا. وَقَدْ يَعْتَضِدُ بَعْضُ أَهْلِ هَذَا الْفَنِّ فِي ذَلِكَ بِالزَّجْرِ وَالطَّرْقِ وَالنُّجُومِ، وَأَسْبَابٍ مُعْتَادَةٍ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا الْفَنُّ هُوَ الْعِيَافَةُ بِالْيَاءِ، وَكُلُّهَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْكِهَانَةِ، قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ.
وَالْكِهَانَةُ: ادِّعَاءُ عِلْمِ الْغَيْبِ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي (الْكَافِي): مِنَ الْمَكَاسِبِ الْمُجْتَمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا الرِّبَا، وَمُهُورُ الْبَغَايَا، وَالسُّحْتُ، وَالرِّشَا، وَأَخَذُ الْأُجْرَةِ عَلَى النِّيَاحَةِ، وَالْغِنَاءِ، وَعَلَى الْكِهَانَةِ، وَادِّعَاءِ الْغَيْبِ، وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ، وَعَلَى الزَّمْرِ وَاللَّعِبِ وَالْبَاطِلُ كُلُّهُ. اهـ مِنَ الْقُرْطُبِيِّ بِلَفْظِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُ تَعْرِيفَهُ لِلْعَرَّافِ وَالْكَاهِنِ.
وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: الْعَرَّافُ الَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الْأُمُورِ بِمُقَدِّمَاتٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى الْمَسْرُوقِ، وَمَكَانِ الضَّالَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَيْمِيَّةَ: الْعَرَّافُ: اسْمٌ لِلْكَاهِنِ وَالْمُنَجِّمِ وَالرَّمَّالِ، وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ فِي مَعْرِفَةِ الْأُمُورِ بِهَذِهِ الطُّرُقِ.
وَالْمُرَادُ بِالطَّرْقِ: قِيلَ الْخَطُّ الَّذِي يَدَّعِي بِهِ الِاطِّلَاعَ عَلَى الْغَيْبِ، وَقِيلَ إِنَّهُ الضَّرْبُ بِالْحَصَى الَّذِي يَفْعَلُهُ النِّسَاءُ، وَالزَّجْرُ هُوَ الْعِيَافَةُ، وَهِيَ التَّشَاؤُمُ وَالتَّيَامُنُ بِالطَّيْرِ، وَادِّعَاءُ مَعْرِفَةِ الْأُمُورِ مِنْ كَيْفِيَّةِ طَيَرَانِهَا وَمَوَاقِعِهَا وَأَسْمَائِهَا وَأَلْوَانِهَا وَجِهَاتِهَا الَّتِي تَطِيرُ إِلَيْهَا.
وَمِنْهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بن عَبدة التَّمِيمِي:
وَمَنْ تَعَرَّضَ لِلْغِرْبَانِ يَزْجُرُهَا عَلَى سَلَامَتِهِ لَا بُدَّ مَشْئُومُ
وَكَانَ أَشَدَّ الْعَرَبِ عِيَافَةً بَنُو لَهب حَتَّى قَالَ فيهم الشَّاعِر:
خَبِيرٌ بَنُو لَهَبٍ فَلَا تَكُ مُلْغِيًا مَقَالَةَ لَهَبِي إِذَا الطَّيْرُ مَرَّتِ
[ ١ / ٢٤٦ ]
وَإِلَيْهِ الْإِشَارَة بقول ناظم عَمُود النّسَب:
فِي مَدْلَجِ بْنِ بَكْرٍ الْقِيَافَةُ كَمَا لِلَهَبٍ كَانَت العيافة
وَلَقَد صدق من قَالَ:
لَعَمْرُكَ مَا تَدْرِي الضَّوَارِبُ بِالْحَصَى وَلَا زَاجِرَاتُ الطير مَا الله صانع ] (١) .
- فَائِدَة: الْفرق بَين العرافة وَالْكهَانَة.
قَالَ الْعَلامَة الشنقيطي - ﵀ - نقلا عَن الْعلوِي الشنقيطي فِي نظمه " رشد الغافل ": [وَالْفرق بَين العرافة وللكهانة مَعَ أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي دَعْوَى الِاطِّلَاعِ عَلَى الْغَيْبِ: أَنَّ الْعِرَافَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْأُمُورِ الْمَاضِيَةِ، وَالْكِهَانَةَ مُخْتَصَّة بالأمور الْمُسْتَقْبلَة اهـ مِنْهُ.] (٢) .
- من الشّرك الْحلف بِغَيْر الله.
[قَوْله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ مَعْنَاهُ أُقْسِمُ بِحَيَاتِكَ. وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا لَهُ أَنْ يُقْسِمَ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَمْ يُقْسِمْ فِي الْقُرْآنِ بِحَيَاةِ أَحَدٍ إِلَّا نَبِيِّنَا ﷺ وَفِي ذَلِكَ مِنَ التَّشْرِيفِ لَهُ ﷺ مَا لَا يَخْفَى.
وَلَا يَجُوزُ لِمَخْلُوقٍ أَنْ يَحْلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ ليصمت» (٣) .] (٤) .
وَقَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [وَمِنْ هُنَا يُعْلَمُ حَقِيقَةُ قَوْلِهِ ﷺ: «من
_________________
(١) - ٢/١٧٤: ١٧٨، الْأَنْعَام /٥٩.
(٢) - ٤/٤٩٣، طه/٦٩.
(٣) - أخرجه البُخَارِيّ (٢/٩٥١) (٢٥٣٣)، وَمُسلم (٣/١٢٦٦) (١٦٤٦) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -.
(٤) - ٣/٣٠، هود / ٧٨ - ٧٩.
[ ١ / ٢٤٧ ]
حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» (١) أَيْ لِأَنَّ الْحَالِفَ يُقِيمُ الْمَحْلُوفَ بِهِ مَقَامَ الشُّهُودِ الَّذِينَ رَأَوْا أَوْ سَمِعُوا، وَالْمَخْلُوقُ إِذَا كَانَ غَائِبًا لَا يَرَى وَلَا يَسْمَعُ، فَإِذَا حَلَفَ بِهِ كَانَ قَدْ أَعْطَاهُ صِفَاتِ مَنْ يَرَى وَيَسْمَعُ، وَالْحَالُ أَنَّهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى الْحَالِفُ وَالْمُسْتَحْلِفُ بِاللَّهِ يَعْلَمَانِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَغَيْرُ اللَّهِ إِذَا مَا حُلِفَ بِهِ لَا يَقْوَى وَلَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِك. وَالْعلم عِنْد الله تَعَالَى.] (٢) .
- فرع: لله - ﷾ - أَن يقسم بِمَا شَاءَ من مخلوقاته.
وَقَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [يُجْمِعُ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ للَّه تَعَالَى أَنْ يُقْسِمَ بِمَا شَاءَ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، لِأَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى قُدْرَتِهِ، وَلَيْسَ لِلْمَخْلُوقِ أَنْ يَحْلِفَ إِلَّا بِاللَّهِ تَعَالَى.
وَلَكِنْ هَلْ فِي الْمُغَايَرَةِ بِمَا يُقْسِمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مَعْنًى مَقْصُودٌ، أَمْ لِمُجَرَّدِ الذِّكْرِ، وَتَعَدُّدِ الْمُقْسَمِ بِهِ؟
وَبَعْدَ التَّأَمُّلِ، ظَهَرَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يُقْسِمُ بِشَيْءٍ فِي مَوْضِعٍ دُونَ غَيْرِهِ، إِلَّا لِغَرَضٍ يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ، يَكُونُ بَيْنَ الْمُقْسَمِ بِهِ، وَالْمُقْسَمِ عَلَيْهِ مُنَاسِبَةٌ وَارْتِبَاطٌ، وَقَدْ يَظْهَرُ ذَلِكَ جَلِيًّا، وَقَدْ يَكُونُ خَفِيًّا.
وَهَذَا فِعْلًا مَا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ وَالْإِعْجَازُ فِي الْقُرْآنِ، وَإِنْ كُنْتُ لم أَقف على بحث فِيهِ.
_________________
(١) - أخرجه أَبُو دَاوُد (٢/٢٤٢) (٣٢٥١)، وَالتِّرْمِذِيّ (٤/١١٠) (١٥٣٥)، وَقَالَ: حسن، وَأحمد (٥/٦٩)، وَغَيرهم من طرق عَن سعد بن عُبَيْدَة عَن ابْن عمر - ﵄ - مَرْفُوعا بِهِ، وَأعله الْبَيْهَقِيّ بالانقطاع، وَأجَاب عَن ذَلِك الشَّيْخ الألباني - ﵀ - فِي الإرواء (٢٥٦١)، وَصحح الحَدِيث.
(٢) - ٨/٥١٦، المعارج / ٣٣.
[ ١ / ٢٤٨ ]
ولكنَّ مِمَّا يُشِيرُ إِلَى هَذَا الْمَوْضُوعِ، مَا جَاءَ بِالْإِقْسَامِ بِمَكَّةَ مَرَّتَيْنِ، وَفِي حَالَتَيْنِ مُتَغَايِرَتَيْنِ.
الْأُولَى: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِهذا الْبَلَدِ وَأَنتَ حِلٌّ بِهذا الْبَلَدِ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِى كَبَدٍ﴾ .
وَالْمَوْضِعُ الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهذا الْبَلَدِ الأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ .
فَالْمَقْسَمُ بِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ: مَكَّةُ الْمُكَرَّمَةُ، وَالْمُقْسَمُ عَلَيْهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ، وَلَكِنْ فِي الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ كَانَ الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ مُكَابَدَةَ الْإِنْسَانِ مِنْ أَوَّلِ وِلَادَتِهِ إِلَى نَشْأَتِهِ، إِلَى كَدِّهِ فِي حَيَاتِهِ، إِلَى نِهَايَتِهِ وَمَمَاتِهِ.
مِنْ ذَلِكَ مُكَابَدَتُهُ ﷺ مُنْذُ وِلَادَتِهِ إِلَى حَيْثُ مَاتَ أَبُوهُ قَبْلَهُ، وَلَحِقَتْ بِهِ أُمُّهُ، وَهُوَ فِي طُفُولَتِهِ، وَبَعْدَ الْوَحْيِ كَابَدَ مَعَ قَوْمِهِ وَلَقِيَ مِنْهُمْ عَنَتًا شَدِيدًا، حَتَّى تَآمَرُوا عَلَى قَتْلِهِ، فَلَكَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ: اصْبِرْ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُكَابَدَةَ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَهِيَ مُلَازِمَةٌ لِلْإِنْسَانِ كَمُلَازَمَتِكَ لِهَذَا الْبَلَدِ مُنْذُ وِلَادَتِكَ.
وَفِي ذِكْرِ ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ إِشْعَارٌ بِبَدْءِ الْمُكَابَدَةِ، وَبِأَشُدِّهَا مِنْ حَالَةِ الْوِلَادَةِ وَطَبِيعَةِ الطُّفُولَةِ، وَلِذَا ذَكَرَ هُنَا هَذَا الْبَلَدَ بِدُونِ أَيِّ وَصْفٍ.
أَمَّا فِي الْمَوْضِعِ الثَّانِي: فَالْمُقْسَمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ خَلْقُ الْإِنْسَانِ، إِلَّا أَنَّهُ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَهِيَ أَعْظَمُ نِعْمَةٍ عَلَيْهِ جَاءَ بِالْمُقْسَمِ بِهِ عَرْضًا لِلنِّعَمِ، وَتَعَدُّدِهَا مِنَ التِّينِ وَالزَّيْتُونِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُرَادُ بِهِمَا الْفَاكِهَةُ الْمَذْكُورَةُ أَوْ أَمَاكِنُهَا، وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ مَعَ طُورِ سِينِينَ.
فَجَاءَ بِمَكَّةَ أَيْضًا وَلَكِنْ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ فَقَالَ: ﴿وَهذا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ مَنْ أَنْعَمَ عَلَى تِلْكَ الْبِقَاعِ بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ وَالْقَدَاسَةِ، أَنْعَمَ عَلَى الْإِنْسَانِ بِنِعْمَةِ حُسْنِ خِلْقَتِهِ وَحُسْنِ تَقْوِيمِهِ وَفَضْلِهِ عَلَى سَائِرِ مَخْلُوقَاتِهِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[ ١ / ٢٤٩ ]
وَهُنَا يُقْسِمُ بِحَالَاتِ الْكَوَاكِبِ عَلَى أَصَحِّ الْأَقْوَالِ، فِي ظُهُورهَا واختفائها وجريانها، وبالليل إِذَا عَسْعَسَ: أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، أَوْ أَضَاءَ وَأَظْلَمَ، وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ: أَيْ أَظْهَرَ وَأَشْرَقَ، وَهُمَا أَثَرَانِ مِنْ آثَارِ الشَّمْسِ فِي غُرُوبِهَا وَشُرُوقِهَا.
وَالْمَقْسَمُ عَلَيْهِ: هُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ قَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ الْقُرْآنَ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ حَالُهُ فِي الثُّبُوتِ
وَالظُّهُورِ، وَحَالُ النَّاسِ مَعَهُ كَحَالِ هَذِهِ الْكَوَاكِبِ الثَّوَابِتِ لَدَيْكُمْ فِي ظُهُورِهَا تَارَةً، وَاخْتِفَائِهَا أُخْرَى. وَكَحَالِ اللَّيْلِ وَالصُّبْحِ فَهُوَ عِنْدَ أُنَاسٍ مَوْضِعُ ثِقَةٍ وَهِدَايَةٍ كَالصُّبْحِ فِي إِسْفَارِهِ، قُلُوبُهُمْ مُتَفَتِّحَةٌ إِلَيْهِ وَعُقُولُهُمْ مُهْتَدِيَةٌ بِهِ، فَهُوَ لَهُمْ رُوحٌ وَنُورٌ، وَعِنْدَ أُنَاسٍ مُظْلِمَةٌ أَمَامَهُ قُلُوبُهُمْ عَمًى عَنْهُ بَصَائِرُهُمْ، وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى، وَأُنَاسٌ تَارَةً وَتَارَةً كَالنُّجُومِ أَحْيَانًا، وَأَحْيَانًا، تَارَةً يَنْقَدِحُ نُورُهُ فِي قُلُوبِهِمْ، فَتَظْهَرُ مَعَالِمُهُ فَيَسِيرُونَ مَعَهُ، وَتَارَةً يَغِيبُ عَنْهُمْ نُورُهُ فَتَخْنِسُ عَنْهُ عُقُولُهُمْ وَتَكْنُسُ دُونَهُ قُلُوبُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾ .
وَلَيْسَ بَعِيدًا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، تُعْتَبَرُ النُّجُومُ كَالْكُتُبِ السَّابِقَةِ، مَضَى عَلَيْهَا الظُّهُورُ فِي حِينِهَا وَالْخَفَاءُ بَعْدَهَا.
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾: هُوَ ظَلَامُ الْجَاهِلِيَّةِ.
﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾: يُقَابِلُهُ ظُهُورُ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ سَيَنْتَشِرُ انْتِشَارَ ضَوْءِ النَّهَارِ، وَلَا تَقْوَى قُوَّةٌ قَطُّ عَلَى حَجْبِهِ، وَسَيَعُمُّ الْآفَاقَ كُلَّهَا، مَهْمَا وَقَفُوا دُونَهُ ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ .
وَقَدْ يَكُونُ فِي هَذَا الْإِيرَاد غرابة على بعض النَّاس، ولاسيما وَأَنِّي لَمْ أَقِفْ عَلَى بَحْثٍ مُسْتَقِلٍّ فِيهِ، وَلَا تَوْجِيهٍ يُشِيرُ إِلَيْهِ، وَلَكِنْ مَعَ التَّتَبُّعِ وجدت
[ ١ / ٢٥٠ ]
اطِّرَادَهُ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَجَدِيرٌ بِأَنْ يُفْرَدَ بِرِسَالَةٍ.
وَمِمَّا اطَّرَدَ فِيهِ هَذَا التَّوْجِيهُ سُورَةُ الضُّحَى، يَقُول الله تَعَالَى: ﴿وَالضُّحَى وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾، فَإِنَّ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ عَدَمُ تَرْكِهِ ﷺ وَلَا التَّخَلِّي عَنْهُ، فَجَاءَ بِالْمُقْسَمِ بِهِ قِسْمَيِ الزَّمَنِ لَيْلًا وَنَهَارًا، كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ: مَا قَلَاكَ رَبُّكَ وَلَا تَخَلَّى عَنْكَ، لَا فِي ضُحَى النَّهَارِ حَيْثُ تَنْطَلِقُ لِسَعْيِكَ، وَلَا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ حِينَ تَأْوِي إِلَى بَيْتِكَ.
وَمَعْلُومٌ مَا كَانَ مِنْ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ حِينَمَا كَانَ يَجْعَلُهُ يَنَامُ مَعَ أَوْلَادِهِ لَيْلًا، حَتَّى إِذَا أَخَذَ الْجَمِيعُ مَضَاجِعَهُمْ يَأْتِي خِفْيَةً فَيُقِيمُهُ مِنْ مَكَانِهِ. وَيَضَعُ أَحَدَ أَوْلَادِهِ مَحَلَّهُ، حَتَّى لَوْ كَانَ أَحَدٌ نَوَاهُ بِسُوءٍ، وَقَدْ رَآهُ فِي مَكَانِهِ الْأَوَّلِ يُصَادِفُ وَلَدَهُ، وَيَسْلَمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى﴾، أَيْ مِنْ كُلِّ مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَسَجَاهُ اللَّيْلُ.
وَمِنْهُ أَيْضًا: وَهُوَ أَشَدُّ ظُهُورًا فِي سُورَةِ الْعَصْرِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْر ٍإِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾، إِلَى آخَرِ السُّورَةِ. فَإِنَّ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ هُوَ حَالَةُ الْإِنْسَانِ، الْغَالِبَةُ عَلَيْهِ مِنْ خُسْرٍ، إلاَّ مَنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى، فَكَانَ الْمُقْسَمُ بِهِ، وَالْعَصْرُ الْمُعَاصِرُ لِلْإِنْسَانِ: طِيلَةَ حَيَاتِهِ وَهُوَ مَحَلُّ عَمَلِهِ، الَّذِي بِهِ يَخْسَرُ وَيَرْبَحُ. وَهُوَ مُعَاصِرٌ لَهُ وَأَصْدَقُ شَاهِدٍ عَلَيْهِ.
وَكُنْتُ قَدْ سَمِعْتُ مِنَ الشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا وَعَلَيْهِ يَقُولُ: إِنَّ الْعُمُرَ وَزَمَنَ الْحَيَاةِ حُجَّةٌ عَلَى الْإِنْسَانِ كَالرِّسَالَةِ وَالنِّذَارَةِ سَوَاءٌ، وَذَكَرَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النَّذِيرُ﴾، فَجَعَلَ فِي الْآيَةِ التَّعْمِيرَ، وَهُوَ إِشْغَالُ الْعُمُرِ مُوجِبًا لِلتَّذَكُّرِ وَالتَّأَمُّلِ، وَمُهْلَةً لِلْعَمَلِ، كَمَا تُخْبِرُ إِنْسَانًا بِأَمْرٍ ثُمَّ تُمْهِلُهُ إِلَى أَنْ يَفْعَلَ مَا مَرَّ بِهِ، فَهُوَ أَمْكَنُ فِي الْحُجَّةِ عَلَيْهِ.
[ ١ / ٢٥١ ]
فَكَانَ الْقَسَمُ فِي الْعَصْرِ عَلَى الرِّبْحِ وَالْخُسْرَانِ، أَنْسُبُ مَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا، إِذْ جُعِلَتْ حَيَاةُ الْإِنْسَانِ
كَسُوقٍ قَائِمَةٍ وَالسِّلْعَةُ فِيهِ الْعَمَلُ وَالْعَامِلُ هُوَ الْإِنْسَانُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عِنْدَ مُسْلِمٍ: «سُبْحَانَ اللَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ»، وَفِيهِ: «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» (١)، فَإِنْ كَانَ يَشْغَلُ عُمُرَهُ فِي الْخَيْرِ فَقَدْ رَبِحَ، وَأَعْتَقَ نَفْسَهُ وإلاَّ فَقَدْ خَسِرَ وَأَهْلَكَهَا.
وَيُشِيرُ لِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الّجَنَّةَ﴾ .
فَصَحَّ أَنَّ الدُّنْيَا سُوقٌ، وَالسِّلْعَةُ فِيهَا عَمَلُ الْإِنْسَانِ، وَالْمُعَامَلَةُ فِيهِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، فَظَهَرَ الرَّبْطُ والمناسبة مَعَ الْمقسم بِهِ، والمقسم عَلَيْهِ.] (٢) .
- من الشّرك الرِّيَاء وَإِرَادَة الْإِنْسَان بِعَمَلِهِ الدُّنْيَا.
[قَوْله: ﴿وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا﴾ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. أَيْ لَا يُرَائِي النَّاسَ فِي عَمَلِهِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ لِأَجْلِ رِيَاءِ النَّاسِ مِنْ نَوْعِ الشِّرْكِ، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الرِّيَاءَ مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ. وَقَدْ جَاءَتْ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ مَرْفُوعَةٌ. وَقَدْ سَاقَ طَرَفَهَا ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا﴾ أَعَمُّ مِنَ الرِّيَاءِ وَغَيْرِهِ، أَي
_________________
(١) - صَحِيح مُسلم (١/٢٠٣) (٢٢٣) من حَدِيث أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ، وَلَفظه: قَالَ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطّهُور شطر الْإِيمَان وَالْحَمْد لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تملآن (أَو تملأ) مَا بَين السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالصَّلَاة نور وَالصَّدََقَة برهَان وَالصَّبْر ضِيَاء وَالْقُرْآن حجَّة لَك أَو عَلَيْك كل النَّاس يَغْدُو فَبَايع نَفسه فمعتقها أَو موبقها"
(٢) - ٩/٦٩: ٧٤، التكوير / ١٥: ١٩، وَانْظُر (١/٣٧٢ - ٣٧٣) (النِّسَاء/١٢٧)، (٨/٦٨٦ - ٦٨٧) (المرسلات/٧) .
[ ١ / ٢٥٢ ]
لَا يَعْبُدُ رَبَّهُ رِيَاءً وَسُمْعَةً، وَلَا يَصْرِفُ شَيْئًا مِنْ حُقُوقِ خَالِقِهِ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَيَقُولُ: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَيُفْهَمُ مِنْ مَفْهُومِ مُخَالَفَةِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الَّذِي يُشْرِكُ أَحَدًا بِعِبَادَةِ رَبِّهِ، وَلَا يَعْمَلُ صَالِحًا أَنَّهُ لَا يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ، وَالَّذِي لَا يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ لَا خَيْرَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَهَذَا الْمَفْهُومُ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِيمَا مَضَى قَرِيبًا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ لِأَنَّ مَنْ كَفَرَ بِلِقَاءِ اللَّهِ لَا يَرْجُو لِقَاءَهُ. وَقَوْلِهِ فِي «الْعَنْكَبُوتِ» ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَآئِهِ أُولَئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِى﴾، وَقَوْلِهِ فِي «الْأَعْرَافِ»: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وَقَوْلِهِ فِي «الْأَنْعَامِ»: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَآءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ ياحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي «يُونُسَ»: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ اللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾، وَقَوْلِهِ فِي «الْفُرْقَانِ»: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾، وَقَوْلِهِ فِي «الرُّومِ»: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ الآخِرَةِ فَأولئك فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾
إِلَى غير ذَلِك من الْآيَات.] (١) .
_________________
(١) - ٤/٢١٦، الْكَهْف/١١٠.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وَقَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: مُبينًا حكم الرِّيَاء وحدَّه [أَمَّا الرِّيَاءُ: فَقِيلَ هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ إِظْهَارُ الْعِبَادَةِ لِقَصْدِ رُؤْيَةِ النَّاسِ لَهَا فَيُحْمَدُ عَلَيْهَا، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ تَسْمِيَتُهُ الشِّرْكَ الْخَفِيَّ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْخَفِيُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ، فَإِنَّهُ أَخْفَى فِي نُفُوسِكُمْ مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ» (١) .
وَجَاءَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا﴾ .
وَبَيَانُ الشِّرْكِ فِيهِ أَنَّهُ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِمَّا هُوَ أَصْلًا للَّه، كَالصَّلَاةِ أَوِ الصَّدَقَةِ أَوِ الْحَجِّ، وَلَكِنَّهُ يُظْهِرُهُ لِقَصْدِ أَنْ يَحْمَدَهُ النَّاسُ عَلَيْهِ.
فَكَأَنَّ هَذَا الْجُزْءَ مِنْهُ مُشَارَكَةٌ مَعَ اللَّه، حَيْثُ أَصْبَحَ مِنْ عَمَلِهِ جُزْءٌ لِطَلَبِ الثَّنَاءِ مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ.
وَقَدْ جَاءَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (٢) .
أَمَّا حُكْمُ الرِّيَاءِ فِي الْعَمَلِ، فَفِي هَذَا النَّصِّ دَلَالَةٌ عَلَى رَدِّ الْعَمَلِ على
_________________
(١) - لم أَقف عَلَيْهِ بِهَذَا اللَّفْظ، وَإِنَّمَا أخرج أَحْمد (٥/٤٢٨، ٤٢٩) من حَدِيث مَحْمُود بن لبيد أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم الشّرك الْأَصْغَر قَالُوا وَمَا الشّرك الْأَصْغَر يَا رَسُول الله قَالَ الرِّيَاء يَقُول الله ﷿ لَهُم يَوْم الْقِيَامَة إِذا جزى النَّاس بأعمالهم اذْهَبُوا إِلَى الَّذين كُنْتُم تراؤون فِي الدُّنْيَا فانظروا هَل تَجِدُونَ عِنْدهم جَزَاء﴾، وَصَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ - فِي الصَّحِيحَة (٩٥١) . وَأما وصف هَذَا الشّرك بِأَنَّهُ أُخْفِي من دَبِيب النَّمْل فقد أخرج أَحْمد (٤/٤٠٣) مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى - ﵁ - مَرْفُوعا: ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا هَذَا الشّرك فَإِنَّهُ أخْفى من دَبِيب النَّمْل﴾، وَصَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ - فِي صَحِيح التَّرْغِيب والترهيب.
(٢) - صَحِيح مُسلم (٤/٢٢٨٩) (٢٩٨٥) .
[ ١ / ٢٥٤ ]
صَاحِبِهِ، وَتَرْكِهِ لَهُ.
فَقِيلَ: إِنَّهُ يَكُونُ لَا لَهُ فِيهِ، وَلَا عَلَيْهِ مِنْهُ.
فَقِيلَ: لَا يَخْلُو مِنْ ذَمٍّ، كَمَا حَذَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَآءَ النَّاسِ﴾ .
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) .
وَالتَّسْمِيعُ: هُوَ الْعَمَلُ لِيَسْمَعَ النَّاسُ بِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْوَلِيمَةِ «فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثِ سُمْعَةٌ. وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ بِهِ» (٢) .
فَالرِّيَاءُ مَرْجِعُهُ إِلَى الرُّؤْيَةِ، وَالتَّسْمِيعُ مَرْجِعُهُ إِلَى السَّمَاعِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ (٣)، وَقَدْ أَحْبَطَ اللَّهُ عَمَلَهُمْ، وَرَدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (٤)، وَقِيلَ: إِنَّهُ مُحْبِطٌ لِلْأَعْمَالِ لِمُسَمَّى الشِّرْكِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ .
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يُحْبِطُ الْعَمَلَ الَّذِي هُوَ فِيهِ فَقَطْ، فَإِنْ رَاءَى فِي الصَّلَاةِ أَحْبَطَهَا وَلَا يَتَعَدَّى إِلَى الصَّوْمِ، وَإِنْ رَاءَى فِي صَلَاة نَافِلَة لَا يتَعَدَّى إحباطها
_________________
(١) - صَحِيح مُسلم (٤/٢٢٨٩) (٢٩٨٦) .
(٢) - أخرج أَبُو دَاوُد (٢/٣٦٨) (٣٧٤٥)، وَأحمد (٥/٢٨) من حَدِيث رجل من ثَقِيف مَرْفُوعًا: ﴿أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " الْوَلِيمَة أول يَوْم حق وَالثَّانِي مَعْرُوف وَالْيَوْم الثَّالِث سمعة ورياء﴾، والْحَدِيث ضعفه الشَّيْخ الألباني - ﵀ - فِي الإرواء (١٩٥٠)، وَضعف إِسْنَاده الأرناؤوط فِي هَامِش الْمسند.
(٣) - عزاهُ السُّيُوطِيّ فِي " الدّرّ المتثور " لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
(٤) - كَذَا بِالْأَصْلِ، وَلم أدر وَجهه، وَلَعَلَّ فِي الْعبارَة سقط.
[ ١ / ٢٥٥ ]
إِلَى صَلَاةِ فَرِيضَةٍ، وَهَكَذَا، قَدْ يَبْدَأُ عَمَلًا خَالِصًا للَّه، ثُمَّ يَطْرَأُ عَلَيْهِ شَبَحُ الرِّيَاءِ، فَهَلْ يَسْلَمُ لَهُ عَمَلُهُ أَوْ يُحْبِطُهُ مَا طَرَأَ عَلَيْهِ مِنَ الرِّيَاءِ؟
فَقَالُوا: إِنْ كَانَ خَاطِرًا وَدَفَعَهُ عَنْهُ فَلَا يَضُرُّهُ، وَإِنِ اسْتَرْسَلَ مَعَهُ. فَقَدْ رَجَّحَ أَحْمَدُ وَابْنُ جَرِيرٍ، عَدَمَ بُطْلَانِ الْعَمَلِ نَظَرًا لِسَلَامَةِ الْقَصْدِ ابْتِدَاءً.
وَدَلِيلُهُمْ فِي ذَلِكَ: مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَنِي سَلَمَةَ كُلُّهُمْ يُقَاتِلُ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُقَاتِلُ لِلدُّنْيَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَاتِلُ نَجْدَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَاتِلُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ: «كُلُّهُمْ إِذَا كَانَ أَصْلُ أَمْرِهِ، أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا» (١) .
وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ: أَنَّ هَذَا فِي الْعَمَلِ الَّذِي يَرْتَبِطُ آخِرُهُ بِأَوَّلِهِ، كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، أَمَّا مَا كَانَ مِثْلَ الْقِرَاءَةِ وَالْعِلْمِ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ الْخَالِصَةِ للَّه، أَيْ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَكُلَّ جُزْءٍ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ، فَلَا يَرْتَبِطُ بِمَا قَبْلَهُ.
وَهُنَاكَ مَسْأَلَةٌ: وَهِيَ أَنَّ الْعَبْدَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ للَّه خَالِصًا، ثُمَّ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ، فَيُحْسِنُونَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ فَيُعْجِبُهُ ذَلِكَ. فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الرِّيَاءِ فِي شَيْءٍ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁، أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَعْمَلُ مِنَ الْخَيْرِ يَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَقَالَ ﷺ «عَاجِلُ بُشْرَى الْمُسْلِمِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢) .
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ مَنْ كَانَ يَعْمَلُ عَمَلًا خَفِيًّا، ثُمَّ حَضَرَ بَعْضُ النَّاسِ فَتَرَكَهُ مِنْ أَجْلِهِمْ خَشْيَةَ الرِّيَاءِ، أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الرِّيَاءِ، لِأَنَّهُ يَضْعُفُ فِي نَفْسِهِ أَنَّ يُخْلِصَ النِّيَّةَ للَّه، وَفِي هَذَا بُعد ومشقة.] (٣) .
_________________
(١) - مَرَاسِيل أبي دَاوُد (ص/٢٤٢) (٣٢١)، وَإِسْنَاده ضَعِيف لإرساله.
(٢) - صَحِيح مُسلم (٤/٢٠٣٤) (٢٦٤٢) .
(٣) - ٩/٥٥٠: ٥٥٤، الماعون / ٦، ٧.
[ ١ / ٢٥٦ ]
فَائِدَة: العلاقة بَين الْمرَائِي، وَالْمُنَافِق.
وَقَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [الْمرَائِي فِي صِلَاتِهِ قَدْ يَكُونُ مُنَافِقًا، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُنَافِقٍ.
فَالرِّيَاءُ أَعَمُّ مِنْ جِهَةٍ، وَالنِّفَاقُ أَعَمُّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، أَيْ قَدْ يُرَائِي فِي عَمَلٍ مَا، وَيَكُونُ مُؤْمِنًا بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ وَبِكُلِّ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ، وَلَا يُرَائِي فِي عَمَلٍ آخَرَ، بَلْ يَكُونُ مُخْلِصًا فِيهِ كُلَّ الْإِخْلَاصِ.
وَالْمُنَافِقُ دَائِمًا ظَاهِرُهُ مُخَالِفٌ لِبَاطِنِهِ فِي كُلِّ شَيْء، لَا فِي الصَّلَاة فَقَط ] (١) .
- المُرَاد بتغيير خلق الله الَّذِي هُوَ من الشّرك.
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَأْمُرُهُمْ بِالْكُفْرِ وَتَغْيِيِرِ فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ الَّتِي خَلَقَهُمُ اللَّه عَلَيْهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ يُبَيِّنُهُ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، إِذِ الْمَعْنَى عَلَى التَّحْقِيقِ لَا تُبَدِّلُوا فِطْرَةَ اللَّه الَّتِي خَلَقَكُمْ عَلَيْهَا بِالْكُفْرِ. فَقَوْلُهُ: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، خَبَرٌ أُرِيدَ بِهِ الْإِنْشَاءُ إِيذَانًا بِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي إِلَّا أَنْ يَمْتَثِلَ، حَتَّى كَأَنَّهُ خَبَرٌ وَاقِعٌ بِالْفِعْلِ لَا مَحَالَةَ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ﴾، أَي: لَا ترفثوا، وَلَا تفسقوا، ويشهدا لِهَذَا مَا ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُولَدُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَل تَجِدُونَ فِيهَا من
_________________
(١) - ٩/٥٤٦- ٥٤٧، الماعون / ٦، ٧.
[ ١ / ٢٥٧ ]
جَدْعَاءَ» (١)، وَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ» عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارِ بْنِ أَبِي حِمَارٍ التَّمِيمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: «إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِيَ حُنَفَاءَ فَجَاءَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ» (٢) .
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ فِي الْآيَةِ بِتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّه خِصَاءُ الدَّوَابِّ، وَالْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَشْمُ، فَلَا بَيَانَ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَبِكُلٍّ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ قَالَ جمَاعَة من الْعلمَاء
وَكَذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّه الْوَشْمُ، فَهُوَ يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْوَشْمَ حَرَامٌ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لعن اللَّه الْوَاشِمَات وَالْمُسْتَوْشِمَات والنامصات والمنتمصات وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّه ﷿، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّه ﷿، يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ﴾ .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: الْمُرَادُ بِتَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى خَلَقَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْأَحْجَارَ وَالنَّارَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ لِلِاعْتِبَارِ وَلِلِانْتِفَاعِ بِهَا، فَغَيَّرَهَا الْكَفَّارُ بِأَنْ جَعَلُوهَا آلِهَةً مَعْبُودَةً.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّ اللَّه تَعَالَى خَلَقَ الْأَنْعَامَ لِتُرْكَبَ وَتُؤْكَلَ، فَحَرَّمُوهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَجَعَلَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْحِجَارَةَ مُسَخَّرَةً لِلنَّاسِ، فَجَعَلُوهَا آلِهَةً يَعْبُدُونَهَا، فَقَدْ غَيَّرُوا مَا خلق اللَّه.
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (١/٤٥٦) (١٢٩٣)، وَمُسلم (٤/٢٠٤٧) (٢٦٥٨) .
(٢) - صَحِيح مُسلم (٤/٢١٩٧) (٢٨٦٥) .
[ ١ / ٢٥٨ ]
وَمَا رُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ ﵀ مِنْ أَنَّهُ كَانَ لَا يَحْضُرُ نِكَاحَ سَوْدَاءَ بِأَبْيَضَ وَلَا بَيْضَاءَ بِأَسْوَدَ، وَيَقُولُ: هَذَا مِنْ قَوْلِ اللَّه تَعَالَى: ﴿فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، فَهُوَ مَرْدُودٌ بِأَنَّ اللَّفْظَ وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُهُ، فَقَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْآيَةِ فَمِنْ ذَلِكَ إِنْفَاذُهُ ﷺ نِكَاحَ مَوْلَاهُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ﵁ وَكَانَ أَبْيَضَ بِظِئْرِهِ بَرَكَةَ أُمِّ أُسَامَةَ، وَكَانَتْ حبشية سَوَاء، وَمِنْ ذَلِكَ إِنْكَاحُهُ ﷺ أُسامة بْنَ زَيْدٍ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ وَكَانَتْ بَيْضَاءَ قُرَشِيَّةً وَأُسَامَةُ أَسْوَدَ، وَكَانَتْ تَحْتَ بِلَالٍ أُخْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ، وَقَدْ سَهَا طَاوُسٌ ﵀ مَعَ عِلْمِهِ وَجَلَالَتِهِ عَنْ هَذَا.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّه عَنْهُ: وَيُشْبِهُ قَوْلُ طَاوُسٍ هَذَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ مِنْ أَنَّ السَّوْدَاءَ تُزَوَّجُ بِوِلَايَةِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَالِكًا يُجِيزُ تَزْوِيج الدنية بِولَايَة عَامَّة مُسلم إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ خَاصٌّ مُجْبَرٌ. قَالُوا: وَالسَّوْدَاءُ دَنِيَّةٌ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ السَّوَادَ شَوَهٌ فِي الْخِلْقَةِ وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْدُودٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْحَقُّ أَنَّ السَّوْدَاءَ قَدْ تَكُونُ شَرِيفَةً، وَقَدْ تَكُونُ جَمِيلَةً، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الأدباء:
وَسَوْدَاءُ الْأَدِيمِ تُرِيكَ وَجْهًا تَرَى مَاءَ النَّعِيمِ جَرَى عَلَيْهِ
رَآهَا نَاظِرِي فَرَنَا إِلَيْهَا وَشَكْلُ الشىء منجذب إِلَيْهِ
وَقَالَ آخر:
وَلِي حَبَشِيَّةٌ سَلَبَتْ فُؤَادِي وَنَفْسِي لَا تَتُوقُ إِلَى سِوَاهَا
كَأَنَّ شُرُوطَهَا طُرُقٌ ثَلَاثٌ تَسِيرُ بِهَا النُّفُوسُ إِلَى هَوَاهَا
وَقَالَ آخَرُ فِي سَوْدَاء:
أَشْبَهَكِ الْمِسْكُ وَأَشْبَهْتِهِ قَائِمَةً فِي لَوْنِهِ قَاعِدَهْ
لَا شَكَّ إِذْ لَوْنُكُمَا وَاحِدٌ أَنَّكُمَا مِنْ طِينَة وَاحِدَة
[ ١ / ٢٥٩ ]
وَأَمْثَاله فِي كَلَام الأدباء كَثِيرَة.] (١) .
- من الشّرك الطَّيرَة، واعتقاد الْعَدْوى.
[قَوْلُهُ: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾، أَيْ: تَشَاءَمْنَا بِكَ، وَكَانَ قَوْمُ صَالِحٍ إِذَا نَزَلَ بِهِمْ قَحْطٌ أَوْ بلَاء أَو مصائب، قَالُوا: مَا حاءنا هَذَا إِلَّا مِنْ شُؤْمِ صَالِحٍ، وَمَنْ آمَنَ بِهِ.
وَالتَّطَيُّرُ: التَّشَاؤُمُ، وَأَصْلُ اشْتِقَاقِهِ مِنَ التَّشَاؤُمِ بزجر الطير.] (٢) .
وَقَالَ أَيْضا: [وَالزَّجْرُ: هُوَ الْعِيَافَةُ، وَهِيَ: التَّشَاؤُمُ وَالتَّيَامُنُ بِالطَّيْرِ، وَادِّعَاءُ مَعْرِفَةِ الْأُمُورِ مِنْ كَيْفِيَّةِ طَيَرَانِهَا وَمَوَاقِعِهَا وَأَسْمَائِهَا وَأَلْوَانِهَا وَجِهَاتِهَا الَّتِي تَطِيرُ إِلَيْهَا.
وَمِنْهُ قَول عَلْقَمَة بن عَبدة التَّمِيمِي:
وَمَنْ تَعَرَّضَ لِلْغِرْبَانِ يَزْجُرُهَا عَلَى سَلَامَتِهِ لَا بُدَّ مَشْئُومُ
وَكَانَ أَشَدَّ الْعَرَبِ عِيَافَةً بَنُو لَهب حَتَّى قَالَ فيهم الشَّاعِر:
خَبِيرٌ بَنُو لَهَبٍ فَلَا تَكُ مُلْغِيًا مَقَالَةَ لَهَبِي إِذَا الطَّيْرُ مَرَّتِ
وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ ناظم عَمُود النّسَب:
فِي مَدْلَجِ بْنِ بَكْرٍ الْقِيَافَةُ كَمَا لِلَهَبٍ كَانَت العيافة
وَلَقَد صدق من قَالَ:
لَعَمْرُكَ مَا تَدْرِي الضَّوَارِبُ بِالْحَصَى وَلَا زَاجِرَاتُ الطير مَا الله صانع] (٣) .
_________________
(١) - ١/٣٦٦: ٣٦٩، النِّسَاء/١١٩.
(٢) - ٦/٤٠٦ - ٤٠٧، النَّمْل / ٤٧.
(٣) - ٢/١٧٨، الْأَنْعَام/٥٩.
[ ١ / ٢٦٠ ]
فرع: الرَّد على من يتشاءم بِيَوْم الْأَرْبَعَاء، وَتَقْرِير أَن النحس والشؤم منشأه وَسَببه الْكفْر والمعاصي.
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ وَيَزْعُم بعض أهل الْعلم، أَنَّهَا - أَي الْأَيَّام النحسات - مِنْ آخَرِ شَوَّالٍ، وَأَنَّ أَوَّلَهَا يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ وَآخِرَهَا يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَمَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَنَّ يَوْمَ النَّحْسِ الْمُسْتَمِرِّ، هُوَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ الْأَخِيرُ مِنَ الشَّهْرِ، أَوْ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ مُطْلَقًا، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ الْمُنْتَسِبِينَ لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَكَثِيرًا مِنَ الْعَوَامِّ صَارُوا يَتَشَاءَمُونَ بِيَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الْأَخِيرِ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، حَتَّى إِنَّهُمْ لَا يقدمُونَ على السّفر، وَالتَّزْوِيج وَنَحْوِ ذَلِكَ فِيهِ، ظَانِّينَ أَنَّهُ يَوْمُ نَحْسٍ وَشُؤْمٍ، وَأَنَّ نَحْسَهُ مُسْتَمِرٌّ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ فِي جَمِيعِ الزَّمَنِ، لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا مُعَوِّلَ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، مَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ، لِأَنَّ نَحْسَ ذَلِكَ الْيَوْمِ مُسْتَمِرٌّ عَلَى عَادٍ فَقَطِ الَّذِينَ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ فِيهِ، فَاتَّصَلَ لَهُمْ عَذَابُ الْبَرْزَخِ وَالْآخِرَةِ، بِعَذَابِ الدُّنْيَا، فَصَارَ ذَلِكَ الشُّؤْمُ مُسْتَمِرًّا عَلَيْهِمُ اسْتِمْرَارًا لَا انْقِطَاعَ لَهُ.
أَمَّا غَيْرُ عَادٍ فَلَيْسَ مُؤَاخَذًا بِذَنْبِ عَادٍ، لِأَنَّهُ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى.
وَقَدْ أَرَدْنَا هُنَا أَنْ نَذْكُرَ بَعْضَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي اغْتَرَّ بِهَا، مَنْ ظَنَّ اسْتِمْرَارَ نَحْسَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، لِنُبَيِّنَ أَنَّهَا لَا مُعَوِّلَ عَلَيْهَا.
قَالَ صَاحِبُ الدُّرِّ الْمَنْثُورِ (١): وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ﴿فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾ «قَالَ: يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ» .
وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ
_________________
(١) - (٧/٦٧٧) .
[ ١ / ٢٦١ ]
اللَّهِ ﷺ «قَالَ لِي جِبْرِيلُ اقْضِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ. وَقَالَ: يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ» (١) .
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ والحجامة وَيَوْم الْأَرْبِعَاءِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ» (٢) .
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يَوْمُ نَحْسٍ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ» (٣) .
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْأَيَّامِ، وَسُئِلَ عَنْ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ قَالَ: يَوْمُ نَحْسٍ، قَالُوا كَيْفَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَغْرَقَ فِيهِ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، وَأَهْلَكَ عَادًا
وَثَمُودَ» (٤) .
وَأَخْرَجَ وَكِيعٌ فِي الْغَرَرِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَالْخَطِيبُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «آخِرُ أَرْبِعَاءَ فِي الشَّهْرِ يَوْمُ نحسمستمر» (٥) .
_________________
(١) - ضعف إِسْنَاده الْحَافِظ ابْن حجر فِي التَّلْخِيص (٤/٢٠٦) بإبراهيم بن أبي حَيَّة، قَالَ عَنهُ: ضَعِيف جدا.
(٢) - أخرجه ابْن عدي فِي الْكَامِل (٥/٢٤٣) من طَرِيق عِيسَى بن عبد الله بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن أَبِيه عَن جده عَن عَليّ - ﵁ - بِهِ. وَقَالَ ابْن حبَان فِي الْمَجْرُوحين فِي تَرْجَمَة عِيسَى: [عِيسَى بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عمر بن عَليّ بن أبي طَالب من أهل الْكُوفَة يروي عَن أَبِيه عَن آبَائِهِ أَشْيَاء مَوْضُوعَة لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ كَأَنَّهُ كَانَ يهم ويخطيء حَتَّى كَانَ يَجِيء بالأشياء الْمَوْضُوعَة عَن أسلافه فَبَطل الِاحْتِجَاج بِمَا يرويهِ لما وصفت] .
(٣) - وَأعله السُّيُوطِيّ فِي اللآلي بإبراهيم بن هراسة، قَالَ عَنهُ: مَتْرُوك.
(٤) - وَأعله السُّيُوطِيّ فِي اللآلي بِأبي الأخيل خَالِد بن عَمْرو الْحِمصِي، قَالَ عَنهُ مُتَّهم.
(٥) - قَالَ العجلوني فِي كشف الخفاء (١/١١): [رَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره عَن ابْن عَبَّاس والخطيب لَكِن بِلَفْظ من الشَّهْر وَقَالَ السُّيُوطِيّ فِي الْجَامِع الْكَبِير رَوَاهُ وَكِيع فِي الْغرَر وَابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره عَن ابْن عَبَّاس وَفِيه مسلمة ابْن الصَّلْت مَتْرُوك وَأوردهُ ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا انْتهى وَقَالَ ابْن رَجَب لَا يَصح وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِسَنَد ضعفه بِلَفْظ يَوْم الْأَرْبَعَاء يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ] .
[ ١ / ٢٦٢ ]
فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ وَأَمْثَالُهَا لَا تَدُلُّ عَلَى شُؤْمِ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ عَلَى مَنْ لَمْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَلَمْ يَعْصِهِ لِأَنَّ أَغْلَبَهَا ضَعِيفٌ وَمَا صَحَّ مَعْنَاهُ مِنْهَا، فَالْمُرَادُ بِنَحْسِهِ شُؤْمُهُ عَلَى أُولَئِكَ الْكَفَرَةِ الْعُصَاةِ الَّذِينَ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ فِيهِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وَمَعَاصِيهِمْ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّحْسَ وَالشُّؤْمَ إِنَّمَا منشأة وَسَبَبُهُ الْكُفْرُ وَالْمَعَاصِي.
أَمَّا مَنْ كَانَ مُتَّقِيًا لِلَّهِ مُطِيعًا لَهُ، فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الْمَذْكُورِ فَلَا نَحْسَ، وَلَا شُؤْمَ فِيهِ عَلَيْهِ. فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ النَّحْسَ وَالشُّؤْمَ وَالنَّكَدَ، وَالْبَلَاءَ وَالشَّقَاءَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَلْيَتَحَقَّقْ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَعَدَمِ امْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَالْعِلْمُ عِنْد الله تَعَالَى.] (١) .
- من الشّرك صرف هيئات الْعِبَادَة لغير الله.
[اعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَأَمَّلَ فِي مَعْنَى الْعِبَادَةِ، وَهِيَ تَشْمَلُ جَمِيعَ مَا أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُتَقَرَّبَ إِلَيْهِ بِهِ مِنْ جَمِيعِ الْقُرُبَاتِ فَيُخْلِصَ تَقَرُّبَهُ بِذَلِكَ إِلَى اللَّهِ وَلَا يَصْرِفُ شَيْئًا مِنْهُ لِغَيْرِ اللَّهِ كَائِنًا مَا كَانَ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ يَشْمَلُ هَيْئَاتِ الْعِبَادَةِ فَلَا يَنْبَغِي للمُسَلِّم عَلَيْهِ ﷺ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى على الْيُسْرَى كهيأة الْمُصَلِّي، لِأَن هيأة الصَّلَاةِ دَاخِلَةٌ فِي جُمْلَتِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ خَالِصَةً لِلَّهِ، كَمَا كَانَ ﷺ هُوَ وَأَصْحَابُهُ يُخْلِصُونَ الْعِبَادَاتِ وَهَيْئَاتِهَا لِلَّهِ وَحده.] (٢) .
_________________
(١) - ٧/١٢٣: ١٢٥، فصلت / ١٦.
(٢) - ٧/٦٢٦، الحجرات / ٢، وَانْظُر أَيْضا (٨/٥٩٦) (الْجِنّ/١٨) .
[ ١ / ٢٦٣ ]
فصل: حماية النَّبِي - ﷺ - جناب التَّوْحِيد وسده كل ذرائع الشّرك
وَمن ذَلِك:
- تَحْرِيم إِقَامَة الْمَسَاجِد على الْقُبُور، وَالنَّهْي عَن الصَّلَاة إِلَى الْقُبُور:
[وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي الْمَقْبَرَةِ وَالصَّلَاةُ إِلَى الْقَبْرِ فَكِلَاهُمَا ثَبَتَ عَنِ النَّبي ﷺ النَّهْيُ عَنْهُ. أَمَّا الصَّلَاةُ فِي الْمَقَابِرِ فَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ فِي النَّهْيِ عَنْهَا مِنْهَا مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبي ﷺ قَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا، وَلَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ ﷺ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا (١) . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا نَحْوُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٢) وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (٣)، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى» وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْيَهُودِ. والنَّبي ﷺ لَا يَلْعَنُ إِلَّا عَلَى فِعْلٍ حَرَامٍ شَدِيدِ الْحُرْمَةِ. وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا. أَلا وَإِن من
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (١/٤٦٨) (١٣٢٤)، وَمُسلم (١/٣٧٦) (٥٢٩) .
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (١/٤٦٨) (٤٢٦)، وَمُسلم (١/٣٧٦) (٥٣٠) .
(٣) - أخرجه البُخَارِيّ (٣/١٢٧٣) (٣٢٦٧)، وَمُسلم (١/٣٧٧) (٥٣) .
[ ١ / ٢٦٤ ]
كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ. إِلَّا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا (١) .
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا» (٢) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ وَقَوْلُهُ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقُبُورَ لَيْسَتْ مَحَلَّ صَلَاةٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْحَدِيثِ صَلُّوا وَلَا تَكُونُوا كَالْأَمْوَاتِ فِي قُبُورِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَرْفُوعًا: «إِنَّ مِنْ شَرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ» (٣) وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا.
وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ لَا مَطْعَنَ فِيهَا، وَهِيَ تَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ. لِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ صُلِّيَ فِيهِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ فِي اللُّغَةِ مَكَانُ السُّجُودِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا» (٤) الْحَدِيثَ أَيْ كُلُّ مَكَانٍ مِنْهَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ. وَظَاهِرُ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ الْعُمُومُ سَوَاءٌ نُبِشَتِ الْمَقْبَرَةُ وَاخْتَلَطَ تُرَابُهَا بِصَدِيدِ الْأَمْوَاتِ أَوْ لَمْ تُنْبَشْ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ لَيْسَتْ بِنَجَاسَةِ الْمَقَابِرِ كَمَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيَّةُ، بِدَلِيلِ اللَّعْنِ الْوَارِدِ من النَّبي ﷺ
_________________
(١) - أخرجه مُسلم (١/٣٧٧) (٥٣٢)، وَالنَّسَائِيّ فِي "الْكُبْرَى" (٦/٣٢٨) (١١١٢٣) .
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (١/١٦٦) (٤٢٢)، وَمُسلم (١/٥٣٨) (٧٧٧)، وَأَبُو دَاوُد (١/٣٤٠) (١٠٤٣)، وَالتِّرْمِذِيّ (٢/٣١٣) (٤٥١)، وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَالنَّسَائِيّ (٣/١٩٧) (١٥٩٨)، وَأحمد (٢/٦) .
(٣) - أخرجه أَحْمد (١/٤٠٥)، وَقَالَ الأرناؤوط: إِسْنَاده حسن.
(٤) - أخرجه البُخَارِيّ (١/١٢٨) (٣٢٨)، وَمُسْلِمٌ (١/٣٧٠) (٥٢١) مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ - ﵁ -.
[ ١ / ٢٦٥ ]
عَلَى مَنِ اتَّخَذَ قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ مَسَاجِدَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ قُبُورَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ لَيْسَتْ نَجِسَةً فَالْعِلَّةُ لِلنَّهْيِ سَدُّ الذَّرِيعَةِ لِأَنَّهُمْ إِذَا عَبَدُوا اللَّهَ عِنْدَ الْقُبُورِ آلَ بِهِمُ الْأَمْرُ إِلَى عِبَادَةِ الْقُبُورِ.
فَالظَّاهِرُ مِنَ النُّصُوصِ الْمَذْكُورَةِ مَنْعُ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْمَقَابِرِ مُطْلَقًا وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَفِي صِحَّتِهَا عِنْدَهُ رِوَايَتَانِ وَإِنْ تَحَقَّقَتْ طَهَارَتُهَا، وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا مَكْرُوهَةٌ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ نَجِسَةً لِاخْتِلَاطِ أَرْضِهَا بِصَدِيدِ الْأَمْوَاتِ لِأَجْلِ النَّبْشِ فَالصَّلَاةُ فِيهَا بَاطِلَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُنْبَشْ فَالصَّلَاةُ فِيهَا مَكْرُوهَةٌ عِنْدَهُمْ. وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ عَنِ ابْنِ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ قَالَ: رُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهُمْ كَرِهُوا الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ. قَالَ: وَلَمْ يَكْرَهْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَوَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَنَقَلَ صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ دَاوُدَ أَنَّهُ قَالَ: تَصِحُّ الصَّلَاةُ وَإِنْ تَحَقَّقَ نَبْشُهَا. وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ عَنْ خَمْسَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: وَهُمْ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ: مَا نَعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفًا، وَحَكَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَطَاوُسٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَخَيْثَمَةَ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ حَكَى الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ. وَحُكِيَ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ صَلَّى فِي الْمَقْبَرَةِ.
وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلَّى وَسْطَ الْقُبُورِ قَالَ: لَقَدْ صَلَّيْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄ وَسْطَ الْبَقِيعِ وَالْإِمَامُ يَوْمَ صَلَّيْنَا عَلَى عَائِشَةَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، وَحَضَرَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ (١) . وَمِمَّنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ أَبُو
_________________
(١) - أخرجه عبد الرَّزَّاق فِي " مُصَنفه " (١/٤٠٧) (١٥٩٣)، (٣/٥٢٥) (٦٥٧٠)، وَالْبَيْهَقِيّ (٢/٤٣٥)، وَالطَّبَرَانِيّ (٢٣/٢٩) (٧٢) من طَرِيق ابْن جريج قَالَ أَخْبرنِي نَافِع بِهِ، وَرِجَاله ثِقَات.
[ ١ / ٢٦٦ ]
حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ بِأَنَّ النَّبي ﷺ صَلَّى عَلَى الْمِسْكِينَةِ السَّوْدَاءِ بِالْمَقْبَرَةِ. وَسَيَأْتِي قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ حُكْمُ الصَّلَاةِ إِلَى جِهَةِ الْقَبْرِ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ دَلِيلًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدِي قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ النُّصُوصَ صَرِيحَةٌ فِي النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ وَلَعْنِ مَنِ اتَّخَذَ الْمَسَاجِدَ عَلَيْهَا، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ جِدًّا فِي التَّحْرِيمِ. أَمَّا الْبُطْلَانُ فَمُحْتَمَلٌ، لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ مِنْ أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (١) وَالصَّلَاةُ فِي الْمَقَابِرِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، فَلَيْسَتْ مِنْ أَمْرِنَا فَهِيَ رَدٌّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: الصَّلَاةُ مِنْ أَمْرِنَا فَلَيْسَتْ رَدًّا، وَكَوْنُهَا فِي الْمَكَانِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ هُوَ الَّذِي لَيْسَ مِنْ أَمْرِنَا.
كَمَا عُلِمَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي كُلِّ مَنْهِيٍّ عَنْهُ لَهُ جِهَتَانِ: إِحْدَاهُمَا مَأْمُورٌ بِهِ مِنْهَا كَكَوْنِهِ صَلَاةً، وَالْأُخْرَى مَنْهِيٌّ عَنْهُ مِنْهَا كَكَوْنِهِ فِي مَوْضِعِ نَهْيٍ أَوْ وَقْتِ نَهْيٍ أَوْ أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ أَوْ بِحَرِيرٍ أَوْ ذَهَبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنِ انْفَكَّتْ جِهَةُ الْأَمْرِ عَنْ جِهَةِ النَّهْيِ لَمْ يَقْتَضِ النَّهْيُ الْفَسَادَ، وَإِنْ لَمْ تَنْفَكَّ عَنْهَا اقْتَضَاهُ. وَلَكِنَّهُمْ عِنْدَ التَّطْبِيقِ يَخْتَلِفُونَ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: الْجِهَةُ هُنَا مُنْفَكَّةٌ. وَيَقُولُ الْآخَرُ: لَيْسَتْ مُنْفَكَّةً كَالْعَكْسِ، فَيَقُولُ الْحَنْبَلِيُّ مَثَلًا الصَّلَاةُ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَنْفَكَّ فِيهَا جِهَةُ الْأَمْرِ عَنْ جِهَةِ النَّهْيِ. لِكَوْنِ حَرَكَةِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ كُلُّهَا يَشْغَلُ الْمُصَلِّي بِهِ حَيِّزًا مِنَ الْفَرَاغِ لَيْسَ مَمْلُوكًا لَهُ، فَنَفْسُ شَغْلِهِ لَهُ بِبَدَنِهِ أَثْنَاءَ الصَّلَاةِ حَرَامٌ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً بِحَالٍ. فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ كَالْمَالِكِيِّ وَالشَّافِعِيِّ: الْجِهَةُ مُنْفَكَّةٌ هُنَا لِأَنَّ هَذَا الْفِعْل من حَيْثُ كَونه صَلَاة قربَة،
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (٢/٩٥٩) (٢٥٥٠)، وَمُسلم (٢/١٣٤٣) (١٧١٨)، من حَدِيث عَائِشَة - ﵂ -.
[ ١ / ٢٦٧ ]
وَمن حَيْثُ كَونه غَضبا حَرَامٌ، فَلَهُ صَلَاتُهُ وَعَلَيْهِ غَصْبُهُ كَالصَّلَاةِ بِالْحَرِيرِ. وَإِلَى هَذَا الْمَسْأَلَةِ وَأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا أَشَارَ فِي مَرَاقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:
دُخُولُ ذِي كَرَاهَةٍ فِيمَا أُمِرَ بِهِ بِلَا قَيْدٍ وَفَصْلٍ قَدْ حُظِرْ
فَنَفْيُ صِحَّةٍ وَنَفْيُ الْأَجْرِ فِي وَقْتِ كُرْهٍ لِلصَّلَاةِ يَجْرِي
وَإِنْ يَكُ النَّهْيُ عَنِ الْأَمْرِ انْفَصَلْ فَالْفِعْلُ بِالصِّحَّةِ لَا الْأَجْرُ اتَّصَلْ
وَذَا إِلَى الْجُمْهُورِ ذُو انْتِسَابِ وَقِيلَ بِالْأَجْرِ مَعَ الْعِقَابِ
وَقَدْ رُوِي الْبُطْلَانُ وَالْقَضَاءُ وَقِيلَ ذَا فَقَطْ لَهُ انْتِفَاءُ
مِثْلَ الصَّلَاةِ بِالْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ أَوْ فِي مَكَانِ الْغَصْبِ وَالْوُضُو انْقَلَبْ
وَمَعْطَنٍ وَمَنْهَجٍ وَمَقْبَرَهْ كَنِيسَةٍ وَذِي حَمِيمٍ مَجْزَرَهْ
وَأَمَّا الصَّلَاةُ إِلَى الْقُبُورِ فَإِنَّهَا لَا تَجُوزُ أَيْضًا، بِدَلِيلِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا» هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. وَفِي لَفْظٍ لَهُ أَيْضًا: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا» (١) وَالْقَاعِدَةُ الْمُقَرَّرَةُ فِي الْأُصُولِ: أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ.
فَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ دَلِيلًا مَنْعُ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَإِلَى الْقَبْرِ، لِأَنَّ صِيغَةَ النَّهْيِ الْمُتَجَرِّدَةَ مِنَ الْقَرَائِنِ تَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. أَمَّا اقْتِضَاءُ النَّهْيِ الْفَسَادَ إِذَا كَانَ لِلْفِعْلِ جِهَةُ أَمْرٍ وَجِهَةُ نَهْيٍ فَفِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ آنِفًا وَإِنْ كَانَتْ جِهَتُهُ وَاحِدَةً اقْتَضَى الْفَسَادَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمَرَاقِي فِي اقْتِضَاءِ النَّهْيِ الْفَسَادَ:
وَجَاءَ فِي الصَّحِيحِ لِلْفَسَادِ إِنْ لَمْ يَجِي الدَّلِيلُ لِلسَّدَادِ
وَقَدْ نَهَى ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ الصَّلَاةِ إِلَى الْقُبُورِ وَقد قَالَ:
_________________
(١) - أخرجه مُسلم (٢/٦٦٨) (٩٧٢) .
[ ١ / ٢٦٨ ]
«وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ» (١) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ﴾ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ لَعْنَهُ ﷺ مَنِ اتَّخَذَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ يَدُلُّ دَلَالَةً وَاضِحَةً عَلَى التَّحْرِيمِ.
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ وَإِلَى الْقُبُورِ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا:
عُمُومُ قَوْلِهِ ﷺ الثَّابِتُ فِي الصَّحِيح: «وَجعلت لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا» الْحَدِيثَ (٢) . قَالُوا عُمُومُهُ يَشْمَلُ الْمَقَابِرَ، وَيُجَابُ عَنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ مِنْهُ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَإِلَى الْقَبْرِ خَاصَّةً، وَحَدِيثُ «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا» عَامٌّ، وَالْخَاصُّ يُقْضَى بِهِ عَلَى الْعَامِّ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَالثَّانِي أَنَّ النَّبي ﷺ اسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ كَوْنِ الْأَرْضِ مَسْجِدًا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبي ﷺ قَالَ: «وَالْأَرْض كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» (٣) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي «فَتْحِ الْبَارِي» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ الْبُخَارِيِّ بَابُ «كَرَاهِيَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقَابِرِ» فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (٦/٢٦٥٨) (٦٨٥٨)، وَمُسلم (٤/١٨٢٩) (١٣٣٧) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -.
(٢) - سبق تَخْرِيجه.
(٣) - أخرجه أَبُو دَاوُد (١/١٨٦) (٤٩٢)، وَالتِّرْمِذِيّ (٢/١٣١) (٣١٧)، وَابْن مَاجَه (١/٢٤٦) (٧٤٥)، وَأحمد (٣/٨٣)، وَالشَّافِعِيّ فِي "مُسْنده" (١/٢٠) (٧٠)، وَأَبُو يعلى (٢/٥٠٣) (١٣٥٠)، وَابْن خُزَيْمَة (٢/٧) (٧٩١)، وَابْن حبَان (٦/٩٢) (٢٣٢١)، وَالْحَاكِم (١/٣٨٠) (٩١٩)، والْحَدِيث صَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ - والأرناؤوط.
[ ١ / ٢٦٩ ]
وَالتِّرْمِذِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنِ اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ إرْسَاله، وَحَكَمَ مَعَ ذَلِكَ بِصِحَّتِهِ الْحَاكِمُ وَابْنُ حِبَّانَ. وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ ﵀ «فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ»: صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ، وَأَشَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إِلَى صِحَّتِهِ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: التَّحْقِيقُ أَنَّ الْحَدِيثَ إِذَا اخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ، وَثَبَتَ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحِةٍ حُكِمَ بِوَصْلِهِ، وَلَا يَكُونُ الْإِرْسَالُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عِلَّةً فِيهِ. لِأَنَّ الْوَصْلَ زِيَادَةٌ وَزِيَادَاتُ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ. وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِ صَاحِبِ «مَرَاقِي السُّعُودِ»:
وَالرَّفْعُ وَالْوَصْلُ وَزِيدَ اللَّفْظُ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ إِمَامِ الْحِفْظِ
مِنْ أَدِلَّةِ مَنْ قَالَ: تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي الْقُبُورِ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ
كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ أَوْ شَابًا فَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ عَنْهَا أَوْ عَنْهُ فَقَالُوا مَاتَ قَالَ: «أَفَلَا آذَنْتُمُونِي» قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صغَّروا أَمْرَهَا أَوْ أَمْرَهُ. فَقَالَ: دلُّوني عَلَى قَبْرِهِ فدلُّوه فصلَّى عَلَيْهَا. ثمَّ قَالَ: «هَذِهِ الْقُبُورُ مملوءةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا وإنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ» (١) . وَلَيْسَ لِلْبُخَارِيِّ «إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً» إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ قَالُوا: فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلَاةِ إِلَى الْقَبْرِ.
وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى قَبْرٍ رَطْبٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَصَفُّوا خَلْفَهُ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا (٢) .
وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ أَيْضًا مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبي ﷺ
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (١/١٧٦) (٤٤٨)، وَمُسلم (٢/٦٥٩) (٩٥٦) .
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (١/٤٤٣) (١٢٥٦)، وَمُسلم (٢/٦٥٨) (٩٥٤) .
[ ١ / ٢٧٠ ]
صَلَّى عَلَى قَبْرٍ (١) .
وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ مَا قَدَّمْنَا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄ وَسْطَ الْبَقِيعِ.
وَهَذِهِ الْأَدِلَّةُ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ إِلَى الْقُبُورِ وَصِحَّتِهَا. لَا مُطْلَقِ صِحَّتِهَا دُونَ الْجَوَازِ.
وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِلَفْظِ: «وَرَأَى عُمَرُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ. فَقَالَ: الْقَبْرَ الْقَبْرَ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ» (٢) اهـ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ: أُورِدَ أَثَرُ عُمَرَ الدَّالُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ فِي ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي فَسَادَ الصَّلَاةِ. وَالْأَثَرُ الْمَذْكُورُ عَنْ عُمَرَ رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ. وَلَفْظُهُ: «بَيْنَمَا أَنَسٌ يُصَلِّي إِلَى قَبْرٍ نَادَاهُ عُمَرُ: الْقَبْرَ الْقَبْرَ ! فَظَنَّ أَنَّهُ يَعْنِي الْقَمَرَ. فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ يَعْنِي الْقَبْرَ جَاوَزَ الْقَبْرَ وَصَلَّى» وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى بَيَّنْتُهَا فِي تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ. مِنْهَا مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ، زَادَ فِيهِ: فَقَالَ بَعْضُ مَنْ يَلِينِي إِنَّمَا يَعْنِي الْقَبْرَ فَتَنَحَّيْتُ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ الْقَبْرَ الْقَبْرَ بِالنَّصْبِ فِيهِمَا عَلَى التَّحْذِيرِ. وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ اسْتَنْبَطَهُ مِنْ تَمَادِي أَنَسٍ عَلَى
الصَّلَاةِ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي فَسَادَهَا لَقَطَعَهَا وَاسْتَأْنَفَ اهـ مِنْهُ بِلَفْظِهِ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: هَذِهِ الْأَدِلَّةُ يَظْهَرُ لِلنَّاظِرِ أَنَّهَا مُتَعَارِضَةٌ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْجَمْعَ وَاجِبٌ إِذَا أَمْكَنَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ وَجَبَ التَّرْجِيحُ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَجِبُ الْجَمْعُ وَالتَّرْجِيحُ مَعًا. أَمَّا وَجْهُ الْجَمْعِ فَإِنَّ جَمِيعَ الْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى الْقُبُورِ كُلُّهَا فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَلَيْسَ فِيهَا رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ، وَإِنَّمَا هِيَ دُعَاءٌ لِلْمَيِّتِ فَهِيَ من جنس الدُّعَاء للأموات
_________________
(١) - صَحِيح مُسلم (٢/٦٥٩) (٩٦٦) .
(٢) - البُخَارِيّ مُعَلّقا بِصِيغَة الْجَزْم (١/٦٥) .
[ ١ / ٢٧١ ]
عِنْدَ الْمُرُورِ بِالْقُبُورِ.
وَلَا يُفِيدُ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْأَدِلَّة جَوَاز صَلَاة الْفَرِيضَة أَو الناقلة الَّتِي هِيَ صَلَاةٌ ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ. وَيُؤَيِّدُهُ تَحْذِيرُ عُمَرَ لِأَنَسٍ مِنَ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْقَبْرِ. نَعَمْ تَتَعَارَضُ تِلْكَ الْأَدِلَّةُ مَعَ ظَاهِرِ عُمُومِ «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا» (١) فَإِنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصَّلَاةِ، فَيَشْمَلُ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ، فَيَتَحَصَّلُ أَنَّ الصَّلَاةَ ذَاتَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهَا إِلَى الْقَبْرِ أَوْ عِنْدَهُ بَلِ الْعَكْسُ.
أَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ فَهِيَ الَّتِي تَعَارَضَتْ فِيهَا الْأَدِلَّةُ. وَالْمُقَرَّرُ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى النَّهْيِ مُقَدَّمٌ عَلَى الدَّلِيلِ عَلَى الْجَوَازِ، وَلِلْمُخَالِفِ أَنْ يَقُولَ: لَا يَتَعَارَضُ عَامٌّ وَخَاصٌّ. فَحَدِيثُ «لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ» عَامٌّ فِي ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ. وَالْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى قَبْرِ الْمَيِّتِ خَاصَّةٌ وَالْخَاصُّ يُقْضَى بِهِ عَلَى الْعَامِّ. فَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ بِحَسَبِ الصِّنَاعَةِ الْأُصُولِيَّةِ: مَنْعُ الصَّلَاةِ ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عِنْدَ الْقَبْرِ وَإِلَيْهِ مُطْلَقًا لِلَعْنِهِ ﷺ لِمُتَّخِذِي الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى قَبْرِ الْمَيِّتِ الَّتِي هِيَ لِلدُّعَاءِ لَهُ الْخَالِيَةَ مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ تَصِحُّ لِفِعْلِهِ ﷺ الثَّابِت فِي الصَّحِيح مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ ويومىء لِهَذَا الْجَمْعِ حَدِيثُ لَعْنِ مُتَّخِذِي الْقُبُورِ مَسَاجِدَ لِأَنَّهَا أَمَاكِنُ السُّجُودِ. وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ لَا سُجُودَ فِيهَا. فَمَوْضِعُهَا لَيْسَ بِمَسْجِدٍ لُغَةً لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ سُجُودٍ.
تَنْبِيهٌ
اعْلَمْ أَنَّ مَا يَزْعُمُهُ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ: مِنْ أَنَّ الْكتاب وَالسّنة دلا على
_________________
(١) - سبق تَخْرِيجه آنِفا.
[ ١ / ٢٧٢ ]
اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ، يَعْنِي بِالْكِتَابِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا﴾ وَيَعْنِي بِالسُّنَّةِ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ أَنْ مَوْضِعَ مَسْجِدِ النَّبي ﷺ كَانَ فِيهِ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ، وَقَائِلُهُ مِنْ أَجْهَلِ خَلْقِ اللَّهِ.
أَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ فَهُوَ أَنْ تَقُولَ: مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَالُوا لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَسْجِدا؟ أهم مِمَّن يقْتَدى بهَا أَمْ هُمْ كَفَرَةٌ لَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ؟ وَقَدْ قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مَا نَصُّهُ: «وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي قَائِلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، أَهُمُ الرَّهْطُ الْمُسْلِمُونَ أَمْ هُمُ الْكُفَّارُ؟ فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ كُفَّارٌ فَلَا إِشْكَالَ فِي أَنَّ فِعْلَهُمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ إِذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِالِاحْتِجَاجِ بِأَفْعَالِ الْكُفَّارِ كَمَا هُوَ ضَرُورِيٌّ. وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ كَمَا يَدُلُّ لَهُ ذِكْرُ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ اتِّخَاذَ الْمَسَاجِدِ مِنْ صِفَاتِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَخْفَى عَلَى أَدْنَى عَاقِلٍ أَنَّ قَوْلَ قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ إِنَّهُمْ سَيَفْعَلُونَ كَذَا لَا يُعَارِضُ بِهِ النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ عَنِ النَّبي ﷺ إِلَّا مَنْ طَمَسَ اللَّهُ بَصِيرَتَهُ فَقَابَلَ قَوْلَهُمْ ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا﴾ بِقَوْلِهِ ﷺ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَبْلَ انْتِقَالِهِ إِلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى بِخَمْسٍ «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (١) الْحَدِيثَ يَظْهَرُ لَكَ أَنَّ مَنِ اتَّبَعَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ فِي اتِّخَاذِهِمُ الْمَسْجِدَ عَلَى الْقُبُورِ مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ ﷺ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَمَنْ كَانَ مَلْعُونًا عَلَى لِسَانِهِ ﷺ فَهُوَ مَلْعُونٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ كَمَا صَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁. لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، وَلِهَذَا صَرَّحَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ بِأَنَّ الْوَاصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمَا فِي الْحَدِيثِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَلْعُونَةٌ فِي كِتَابِ الله. وَقَالَ للْمَرْأَة
_________________
(١) - سبق تَخْرِيجه آنِفا.
[ ١ / ٢٧٣ ]
الَّتِي قَالَتْ لَهُ: قَرَأْتُ مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ فَلم أجد إِن كنت قرأته فقد وجدته، ثُمَّ تَلَا الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ، وَحَدِيثُهُ مَشْهُورٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا (١)، وَبِهِ تُعْلَمُ أَنَّ مَنِ اتَّخَذَ الْمَسَاجِدَ عَلَى الْقُبُورِ مَلْعُونٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ.
وَأَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِي آيَةِ: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا﴾ .
وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِأَنَّ مَسْجِدَ النَّبي ﷺ بِالْمَدِينَةِ مَبْنِيٌّ فِي مَحَلِّ مَقَابِرِ الْمُشْرِكِينَ فَسُقُوطُهُ ظَاهِرٌ. لِأَنَّ النَّبي ﷺ أُمِرَ بِهَا فَنُبِشَتْ وَأُزِيلَ مَا فِيهَا. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁: «فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ: قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَفِيهِ خَرِبٌ، وَفِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ النَّبي ﷺ بقبور الْمُشْركين، فنبشب، ثُمَّ بِالْخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الْحِجَارَةَ» . الْحَدِيثَ (٢) . هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَلَفْظُ مُسْلِمٍ قَرِيبٌ مِنْهُ بِمَعْنَاهُ. فَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ لَا حُرْمَةَ لَهَا، وَلِذَلِكَ أَمَرَ ﷺ بِنَبْشِهَا وَإِزَالَةِ مَا فِيهَا. فَصَارَ الْمَوْضِعُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قَبْرٌ أَصْلًا لِإِزَالَتِهِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَهُوَ وَاضِحٌ كَمَا ترى اهـ.
وَالتَّحْقِيقُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبِنَاءُ عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تَجْصِيصُهَا، كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الْأَسَدِيِّ: أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ لَهُ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلَّا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ» (٣) .
وَلِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «نهى رَسُول
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (٤/١٨٥٣) (٤٦٠٤)، وَمُسلم (٣/١٦٨٧) (٢١٢٥) .
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (١/١٦٥) (٤١٨)، وَمُسلم (١/٣٧٣) (٥٢٤) من حَدِيث أنس - ﵁ -.
(٣) - أخرجه مُسلم (٢/٦٦٦) (٩٦٩) .
[ ١ / ٢٧٤ ]
اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» (١) .
فَهَذَا النَّهْيُ ثَابِتٌ عَنْهُ ﷺ. وَقَدْ قَالَ: «وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ» (٢) . وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ﴾ .] (٣) .
فرع: الْجَواب عَن شُبْهَة وجود الْقَبْر النَّبَوِيّ فِي مَسْجِدِهِ - ﷺ -.
وَقَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنَ النَّهْيِ الْأَكِيدِ وَالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ بِالنِّسْبَةِ لِقَضِيَّةِ الْمَسَاجِدِ وَدَعْوَةِ التَّوْحِيدِ، وَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ الْأَوَّلُونَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، وَيَفْتَحُونَ بِذَلِكَ بَابًا مُطِلًّا عَلَى الشِّرْكِ. كَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ ﵄ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ فِي قِصَّتَيْهِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مَا شَاهَدَتَاهُ بِالْحَبَشَةِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَقَالَ ﷺ: «أُولَئِكَ كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوِ الْعَبْدُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٤) .
وَكَحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لِأُبْرِزَ قَبْرُهُ أَيْ خَشْيَةَ اتِّخَاذِهِ مَسْجِدًا» (٥) .
حَدِيثُ الْمُوَطَّأِ قَوْلُهُ ﷺ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وثنًا يعبد اشْتَدَّ غضب الله
_________________
(١) - أخرجه مُسلم (٢/٦٦٧) (٩٧٠) .
(٢) - سبق تَخْرِيجه آنِفا.
(٣) - ٣/١٥٢: ١٦٠، الْحجر / ٨٠، وَانْظُر أَيْضا (٨/٥٤٦) (الْجِنّ /٨٠) .
(٤) - أخرجه البُخَارِيّ (١/١٦٥) (٤١٧)، وَمُسلم (١/٣٧٥) (٥٢٨) من حَدِيث عَائِشَة - ﵂ - بِهِ.
(٥) - سبق تَخْرِيجه.
[ ١ / ٢٧٥ ]
عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (١) فَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يُشَدِّدُ الْحَذَرَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْقُبُورِ وَالْمَسَاجِدِ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ وَسَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا مَا ذَكَرَهُ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ ﵏ مِنْ سَبَبِ النُّزُولِ، أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى كَانُوا إِذَا دَخَلُوا كَنَائِسَهُمْ وَبِيَعَهُمْ، أَشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، فَحَذَّرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا تَفَشَّتْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْبِلْدَانِ الْإِسْلَامِيَّةِ مِمَّا يَسْتَوْجِبُ التَّنَبُّهَ لَهَا، وَرَبْطَ هَذِهِ الْآيَةَ بِهَا مَعَ تِلْكَ النُّصُوصِ النَّبَوِيَّةِ الصَّرِيحَةِ فِي شَأْنِهَا مَهْمَا كَانَ الْمَسْجِدُ.
وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لما نزلت هَذِه الْآيَة - أَي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ المَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ - لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَام، وَمَسْجِد إيليا بَيْتِ الْمَقْدِسِ (٢) .
تَنْبِيهٌ
قَدْ أُثِيرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَسَاؤُلَاتٌ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وَمَوْضِعِ الْحُجْرَةِ مِنْهُ بَعْدَ إِدْخَالِهَا فِيهِ.
وَقَدْ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي بِقَوْلِهِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهُ ﷺ، قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» . قَالَتْ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كتاب الْجَنَائِز (٣) .
_________________
(١) - أخرجه مَالك فِي "الْمُوَطَّأ" (١/١٧٢) (٤١٤) من حَدِيث عَطاء بن عَطاء مُرْسلا بِهِ، وَله شَاهد بِنَحْوِهِ عَن أبي هُرَيْرَة عِنْد أَحْمد، وَسَيَأْتِي تَخْرِيجه قَرِيبا - إِن شَاءَ الله -.
(٢) عزاهُ ابْن كثير لِابْنِ أَي حَاتِم، وَإِسْنَاده ضَعِيف، فِيهِ رجل مَجْهُول.
(٣) - سبق تَخْرِيجه.
[ ١ / ٢٧٦ ]
وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ: فَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ قَبْلَ أَنْ يُوَسَّعَ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، وَلِهَذَا لَمَّا وُسِّعَ الْمَسْجِدُ جُعِلَتْ حُجْرَتُهَا مُثَلَّثَةَ الشَّكْلِ مُحَدَّدَةً، حَتَّى لَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى جِهَةِ الْقَبْرِ مَعَ اسْتِقْبَال الْقبْلَة اهـ.
وَذَكَرَتْ كُتُبُ السِّيرَةِ وَتَارِيخِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ بَعْضَ الْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ، مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ السَّمْهُودِيُّ (١) فِي وَفَاءِ الْوَفَاءِ قَالَ: وَعَنِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ تُرَابِ الْقَبْرِ فَأَمَرَتْ عَائِشَةُ بِجِدَارٍ فَضُرِبَ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ فِي الْجِدَارِ كُوَّةٌ فَأَمَرَتْ بِالْكُوَّةِ فَسُدَّتْ هِيَ أَيْضًا. وَنُقِلَ عَن ابْن شيبَة قَالَ أَبُو غَسَّانَ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَكَانَ عَالِمًا بِأَخْبَارِ الْمَدِينَةِ وَمِنْ بَيْتِ كِتَابَةٍ وَعِلْمٍ: لَمْ يَزَلْ بَيْتُ النَّبي ﷺ الَّذِي دُفِنَ فِيهِ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ ظَاهِرًا حَتَّى بَنَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَيْهِ الْخِطَارَ الْمُزَوَّرَ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ، حِينَ بَنَى الْمَسْجِدَ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مُزَوَّرًا كَرَاهَةَ أَنْ يُشْبِهَ تَرْبِيعَ الْكَعْبَةِ، وَأَنْ يُتَّخَذَ قِبْلَةً يصلى إِلَيْهِ.
قَالَ أَبُو زيد بن شيبَة قَالَ أَبُو غَسَّانَ: وَقَدْ سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَزْعُمُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَنَى الْبَيْتَ غَيْرَ بِنَائِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَسَمِعْتُ مَنْ يَقُولُ: بَنَى عَلَى بَيْتِ النَّبي ﷺ ثَلَاثَةَ أَجْدُرٍ فَدُونَ الْقَبْرِ ثَلَاثَةُ أَجْدُرٍ، جِدَارُ بِنَاءِ بَيْتِ النَّبي ﷺ؟ وَجِدَارُ الْبَيْتِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ بَنَى عَلَيْهِ يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَجِدَارُ الْخِطَارِ الظَّاهِرِ، وَقَالَ: قَالَ أَبُو غَسَّانَ فِيمَا حَكَاهُ الْأَقْشَهْدِيُّ: أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: قَالَ عُرْوَةُ: نَازَلْتُ عُمَرَ بْنَ عبد الْعَزِيز فِي قبر
_________________
(١) - السمهودي من كبار الصُّوفِيَّة، وَمن الغلاة فِي النَّبِي - ﷺ - وَقد اشْتَمَل كتاباته على بدع وخرافات، وَأَحَادِيث مُنكرَة وموضوعات مكذوبات، مَعَ مَا فِيهِ من حق، وَلكنه مشوب بباطل.
[ ١ / ٢٧٧ ]
النَّبي ﷺ، أَلَّا يُجْعَلَ فِي الْمَسْجِدِ أَشَدَّ الْمُنَازَلَةِ فَأَبَى وَقَالَ: كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَا بُدَّ مِنْ إِنْفَاذِهِ. قَالَ قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاجْعَلْ لَهُ جُؤْجُؤًا. أَيْ وَهُوَ الْمَوْضِعُ لِنَزُورَ خَلْفَ الْحُجْرَةِ اهـ (١) .
فَهَذِهِ مُنَازَلَةٌ فِي مَوْضُوعِ الْحُجْرَةِ وَالْمَسْجِدِ وَهَذَا جَوَابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَقَدْ آلَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ وَهُوَ الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ الْخَامِسُ، وَقَدْ أَقَرَّ هَذَا الْوَضْعَ لَمَّا اتُّخِذَتْ تِلْكَ الِاحْتِيَاطَاتُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْقَبْرُ قِبْلَةً لِلْمُصَلِّينَ، وَهَذَا مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ فِي خَيْرِ الْقُرُونِ الْأُولَى، وَمَشْهَدٍ مِنْ أَكَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، مِمَّا لَا يَدَعُ لِأَحَدٍ مَجَالًا لِاعْتِرَاضٍ أَوِ احْتِجَاجٍ أَوِ اسْتِدْلَالٍ، وَقَدْ بُحِثَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فِي كُلِّ عَصْرٍ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: بَالَغَ الْمُسْلِمُونَ فِي سَدِّ الذَّرِيعَةِ فِي قَبْرِ النَّبي ﷺ فأعلوا حيطان ترتبه، وَسَدُّوا الْمَدْخَلَ إِلَيْهَا، وَجَعَلُوهَا مُحْدِقَةً بِقَبْرِهِ ﷺ، ثُمَّ خَافُوا أَنْ يُتَّخَذَ مَوْضِعُ قَبْرِهِ قِبْلَةً إِذَا كَانَ مُسْتَقْبِلَ الْمُصَلِّينَ، فَتُصَوَّرُ الصَّلَاةُ إِلَيْهِ بِصُورَةِ الْعِبَادَةِ، فَبَنَوْا جِدَارَيْنِ مِنْ رُكْنَيِ الْقَبْرِ الشَّمَالِيَّيْنِ وَحَرَّفُوهُمَا حَتَّى الْتَقَيَا عَلَى زَاوِيَةٍ مُثَلَّثَةٍ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّمَالِ، حَتَّى لَا يتَمَكَّن أحد من اسْتِقْبَال قَبره اهـ. مِنْ فَتْحِ الْمَجِيدِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ هَذَا الْعَمَلَ الَّذِي اتُّخِذَ حِيَالَ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ وَقَبْرَيْ صَاحِبَيْهِ إِنَّمَا هُوَ اسْتِجَابَةُ دُعَائِهِ ﷺ «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ» (٢) كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي نونيته، وَهُوَ من أَشد النَّاس إنكارًا على شُبُهَات الشّرك كشيخه ابْن تَيْمِية رحمهمَا الله تَعَالَى قَالَ:
_________________
(١) - لم أَقف عَلَيْهِ، وَظَاهر هَذَا الْإِسْنَاد الضعْف.
(٢) - أخرجه أَحْمَدُ (٢/٢٤٦) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ بِدُونِ قَوْله: (يعبد)، وَقَالَ الأرناؤوط: إِسْنَاده قوي.
[ ١ / ٢٧٨ ]
فَأَجَابَ رَبُّ الْعَالَمِينَ دُعَاءَهُ وَأَحَاطَهُ بِثَلَاثَةِ الْجُدْرَانِ
حَتَّى غَدَتْ أَرْجَاؤُهُ بِدُعَائِهِ فِي عِزَّةٍ وَحِمَايَةٍ وَصِيَانِ
وَقَالَ صَاحِبُ فَتْحِ الْمَجِيدِ: وَدَلَّ الْحَدِيثُ أَنَّ قَبْرَ النَّبي ﷺ لَوْ عُبِدَ لَكَانَ وَثَنًا. وَلَكِنْ حَمَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ فَلَا يُوصَلُ إِلَيْهِ.
وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْوَثَنَ هُوَ مَا يُبَاشِرُهُ الْعَابِدُ مِنَ الْقُبُورِ وَالتَّوَابِيتِ الَّتِي عَلَيْهَا اهـ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَقِيقَةٌ دَقِيقٌ مَأْخَذُهَا، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ إِدْخَالِ الْحُجْرَةِ فِي مَأْمَنٍ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَيْهِ لَكَانَ وَثَنًا وَحَاشَاهُ ﷺ يَكُونُ فِي حَيَاتِهِ دَاعِيًا إِلَى اللَّهِ وَبَعْدَ انْتِقَالِهِ إِلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى يَكُونُ قَبْرُهُ وَثَنًا يُنَافِي التَّوْحِيدَ، وَيَهْدِمُ مَا بَنَاهُ فِي حَيَاتِهِ.
وَكَيْفَ يَرْضَى اللَّهُ لِرَسُولِهِ ذَلِكَ حَاشَا وَكَلَّا. هَذَا مُجْمَلُ مَا قِيلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وُجْهَةُ نَظَرٍ
وَهُنَا وُجْهَةُ نَظَرٍ، وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَقِفْ عَلَى قَوْلٍ فِيهَا، وَهِيَ أَنَّ كُلَّ نَصٍّ مُتَقَدِّمٍ صَرِيحٌ فِي النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، بِأَنْ يَكُونَ الْقَبْرُ أَوَّلًا ثُمَّ يُتَّخَذَ عَلَيْهِ الْمَسْجِدُ، كَمَا جَاءَ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا﴾ أَيْ أَنَّ الْقَبْرَ أَوَّلًا وَالْمَسْجِدَ ثَانِيًا.
أَمَّا قَضِيَّةُ الْحُجْرَةِ وَالْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ فَهِيَ عَكْسُ ذَلِكَ، إِذِ الْمَسْجِدُ هُوَ الْأَوَّلُ وَإِدْخَالُ الْحُجْرَةِ ثَانِيًا، فَلَا تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ تِلْكَ النُّصُوصُ فِي نَظَرِي. (١)
_________________
(١) - قد سبق للشَّيْخ الشنقيطي - ﵀ - قَرِيبا فِي الْمَسْأَلَة السَّابِقَة بَيَان أَن عِلّة النَّهْي عَن الصَّلَاة إِلَى الْقُبُور، أَو إِقَامَة الْمَسَاجِد على الْقُبُور، وَأَنَّهَا من بَاب سد ذَرِيعَة الشّرك؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا عَبَدُوا اللَّهَ عِنْدَ الْقُبُورِ آلَ بهم الْأَمر إِلَى عبَادَة الْقُبُور، وَهَذِه الْعلَّة هِيَ الَّتِي كَانَ يحذر مِنْهَا النَّبِي - ﷺ -، وَلَوْلَا ذَلِك لأبرز قَبره - ﷺ -؛ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْعلَّة تعمم معلولها، وَأَن الشَّرْع لَا يفرق بَين المتماثلات؛ وَعَلِيهِ فَلَا فرق بَين تعدِي الْقَبْر على الْمَسْجِد، أَو الْمَسْجِد على الْقَبْر من نَاحيَة تحقق الْعلَّة السَّابِقَة؛ وَعَلِيهِ فَكَمَا قرر الْعلمَاء - ﵏ - أَنه لَا يجْتَمع فِي دين الْإِسْلَام مَسْجِد وقبر؛ فَإِن كَانَ الْقَبْر أَولا هُدِمَ الْمَسْجِد، وَإِن كَانَ الْعَكْس نُبِش الْقَبْر، وَأما الْمَسْجِد النَّبَوِيّ فَهُوَ حَالَة خَاصَّة، لَا يُقَاس عَلَيْهِ غَيره من الْمَسَاجِد؛ لمضاعفة الصَّلَاة فِيهِ بِأَلف صَلَاة فِي غَيره من الْمَسَاجِد، غير الْمَسْجِد الْحَرَام، وَقد سَأَلَ فَضِيلَة الشَّيْخ عبد الْعَزِيز بن باز - ﵀ - عَن هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَالَ: [أما احتجاج بعض الجهلة بِوُجُود قبر النَّبِي ﷺ، وقبر صَاحِبيهِ فِي مَسْجده فَلَا حجَّة فِي ذَلِك؛ ١ـ لِأَن الرَّسُول ﷺ دفن فِي بَيته وَلَيْسَ فِي الْمَسْجِد، وَدفن مَعَه صَاحِبَاه أَبُو بكر وَعمر ﵄، ٢ـ وَلَكِن لما وسع الْوَلِيد بن عبد الْملك بن مَرْوَان الْمَسْجِد أَدخل الْبَيْت فِي الْمَسْجِد؛ بِسَبَب التَّوسعَة، وَغلط فِي هَذَا، وَكَانَ الْوَاجِب أَن لَا يدْخلهُ فِي الْمَسْجِد؛ حَتَّى لَا يحْتَج الجهلة وأشباههم بذلك، ٣ـ وَقد أنكر عَلَيْهِ أهل الْعلم ذَلِك، فَلَا يجوز أَن يقْتَدى بِهِ فِي هَذَا، وَلَا يظنّ ظان أَن هَذَا من جنس الْبناء على الْقُبُور أَو اتخاذها مَسَاجِد؛ لِأَن هَذَا بَيت مُسْتَقل أَدخل فِي الْمَسْجِد؛ للْحَاجة للتوسعة، وَهَذَا من جنس الْمقْبرَة الَّتِي أَمَام الْمَسْجِد مفصولة عَن الْمَسْجِد لَا تضره، ٤ـ وَهَكَذَا قبر النَّبِي ﷺ مفصول بجدار وقضبان. وَيَنْبَغِي للْمُسلمِ أَن يبين لإخوانه هَذَا؛ حَتَّى لَا يغلطوا فِي هَذِه الْمَسْأَلَة. وَالله ولي التَّوْفِيق] . برنامج نور على الدَّرْب، الشريط رقم (٦٢) .
[ ١ / ٢٧٩ ]
وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى لَمْ يَكُنِ الَّذِي أُدْخِلُ فِي الْمَسْجِدِ هُوَ الْقَبْرَ أَوِ الْقُبُورَ، بَلِ الَّذِي أُدْخِلَ فِي الْمَسْجِدِ هُوَ
الْحُجْرَةُ أَيْ بِمَا فِيهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ صَاحِبِ فَتْحِ الْمَجِيدِ فِي تَعْرِيفِ الْوَثَنِ: أَنَّهُ مَا سُجِدَ إِلَيْهِ مِنْ قَرِيبٍ.
وَعَلَيْهِ فَمَا مِنْ مُصَلٍّ يَبْعُدُ عَنْ مَكَّةَ إِلَّا وَيَقَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ قُبُورٌ وَمَقَابِرُ، وَلَا يُعْتَبَرُ مُصَلِّيًا إِلَى الْقُبُورِ لِبُعْدِهَا وَوُجُودِ الْحَوَاجِزِ دُونَهُ، وَإِنْ كَانَ الْبُعْدُ
[ ١ / ٢٨٠ ]
نِسْبِيًّا، فَكَذَلِكَ فِي مَوْضُوعِ الْقُبُورِ الثَّلَاثَةِ فِي الْحُجْرَةِ، فَإِنَّهَا بَعِيدَةٌ عَنْ مُبَاشَرَةِ الصَّلَاةِ إِلَيْهَا، وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين.
وَأَيْضًا لشيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ﵀ كلَاما فِي ذَلِكَ مُلَخَّصُهُ مِنَ الْمَجْمُوعِ مُجَلَّدُ ٢٧ ص ٣٢٣ وَكَأَنَّ النَّبي ﷺ لَمَّا مَاتَ وَدُفِنَ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ ﵂. وَكَانَتْ هِيَ وَحُجَرُ نِسَائِهِ فِي شَرْقِيِّ الْمَسْجِدِ وَقِبْلِيِّهِ، لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ. وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنِ انْقَرَضَ عَصْرُ الصَّحَابَةِ بِالْمَدِينَةِ.
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِنَحْوٍ مِنْ سَنَةٍ مِنْ بَيْعَتِهِ وُسِّع الْمَسْجِدُ وَأُدْخِلَتْ فِيهِ الْحُجْرَةُ لِلضَّرُورَةِ. فَإِنَّ الْوَلِيدَ كَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنْ يَشْتَرِيَ الحُجَر مِنْ مُلَّاكِهَا وَرَثَةِ أَزْوَاجِ النَّبي ﷺ، فَإِنَّهُنَّ كُنَّ تُوُفِّينَ كُلُّهُنَّ ﵅، فَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الْحُجَرَ وَيَزِيدَهَا فِي الْمَسْجِدِ فَهَدَمَهَا وَأَدْخَلَهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَبَقِيَتْ حُجْرَةُ عَائِشَةَ عَلَى حَالِهَا. وَكَانَتْ مُغْلَقَةً لَا يُمَكَّنُ أَحَدٌ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى قَبْرِ النَّبي ﷺ لَا لِصَلَاةٍ عِنْدَهُ وَلَا لِدُعَاءٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ. إِلَى حِينِ كَانَتْ عَائِشَةُ فِي الْحَيَاةِ وَهِيَ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ إِدْخَالِ الْحُجْرَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ سَنَةً.
وَقَالَ فِي صَفْحَةِ ٨٢٣: وَلَمْ تَكُنْ تُمَكِّنُ أَحَدًا أَنْ يَفْعَلَ عِنْدَ قَبْرِهِ شَيْئًا مِمَّا نَهَى عَنْهُ وَبَعْدَهَا كَانَتْ مُغْلَقَةً، إِلَى أَنْ أُدْخِلَتْ فِي الْمَسْجِدِ فَسُدَّ بَابُهَا وَبُنِيَ عَلَيْهَا حَائِطٌ آخَرُ.
فَكُلُّ ذَلِكَ صِيَانَةٌ لَهُ ﷺ، أَنْ يُتَّخَذَ بَيْتُهُ عِيدًا وَقَبْرُهُ وَثَنًا. وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ كُلُّهُمْ مُسْلِمُونَ، وَلَا يَأْتِي إِلَى هُنَاكَ إِلَّا مُسْلِمٌ وَكُلُّهُمْ مُعَظِّمُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ، فَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُسْتَهَانَ بِالْقَبْرِ الْمُكَرَّمِ بَلْ فَعَلَوْهُ لِئَلَّا يُتَّخَذَ وَثَنًا يُعْبَدُ. وَلَا يُتَّخَذَ بَيْتُهُ عِيدًا، وَلِئَلَّا يُفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْكِتَابِ
بِقُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ. انْتَهَى.
[ ١ / ٢٨١ ]
وَتَقَدَّمَ شَرْحُ ابْنِ الْقَيِّمِ لِوَضْعِ الْجُدْرَانِ الثَّلَاثَةِ وَجَعْلِ طَرَفِ الْجِدَارِ الثَّالِثِ مِنَ الشَّمَالِ عَلَى شَكْلِ رَأْسِ مُثَلَّثٍ، وَأَنَّ الْمُشَاهَدَ الْيَوْمَ بَعْدَ ابْن تَيْمِية وَابْن الْقيم رحمهمَا الله، وُجُودُ الشَّبَكِ الْحَدِيدِيِّ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَيَبْعُدُ عَنْ رَأْسِ الْمُثَلَّثِ إِلَى الشَّمَالِ مَا يَقْرُبُ مِنْ سِتَّةِ أَمْتَارٍ يَتَوَسَّطُهَا، أَيْ تِلْكَ الْمَسَافَةُ مِحْرَابٌ كَبِيرٌ، وَهَذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ سَابِقًا، أَيْ قَبْلَ الشَّبَكِ. مِمَّا يَدُلُّ عَلَى بُعْدِ مَا بَيْنَ الْمُصَلِّي فِي الْجِهَةِ الشَّمَالِيَّةِ مِنَ الْحُجْرَةِ الْمُكَرَّمَةِ وَبَيْنَ الْقُبُورِ الثَّلَاثَةِ، وَيَنْفِي أَيَّ عَلَاقَةٍ لِلصَّلَاةِ مِنْ وَرَائِهِ بِالْقُبُورِ الشَّرِيفَةِ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَفِي خِتَامِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَقَدْ أُثِيرَ فِيهَا كَلَامٌ فِي مَوْسِمِ حَجِّ سَنَةِ ١٣٩٤ فِي مِنَى وَمِنْ بَعْضِ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ نَقُولُ: لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ بِالْفِعْلِ لَكَانَ لِلْقَوْلِ بِعَدَمِ إِدْخَالِهَا مَجَالٌ. أَمَّا وَقَدْ أُدْخِلَتْ بِالْفِعْلِ وَفِي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَفِي الْقُرُونِ الْمَشْهُودِ لَهَا بِالْخَيْرِ، وَمَضَى عَلَى إِدْخَالِهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَرْنًا، فَلَا مَجَالَ لِلْقَوْلِ إِذًا.
وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّ النَّبي ﷺ سَكَتَ عَلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، أَلَا وَهُوَ مَوْضُوعُ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ وَكَوْنِهَا لَمْ تَسْتَوْعِبْ قَوَاعِدَ إِبْرَاهِيمَ وَلَهَا بَابٌ وَاحِدٌ وَمُرْتَفِعٌ عَنِ الْأَرْضِ.
وَكَانَ بِاسْتِطَاعَتِهِ ﷺ أَنْ يُعِيدَ بِنَاءَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَصَحِّ، فَتَسْتَوْعِبَ قَوَاعِدَ إِبْرَاهِيمَ، وَيَكُونَ لَهَا بَابَانِ وَيُسَوِّيَهُمَا بِالْأَرْضِ. وَلَكِنَّهُ ﷺ تَرَكَ ذَلِكَ لِاعْتِبَارَاتٍ بَيَّنَهَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂.
أَلَا يَسَعُ مَنْ يَتَكَلَّمُ فِي مَوْضُوعِ الْحُجُرَاتِ الْيَوْمَ مَا وَسِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ وَمَا وَسِعَ السَّلَفَ ﵏ فِي عَيْنِ الْحُجْرَةِ.
وَمِنْ نَاحِيَةٍ ثَالِثَةٍ: لَوْ أَنَّهُ أُخِذَ بِقَوْلِهِمْ، فَأُخْرِجَتْ مِنَ الْمَسْجِدِ أَيْ جُعِلَ الْمَسْجِدُ مِنْ دُونِهَا عَلَى الْأَصْلِ الأول.
[ ١ / ٢٨٢ ]
ثُمَّ جَاءَ آخَرُونَ وَقَالُوا: نُعِيدُهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ الْخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَلَا يُقَالُ فِي ذَلِكَ مَا قَالَ مَالِكٌ لِلرَّشِيدِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي خُصُوصِ الْكَعْبَةِ لَمَّا بَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَعَادَهَا الْحَجَّاجُ وَأَرَادَ الرَّشِيدُ أَنْ يُعِيدَهَا عَلَى بِنَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ ﵀: لَا تَفْعَلْ لِأَنِّي أَخْشَى أَنْ تُصْبِحَ الْكَعْبَةُ أُلْعُوبَةَ الْمُلُوكِ. فَيُقَالُ هُنَا أَيْضًا فَتُصْبِحُ الْحُجْرَةُ أُلْعُوبَةَ الْمُلُوكِ بَيْنَ إِدْخَالٍ وَإِخْرَاجٍ. وَفِيهِ مِنَ الْفِتْنَةِ مَا فِيهِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.] (١) .
- النَّهْي عَن التَّصْوِير.
[أما مَنْعُ تَصْوِيرِ الْحَيَوَانِ وَتَعْذِيبُ فَاعِلِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَشَدَّ الْعَذَابِ، وَأَمْرُهُمْ بِإِحْيَاءِ مَا صَوَّرُوا، وَكَوْنُ الْمَلَائِكَةِ لَا تَدْخُلُ مَحَلًّا فِيهِ صُورَةٌ أَوْ كَلْبٌ، فَكُلُّهُ مَعْرُوفٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.] (٢) .
فصل: بعض الْمسَائِل الَّتِي لَهَا علاقَة بتوحيد الألوهية
- التوسل.
[قَوْله تَعَالَى: ﴿يَأأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ اعْلَمْ أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَسِيلَةِ هُنَا هُوَ الْقُرْبَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ عَلَى وَفْقِ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد
_________________
(١) - ٨/٥٩٧: ٦٠٦، الْجِنّ / ١٨.
(٢) - ٣/١٦٧، الْحجر / ٨٠، وَانْظُر أَيْضا (٥/٦٤) (الْحَج/٢٦) .
[ ١ / ٢٨٣ ]
ﷺ بِإِخْلَاصٍ فِي ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ هَذَا وَحْدَهُ هُوَ الطَّرِيقُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى رِضَى اللَّهِ تَعَالَى، وَنَيْلِ مَا عِنْدَهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَأَصْلُ الْوَسِيلَةِ: الطَّرِيقُ الَّتِي تُقَرِّبُ إِلَى الشَّيْءِ، وَتُوَصِّلُ إِلَيْهِ وَهِيَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهُ لَا وَسِيلَةَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا بِاتِّبَاعِ رَسُولِهِ ﷺ، وَعَلَى هَذَا فَالْآيَاتُ الْمُبَيِّنَةُ لِلْمُرَادِ مِنَ الْوَسِيلَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ﴾، وَكَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَسِيلَةِ الْحَاجَةُ، وَلَمَّا سَأَلَهُ نَافِعٌ الْأَزْرَقُ هَلْ تَعْرِفُ الْعَرَبُ ذَلِكَ؟ أَنْشَدَ لَهُ بَيْتَ عنتر
إِنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ إِلَيْكِ وَسِيلَةٌ إِنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وتخضَّبي (١)
قَالَ: يَعْنِي لَهُمْ إِلَيْكِ حَاجَةٌ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَالْمَعْنَى: ﴿وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾، وَاطْلُبُوا حَاجَتَكُمْ مِنَ اللَّهِ، لِأَنَّهُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى إِعْطَائِهَا، وَمِمَّا يُبَيِّنُ مَعْنَى هَذَا الْوَجْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾، وَقَوله: ﴿وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾، وَفِي الحَدِيث «إِذا سَأَلت فَسَأَلَ اللَّهَ» (٢) .
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: التَّحْقِيقُ فِي مَعْنَى الْوَسِيلَةِ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عَامَّةَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّهَا التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِخْلَاصِ لَهُ فِي الْعِبَادَةِ، عَلَى وَفْقِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَتَفْسِيرُ ابْنِ عَبَّاسٍ دَاخِلٌ فِي هَذَا، لِأَن دُعَاء الله
_________________
(١) - عزاهُ السُّيُوطِيّ فِي الدّرّ المنثور (٣/٧١) للطستي وَابْن الانباري فِي الْوَقْف والابتداء.
(٢) - أخرجه التِّرْمِذِيّ (٤/٦٦٧) (٢٥١٦) وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَأحمد (١/٢٩٣)، والْحَدِيث صَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
[ ١ / ٢٨٤ ]
وَالِابْتِهَالَ إِلَيْهِ فِي طَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ عِبَادَتِهِ الَّتِي هِيَ الْوَسِيلَةُ إِلَى نَيْلِ رِضَاهُ وَرَحْمَتِهِ.
وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ تَعْلَمُ أَنَّ مَا يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنْ مَلَاحِدَةِ أَتْبَاعِ الجهَّال الْمُدَّعِينَ للتصوُّف مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَسِيلَةِ فِي الْآيَةِ الشَّيْخُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ وَاسِطَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، أَنَّهُ تَخَبُّطٌ فِي الْجَهْلِ وَالْعَمَى وَضَلَالٌ مُبِينٌ وَتَلَاعُبٌ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاتِّخَاذُ الْوَسَائِطِ مَنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ أَصُولِ كُفْرِ الْكَفَّارِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ عَنْهُمْ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الطَّرِيقَ الْمُوَصِّلَةَ إِلَى رِضى اللَّهِ وَجَنَّتِهِ وَرَحْمَتِهِ هِيَ اتِّبَاعُ رَسُولِهِ ﷺ، وَمَنْ حَادَ عَنْ ذَلِكَ
فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ، ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَسِيلَةَ فِي بَيْتِ عَنْتَرَةَ مَعْنَاهَا التَّقَرُّبُ أَيْضًا إِلَى الْمَحْبُوبِ، لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِنَيْلِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ، وَلِذَا أَنْشَدَ بَيْتَ عَنْتَرَةَ الْمَذْكُورَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَالْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُمَا لِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا وَجَمْعُ الْوَسِيلَةِ: الْوَسَائِلُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
إِذَا غَفَلَ الْوَاشُونَ عُدْنَا لِوَصْلِنَا وَعَادَ التَّصَافِي بَيْننَا والوسائل
وَهَذَا الَّذِي سرنا بِهِ الْوَسِيلَةَ هُنَا هُوَ مَعْنَاهَا أَيْضًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْوَسِيلَةِ أَيْضًا الْمَنْزِلَةَ الَّتِي فِي الْجَنَّةِ الَّتِي أَمَرَنَا ﷺ أَنْ نَسْأَلَ لَهُ اللَّهَ أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهَا، نَرْجُو اللَّهَ أَنْ يُعْطِيَهُ إِيَّاهَا، لِأَنَّهَا لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ، وَهُوَ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ هُوَ.] (١) .
_________________
(١) - ٢/٨٦: ٨٨، الْمَائِدَة / ٣٥، وَانْظُر أَيْضا (٧/٤٣ - ٤٤) (الزمر / ٣) .
[ ١ / ٢٨٥ ]
وَقَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ - بعد أَن ذكر قصَّة الْغُلَام، والساحر، والراهب: [التَّاسِعُ: بَيَانُ رُكْنٍ أَصِيلٍ فِي قَضِيَّةِ التَّوَسُّلِ، وَهُوَ أَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ ثُمَّ الدُّعَاء وسؤال الله تَعَالَى.] (١) .
- السحر (٢) .
قَالَ الْعَلامَة الشنقيطي - ﵀ - عِنْد قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾: [مَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى:
اعْلَمْ أَنَّ السِّحْرَ يُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ خَفِيَ سَبَبُهُ وَلَطُفَ وَدَقَّ؛ وَلِذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ فِي الشَّيْءِ الشَّدِيدِ الْخَفَاءِ: أَخْفَى مِنَ السِّحْرِ. وَمِنْهُ قَوْلُ مُسْلِمِ بْنِ الْوَلِيدِ الْأَنْصَارِيِّ:
جَعَلْتِ عَلَامَاتِ الْمَوَدَّةِ بَيْنَنَا مَصَائِدَ لَحْظٍ من أَخْفَى مِنَ السِّحْرِ
فَأَعْرِفُ مِنْهَا الْوَصْلَ فِي لِينِ طَرْفِهَا وَأَعْرِفُ مِنْهَا الْهَجْرَ فِي النَّظَرِ الشَّزْرِ
وَلِهَذَا قِيلَ لِمَلَاحَةِ الْعَيْنَيْنِ: سِحْرٌ؛ لِأَنَّهَا تُصِيبُ الْقُلُوبَ بِسِهَامِهَا فِي خَفَاءٍ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ الَّتِي شَبَّبَتْ بِنَصْرِ بْنِ حَجَّاجٍ السُّلَمِيِّ:
_________________
(١) - ٩/١٤٢، البروج / ٤، ٥.
(٢) - وَقد ذكر - ﵀ - فِي هَذَا المبحث مسَائِل كَثِيرَة مِنْهَا: معنى السحر لُغَة، وَاصْطِلَاحا، وأقسام السحر، وَحكم تعلم السحر، وَهل هُوَ حَقِيقَة أم خيال، وحد السَّاحر، وَحل السحر عَن المسحور، وَتَحْقِيق الْقَدْرِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَبْلُغَهُ تَأْثِيرُ السِّحْرِ فِي المسحور، وَالْكَلَام على السحر الَّذِي وَقع للنَّبِي - ﷺ - وَغير ذَلِك، وَقد آثرت أَن أُبْقِي هَذَا الْبَحْث كَمَا هُوَ دون أَي اخْتِصَار - مَعَ مَا فِيهِ من طول، وَمَا لَا علاقَة لَهُ بتوحيد الألوهية - نظرا لما فِيهِ من فَوَائِد، فَالله الْمُسْتَعَان.
[ ١ / ٢٨٦ ]
وَانْظُرْ إِلَى السِّحْرِ يَجْرِي فِي لَوَاحِظِهِ وَانْظُرْ إِلَى دَعَجٍ فِي طَرْفِهِ السَّاجِي
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:
اعْلَمْ أَنَّ السِّحْرَ فِي الِاصْطِلَاحِ لَا يُمْكِنُ حَدُّهُ بِحَدٍّ جَامِعٍ مَانِعٍ؛ لِكَثْرَةِ الْأَنْوَاعِ الْمُخْتَلِفَةِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَهُ، وَلَا يَتَحَقَّقُ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا يَكُونُ جَامِعًا لَهَا مَانِعًا لِغَيْرِهَا. وَمِنْ هُنَا اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْعُلَمَاءِ فِي حَدِّهِ
اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ:
اعْلَمْ أَنَّ الْفَخْرَ الرَّازِيَّ فِي تَفْسِيرِهِ قَسَّمَ السِّحْرَ إِلَى ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: سِحْرُ الْكِلْدَانِيِّينَ وَالْكَسْدَائِيِّينَ الَّذِينَ كَانُوا فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا هِيَ الْمُدَبِّرَةُ لِهَذَا الْعَالَمِ، وَمِنْهَا تَصْدُرُ الْخَيْرَاتُ وَالشُّرُورُ، وَالسَّعَادَةُ وَالنُّحُوسَةُ، وَهُمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ ﵇ مُبْطِلًا لِمَقَالَتِهِمْ وَرَادًّا عَلَيْهِمْ. وَقَدْ أَطَالَ الْكَلَامَ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ السِّحْرِ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ السِّحْرِ كُفْرٌ بِلَا خِلَافٍ. لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَقَرَّبُونَ فِيهِ لِلْكَوَاكِبِ كَمَا يَتَقَرَّبُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى اللَّهِ، وَيَرْجُونَ الْخَيْرَ مِنْ قِبَلِ الْكَوَاكِبِ وَيَخَافُونَ الشَّرَّ مِنْ قِبَلِهَا كَمَا يَرْجُو الْمُسْلِمُونَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَهُ. فَهُمْ كَفَرَةٌ يَتَقَرَّبُونَ إِلَى الْكَوَاكِبِ فِي سِحْرِهِمْ بِالْكُفْرِ الْبَوَاحِ.
النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ السِّحْرِ: سِحْرُ أَصْحَابِ الْأَوْهَامِ وَالنُّفُوسِ الْقَوِيَّةِ. ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى تَأْثِيرِ الْوَهْمِ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى الْجِسْرِ الْمَوْضُوعِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مَمْدُودًا عَلَى نَهْرٍ أَوْ نَحْوِهِ قَالَ: وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّ تَخَيُّلَ السُّقُوطِ مَتَى قَوِيَ أَوْجَبَهُ. وَقَالَ: وَاجْتَمَعَتِ
[ ١ / ٢٨٧ ]
الْأَطِبَّاءُ عَلَى نَهْيِ الْمَرْعُوفِ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْأَشْيَاءِ الْحُمْرِ، وَالْمَصْرُوعِ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْأَشْيَاءِ الْقَوِيَّةِ اللَّمَعَانِ وَالدَّوَرَانِ. وَمَا
ذَاكَ إِلَّا أَنَّ النُّفُوسَ خُلِقَتْ مُطِيعَةً لِلْأَوْهَامِ.
قَالَ: وَحَكَى صَاحِبُ الشِّفَاءِ عَنْ أَرِسْطُو فِي طَبَائِعِ الْحَيَوَانِ: أَنَّ الدَّجَاجَةَ إِذَا تَشَبَّهَتْ كَثِيرًا بالديَكة فِي الصَّوْتِ وَفِي الْحِرَابِ مَعَ الديَكة نَبَتَ عَلَى سَاقِهَا مِثْلُ الشَّيْءِ النَّابِتِ عَلَى سَاقِ الدِّيكِ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الشِّفَاءِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَن الْأَحْوَال الجهمانية تَابِعَةٌ لِلْأَحْوَالِ النَّفْسَانِيَّةِ. قَالَ: وَاجْتَمَعَتِ الْأُمَمُ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ اللِّسَانِيَّ الْخَالِيَ عَنِ الطَّلَبِ النَّفْسَانِيِّ قَلِيلُ الْعَمَلِ عَدِيمُ الْأَثَرِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِلْهِمَمِ وَالنُّفُوسِ آثَارًا.. إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ، وَقَدْ أَطَالَ فِيهِ الْكَلَامَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ النُّفُوسَ الْخَبِيثَةَ لَهَا آثَارٌ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ أَصْرَحِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «الْعين حَتَّى وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقٌ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ» . (١) وَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هِمَّةَ الْعَائِنِ وَقُوَّةَ نَفْسِهِ فِي الشَّرِّ جَعَلَهَا اللَّهُ سَبَبًا لِلتَّأْثِيرِ فِي الْمُصَابِ بِالْعَيْنِ.
وَقَالَ الرَّازِيُّ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ: إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: النُّفُوسُ الَّتِي تَفْعَلُ هَذِهِ الْأَفَاعِيلَ قَدْ تَكُونُ قَوِيَّةً جِدًّا فَتَسْتَغْنِي فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ عَنِ الِاسْتِعَانَةِ بِالْآلَاتِ وَالْأَدَوَاتِ، وَقَدْ تَكُونُ ضَعِيفَةً فَتَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِهَذِهِ الْآلَاتِ.
وَتَحْقِيقُهُ: أَنَّ النَّفْسَ إِذَا كَانَتْ مُسْتَعْلِيَةً عَلَى الْبَدَنِ شَدِيدَةَ الِانْجِذَابِ إِلَى عَالَمِ السَّمَاءِ كَانَتْ كَأَنَّهَا رُوحٌ مِنَ الْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ، فَكَانَتْ قَوِيَّةً عَلَى التَّأْثِيرِ فِي مَوَادِّ هَذَا الْعَالَمِ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ ضَعِيفَةً شَدِيدَةَ التَّعَلُّقِ بِهَذِهِ الذَّاتِ
_________________
(١) - أخرجه مُسلم (٤/١٧١٩) (٢١٨٨) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -.
[ ١ / ٢٨٨ ]
الْبَدَنِيَّةِ فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ لَهَا تَصَرُّفٌ الْبَتَّةَ إِلَّا فِي هَذَا الْبَدَنِ. إِلَى آخِرِ كَلَامِهِ. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ عَلَى مَنْ نَظَرَهُ.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» بَعْدَ أَنْ سَاقَ كَلَامَ الرَّازِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا مَا نَصُّهُ: ثُمَّ أَرْشَدَ إِلَى مُدَاوَاةِ هَذَا الدَّاءِ بِتَقْلِيلِ الْغِذَاءِ وَالِانْقِطَاعِ عَنِ النَّاسِ. قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي يُشِيرُ إِلَيْهِ هُوَ التَّصَرُّفُ بِالْحَالِ وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ: تَارَةً يَكُونُ حَالًا صَحِيحَةً شَرْعِيَّةً، يَتَصَرَّفُ بِهَا فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ ﷺ، وَيَتْرُكُ مَا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَرَسُولُهُ ﷺ: فَهَذِهِ الْأَحْوَالُ مَوَاهِبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَرَامَاتٌ لِلصَّالِحِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَا يُسَمَّى هَذَا سِحْرًا فِي الشَّرْعِ. وَتَارَةً تَكُونُ الْحَالُ فَاسِدَةً لَا يَمْتَثِلُ صَاحِبُهَا مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَرَسُولُهُ ﷺ، وَلَا يَتَصَرَّفُ بِهَا فِي ذَلِكَ. فَهَذِهِ حَالُ الْأَشْقِيَاءِ الْمُخَالِفِينَ لِلشَّرِيعَةِ، وَلَا يَدُلُّ إِعْطَاءُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ عَلَى مَحَبَّتِهِ لَهُمْ. كَمَا أَنَّ الدَّجَّالَ لَهُ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ، مَعَ أَنَّهُ مَذْمُومٌ شَرْعًا لَعَنَهُ اللَّهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ شَابَهَهُ مِنْ مُخَالِفِي الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ الْمَذْكُورَةِ: الِاسْتِعَانَةُ بِالْأَرْوَاحِ الْأَرْضِيَّةِ، يَعْنِي تَسْخِيرَ الْجِنِّ وَاسْتِخْدَامَهُمْ.
قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْجِنِّ مِمَّا أَنْكَرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ. أَمَّا أَكَابِرُ الْفَلَاسِفَةِ فَلَمْ يُنْكِرُوا الْقَوْلَ بِهَا. إِلَّا أَنَّهُمْ سَمَّوْهَا بِالْأَرْوَاحِ الْأَرْضِيَّةِ. وَالْجِنُّ الْمَذْكُورُونَ قِسْمَانِ: مُؤْمِنُونَ، وَكَافِرُونَ وَهُمُ الشَّيَاطِينُ.
قَالَ الرَّازِيُّ فِي كَلَامِهِ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ السِّحْرِ: وَاتِّصَالُ النُّفُوسِ النَّاطِقَةِ بِهَا أَسْهَلُ مِنِ اتِّصَالِهَا بِالْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُنَاسَبَةِ
[ ١ / ٢٨٩ ]
وَالْقُرْبِ. ثُمَّ إِنَّ أَصْحَابَ الصَّنْعَةِ وَأَصْحَابَ التَّجْرِبَةِ شَاهَدُوا بِأَنَّ الِاتِّصَالَ بِهَذِهِ الْأَرْوَاحِ الْأَرْضِيَّةِ يَحْصُلُ بِأَعْمَالٍ سَهْلَةٍ مِنَ الرُّقَى وَالدَّخْنِ وَالتَّجْرِيدِ. وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الْمُسَمَّى بِالْعَزَائِمِ، وَعَمَلِ تَسْخِيرِ الْجِنِّ. وَقَدْ أَطَالَ الرَّازِيُّ أَيْضًا الْكَلَامَ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ.
النَّوْعُ الرَّابِعُ مِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ: هُوَ التَّخَيُّلَاتُ وَالْأَخْذُ بِالْعُيُونِ. وَمَبْنَى هَذَا النَّوْعِ مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْقُوَّةَ الْبَاصِرَةَ قَدْ تَرَى الشَّيْءَ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ لِبَعْضِ الْأَسْبَابِ الْعَارِضَةِ. وَلِأَجْلِ هَذَا كَانَتِ أَغْلَاطُ الْبَصَرِ كَثِيرَةً. أَلَا تَرَى أَنَّ رَاكِبَ السَّفِينَةِ إِذَا نَظَرَ إِلَى الشَّطِّ رَأَى السَّفِينَةَ وَاقِفَةً وَالشَّطَّ مُتَحَرِّكًا، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّاكِنَ يُرَى مُتَحَرِّكًا. وَالْمُتَحَرِّكُ سَاكِنًا. وَالْقَطْرَةُ النَّازِلَةُ تُرَى خَطًّا مُسْتَقِيمًا. إِلَى آخِرِ كَلَامِ الرَّازِيِّ. وَقَدْ أَطَالَ الْكَلَامَ أَيْضًا فِي هَذَا النَّوْع.
وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» مُخْتَصِرًا كَلَامَ الرَّازِيِّ الْمَذْكُورَ: وَمَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ الْبَصَرَ قَدْ يخطىء وَيَشْتَغِلُ بِالشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ دُونَ غَيْرِهِ. أَلَا تَرَى ذَا الشَّعْبَذَةِ الْحَاذِقَ يُظْهِرُ عَمَلَ شَيْءٍ يُذْهِلُ أذهان الناظرين بِهِ، وبأخذ عيوبهم إِلَيْهِ، حَتَّى إِذَا اسْتَغْرَقَهُمُ الشُّغْلُ بِذَلِكَ الشَّيْءِ بِالتَّحْدِيقِ وَنَحْوِهِ عَمِلَ شَيْئًا آخَرَ عَمَلًا بِسُرْعَةٍ شَدِيدَةٍ، وَحِينَئِذٍ، يَظْهَرُ لَهُمْ شَيْءٌ غَيْرُ مَا انْتَظَرُوهُ فَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ جِدًّا، وَلَوْ أَنَّهُ سَكَتَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِمَا يَصْرِفُ الْخَوَاطِرَ إِلَى ضِدِّ مَا يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَهُ، وَلَمْ تَتَحَرَّكِ النُّفُوسُ وَالْأَوْهَامُ إِلَى غَيْرِ مَا يُرِيدُ إِخْرَاجَهُ لَفَطِنَ النَّاظِرُونَ لِكُلِّ مَا يَفْعَلُهُ.
قَالَ: وَكُلَّمَا كَانَتِ الْأَحْوَالُ تُفِيدُ حِسَّ الْبَصَرِ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْخَلَلِ أَشَدَّ، كَانَ الْعَمَلُ أَحْسَنَ. مِثْلَ أَنْ يَجْلِسَ الْمُشَعْبِذُ فِي مَوْضِعٍ مُضِيءٍ جِدًّا أَوْ مُظْلِمٍ، فَلَا تَقِفُ الْقُوَّةُ النَّاظِرَةُ عَلَى أَحْوَالِهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ. اهـ مِنْهُ. وَلَا يَخْفَى أَنْ يَكُونَ سِحْرُ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ. فَهُوَ تَخْيِيلٌ وَأَخْذٌ
[ ١ / ٢٩٠ ]
بِالْعُيُونِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ فَإِطْلَاقُ التَّخْيِيلِ فِي الْآيَةِ عَلَى سِحْرِهِمْ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي «الْأَعْرَافِ»: ﴿فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾؛ لِأَنَّ إِيقَاعَ السِّحْرِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ فِي الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَعْيُنَهُمْ تَخَيَّلَتْ غَيْرَ الْحَقِيقَةِ الْوَاقِعَةِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
النَّوْعُ الْخَامِسُ مِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ: الْأَعْمَالُ الْعَجِيبَةُ الَّتِي تَظْهَرُ مِنْ تَرْكِيبِ الْآلَاتِ الْمُرَكَّبَةِ عَلَى النِّسَبِ الْهَنْدَسِيَّةِ، كَفَارِسٍ عَلَى فَرَسٍ فِي يَدِهِ بُوقٌ، كُلَّمَا مَضَتْ سَاعَةٌ مِنَ النَّهَارِ ضَرَبَ بِالْبُوقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّهُ أَحَدٌ. وَمِنْهَا الصُّوَرُ الَّتِي يُصَوِّرُهَا الرُّومُ وَالْهِنْدُ حَتَّى لَا يُفَرِّقَ النَّاظِرُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْإِنْسَانِ، حَتَّى إِنَّهُمْ يُصَوِّرُونَهَا ضَاحِكَةً وَبَاكِيَةً، حَتَّى يُفَرِّقَ فِيهَا بَيْنَ ضَحِكِ السُّرُورِ، وَبَيْنَ ضَحِكِ الْخَجَلِ، وَضَحِكِ الشَّامِتِ.
فَهَذِهِ الْوُجُوهُ مِنْ لَطِيفِ أُمُورِ الْمَخَايِلِ. قَالَ الرَّازِيُّ: وَكَانَ سِحْرُ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ تَرْكِيبُ صُنْدُوقِ السَّاعَاتِ. وَيَنْدَرِجُ فِي هَذَا الْبَابِ عِلْمُ جَرِّ الْأَثْقَالِ، وَهُوَ أَنْ يَجُرَّ ثَقِيلًا عَظِيمًا بِآلَةٍ خَفِيفَةٍ سَهْلَةٍ، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ مِنْ بَابِ السِّحْرِ لِأَنَّ لَهَا أَسْبَابًا مَعْلُومَةً نَفِيسَةً، مَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهَا قَدِرَ عَلَيْهَا، إِلَّا أَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهَا لَمَّا كَانَ عسير أعد أَهْلُ الظَّاهِرِ ذَلِكَ مِنْ بَابِ السِّحْرِ لِخَفَاءِ مَأْخَذِهِ اهـ.
وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الرَّازِيَّ يَرَى أَنَّ سِحْرَ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ الْأَخِيرِ، لِأَنَّ السَّحَرَةَ جَعَلُوا الزِّئْبَقَ عَلَى الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ فَحَرَّكَتْهُ حَرَارَةُ الشَّمْسِ فَتَحَرَّكَتِ الْحِبَالُ والعصي فظنوا أَنَّهَا حَرَكَة طبيعية حَقِيقَة. وَالَّذِي يَظْهَرُ لَنَا أَنَّهُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي قَبْلَهُ كَمَا قَدَّمْنَا، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَتَوَارَدَ نَوْعَانِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ فَيَكُونُ دَاخِلًا فِي هَذَا وَفِي هَذَا. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَ الرَّازِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي هَذَا
[ ١ / ٢٩١ ]
النَّوْعِ مِنَ السِّحْرِ. قُلْتُ: وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ حِيَلُ النَّصَارَى عَلَى عَامَّتِهِمْ بِمَا يُرُونَهُمْ إِيَّاهُ مِنَ الْأَنْوَارِ، كَقَضِيَّةِ قُمَامَةِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي لَهُمْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَمَا يَحْتَالُونَ بِهِ مِنْ إِدْخَالِ النَّارِ خُفْيَةً إِلَى الْكَنِيسَةِ، وَإِشْعَالِ ذَلِكَ الْقِنْدِيلِ بِصَنْعَةٍ لَطِيفَةٍ تُرَوَّجُ عَلَى الطَّغَامِ مِنْهُمْ، وَأَمَّا الْخَوَاصُّ مِنْهُمْ فَمُعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ يَتَأَوَّلُونَ أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ شَمْلَ أَصْحَابِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ، فَيَرَوْنَ ذَلِكَ سَائِغًا لَهُمْ، وَفِيهِمْ شُبَهٌ مِنَ الْجَهَلَةِ الْأَغْبِيَاءِ مِنْ مُتَعَبِّدِي الْكَرَّامِيَّةِ الَّذِينَ يَرَوْنَ جَوَازَ وَضْعِ الْأَحَادِيثِ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، فَيَدْخُلُونَ فِي عِدَادِ مَنْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١)، وَقَوْلُهُ: «حَدِّثُوا عَنِّي وَلَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ يَكْذِبُ عَلَيَّ يَلِجُ النَّارَ» (٢) . ثُمَّ ذَكَرَهَا هُنَا يَعْنِي الرَّازِيَّ حِكَايَةً عَنْ بَعْضِ الرُّهْبَانِ، وَهِيَ أَنَّهُ سَمِعَ صَوْتَ طَائِرٍ حَزِينِ الصَّوْتِ، ضَعِيفِ الْحَرَكَةِ، فَإِذَا سَمِعَتْهُ الطُّيُورُ تَرِقُّ لَهُ فَتُذْهِبُ فِي وَكْرِهِ مِنْ ثَمَرِ الزَّيْتُونِ لِيَتَبَلَّغَ بِهِ، فَعَمَدَ هَذَا الرَّاهِبُ إِلَى صَنْعَةِ طَائِرٍ عَلَى شَكْلِهِ وَتَوَصَّلَ إِلَى أَن جعله أجوف، فَإِذَا دَخَلَتْهُ الرِّيحُ سُمِعَ مِنْهُ صَوْتٌ كَصَوْتِ ذَلِكَ الطَّائِرِ. وَانْقَطَعَ فِي صَوْمَعَةٍ ابْتَنَاهَا، وَزَعَمَ أَنَّهَا عَلَى قَبْرِ بَعْضِ صَالِحِيهِمْ، وَعَلَّقَ ذَلِكَ الطَّائِرَ فِي مَكَانٍ مِنْهَا، فَإِذَا كَانَ زَمَانُ الزَّيْتُونِ فَتَحَ بَابًا مِنْ نَاحِيَتِهِ فَتَدْخُلُ الرِّيحُ إِلَى دَاخِلِ هَذِهِ الصُّورَةِ فَيَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ طَائِرٍ فِي شَكْلِهِ أَيْضًا، فَتَأْتِي الطُّيُورُ فَتَحْمِلُ مِنَ الزَّيْتُونِ شَيْئًا كَثِيرًا فَلَا تَرَى النَّصَارَى إِلَّا ذَلِكَ الزَّيْتُونَ فِي هَذِهِ الصَّوْمَعَةِ وَلَا يَدْرُونَ مَا سَبَبُهُ. فَفَتَنَهُمْ بِذَلِكَ وَأَوْهَمَهُمْ أَنَّ هَذَا مِنْ كَرَامَاتِ صَاحِبِ ذَلِكَ الْقَبْرِ، عَلَيْهِمْ لِعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ انْتَهَى كَلَام ابْن كثير.
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (١/٥٢) (١١٠)، وَمُسلم (١/١٠) (٣) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -.
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (١/٥٢) (١٠٦)، وَمُسلم (١/٩) (١) من حَدِيث عَليّ - ﵁ - بِدُونِ ذكر أَوله.
[ ١ / ٢٩٢ ]
وَذَكَرَ الرَّازِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَقَلَهَا عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ: أَنَّ ذَلِكَ الطَّائِرَ الْمَذْكُورَ يُسَمَّى الْبَرَاصِلَ، وَأَنَّ الَّذِي عَمِلَ صُورَتَهُ يُسَمَّى أَرْجِعْيَانُوسَ الْمُوسِيقَارَ، وَأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ عَلَى هَيْكَلِ أُورَشْلِيمَ الْعَتِيقِ عِنْدَ تَجْدِيدِهِ إِيَّاهُ، وَأَنَّ الَّذِي قَامَ بِعِمَارَةِ ذَلِكَ الْهَيْكَلِ أَوَّلًا أُسْطَرْخَسُ النَّاسِكُ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ: وَهَذَا النَّوْعُ الْخَامِسُ الَّذِي عَدَّهُ الرَّازِيُّ مِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ، الَّذِي هُوَ الْأَعْمَالُ الْعَجِيبَةُ الَّتِي تَظْهَرُ مِنْ تَرْكِيبِ الْآلَاتِ الْمُرَكَّبَةِ عَلَى النِّسَبِ الْهَنْدَسِيَّةِ. إِلَخْ لَا يَنْبَغِي عَدُّهُ الْيَوْمَ مِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَهُ صَارَتْ وَاضِحَةً مُتَعَارَفَةً عِنْدَ النَّاسِ، بِسَبَبِ تَقَدُّمِ الْعِلْمِ الْمَادِّيِّ. وَالْوَاضِحُ الَّذِي صَارَ عَادِيًّا لَا يَدْخُلُ فِي حَدِّ السِّحْرِ، وَقَدْ كَانَتْ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ خَفِيَّةَ الْأَسْبَابِ فَصَارَتِ الْيَوْمَ ظَاهِرَتَهَا جِدًّا. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
النَّوْعُ السَّادِسُ مِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ: الِاسْتِعَانَةُ بِخَوَاصِّ الْأَدْوِيَةِ، مِثْلَ أَنْ يَجْعَلَ فِي طَعَامِهِ بَعْضَ الْأَدْوِيَةِ الْمُبَلِّدَةِ الْمُزِيلَةِ لِلْعَقْلِ وَالدَّخَنَ الْمُسْكِرَةَ نَحْوَ دِمَاغِ الْحِمَارِ إِذَا تَنَاوَلَهُ الْإِنْسَانُ تَبَلَّدَ عَقْلُهُ، وَقَلَّتْ فِطْنَتُهُ، قَالَهُ الرَّازِيُّ. ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى إِنْكَارِ الْخَوَاصِّ: فَإِنَّ أَثَرَ الْمِغْنَاطِيسِ مُشَاهَدٌ إِلَّا أَنَّ النَّاسَ قَدْ أَكْثَرُوا فِيهِ وَخَلَطُوا الصِّدْقَ بِالْكَذِبِ، وَالْبَاطِلَ بِالْحَقِّ اهـ كَلَامُ الرَّازِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذَا النَّوْعَ مِنَ السِّحْرِ نَقْلًا عَنِ الرَّازِيِّ: قُلْتُ: يَدْخُلُ فِي هَذَا الْقَبِيلِ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَدَّعِي الْفَقْرَ، وَيَتَحَيَّلُ عَلَى جَهَلَةِ النَّاسِ بِهَذِهِ الْخَوَاصِّ مُدَّعِيًا أَنَّهَا أَحْوَالٌ لَهُ: مِنْ مُخَالَطَةِ النِّيرَانِ: وَمَسْكِ الْحَيَّاتِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُحَاوَلَاتِ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ كَثِيرٍ.
النَّوْعُ السَّابِعُ مِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ الْمَذْكُورِ: تَعْلِيقُ الْقَلْبِ، وَهُوَ أَنْ يَدَّعِيَ السَّاحِرُ أَنَّهُ قَدْ عَرَفَ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ، وَأَنَّ الْجِنَّ يُطِيعُونَ وَيَنْقَادُونَ لَهُ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ: فَإِذَا اتَّفَقَ أَنْ كَانَ السَّامِعُ لِذَلِكَ ضَعِيفَ الْعَقْلِ قَلِيلَ التَّمْيِيز -
[ ١ / ٢٩٣ ]
اعْتقد أَنه حق، وَتعلق قلبه بذلك، وَحصل فِي نَفْسِهِ نَوْعٌ مِنَ الرُّعْبِ وَالْمَخَافَةِ، وَإِذَا حَصَلَ الْخَوْفُ ضَعُفَتِ الْقُوَى الْحَسَّاسَةُ، فَحِينَئِذٍ يَتَمَكَّنُ السَّاحِرُ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ.
قَالَ الرَّازِيُّ: وَإِنَّ مَنْ جَرَّبَ الْأُمُورَ وَعَرَفَ أَحْوَالَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلِمَ أَنَّ لِتَعَلُّقِ الْقَلْبِ أَثَرًا عَظِيمًا فِي تَنْفِيذِ الْأَعْمَالِ وَإِخْفَاءِ الْأَسْرَارِ.
وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ هَذَا النَّوْعَ مِنَ السِّحْرِ عَنِ الرَّازِيِّ: هَذَا النَّمَطُ يُقَالُ لَهُ التَّنْبَلَةُ، وَإِنَّمَا يُرَوَّجُ عَلَى ضُعَفَاءِ الْعُقُولِ مِنْ بَنِي آدَمَ. وَفِي عِلْمِ الْفِرَاسَةِ مَا يُرْشِدُ إِلَى مَعْرِفَةِ كَامِلِ الْعَقْلِ مِنْ نَاقِصِهِ. فَإِذَا كَانَ النَّبيل حَاذِقًا فِي عِلْمِ الْفِرَاسَةِ عَرَفَ مَنْ يَنْقَادُ لَهُ مِنَ النَّاسِ مِنْ غَيْرِهِ.
النَّوْعُ الثَّامِنُ مِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ: السَّعْيُ بِالنَّمِيمَةِ وَالتَّضْرِيبُ مِنْ وُجُوهٍ لَطِيفَةٍ خَفِيَّةٍ وَذَلِكَ شَائِعٌ فِي النَّاسِ اهـ.
وَالتَّضْرِيبُ بَيْنَ الْقَوْمِ: إِغْرَاءُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ.
وَقَالَ ابْنُ كثير ﵀ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ هَذَا النَّوْعَ الْأَخِيرَ عَنِ الرَّازِيِّ قُلْتُ: النَّمِيمَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ: تَارَةً تَكُونُ عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيشِ بَيْنَ النَّاسِ، وَتَفْرِيقِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ. فَهَذَا حَرَامٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَأَمَّا إِنْ كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَائْتِلَافِ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «لَيْسَ الْكَذَّابُ مَنْ يُنَمِّ خَيْرًا» (١) أَوْ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ التَّخْذِيلِ وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ جُمُوعِ الْكَفَرَةِ، فَهَذَا أَمْرٌ مَطْلُوبٌ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «الْحَرْبُ خدعة» (٢)، وكما فعل
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (٢/٩٥٨) (٢٥٤٦)، وَمُسلم (٤/٢٠١١) (٢٠٦٥) من حَدِيث أم كُلْثُوم بنت عقبَة -﵂ - مَرْفُوعا: [لَيْسَ الْكذَّاب الَّذِي يصلح بَين النَّاس فينمي خيرا أَو يَقُول خيرا]، وَاللَّفْظ للْبُخَارِيّ.
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (٣/١١٠٢) (٢٨٦٦)، وَمُسْلِمٌ (٣/١٣٦١) (١٧٣٩) مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ - ﵁ -.
[ ١ / ٢٩٤ ]
نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ فِي تَفْرِيقِهِ بَيْنَ كَلِمَةِ الْأَحْزَابِ وَبَيْنَ قُرَيْظَةَ، جَاءَ إِلَى هَؤُلَاءِ وَنَمَّى إِلَيْهِمْ عَنْ هَؤُلَاءِ، وَنَقَلَ مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَى أُولَئِكَ شَيْئًا آخَرَ، ثُمَّ لَأَمَ بَيْنَ ذَلِكَ فَتَنَاكَرَتِ النُّفُوسُ وَافْتَرَقَتْ. وَإِنَّمَا يَحْذُو عَلَى مِثْلِ هَذَا الذَّكَاءِ ذُو الْبَصِيرَةِ النَّافِذَةِ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
ثُمَّ قَالَ الرَّازِيُّ: فَهَذِهِ جُمْلَةُ الْكَلَامِ فِي أَقْسَامِ السِّحْرِ وَشَرْحِ أَنْوَاعِهِ وَأَصْنَافِهِ.
قُلْتُ: وَإِنَّمَا أَدْخَلَ كَثِيرًا مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ فِي فَنِّ السِّحْرِ لِلَطَافَةِ مَدَارِكِهَا؛ لِأَنَّ السِّحْرَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَمَّا لَطُفَ وَخَفِيَ سَبَبُهُ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» (١) وَسُمِّيَ السَّحُورُ سَحُورًا لِكَوْنِهِ يَقَعُ خَفِيًّا آخِرَ اللَّيْلِ. وَالسِّحْرُ: الرِّئَةُ وَهِيَ مَحَلُّ الْغِذَاءِ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِخَفَائِهَا وَلُطْفِ مَجَارِيهَا إِلَى أَجْزَاءِ الْبَدَنِ وَغُضُونِهِ، كَمَا قَالَ أَبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ لِعُتْبَةَ: أَنْتَفَخَ سِحْرُهُ، أَيْ أَنْتَفَخَتْ رِئَتُهُ مِنَ الْخَوْفِ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي» (٢) . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ أَيْ أَخْفَوْا عَنْهُمْ عَمَلَهُمْ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
هَذَا هُوَ حَاصِلُ الْأَقْسَامِ الثَّمَانِيَةِ الَّتِي ذَكَرَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» انْقِسَامَ السِّحْرِ إِلَيْهَا. وَلِأَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ تَقْسِيمَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ يَرْجِعُ غَالِبُهَا إِلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ وَقَدْ قَسَّمَهُ الشَّيْخُ سَيِّدِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَاجِّ إِبْرَاهِيمَ الْعَلَوِيُّ الشَّنْقِيطِيُّ صَاحِبُ التَّآلِيفِ الْعَدِيدَةِ الْمُفِيدَةِ فِي نَظْمِهِ الْمُسَمَّى (رُشْدُ الْغَافِلِ) وَشَرْحِهِ لَهُ، الَّذِي بَيَّنَ فِيهِ أَنْوَاع عُلُوم الشَّرّ لتتقي
_________________
(١) - أخرجه الْبُخَارِيِّ (٥/١٩٧٦) (٤٨٥١) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - ﵁ -.
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (١/٤٦٨) (١٣٢٣)، وَمُسلم (٤/١٨٩٣) (٢٤٤٣) .
[ ١ / ٢٩٥ ]
وَتُجْتَنَبَ إِلَى أَقْسَامٍ مُتَعَدِّدَةٍ:
(مِنْهَا) قِسْمٌ يُسَمَّى (بالهيماء) بسكر الْهَاءِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ فَمِيمٌ فَيَاءٌ بَعْدَهَا أَلِفُ التَّأْنِيثِ الْمَمْدُودَةُ، عَلَى وَزْنِ كِبْرِيَاءَ. قَالَ: وَهُوَ مَا تَرَكَّبَ مِنْ خَوَاصٍّ سَمَاوِيَّةٍ تُضَافُ لِأَحْوَالِ الْأَفْلَاكِ، يَحْصُلُ لِمَنْ عُمِلَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أُمُورٌ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ السَّحَرَةِ، وَقَدْ يَبْقَى لَهُ إِدْرَاكٌ، وَقَدْ يُسْلَبُهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَتَصِيرُ أَحْوَالُهُ كَحَالَاتِ النَّائِمِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، حَتَّى يَتَخَيَّلَ مُرُورَ السِّنِينِ الْكَثِيرَةِ فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ. وَحُدُوثَ الْأَوْلَادِ وَانْقِضَاءَ الْأَعْمَارِ وَغَيْرَ ذَلِكَ فِي سَاعَةٍ وَنَحْوِهَا مِنَ الزَّمَنِ الْيَسِيرِ. وَمَنْ لَمْ يُعْمَلْ لَهُ ذَلِكَ لَا تَجِدُ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ. وَهَذَا تَخْيِيلٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ اهـ.
(وَمِنْهَا) نَوْعٌ يُسَمَّى (بِالسِّيمْيَاءِ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبَقِيَّةُ حُرُوفِهِ كَحُرُوفِ مَا قَبْلَهُ. قَالَ: وَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا تَرَكَّبَ مِنْ خَوَاصَّ أَرْضِيَّةٍ كَدُهْنٍ خَاصٍّ، أَوْ مَائِعَاتٍ خَاصَّةٍ يَبْقَى مَعَهَا إِدْرَاكٌ، وَقَدْ يُسْلَبُ بِالْكُلِّيَّةِ إِلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْهِيمْيَاءِ.
(وَمِنْهَا) نَوْعٌ هُوَ رُقًى ضَارَّةٌ. قَالَ: كَرُقَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَهْلِ الْهِنْدِ، وَرُبَّمَا كَانَتْ كفرا. قَالَ: وَلِهَذَا نهى
مَالك ﵀ عَن الرقى بالعجمية. وَقَالَ ابْن زكري فِي شَرْحِ (النَّصِيحَةِ): وَلَا يُقَالُ لِمَا يُحْدِثُ ضَرَرًا رُقًى، بَلْ ذَلِكَ يُقَالُ لَهُ سِحْرٌ.
(وَمِنْهَا) قِسْمٌ يُسَمَّى خَصَائِصُ بَعْضِ الْحَقَائِقِ الَّتِي لَهَا تَسَلُّطٌ عَلَى النُّفُوسِ. كَالْمُشْطِ وَالْمُشَاقَةِ وَجَفُّ طَلْعِ الذَّكَرِ مِنَ النَّخْلِ، وَقِصَّةُ جُعْلِ الْيَهُودِيِّ الَّذِي سَحَرَ النَّبي ﷺ لِمَا ذُكِرَ فِي سِحْرِهِ مَشْهُورَةٌ. وَسَيَأْتِي إِيضَاحُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا النَّوْعِ عِنْدَ أَهْلِهِ: أَنَّ بَعْضَ أَنْوَاعِ الْكِلَابِ مِنْ شَأْنِهِ إِذَا رُمِيَ بِحَجَرٍ أَنْ يَعَضَّهُ، فَإِذَا رُمِيَ بِسَبْعِ حِجَارَةٍ وَعَضَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا وَطُرِحَتْ
[ ١ / ٢٩٦ ]
تِلْكَ الْحِجَارَةُ فِي مَاءٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَإِنَّ السَّحَرَةَ يَزْعُمُونَ أَنْ تَظْهَرَ فِيهِ آثَارٌ مَخْصُوصَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَهُمْ. قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.
(وَمِنْهَا) نَوْعٌ يُسَمَّى (بِالطَّلَاسِمِ) وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ نَقْشِ أَسْمَاءٍ خَاصَّةٍ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْأَفْلَاكِ وَالْكَوَاكِبِ عَلَى زَعْمِ أَهْلِهَا فِي جِسْمٍ مِنَ الْمَعَادِنِ أَوْ غَيْرِهَا، تَحْدُثُ بِهَا خَاصِّيَّةٌ رُبِطَتْ فِي مَجَارِي الْعَادَاتِ، وَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسٍ صَالِحَةٍ لِهَذِهِ الْأَعْمَالِ. فَإِنَّ بَعْضَ النُّفُوسِ لَا تَجْرِي الْخَاصَّةُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى يَدِهِ.
(وَمِنْهَا) نَوْعٌ يُسَمَّى (بِالْعَزَائِمِ) وَهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَسْمَاءً أُمِرُوا بِتَعْظِيمِهَا، وَمَتَى أُقْسِمَ عَلَيْهِمْ بِهَا أَطَاعُوا وَأَجَابُوا وَفَعَلُوا مَا طُلِبَ مِنْهُمْ اهـ وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الزَّعْمِ مِنَ الْفَسَادِ.
(وَمِنْهَا) نَوْعٌ يُسَمُّونَهُ الِاسْتِخْدَام للكواكب وَالْجِنّ. وَأهل الاستخدامات يَزْعُمُونَ أَنَّ لِلْكَوَاكِبِ إِدْرَاكَاتٍ
رُوحَانِيَّةً. فَإِذَا قُوبِلَتَ الْكَوَاكِبُ بِبَخُورٍ خَاصٍّ وَلِبَاسٍ خَاصٍّ عَلَى الَّذِي يُبَاشِرُ الْبَخُورَ، كَانَتْ رُوحَانِيَّةَ فَلَكِ الْكَوَاكِبِ مُطِيعَةٌ لَهُ، مَتَى مَا أَرَادَ شَيْئًا فَعَلَتْهُ لَهُ عَلَى زَعْمِهِمْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ سِحْرِ الْكِلْدَانِيِّينَ الْمُتَقَدِّمِ. وَكَذَلِكَ مُلُوكُ الْجَانِّ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ إِذَا عَمِلُوا لَهُمْ أَشْيَاءً خَاصَّةً بِكُلِّ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِهِمْ أَطَاعُوا وَفَعَلُوا لَهُمْ مَا أَرَادُوا. قَالَ: وَشُرُوطُ هَذِهِ الْأُمُورِ مُسْتَوْعَبَةٌ فِي كتبهمْ. وَذكر ﵀ مِنْ عُلُومِ الشَّرِّ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً: كَالْخَطِّ، وَالْأَشْكَالِ، وَالْمَوَالِدِ، وَالْقُرْعَةِ، وَالْفَأْلِ، وَعِلْمِ الْكَتِفِ، وَالْمُوسِيقَى، وَالرَّعْدِيِّ، وَالْكِهَانَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَالْخَطُّ الرَّمْلِيُّ مَعْرُوفٌ. وَالْأَشْكَالُ جَمْعُ شَكْلٍ، وَيُسَمَّى عِلْمُهَا عِلْمُ الْجَدَاوِلِ وَعِلْمُ الْأَوْفَاقِ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ وَهِيَ مِنَ الْبَاطِلِ.
وَالْمَوَالِدُ جَمْعُ مَوْلِدٍ، وَهِيَ أَنْ يَدَّعِيَ مِنْ مَعْرِفَةِ النَّجْمِ الَّذِي كَانَ طَالِعًا
[ ١ / ٢٩٧ ]
عِنْدَ وِلَادَةِ الشَّخْصِ أَنَّهُ يَكُونُ سُلْطَانًا أَوْ عَالِمًا، أَوْ غَنِيًا أَوْ فَقِيرًا، أَوْ طَوِيلَ الْعُمْرِ أَوْ قَصِيرَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَالْقُرْعَةُ مَا يُسَمُّونَهُ قُرْعَةَ الْأَنْبِيَاءِ، وَحَاصِلُهَا جَدْوَلٌ مَرْسُومٌ فِي بُيُوتِهِ أَسْمَاءُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَسْمَاءُ الطُّيُورِ. وَبَعْدَ الْجَدْوَلِ تَرَاجِمُ لِكُلِّ اسْمٍ تَرْجَمَةٌ خَاصَّةٌ بِهِ، وَيُذْكَرُ فِيهَا أُمُورٌ مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ، يُقَالُ لِلشَّخْصِ غَمِّضْ عَيْنَيْكَ وَضَعْ أُصْبُعَكَ فِي الْجَدْوَلِ. فَإِذَا وَضَعَهَا عَلَى اسْمٍ قُرِئَتْ لَهُ تَرْجَمَتُهُ لِيَعْتَقِدَ أَنَّهُ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ الْمَذْكُورُ مِنْهَا. قَالَ: وَقَدْ عَدَّهَا الْعُلَمَاءُ مِنْ بَابِ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ.
وَمُرَادُهُ بِالْفَأْلِ: الْفَأْلُ الْمُكْتَسَبُ. كَأَنْ يُرِيدَ إِنْسَانٌ التَّزَوُّجَ أَوِ السَّفَرَ مَثَلًا، فَيَخْرُجُ لِيَسْمَعَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْإِقْدَامُ أَوِ الْإِحْجَامُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ النَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ لِذَلِكَ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ نَوْعِ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ. أَمَّا مَا يُعْرَضُ مِنْ غَيْرِ اكْتِسَابٍ كَأَنْ يَسْمَعَ قَائِلًا يَقُولُ: مَا مُفْلِحٌ، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ.
وَعِلْمُ الْكَتِفِ: عِلْمٌ يَزْعُمُ أَهْلُ الشَّرِّ وَالضَّلَالِ أَنَّ مَنْ عَلِمَهُ يَكُونُ إِذَا نَظَرَ فِي أَكْتَافِ الْغَنَمِ اطَّلَعَ عَلَى أُمُورٍ مِنَ الْغَيْبِ، وَرُبَّمَا زَعَمَ الْمُشْتَغِلُ بِهِ أَنَّ السُّلْطَانَ يَمُوتُ فِي تَارِيخِ كَذَا، وَأَنَّهُ يَطْرَأُ رُخْصٌ أَوْ غَلَاءٌ أَوْ مَوْتَ الْأَعْيَانِ كَالْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَقَدْ يَذْكُرُ شَأْنَ الْكُنُوزِ أَوِ الدَّفَائِنِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَالْمُوسِيقَى مَعْرُوفَةٌ، وَكُلُّهَا مِنَ الْبَاطِلِ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ لَهُ إِلْمَامٌ بِالشَّرْعِ الْكَرِيمِ.
وَالرَّعْدِيَّاتُ: عِلْمٌ يَزْعُمُ أَهْلُهُ أَنَّ الرَّعْدَ إِذَا كَانَ فِي وَقْتِ كَذَا مِنَ السَّنَةِ وَالشَّهْرِ فَهُوَ عَلَامَةٌ عَلَى أُمُورٍ غَيْبِيَّةٍ مِنْ جَدْبٍ وَخِصْبٍ، وَكَثْرَةِ الرَّوَاجِ فِي الْأَسْوَاقِ وَقِلَّتِهِ، وَكَثْرَةِ الْمَوْتِ وَهَلَاكِ الْمَاشِيَة، وانقراض الْمَالِك وَنَحْو ذَلِك. وَالْفرق بَين العرافة وللكهانة مَعَ أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي دَعْوَى الِاطِّلَاعِ
[ ١ / ٢٩٨ ]
عَلَى الْغَيْبِ: أَنَّ الْعِرَافَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْأُمُورِ الْمَاضِيَةِ، وَالْكِهَانَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلَةِ اهـ مِنْهُ.
وَعُلُومُ الشَّرِّ كَثِيرَةٌ، وَقَصَدْنَا بِذِكْرِ مَا ذَكَرْنَا مِنْهَا التَّنْبِيهَ عَلَى خِسَّتِهَا وَقُبْحِهَا شَرْعًا، وَأَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ كُفْرٌ بَوَاحٌ، وَمِنْهَا مَا يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ، وَأَقَلُّ دَرَجَاتِهَا التَّحْرِيمُ الشَّدِيدُ.
وَقَدْ دَلَّ بَعْضُ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ عَلَى أَنَّ الْعِيَافَةَ وَالطَّرْقَ وَالطِّيَرَةَ مِنَ السِّحْرِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا مَعْنَى ذَلِكَ فِي «الْأَنْعَامِ» وَعَنْهُ ﷺ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: «مَنِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجُومِ فَقَدِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (١) . وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ» (٢) .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ:
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي السِّحْرِ هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ أَوْ هُوَ تَخْيِيلٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ حَقِيقَةٌ كَمَا قَدَّمْنَا، وَمِنْهُ مَا هُوَ تَخْيِيلٌ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. (٣)
وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنْ أَقْسَامِ السِّحْرِ الْمُتَقَدّمَة فِي كَلَام الرَّازِيّ وَغَيره.
_________________
(١) - أخرجه أَبُو دَاوُد (٢/٤٠٨) (٣٩٠٥)، وَابْن مَاجَه (٢/١٢٢٨) (٣٧٢٦)، وَأحمد (١/٢٢٧) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ -، وَصحح إِسْنَاده الأرناؤوط.
(٢) - أخرجه النَّسَائِيّ (٧/١١٢) (٤٠٧٩)، وَضَعفه الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
(٣) - قَالَ الْعَلامَة الشنقيطي - ﵀ - (٤/٤٧٤ - ٤٧٥) (طه/٦٦): [وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السِّحْرَ الَّذِي جَاءَ بِهِ سَحَرَةُ فِرْعَوْنَ تَخْيِيلٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَهَذَا الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ «طه» هَذِهِ دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ «الْأَعْرَافِ» وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّآ أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾، لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ خَيَّلُوا لِأَعْيُنِ النَّاظِرِينَ أَمْرًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ. وَبِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ احْتَجَّ الْمُعْتَزِلَةُ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ عَلَى أَنَّ السِّحْرَ خَيَالٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ. وَالتَّحْقِيقُ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ السِّحْرَ مِنْهُ مَا هُوَ أَمْرٌ لَهُ حَقِيقَةٌ لَا مُطْلَقَ تَخْيِيلٍ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْهُ مَا لَهُ حَقِيقَةٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ فَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ شَيْءٌ مَوْجُودٌ لَهُ حَقِيقَةٌ تَكُونُ سَبَبًا للتفريق بَين الرجل وَامْرَأَته وَقد عبر الله عَنهُ بِمَا الموصولة وَهِي تدل على أَنه شَيْء لَهُ وجود حَقِيقِيّ. وَمِمَّا يدل على ذَلِك أَيْضا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِى الْعُقَدِ﴾ يَعْنِي السواحر اللَّاتِي يعقدن فِي سحرهن وينفثن فِي عقدهن. فلولا أَن السحر حَقِيقَة لم يَأْمر الله بالاستعاذة مِنْهُ. وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله أَن السحر أَنْوَاع: مِنْهَا مَا هُوَ أَمر لَهُ حَقِيقَة، وَمِنْهَا مَا هُوَ تخييل لَا حَقِيقَة لَهُ. وَبِذَلِك يَتَّضِح عدم التَّعَارُض بَين الْآيَات الدَّالَّة على أَن لَهُ حَقِيقَة، والآيات الدَّالَّة على أَنه خيال. فَإِن قيل: قَوْله فِي «طه»: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ﴾، وَقَوله فِي «الْأَعْرَاف»: ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ الدالان على أَن سحر سحرة فِرْعَوْن خيال لَا حَقِيقَة لَهُ، يعارضهما قَوْله فِي «الْأَعْرَاف»: ﴿وَجَآءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ لِأَن وصف سحرهم بالعظم يدل على أَنه غير خيال. فَالَّذِي يظْهر فِي الْجَواب وَالله أعلم أَنهم أخذُوا كثيرا من الحبال والعصي، وخيلوا بسحرهم لأعين النَّاس أَن الحبال والعصي تسْعَى وَهِي كَثِيرَة. فَظن الناظرون أَن الأَرْض ملئت حيات تسْعَى، لِكَثْرَة مَا ألقوا من الحبال والعصي فخافوا من كثرتها، وبتخييل سعي ذَلِك الْعدَد الْكثير وصف سحرهم بالعظم. وَهَذَا ظَاهر لَا إِشْكَال فِيهِ. وَقد قَالَ غير وَاحِد: إِنَّهُم جعلُوا الزئبق على الحبال والعصي، فَلَمَّا أَصَابَهَا حر الشَّمْس تحرّك الزئبق فحرك الحبال والعصي، فخيل للناظرين أَنَّهَا تسْعَى.] .
[ ١ / ٢٩٩ ]
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ:
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ يَتَعَلَّمُ السِّحْرَ وَيَسْتَعْمِلُهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُ أَحْمَدَ وَغَيْرُهُمْ. وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَقْتَضِي عَدَمَ كُفْرِهِ. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إِذَا تَعَلَّمَ السِّحْرَ قِيلَ لَهُ صِفْ لَنَا سِحْرَكَ. فَإِنْ وَصَفَ مَا يَسْتَوْجِبُ الْكُفْرَ مِثْلَ سِحْرِ أَهْلِ بَابِلَ مِنَ التَّقَرُّبِ لِلْكَوَاكِبِ، وَأَنَّهَا تَفْعَلُ مَا يَطْلُبُ مِنْهَا فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِنْ
[ ١ / ٣٠٠ ]
كَانَ لَا يُوجِبُ الْكُفْرَ فَإِنِ اعْتَقَدَ إِبَاحَتَهُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِلَّا فَلَا. وَأَقْوَالُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ: التَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ التَّفْصِيلُ. فَإِنْ كَانَ السِّحْرُ مِمَّا يُعَظَّمُ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ كَالْكَوَاكِبِ وَالْجِنِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ فَهُوَ كُفْرٌ بِلَا نِزَاعٍ، وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ سِحْرُ هَارُوتَ وَمَارُوتَ الْمَذْكُورُ فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِلَا نِزَاعٍ. كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلكن الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِى الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. وَإِنْ كَانَ السِّحْرُ لَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ كَالِاسْتِعَانَةِ بِخَوَاصِّ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ مِنْ دِهَانَاتٍ وَغَيْرِهَا فَهُوَ حَرَامٌ حُرْمَةً شَدِيدَةً وَلَكِنَّهُ لَا يَبْلُغُ بِصَاحِبِهِ الْكُفْرَ. هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ.
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ:
اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي السَّاحِرِ هَلْ يُقْتَلُ بِمُجَرَّدِ فِعْلِهِ للسحر واستعماله لَهُ أَولا؟ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وَهَلْ يُقْتَلُ بِمُجَرَّدِ فِعْلِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ لَهُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: نَعَمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا. فَأَمَّا إِنْ قَتَلَ بِسِحْرِهِ إِنْسَانًا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَتَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ. أَوْ يُقِرَّ بِذَلِكَ فِي حَقِّ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ. وَإِذَا قُتِلَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا عِنْدَهُمْ إِلَّا الشَّافِعِيَّ فَإِنَّهُ قَالَ: يُقْتَلُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ قِصَاصًا.
وَهَلْ إِذَا تَابَ السَّاحِرُ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي
[ ١ / ٣٠١ ]
الْمَشْهُورِ عَنْهُمْ: لَا تُقْبَلُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: تُقْبَلُ التَّوْبَةُ.
وَأَمَّا سَاحِرُ أَهْلِ الْكِتَابِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُقْتَلُ كَمَا يُقْتَلُ السَّاحِرُ الْمُسْلِمُ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: لَا يُقْتَلُ. يَعْنِي لِقِصَّةِ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسْلِمَةِ السَّاحِرَةِ. فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا لَا تُقْتَلُ، وَلَكِنْ تُحْبَسُ. وَقَالَ الثَّلَاثَةُ: حُكْمُهَا حُكْمُ الرَّجُلِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: قَرَأَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عُمَرُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: يُقْتَلُ سَاحِرُ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُقْتَلُ سَاحِرُ الْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَحَرَتْهُ امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ فَلَمْ يَقْتُلهَا (١) . وَقد نقل الْقُرْطُبِيّ عَن مَالك ﵀ أَنَّهُ قَالَ فِي الذِّمِّيِّ: يُقْتَلُ إِنْ قَتَلَ بِسِحْرِهِ. وَحَكَى ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَيْنِ فِي الذِّمِّيِّ إِذَا سَحَرَ: إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ أَسْلَمَ وَإِلَّا قُتِلَ: وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَإِنْ أَسْلَمَ.
وَأَمَّا السَّاحِرُ الْمُسْلِمُ فَإِنْ تَضَمَّنَ سِحْرُهُ كُفْرًا كُفِّرَ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ لَكِنْ قَالَ مَالِكٌ: إِذَا ظُهِرَ عَلَيْهِ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ؛ لِأَنَّهُ كَالزِّنْدِيقِ فَإِنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ يُظْهَرَ عَلَيْهِ وَجَاءَ تَائِبًا قَبِلْنَاهُ. فَإِنْ قَتَلَ سِحْرُهُ قُتِلَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ فَإِنْ قَالَ لم أتعمد الْقَتْل فَهُوَ مخطىء تَجِبُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَأَمَّا تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ فَحَرَامٌ، فَإِنْ تَضَمَّنَ مَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ كُفِّرَ وَإِلَّا فَلَا. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ عُزِّرَ واستتيب
_________________
(١) - ذكره ابْن كثير فِي تَفْسِيره (١/١٤٩)، وَلم أَقف عَلَيْهِ.
[ ١ / ٣٠٢ ]
مِنْهُ وَلَا يُقْتَلُ عِنْدَنَا، فَإِنْ تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ. وَقَالَ مَالِكٌ: السَّاحِرُ كَافِرٌ يُقْتَلُ بِالسِّحْرِ وَلَا يُسْتَتَابُ، وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بَلْ يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ. وَالْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ؛ لِأَنَّ السَّاحِرَ عِنْدَهُ كَافِرٌ كَمَا ذَكَرْنَا، وَعِنْدَنَا لَيْسَ بِكَافِرٍ، وَعِنْدَنَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الْمُنَافِقِ وَالزِّنْدِيقِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَبِقَوْلِ مَالِكٍ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِذَا قَتَلَ السَّاحِرُ بِسِحْرِهِ إِنْسَانًا وَاعْتَرَفَ أَنَّهُ مَاتَ بِسِحْرِهِ وَأَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا لَزِمَهُ الْقِصَاصُ. وَإِنْ قَالَ مَاتَ بِهِ وَلَكِنَّهُ قَدْ يَقْتُلُ وَقَدْ لَا يَقْتُلُ فَلَا قِصَاصَ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ لَا عَلَى عَاقِلَتِهِ. لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ مَا ثَبَتَ بِاعْتِرَافِ الْجَانِي. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يُتَصَوَّرُ الْقَتْلُ بِالسِّحْرِ بِالْبَيِّنَةِ، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ بِاعْتِرَافِ السَّاحِرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ الْبُخَارِيِّ ﵀: (بَابُ السِّحْرِ) وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلكن الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾: وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ وَمُتَعَلِّمُهُ كَافِرٌ، وَهُوَ وَاضِحٌ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ الَّتِي قَدَّمْتُهَا، وَهُوَ التَّعَبُّدُ لِلشَّيَاطِينِ أَوِ الْكَوَاكِبِ. وَأَمَّا النَّوْعُ الْآخَرُ الَّذِي هُوَ مِنْ بَابِ الشَّعْوَذَةِ فَلَا يَكْفُرُ مَنْ تَعَلَّمَهُ أَصْلًا.
قَالَ النَّوَوِيُّ: عَمَلُ السِّحْرِ حَرَامٌ، وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ عَدَّهُ النَّبي ﷺ مِنَ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ كُفْرًا، وَمِنْهُ مَا لَا يَكُونُ كُفْرًا، بَلْ مَعْصِيَةً كَبِيرَةً، فَإِنْ كَانَ فِيهِ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ يَقْتَضِي الْكُفْرَ فَهُوَ كُفْرٌ وَإِلَّا فَلَا. وَأَمَّا تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ فَحَرَامٌ إِلَى آخِرِ كَلَامِ النَّوَوِيِّ الَّذِي ذَكرْنَاهُ عَنهُ آنِفا. ثمَّ إِن ابْن حجر لَمَّا نَقَلَهُ عَنْهُ قَالَ: وَفِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافٌ كَبِيرٌ وَتَفَاصِيلُ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهَا اهـ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ: التَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ السِّحْرَ نَوْعَانِ كَمَا تَقَدَّمَ؟ مِنْهُ مَا هُوَ كُفْرٌ، وَمِنْهُ مَا لَا يبلغ بِصَاحِبِهِ
[ ١ / ٣٠٣ ]
الْكُفْرَ، فَإِنْ كَانَ السَّاحِرُ اسْتَعْمَلَ السِّحْرَ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ فَلَا
شَكَّ فِي أَنَّهُ يُقْتَلُ كُفْرًا؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (١) .
وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي فِي اسْتِتَابَتِهِ أَنَّهُ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ. وَقد بيّنت فِي كتابي (دَفْعُ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ) فِي سُورَةِ «آلِ عِمْرَانَ» أَنَّ أَظْهَرَ الْقَوْلَيْنِ دَلِيلًا أَنَّ الزِّنْدِيقَ تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ نَبِيَّهُ وَلَا أُمَّتَهُ ﷺ بِالتَّنْقِيبِ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، بَلْ بِالِاكْتِفَاءِ بِالظَّاهِرِ. وَمَا يُخْفُونَهُ فِي سَرَائِرِهِمْ أَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، خِلَافًا للْإِمَام مَالك ﵀ وَأَصْحَابِهِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ السَّاحِرَ لَهُ حُكْمُ الزِّنْدِيقِ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَمِرٌّ بِالْكُفْرِ وَالزِّنْدِيقُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ عِنْدَهُ إِلَّا إِذَا جَاءَ تَائِبًا قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ.
وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي: أَنَّ الْمَرْأَةَ السَّاحِرَةَ حُكْمُهَا حُكْمُ الرَّجُلِ السَّاحِرِ وَأَنَّهَا إِنْ كَفَرَتْ بِسِحْرِهَا قُتِلَتْ كَمَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ «مَنْ» فِي قَوْلِهِ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (٢) تَشْمَلُ الْأُنْثَى عَلَى أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ وَأَصَحِّهِمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى﴾ . فَأَدْخَلَ الْأُنْثَى فِي لَفْظَةِ «مَنْ»، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يانِسَآءَ النَّبِىِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ﴾، وَقَوله: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ﴾، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَإِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي هِيَ شُمُولُ لَفْظَةِ «مَنْ» فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِلْأُنْثَى أَشَارَ فِي مَرَاقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:
وَمَا شُمُولُ مَنْ لِلْأُنْثَى جَنَفُ وَفِي شَبِيهِ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا
وَأَمَّا إِنْ كَانَ السَّاحِرُ عَمِلَ السِّحْرَ الَّذِي لَا يَبْلُغُ بِصَاحِبِهِ الْكُفْرَ، فَهَذَا هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. فَالَّذِينَ قَالُوا يُقْتَلُ وَلَوْ لَمْ يَكْفُرْ بِسِحْرِهِ قَالَ أَكْثَرُهُمْ: يُقْتَلُ حَدًّا وَلَوْ قَتَلَ إِنْسَانًا بِسِحْرِهِ، وَانْفَرَدَ الشَّافِعِي فِي هَذِه الصُّورَة
_________________
(١) - أخرجه الْبُخَارِيُّ (٣/١٠٩٨) (٢٨٥٤) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -.
(٢) - سبق تَخْرِيجه آنِفا.
[ ١ / ٣٠٤ ]
بِأَنَّهُ يُقْتَلُ قِصَاصًا لَا حَدًّا.
وَهَذِهِ حُجَجُ الْفَرِيقَيْنِ وَمُنَاقَشَتُهَا:
أَمَّا الَّذِينَ قَالُوا مُطْلَقًا إِذَا عَمِلَ بِسِحْرِهِ وَلَوْ لَمْ يَقْتُلْ بِهِ أَحَدًا فاستولوا بِآثَارٍ عَنِ الصَّحَابَةِ ﵃، وَبِحَدِيثٍ جَاءَ بِذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ. فَمِنَ الْآثَارِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ (الْجِهَادُ فِي بَابِ الْجِزْيَةِ): حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرًا قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَعَمْرِو بْنِ أَوْسٍ فَحَدَّثَهُمَا بَجَالَةُ سَنَةَ سَبْعِينَ عَامَ حَجَّ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ عِنْدَ دَرَجِ زَمْزَمَ قَالَ: كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْأَحْنَفِ، فَأَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنَ الْمَجُوسِ قَالَ: فَقَتَلْنَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ثَلَاثَ سَوَاحِرَ وَفَرَّقْنَا بَيْنَ الْمَحَارِمِ مِنْهُمْ. وَرَوَاهُ أَيْضًا أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. (١) وَاعْلَمْ أَنَّ لَفْظَةَ «اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ» إِلَخْ فِي هَذَا الْأَثَرِ سَاقِطَةٌ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ، ثَابِتَةٌ فِي بَعْضِهَا، وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ مُسَدَّدِ وَأَبِي يَعْلَى. قَالَهُ فِي الْفَتْحِ. وَمِنَ الْآثَارِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبي ﷺ قَتَلَتْ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْهَا، وَقَدْ كَانَتْ دَبَّرَتْهَا فَأَمَرَتْ بِهَا فَقُتِلَتْ (٢) . قَالَ مَالِكٌ: السَّاحِرُ الَّذِي يَعْمَلُ السِّحْرَ وَلَمْ يَعْمَلْ ذَلِكَ لَهُ غَيْرُهُ هُوَ مِثْلُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ ﵎ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِى الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ فَأَرَى أَنْ يُقْتَلَ ذَلِكَ إِذَا عَمِلَ ذَلِكَ من نَفسه
_________________
(١) - أخرجه أَبُو دَاوُد (٢/١٤٨) (٣٠٤٣)، وَأحمد (١/١٩٠) والْحَدِيث صَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ -، والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ (٣/١١٥١) (٢٩٨٧)، وَلَيْسَ فِيهِ مَوضِع الشَّاهِد.
(٢) - أخرجه مَالك فِي الْمُوَطَّأ (٢/٨٧١) (١٥٦٢) بِسَنَد مُنْقَطع.
[ ١ / ٣٠٥ ]
انْتَهَى مِنَ الْمُوَطَّأِ. وَنَحْوَهُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ.
وَمِنَ الْآثَارِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ (١): حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ: كَانَ عِنْدَ الْوَلِيدِ رَجُلٌ يَلْعَبُ فَذَبَحَ إِنْسَانًا وَأَبَانَ رَأْسَهُ، فَجَاءَ جُنْدَبٌ الْأَزْدِيُّ فَقَتَلَهُ. حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ جُنْدَبٍ الْبَجَلِيِّ: أَنَّهُ قَتَلَهُ. حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ: قَتَلَهُ جُنْدَبُ بْنُ كَعْبٍ. وَفِي (فَتْحِ الْمَجِيدِ شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ) لِلْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ أَشَارَ لِكَلَامِ الْبُخَارِيِّ فِي التَّارِيخِ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مُطَوَّلًا، وَفِيهِ: فَأَمَرَ بِهِ الْوَلِيدُ فَسُجِنَ. فَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِتَمَامِهَا وَلَهَا طُرُقٌ كَثِيرَةٌ انْتَهَى مِنْهُ.
فَهَذِهِ آثَارٌ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي قَتْلِ السَّاحِرِ: وَهُمْ عُمَرُ وَابْنَتُهُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةٌ ﵃ جَمِيعًا، وَجُنْدَبٌ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃، وَيُعْتَضَدُ ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ لِلتِّرْمِذِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ جُنْدَبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ» (٢)، وَضَعَّفَ التِّرْمِذِيُّ إِسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ: الصَّحِيحُ عَنْ جُنْدَبٍ مَوْقُوفٌ، وَتَضْعِيفُهُ بِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَكِّيُّ وَهُوَ يَضْعُفُ فِي الْحَدِيثِ. وَقَالَ فِي (فَتْحِ الْمَجِيدِ) أَيْضًا فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ جُنْدَبٍ الْمَذْكُورِ: رَوَى ابْنُ السَّكَنِ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبي ﷺ قَالَ: «يُضْرَبُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً فَيَكُونُ أُمَّةً وَحْدَهُ» (٣) . اهـ مِنْهُ.
_________________
(١) - التَّارِيخ الْكَبِير (٢/٢٢٢) (٢٢٦٨) .
(٢) - أخرجه التِّرْمِذِيّ (٤/٦٠) (١٤٦٠)، وَالطَّبَرَانِيّ (٢/١٦١) (١٦٦٦)، والْحَدِيث ضعفه الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
(٣) - سَاق ابْن حجر فِي " الْإِصَابَة " (١/٥١٢) إِسْنَاد بن السكن، وَفِيه: يحيى بن كثير صَاحب الْبَصْرِيّ، قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ فِي " الكاشف ": ضَعَّفُوهُ، وَقَالَ عَنهُ ابْن حجر فِي " التَّقْرِيب ": ضَعِيف.
[ ١ / ٣٠٦ ]
وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ تَضْعِيفَهُ بِإِسْمَاعِيلَ الْمَذْكُورِ: قُلْتُ قَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنِ الْحَسَنِ عَنْ جُنْدَبٍ مَرْفُوعًا اهـ. وَهَذَا يُقَوِّيهِ كَمَا تَرَى.
فَهَذِهِ الْآثَارُ الَّتِي لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ أَنْكَرَهَا عَلَى مَنْ عَمِلَ بِهَا مَعَ اعْتِضَادِهَا بِالْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ الْمَذْكُورِ هِيَ حُجَّةُ مَنْ قَالَ بِقَتْلِهِ مُطْلَقًا. وَالْآثَارُ الْمَذْكُورَةُ وَالْحَدِيثُ فِيهِمَا الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ بِهِ سِحْرُهُ الْكُفْرَ؛ لِأَنَّ السَّاحِرَ الَّذِي قَتَلَهُ جُنْدَبٌ ﵁ كَانَ سِحْرُهُ مِنْ نَحْوِ الشَّعْوَذَةِ وَالْأَخْذِ بِالْعُيُونِ، حَتَّى إِنَّهُ يُخَيَّلُ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ أَبَانَ رَأْسَ الرَّجُلِ، وَالْوَاقِعُ بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَقَوْلُ عُمَرَ «اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ» (١) يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِصِيغَةِ الْعُمُومِ. وَمِمَّنْ قَالَ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْآثَارِ وَهَذَا الْحَدِيثِ: مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَحَفْصَةٌ، وَجُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَجُنْدَبُ بْنُ كَعْبٍ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَغَيْرِهِمْ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي (الْمُغْنِي) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَمَنْ وَافَقَهُمَا.
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: بِأَنَّهُ إِنْ كَانَ سِحْرُهُ لَمْ يَبْلُغْ بِهِ الْكُفْرَ لَا يُقْتَلُ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ «لَا يحل
دم امرىء مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ » الْحَدِيثَ (٢)، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ مِرَارًا. وَلَيْسَ السِّحْرُ الَّذِي لَمْ يَكْفُرْ صَاحِبُهُ مِنَ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ مُنْتَصِرًا لِهَذَا الْقَوْلِ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَدِمَاءُ الْمُسْلِمِينَ مَحْظُورَةٌ لَا تُسْتَبَاحُ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَلَا يَقِينَ مَعَ الِاخْتِلَافِ، وَالله أعلم.
_________________
(١) - سبق تَخْرِيجه آنِفا.
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (٦/٢٥٢١) (٦٤٨٤)، وَمُسلم (٣/١٣٠٢) (١٦٧٦٦) .
[ ١ / ٣٠٧ ]
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ بَاعَتْ مُدَبَّرَةً لَهَا سَحَرَتْهَا (١)، وَلَوْ وَجَبَ قَتْلُهَا لَمَا حَلَّ بَيْعُهَا. قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ.
وَمَا حَاوَلَهُ بَعْضُهُمْ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ بِحَمْلِ السِّحْرِ عَلَى الَّذِي يَقْتَضِي الْكُفْرَ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالْقَتْلِ، وَحَمْلِهِ عَلَى الَّذِي لَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْقَتْلِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْآثَارَ الْوَارِدَةَ فِي قَتْلِهِ جَاءَتْ بِقَتْلِ السَّاحِرِ الَّذِي سَحَرَهُ مِنْ نَوْعِ الشَّعْوَذَةِ كَسَاحِرِ جُنْدَبٍ الَّذِي قَتَلَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي الْكُفْرَ الْمُخْرِجَ مِنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. فَالْجَمْعُ غَيْرُ مُمْكِنٍ. وَعَلَيْهِ فَيَجِبُ التَّرْجِيحُ، فَبَعْضُهُمْ يُرَجِّحُ عَدَمَ الْقَتْلِ بِأَنَّ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَرَامٌ إِلَّا بِيَقِينٍ. وَبَعْضُهُمْ يُرَجِّحُ الْقَتْلَ بِأَنَّ أَدِلَّتَهُ خَاصَّةٌ وَلَا يَتَعَارَضُ عَامٌّ وَخَاصٌّ؛ لِأَنَّ الْخَاصَّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأُصُولِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ السَّاحِرَ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ بِهِ سِحْرُهُ الْكُفْرَ وَلَمْ يَقْتُلْ بِهِ إِنْسَانًا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ؛ لِدَلَالَةِ النُّصُوصِ الْقَطْعِيَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ عَلَى عِصْمَةِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً إِلَّا بِدَلِيلٍ وَاضِحٍ. وَقَتْلُ السَّاحِرِ الَّذِي لَمْ يَكْفُرْ بِسِحْرِهِ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ شَيْءٌ عَنِ النَّبي ﷺ، وَالتَّجَرُّؤُ عَلَى دَمِ مُسْلِمٍ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ صَحِيحٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ مَرْفُوعَةٍ غَيْرُ ظَاهِرٍ عِنْدِي. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، مَعَ أَنَّ الْقَوْلَ بِقَتْلِهِ مُطْلَقًا قَوِيٌّ جِدًّا لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ لَهُ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ.
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ:
اعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي تَعَلُّمِ السِّحْرِ مِنْ غَيْرِ عمل بِهِ. هَل يجوز أَو
_________________
(١) - أخرجه أَحْمد (٦/٤٠)، وَمَالك فِي " الْمُوَطَّأ " (٣/٢٨٣) (٨٤١)، والأثر صَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ - فِي " الإرواء " (١٧٥٧) .
[ ١ / ٣٠٨ ]
لَا؟ وَالتَّحْقِيقُ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: هُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَمِنْ أَصْرَحِ الْأَدِلَّةِ فِي ذَلِكَ تَصْرِيحُهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ﴾ وَإِذَا أَثْبَتَ اللَّهُ أَنَّ السِّحْرَ ضَارٌّ وَنَفَى أَنَّهُ نَافِعٌ فَكَيْفَ يَجُوزُ تَعَلُّمُ مَا هُوَ ضَرَر مَحْض لَا نفع فِيهَا؟
وَجَزَمَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ فِي سُورَةِ «الْبَقَرَةِ» بِأَنَّهُ جَائِزٌ بَلْ وَاجِبٌ قَالَ مَا نَصُّهُ: (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) فِي أَنَّ الْعِلْمَ بِالسِّحْرِ غَيْرُ قَبِيحٍ وَلَا مَحْظُورٍ، اتَّفَقَ الْمُحَقِّقُونَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْعِلْمَ لِذَاتِهِ شَرِيفٌ، وَأَيْضًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، وَلِأَنَّ السِّحْرَ لَوْ لَمْ يَكُنْ يُعْلَمُ لَمَا أَمْكَنَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعْجِزَةِ، وَالْعِلْمُ بِكَوْنِ الْمُعْجِزِ مُعْجِزًا وَاجِبٌ، وَمَا يَتَوَقَّفُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ تَحْصِيلُ الْعِلْمِ بِالسِّحْرِ وَاجِبًا، وَمَا يَكُونُ وَاجِبًا كَيْفَ يَكُونُ حَرَامًا وَقَبِيحًا. انْتَهَى مِنْهُ بِلَفْظِهِ. وَلَا يَخْفَى سُقُوطُ هَذَا الْكَلَامِ وَعَدَمُ صِحَّته. وَقد تعقبه ابْن كثير ﵀ فِي تَفْسِيرِهِ بَعْدَ أَنْ نَقَلَهُ عَنْهُ بِلَفْظِهِ الَّذِي ذَكَرْنَا بِمَا نَصُّهُ: وَهَذَا الْكَلَامُ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا قَوْلُهُ: «الْعِلْمُ بِالسِّحْرِ لَيْسَ بِقَبِيحٍ» إِنْ عَنَى بِهِ لَيْسَ بِقَبِيحٍ عقلا فمخالفوه من الْمُعْتَزلَة يمعنون هَذَا، وَإِنْ عَنَى أَنَّهُ لَيْسَ بِقَبِيحٍ شَرْعًا فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ﴾ تَبْشِيعٌ لِعِلْمِ السِّحْرِ. وَفِي السُّنَنِ «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» (١)، وَفِي السُّنَنِ «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً وَنَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ» (٢) وَقَوْلُهُ «وَلَا مَحْظُورَ، اتَّفَقَ الْمُحَقِّقُونَ على ذَلِك» كَيفَ لَا يكون
_________________
(١) - أخرجه أَبُو دَاوُد (٢/٤٠٨) (٣٩٠٤)، وَالتِّرْمِذِيّ (١/٢٤٢) (١٣٥)، وَابْن مَاجَه (١/٢٠٩) (٦٣٩)، وَأحمد (٢/٤٢٩)، والْحَدِيث صَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ -، وَحسنه الأرناؤوط.
(٢) - سبق تَخْرِيجه آنِفا.
[ ١ / ٣٠٩ ]
مَحْظُورًا مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ، وَاتِّفَاقُ الْمُحَقِّقِينَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ قَدْ نَصَّ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَئِمَّةُ الْعُلَمَاءِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ. وَأَيْنَ نُصُوصُهُمْ عَلَى ذَلِكَ!
ثُمَّ إِدْخَالُهُ عَلِمَ السِّحْرِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ فِيهِ نَظَرٌ. لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَى مدح الْعَالمين الْعلم الشَّرْعِيّ، وَلم قُلْتَ إِنَّ هَذَا مِنْهَا! ثُمَّ تُرَقِّيهِ إِلَى وُجُوبِ تَعَلُّمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِالْمُعْجِزِ إِلَّا بِهِ ضَعِيفٌ بَلْ فَاسِدٌ.
لِأَنَّ أَعْظَمَ مُعْجِزَاتِ رَسُولِنَا ﵊ هِيَ الْقُرْآنُ الْعَظِيم الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.
ثُمَّ إِنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّهُ مُعْجِزٌ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِ السِّحْرِ أَصْلًا. ثُمَّ مِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتَهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْمُعْجِزَ، وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ السِّحْرَ وَلَا تَعَلَّمُوهُ وَلَا عَلَّمُوهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ كَلَامَ ابْنِ كَثِيرٍ هَذَا صَوَابٌ، وَأَنَّ رَدَّهُ عَلَى الرَّازِيِّ وَاقِعٌ مَوْقِعَهُ، وَأَنَّ تَعَلُّمَ السِّحْرِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي مَنْعِهِ. لِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ﴾ . وَقَوْلُ ابْنِ كَثِيرٍ فِي كَلَامِهِ الْمَذْكُورِ: وَفِي الصَّحِيحِ «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا.. إِلَخْ» إِنْ كَانَ يَعْنِي أَنَّ الْحَدِيثَ بِذَلِكَ صَحِيحٌ فَلَا مَانِعَ، وَإِنْ كَانَ يَعْنِي أَنَّهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا فَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَبِذَلِكَ كُلِّهِ تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ حَجَرٍ فِي (فَتْحِ الْبَارِي) . وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ تَعَلُّمَ السِّحْرِ لِأَمْرَيْنِ: إِمَّا لِتَمْيِيزِ مَا فِيهِ كُفْرٌ مِنْ غَيْرِهِ. وَإِمَّا لِإِزَالَتِهِ عَمَّنْ وَقَعَ فِيهِ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَلَا مَحْذُورَ فِيهِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ، فَإِذَا سَلِمَ الِاعْتِقَادُ فَمَعْرِفَةُ الشَّيْءِ بِمُجَرَّدِهِ لَا تَسْتَلْزِمُ مَنْعًا. كَمَنْ يَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ عبَادَة أهل
[ ١ / ٣١٠ ]
الْأَوْثَانِ لِلْأَوْثَانِ؛ لِأَنَّ كَيْفِيَّةَ مَا يُعَلِّمُهُ السَّاحِرُ إِنَّمَا هِيَ حِكَايَةُ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، بِخِلَافِ تَعَاطِيهِ وَالْعَمَلِ بِهِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنْ كَانَ لَا يَتِمُّ كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ إِلَّا بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ أَوِ الْفِسْقِ فَلَا يَحِلُّ أَصْلًا، وَإِلَّا جَازَ لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ اهـ خِلَافَ التَّحْقِيقِ، إِذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُبِيحَ مَا صَرَّحَ اللَّهُ بِأَنَّهُ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، مَعَ أَن تعلمه قد يكون ذَرِيعَة الْعَمَل بِهِ، وَالذَّرِيعَةُ إِلَى الْحَرَامِ يَجِبُ سَدُّهَا كَمَا قَدَّمْنَاهُ.
قَالَ فِي الْمَرَاقِي:
سَدُّ الذَّرَائِعِ إِلَى الْمُحَرَّمِ حَتْمٌ كَفَتْحِهَا إِلَى الْمُنْحَتِمِ
هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ لَنَا. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ:
اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي حَلِّ السِّحْرِ عَنِ الْمَسْحُورِ. فَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ، وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ. وَمِمَّنْ أَجَازَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ رَحِمَهُ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ (بَابُ هَلْ يُسْتَخْرَجُ السِّحْرُ): وَقَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ أَوْ يُؤْخَذُ عَنِ امْرَأَتِهِ، أَيُحَلُّ عَنْهُ، أَوْ يُنْشَرُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الْإِصْلَاحَ. فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ فَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ اهـ. وَمَالَ إِلَى هَذَا الْمُزَنِيُّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بَأْسَ بِالنُّشْرَةِ. قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ. وَقَالَ أَيْضًا: قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَفِي كِتَابِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَنْ يَأْخُذَ سَبْعَ وَرَقَاتٍ مِنْ سِدْرٍ أَخْضَرَ فَيَدُقُّهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، ثُمَّ يَضْرِبُهُ بِالْمَاءِ وَيَقْرَأُ عَلَيْهِ آيَةَ الْكُرْسِيِّ ثُمَّ يَحْسُو مِنْهُ ثَلَاثَ حَسَوَاتٍ وَيَغْتَسِلُ. فَإِنَّهُ يَذْهَبُ عَنْهُ كُلُّ مَا بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ جَيِّدٌ لِلرَّجُلِ إِذَا حُبِسَ عَنْ أَهْلِهِ انْتَهَى مِنْهُ.
وَمِمَّنْ أَجَازَ النَّشْرَةَ وَهِيَ حَلُّ السِّحْرِ عَنِ الْمَسْحُورِ: أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَمِمَّنْ كَرِهَ ذَلِكَ: الْحَسَنُ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ
[ ١ / ٣١١ ]
عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمَّا سَحَرَهُ لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ: هَلَّا تَنَشَّرْتَ؟ فَقَالَ: «أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ شَفَانِي وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا» (١) .
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: التَّحْقِيقُ الَّذِي لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ اسْتِخْرَاجَ السِّحْرِ إِنْ كَانَ بِالْقُرْآنِ كَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تَجُوزُ الرُّقْيَا بِهِ فَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ بِسِحْرٍ أَوْ بِأَلْفَاظٍ عَجَمِيَّةٍ، أَوْ بِمَا لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ، أَوْ بِنَوْعٍ آخَرَ مِمَّا لَا يَجُوزُ فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ. وَهَذَا وَاضِحٌ وَهُوَ الصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا تَرَى.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي مَا نَصُّهُ: (تَكْمِيلٌ) قَالَ ابْن الْقيم ﵀: مِنْ أَنْفَعِ الْأَدْوِيَةِ، وَأَقْوَى مَا يُوجَدُ مِنَ النُّشْرَةِ مُقَاوَمَةُ السِّحْرِ الَّذِي هُوَ مِنْ تَأْثِيرَاتِ الْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ بِالْأَدْوِيَةِ الْإِلَهِيَّةِ: مِنَ الذِّكْرِ، وَالدُّعَاءِ، وَالْقِرَاءَةِ. فَالْقَلْبُ إِذَا كَانَ مُمْتَلِئًا مِنَ اللَّهِ، مَعْمُورًا بِذِكْرِهِ، وَلَهُ وِرْدٌ مِنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّوَجُّهِ، لَا يُخِلُّ بِهِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ مِنْ إِصَابَةِ السِّحْرِ لَهُ. قَالَ: وَسُلْطَانُ تَأْثِيرِ السِّحْرِ هُوَ فِي الْقُلُوبِ الضَّعِيفَةِ. وَلِهَذَا غَالِبُ مَا يُؤَثِّرُ فِيهِ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَالْجُهَّالَ؛ لِأَنَّ الْأَرْوَاحَ الْخَبِيثَةَ إِنَّمَا تَنْشَطُ عَلَى الْأَرْوَاحِ، تَلَقَاهَا مُسْتَعِدَّةً لِمَا يُنَاسِبُهَا. انْتَهَى مُلَخصا. وَيُعَكر
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (٥/٢٢٥٢) (٥٧١٦)، وَمُسلم (٤/١٧١٩) (٢١٨٩)، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ: فَهَلا: يَعْنِي تنشرت، وَفِي رِوَايَات أُخْرَى عِنْد البُخَارِيّ وَغَيره، هلا استخرجته، وهلا أحرقته، وَقد جزم ابْن حجر فِي الْفَتْح بِأَنَّهَا مدرجة، وَنقل أَيْضا عَن الْبَعْض حملهَا على الْمَعْنى اللّغَوِيّ بِمَعْنى الْإِظْهَار حَتَّى توَافق الرِّوَايَات الْأُخْرَى حَيْثُ قَالَ (١٠/٤٨٠): [قَوْله مطبوب يَعْنِي مسحورا هَذَا التَّفْسِير مدرج فِي الْخَبَر وَقد بيّنت ذَلِك عِنْد شرح الحَدِيث فِي كتاب الطِّبّ وَكَذَا قَوْله فَهَلا تَعْنِي تنشرت وَمن قَالَ هُوَ مَأْخُوذ من النشرة أَو من نشر الشَّيْء بِمَعْنى إِظْهَاره وَكَيف يجمع بَين قَوْلهَا فَأخْرج وَبَين قَوْلهَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى هلا استخرجته وَأَن حَاصله أَن الْإِخْرَاج الْوَاقِع كَانَ لأصل السحر والاستخراج الْمَنْفِيّ كَانَ لأجزاء السحر] .
[ ١ / ٣١٢ ]
عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَابِ، وَجَوَازُ السِّحْرِ عَلَى النَّبي ﷺ، مَعَ عَظِيمِ مَقَامِهِ، وَصِدْقِ تَوَجُّهِهِ، وَمُلَازَمَةِ وِرْدِهِ وَلَكِنْ يُمْكِنُ الِانْفِصَالُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ بِهِ ﷺ لِبَيَانِ تَجْوِيزِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى مِنْ فَتْحِ الْبَارِي.
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ:
اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي تَحْقِيقِ الْقَدْرِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَبْلُغَهُ تَأْثِيرُ السِّحْرِ فِي الْمَسْحُورِ، وَاعْلَمْ أَنَّ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَاسِطَةٌ وَطَرَفَيْنِ: طَرَفٌ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ تَأْثِيرَ السِّحْرِ يَبْلُغُهُ كَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ، وَكَالْمَرَضِ الَّذِي يُصِيبُ الْمَسْحُورَ مِنَ السِّحْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ.
أَمَّا الْقُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ فَصَرَّحَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّ مِنْ تَأْثِيرِ السِّحْرِ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ بِأَلْفَاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَقَارِبَةٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُحِرَ حَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ. فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ أَعَلِمْتِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، أَتَانِي رَجُلَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالْآخر عِنْد دجلي، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلْآخَرِ: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفُ الْيَهُودِيِّ كَانَ مُنَافِقًا، قَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ؟ قَالَ: وَأَيْنَ؟ قَالَ: فِي جُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ تَحْتَ رَاعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ» قَالَتْ: فَأَتَى النَّبي ﷺ الْبِئْرَ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ، فَقَالَ: «هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي أَرِبْتُهَا، وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةَ الْحِنَّاءِ، وَكَأَنَّ نخلها رُؤُوس الشَّيَاطِين، فاستخرج»
[ ١ / ٣١٣ ]
قَالَتْ فَقُلْتُ: أَفَلَا أَيْ تَنَشَّرْتَ؟ فَقَالَ: «أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ شَفَانِي وَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ شَرًّا» اهـ (١) هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ صَحِيحَةٌ.
فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أَنَّ تَأْثِيرَ السِّحْرِ فِيهِ ﷺ سَبَّبَ لَهُ الْمَرَضَ. بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ شَفَانِي» وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الثَّابِتَةِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ بِلَفْظِ: فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ مَطْبُوبٌ. أَيْ مَسْحُورٌ. وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ السِّحْرَ سَبَّبَ لَهُ وَجَعًا. وَنَفْيُ بَعْضِ النَّاسِ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ مُسْتَدِلًّا بِأَنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي حَقِّهِ ﷺ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى عَنِ الْكُفَّارِ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ. ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ الثَّابِتَةَ لَا يُمْكِنُ رَدُّهَا بِمِثْلِ هَذِهِ الدَّعَاوَى. وَسَتَرَى فِي آخِرِ بَحْثِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إِيضَاحَ وَجْهِ ذَلِكَ. وَطَرَفٌ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ تَأْثِيرَ السِّحْرِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْلُغَهُ. كَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَفَلْقِ الْبَحْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي السِّحْرِ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ عِنْدَهُ إِنْزَالَ الْجَرَادِ وَالْقُمَّلِ وَالضَّفَادِعِ، وَفَلْقَ الْبَحْرِ، وَقَلْبَ الْعَصَا، وَإِحْيَاءَ الْمَوْتَى، وَإِنْطَاقَ الْعَجْمَاءِ، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ مِنْ عَظِيمِ آيَاتِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِمَّا يَجِبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ لَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ عِنْدَ إِرَادَةِ السَّاحِرِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ: وَإِنَّمَا مَنَعْنَا ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ وَلَوْلَاهُ لَأَجَزْنَاهُ انْتَهَى كَلَامُ الْقُرْطُبِيُّ.
وَأَمَّا الْوَاسِطَةُ فَهِيَ مَحَلُّ خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَهِيَ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَنْقَلِبَ بِالسِّحْرِ الْإِنْسَانُ حِمَارًا مَثَلًا، وَالْحِمَارُ إِنْسَانًا؟ وَهَلْ يَصِحُّ أَنْ يَطِيرَ السَّاحِرُ فِي الْهَوَاءِ، وَأَنْ يَسْتَدِقَّ حَتَّى يَدْخُلَ مِنْ كُوَّةٍ ضَيِّقَةٍ. وَيَنْتَصِبُ عَلَى رَأْسِ قَصَبَةٍ، وَيَجْرِي عَلَى خَيْطٍ مُسْتَدَقٍّ، وَيَمْشِي عَلَى المَاء، ويركب الْكَلْب
_________________
(١) - سبق تَخْرِيجه آنِفا.
[ ١ / ٣١٤ ]
وَنَحْوَ ذَلِكَ. فَبَعْضُ النَّاسِ يُجِيزُ هَذَا. وَجَزَمَ بِجَوَازِهِ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَكَذَلِكَ صَاحَبُ رُشْدِ الْغَافِلِ وَغَيْرُهُمَا. وَبَعْضُهُمْ يَمْنَعُ مِثْلَ هَذَا.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ: أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَفْعَلَ جَمِيعَ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ يُسَبِّبُ مَا شَاءَ من المسببات على مَا شَاءَ من الْأَسْبَابِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ مُنَاسَبَةٌ عَقْلِيَّةٌ بَيَّنَ السَّبَبَ وَالْمُسَبِّبَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مُسْتَوْفًى فِي سُورَةِ «مَرْيَمَ» فَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ . وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى ثُبُوتِ وُقُوعِ مِثْلِ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ فَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مُقْنِعٌ؛ لِأَنَّ غَالِبَ مَا يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِهِ قَائِلُهُ حِكَايَاتٌ لَمْ تَثْبُتْ عَنْ عُدُولٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا وَقَعَ مِنْهَا مِنْ جِنْسِ الشَّعْوَذَةِ وَالْأَخْذِ بِالْعُيُونِ، لَا قَلْبِ الْحَقِيقَةِ مَثَلًا إِلَى حَقِيقَةٍ أُخْرَى. وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
تَنْبيهٌ
اعْلَمْ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ تَأْثِيرِ السِّحْرِ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَسْتَلْزِمُ نَقْصًا وَلَا مُحَالًا شَرْعِيًّا حَتَّى تُرَدَّ بِذَلِكَ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ. لِأَنَّهُ مِنْ نَوْعِ الْأَعْرَاضِ الْبَشَرِيَّةِ، كَالْأَمْرَاضِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الْأَجْسَامِ، وَلَمْ يُؤَثِّرِ الْبَتَّةَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ. وَاسْتِدْلَالُ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ زَاعِمًا أَنَّهُ مُحَالٌ فِي حَقِّهِ ﷺ بِآيَةِ ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ مَرْدُودٌ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي آخِرِ هَذَا الْبَحْثِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ: قَالَ الْمَازِرِيُّ: أَنْكَرَ بَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ هَذَا الْحَدِيثَ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ يَحُطُّ مَنْصِبَ النُّبُوَّةِ وَيُشَكِّكُ فِيهَا. قَالُوا: وَكُلُّ مَا أَدَّى إِلَى ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ. وَزَعَمُوا أَنَّ تَجْوِيزَ هَذَا يَعْدَمُ الثِّقَةَ بِمَا شَرَعُوهُ مِنَ الشَّرَائِعِ، إِذْ يُحْتَمَلُ عَلَى هَذَا أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَرَى جِبْرِيلَ وَلَيْسَ هُوَ ثُمَّ،
[ ١ / ٣١٥ ]
وَأَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ بِشَيْءٍ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: هَذَا كُلُّهُ مَرْدُودٌ. لِأَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ قَامَ عَلَى صِدْقِ النَّبي ﷺ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى عِصْمَتِهِ فِي التَّبْلِيغِ. وَالْمُعْجِزَاتُ شَاهِدَاتٌ بِتَصْدِيقِهِ. فَتَجْوِيزُ مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ بَاطِلٌ. وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ أُمُورِ الدُّنْيَا الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ لِأَجْلِهَا، وَلَا كَانَتِ الرِّسَالَةُ مِنْ أَجْلِهَا، فَهُوَ فِي ذَلِكَ عُرْضَةٌ لِمَا يَعْتَرِي الْبَشَرَ كَالْأَمْرَاضِ. فَغَيْرُ بَعِيدٍ أَنْ يُخَيِّلَ اللَّهُ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ مَعَ عِصْمَتِهِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ فِي أُمُورِ الدِّينِ. قَالَ: وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ: أَنَّهُ كَانَ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ وطئ زَوْجَاته وَلم يكن وطئهن وَهَذَا كثيرا مَا يَقَعُ تَخَيُّلُهُ لِلْإِنْسَانِ فِي الْمَنَامِ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ فِي الْيَقَظَةِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَدْ وَرَدَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا، وَلَفْظُهُ: «حَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ» وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ «أَنَّهُ يَأْتِي أَهْلَهُ وَلَا يَأْتِيهِمْ» قَالَ الدَّاوُدِيُّ: «يُرَى» بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ يُظَنُّ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: ضُبِطَتْ «يَرَى» بِفَتْحِ أَوَّلِهِ. قُلْتُ: وَهُوَ مِنَ الرَّأْيِ لَا مِنَ الرُّؤْيَةِ فَيَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الظَّنِّ. وَفِي مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: سُحِرَ النَّبي ﷺ عَنْ عَائِشَةَ، حَتَّى أَنْكَرَ بَصَرَهُ. وَعِنْدَهُ فِي مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: حَتَّى كَادَ يُنْكِرُ بَصَرَهُ. قَالَ عِيَاضٌ فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ السِّحْرَ إِنَّمَا تَسَلَّطَ عَلَى جَسَدِهِ وَظَوَاهِرِ جَوَارِحِهِ، لَا عَلَى تَمْيِيزِهِ وَمُعْتَقَدِهِ. قُلْتُ: وَوَقَعَ فِي مُرْسَلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ (١): فَقَالَتْ أُخْتُ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ: إِنْ يَكُنْ نَبِيَّنَا فَسَيُخْبَرُ، وَإِلَّا فَسَيُذْهِلُهُ هَذَا السِّحْرُ حَتَّى يَذْهَبَ عَقْلُهُ: قُلْتُ: فَوَقَعَ الشِّقُّ الْأَوَّلُ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا يَلْزَمُ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ وَلَمْ يَكُنْ فَعَلَهُ أَنْ يُجْزَمَ بِفِعْلِهِ ذَلِك، وَإِنَّمَا
_________________
(١) - الطَّبَقَات الْكُبْرَى (٢/١٩٨) .
[ ١ / ٣١٦ ]
يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ الْخَاطِرِ يَخْطُرُ وَلَا يَثْبُتُ. فَلَا يَبْقَى عَلَى هَذَا لِلْمُلْحِدِ حُجَّةٌ.
وَقَالَ عِيَاضٌ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالتَّخَيُّلِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ يَظْهَرُ لَهُ مِنْ نَشَاطِهِ مَا أَلِفَهُ مِنْ سَابِقِ عَادَتِهِ مِنَ الِاقْتِدَارِ عَلَى الْوَطْءِ، فَإِذَا دَنَا مِنَ الْمَرْأَةِ فَتَرَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْمَعْقُودِ: وَيَكُونُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى «حَتَّى كَادَ يُنْكِرُ بَصَرَهُ» (١) أَيْ صَارَ كَالَّذِي أَنْكَرَ بَصَرَهُ بِحَيْثُ إِنَّهُ إِذَا رَأَى الشَّيْءَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ صِفَتِهِ. فَإِذَا تَأَمَّلَهُ عَرَفَ حَقِيقَتَهُ. وَيُؤَيِّدُ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ﷺ فِي خَبَرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ قَالَ قَوْلًا فَكَانَ بِخِلَافِ مَا أَخْبَرَ بِهِ. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: صَوْنُ النَّبي ﷺ مِنَ الشَّيَاطِينِ لَا يَمْنَعُ إِرَادَتَهُمْ كَيْدَهُ، فَقَدْ مَضَى فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ شَيْطَانًا أَرَادَ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ، فَأَمْكَنَهُ اللَّهُ مِنْهُ (٢) . فَكَذَلِكَ السِّحْرُ مَا نَالَهُ مِنْ ضَرَرِهِ مَا يُدْخِلُ نَقْصًا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ، بَلْ هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا كَانَ يَنَالُهُ مِنْ ضَرَرِ سَائِرِ الْأَمْرَاضِ: مِنْ ضَعْفٍ عَنِ الْكَلَامِ، أَوْ عَجْزٍ عَنْ بَعْضِ الْفِعْلِ، أَوْ حُدُوثِ تَخَيُّلٍ لَا يَسْتَمِرُّ بَلْ يَزُولُ. وَيُبْطِلُ اللَّهُ كَيْدَ الشَّيَاطِينَ.
وَاسْتَدَلَّ ابْنُ الْقَصَّارِ عَلَى أَنَّ الَّذِي أَصَابَهُ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمَرَضِ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: «أَمَّا أَنَا فَقَدَ شَفَانِي اللَّهُ» وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ. لَكِنْ يُؤَيِّدُ الْمُدَّعِي أَنَّ فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ: فَكَانَ يَدُورُ وَلَا يَدْرِي مَا وَجَعَهُ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ: مَرِضَ النَّبي ﷺ، وَأُخِذَ عَنِ النِّسَاءِ وَالطَّعَام وَالشرَاب، فهبط عَلَيْهِ ملكان. الحَدِيث (٣)
_________________
(١) - أخرجه الطَّبَرِيّ فِي " تَفْسِيره " (١/٤٦٠) بِسَنَدِهِ عَن ابْن شهَاب قَالَ كَانَ عُرْوَة بن الزبير وَسَعِيد بن الْمسيب يحدثان، فَذكره، وَهُوَ حَدِيث مُرْسل.
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (٣/١٢٦٠) (٣٢٤١) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -.
(٣) - أخرجه ابْن سعد فِي " الطَّبَقَات " (٢/١٩٨) بِسَنَد فِيهِ جُوَيْبِر، وَهُوَ ابْن سعيد، قَالَ عَنهُ الذَّهَبِيّ فِي الكاشف: تَرَكُوهُ، وَقَالَ عَنهُ ابْن حجر: ضَعِيف جدا.
[ ١ / ٣١٧ ]
انْتَهَى مِنْ (فَتْحِ الْبَارِي) .
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ ﷺ مَعْصُومٌ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ كُلِّ مَا يُؤَثِّرُ خَلَلًا فِي التَّبْلِيغِ وَالتَّشْرِيعِ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَعْرَاضِ الْبَشَرِيَّةِ: كَأَنْوَاعِ الْأَمْرَاضِ وَالْآلَامِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ فَالْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ يَعْتَرِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ مَا يَعْتَرِي الْبَشَرَ. لِأَنَّهُمْ بَشَرٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلكن اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ ﷺ مَسْحُورٌ أَوْ مَطْبُوبٌ، قَدْ خَبَلَهُ السِّحْرُ فَاخْتَلَطَ عَقْلُهُ فَالْتَبَسَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ. يَقُولُونَ ذَلِكَ لِيُنَفِّرُوا النَّاسَ عَنْهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: «مَسْحُورًا» أَيْ مَخْدُوعًا. مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ أَيْ مِنْ أَيْنَ تُخْدَعُونَ. وَمَعْنَى هَذَا رَاجِعٌ إِلَى مَا قَبْلَهُ. لِأَنَّ الْمَخْدُوعَ مَغْلُوبٌ فِي عَقْلِهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ ﴿مَّسْحُورًا﴾ مَعْنَاهُ أَنَّ لَهُ سِحْرًا أَيْ رِئَةً فَهُوَ لَا يَسْتَغْنِي عَنِ الطَّعَامِ وَالشرَاب، فَهُوَ مثلكُمْ وَلَيْسَ بِملك. كَقَوْلِهِم ﴿مَا لِهذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى الْأَسْوَاقِ﴾، وَقَوْلِهِ عَنِ الْكُفَّارِ ﴿مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَيُقَالُ لِكُلِّ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ: مَسْحُورٌ وَمُسَحَّرٌ. وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:
فَإِنْ تَسْأَلِينَا فِيمَ نَحْنُ فَإِنَّنَا عَصَافِيرُ مِنْ هَذَا الْأَنَامِ الْمُسَحَّرِ
وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
أَرَانَا مَوْضِعَيْنِ لِأَمْرِ غَيْبٍ وَنُسْحَرُ بِالطَّعَامِ وَبِالشَّرَابِ
أَيْ نُغَذَّى وَنُعَلَّلُ.
[ ١ / ٣١٨ ]
وَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِهِ «مَسْحُورًا» رَاجِعَةٌ إِلَى دَعْوَاهُمُ اخْتِلَالَ عَقْلِهِ بِالسِّحْرِ أَوَ الْخَدِيعَةِ، أَوْ كَوْنِهِ بَشَرًا عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ فِي الْآيَةِ عَلَى مَنْعِ بَعْضِ التَّأْثِيرَاتِ الْعَرَضِيَّةِ الَّتِي لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالتَّبْلِيغِ وَالتَّشْرِيعِ كَمَا تَرَى، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَدْ أَشَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ لِحُكْمِ سَاحِرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي قَتْلِهِ، وَاسْتِدْلَالِ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِعَدَمِ قَتْلِهِ ﷺ لَبِيدَ بْنَ الْأَعْصَمِ الَّذِي سَحَرَهُ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ قَتَلَهُ ضَعِيفٌ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ قَتَلَهُ. وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يكون أَشد حزمة مِنْ سَاحِرِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ يُقْتَلُ كَمَا يُقْتَلُ سَاحِرُ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا عَدَمُ قَتْلِهِ ﷺ لِابْنِ الْأَعْصَمِ فَقَدْ بَيَّنَتِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ تَرَكَ قَتْلَهُ اتِّقَاءَ إِثَارَةِ فِتْنَةٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَقَتَلَهُ. وَقَدْ تَرَكَ الْمُنَافِقِينَ لِئَلَّا يَقُولَ النَّاسُ مُحَمَّدٌ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ. فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ تَنْفِيرٌ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ مَعَ اتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى قَتْلِ الزِّنْدِيقِ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمُنَافِقِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.] (١) .
- الشَّفَاعَة:
[﴿وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ عَدَمُ قَبُولِ الشَّفَاعَةِ مُطْلَقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخر أَنَّ الشَّفَاعَةَ الْمَنْفِيَّةَ هِيَ الشَّفَاعَةُ لِلْكُفَّارِ، وَالشَّفَاعَةُ لِغَيْرِهِمْ بِدُونِ إِذْنِ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
أَمَّا الشَّفَاعَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِإِذْنِهِ فَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ.
فَنَصَّ عَلَى عَدَمِ الشَّفَاعَةِ لِلْكَفَّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وَقَدْ قَالَ: ﴿وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ . وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ مُقَرِّرًا لَهُ: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾ . وَقَالَ: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ من الْآيَات.
_________________
(١) - ٤/٤٨١: ٥١٢، طه / ٦٩.
[ ١ / ٣١٩ ]
وَقَالَ فِي الشَّفَاعَةِ بِدُونِ إِذْنِهِ: ﴿مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ . وَقَالَ: ﴿وَكَمْ مّن مَّلَكٍ فِى السَّمَوَاتِ لاَ تُغْنِى شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى﴾ . وَقَالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا﴾، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَادِّعَاءُ شُفَعَاءَ عِنْدَ اللَّه لِلْكُفَّارِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ بِهِ جَلَّ وَعَلَا، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
تَنْبِيهٌ:
هَذَا الَّذِي قَرَّرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الشَّفَاعَةَ لِلْكُفَّارِ مُسْتَحِيلَةٌ شَرْعًا مُطْلَقًا، يُسْتَثْنَى مِنْهُ شَفَاعَتُهُ ﷺ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ فِي نَقْلِهِ مِنْ مَحَلٍّ مِنَ النَّارِ إِلَى مَحَلٍّ آخَرَ مِنْهَا، كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ فِي الصَّحِيحِ (١)، فَهَذِهِ الصُّورَةُ الَّتِي ذكرنَا من تَخْصِيص الْكتاب وَالسّنة.] (٢) .
وَقَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ . فِيهِ أَنَّ الْكُفَّارَ لَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ، كَمَا أَنَّ فِيهَا إِثْبَاتَ الشَّفَاعَةِ لِلشَّافِعِينَ، وَمَفْهُومُ كَوْنِهَا لَا تَنْفَعُ الْكُفَّارَ أَنَّهَا تَنْفَعُ غَيْرَهُمْ.
وَقَدْ جَاءَتْ نُصُوصٌ فِي الشَّفَاعَةِ لِمَنِ ارْتَضَاهُمُ اللَّهُ، وَقَدْ دَلَّتْ نُصُوصٌ عَلَى كِلَا الْأَمْرَيْنِ، فَمِنْ عَدَمِ الشَّفَاعَةِ لِلْكُفَّارِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ . وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾ ذَلِك من الْآيَات.
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (٤/١٤٠٨) (٣٦٧٠)، وَمُسلم (١/١٩٤) (٢٠٩) من حَدِيث الْعَبَّاس - ﵁ -.
(٢) - ١/٦٤ - ٦٥، الْبَقَرَة / ٤٨، وَانْظُر (٨/٣٨٢) (التَّحْرِيم/١٠) .
[ ١ / ٣٢٠ ]
وَفِي الْقِسْمِ الثَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ .
وَكَذَلِكَ الشَّفِيعُ لَا يَشْفَعُ إِلَّا مَنْ أُذِنَ لَهُ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا فِيمَنْ أُذِنُوا فِيهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ . وَمَبْحَثُ الشَّفَاعَةِ وَاسِعٌ مُقَرَّرٌ فِي كُتُبِ الْعَقَائِدِ.
وَخُلَاصَةُ الْقَوْلِ فِيهَا أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا بِإِذن من الله الْمَأْذُون لَهُ فِيهَا، وَقَدْ ثَبَتَ للنَّبي ﷺ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى وَهِيَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ، وَعِدَّةُ شَفَاعَاتٍ بَعْدَهَا مِنْهَا مَا اخْتُصَّ بِهِ ﷺ كَالشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى وَدُخُولِ الْجَنَّةِ وَالشَّفَاعَةِ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ وَهُوَ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ لِلتَّخْفِيفِ عَنْهُ، وَمِنْهَا مَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصُّلَحَاءِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أعلم.] (١) .
_________________
(١) - ٨/٦٢٧ -٦٢٨، المدثر/٤٨.
[ ١ / ٣٢١ ]
فصل فِي الْوَلَاء والبراء
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، أَنَّ مَنْ تَوَلَّى الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى، مِن الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْهُمْ بِتَوَلِّيهِ إِيَّاهُمْ.
وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ تَوَلِّيَهُمْ مُوجِبٌ لِسُخْطِ اللَّهِ، وَالْخُلُودِ فِي عَذَابِهِ، وَأَنَّ مُتَوَلِّيَهُمْ لَوْ كَانَ مُؤْمِنًا مَا تَوَلَّاهُمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالْلهِ والنَّبِىِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلكن كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ . وَنَهَى فِي موضِع آخَرَ عَنْ تَوليهم مُبَيِّنًا سَبَبَ التَّنْفِيرِ مِنْهُ. وَهُوَ قَوْله: ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ .
وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ، فِيمَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْمُوَالَاةُ بِسَبَبِ خَوْفٍ، وَتَقِيَّةٍ، وَإِنْ كَانَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَصَاحِبُهَا مَعْذُورٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَىْءٍ إِلاَ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ فَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ فِيهَا بَيَانٌ لِكُلِّ الْآيَاتِ الْقَاضِيَةِ بِمَنْعِ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ مُطْلَقًا وَإِيضَاحٌ، لِأَنَّ (١) مَحَلَّ ذَلِكَ فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْخَوْفِ وَالتَّقِيَّةِ، فَيُرَخَّصُ فِي مُوَالَاتِهِمْ، بِقَدْرِ الْمُدَارَاةِ الَّتِي يَكْتَفِي بِهَا شَرُّهُمْ، وَيُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ سَلامَة الْبَاطِن من تِلْكَ الْمُوَالَاة.
_________________
(١) - كَذَا بِالْأَصْلِ، والعبارة فِيهَا اضْطِرَاب، وَلَعَلَّ صوابها: مُطلقًا، وَأَن مَحل ذَلِك.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وَمَنْ يَأْتِي الْأُمُورَ عَلَى اضْطِرَارٍ فَلَيْسَ كَمِثْلِ آتِيهَا اخْتِيَارًا
وَيُفْهَمُ مِنْ ظَوَاهِرِ هَذِهِ الْآيَاتِ أَنَّ مَنْ تَوَلَّى الْكُفَّارَ عَمْدًا اخْتِيَارًا، رَغْبَةً فيهم أَنه كَافِر مثلهم.] (١) .
وَقَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ . الْأُسْوَةُ كَالْقُدْوَةِ، وَهِيَ اتِّبَاعُ الْغَيْرِ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا حَسَنَةٍ أَوْ قَبِيحَةٍ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وَهُنَا أَيْضًا: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ .
وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى هَذَا التَّأَسِّي الْمَطْلُوبَ، وَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ .
فَالتَّأَسِّي هُنَا فِي ثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
أَوَّلًا: التَّبَرُّؤُ مِنْهُمْ وَمِمَّا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
ثَانِيًا: الْكُفْرُ بِهِمْ.
ثَالِثًا: إِبْدَاءُ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَإِعْلَانُهَا وَإِظْهَارُهَا أَبَدًا إِلَى الْغَايَةِ الْمَذْكُورَةِ حَتَّى يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَهَذَا غَايَةٌ فِي الْقَطِيعَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قَوْمِهِمْ، وَزِيَادَةٌ عَلَيْهَا إِبْدَاءُ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ أَبَدًا، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ هُوَ الْكُفْرُ، فَإِذَا آمَنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ انْتَفَى كُلُّ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ.] (٢) .
_________________
(١) - ٢/٩٨ - ٩٩، الْمَائِدَة / ٥١.
(٢) - ٨/١٣٨ - ١٣٩، الممتحنة / ٤.
[ ١ / ٣٢٣ ]
- الْكفْر هُوَ الْعلَّة لعدم مُوالَاة الْكفَّار.
وَقَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ -: [وَمِمَّا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ عَنْ مُوَالَاةِ الْأَعْدَاءِ، هُوَ الْكُفْرُ يُعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا وُجِدَتْ عَدَاوَةٌ لَا لِسَبَبِ الْكُفْرِ فَلَا يُنْهَى عَنْ تِلْكَ الْمُوَالَاةِ لِتَخَلُّفِ الْعِلَّةِ الْأَسَاسِيَّةِ، كَمَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
فَلَمَّا تَخَلَّفَ السَّبَبُ الْأَسَاسِيُّ فِي النَّهْيِ عَنْ مُوَالَاةِ الْعَدُوِّ الَّذِي هُوَ الْكُفْرُ، جَاءَ الْحَثُّ عَلَى الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَالْغُفْرَانِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعَدَاوَةَ لِسَبَبٍ آخَرَ هُوَ مَا بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ . فَكَانَ مُقْتَضَاهَا فَقَطِ الْحَذَرُ مِنْ أَنْ يَفْتِنُوهُ، وَكَانَ مُقْتَضَى الزَّوْجِيَّةِ حُسْنَ الْعِشْرَةِ، كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ. وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ إِيضَاحٍ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَدْ نَصَّ صَرَاحَةً عَلَى عَدَمِ النَّهْيِ الْمَذْكُورِ فِي خُصُوصِ مَنْ لَمْ يُعَادُوهُمْ فِي الدِّينِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ﴾ .] (١) .
وَقد فصل - ﵀ - القَوْل فِي ذَلِك أَيْضا حَيْثُ قَالَ: [قَوْله تَعَالَى: ﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأولئك هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ . اعْتَبَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ الْآيَةَ الْأُولَى رُخْصَةً مِنَ الْآيَةِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ، وَلَكِنْ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ صِنْفَانِ مِنَ الْأَعْدَاءِ وَقِسْمَانِ من
_________________
(١) - ٨/١٢٩: ١٣٥، الممتحنة / ١.
[ ١ / ٣٢٤ ]
الْمُعَامَلَةِ.
الصِّنْفُ الْأَوَّلُ: عَدُوٌّ لَمْ يُقَاتِلُوا الْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ وَلَمْ يُخْرِجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، فَهَؤُلَاءِ تَعَالَى فِي حَقهم ﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ﴾ .
وَالصِّنْفُ الثَّانِي: قَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُ تَعَالَى فِيهِمْ: إِنَّمَا يَنْهَاكُم الله أَنْ تَوَلَّوْهُمْ إِذًا فَهُمَا قِسْمَانِ مُخْتَلِفَانِ وَحُكْمَانِ مُتَغَايِرَانِ، وَإِنْ كَانَ الْقِسْمَانِ لَمْ يَخْرُجَا عَنْ عُمُومِ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ الْمُتَقَدِّمِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ، وَقَدِ اعْتَبَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ الْآيَةَ الْأَوْلَى رُخْصَةً بَعْدَ النَّهْيِ الْمُتَقَدِّمِ، ثُمَّ إِنَّهَا نُسِخَتْ بِآيَةِ السَّيْفِ أَوْ غَيْرِهَا عَلَى مَا سَيَأْتِي.
وَاعْتَبَرَ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ تَأْكِيدًا لِلنَّهْيِ الْأَوَّلِ، وَنَاقَشَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ دَعْوَى النَّسْخِ فِي الْأُولَى، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَزَلَتْ وَمَنَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا، وَالْوَاقِعُ أَنَّ الْآيَتَيْنِ تَقْسِيمٌ لِعُمُومِ الْعَدُوِّ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾، مَعَ بَيَانِ كُلِّ قِسْمٍ وَحُكْمِهِ، كَمَا تَدُلُّ لَهُ قَرَائِنُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى، وَقَرَائِنُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
أَمَّا التَّقْسِيمُ فَقِسْمَانِ: قِسْمٌ مُسَالِمٌ لَمْ يُقَاتِلِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُخْرِجْهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ، فَلَمْ يَنْهَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ بِرِّهِمْ وَالْإِقْسَاطِ إِلَيْهِمْ، وَقِسْمٌ غَيْرُ مُسَالِمٍ يُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَيُظَاهِرُ عَلَى إِخْرَاجِهِمْ، فَنَهَى اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مُوَالَاتِهِمْ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْإِذْنِ بِالْبَرِّ والقسط، وَبَين النَّهْيِ عَنِ الْمُوَالَاةِ وَالْمَوَدَّةِ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا التَّقْسِيمِ مَا فِي الْآيَةِ الْأُولَى مِنْ قَرَائِنَ، وَهِيَ عُمُومُ الْوَصْفِ بِالْكُفْرِ، وَخُصُوصُ الْوَصْفِ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَإِيَّاكُمْ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِخْرَاجَ الرَّسُولِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ دِيَارِهِمْ كَانَ نَتِيجَةً لقتالهم
[ ١ / ٣٢٥ ]
وَإِيذَائِهِمْ، فَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الْمَعْنِيُّ بِالنَّهْيِ عَنْ مُوَالَاتِهِ لِمَوْقِفِهِ الْمُعَادِي لِأَنَّ الْمُعَادَاةَ تُنَافِي الْمُوَالَاةَ؛ وَلِذَا عَقَّبَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأولئك هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ فَأَيُّ ظُلْمٍ بَعْدَ مُوَالَاةِ الْفَرْدِ لِأَعْدَاءِ أُمَّتِهِ وَأَعْدَاءِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
أَمَّا الْقِسْمُ الْعَامُّ وَهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا جَاءَهُمْ مِنَ الْحَقِّ لَكِنَّهُمْ لَمْ يُعَادُوا الْمُسْلِمِينَ فِي دِينِهِمْ لَا بِقِتَالٍ وَلَا بِإِخْرَاجٍ وَلَا بِمُعَاوَنَةِ غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ وَلَا ظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِهِمْ، فَهَؤُلَاءِ مِنْ جَانِبٍ لَيْسُوا مَحَلًّا لِلْمُوَالَاةِ لِكُفْرِهِمْ، وَلَيْسَ مِنْهُمْ مَا يَمْنَعُ بِرَّهُمْ وَالْإِقْسَاطَ إِلَيْهِمْ.
وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ لَيْسَ فِيهَا جَدِيدُ بَحْثٍ بَعْدَ الْبَحْثِ الْمُتَقَدِّمِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ، وَبَقِيَ الْبَحْثُ فِي الْآيَةِ الْأُولَى، وَمِنْ جَانِبَيْنِ: الْأَوَّلُ: بَيَانُ مَنِ الْمَعْنِيُّ بِهَا، وَالثَّانِي: بَيَانُ حُكْمِهَا، وَهَلْ هِيَ مُحْكَمَةٌ أَمْ نُسِخَتْ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ فِي الْأَمْرَيْنِ، وَلِأَهَمِّيَّةِ هَذَا الْمَبْحَثِ وَحَاجَةِ الْأُمَّةِ إِلَيْهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَأَشَدِّ مَا تَكُونُ فِي هَذَا الْعَصْرِ لِقُوَّةِ تَشَابُكِ مَصَالِحِ الْعَالَمِ وَعُمْقِ تُدَاخُلِهَا، وَتَرَابِطِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ فِي جَمِيعِ الْمَجَالَاتِ، وَعَدَمِ انْفِكَاكِ دَوْلَةٍ عَنْ أُخْرَى مِمَّا يَزِيدُ مِنْ وُجُوبِ الِاهْتِمَامِ بِهَذَا الْمَوْضُوعِ.
وَإِنِّي مُسْتَعِينُ اللَّهِ فِي إِيرَادِ مَا قِيلَ فِيهَا، ثُمَّ مُقَدِّمٌ مَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْ مَجْمُوعِ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ، وَكَلَامِ الشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: إِنَّهَاُ مَنْسُوخَةٌ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ أَبِي زَيْدٍ أَنَّهَا كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ زَمَنَ الْمُوَادَعَةِ وَتَرْكِ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ ثُمَّ نُسِخَتْ قِيلَ بِآيَةِ: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ قَالَهُ قَتَادَةُ.
وَقِيلَ: كَانَتْ فِي أَهْلِ الصُّلْحِ فَلَمَّا زَالَ زَالَ حُكْمُهَا وَانْتَهَى الْعَمَلُ بِهَا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ.
وَقِيلَ: هِيَ مِنْ أَصْحَابِ الْعَهْدِ حَتَّى يَنْتَهِيَ عَهْدُهُمْ أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ أَيْ أَنَّهَا كَانَتْ مُؤَقَّتَةً بِوَقْتٍ ومرتبطة بِقوم.
[ ١ / ٣٢٦ ]
وَقِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ فِي الْعَاجِزِينَ عَنِ الْقِتَالِ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا فِي ضَعَفَةِ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْهِجْرَةِ حِينَمَا كَانَتِ الْهِجْرَةُ وَاجِبَةً، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا، وَعَلَى كُلِّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ تَكُونُ قَدْ نُسِخَتْ، بِفَوَاتِ وَقْتِهَا وَذَهَابِ مَنْ عُنِيَ بِهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهَا مُحْكَمَةٌ قَالَهُ أَيْضًا الْقُرْطُبِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَنَقَلَ مِنْ أَدِلَّتِهِمْ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أُمِّ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄، جَاءَتْ إِلَيْهَا وَهِيَ لَمْ تُسْلِمْ بَعْدُ وَكَانَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَجَاءَتْ لِابْنَتِهَا بِهَدَايَا فَأَبَتْ أَنْ تَقْبَلَهَا مِنْهَا وَأَنْ تَسْتَقْبِلَهَا حَتَّى تَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَذِنَ لَهَا وَأَمَرَهَا بِصِلَتِهَا وَعَزَاهُ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ (١) .
وَقَالَ غَيْرُهُ: ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَذَكَرَ عَنِ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّ قُدُومَهَا كَانَ فِي وَقْتِ الْهُدْنَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ وَقْتَ الْهُدْنَةِ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي قِيلَ: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ أَيْ بِانْتِهَائِهَا، وَعَلَيْهِ فَالْآيَةُ دَائِرَةٌ عِنْدَ الْمُفَسِّرِينَ بَيْنَ الْإِحْكَامِ وَالنَّسْخِ.
وَإِذَا رَجَعْنَا إِلَى سَبَبِ نُزُولِ السُّورَةِ وَتَقَيَّدْنَا بِصُورَةِ السَّبَبِ، نَجِدُ أَوَّلَهَا نَزَلَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعَهْدِ بِنَقْضِ الْمُشْرِكِينَ إِيَّاهُ، وَعِنْدَ تَهَيُّئِ الْمُسْلِمِينَ لِفَتْحِ مَكَّةَ، وَمَجِيءِ أُمِّ أَسْمَاءَ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْهُدْنَةِ فَهَلْ كَانَ النِّسَاءُ دَاخِلَاتٍ فِي الْعَهْدِ أَمْ لَا؟ لِعَدَمِ التَّصْرِيحِ بِذِكْرِهِنَّ.
وَعَلَيْهِ فَلَا دَلَالَةَ فِي قِصَّةِ أُمِّ أَسْمَاءَ عَلَى عدم النّسخ وَلَا على إثْبَاته.
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (٣/١١٦٢) (٣٠١٢)، وَمُسلم (٢/٦٩٦) (١٠٠٣) من حَدِيث أَسمَاء - ﵂ - قَالَت: قدمت عَليّ أُمِّي وَهِي مُشركَة فِي عهد قُرَيْش إِذْ عَاهَدُوا رَسُول الله ﷺ ومدتهم مَعَ أَبِيهَا فاستفتت رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ الله إِن أُمِّي قدمت عَليّ وَهِي راغبة أفأصلها؟ قَالَ (نعم صليها)، وَاللَّفْظ للْبُخَارِيّ.
[ ١ / ٣٢٧ ]
وَإِذَا رَجَعْنَا إِلَى عُمُومِ اللَّفْظِ نَجِدِ الْآيَةَ صَرِيحَةً شَامِلَةً لِكُلِّ مَنْ لَمْ يُنَاصِبِ الْمُسْلِمِينَ الْعَدَاءَ، وَلَمْ يُظْهِرْ سُوءًا إِلَيْهِمْ، وَهِيَ فِي الْكُفَّارِ أَقْرَبُ مِنْهَا فِي الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْإِحْسَانَ إِلَى ضَعَفَةِ الْمُسْلِمِينَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَعَلَيْهِ فَإِنَّ دَعْوَى النَّسْخِ تَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ قَوِيٍّ يُقَاوِمُ صَرَاحَةَ هَذَا النَّصِّ الشَّامِلِ، وَتَوَفُّرَ شُرُوطِ النَّسْخِ الْمَعْلُومَةِ فِي أُصُولِ التَّفْسِيرِ. وَيُؤَيِّدُ عَدَمَ النَّسْخِ مَا نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ، وَكَذَلِكَ كَلَامُ الشَّيْخِ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ بِأَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ فِي حَالَةِ الْخَوْفِ وَالضَّعْفِ مَعَ اشْتِرَاطِ سَلَامَةِ الدَّاخِلِ فِي الْقَلْبِ، فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ وَبَاقٍ الْعَمَلُ بِهَا عِنْدَ اللُّزُومِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا كَانُوا فِي حَالَةِ قُوَّةٍ وَعَدَمِ خَوْفٍ وَفِي مأمنٍ مِنْهُمْ، وَلَيْسَ مِنْهُمْ قِتَالٌ، وَهُمْ فِي غَايَةٍ مِنَ الْمُسَالَمَةِ فَلَا مَانِعَ مِنْ بِرِّهِمْ بِالْعَدْلِ وَالْإِقْسَاطِ مَعَهُمْ، وَهَذَا مِمَّا يَرْفَعُ مِنْ شَأْنِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، بَلْ وَفِيهِ دَعْوَةٌ إِلَى الْإِسْلَامِ بِحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ وَتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ بِالْإِحْسَانِ إِلَى مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَعَدَمِ مُعَادَاةِ مَنْ لَمْ يُعَادِهِمْ، وَمِمَّا يَدُلُّ لِذَلِكَ مِنَ الْقَرَائِنِ الَّتِي نَوَّهْنَا عَنْهَا سَابِقًا مَا جَاءَ فِي التَّذْيِيلِ لِهَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ فَهَذَا تَرْشِيحٌ لِمَا قَدَّمْنَا كَمَا قَابَلَ هَذَا بِالتَّذْيِيلِ عَلَى الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأولئك هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، فَفِيهِ مُقَابَلَةٌ بَيْنَ الْعَدْلِ وَالظُّلْمِ فَالْعَدْلُ فِي الْإِحْسَانِ، وَالْقِسْطُ لِمَنْ يُسَالِمُكَ، وَالظُّلْمُ مِمَّنْ يُوَالِي مَنْ يُعَادِي قَوْمَهُ.
وَمِمَّا يَنْفِي النَّسْخَ عَدَمُ التَّعَارُضِ بَيْنَ هَذَا الْمَعْنَى، وَبَيْنَ آيَةِ السَّيْفِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ النَّسْخِ التَّعَارُضُ، وَعَدَمُ إِمْكَانِ الْجَمْعِ، وَمَعْرِفَةُ التَّارِيخِ، وَالْجَمْعُ هُنَا مُمْكِنٌ وَالتَّعَارُضُ مَنْفِيٌّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْقِتَالِ لَا يَمْنَعُ الْإِحْسَانَ قَبْلَهُ، كَمَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ مَا كَانُوا لِيُفَاجِئُوا قَوْمًا بِقِتَالٍ حَتَّى يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ،
[ ١ / ٣٢٨ ]
وَهَذَا مِنَ الْإِحْسَانِ قَطْعًا، وَلِأَنَّهُمْ قَبِلُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْجِزْيَةَ، وَعَامَلُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ بِكُلِّ إِحْسَانٍ وَعَدَالَةٍ.
وَقِصَّةُ الظَّعِينَةِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ صَاحِبَةِ الْمَزَادَتَيْنِ لَمْ يُقَاتِلُوهَا أَوْ يَأْسِرُوهَا أَوْ يَسْتَبِيحُوا مَاءَهَا بَلِ اسْتَاقُوهَا بِمَائِهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ مِنْ مَزَادَتَيْهَا قَلِيلًا، وَدَعَا فِيهِ وَرَدَّهُ، ثُمَّ اسْتَقَوْا وَقَالَ لَهَا: اعْلَمِي أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي سَقَانَا وَلَمْ تَنْقُصْ مِنْ مَزَادَتَيْكِ شَيْئًا، وَأَكْرَمُوهَا وَأَحْسَنُوا إِلَيْهَا وَجَمَعُوا لَهَا طَعَامًا، وَأَرْسَلُوهَا فِي سَبِيلِهَا فَكَانَتْ تَذْكُرُ ذَلِكَ، وَتَدْعُو قَوْمَهَا لِلْإِسْلَامِ (١) .
وَقِصَّةُ ثُمَامَةَ لَمَّا جِيءَ بِهِ أَسِيرًا وَرُبِطَ فِي سَارِيَةِ الْمَسْجِدِ، وَبَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ عَاجِزًا عَنِ الْقِتَالِ لَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، فَكَانَ يُرَاحُ عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ بِحَلِيبِ سَبْعِ نِيَاقٍ حَتَّى فُكَّ أَسْرُهُ فَأَسْلَمَ طَوَاعِيَةً (٢)، وَهَكَذَا نَصَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ أَسِيرٍ بِيَدِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مِنَ الْكُفَّارِ.
وَفِي سَنَةِ تِسْعٍ وَهِيَ سَنَةُ الْوُفُودِ، فَكَانَ يَقْدِمُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُسْلِمُونَ وَغَيْرُ الْمُسْلِمِينَ، فَيَتَلَقَّوْنَ الْجَمِيعَ بِالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ كَوَفْدِ نَجْرَانَ وَغَيْرِهِمْ وَهَاهُو ذَا وَفْدُ تَمِيمٍ جَاءَ يُفَاخِرُ وَيُفَاوِضُ فِي أُسَارَى لَهُ، فَيَأْذَنُ لَهُمْ ﷺ، وَيَسْتَمِعُ مُفَاخَرَتِهِمْ وَيَأْمُرُ مَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي النِّهَايَةِ يُسْلِمُونَ وَيُجِيزُهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِالْجَوَائِزِ، وَهَذَا أَقْوَى دَلِيلٍ عَلَى عَدَمِ النَّسْخِ، لِأَنَّ وَفْدًا يَأْتِي مُتَحَدِّيًا مُفَاخِرًا لَكِنَّهُ لَمْ يُقَاتِلْ وَلَمْ يُظَاهِرْ عَلَى إِخْرَاجِهِمْ مِنْ
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (١/١٣٠) (٣٣٧)، وَمُسلم (١/٤٧٤) (٦٨٢) من حَدِيث عمرَان - ﵁ -.
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (٤/١٥٨٩) (٤١١٤) / وَمُسلم (٣/١٣٨٦) (١٧٦٤) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -.
[ ١ / ٣٢٩ ]
دِيَارِهِمْ، وَجَاءَ فِي أَمْرٍ جَارٍ فِي عُرْفِ الْعَرَبِ فَجَارَاهُمْ فِيهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ أَعْلَنَ لَهُمْ أَنَّهُ مَا بِالْمُفَاخَرَةِ بُعث، وَلَكِنْ تَرَفُّقًا بِهِمْ، وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ، وَتَأْلِيفًا لِقُلُوبِهِمْ، وَقَدْ كَانَ فَأَسْلَمُوا، وَهَذَا مَا تُعْطِيهِ جَمِيعُ الْأَقْوَالِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا.
وَقَدْ بَحَثَ إِمَامُ الْمُفَسِّرِينَ الطَّبَرِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ نَوَاحِي النَّقْلِ وَأَخِيرًا خَتَمَ بَحْثَهُ بِقَوْلِهِ مَا نَصُّهُ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ عَنَى بِذَلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ﴾ مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْمِلَلِ وَالْأَدْيَانِ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتَصِلُوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ ﷿ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ﴾ جَمِيعَ مَنْ كَانَ ذَلِكَ صِفَتُهُ فَلَمْ يُخَصِّصْ بِهِ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: ذَلِكَ مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّ بِرَّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِمَّنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَرَابَةُ نَسَبٍ أَوْ مِمَّنْ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُ وَلَا نَسَبَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَلَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ لَهُ أَوْ لِأَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَةٍ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَوْ تَقْوِيَةٌ لَهُمْ بِكُرَاعٍ أَوْ سِلَاحٍ.
وَقَدْ بَيَّنَّا صِحَّةَ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ الزُّبَيْرِ فِي قِصَّةِ أَسْمَاءَ وَأُمِّهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، يَقُولُ إِنِ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنْصِفِينَ الَّذِينَ يُنْصِفُونَ النَّاسَ وَيُعْطُونَهُمُ الْحَقَّ وَالْعَدْلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَيَبِرُّونَ مَنْ بَرَّهُمْ، وَيُحْسِنُونَ إِلَى مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ. انْتَهَى مِنْهُ.
وَفِي تَفْسِيرِ آيَاتِ الْأَحْكَامِ لِلشَّافِعِيِّ ﵀ مَبْحَثٌ هَامٌّ نَسُوقُهُ أَيْضًا بِنَصِّهِ لِأَهَمِّيَّتِهِ: قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ﴾ . قَالَ: يُقَالُ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ تَأَثَّرَ مِنْ صِلَةِ الْمُشْرِكِينَ أَحْسَبُ ذَلِكَ لَمَّا نَزَلَ فَرْضُ جِهَادِهِمْ وَقَطْعُ الْوَلَايَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ وَنَزَلَ ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾،
[ ١ / ٣٣٠ ]
فَلَمَّا خَافُوا أَنْ تَكُونَ الْمَوَدَّةُ الصِّلَةَ بِالْمَالِ أَنْزَلَ ﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِى الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأولئك هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَكَانَتِ الصِّلَةُ بِالْمَالِ وَالْبِرِّ وَالْإِقْسَاطِ وَلِينِ الْكَلَامِ وَالْمُرَاسَلَةِ بِحُكْمِ اللَّهِ غَيْرَ مَا نُهُوا عَنْهُ مِنَ الْوَلَايَةِ لِمَنْ نُهُوا عَنْ وَلَايَتِهِ مَعَ الْمُظَاهَرَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَبَاحَ بِرَّ مَنْ لَمْ يُظَاهِرْ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْإِقْسَاطَ إِلَيْهِمْ وَلَمْ يُحَرِّمْ ذَلِكَ إِلَى مَنْ لَمْ يُظَاهِرْ عَلَيْهِمْ بل ذكر الَّذين ظاهروا عَلَيْهِم فنهاهم عَنْ وَلَايَتِهِمْ إِذْ كَانَ الْوَلَايَةُ غَيْرَ الْبِرِّ وَالْإِقْسَاطِ، وَكَانَ النَّبي ﷺ فَادَى بَعْضَ أُسَارَى بَدْرٍ، وَقَدْ كَانَ أَبُو عَزَّةَ الْجُمَحِيُّ ممَّن منَّ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ مَعْرُوفًا بِعَدَاوَتِهِ وَالتَّأْلِيبِ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ وَلِسَانِهِ، وَمِنْ بَعْدِ بَدْرٍ عَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ، وَكَانَ مَعْرُوفًا بِعَدَاوَتِهِ، وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ أَسْرِهِ وَأَسْلَمَ ثُمَامَةُ وَحَبَسَ الْمِيرَةَ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ أَنْ يُمِيرَهُمْ فَأَذِنَ لَهُ فَمَارَهُمْ.
وَقَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ وَالْأَسْرَى يَكُونُونَ مِمَّنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ اهـ مِنْهُ.
وَهَذَا الَّذِي صوَّبه ابْنُ جَرِيرٍ وَصَحَّحَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ الَّذِي تَقْتَضِيهِ رُوحُ التَّشْرِيعِ الْإِسْلَامِيِّ، أَمَّا وِجْهَةُ النَّظَرِ الَّتِي وَعَدْنَا بِتَقْدِيمِهَا فَهِيَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ مُشْتَرِكَةٌ مَصَالِحُهُمْ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ وَمُرْتَبِطَةٌ بِمَجْمُوعِ دُوَلِ الْعَالَمِ مِنْ مُشْرِكِينَ وَأَهْلِ كِتَابٍ، وَلَا يُمْكِنُ لِأُمَّةٍ الْيَوْمَ أَنْ تَعِيشَ مُنْعَزِلَةً عَنِ الْمَجْمُوعَةِ الدَّوْلِيَّةِ لِتَدَاخُلِ الْمَصَالِحِ وَتَشَابُكِهَا، وَلَاسِيَّمَا فِي الْمَجَالِ الِاقْتِصَادِيِّ عَصَبِ الْحَيَاةِ الْيَوْمَ مِنْ إِنْتَاجٍ أَوْ تَصْنِيعٍ أَوْ تَسْوِيقٍ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْآيَةُ مُسَاعَدَةً عَلَى جَوَازِ التَّعَامُلِ مَعَ أُولَئِكَ الْمُسَالِمِينَ وَمُبَادَلَتِهِمْ
[ ١ / ٣٣١ ]
مَصْلَحَةً بِمَصْلَحَةٍ عَلَى أَسَاسِ مَا قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَبَيَّنَهُ الشَّافِعِيُّ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي حَقِيقَةِ مَوْقِفِ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ مِنَ الْحَضَارَةِ الْغَرْبِيَّةِ فِي عِدَّةِ مُنَاسَبَاتٍ مِنْ مُحَاضَرَاتِهِ وَمِنَ الْأَضْوَاءِ نَفْسِهِ، وَبِشَرْطِ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ سَلَامَةِ الدَّاخِلِ أَيْ عَدَمُ الْمَيْلِ بِالْقَلْبِ، وَلَوْ قِيلَ بِشَرْطٍ آخَرَ وَهُوَ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَنْفُسِهِمْ، أَيْ أَنَّ الْعَالَمَ الْإِسْلَامِيَّ يَتَعَاوَنُ أَوَّلًا مَعَ بَعْضِهِ، فَإِذَا أَعْوَزَهُ أَوْ بَعْضَ دُوَلِهِ حَاجَةٌ عِنْدَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَمْ يُقَاتِلُوهُمْ وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَدُوًّا عَلَى قِتَالِهِمْ فَلَا مَانِعَ مِنَ التَّعَاوُنِ مَعَ تِلْكَ الدَّوْلَةِ فِي ذَلِكَ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ كُلَّ مَا تَقَدَّمَ عَمَلِيًّا مُعَامَلَةُ النَّبي ﷺ وَخُلَفَائِهِ مِنْ بَعْدِهِ لِلْيَهُودِ فِي خَيْبَرَ.
فَمِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُمْ دَاخِلُونَ أَوَّلًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ . وَمَنْصُوصٌ عَلَى عَدَمِ مُوَالَاتِهِمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .
وَمَعَ ذَلِكَ لَمَّا أَخْرَجَهُمْ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ وَحَاصَرَهُمْ بَعْدَهَا فِي خَيْبَرَ وَفَتَحَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَصْبَحُوا فِي قَبْضَةِ يَدِهِ فَلَمْ يَكُونُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي مَوْقِفِ الْمُقَاتِلِينَ، وَلَا مُظَاهِرِينَ عَلَى إِخْرَاجِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دِيَارِهِمْ. عَامَلَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِالْقِسْطِ فَعَامَلَهُمْ عَلَى أَرْضِ خَيْبَرَ وَنَخِيلِهَا وَأَبْقَاهُمْ فِيهَا عَلَى جُزْءٍ مِنَ الثَّمَرَةِ كَأُجَرَاءَ يَعْمَلُونَ لِحِسَابِهِ وَحِسَابِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَتَّخِذْهُمْ عَبِيدًا يُسَخِّرُهُمْ فِيهَا، وَبَقِيَتْ مُعَامَلَتُهُمْ بِالْقِسْطِ كَمَا جَاءَ فِي قِصَّةِ ابْنِ رَوَاحَةَ ﵁ (١) لَمَّا ذَهَبَ يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ وَعَرَضُوا عَلَيْهِ مَا عَرَضُوا مِنَ الرِّشْوَةِ لِيُخَفِّفَ عَنْهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ كَلِمَتَهُ الْمَشْهُورَةَ: وَاللَّهِ لِأَنْتَمْ أَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَيَّ وَجِئْتُكُمْ مِنْ عِنْد
_________________
(١) - أخرجهَا أَحْمد (٣/٣٦٧) من حَدِيث جَابر - ﵁ -، وَقَالَ الأرناؤوط: إِسْنَاده قوي على شَرط مُسلم.
[ ١ / ٣٣٢ ]
أَحَبِّ الْخَلْقِ إِلَيَّ، وَلَنْ يَحْمِلَنِي بُغْضِي لَكُمْ، وَلَا حُبِّي لَهُ أَنْ أَحْيَفَ عَلَيْكُمْ، فَإِمَّا أَنْ تَأْخُذُوا بِنِصْفِ مَا قُدِّرَتْ، وَإِمَّا أَنْ تَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا قُدِّرَتْ، فَقَالُوا لَهُ: بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أَيْ بِالْعَدَالَةِ وَالْقِسْطِ، وَقَدْ
بَقُوا عَلَى ذَلِكَ نِهَايَةَ زَمَنِهِ ﷺ وَخِلَافَةَ الصِّدِّيقِ وَصَدَرَا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ حَتَّى أَجْلَاهُمْ عَنْهَا.
وَمِثْلُ ذَلِكَ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ أَعْطَاهُمْ ﷺ بَعْدَ الْفَتْحِ وَأَعْطَاهُمُ الصِّدِّيقُ حَتَّى مَنَعَهُمْ عُمَرُ ﵁.
وَقَدْ أَطَلْنَا الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَهَمِّيَّتِهَا، وَمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا الْيَوْمَ.
وَفِي الْخِتَامِ إِنَّ أَشَدَّ مَا يَظْهَرُ وُضُوحًا فِي هَذَا الْمَقَامِ وَلَمْ يدَّع أَحَدٌ فِيهِ نَسْخًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِى الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ .
فَهَذِهِ حُسْنُ مُعَامَلَةٍ وَبِرٍّ وَإِحْسَانٍ لِمَنْ جَاهَدَ الْمُسْلِمَ عَلَى أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ وَلَمْ يُقَاتِلِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ حَقُّ الْأُبُوَّةِ مُقَدَّمًا وَلَوْ مَعَ الْكُفْرِ وَالْمُجَاهَدَةِ عَلَى الشِّرْكِ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا فِي نِهَايَةِ هَذِهِ السُّورَةِ نَفْسِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مَّآ أَنفَقُواْ﴾ أَيْ آتُوا الْمُشْرِكِينَ أَزْوَاجَ الْمُؤْمِنَاتِ الْمُهَاجِرَاتِ مَا أَنْفَقُوا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ بَعْدَ هِجْرَتِهِنَّ، فَبَعْدَ أَنْ أَسْلَمَتِ الزَّوْجَةُ وَهَاجَرَتْ وَانْحَلَّتِ الْعِصْمَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا الْكَافِرِ، وَبَعُدَتْ عَنْهُ بِالْهِجْرَةِ وَفَاتَتْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، يَأْمُرُ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُؤْتُوا أَزْوَاجَهُنَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ، مَا أَنْفَقُوا مِنْ صَدَاقٍ عِنْدَ الزَّوَاجِ وَنَحْوِهِ مَعَ بَقَاءِ الْأَزْوَاجِ عَلَى الْكُفْرِ وَعَجْزِهِمْ عَنِ اسْتِرْجَاعِ الزَّوْجَاتِ وَعَدَمِ جَوَازِ مُوَالَاتِهِمْ قَطْعًا لِكُفْرِهِمْ، وَهَذَا مِنَ الْمُعَامَلَةِ بِالْقِسْطِ وَالْعلم عِنْد الله تَعَالَى.] (١) .
_________________
(١) - ٨/١٤٦: ١٥٨، الممتحنة / ٨، ٩.
[ ١ / ٣٣٣ ]
- الرابطة الْحق هِيَ رابطة الْإِسْلَام دون غَيرهَا.
[وَمِنْ هَدْيِ الْقُرْآنِ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، هَدْيُهُ إِلَى أَنَّ الرَّابِطَةَ الَّتِي يَجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَرْبِطُ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ، وَأَنْ يُنَادَى بِالِارْتِبَاطِ بِهَا دُونَ غَيْرِهَا، إِنَّمَا هِيَ دِينُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَرْبِطُ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ حَتَّى يَصِيرَ بِقُوَّةِ تِلْكَ الرَّابِطَةِ جَمِيعُ الْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ كَأَنَّهُ جَسَدٌ وَاحِدٌ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى.
فَرَبْطُ الْإِسْلَامِ لَكَ بِأَخِيكِ كَرَبْطِ يَدِكَ بِمِعْصَمِكَ، وَرِجْلِكَ بِسَاقِكَ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبي ﷺ: «إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (١) . وَلِذَلِكَ يَكْثُرُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ إِطْلَاقُ النَّفْسِ وَإِرَادَةُ الْأَخِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ رَابِطَةَ الْإِسْلَامِ تَجْعَلُ أَخَا الْمُسْلِمِ كَنَفْسِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ﴾، أَيْ لَا تُخْرِجُونَ إِخْوَانَكُمْ، وَقَوْلِهِ: ﴿لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ أَيْ بِإِخْوَانِهِمْ عَلَى أَصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ﴾، أَيْ إِخْوَانَكُمْ عَلَى أَصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم﴾، أَيْ لَا يَأْكُلُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ؛ وَلِذَلِكَ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (٢) .
وَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الرَّابِطَةَ الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ الدِّينُ، وَأَنَّ تِلْكَ الرَّابِطَةَ تَتَلَاشَى مَعَهَا جَمِيعُ الرَّوَابِطِ النِّسْبِيَّةِ وَالْعَصَبِيَّةِ: قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (٥/٢٢٣٨) (٥٦٦٥)، وَمُسلم (٤/١٩٩٩) (٢٥٨٦) من حَدِيث النُّعْمَان - ﵁ -.
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (١/١٤) (١٢)، وَمُسلم (١/٦٧) (٤٩) من حَدِيث أنس - ﵁ -.
[ ١ / ٣٣٤ ]
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ إِذْ لَا رَابِطَةَ نِسْبِيَّةً أَقْرَبُ مِنْ رَابِطَةِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْإِخْوَانِ وَالْعَشَائِرِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
فَهَذِهِ الْآيَاتُ وَأَمْثَالُهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّدَاءَ بِرَابِطَةٍ أُخْرَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَالْعَصَبِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْقَوْمِيَّةِ لَا يَجُوزُ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمِنْ أَصْرَحِ الْأَدِلَّةِ فِي ذَلِكَ: مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ قَالَ: بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكن الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ يَقُولُ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا للأنصارا! وَقَالَ الْمُهَاجِرِي: يَا للمهاجرينا! فسمَّعها اللَّهُ رَسُولَهُ قَالَ: «مَا هَذَا»؟ فَقَالُوا: كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لِلْأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لِلْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ النَّبي ﷺ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» الْحَدِيثَ (١) . فَقَوْلُ هَذَا الْأَنْصَارِيِّ: يَا لِلْأَنْصَارِ، وَهَذَا الْمُهَاجَرِيُّ: يَا لِلْمُهَاجِرِينَ هُوَ النِّدَاءُ بِالْقَوْمِيَّةِ الْعَصَبِيَّةِ بِعَيْنِهِ، وَقَوْلُ النَّبي ﷺ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» يَقْتَضِي وُجُوبَ تَرْكِ النِّدَاءِ بِهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ «دَعُوهَا» أَمْرٌ صَرِيحٌ بِتَرْكِهَا، وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ عَلَى التَّحْقِيقِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (٤/١٨٦١) (٤٦٢٢)، وَمُسلم (٤/١٩٩٨) (٢٥٨٤) من حدث جَابر - ﵁ -.
[ ١ / ٣٣٥ ]
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وَيَقُولُ لِإِبْلِيسَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُخَالَفَةَ الْأَمْرِ مَعْصِيَةٌ.
وَقَالَ تَعَالَى عَنْ نبيِّه مُوسَى فِي خِطَابِهِ لِأَخِيهِ: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى﴾ فَأَطْلَقَ اسْمَ الْمَعْصِيَةِ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ: وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ أَمْرَ الرَّسُولِ ﷺ مَانِعٌ مِنَ الِاخْتِيَارِ، مُوجب للامتثال. لاسيما وَقَدْ أَكَّدَ النَّبي ﷺ هَذَا الْأَمْرَ بِالتَّرْكِ بِقَوْلِهِ: «فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» وَحَسْبُكَ بِالنَّتَنِ مُوجِبًا لِلتَّبَاعُدِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْخُبْثِ الْبَالِغِ.
فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَلَى أَنَّ النِّدَاءَ بِرَابِطَةِ الْقَوْمِيَّةِ مُخَالِفٌ لِمَا أَمَرَ بِهِ النَّبي ﷺ، وَأَنَّ فَاعِلَهُ يَتَعَاطَى الْمُنْتِنَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُنْتِنَ خَبِيثٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُول: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾، وَيَقُولُ: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وَحَدِيثُ جَابِرٍ هَذَا الَّذِي قَدَّمْنَاهُ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَخْرَجَهُ أَيْضًا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ قَالَ ﵀: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ: أَخْبَرَنَا وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ: سَمِعَ عَمْرٌو جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُول: كنَّا مَعَ النَّبي فِي غزاةٍ، فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا من الْأَنْصَار، فَقَالَ الْأنْصَارِيّ: يَا للأنصارا وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لِلْمُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» !
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ. فَقَالَ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَة.» الحَدِيث.
وَقد عرفت وَجه لدلَالَة هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى التَّحْرِيمِ، مَعَ أَنَّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ الثَّابِتَةِ فِي الصَّحِيحِ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ دَعْوَى الرَّجُلِ: «يَا لِبَنِي فُلَانٍ» مِنْ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ. وَإِذَا صَحَّ بِذَلِكَ أَنَّهَا مِنْ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا
[ ١ / ٣٣٦ ]
بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (١) . وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ (٢): «لَيْسَ مِنَّا مِنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، أَوْ شَقَّ الْجُيُوبَ، أَوْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ»، وَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَنْ دَعَا تِلْكَ الدَّعْوَى لَيْسَ مِنَّا، وَهُوَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى التَّحْرِيمِ الشَّدِيدِ. وَمِمَّا يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «مَنْ تَعَزَّى عَلَيْكُمْ بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ بِهَنِّ أَبِيهِ وَلَا تُكَنُّوا» (٣)
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْ عُتَيِّ بْنِ ضَمْرَةَ السَّعْدِيِّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، وَذَكَرَهُ صَاحِبُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ «إِذَا سَمِعْتُمْ مَنْ يُعْتَزَى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعَضُّوهُ وَلَا تَكْنُوا» وَأَشَارَ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَالضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ عَنْ أُبي ﵁، وَجَعَلَ عَلَيْهِ عَلَامَةَ الصِّحَّةِ. وَذَكَرَهُ أَيْضًا صَاحِبُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَتَعَزَّى..» إِلَخْ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ عَلَامَةَ الصِّحَّةِ. وَقَالَ شَارِحُهُ الْمُنَاوِيُّ: وَرَوَاهُ عَنْهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيّ، قَالَ الهيتمي: وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَقَالَ شَارِحُهُ الْعَزِيزِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ فِيهِ الشَّيْخُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَجْلُونِيُّ فِي كِتَابِهِ (كَشْفُ الْخَفَاءِ وَمُزِيلُ الْإِلْبَاسِ عَمَّا اشْتهر من الْأَحَادِيث على أَلْسِنَة النَّاس) قَالَ النَّجْمُ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁. وَمُرَادُهُ بِالنَّجْمِ: الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ نَجْمُ الدِّينِ الْغُزِّيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى (إِتْقَانُ مَا يُحْسِنُ مِنَ الْأَخْبَارِ الدَّائِرَةِ عَلَى الْأَلْسُنِ) فَانْظُرْ كَيْفَ سَمَّى النَّبي ﷺ ذَلِكَ النِّدَاءَ «عَزَاءَ الْجَاهِلِيَّةِ» وَأَمَرَ أَنْ يُقَالَ لِلدَّاعِي بِهِ «اعضض على هن
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (١/٤٣٥) (١٢٣٢)، وَمُسلم (١/٩٩) (١٠٣) من حَدِيث ابْن مَسْعُود - ﵁ -.
(٢) - هِيَ رِوَايَة لمُسلم، وَانْظُر التَّخْرِيج السَّابِق.
(٣) - أخرجه أَحْمد (٥/١٣٦)، وَالْبُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد (١/٣٣٤) (٩٦٣)، وَالنَّسَائِيّ فِي الْكُبْرَى (٦/٢٤٢) (١٠٨١٥)، وَابْن حبَان (٧/٤٢٤) (٣١٥٣)، وَالطَّبَرَانِيّ (١/١٩٨) (٥٣٢) من حَدِيث أبيّ - ﵁ -.
[ ١ / ٣٣٧ ]
أَبِيكَ» أَيْ فَرْجِهِ، وَأَنْ يُصَرَّحَ لَهُ بِذَلِكَ وَلَا يعبر عَنهُ بِالْكِتَابَةِ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ قُبْحِ هَذَا النِّدَاءِ، وَشِدَّةِ بُغْضِ النَّبي ﷺ لَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ رُؤَسَاءَ الدُّعَاةِ إِلَى نَحْوِ هَذِهِ الْقَوْمِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ: أَبُو جَهْلٍ، وَأَبُو لَهَبٍ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَنُظَرَاؤُهُمْ مِنْ رُؤَسَاءِ الْكَفَرَةِ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى تَعَصُّبَهُمْ لِقَوْمِيَّتِهِمْ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ. كَقَوْلِهِ: ﴿قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ﴾، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا فِي مَنْعِ النِّدَاءِ بِرَابِطَةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ، كَالْقَوْمِيَّاتِ وَالْعَصَبِيَّاتِ النِّسْبِيَّةِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ النِّدَاءُ بِالْقَوْمِيَّةِ يُقْصَدُ مِنْ وَرائه الْقَضَاءُ عَلَى رَابِطَةِ الْإِسْلَامِ وَإِزَالَتُهَا بِالْكُلِّيَّةِ. فَإِنَّ النِّدَاءَ بِهَا حِينَئِذٍ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ: أَنَّهُ نِدَاءٌ إِلَى التَّخَلِّي عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَرَفْضِ الرَّابِطَةِ السَّمَاوِيَّةِ رَفْضًا بَاتًّا، عَلَى أَن يعتاض مِنْ ذَلِكَ رَوَابِطَ عَصَبِيَّةً قَوْمِيَّةً، مَدَارُهَا عَلَى أَنَّ هَذَا مِنَ الْعَرَبِ، وَهَذَا مِنْهُمْ
أَيْضًا مَثَلًا؛ فَالْعُرُوبَةُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ خَلَفًا مِنَ الْإِسْلَامِ. وَاسْتِبْدَالُهَا بِهِ صَفْقَةٌ خَاسِرَةٌ. فَهِيَ كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
بَدَّلْتُ بِالْجَمَّةِ رَأْسًا أَزْعَرًا وَبِالثَّنَايَا الْوَاضِحَاتِ الدُّرْدُرَا
كَمَا اشْتَرَى الْمُسْلِمُ إِذْ تنصَّرا
وَقَدْ عُلِمَ فِي التَّارِيخِ حَالُ الْعَرَبِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَحَالُهُمْ بَعْدَهُ كَمَا لَا يَخْفَى.
وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ جلَّ وَعَلَا فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي جَعْلِهِ بَنِي آدَمَ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ هِيَ التَّعَارُفُ فِيمَا بَيْنَهُمْ. وَلَيْسَتْ هِيَ أَنْ يَتَعَصَّبَ كُلُّ شَعْبٍ عَلَى غَيْرِهِ، وَكُلُّ قَبِيلَةٍ عَلَى غَيْرِهَا. قَالَ جلَّ وَعَلَا: ﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
[ ١ / ٣٣٨ ]
فَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ ﴿لِتَعَارَفُواْ﴾ لَامُ التَّعْلِيلِ، وَالْأَصْلُ لِتَتَعَارَفُوا، وَقَدْ حُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ. فَالتَّعَارُفُ هُوَ الْعِلَّةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الْحِكْمَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ﴾ وَنَحْنُ حِينَ نُصَرِّحُ بِمَنْعِ النِّدَاءِ بِالرَّوَابِطِ الْعَصَبِيَّةِ وَالْأَوَاصِرِ النِّسْبِيَّةِ، وَنُقِيمُ الْأَدِلَّةَ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ لَا نُنْكِرُ أَنَّ الْمُسْلِمَ رُبَّمَا انْتَفَعَ بِرَوَابِطَ نسبِية لَا تَمُتُّ إِلَى الْإِسْلَامِ بِصِلَةٍ، كَمَا نَفَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ. وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ جلَّ وَعَلَا أَنَّ عَطْفَ ذَلِكَ الْعَمِّ الْكَافِرِ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ مِنَ مِنَنِ اللَّهِ عَلَيْهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ أَيْ آوَاكَ بِأَنْ ضَمَّكَ إِلَى عَمِّكَ أَبِي طَالِبٍ.
وَمِنْ آثَارِ هَذِهِ الْعَصَبِيَّةِ النِّسْبِيَّةِ قَوْلُ أَبِي طَالِبٍ فِيهِ ﷺ:
وَاللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ حَتَّى أوسَّد فِي التُّراب دَفِينًا
كَمَا قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ هُودٍ.
وَقَدْ نَفَعَ اللَّهُ بِتِلْكَ الْعَصَبِيَّةِ النِّسْبِيَّةِ شُعَيْبًا عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ قَوْمِهِ: ﴿قَالُواْ ياشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ .
وَقَدْ نَفَعَ اللَّهُ بِهَا نَبِيَّهُ صَالِحًا أَيْضًا عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَمَا أَشَارَ تَعَالَى لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فَقَدْ دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُمْ يَخَافُونَ مِنْ أَوْلِيَاءِ صَالِحٍ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُفَكِّرُوا أَنْ يَفْعَلُوا بِهِ سُوءًا إِلَّا لَيْلًا خِفْيَةً، وَقَدْ عَزَمُوا أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ أَنْكَرُوا وَحَلَفُوا لِأَوْلِيَائِهِ أَنَّهُمْ مَا حَضَرُوا مَا وَقَعَ بِصَالِحٍ خَوْفًا مِنْهُمْ، وَلَمَّا كَانَ لُوطٌ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا عُصْبَةَ لَهُ فِي قَوْمِهِ ظَهَرَ فِيهِ أَثَرُ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: ﴿لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ وَقَدْ قَدَّمْنَا هَذَا مُسْتَوْفًى فِي «سُورَةِ هُودٍ» .
فَيَلْزَمُ النَّاظِرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَيَعْلَمَ أَنَّ النِّدَاءَ
[ ١ / ٣٣٩ ]
بِرَوَابِطِ الْقَوْمِيَّاتِ لَا يَجُوزُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْقَصْدُ بِذَلِكَ الْقَضَاءَ عَلَى رَابِطَةِ الْإِسْلَامِ، وَإِزَالَتَهَا بِالْكُلِّيَّةِ بِدَعْوَى أَنَّهُ لَا يُسَايِرُ التَّطَوُّرَ الْجَدِيدَ، أَوْ أَنَّهُ جُمُودٌ وَتَأَخُّرٌ عَنْ مُسَايَرَةِ رَكْبِ الْحَضَارَةِ - نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ طَمْسِ الْبَصِيرَةِ - وَأَنَّ مَنْعَ النِّدَاءِ بِرَوَابِطِ الْقَوْمِيَّاتِ لَا يُنَافِي أَنَّهُ رُبَّمَا انْتَفَعَ الْمُسْلِمُ بِنُصْرَةِ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ بِسَبَبِ الْعَوَاطِفِ النِّسْبِيَّةِ وَالْأَوَاصِرِ الْعَصَبِيَّةِ الَّتِي لَا تَمُتُّ إِلَى الْإِسْلَامِ بِصِلَةٍ، كَمَا وَقَعَ مِنْ أَبِي طَالِبٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّين بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» (١) وَلَكِنَّ تِلْكَ الْقَرَابَاتِ النِّسْبِيَّةَ لَا يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ هِيَ الرَّابِطَةَ بَيْنَ الْمُجْتَمَعِ؛ لِأَنَّهَا تَشْمَلُ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُسْلِمَ عَدُوُّ الْكَافِرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، كَمَا تَقَدَّمَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّابِطَةَ الْحَقِيقِيَّةَ الَّتِي تَجْمَعُ الْمُفْتَرَقَ وَتُؤَلِّفُ الْمُخْتَلَفَ هِيَ رَابِطَةُ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» أَلَا تَرَى أَنَّ هَذِهِ الرَّابِطَةَ الَّتِي تَجْعَلُ الْمُجْتَمَعَ الْإِسْلَامِيَّ كُلَّهُ كَأَنَّهُ جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَتَجْعَلُهُ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، عَطَفَتْ قُلُوبَ حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَمَنْ حَوْلَهَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى بَنِي آدَمَ فِي الْأَرْضِ مَعَ مَا بَيْنَهُمْ مِنَ الِاخْتِلَافِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ . فَقَدْ أَشَارَ
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (٣/١١١٤) (٢٨٩٧)، وَمُسلم (١/١٠٥) (١١١) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - مطولا بِهِ.
[ ١ / ٣٤٠ ]
تَعَالَى إِلَى أَنَّ الرَّابِطَةَ الَّتِي رَبَطَتْ بَيْنَ حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَمَنْ حَوْلَهُ، وَبَيْنَ بَنِي آدَمَ فِي الْأَرْضِ حَتَّى دَعَوُا اللَّهَ لَهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ الصَّالِحَ الْعَظِيمَ، إِنَّمَا هِيَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ جلَّ وَعَلَا. لِأَنَّهُ قَالَ عَنِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ فَوَصَفَهُمْ بِالْإِيمَانِ. وَقَالَ عَنْ بَنِي آدَمَ فِي اسْتِغْفَارِ الْمَلَائِكَةِ لَهُمْ ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ فَوَصَفَهُمْ أَيْضًا بِالْإِيمَانِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الرَّابِطَةَ بَيْنَهُمْ هِيَ الْإِيمَانُ وَهُوَ أَعْظَمُ رَابِطَةً.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ لَكَ أَنَّ الرَّابِطَةَ الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ دِينُ الْإِسْلَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي أَبِي لَهَبٍ عَمِّ النَّبي ﷺ: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ وَيُقَابِلُ ذَلِكَ بِمَا لِسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ مِنَ الْفَضْلِ وَالْمَكَانَةِ عِنْدَ النَّبي ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبي ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: «سَلمان مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ» (١) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَامَةَ الصِّحَّةِ. وَضَعَّفَهُ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ. وَقَالَ الهيتمي فِيهِ، عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزْنِيُّ ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ. وَقَدْ أَجَادَ مَنْ قَالَ:
لَقَدْ رَفَعَ الْإِسْلَامُ سَلْمَانَ فَارِسٍ وَقَدْ وَضَعَ الْكُفْرُ الشَّرِيفَ أَبَا لَهَبِ
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ: عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِنْ مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْقُرَبَاءِ إِلَّا ابْنٌ كَافِرٌ، أَنَّ إِرْثَهُ يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ بِأُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَكُونُ لِوَلَدِهِ لِصُلْبِهِ الَّذِي هُوَ كَافِرٌ، وَالْمِيرَاثُ دَلِيلُ الْقَرَابَةِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأُخوة الدِّينِيَّة أقرب من الْأُخوة (٢) النِّسْبِيَّةِ.
وَبِالْجُمْلَةِ، فَلَا خِلَافَ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الرابطة الَّتِي ترْبط أَفْرَاد أهل
_________________
(١) - أخرجه الطَّبَرَانِيّ (٦/٢١٢) (٦٠٤٠)، وَالْحَاكِم (٣/٦٩١) (٦٥٤١) من حَدِيث كثير بن عبد الله الْمُزنِيّ عَن أَبِيه عَن جده بِهِ، والْحَدِيث ضعفه الشَّيْخ الألباني - ﵀ - فِي الضعيفة (٣٧٠٤) وَقَالَ عَنهُ: ضَعِيف جدا.
(٢) - بِالْأَصْلِ: النُّبُوَّة، وَالصَّوَاب مَا أثْبته.
[ ١ / ٣٤١ ]
الْأَرْضِ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَتَرْبُطُ بَيْنَ أَهْلِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، هِيَ رَابِطَةُ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» فَلَا يَجُوزُ الْبَتَّةَ النِّدَاءُ بِرَابِطَةٍ غَيْرَهَا. وَمَنْ وَالَى الْكُفَّارَ بِالرَّوَابِطِ النِّسْبِيَّةِ مَحَبَّةً لَهُمْ، وَرَغْبَةً فِيهِمْ يَدْخُلُ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ وَالْعِلْمُ عِنْد الله تَعَالَى.] (١) .
- ولَايَة الْيَهُود لِلنَّصَارَى، كَعَكْسِهِ ولَايَة زائفة.
[قَوْله تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّ وِلَايَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ زَائِفَةٌ لَيْسَتْ خَالِصَةً، لِأَنَّهَا لَا تَسْتَنِدُ عَلَى أَسَاسٍ صَحِيحٍ، هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ بَيْنَ النَّصَارَى دَائِمَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وَبَيَّنَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْيَهُودِ أَيْضًا، حَيْثُ قَالَ فِيهِمْ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا فِي الْيَهُودِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ السِّيَاقِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: إِنَّهَا بَيْنَ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى.
وَصَرَّحَ تَعَالَى بِعَدَمِ اتِّفَاقِ الْيَهُودِ مُعَلِّلًا لَهُ بِعَدَمِ عُقُولهمْ فِي قَوْله:
_________________
(١) - ٣/٤٠١: ٤٠٨، بني إِسْرَائِيل / ٩، وَانْظُر أَيْضا: (٣/٤١: ٤٣) (هود/٩١)، (٥/٧٦٦- ٧٦٧) (الْمُؤْمِنُونَ/ ٥: ٧)، (٧/٥٨٧: ٥٩٠) (مُحَمَّد / ٢٥: ٢٨)، (٧/٦٢٨) (الحجرات/١٠)، (٩/٢٧٧، ٢٧٨) (الضُّحَى / ١: ٣) .
[ ١ / ٣٤٢ ]
﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ .
تَنْبِيهٌ
أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ أَنَّ الْيَهُودِيَّ، وَالنَّصْرَانِيَّ، يَتَوَارَثَانِ، وَرَدَّهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ، وِلَايَةُ الْيَهُودِ لِخُصُوصِ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى لِخُصُوصِ النَّصَارَى، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَلَا دَلِيلَ فِي الْآيَة لتوارث الْيَهُود وَالنَّصَارَى.] (١) .
_________________
(١) - ٢/٩٨، الْمَائِدَة / ٥١.
[ ١ / ٣٤٣ ]
فصل فِي الْهِجْرَة
[قَوْله تَعَالَى: ﴿ياعِبَادِىَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فَاعْبُدُونِ﴾ . نَادَى اللَّه جلَّ وَعَلَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَكَّدَ لَهُمْ أَنَّ أَرْضَهُ وَاسِعَةٌ، وَأَمْرَهُمْ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الْمَعْمُولِ الَّذِي هُوَ إِيَّايَ؛ كَمَا بيّناه فِي الْكَلَام على قَوْله تَعَالَى: ﴿الدّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ إِنْ كَانُوا فِي أَرْضٍ لَا يَقْدِرُونَ فِيهَا عَلَى إِقَامَةِ دِينِهِمْ، أَوْ يُصِيبُهُمْ فِيهَا أَذَى الْكُفَّارِ، فَإِنَّ أَرْضَ رَبِّهِمْ وَاسِعَةٌ فَلْيُهَاجِرُوا إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا يَقْدِرُونَ فِيهِ عَلَى إِقَامَةِ دِينِهِمْ، وَيَسْلَمُونَ فِيهِ مِنْ أَذَى الْكُفَّارِ، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّه ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ.
وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ جَاءَ فِي آيَاتٍ أُخر؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى الْأَرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ﴾، وَقَوْلِهِ
تَعَالَى: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .] (١) .
وَقَالَ أَيْضا: [قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ﴾ عَائِدٌ إِلَى إِبْرَاهِيمَ.
قَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي الْبَحْرِ الْمُحِيطِ: وَضُمِّنَ قَوْلُهُ ﴿وَنَجَّيْنَاهُ﴾ مَعْنَى أَخْرَجْنَاهُ بِنَجَاتِنَا إِلَى الْأَرْضِ، وَلِذَلِكَ تَعَدَّى «نجَّيناه» بِإِلَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ «إِلَى» مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، أَيْ مُنْتَهِيًا إِلَى الْأَرْضِ، فَيَكُونُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَلَا تَضْمِينَ فِي «ونجَّيناه» عَلَى هَذَا، وَالْأَرْضُ الَّتِي خرجا مِنْهَا: هِيَ
_________________
(١) - ٦/٤٦٩، العنكبوت / ٥٦، وَانْظُر أَيْضا (٧/٤٦- ٤٧) (الزمر/١٠) .
[ ١ / ٣٤٤ ]
كُوثَى مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ، وَالْأَرْضُ الَّتِي خَرَجَا إِلَيْهَا: هِيَ أَرْضُ الشَّامِ اهـ مِنْهُ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تُشِيرُ إِلَى هِجْرَةِ إِبْرَاهِيمَ وَمَعَهُ لُوطٌ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ فِرَارًا بِدِينِهِمَا.
وَقَدْ أَشَارَ تَعَالَى إِلَى ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ فِي «الْعَنْكَبُوتِ» ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّى﴾، وَقَوْلِهِ فِي «الصَّافَّاتِ:» ﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ عَلَى أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ فَارٌّ إِلَى رَبِّهِ بِدِينِهِ مِنَ الْكُفَّارِ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ ﵀ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾: هَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ فِي الْهِجْرَةِ وَالْعُزْلَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ ﵇، وَذَلِكَ حِينَ خَلَّصَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ قَالَ: ﴿إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّى﴾ أَيْ مُهَاجِرٌ مِنْ بَلَدِ قَوْمِي وَمَوْلِدِي، إِلَى حَيْثُ أَتَمَكَّنُ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّي ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ فِيمَا نَوَيْتُ إِلَى الصَّوَابِ، وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ جَلَّ وَعَلَا مِنْ أَنَّهُ بَارَكَ الْعَالمين فِي الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ، الَّتِي هِيَ الشَّامُ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِلَى الأَرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ بَيَّنَهُ فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ. كَقَوْلِهِ: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ . وَمَعْنَى كَوْنِهِ (بَارَكَ فِيهَا) . هُوَ مَا جَعَلَ فِيهَا مِنَ الْخِصْبِ وَالْأَشْجَارِ وَالْأَنْهَارِ وَالثِّمَارِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ﴾ وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ بَعَثَ أَكْثَرَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهَا.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَاءٍ عَذْبٍ أَصْلُ مَنْبَعِهِ من تَحت
[ ١ / ٣٤٥ ]
الصَّخْرَةِ الَّتِي عِنْدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (١) . وَجَاءَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ. وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَى الأَرْضِ الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا﴾ أَقْوَالٌ أُخَرُ تَرَكْنَاهَا لِضَعْفِهَا فِي نَظَرِنَا.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِرَارَ بِالدِّينِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى بَلَدٍ يتَمَكَّن فِيهِ الفار بِدِينِهِ من إِقَامَته دِينِهِ وَاجِبٌ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْهِجْرَةِ وَجُوبُهُ بَاقٍ بِلَا خِلَافٍ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ.] (٢) .
_________________
(١) - ذكر السُّيُوطِيّ فِي الْجَامِع الصَّغِير مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - ﵁ - مَرْفُوعا: ﴿الصَّخْرَة صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس على نَخْلَة والنَّخْلَة على نهر من أَنهَار الْجنَّة وتَحت النَّخْلَة آسِيَة بنت مُزَاحم امْرَأَة فِرْعَوْن ومَرْيَم بنت عمرَان ينظمان سموط أهل الْجنَّة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة﴾، وَعَزاهُ للطبراني، والْحَدِيث قَالَ عَنهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ - فِي ضَعِيف الْجَامِع: مَوْضُوع.
(٢) - ٧/٤٦ - ٤٧، الْأَنْبِيَاء /٧١.
[ ١ / ٣٤٦ ]
فصل فِي الْأَعْذَار
الْعذر بِالْإِكْرَاهِ، وَالنِّسْيَان، وَالْخَطَأ
- الْعذر بِالْإِكْرَاهِ من خَصَائِص هَذِه الْأمة.
[أَخَذَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ - أَي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ - أَنَّ الْعُذْرَ بِالْإِكْرَاهِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ ﴿إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ﴾ ظَاهِرٌ فِي إِكْرَاهِهِمْ عَلَى ذَلِكَ وَعَدَمِ طَوَاعِيَتِهِمْ، وَمَعَ هَذَا قَالَ عَنْهُمْ: ﴿وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا أَبَدًا﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْإِكْرَاهَ لَيْسَ بِعُذْرٍ. وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْمَعْنَى حَدِيثُ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ فِي الَّذِي دَخَلَ النَّارَ فِي ذُبَابٍ قَرَّبَهُ مَعَ الْإِكْرَاهِ بِالْخَوْفِ مِنَ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ الَّذِي امْتَنَعَ أَنْ يُقَرِّبَ وَلَوْ ذُبَابًا قَتَلُوهُ (١) .
وَيَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا دَلِيلُ الْخِطَابِ، أَيْ مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٢) فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: «تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي» أَنَّ غَيْرَ أُمَّتِهِ مِنَ الْأُمَمِ لَمْ يَتَجَاوَزْ لَهُمْ عَن
_________________
(١) - أخرجه أَحْمد فِي " الزّهْد " (١/١٥)، وَابْن أبي شيبَة فِي " المُصَنّف " (٦/٤٧٣) (٣٣٠٣٨)، وَأَبُو نعيم فِي " الْحِلْية " (١/٢٠٣) من طرق عَن سلمَان - ﵁ - مَوْقُوفا عَلَيْهِ، وَهَذَا الْأَثر صَحِيح الْإِسْنَاد لسلمان، وَلكنه لَيْسَ لَهُ حكم الرّفْع لِأَن سلمَان مَعْرُوف بِرِوَايَة الْإسْرَائِيلِيات.
(٢) - أخرجه ابْن مَاجَه (١/٦٥٩) (٢٠٤٣) مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ - ﵁ -، (٢٠٤٥) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - والْحَدِيث صَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
[ ١ / ٣٤٧ ]
ذَلِكَ. وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ أَعَلَّهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فَقَدْ تَلَقَّاهُ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا بِالْقَبُولِ، وَلَهُ شَوَاهِدُ ثَابِتَةٌ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ. وَقَدْ أَوْضَحْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِنَا (دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ) فِي سُورَةِ «الْكَهْفِ»، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ . وَلِذَلِكَ اخْتَصَرْنَاهَا هُنَا. أَمَّا هَذِهِ الْأُمَّةُ فَقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُذْرِهِمْ بِالْإِكْرَاهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ . وَالْعِلْمُ عِنْد الله تَعَالَى.] (١) .
- من أكره على الْكفْر بالإهلاك الْعَظِيم وصبر فَلهُ الشّرف، فَإِن لم يصبر فَلهُ الرُّخْصَة.
وَقَالَ صَاحب التَّتِمَّة - ﵀ - بعد أَن سَاق حَدِيث الْغُلَام والساحر والكاهن، وَأخذ يعدد الْفَوَائِد المستفادة من هَذَا الحَدِيث: [الثَّالِثَ عَشَرَ: مُنْتَهَى الصَّبْرِ وَعَدَمِ الرُّجُوعِ عَنِ الدِّينِ، وَهَكَذَا كَانَ فِي الْأُمَمِ الْأُولَى، وَبَيَانُ فَضْلِ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، إِذْ جَازَ لَهَا التَّلَفُّظُ بِمَا يُخَالِفُ عَقِيدَتَهَا وَقَلْبُهَا مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ.
وَقَدْ جَاءَ عَنِ الْفَخْرِ الرَّازِيِّ قَوْلُهُ: الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى الْكُفْرِ بِالْإِهْلَاكِ الْعَظِيمِ الْأَوْلَى بِهِ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى مَا خُوِّفَ مِنْهُ، وَأَنَّ إِظْهَارَ كَلِمَةِ الْكُفْرِ كَالرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ. وَرَوَى الْحَسَنُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ أَخَذَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبي ﷺ فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا: تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَتَرَكَهُ، وَقَالَ لِلْآخَرِ مِثْلَهُ، فَقَالَ: لَا بَلْ أَنْتَ كَذَّابٌ. فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّبي ﷺ: «أَمَّا
الَّذِي تَرَكَ فَأَخَذَ بِالرُّخْصَةِ فَلَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ، وَأما الَّذِي قتل فَأخذ بالأفضل
_________________
(١) - ٤/٨١، الْكَهْف/٢٠.
[ ١ / ٣٤٨ ]
فهنيئًا لَهُ» (١) .] (٢) .
- إِشْكَال، وَالْجَوَاب عَنهُ.
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَى آدَمَ﴾ أَيْ أَوْصَيْنَاهُ أَلَّا يَقْرَبَ تِلْكَ الشَّجَرَةَ. وَهَذَا الْعَهْدُ إِلَى آدَمَ الَّذِي أَجْمَلَهُ هُنَا بَيَّنَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ «الْبَقَرَة»: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ هُوَ عَهْدُهُ إِلَى آدَمَ الْمَذْكُورُ هُنَا.
وَقَوْلُهُ فِي «الْأَعْرَافِ»: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَنَسِىَ﴾ فِيهِ لِلْعُلَمَاءِ وَجْهَانِ مَعْرُوفَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّسْيَانِ التُّرْكُ، فَلَا يُنَافِي كَوْنَ التَّرْكِ عَمْدًا، وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ النِّسْيَانَ وَتُرِيدُ بِهِ التَّرْكَ وَلَوْ عَمْدًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ كَذلك أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذلك الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ فَالْمُرَادُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: التَّرْكُ قَصْدًا. وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ
_________________
(١) - أخرجه ابْن أبي شيبَة فِي " المُصَنّف " (٦/٤٧٣) (٣٣٠٣٧) بِسَنَد رِجَاله ثِقَات، إِلَّا أَنه من مُرْسل عَن الْحسن.
(٢) - ٩/١٤٢ - ١٤٣، البروج/٤، ٥.
[ ١ / ٣٤٩ ]
نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ . وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَنَسِىَ﴾ أَيْ تَرَكَ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ، وَخَالَفَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ تَرْكِ الْأَكْلِ مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ بِضِدِّهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: هُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّسْيَانِ فِي الْآيَةِ: النِّسْيَانُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الذِّكْرِ، لِأَنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا أَقْسَمَ لَهُ بِاللَّهِ أَنَّهُ لَهُ نَاصِحٌ فِيمَا دَعَاهُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهَاهُ رَبُّهُ عَنْهَا غَرَّهُ وَخَدَعَهُ بِذَلِكَ، حَتَّى أَنْسَاهُ الْعَهْدَ الْمَذْكُورَ. كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْإِنْسَانُ لِأَنَّهُ عَهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ اهـ (١) . وَلَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
وَمَا سُمِّيَ الْإِنْسَانُ إِلَّا لِنَسْيِهِ وَلَا الْقَلْبُ إِلَّا أَنَّهُ يَتَقَلَّبُ
أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَلَا إِشْكَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي فَفِيهِ إِشْكَالٌ مَعْرُوفٌ؛ لِأَنَّ النَّاسِيَ مَعْذُورٌ فَكَيْفَ يُقَالُ فِيهِ ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ .
وَأَظْهَرُ أَوْجُهِ الْجَوَابِ عِنْدِي عَنْ ذَلِكَ: أَنَّ آدَمَ لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا بِالنِّسْيَانِ. وَقَدْ بَيَّنْتُ فِي كتابي (دفع إِيهَام الِاضْطِرَاب عَن آيَات الْكِتَابِ) الْأَدِلَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّ الْعُذْرَ بِالنِّسْيَانِ وَالْخَطَأِ وَالْإِكْرَاهِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ. كَقَوْلِهِ هُنَا ﴿فَنَسِىَ﴾ مَعَ قَوْلِهِ ﴿وَعَصَى﴾ فَأُسْنِدَ إِلَيْهِ النِّسْيَانُ وَالْعِصْيَانُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ بِالنِّسْيَانِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسلم من
_________________
(١) - أخرجه ابْن أبي حَاتِم، كَمَا ذكر عَنهُ ابْن كثير فِي تَفْسِيره (٣/٢٢٥)، سَاق إِسْنَاده، وَأخرجه الطَّبَرِيّ (٨/٤٦٥) من طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ، والْحَدِيث رِجَاله ثِقَات إِلَّا أَنه مَعْلُول بعنعنة الْأَعْمَش؛ لِأَنَّهُ مدلسًا.
[ ١ / ٣٥٠ ]
حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبي ﷺ لَمَّا قَرَأَ ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قَالَ اللَّهُ نَعَمْ قَدْ فَعَلْتُ (١) . فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَعْفُوًّا عَنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ لَمَا كَانَ لِذِكْرِهِ عَلَى سَبِيلِ الِامْتِنَانِ وَتَعْظِيمِ الْمِنَّةِ عَظِيمُ مُوقِعٍ. وَيُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٢) . فَقَوْلُهُ «تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي» يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِأُمَّتِهِ، وَلَيْسَ مَفْهُومَ لَقَبٍ؛ لِأَنَّ مَنَاطَ التَّجَاوُزِ عَنْ ذَلِكَ هُوَ مَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ التَّفْضِيلِ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ.
وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَإِنْ أَعَلَّهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فَلَهُ شَوَاهِدُ ثَابِتَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَمْ يَزَلْ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يَتَلَقَّوْنَهُ بِالْقَبُولِ.
وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ الْمَشْهُورِ فِي الَّذِي دَخَلَ النَّارَ فِي ذُبَابٍ قَرَّبَهُ مَعَ أَنَّهُ مُكْرَهٌ وَصَاحِبُهُ الَّذِي امْتَنَعَ مِنْ تَقْرِيبِ شَيْءٍ لِلصَّنَمِ وَلَوْ ذُبَابًا قَتَلُوهُ (٣) . فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الَّذِي قَرَّبَهُ مُكْرَهٌ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقَرِّبْ لَقَتَلُوهُ كَمَا قَتَلُوا صَاحِبَهُ، وَمَعَ هَذَا دَخَلَ النَّارَ فَلَمْ يَكُنْ إِكْرَاهُهُ عُذْرًا. وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ: ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا أَبَدًا﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ﴾ دَلِيلٌ عَلَى الْإِكْرَاهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا أَبَدًا﴾ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْعُذْرِ بِذَلِكَ الْإِكْرَاهِ. كَمَا أَوْضَحْنَا ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
_________________
(١) - أخرجه مُسْلِمٍ (١/١١٥) (١٢٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، (١/١١٦) (١٢٦) عَنِ ابْن عَبَّاس - ﵄ -.
(٢) - سبق تَخْرِيجه آنِفا.
(٣) - سبق تَخْرِيجه أَيْضا.
[ ١ / ٣٥١ ]
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي شَرْعِنَا مَا يَدُلُّ عَلَى نَوْعٍ مِنَ التَّكْلِيفِ بِذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فَتَحْرِيرُ الرَّقَبَةِ هُنَا كَفَّارَةٌ لِذَلِكَ الْقَتْلِ خَطَأً. وَالْكَفَّارَةُ تُشْعِرُ بِوُجُودِ الذَّنْبِ فِي الْجُمْلَةِ. كَمَا يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ خَطَأً ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ فَجُعِلَ صَوْمُ الشَّهْرَيْنِ بَدَلًا مِنَ الْعِتْقِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ. وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ﴾ يدل على أَن الله هُنَاكَ مُؤَاخَذَةً فِي الْجُمْلَةِ بِذَلِكَ الْخَطَأِ، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ وَمَا قَدَّمْنَا مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ: أَنَّ النَّبي ﷺ لَمَّا قَرَأَ ﴿لاَ تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قَالَ اللَّهُ نَعَمْ قَدْ فَعَلْتُ، فَالْمُؤَاخَذَةُ الَّتِي هِيَ الْإِثْمُ مَرْفُوعَةٌ وَالْكَفَّارَةُ الْمَذْكُورَةُ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: هِيَ بِسَبَبِ التَّقْصِيرِ فِي التَّحَفُّظِ وَالْحَذَرِ مِنْ وُقُوعِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ، وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا أَعْلَمُ.] (١) .
_________________
(١) - ٤/٥٦٦، ٥٦٧، طه / ١١٥، وَانْظُر أَيْضا ٦/٢١٩، النُّور / ٣٣.
[ ١ / ٣٥٢ ]
فصل الْعذر بِالْجَهْلِ
[قَوْله: ﴿لِّتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِىْ خَلَقَكُمْ﴾ رَاجِعٌ إِلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ هُوَ الْعِلْمُ بِاللَّهِ؛ لِأَنَّ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ أَطَاعَهُ وَوَحَّدَهُ.
وَهَذَا الْعِلْمُ يُعَلِّمُهُمُ اللَّهُ إِيَّاهُ وَيُرْسِلُ لَهُمُ الرُّسُلَ بِمُقْتَضَاهُ لِيَهْلِكَ من هلك عَن بَيِّنَة، ويحيي من حييّ عَنْ بَيِّنَةٍ، فَالتَّكْلِيفُ بَعْدَ الْعِلْمِ، وَالْجَزَاءُ بَعْدَ التَّكْلِيف ] (١) .
مُلَاحظَة:
قد يسْتَدلّ الْبَعْض بِآيَة الْمِيثَاق على عدم الْعذر بِالْجَهْلِ فِي أُمُور التَّوْحِيد؛ لذا سَوف أنقل كَلَام الْعَلامَة الشنقيطي - ﵀ - حول هَذِه الْآيَة ليتضح الْمقَام. وَالله الْمُسْتَعَان.،
قَالَ - ﵀ -: [قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ .
فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَجْهَانِ مِنَ التَّفْسِيرِ معروفان عِنْد الْعلمَاء:
_________________
(١) - ٧/٦٧٦، الذاريات / ٥٦.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعْنَى أَخْذِهِ ذُرِّيَّةَ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ: هُوَ إِيجَادُ قَرْنٍ مِنْهُمْ بَعْدَ قَرْنٍ، وَإِنْشَاءُ قَوْمٍ بَعْدَ آخَرِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾، وَقَالَ: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِى الأَرْضِ﴾ وَقَالَ: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَآءَ﴾، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ: وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ أَنَّ إِشْهَادَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا هُوَ بِمَا نُصِبَ لَهُمْ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ بِأَنَّهُ رَبُّهُمُ الْمُسْتَحِقُّ مِنْهُمْ لِأَنْ يَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ؛ وَعَلَيْهِ فَمَعْنَى قَالُوا بَلَى، أَيْ قَالُوا ذَلِكَ: بِلِسَانِ حَالِهِمْ لِظُهُورِ الْأَدِلَّةِ عَلَيْهِ. وَنَظِيرُهُ مِنْ إِطْلَاقِ الشَّهَادَةِ عَلَى شَهَادَةِ لِسَانِ الْحَالِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ﴾ أَيْ بِلِسَانِ حَالِهِمْ عَلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ أَيْ بِلِسَانِ حَالِهِ أَيْضًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ أَيْضًا.
وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا جَعَلَ هَذَا الْإِشْهَادَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فِي الْإِشْرَاكِ بِهِ جَلَّ وَعَلَا فِي قَوْلِهِ: ﴿أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ﴾، قَالُوا: فَلَوْ كَانَ الْإِشْهَادُ الْمَذْكُورُ الْإِشْهَادَ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْمِيثَاقِ، وَهُمْ فِي صُورَةِ الذَّرِّ لَمَا كَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَذْكُرُهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ عِنْدَ وُجُودِهِ فِي الدُّنْيَا، وَمَا لَا عِلْمَ لِلْإِنْسَانِ بِهِ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ.
فَإِنْ قِيلَ إِخْبَارُ الرُّسُلِ بِالْمِيثَاقِ الْمَذْكُورِ كَافٍ فِي ثُبُوتِهِ، قُلْنَا: قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: «الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُكَذِّبِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُكَذِّبُونَ بِجَمِيعِ مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ هَذَا وَغَيْرِهِ، وَهَذَا جُعِلَ حُجَّةً مُسْتَقِلَّةً عَلَيْهِمْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْفِطْرَةُ الَّتِي فُطِرُوا عَلَيْهَا مِنَ التَّوْحِيدِ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَن تَقُولُواْ﴾ اهـ مِنْهُ بِلَفْظِهِ.
[ ٢ / ٣٥٤ ]
فَإِذَا عَلِمْتَ هَذَا الْوَجْهَ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، وَمَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ قَائِلُهُ بِهِ مِنَ الْقُرْآنِ. فَاعْلَمْ أَنَّ الْوَجْهَ الْآخَرَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ اللَّهَ أَخْرَجَ جَمِيعَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مِنْ ظُهُورِ الْآبَاءِ فِي صُورَةِ الذَّرِّ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِلِسَانِ الْمَقَالِ: ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ ثُمَّ أَرْسَلَ بَعْدَ ذَلِكَ الرُّسُلَ مُذَكِّرَةً بِذَلِكَ الْمِيثَاقِ الَّذِي نَسِيَهُ الْكُلُّ وَلَمْ يُولَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَهُوَ ذَاكِرٌ لَهُ وَإِخْبَارُ الرُّسُلِ بِهِ يَحْصُلُ بِهِ الْيَقِينُ بِوُجُودِهِ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ - هَذَا الْوَجْهُ الْأَخِيرُ يَدُلُّ لَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
أَمَّا وَجْهُ دَلَالَةِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ، فَهُوَ أَنَّ مُقْتَضَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَا أَقَامَ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْبَرَاهِينِ الْقَطْعِيَّةِ كَخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَا فِيهِمَا مِنْ غَرَائِبِ صُنْعِ اللَّهِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ الرَّبُّ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ، وَمَا رَكَّزَ فِيهِمْ مِنَ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَهُمْ عَلَيْهَا تَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الْحُجَّةُ، وَلَو لم يَأْتِيهم نَذِيرٌ وَالْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ مُصَرِّحَةٌ بِكَثْرَةٍ، بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا حَتَّى يُقِيمَ عَلَيْهِ الْحُجَّةَ بِإِنْذَارِ الرُّسُل، وَهُوَ دَلِيل على عدم الِاكْتِفَاء بِمَا نصب من الْأَدِلَّة، وَمَا ركز من الْفِطْرَةِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا، وَلَمْ يَقُلْ حَتَّى نَخْلُقَ عُقُولًا، وَنَنْصُبَ أَدِلَّةً، وَنُرَكِّزَ فِطْرَةً.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، فَصَرَّحَ بِأَنَّ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى النَّاسِ، وَيَنْقَطِعُ بِهِ عُذْرُهُمْ: هُوَ إِنْذَارُ الرُّسُلِ لَا نَصْبَ الْأَدِلَّةِ وَالْخَلْقِ عَلَى الْفِطْرَةِ.
وَهَذِهِ الْحُجَّةُ الَّتِي بُعِثَ الرُّسُلُ لِقَطْعِهَا بَيَّنَهَا فِي «طَهَ» بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى﴾، وَأَشَارَ لَهَا فِي «الْقَصَصِ» بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ
[ ٢ / ٣٥٥ ]
إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتِّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى صَرَّحَ بِأَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ النَّارِ قُطِعَ عُذْرُهُمْ فِي الدُّنْيَا بِإِنْذَارِ الرُّسُلِ، وَلَمْ يَكْتَفِ فِي ذَلِكَ بِنَصْبِ الْأَدِلَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَى وَلكن حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وَمَعْلُومٌ أَنَّ لَفْظَةَ كُلَّمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ صِيغَةُ عُمُومٍ، وَأَنَّ لَفْظَةَ الَّذِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ صِيغَةُ عُمُومٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَوْصُولَ يَعُمُّ كُلَّ مَا تَشْمَلُهُ صِلَتُهُ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَإِنَّهُ قَدْ دَلَّتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ فِي صُورَةِ الذَّرِّ فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ كَمَا ذَكَرَ هُنَا، وَبَعْضُهَا صَحِيحٌ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ أَبُو عُمَرَ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ لَكِنَّ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبي ﷺ مِنْ وُجُوهٍ ثَابِتَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ وَغَيْرِهِمُ اهـ (١) . مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ بِلَفْظِهِ.
وَهَذَا الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَا هَلْ يُكْتَفَى فِي الْإِلْزَامِ بِالتَّوْحِيدِ بِنَصْبِ الْأَدِلَّةِ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ بَعْثِ الرُّسُلِ لِيُنْذِرُوا؟ هُوَ مَبْنَى الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ فِي أَهْلِ الْفَتْرَةِ. هَلْ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِكُفْرِهِمْ؟ وَحَكَى الْقَرَافِيُّ عَلَيْهِ
_________________
(١) التَّمْهِيد لِابْنِ عبد الْبر (١٨/٨٥) وَمَا بعْدهَا، وَانْظُر السلسلة الصَّحِيحَة (٤٨، ٤٩، ٥٠) فقد صحّح الشَّيْخ الألباني - ﵀ - جملَة من هَذِه الْأَحَادِيث وَتكلم على بعض الْفَوَائِد المستفادة مِنْهَا، فانظرها هُنَاكَ.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
الْإِجْمَاعَ وَجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي (شَرْحِ مُسْلِمٍ)، أَوْ يُعْذَرُونَ بِالْفَتْرَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَإِلَى هَذَا الْخِلَافِ أَشَارَ فِي (مَرَاقِي السُّعُودِ) بِقَوْلِهِ:
ذُو فَتْرَةٍ بِالْفَرْعِ لَا يُرَاعُ وَفِي الْأُصُولِ بَيْنَهُمْ نِزَاعُ
وَقَدْ حَقَّقْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَعَ مُنَاقَشَةِ أَدِلَّةِ الْفَرِيقَيْنِ فِي كِتَابِنَا (دَفْعُ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ) فِي سُورَةِ «بَنِي إِسْرَائِيلَ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وَلذَلِك اختصرناها هُنَا.] (١) .
- مَسْأَلَة: أهل الفترة معذورون فِي الدُّنْيَا، ويختبرون فِي الْآخِرَة.
[قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ . ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ اللَّهَ جلَّ وَعَلَا لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِ رَسُولًا يُنْذِرُهُ وَيُحَذِّرُهُ فَيُعْصَى ذَلِكَ الرَّسُولُ، وَيُسْتَمَرُّ عَلَى الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ بَعْدَ الْإِنْذَارِ وَالْإِعْذَارِ.
وَقَدْ أَوْضَحَ جلَّ وَعَلَا هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ فَصَرَّحَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: بِأَنْ لَا بُدَّ أَنْ يَقْطَعَ حُجَّةَ كُلِّ أَحَدٍ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ، مُبَشِّرِينَ مَنْ أَطَاعَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَمُنْذِرِينَ مَنْ عَصَاهُمُ النَّارَ.
وَهَذِهِ الْحُجَّةُ الَّتِي أَوْضَحَ هُنَا قَطَعَهَا بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ. بَيَّنَهَا فِي آخِرِ سُورَةِ طَهَ بِقَوْلِهِ ﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى﴾ .
وَأَشَارَ لَهَا فِي سُورَةِ الْقَصَصِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا
_________________
(١) - ٢/٣٠٠: ٣٠٣، الْأَعْرَاف / ١٧٢، ١٧٣.
[ ٢ / ٣٥٧ ]
قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتِّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وَقَوْلِهِ جلَّ وَعَلَا: ﴿ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾، وَقَوله: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مَّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَهذا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَن تَقُولُواْ إِنَّمَآ أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَيُوَضِّحُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَاتُ الْمَذْكُورَةُ وَأَمْثَالُهَا فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ جلَّ وَعَلَا لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ الْإِنْذَارِ وَالْإِعْذَارِ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَصْرِيحُهُ جلَّ وَعَلَا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ بِأَنْ لَمْ يْدْخِلْ أَحَدًا النَّارَ إِلَّا بَعْدَ الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ.
فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ جلَّ وَعَلَا: ﴿كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ﴾ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَهُ جلَّ وَعَلَا: ﴿كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَفْوَاجِ الْمُلْقِينَ فِي النَّارِ.
قَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي «الْبَحْرِ الْمُحِيطِ» فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا مَا نَصُّهُ: «وَكُلَّمَا» تَدُلُّ عَلَى عُمُومِ أَزْمَانِ الْإِلْقَاءِ فَتَعُمُّ الْمُلْقِينَ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ جلَّ وَعَلَا: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَى وَلكن حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ عَام
[ ٢ / ٣٥٨ ]
لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ.
وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ: أَنَّ الْمُوصُولَاتِ كَالَّذِي وَالَّتِي وَفُرُوعِهِمَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ، لِعُمُومِهَا فِي كُلِّ مَا تَشْمَلُهُ صِلَاتُهَا، وَعَقَدَهُ فِي مَرَاقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ فِي صِيَغِ الْعُمُومِ:
صِيَغُهُ كُلُّ أَوِ الْجَمِيعُ وَقَدْ تَلَا الَّذِي الَّتِي الْفُرُوعَ
وَمُرَادُهُ بِالْبَيْتِ: أَنَّ لَفْظَةَ «كُلٍّ، وَجَمِيعٍ، وَالَّذِي، وَالَّتِي» وَفُرُوعِهِمَا كُلُّ ذَلِكَ مِنَ صِيغ الْعُمُومِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ إِلَى قَوْله ﴿يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ النَّارِ قَدْ أَنْذَرَتْهُمُ الرُّسُلُ فِي دَارِ الدُّنْيَا، فَعَصَوُا أَمْرَ رَبِّهِمْ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ.
وَنَظِيرُهُ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ . فَقَوله ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ إِلَى قَوْله ﴿النَّذِيرُ فَذُوقُواْ﴾ عَامٌّ أَيْضًا فِي جَمِيعِ أَهْلِ النَّارِ. كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ قَرِيبًا.
وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِى النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ قَالُواْ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُواْ بَلَى قَالُواْ فَادْعُواْ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَالٍ﴾، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ النَّارِ أَنْذَرَتْهُمُ الرُّسُلُ فِي دَارِ الدُّنْيَا.
وَهَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي ذَكَرْنَا وَأَمْثَالُهَا فِي الْقُرْآنِ تَدُلُّ عَلَى عُذْرِ أَهْلِ الْفَتْرَةِ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ وَلَوْ مَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ، وَبِهَذَا قَالَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ
[ ٢ / ٣٥٩ ]
الْعِلْمِ.
وَذَهَبَتْ جَمَاعَةٌ أُخْرَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ فَهُوَ فِي النَّارِ وَلَوْ لَمْ يَأْتِهِ نَذِيرٌ، وَاسْتَدَلُّوا بِظَوَاهِرِ آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَبِأَحَادِيثَ عَنِ النَّبي ﷺ. فَمِنَ الْآيَاتِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿إِن الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾، وَقَوله: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الرِّيحُ فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾، وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَظَاهِرُ جَمِيعِ هَذِهِ الْآيَاتِ الْعُمُومُ. لِأَنَّهَا لَمْ تُخَصَّصْ كَافِرًا دُونَ كَافِرٍ، بَلْ ظَاهِرُهَا شُمُولُ جَمِيعِ الْكُفَّارِ.
وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يُعْذَرُونَ فِي كُفْرِهِمْ بِالْفَتْرَةِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَين أَبي؟. قَالَ: «فِي النَّار» فَلَمَّا قَفَّى دَعَاهُ فَقَالَ: «إنَّ أَبي وَأَبَاكَ فِي النَّار» (١) اهـ. وَقَالَ مُسْلِمٌ ﵀ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَزِيدَ يَعْنِي ابْنَ كِيسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
_________________
(١) - صَحِيح مُسلم (١/١٩١) (٢٠٣) .
[ ٢ / ٣٦٠ ]
«اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي» حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كِيسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: زَارَ النَّبي ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وأَبكى مَنْ حَوْلَهُ. فَقَالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تذكِّر الْمَوْتَ» (١) اهـ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ عُذْرِ الْمُشْرِكِينَ بِالْفَتْرَةِ.
وَهَذَا الْخِلَافُ مَشْهُورٌ بَيْنَ أَهْلِ الْأُصُولِ، هَلِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ مَاتُوا فِي الْفَتْرَةِ وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ فِي النَّارِ لِكُفْرِهِمْ، أَوْ مَعْذُورُونَ بِالْفَتْرَةِ؟ وَعَقَدَهُ فِي «مَرَاقِي السُّعُودِ» بِقَوْلِهِ:
ذُو فَتْرَةٍ بِالْفَرْعِ لَا يُرَاعُ وَفِي الْأُصُولِ بَيْنَهُمْ نِزَاعٌ
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ أَهْلَ الْفَتْرَةِ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى الْكُفْرِ فِي النَّارِ: النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَحَكَى عَلَيْهِ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْقِيحِ الْإِجْمَاعَ. كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ «نَشْرِ الْبُنُودِ» .
وَأَجَابَ أَهْلُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ التَّعْذِيبَ المنفى فِي قَوْله ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾، وَأَمْثَالِهَا مِنَ الْآيَاتِ، إِنَّمَا هُوَ التَّعْذِيبُ الدُّنْيَوِيُّ، كَمَا وَقَعَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْعَذَابِ بِقَوْمِ نُوحٍ، وَقَوْمِ هُودٍ، وَقَوْمِ صَالِحٍ، وَقَوْمِ لُوطٍ، وَقَوْمِ شُعَيْبٍ، وَقَوْمِ مُوسَى وَأَمْثَالِهِمْ. وَإِذًا فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ التَّعْذِيبَ فِي الْآخِرَةِ.
وَنَسَبَ هَذَا الْقَوْلَ الْقُرْطُبِيُّ، وَأَبُو حَيَّانَ، وَالشَّوْكَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ فِي
_________________
(١) - صَحِيح مُسلم (٢/٦٧١) (٩٧٦) .
[ ٢ / ٣٦١ ]
تَفَاسِيرِهِمْ إِلَى الْجُمْهُورِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَحَلَّ الْعُذْرِ بِالْفَتْرَةِ الْمَنْصُوصَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ وَأَمْثَالِهَا فِي غَيْرِ الْوَاضِحِ الَّذِي لَا يُخْفَى عَلَى أَدْنَى عَاقِلٍ، أَمَّا الْوَاضِحُ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ عِنْدَهُ عَقْلٌ كَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ فَلَا يُعْذَرُ فِيهِ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ رَبُّهُمْ، الْخَالِقُ الرَّازِقُ، النَّافِعُ، الضَّارُّ، وَيَتَحَقَّقُونَ كُلَّ التَّحَقُّقِ أَنَّ الْأَوْثَانَ لَا تَقْدِرُ عَلَى جَلْبِ نَفْعٍ وَلَا عَلَى دَفْعِ ضُرٍّ، كَمَا قَالَ عَنْ قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ﴾ وَكَمَا جَاءَتِ الْآيَاتُ الْقُرْآنِيَّةُ بِكَثْرَةٍ بِأَنَّهُمْ وَقْتَ الشَّدَائِدِ يُخْلِصُونَ الدُّعَاءَ لِلَّهِ وَحْدَهُ. لِعِلْمِهِمْ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ، كَقَوْلِهِ ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِى الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَ إِيَّاهُ﴾، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَلَكِنَّ الْكُفَّارَ غَالَطُوا أَنْفُسَهُمْ لِشِدَّةِ تَعَصُّبِهِمْ لِأَوْثَانِهِمْ فَزَعَمُوا أَنَّهَا تُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، وَأَنَّهَا شُفَعَاؤُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، مَعَ أَنَّ الْعَقْلَ يَقْطَعُ بِنَفْيِ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ عِنْدَهُمْ بَقِيَّةَ إِنْذَارٍ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا قَبْلَ نَبِيِّنَا ﷺ. كَإِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ، وَأَنَّ الْحُجَّةَ قَائِمَةٌ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَجَزَمَ بِهَذَا النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَمَالَ إِلَيْهِ الْعِبَادِي فِي (الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ) .
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: مَا جَاءَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَنِ النَّبي ﷺ، الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ بَعْضَ
أَهْلِ الْفَتْرَةِ فِي النَّارِ، كَمَا قَدَّمْنَا بَعْضَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِذَلِكَ فِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ.
وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِعُذْرِهِمْ بِالْفَتْرَةِ عَنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الْأَرْبَعَةِ، فَأَجَابُوا عَنِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ كَوْنُ التَّعْذِيبِ فِي قَوْله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ إِنَّمَا هُوَ التَّعْذِيبُ الدُّنْيَوِيُّ دُونَ الْأُخْرَوِيِّ مِنْ وَجْهَيْن:
[ ٢ / ٣٦٢ ]
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ خِلَافَ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ انْتِفَاءُ التَّعْذِيبِ مُطْلَقًا، فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ فِي الدُّنْيَا، وَصَرْفُ الْقُرْآنَ عَنْ ظَاهِرِهِ مَمْنُوعٌ إِلَّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ على شُمُولِ التَّعْذِيبِ الْمَنْفِيِ فِي الْآيَةِ لِلتَّعْذِيبِ فِي الْآخِرَةِ. كَقَوْلِهِ: ﴿كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَى﴾ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَفْوَاجِ أَهْلِ النَّارِ مَا عُذِّبُوا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا بَعْدَ إِنْذَارِ الرُّسُلِ. كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ بِالْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ.
وَأَجَابُوا عَنِ الْوَجْهِ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّ مَحَلَّ الْعُذْرِ بِالْفَتْرَةِ فِي غَيْرِ الْوَاضِحِ الَّذِي لَا يُخْفَى عَلَى أَحَدٍ بِنَفْسِ الْجَوَابَيْنِ الْمَذْكُورِينَ آنِفًا؛ لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْوَاضِحِ وَغَيْرِهِ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ نَصَّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ النَّارِ مَا عُذِّبُوا بِهَا حَتَّى كَذَّبُوا الرُّسُلَ فِي دَارِ الدُّنْيَا، بَعْدَ إِنْذَارِهِمْ مِنْ ذَلِكَ الْكُفْرِ الْوَاضِحِ، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ.
وَأَجَابُوا عَنِ الْوَجْهِ الثَّالِثِ الَّذِي جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ، وَمَالَ إِلَيْهِ الْعَبَّادِيُّ، وَهُوَ قِيَامُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإِنْذَارِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا قَبْلَهُ ﷺ بِأَنَّهُ قَوْلٌ بَاطِلٌ بِلَا شَكٍّ؛ لِكَثْرَةِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْمُصَرِّحَةِ بِبُطْلَانِهِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُمْ أُنْذِرُوا عَلَى أَلْسِنَةِ بَعْضِ الرُّسُلِ وَالْقُرْآنُ يَنْفِي هَذَا نَفْيًا بَاتًّا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ. كَقَوْلِهِ فِي «يس»: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ وَ«مَا» فِي قَوْلِهِ ﴿مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ﴾ نَافِيَةٌ عَلَى التَّحْقِيقِ، لَا مَوْصُولَةٌ، وَتَدُلُّ لِذَلِكَ الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾، وَكَقَوْلِهِ فِي «الْقَصَصِ»: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلكن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ﴾، وَكَقَوْلِهِ فِي «سَبَأٍ» ﴿وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ﴾، وَكَقَوْلِهِ فِي «الم السَّجْدَةِ»: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن
[ ٢ / ٣٦٣ ]
قَبْلِكَ﴾، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَجَابُوا عَنِ الْوَجْهِ الرَّابِعِ، بِأَنَّ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَخْبَارُ آحَادٍ يُقَدَّمُ عَلَيْهَا الْقَاطِعُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَى﴾، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِالْعُذْرِ بِالْفَتْرَةِ أَيْضًا عَنِ الْآيَاتِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا مُخَالِفُوهُمْ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، إِلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْآيَاتِ بِأَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا أُرْسِلَتْ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ فَكَذَّبُوهُمْ بِدَلِيلِ قَوْله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ .
وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِتَعْذِيبِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ أَهْلِ الْفَتْرَةِ عَنْ قَوْلِ مُخَالِفِيهِمْ: إِنَّ الْقَاطِعَ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى أَخْبَارِ الْآحَادِ الدَّالَّةِ عَلَى تَعْذِيبِ بَعْضِ أَهْلِ الْفَتْرَةِ، كَحَدِيثَيْ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ الْمُتَقَدِّمِينَ بِأَنَّ الْآيَةَ عَامَّةٌ، وَالْحَدِيثَيْنِ كِلَاهُمَا خَاصٌّ فِي شَخْصٍ مُعَيَّنٍ. وَالْمَعْرُوفُ فِي الْأُصُولِ أَنَّهُ لَا يَتَعَارَضُ عَامٌّ وَخَاصٌّ؛ لِأَنَّ الْخَاصَّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀، كَمَا بَيَّنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَمًا أَخْرَجَهُ دَلِيلٌ خَاصٌّ خَرَجَ مِنَ الْعُمُومِ، وَمَا لَمْ يُخْرِجْهُ دَلِيلٌ خَاصٌّ بَقِيَ دَاخِلًا فِي الْعُمُومِ. كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ.
وَأَجَابَ الْمَانِعُونَ بِأَنَّ هَذَا التَّخْصِيصَ يُبْطِلُ حِكْمَةَ الْعَامِّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا تَمَدَّحُ بِكَمَالِ الْإِنْصَافِ. وَأَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ حَتَّى يَقْطَعَ حُجَّةَ الْمُعَذَّبِ بِإِنْذَارِ الرُّسُلِ فِي دَارِ الدُّنْيَا، وَأَشَارَ لِأَنَّ ذَلِكَ الْإِنْصَافَ الْكَامِلَ، وَالْإِعْذَارَ الَّذِي هُوَ قَطْعُ الْعُذْرِ عِلَّةٌ لِعَدَمِ التَّعْذِيبِ، فَلَوْ عَذَّبَ إِنْسَانًا وَاحِدًا مِنْ غَيْرِ إِنْذَارٍ لَاخْتَلَّتْ تِلْكَ الْحِكْمَةُ الَّتِي تَمَدَّحَ اللَّهُ بِهَا، وَلَثَبَتَتْ لِذَلِكَ الْإِنْسَانِ
[ ٢ / ٣٦٤ ]
الْحُجَّةُ الَّتِي أَرْسَلَ اللَّهُ الرُّسُلَ لِقَطْعِهَا، كَمَا بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى﴾ كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ.
وَأَجَابَ الْمُخَالِفُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ أَنَّ عَدَمَ الْإِنْذَارِ فِي دَارِ الدُّنْيَا عِلَّةٌ لِعَدَمِ التَّعْذِيبِ فِي الْآخِرَةِ، وَحَصَلَتْ عِلَّةُ الْحُكْمِ الَّتِي هِيَ عَدَمُ الْإِنْذَارِ فِي الدُّنْيَا، مَعَ فَقْدِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ التَّعْذِيبِ فِي الْآخِرَةِ لِلنَّصِّ فِي الْأَحَادِيثِ عَلَى التَّعْذِيبِ فِيهَا، فَإِنَّ وُجُودَ عِلَّةِ الْحُكْمِ مَعَ فَقْدِ الْحُكْمِ الْمُسَمَّى فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْأُصُولِ بِـ «النَّقْضِ» تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ قَصَرَ لَهَا عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ مَعْلُولِهَا بِدَلِيلٍ خَارِجٍ كَتَخْصِيصِ الْعَامِّ، أَيْ قَصْرُهُ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ بِدَلِيلٍ. وَالْخِلَافُ فِي النَّقْضِ هَلْ هُوَ إِبْطَالٌ لِلْعِلَّةِ، أَوْ تَخْصِيصٌ لَهَا مَعْرُوفٌ فِي الْأُصُولِ، وَعَقَدَ الْأَقْوَالَ فِي ذَلِكَ صَاحِبُ «مَرَاقِي السُّعُودِ» بِقَوْلِهِ فِي مَبْحَثِ الْقَوَادِحِ:
مِنْهَا وُجُودُ الْوَصْفِ دُونَ الْحُكْمِ سَمَّاهُ بِالنَّقْضِ وُعَاةُ الْعِلْمِ
وَالْأَكْثَرُونَ عِنْدَهُمْ لَا يَقْدَحُ بَلْ هُوَ تَخْصِيصٌ وَذَا مُصَحِّحٌ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ تَخْصِيصٌ إِنْ يَكُ الِاسْتِنْبَاطُ لَا التَّنْصِيصُ
وَعَكْسُ هَذَا قَدْ رَآهُ الْبَعْضُ وَمُنْتَقَى ذِي الِاخْتِصَارِ النَّقْضُ
إِنْ لَمْ تَكُنْ مَنْصُوصَةً بِظَاهِرٍ وَلَيْسَ فِيمَا اسْتُنْبِطَتْ بِضَائِرِ
إِنْ جَا لِفَقْدِ الشَّرْطِ أَوْ لِمَا مَنَعَ وَالْوَفْقُ فِي مِثْلِ الْعَرَايَا قَدْ وَقَعَ
فَقَدْ أَشَارَ فِي الْأَبْيَاتِ إِلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ فِي النَّقْضِ: هَلْ هُوَ تَخْصِيصٌ، أَوْ إِبْطَالٌ لِلْعِلَّةِ، مَعَ التَّفَاصِيلِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ.
وَاخْتَارَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ: أَنَّ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ عَنِ الْوَصْفِ
[ ٢ / ٣٦٥ ]
إِنْ كَانَ لِأَجْلِ مَانِعٍ مَنَعَ مِنْ تَأْثِيرِ الْعِلَّةِ، أَوْ لِفَقْدِ شَرْطِ تَأْثِيرِهَا فَهُوَ تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ، وَإِلَّا فَهُوَ نَقْضٌ وَإِبْطَالٌ لَهَا.
فَالْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعَدُوَّانُ عِلَّةٌ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ إِجْمَاعًا، فَإِذَا وُجِدَ هَذَا الْوَصْفُ الْمُرَكَّبَ الَّذِي هُوَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ، وَلَمْ يُوجَدِ الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ الْقِصَاصُ فِي قَتْلِ الْوَالِدِ وَلَدَهُ لِكَوْنِ الْأُبُوَّةِ مَانِعًا مِنْ تَأْثِيرِ الْعِلَّةِ فِي الْحُكْمِ فَلَا يُقَالُ هَذِهِ الْعِلَّةُ مَنْقُوضَةٌ؛ لِتَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، بَلْ هِيَ عِلَّةُ مَنَعَ مِنْ تَأْثِيرِهَا مَانِعٌ. فَيُخَصَّصُ تَأْثِيرُهَا بِمَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ.
وَكَذَلِكَ مَنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ مِنْ رَجُلٍ، وَغَرَّهُ فَزَعَمَ لَهُ أَنَّهَا حُرَّةٌ فَوَلَدَ مِنْهَا. فَإِنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ حُرًّا، مَعَ أَنَّ رِقَّ الْأُمِّ عِلَّةٌ لِرِقِّ الْوَلَدِ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَاتِ رَحِمٍ فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا؛ لِأَنَّ الْغُرُورَ مَانِعٌ مَنَعَ مِنْ تَأْثِيرِ الْعِلَّةِ
الَّتِي هِيَ رِقُّ الْأُمِّ فِي الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ رِقُّ الْوَلَدِ، وَكَذَلِكَ الزِّنَى: فَإِنَّهُ عَلِمَ لِلرَّجْمِ إِجْمَاعًا.
فَإِذَا تَخَلَّفَ شَرْطُ تَأْثِيرِ هَذِهِ الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ الزِّنَى فِي هَذَا الْحُكْمِ الَّذِي هِيَ الرَّجْمُ، وَنَعْنِي بِذَلِكَ الشَّرْطِ الْإِحْصَانَ. فَلَا يُقَالُ إِنَّهَا عِلَّةٌ مَنْقُوضَةٌ، بَلْ هِيَ عِلَّةٌ تَخَلَّفَ شَرْطُ تَأْثِيرِهَا. وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا. هَكَذَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّ آيَةَ «الْحَشْرِ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّقْضَ تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ مُطْلَقًا، وَاللَّهَ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَنَعْنِي بِآيَةِ «الْحَشْرِ» قَوْلَهُ تَعَالَى فِي بَنِي النَّضِيرِ: ﴿وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ .
ثُمَّ بَيَّنَ جَلَّ وَعَلَا عِلَّةَ هَذَا الْعِقَابِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ . وَقَدْ يُوجَدُ بَعْضُ مَنْ شَاقَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَمْ يُعَذِّبْ بِمِثْلِ الْعَذَابِ الَّذِي عَذَّبَ بِهِ بَنُو النَّضِيرِ، مَعَ الِاشْتِرَاكِ فِي الْعِلَّةِ الَّتِي هِيَ مُشَاقَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
[ ٢ / ٣٦٦ ]
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ عَنِ الْعِلَّةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ لَا نَقْضٌ لَهَا. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
أَمَّا مَثَلُ بَيْعِ التَّمْرِ الْيَابِسِ بِالرَّطْبِ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْعَرَايَا فَهُوَ تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ إِجْمَاعًا لَا نَقْضَ لَهَا. كَمَا أَشَارَ لَهُ فِي الْأَبْيَاتِ بِقَوْلِهِ: * وَالْوَفْقُ فِي مِثْلِ الْعَرَايَا قَدْ وَقَعَ *
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: الظَّاهِرُ أَنَّ التَّحْقِيقَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي هِيَ: هَلْ يَعْذُرُ الْمُشْرِكُونَ بِالْفَتْرَةِ أَوْ لَا؟ هُوَ أَنَّهُمْ مَعْذُورُونَ بِالْفَتْرَةِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَمْتَحِنُهُمْ بِنَارٍ يَأْمُرُهُمْ بِاقْتِحَامِهَا، فَمَنِ اقْتَحَمَهَا دَخْلَ الْجَنَّةَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُصَدِّقُ الرُّسُلَ لَوْ جَاءَتْهُ فِي الدُّنْيَا، وَمَنِ امْتَنَعَ دَخَلَ النَّارَ وَعُذِّبَ فِيهَا، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُكَذِّبُ الرُّسُلَ لَوْ جَاءَتْهُ فِي الدُّنْيَا؛ لَأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا كَانُوا عَامِلِينَ لَوْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَمْرَيْنِ:
الْأَوَّلُ - أَنَّ هَذَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَثُبُوتُهُ عَنْهُ نَصٌّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ. فَلَا وَجْهَ لِلنِّزَاعِ أَلْبَتَّةَ مَعَ ذَلِكَ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِهَا، بَعْدَ أَنْ سَاقَ الْأَحَادِيثَ الْكَثِيرَةَ الدَّالَّةَ عَلَى عُذْرِهِمْ بِالْفَتْرَةِ وَامْتِحَانِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَادًّا عَلَى ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ تَضْعِيفَ أَحَادِيثِ عُذْرِهِمْ وَامْتِحَانِهِمْ، بِأَنَّ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ لَا عَمَلٍ، وَأَنَّ التَّكْلِيفَ بِدُخُولِ النَّارِ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ وَهُوَ لَا يُمْكِنُ مَا نَصَّهُ: وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالَ: أَنَّ أَحَادِيثَ هَذَا الْبَابِ مِنْهَا مَا هُوَ صَحِيحٌ كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ حَسَنٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ ضَيْفٌ يَتَقَوَّى بِالصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ. وَإِذَا كَانَتْ أَحَادِيثُ الْبَابِ الْوَاحِدِ مُتَّصِلَةً مُتَعَاضِدَةً عَلَى هَذَا النَّمَطِ، أَفَادَتِ الْحُجَّةَ عِنْدَ النَّاظِرِ فِيهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ، فَلَا شَكَّ أَنَّهَا
[ ٢ / ٣٦٧ ]
دَارُ جَزَاءٍ، وَلَا يُنَافِي التَّكْلِيفَ فِي عَرَصَاتِهَا قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ. كَمَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنَ امْتِحَانِ الْأَطْفَالِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا: «أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ الْمُنَافِقَ لَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ،
وَيَعُودُ ظَهْرُهُ كَالصَّفِيحَةِ الْوَاحِدَةِ طَبَقًا وَاحِدًا، كُلَّمَا أَرَادَ السُّجُودَ خَرَّ لِقَفَاهُ» (١) . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي الرَّجُلِ الَّذِي يَكُونُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا: «أَنَّ اللَّهَ يَأْخُذُ عُهُودَهُ وَمَوَاثِيقَهُ أَلَّا يَسْأَلَ غَيْرَ مَا هُوَ فِيهِ، وَيَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنْهُ، وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا بن آدم، مَا أغدرك ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ» (٢) .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَكَيْفَ يُكَلِّفُهُمُ اللَّهُ دُخُولَ النَّارِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي وُسْعِهِمْ؟ فَلَيْسَ هَذَا بِمَانِعٍ مِنْ صِحَّةِ الْحَدِيثِ. فَإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ وَهُوَ جِسْرٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ أَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ وَأَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ عَلَيْهِ بِحَسْبِ أَعْمَالِهِمْ، كَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَمِنْهُمُ السَّاعِي، وَمِنْهُمُ الْمَاشِي، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْبُو حَبْوًا، وَمِنْهُمُ الْمَكْدُوسُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ. وَلَيْسَ مَا وَرَدَ فِي أُولَئِكَ بِأَعْظَمَ مِنْ هَذَا، بَلْ هَذَا أَطَم وَأعظم!
وَأَيْضًا: فَقَدْ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ بِأَنَّ الدَّجَّالَ يَكُونُ مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ، وَقَدْ أَمَرَ الشَّارِعُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يُدْرِكُونَهُ أَنْ يَشْرَبَ أَحَدُهُمْ مِنَ الَّذِي يرى أَنه نَار فَإِنَّهُ
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (٦/٢٧٠٤) (٧٠٠٠)، وَمُسلم (١/١٦٧) (١٨٣) مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ - ﵁ -.
(٢) - أخرجه البُخَارِيّ (٥/٢٤٠٣) (٦٢٠٤)، وَمُسلم (١/١٦٣) (١٨٢) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -.
[ ٢ / ٣٦٨ ]
يَكُونُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا (١) . فَهَذَا نَظِيرُ ذَلِكَ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسَهُمْ، فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى قَتَلُوا فِيمَا قِيلَ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعِينَ أَلْفًا، يَقْتُلُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأَخَاهُ، وَهُمْ فِي عَمَايَةِ غَمَامَةٍ أَرْسَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ عُقُوبَةٌ لَهُمْ عَلَى عِبَادَةِ الْعِجْلِ (٢) . وَهَذَا أَيْضًا شَاقٌّ عَلَى النُّفُوسِ جِدًّا لَا يَتَقَاصَرُ عَمَّا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ كَثِيرٍ بِلَفْظِهِ.
وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا قَبْلَ هَذَا الْكَلَامِ بِقَلِيلٍ مَا نَصُّهُ: وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي عَرَصَاتِ الْمَحْشَرِ، فَمَنْ أَطَاعَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَانْكَشَفَ عِلْمُ اللَّهِ فِيهِ بِسَابِقِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ عَصَى دَخَلَ النَّارَ دَاخِرًا، وَانْكَشَفَ عِلْمُ اللَّهِ فِيهِ بِسَابِقِ الشَّقَاوَةِ (٣) .
وَهَذَا الْقَوْلُ يَجْمَعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا، وَقَدْ صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ الْمُتَعَاضِدَةُ، الشَّاهِدُ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحسن عَليّ بن إِسْمَاعِيل الْأَشْعَرِيّ
_________________
(١) - أخرجه البُخَارِيّ (٣/١٢٧٢) (٣٢٦٦)، وَمُسلم (٤/٢٢٤٨) (٢٩٣٤) من حَدِيث حُذَيْفَة ﵁.
(٢) - انْظُر الْآثَار الْوَارِدَة فِي ذَلِك فِي " تَفْسِير الطَّبَرِيّ" (١/٢٨٦) .
(٣) - أخرج أَحْمد (٤/٢٤) عَن الْأسود بن سريع أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿أَرْبَعَة يَوْم الْقِيَامَة رجل أَصمّ لَا يسمع شَيْئا وَرجل أَحمَق وَرجل هرم وَرجل مَاتَ فِي فَتْرَة فَأَما الْأَصَم فَيَقُول رب لقد جَاءَ الْإِسْلَام وَمَا أسمع شَيْئا وَأما الأحمق فَيَقُول رب لقد جَاءَ الْإِسْلَام وَالصبيان يحذفوني بالبعر وَأما الْهَرم فَيَقُول رَبِّي لقد جَاءَ الْإِسْلَام وَمَا أَعقل شَيْئا وَأما الَّذِي مَاتَ فِي الفترة فَيَقُول رب مَا أَتَانِي لَك رَسُول فَيَأْخُذ مواثيقهم ليطيعنه فَيُرْسل إِلَيْهِم أَن أدخلُوا النَّار قَالَ فوالذي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَو دخلوها لكَانَتْ عَلَيْهِم بردا وَسلَامًا﴾، وَأخرج نَحوه عَن أبي هُرَيْرَة، والْحَدِيث صَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ - فِي الصَّحِيحَة (١٤٣٤)، وَهُوَ فصل النزاع فِي هَذِه الْمَسْأَلَة.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ (الِاعْتِقَادِ) وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ مُحَقِّقِي الْعُلَمَاءِ وَالْحُفَّاظِ وَالنُّقَّادِ. انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ وَاضِحٌ جِدًّا فِيمَا ذَكَرْنَا.
الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَاجِبٌ مَتَى مَا أَمْكَنَ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ إِعْمَالَ الدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاءِ أَحَدِهِمَا، وَلَا وَجْهَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ إِلَّا هَذَا الْقَوْلُ بِالْعُذْرِ وَالِامْتِحَانِ، فَمَنْ دَخَلَ النَّارَ فَهُوَ الَّذِي لَمْ يَمْتَثِلْ مَا أَمَرَ بِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الِامْتِحَانِ، وَيَتَّفِقُ بِذَلِكَ جَمِيعُ الْأَدِلَّةِ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَلَا يَخْفَى أَنَّ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ لَا دَارُ عَمَلٍ لَا يَصِحُّ أَنْ تَرِدَ بِهِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ الثَّابِتَةُ عَنِ النَّبي ﷺ. كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي كِتَابِنَا (دَفْعُ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكتاب) .] (١) .
_________________
(١) - ٣/٤٢٩: ٤٤٠، بني إِسْرَائِيل / ١٥، وَانْظُر أَيْضا (٢/١٦٨) (الْأَنْعَام/١٩) .
[ ٢ / ٣٧٠ ]
فصل فِي الحاكمية
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الْآيَةَ، أَمَرَ اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَنَازَعَ فِيهِ النَّاسُ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ أَنْ يُرَدَّ التَّنَازُعُ فِي ذَلِكَ إِلَى كِتَابِ اللَّه وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وَأَوْضَحَ هَذَا الْمَأْمُورَ بِهِ هُنَا بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْء فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، وَيُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّحَاكُمُ إِلَى غَيْرِ كِتَابِ اللَّه وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَقَدْ أَوْضَحَ تَعَالَى هَذَا الْمَفْهُومَ مُوَبِّخًا لِلْمُتَحَاكِمِينَ إِلَى غَيْرِ كِتَابِ اللَّه وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ مُبَيِّنًا أَنَّ الشَّيْطَانَ أَضَلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا عَنِ الْحَقِّ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ﴾، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَا يؤمنْ أَحَدٌ حَتَّى يَكْفُرَ بِالطَّاغُوتِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ .
وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ لَمْ يَسْتَمْسِكْ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى فَهُوَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ الْإِيمَانَ باللَّه هُوَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، وَالْإِيمَانُ بِالطَّاغُوتِ يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ الْإِيمَانِ باللَّه؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ شَرْطٌ فِي الْإِيمَانِ باللَّه أَوْ رُكْنٌ مِنْهُ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ .] (١) .
- وَقد فصَّل أَيْضا - ﵀ - القَوْل عِنْد قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدا﴾، وبيَّن أَن الحكم لَا يكون إِلَّا لله، وَأخذ يَسُوق الْآيَات الدَّالَّة على ذَلِك، ثمَّ بيَّن أَنَّ مُتَّبِعِي أَحْكَامِ الْمُشَرِّعِينَ غَيْرِ مَا شَرَعَهُ الله أَنهم مشركون بِاللَّه فَقَالَ: [قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ . قَرَأَ
_________________
(١) - ١/٢٩٢، ٢٩٣، النِّسَاء / ٥٩.
[ ٢ / ٣٧١ ]
هَذَا الْحَرْفَ عَامَّةُ السَّبْعَةِ مَا عَدَا ابْنَ عَامِرٍ «وَلَا يُشْرِكُ» بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ، وَضَمِّ الْكَافِ عَلَى الْخَبَرِ، وَلَا نَافِيَةٌ وَالْمَعْنَى: وَلَا يُشْرِكُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا أَحَدًا فِي حُكْمِهِ، بَلِ الْحُكْمُ لَهُ وَحْدَهُ جَلَّ وَعَلَا لَا حُكْمَ لِغَيْرِهِ أَلْبَتَّةَ، فَالْحَلَالُ مَا أَحَلَّهُ تَعَالَى، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ، وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ، وَالْقَضَاءُ مَا قَضَاهُ.
وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ مِنَ السَّبْعَةِ. «وَلَا تُشْرِكْ» بِضَمِّ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الْكَافِ بِصِيغَةِ النَّهْيِ، أَيْ لَا تُشْرِكْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَوْ لَا تُشْرِكْ أَيُّهَا الْمُخَاطَبُ أَحَدًا فِي حُكْمِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، بَلْ أَخْلِصِ الْحُكْمَ لِلَّهِ مِنْ شَوَائِبِ شِرْكِ غَيْرِهِ فِي الْحُكْمِ.
وَحُكْمُهُ جَلَّ وَعَلَا الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ شَامِلٌ لِكُلِّ مَا يَقْضِيهِ جَلَّ وَعَلَا. وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ التَّشْرِيعُ دُخُولًا أَوَّلِيًّا.
وَمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ كَوْنِ الْحُكْمِ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ عَلَى كِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ يابَنِىَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ للَّهِ الْعَلِىِّ الْكَبِيرِ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِى الاٍّولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا وَهُوَ الَّذِى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَيُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ كَقَوْلِهِ ﴿وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ أَنَّ مُتَّبِعِي أَحْكَامِ الْمُشَرِّعِينَ غَيْرِ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ أَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
وَهَذَا الْمَفْهُومُ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ. كَقَوْلِهِ فِيمَنِ اتَّبَعَ تَشْرِيعَ الشَّيْطَانِ فِي إِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ بِدَعْوَى أَنَّهَا ذَبِيحَةُ اللَّهِ: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّه لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ فَصَرَّحَ بِأَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ بِطَاعَتِهِمْ. وَهَذَا الْإِشْرَاكُ فِي الطَّاعَةِ، وَاتِّبَاعِ التَّشْرِيعِ الْمُخَالِفِ لِمَا شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُرَادُ بِعِبَادَةِ الشَّيْطَانِ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يابَنِى آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِى هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ نَبِيِّهِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿ياأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾ أَيْ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا شَيْطَانًا، أَيْ وَذَلِكَ بِاتِّبَاعِ تَشْرِيعِهِ؛ وَلِذَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ يُطَاعُونَ فِيمَا زَيَّنُوا مِنَ الْمَعَاصِي شُرَكَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ . وَقَدْ بَيَّنَ النَّبي ﷺ هَذَا لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ فَبَيَّنَ لَهُ إِنَّهُمْ أَحَلُّوا لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَاتَّبَعُوهُمْ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ اتِّخَاذُهُمْ إِيَّاهُمْ أَرْبَابًا (١) .
وَمِنْ أَصْرَحِ الْأَدِلَّةِ فِي هَذَا: أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ بَيَّنَ أَنَّ مَنْ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى غَيْرِ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ يَتَعَجَّبُ مِنْ زَعْمِهِمْ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّ دَعْوَاهُمُ الْإِيمَانَ مَعَ إِرَادَةِ التَّحَاكُمِ إِلَى الطَّاغُوتِ بَالِغَةٌ مِنَ الْكَذِبِ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْعَجَبُ. وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ
_________________
(١) - أخرجه التِّرْمِذِيّ (٥/٢٧٨) (٣٠٩٥) من حَدِيث عدي، والْحَدِيث حسنه الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ .
وَبِهَذِهِ النُّصُوصِ السَّمَاوِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا يَظْهَرُ غَايَةَ الظُّهُورِ: أَنَّ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْقَوَانِينَ الْوَضْعِيَّةَ الَّتِي شَرَعَهَا الشَّيْطَانُ عَلَى أَلْسِنَةِ أَوْلِيَائِهِ مُخَالَفَةً لِمَا شَرَعَهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ لَا يَشُكُّ فِي كُفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ إِلَّا مَنْ طَمَسَ اللَّهُ بصيرته، وأعماه عَن نور الْوَحْي مثلهم.] (١) .
وَقَالَ أَيْضا: [اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ، يَجِبُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، تَأَمُّلُ هَذِهِ الْآيَاتِ، مِنْ سُورَةِ مُحَمَّد - أَي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّواْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ - وَتَدَبُّرِهَا، وَالْحَذَرُ التَّامُّ مِمَّا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَنْتَسِبُونَ لِلْمُسْلِمِينَ دَاخِلُونَ بِلَا شَكٍّ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ؛ لِأَنَّ عَامَّةَ الْكُفَّارِ مِنْ شَرْقِيِّينَ وَغَرْبِيِّينَ كَارِهُونَ لِمَا نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُوَ هَذَا الْقُرْآنُ وَمَا يُبَيِّنُهُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ السُّنَنِ.
فَكُلُّ مَنْ قَالَ لِهَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ الْكَارِهِينَ لِمَا نَزَّلَهُ اللَّهُ: سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي وَعِيدِ الْآيَةِ.
وَأَحْرَى مِنْ ذَلِكَ مِنْ يَقُولُ لَهُمْ: سَنُطِيعُكُمْ فِي الْأَمر كَالَّذِين يتبعُون
_________________
(١) - ٤/٩٠: ٩٢، الْكَهْف / ٢٦.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
الْقَوَانِينَ الْوَضْعِيَّةَ مُطِيعِينَ بِذَلِكَ لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَا شَكَّ أَنَّهُمْ مِمَّنْ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ، وَأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ، وَأَنَّهُ مُحْبِطٌ أَعْمَالَهُمْ.
فَاحْذَرْ كُلَّ الْحَذَرِ مِنَ الدُّخُولِ فِي الَّذِينَ قَالُوا: سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ.] (١) .
- وَقَالَ أَيْضا مُبينًا صِفَات من يسْتَحق أَن يكون لَهُ الحكم: [قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ . مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنْ أَنَّ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ مِنَ الْأَحْكَامِ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ، لَا إِلَى غَيْرِهِ، جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَة.
فَالْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ فِي حُكْمِهِ كَالْإِشْرَاكِ بِهِ فِي عِبَادَتِهِ قَالَ فِي حُكْمِهِ ﴿وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا﴾، وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ مِنَ السَّبْعَة ﴿وَلاَ تُشْرِكُواْ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ بِصِيغَةِ النَّهْيِ.
وَقَالَ فِي الْإِشْرَاك بِهِ فِي عِبَادَته: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا﴾، فَالْأَمْرَانِ سَوَاءٌ كَمَا تَرَى إِيضَاحَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ الْحَلَالَ هُوَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ، وَالْحَرَامَ هُوَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ، وَالدِّينَ هُوَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ، فَكُلُّ تَشْرِيعٍ مَنْ غَيْرِهِ بَاطِلٌ، وَالْعَمَلُ بِهِ بَدَلَ تَشْرِيعِ اللَّهِ عِنْدَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِثْلُهُ أَوْ خَيْرٌ مِنْهُ، كُفْرُ بَوَاحٍ لَا نِزَاعَ فِيهِ.
وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، عَلَى أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَأَنَّ اتِّبَاعَ تَشْرِيعِ غَيْرِهِ كُفْرٌ بِهِ، فَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لِلَّهِ وَحْدَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ
_________________
(١) - ٧/٥٨٤: ٥٩٠، مُحَمَّد / ٢٥: ٢٨.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأولئك هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِى الاٍّولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ
تُرْجَعُونَ﴾ وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا إِيضَاحَهَا فِي سُورَةِ الْكَهْفِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ .
وَأَمَّا الْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ اتِّبَاعَ تَشْرِيعِ غَيْرِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ كُفْرٌ فَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾، وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يابَنِى آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشَّيطَانَ﴾، وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ فِي الْكَهْفِ.
مَسْأَلَةٌ
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا بَيَّنَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، صِفَاتِ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ لَهُ، فَعَلَى كُلِّ عَاقِلٍ أَنْ يَتَأَمَّلَ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةَ، الَّتِي سَنُوَضِّحُهَا الْآنَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَيُقَابِلَهَا مَعَ صِفَاتِ الْبَشَرِ الْمُشَرِّعِينَ لِلْقَوَانِينِ الْوَضْعِيَّةِ، فَيَنْظُرُ هَلْ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ صِفَاتُ مَنْ لَهُ التَّشْرِيعُ.
سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَتْ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ وَلَنْ تَكُونَ، فَلْيَتَّبِعْ تَشْرِيعَهُمْ.
وَإِنْ ظَهَرَ يَقِينًا أَنَّهُمْ أَحْقَرُ وَأَخَسُّ وَأَذَلُّ وَأَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَلْيَقِفْ بِهِمْ عِنْدَ حَدِّهِمْ، وَلَا يُجَاوِزْهُ بِهِمْ إِلَى مَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
﷾ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فِي عِبَادَتِهِ، أَوْ حُكْمِهِ أَوْ مُلْكِهِ.
فَمِنَ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الَّتِي أَوْضَحَ بِهَا تَعَالَى صِفَاتِ مِنْ لَهُ الْحُكْمُ وَالتَّشْرِيعُ قَوْلُهُ هُنَا: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ
مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، ثُمَّ قَالَ مُبَيِّنًا صِفَاتِ مَنْ لَهُ الْحُكْمُ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ فَاطِرُ السَّمَوَات وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
فَهَلْ فِي الْكَفَرَةِ الْفَجَرَةِ الْمُشَرِّعِينَ لِلنُّظُمِ الشَّيْطَانِيَّةِ، مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ الرَّبُّ الَّذِي تُفَوَّضُ إِلَيْهِ الْأُمُورُ، وَيُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَيْ خَالِقُهُمَا وَمُخْتَرِعُهُمَا، عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لِلْبَشَرِ أَزْوَاجًا، وَخَلَقَ لَهُمْ أَزْوَاجَ الْأَنْعَامِ الثَّمَانِيَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾، وَأَنَّهُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وَأَنا ﴿لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَات وَالاْرْضِ﴾، وَأَنَّهُ ﴿هُوَ الَّذِى يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ﴾ أَيْ يُضَيِّقُهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ﴿وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ﴾ .
فَعَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ أَنْ تَتَفَهَّمُوا صِفَاتِ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُشَرِّعَ وَيُحَلِّلَ وَيُحَرِّمَ، وَلَا تَقْبَلُوا تَشْرِيعًا مِنْ كَافِرٍ خَسِيسٍ حَقِيرٍ جَاهِلٍ.
وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، فَقَوْلُهُ فِيهَا: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ كَقَوْلِهِ فِي هَذِهِ ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ .
وَقَدْ عَجِبَ نَبِيُّهُ ﷺ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ مِنَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الْإِيمَانَ مَعَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْمُحَاكَمَةَ، إِلَى مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِصِفَاتِ من لَهُ
[ ٢ / ٣٧٧ ]
الْحُكْمُ، الْمُعَبَّرِ عَنْهُ فِي الْآيَةِ بِالطَّاغُوتِ، وَكُلُّ تَحَاكُمٍ إِلَى غَيْرِ شَرْعِ اللَّهِ فَهُوَ تَحَاكُمٌ إِلَى الطَّاغُوتِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ .
فَالْكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ، الَّذِي صَرَّحَ اللَّهُ بِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، شَرْطٌ فِي الْإِيمَانِ كَمَا بَيَّنَهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ .
فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ لَمْ يَتَمَسَّكْ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَمَنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ بِهَا فَهُوَ مُتَرَدٍّ مَعَ الْهَالِكِينَ.
وَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِىٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ .
فَهَلْ فِي الْكَفَرَةِ الْفَجَرَةِ الْمُشَرِّعِينَ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّ لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؟ وَأَنْ يُبَالَغَ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ لِإِحَاطَةِ سَمْعِهِ بِكُلِّ الْمَسْمُوعَاتِ وَبَصَرِهِ بِكُلِّ الْمُبْصَرَاتِ؟
وَأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ دُونَهُ مِنْ وَلِيٍّ؟
﷾ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا؟
وَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .
فَهَلْ فِي الْكَفَرَةِ الْفَجَرَةِ الْمُشَرِّعِينَ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ الْإِلَهُ الْوَاحِدُ؟ وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ؟ وَأَنَّ الْخَلَائِقَ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ؟
[ ٢ / ٣٧٨ ]
تَبَارَكَ رَبُّنَا وَتَعَاظَمَ وَتَقَدَّسَ أَنْ يُوصَفَ أَخَسُّ خَلْقِهِ بِصِفَاتِهِ.
وَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ للَّهِ الْعَلِىِّ الْكَبِيرِ﴾ .
فَهَلْ فِي الْكَفَرَةِ الْفَجَرَةِ الْمُشَرِّعِينَ النُّظُمَ الشَّيْطَانِيَّةَ، مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ فِي أَعْظَمِ كِتَابٍ سَمَاوِيٍّ، بِأَنَّهُ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ؟
سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِكَمَالِكَ وَجَلَالِكَ.
وَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِى الاٍّولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ .
فَهَلْ فِي مُشَرِّعِي الْقَوَانِينِ الْوَضْعِيَّةِ، مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّ لَهُ الْحَمْدَ فِي الْأَوْلَى وَالْآخِرَةِ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُصَرِّفُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ مُبَيِّنًا بِذَلِكَ كَمَالَ قُدْرَتِهِ، وَعَظَمَةَ إِنْعَامِهِ عَلَى خَلْقِهِ.
سُبْحَانَ خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، جَلَّ وَعَلَا أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فِي حُكْمِهِ أَوْ عِبَادَتِهِ، أَوْ مُلْكِهِ.
وَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكن أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ .
فَهَلْ فِي أُولَئِكَ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ هُوَ الْإِلَهُ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ، وَأَنَّ عِبَادَتَهُ وَحْدَهُ هِيَ الدِّينُ الْقَيِّمُ؟
[ ٢ / ٣٧٩ ]
سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ .
فَهَلْ فِيهِمْ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وَتُفَوِّضَ الْأُمُورُ إِلَيْهِ؟
وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ .
فَهَلْ فِي أُولَئِكَ الْمُشَرِّعِينَ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّ حُكْمَهُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِاتِّبَاعِ الْهَوَى؟ وَأَنَّ مَنْ تَوَلَّى عَنْهُ أَصَابَهُ اللَّهُ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِ؟ لِأَنَّ الذُّنُوبَ لَا يُؤَاخَذُ بِجَمِيعِهَا إِلَّا فِي الْآخِرَةِ؟ وَأَنَّهُ لَا حُكْمَ أَحْسَنُ مِنْ حُكْمِهِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ؟
سُبْحَانَ رَبِّنَا وَتَعَالَى عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ .
فَهَلْ فِيهِمْ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ يَقُصُّ الْحَقَّ، وَأَنَّهُ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ؟
وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا وَهُوَ الَّذِى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ .
فَهَلْ فِي أُولَئِكَ الْمَذْكُورِينَ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ هَذَا الْكِتَابَ مُفَصَّلًا، الَّذِي يَشْهَدُ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ، وَبِأَنَّهُ تَمَّتْ كَلِمَاتُهُ صِدْقًا وَعَدْلًا أَيْ صِدْقًا فِي الْأَخْبَارِ، وَعَدْلًا فِي الْأَحْكَامِ، وَأَنَّهُ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم؟
[ ٢ / ٣٨٠ ]
سُبْحَانَ رَبِّنَا مَا أَعْظَمَهُ وَمَا أَجَلَّ شَأْنَهُ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ .
فَهَلْ فِي أُولَئِكَ الْمَذْكُورِينَ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الرِّزْقَ لِلْخَلَائِقِ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَحْلِيلٌ وَلَا تَحْرِيمٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ؟ لِأَنَّ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنَّ مَنْ خَلَقَ الرِّزْقَ وَأَنْزَلَهُ هُوَ الَّذِي لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ؟
سُبْحَانَهُ جَلَّ وَعَلَا أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأولئك هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ .
فَهَلْ فِيهِمْ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْوَصْفَ بِذَلِكَ؟
سُبْحَانَ رَبِّنَا وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهذا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
فَقَدْ أَوْضَحَتِ الْآيَةُ أَنَّ الْمُشَرِّعِينَ غَيْرَ مَا شَرَّعَهُ اللَّهُ إِنَّمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ، لِأَجْلِ أَنْ يَفْتَرُوهُ عَلَى اللَّهِ، وَأَنَّهُمْ لَا يُفْلِحُونَ وَأَنَّهُمْ يُمَتَّعُونَ قَلِيلًا ثُمَّ يُعَذَّبُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ، وَذَلِكَ وَاضِحٌ فِي بُعْدِ صِفَاتِهِمْ مِنْ صِفَاتِ مَنْ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَ وَيُحَرِّمَ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ .
فَقَوْلُهُ: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ﴾ صِيغَةُ تَعْجِيزٍ، فَهُمْ عَاجِزُونَ عَنْ بَيَانِ مُسْتَنَدِ
[ ٢ / ٣٨١ ]
التَّحْرِيمِ. وَذَلِكَ وَاضِحٌ فِي أَنَّ غَيْرَ اللَّهِ لَا يَتَّصِفُ بِصِفَاتِ التَّحْلِيلِ وَلَا التَّحْرِيمِ، وَلَمَّا كَانَ التَّشْرِيعُ وَجَمِيعُ الْأَحْكَامِ، شَرْعِيَّةً كَانَتْ أَوْ كَوْنِيَّةً قَدَرِيَّةً، مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ الْمَذْكُورَةُ كَانَ كُلُّ مَنِ اتَّبَعَ تَشْرِيعًا غَيْرَ تَشْرِيعِ اللَّهِ قَدِ اتَّخَذَ ذَلِكَ الْمُشَرِّعَ رَبًّا، وَأَشْرَكَهُ مَعَ اللَّهِ.
وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى هَذَا كَثِيرَةٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهَا مِرَارًا وَسَنُعِيدُ مِنْهَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، فَمِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ أَوْضَحِهِ وَأَصْرِحِهِ، أَنَّهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَعَتْ مُنَاظَرَةٌ بَيْنَ حِزْبِ الرَّحْمَنِ، وَحِزْبِ الشَّيْطَانِ، فِي حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ وَحِزْبُ الرَّحْمَنِ يَتَّبِعُونَ تَشْرِيعَ الرَّحْمَنِ، فِي وَحْيِهِ فِي تَحْرِيمِهِ، وَحِزْبُ الشَّيْطَانِ يَتَّبِعُونَ وَحْيَ الشَّيْطَانِ فِي تَحْلِيلِهِ.
وَقَدْ حَكَمَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا وَأَفْتَى فِيمَا تَنَازَعُوا فِيهِ فَتْوَى سَمَاوِيَّةً قُرْآنِيَّةً تُتْلَى فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ.
وَذَلِكَ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَمَّا أَوْحَى إِلَى أَوْلِيَائِهِ فَقَالَ لَهُمْ فِي وَحْيِهِ: سَلُوا مُحَمَّدًا عَنِ الشَّاةِ تُصْبِحُ مَيْتَةً مَنْ هُوَ الَّذِي قَتَلَهَا؟ فَأَجَابُوهُمْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي قَتَلَهَا.
فَقَالُوا: الْمَيْتَةُ إِذًا ذَبِيحَةُ اللَّهِ، وَمَا ذَبَحَهُ اللَّهُ كَيْفَ تَقُولُونَ إِنَّهُ حَرَامٌ؟ مَعَ أَنَّكُمْ تَقُولُونَ إِنَّمَا ذَبَحْتُمُوهُ بِأَيْدِيكُمْ حَلَالٌ، فَأَنْتُمْ إِذًا أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ وَأَحَلُّ ذَبِيحَةً.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ بِإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (١) يَعْنِي الْمَيْتَةَ أَيْ وَإِنْ زَعَمَ الْكُفَّارُ أَنَّ اللَّهَ ذَكَّاهَا بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ بِسِكِّينٍ مِنْ ذهب: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ وَالضَّمِير عَائِد إِلَى
_________________
(١) أخرجه أَبُو دَاوُد (٢/١١١) (٢٨١٨)، وَالنَّسَائِيُّ (٧/٢٣٧) (٤٤٣٧)، وَابْنُ مَاجَهْ (٢/١٠٥٩) (٣١٧٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بِهِ، والْحَدِيث صَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ -.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
الْأَكْلِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿لَفِسْقٌ﴾ أَيْ خُرُوجٌ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ، وَاتِّبَاعٌ لِتَشْرِيعِ الشَّيْطَانِ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ . أَيْ بِقَوْلِهِمْ: مَا ذَبَحْتُمُوهُ حَلَالٌ وَمَا ذَبَحَهُ اللَّهُ حَرَامٌ، فَأَنْتُمْ إِذا أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ، وَأَحَلُّ تَذْكِيَةً، ثُمَّ بَيَّنَ الْفَتْوَى السَّمَاوِيَّةِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ فَهِيَ فَتْوَى سَمَاوِيَّةٌ مِنَ الْخَالِقِ جَلَّ وَعَلَا صَرَّحَ فِيهَا بِأَنَّ مُتَّبِعَ تَشْرِيعِ الشَّيْطَانِ الْمُخَالِفِ لِتَشْرِيعِ الرَّحْمَنِ مُشْرِكٌ بِاللَّهِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مَثَّلَ بِهَا بَعْضُ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ لِحَذْفِ اللَّامِ الْمُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى اللَّامِ الْمُوَطِّئَةِ الْمَحْذُوفَةِ عَدَمُ اقْتِرَانِ جُمْلَةِ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ بِالْفَاءِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ شَرْطًا لَمْ يَسْبِقْهُ قَسَمٌ لَقِيلَ: فَإِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ فِي الْخُلَاصَةِ:
وَاقرُنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَو جُعِلْ شَرْطًا لِأَنْ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَنْجَعِلْ
وَهُوَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَحَذْفُ الْفَاءِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
وَمَا زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَأَنَّ ذَلِكَ دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَتَانِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ.
إِحْدَاهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ .
وَالثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ بِحَذْفِ الْفَاءِ فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ وَابْنِ عَامِرٍ مِنَ السَّبْعَةِ خِلَافُ التَّحْقِيقِ.
بَلِ الْمُسَوِّغُ لِحَذْفِ الْفَاءِ فِي آيَةِ: ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ تَقْدِيرُ الْقَسَمِ الْمَحْذُوفِ قَبْلَ الشَّرْطِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِحَذْفِ الْفَاءِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ فِي الْخُلَاصَةِ:
[ ٢ / ٣٨٣ ]
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمٍ جَوَابَ مَا أَحْرَتْ فَهُوَ مُلْتَزَمْ
وَعَلَيْهِ: فَجُمْلَةُ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ جَوَابُ الْقَسَمِ الْمُقَدَّرِ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ فَلَا دَلِيل فِي الْآيَة لحذف الْفَاء الْمَذْكُور.
وَالْمُسَوِّغُ لَهُ فِي آيَةِ ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم﴾ أَنَّ مَا فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ وَابْنِ عَامِرٍ مَوْصُولَةٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، أَيْ وَالَّذِي أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ كَائِنٌ وَوَاقِعٌ بِسَبَبِ مَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ.
وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ: فَمَا مَوْصُولَةٌ أَيْضًا، وَدُخُولُ الْفَاءِ فِي خَبَرِ الْمَوْصُولِ جَائِزٌ كَمَا أَنَّ عَدَمَهُ جَائِزٌ فَكِلْتَا الْقِرَاءَتَيْنِ جَارِيَةٌ عَلَى أَمْرٍ جَائِزٍ.
وَمِثَالُ دُخُولِ الْفَاءِ فِي خَبَرِ الْمَوْصُولِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُم عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ مَا فِي قراء الْجُمْهُورِ شَرْطِيَّةٌ، وَعَلَيْهِ فَاقْتِرَانُ الْجَزَاءِ بِالْفَاءِ وَاجِبٌ أَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ نَافِعٍ وَابْنِ عَامِرٍ، فَهِيَ مَوْصُولَةٌ لَيْسَ إِلَّا كَمَا هُوَ التَّحْقِيقُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَكَوْنُ مَا شَرْطِيَّةً عَلَى قِرَاءَةٍ وَمَوْصُولَةً عَلَى قِرَاءَةٍ لَا إِشْكَالَ فِيهِ. لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْقِرَاءَتَيْنِ فِي الْآيَةِ الْوَاحِدَةِ كَالْآيَتَيْنِ.
وَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نَحْوِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ الْأَنْعَامِ الْمَذْكُورَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾، فَصَرَّحَ بِتَوَلِّيهِمْ لِلشَّيْطَانِ أَيْ بِاتِّبَاعِ مَا يُزَيِّنُ لَهُمْ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي مُخَالِفًا لِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، ثُمَّ صَرَّحَ بِأَنَّ ذَلِكَ إِشْرَاكٌ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ وَصَرَّحَ أَنَّ الطَّاعَةَ فِي ذَلِكَ الَّذِي يُشَرِّعُهُ الشَّيْطَانُ لَهُمْ وَيُزَيِّنُهُ عِبَادَةٌ لِلشَّيْطَانِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ عَبَدَ الشَّيْطَانَ فَقَدْ أَشْرَكَ بِالرَّحْمَنِ قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ
[ ٢ / ٣٨٤ ]
إِلَيْكُمْ يابَنِى آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِى هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًاّ كَثِيرًا﴾، وَيدخل فيهم متبعوا نِظَامِ الشَّيْطَانِ دُخُولًا أَوْلِيَاءُ ﴿أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ﴾ .
ثُمَّ بَيَّنَ الْمَصِيرَ الْأَخِيرَ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّيْطَانَ فِي دَارِ الدُّنْيَا، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: عَن نبيه إِبْرَاهِيم ﴿ياأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرحمن عَصِيًّا﴾ فَقَوْلُهُ: لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ: أَيْ بِاتِّبَاعِ مَا يُشَرِّعُهُ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي، مُخَالِفًا لِمَا شَرَعَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا﴾ يَعْنِي مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ﴾ .
فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ أَيْ يَتَّبِعُونَ الشَّيَاطِينَ وَيُطِيعُونَهُمْ فِيمَا يُشَرِّعُونَ وَيُزَيِّنُونَ لَهُمْ، مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي عَلَى أَصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ.
وَالشَّيْطَانُ عَالِمٌ بِأَنَّ طَاعَتَهُمْ لَهُ الْمَذْكُورَةَ إِشْرَاكٌ بِهِ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ وَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِىَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنِّى كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ فَقَدِ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُشْرِكِينَ بِهِ مِنْ قَبْلُ أَيْ فِي دَارِ الدُّنْيَا، وَلَمْ يَكْفُرْ بِشِرْكِهِمْ ذَلِكَ إِلَّا يَوْم الْقِيَامَة.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
وَقَدْ أَوْضَحَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْمَعْنى الَّذِي بَيْننَا فِي الْحَدِيثِ لَمَّا سَأَلَهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ ﵁ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ كَيْفَ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا؟ وَأَجَابَهُ ﷺ «إِنَّهُمْ أَحَلُّوا لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَاتَّبَعُوهُمْ، وَبِذَلِكَ الِاتِّبَاعِ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا» (١) .
وَمِنْ أَصْرَحِ الْأَدِلَّةِ فِي هَذَا أَنَّ الْكُفَّارَ إِذَا أَحَلُّوا شَيْئًا، يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُ وَحَرَّمُوا شَيْئًا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّهُ، فَإِنَّهُمْ يَزْدَادُونَ كُفْرًا جَدِيدًا بِذَلِكَ، مَعَ كُفْرِهِمُ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النَّسِىءُ زِيَادَةٌ فِى الْكُفْرِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ .
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَطَاعَ غَيْرَ اللَّهِ، فِي تَشْرِيعٍ مُخَالِفٍ لِمَا شَرَعَهُ اللَّهُ، فَقَدْ أَشْرَكَ بِهِ مَعَ اللَّهِ كَمَا يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَكَذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ فَسَمَّاهُمْ شُرَكَاءَ لَمَّا أَطَاعُوهُمْ فِي قَتْلِ الْأَوْلَادِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ فَقَدْ سَمَّى تَعَالَى الَّذِينَ يُشَرِّعُونَ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ شُرَكَاءَ، وَمِمَّا يَزِيدُ ذَلِكَ إِيضَاحًا، أَنَّ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنِ الشَّيْطَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنْ أَنَّهُ يَقُولُ لِلَّذِينِ كَانُوا يُشْرِكُونَ بِهِ فِي دَارِ الدُّنْيَا، إِنِّي كفرت بِمَا أشركتمون مِنْ قَبْلُ، أَنَّ ذَلِكَ الْإِشْرَاكَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ زَائِدٌ عَلَى أَنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ فَاسْتَجَابُوا لَهُ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْهُ: ﴿وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى﴾، وَهُوَ وَاضح كَمَا ترى.] (٢) .
_________________
(١) - سبق تَخْرِيجه آنِفا.
(٢) - ٧/١٦٢: ١٧٣، الشورى/١٠.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
- وَقْفَة مَعَ آيَات الْمَائِدَة وَبَيَان حكم من لم يحكم بِمَا أنزل الله.
[قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأولئك هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ .
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: هَلْ هِيَ فِي الْمُسْلِمِينَ، أَوْ فِي الْكُفَّارِ، فَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهَا فِي الْمُسْلِمِينَ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا فِي الْيَهُودِ، وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ أَيْضًا أَنَّهَا فِي الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكُفْرِ فِيهَا كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْكُفْرَ الْمُخْرِجَ مِنَ الْمِلَّةِ، وروِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ الْكُفْرَ الَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ (١)، رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فِي الْيَهُودِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ فِيمَا قَبْلَهَا أَنَّهُمْ ﴿يُحَرّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ يَعْنِي الْحُكْمَ الْمُحَرَّفَ الَّذِي هُوَ غَيْرُ حُكْمِ اللَّهِ ﴿فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ﴾ أَيِ الْمُحَرَّفَ، بَلْ أُوتِيتُمْ حُكْمَ اللَّهِ الْحَقَّ ﴿فَاحْذَرُواْ﴾ فَهُمْ يَأْمُرُونَ بِالْحَذَرِ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي يَعْلَمُونَ أَنَّهُ حَقٌّ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى بَعْدَهَا ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِيهِمْ، وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّ الْآيَةَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو مِجْلَزٍ، وَأَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ، وَعِكْرِمَةُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَزَادَ الْحَسَنُ، وَهِيَ عَلَيْنَا وَاجِبَةٌ نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَنَقَلَ نَحْو
_________________
(١) - أخرجه الْحَاكِم (٢/٣٤٢) (٣٢١٩)، وَصَححهُ على شَرطهمَا، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيّ، وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ (٨/٢٠)، والْحَدِيث صَححهُ الشَّيْخ الألباني - ﵀ - فِي تَحْقِيق الْإِيمَان لشيخ الْإِسْلَام (ص/١١٤) .
[ ٢ / ٣٨٧ ]
قَوْلِ الْحَسَنِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأولئك هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ وَ﴿الظَّالِمُونَ﴾ وَ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ نَزَلَتْ كُلُّهَا فِي الْكُفَّارِ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ (١)، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَعَلَى هَذَا الْمُعْظَمِ، فَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَلَا يَكْفُرُ وَإِنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً، وَقِيلَ فِيهِ إِضْمَارٌ، أَيْ ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ رَدًّا لِلْقُرْآنِ وَجَحْدًا لِقَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ فَهُوَ كَافِرٌ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ.
فَالْآيَةُ عَامَّةٌ عَلَى هَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالْحَسَنُ: هِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالْكُفَّارِ، أَيْ مُعْتَقِدًا ذَلِكَ وَمُسْتَحِلًّا لَهُ.
فَأَمَّا مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَهُوَ مُعْتَقِدٌ أَنَّهُ مُرْتَكِبُ محرمٍ فَهُوَ مِنْ فُسَّاقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ فَقَدْ فَعَلَ فِعْلًا يُضَاهِي أَفْعَالَ الْكُفَّارِ.
وَقِيلَ: أَيْ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِجَمِيعِ مَا أَنْزَلَ فَهُوَ كَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ حَكَمَ بِالتَّوْحِيدِ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِبَعْضِ الشَّرَائِعِ فَلَا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ إِلَّا أَنَّ الشَّعْبِيَّ قَالَ: هِيَ فِي الْيَهُودِ خَاصَّةً، وَاخْتَارَهُ النَّحَّاسُ قَالَ: وَيدل على ذَلِك ثَلَاثَة أَشْيَاء. مِنْهُمَا أَنَّ الْيَهُودَ ذَكَرُوا قَبْلَ هَذَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ فَعَادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ.
وَمِنْهَا أَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْدَهُ ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾، فَهَذَا الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ بِإِجْمَاعٍ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْيَهُودَ هُمُ الَّذِينَ أَنْكَرُوا
_________________
(١) - أخرجه مُسلم فِي " صَحِيحه " (٣/١٣٢٧) (١٧٠٠) .
[ ٢ / ٣٨٨ ]
الرَّجْمَ وَالْقِصَاصَ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ «مَنْ» إِذَا كَانَتْ لِلْمُجَازَاةِ فَهِيَ عَامَّةٌ إِلَّا أَنْ يَقَعَ دَلِيلٌ عَلَى تَخْصِيصِهَا قِيلَ لَهُ: «مَنْ» هُنَا بِمَعْنَى الَّذِي، مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ وَالتَّقْرِيرِ، وَالْيَهُودُ الَّذِينَ لَمْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، فَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي هَذَا.
وَيُرْوَى أَنَّ حُذَيْفَةَ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَاتِ، أَهِيَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ: نَعَمْ هِيَ فِيهِمْ، وَلَتَسْلُكُنَّ سَبِيلَهُمْ حَذْو النَّعْل بالنعل، وَقيل: ﴿الْكَافِرُونَ﴾ للْمُسلمين، و﴿الظَّالِمُونَ﴾ للْيَهُود و﴿الْفَاسِقُونَ﴾ لِلنَّصَارَى، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ، قَالَ: لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْآيَاتِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وَابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَالشَّعْبِيِّ أَيْضًا. قَالَ طَاوُسٌ وَغَيْرُهُ: لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ، وَلَكِنَّهُ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ.
وَهَذَا يَخْتَلِفُ إِنْ حَكَمَ بِمَا عِنْدَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَهُوَ تَبْدِيلٌ لَهُ يُوجِبُ الْكُفْرَ. وَإِنْ حَكَمَ بِهِ هَوًى وَمَعْصِيَةً فَهُوَ ذَنْبٌ تُدْرِكُهُ الْمَغْفِرَةُ عَلَى أَصْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْغُفْرَانِ لِلْمُذْنِبِينَ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَمَذْهَبُ الْخَوَارِجِ أَنَّ مَنِ ارْتَشَى، وَحَكَمَ بِحُكْمِ غَيْرِ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَعَزَا هَذَا إِلَى الْحَسَنِ وَالسُّدِّيِّ، وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا: أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْحُكَّامِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: أَلَّا يَتَّبِعُوا الْهَوَى، وَأَلَّا يَخْشَوُا النَّاسَ وَيَخْشَوْهُ، وَأَلَّا يَشْتَرُوا بِآيَاتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، انْتَهَى كَلَامُ الْقُرْطُبِيِّ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ سِيَاقِ الْآيَات أَن آيَة ﴿هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ نَازِلَةٌ فِي الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ قَبْلَهَا مُخَاطِبًا لِمُسْلِمِي هَذِهِ الأُمة ﴿فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأولئك هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فَالْخِطَابُ لِلْمُسْلِمِينَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مُتَبَادِرٌ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ، وَعَلَيْهِ فَالْكُفْرُ إِمَّا كُفْرٌ دُونَ كَفْرٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَحِلًّا لَهُ، أَوْ قَاصِدًا بِهِ جَحْدَ أَحْكَامِ اللَّهِ
[ ٢ / ٣٨٩ ]
وَرَدِّهَا مَعَ الْعِلْمِ بِهَا.
أَمَّا مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ، وَهُوَ عَالِمٌ أَنَّهُ مُرْتَكِبٌ ذَنْبًا فَاعِلٌ قَبِيحًا، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْهَوَى فَهُوَ مِنْ سَائِرِ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ، وَسِيَاقُ الْقُرْآنِ ظَاهِرٌ أَيْضًا فِي أَنَّ آيَةَ ﴿فَأولئك هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ فِي الْيَهُودِ لِأَنَّهُ قَالَ قَبْلَهَا: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالاٍّذُنَ بِالاٍّذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أنزَلَ اللَّهُ فَأولئك هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .
فَالْخِطَابُ لَهُمْ لِوُضُوحِ دَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ كَمَا أَنَّهُ ظَاهِرٌ أَيْضًا فِي أَن آيَة ﴿فَأولئك هُمُ الْفَاسِقُون﴾ .
وَاعْلَمْ أَنَّ تَحْرِيرَ الْمَقَامِ فِي هَذَا الْبَحْثِ أَنَّ الْكُفْرَ وَالظُّلْمَ وَالْفِسْقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا رُبَّمَا أُطْلِقَ فِي الشَّرْعِ مُرَادًا بِهِ الْمَعْصِيَةُ تَارَةً، وَالْكُفْرَ الْمُخْرِجَ مِنَ الْمِلَّةِ أُخْرَى ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ مُعَارَضَةً للرُّسل وَإِبْطَالًا لِأَحْكَامِ اللَّهِ فَظُلْمُهُ وَفِسْقُهُ وَكُفْرُهُ كُلُّهَا كُفْرٌ مُخْرِجٌ عَنِ الْمِلَّةِ، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مُرْتَكِبٌ حَرَامًا فَاعِلٌ قَبِيحًا فَكُفْرُهُ وَظُلْمُهُ وَفِسْقُهُ غَيْرُ مُخْرِجٍ عَنِ الْمِلَّةِ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأُولَى فِي الْمُسْلِمِينَ، وَالثَّانِيَةَ فِي الْيَهُودِ، وَالثَّالِثَةَ فِي النَّصَارَى، وَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ الْأَلْفَاظِ لَا بِخُصُوصِ الْأَسْبَابِ، وَتَحْقِيقُ أَحْكَامِ الْكُلِّ هُوَ مَا رَأَيْتَ، وَالْعِلْمُ عِنْد الله تَعَالَى.] (١) .
وَقَالَ أَيْضا - ﵀ -: [قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ فَأولئك هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي النَّصَارَى، وَالَّتِي قَبْلَهَا فِي الْيَهُودِ، وَالَّتِي قَبْلَ تِلْكَ فِي الْمُسْلِمِينَ، كَمَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْكُفْرَ، وَالظُّلْمَ، وَالْفِسْقَ كُلَّهَا يُطْلَقُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِمَا دون
_________________
(١) - ٢/٩٠: ٩٣، الْمَائِدَة / ٤٤: ٤٧.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
الْكُفْرِ، وَعَلَى الْكُفْرِ المخْرج مِنَ الْمِلَّةِ نَفْسِهِ.
فَمِنَ الْكُفْرِ بِمَعْنَى الْمَعْصِيَةِ قَوْلُهُ ﷺ لَمَّا سَأَلَتْهُ الْمَرْأَةُ عَنْ سَبَبِ كَوْنِ النِّسَاءِ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ، إِنَّ ذَلِكَ وَاقِعٌ بِسَبَبِ كُفْرِهِنَّ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأَنَّهُنَّ " يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ " (١)، وَمِنَ الْكُفْرِ بِمَعْنَى الْمُخْرِجِ عَنِ الْمِلَّةِ، قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ ياأَيُّهَا الْكَافِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ .
وَمِنَ الظُّلْمِ بِمَعْنَى الْكُفْرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وَمِنْهُ بِمَعْنَى الْمَعْصِيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ .
وَمِنَ الْفِسْقِ بِمَعْنَى الْكُفْرِ قَوْلُهُ: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَآ أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾، وَمِنْهُ بِمَعْنَى الْمَعْصِيَةِ قَوْلُهُ فِي الَّذِينَ قَذَفُوا عَائِشَةَ، ﵂: ﴿وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأولئك هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَذْفَ لَيْسَ بِمُخْرِجٍ عَنِ الْمِلَّةِ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَآءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾، وَمِنَ الفِسق بِمَعْنَى الْمَعْصِيَةِ أَيْضًا، قَوْلُهُ فِي الْوَلِيد بن عقبَة: ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ﴾ .
وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ الْأَلْفَاظِ لَا بِخُصُوصِ الْأَسْبَابِ، فَمَنْ كَانَ امْتِنَاعُهُ مِنَ الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، لِقَصْدِ مُعَارَضَتِهِ وَرَدِّهِ، وَالِامْتِنَاعِ مِنِ الْتِزَامِهِ، فَهُوَ كَافِرٌ ظَالِمٌ فَاسِقٌ كُلُّهَا بِمَعْنَاهَا الْمُخْرِجِ مِنَ الْمِلَّةِ، وَمَنْ كَانَ امْتِنَاعُهُ مِنَ الْحُكْمِ لِهَوًى، وَهُوَ يَعْتَقِدُ قُبْحَ فِعْلِهِ، فَكُفْرُهُ وَظُلْمُهُ وَفِسْقُهُ غَيْرُ الْمُخْرِجِ مِنَ الْمِلَّةِ، إِلَّا إِذَا كَانَ مَا امْتَنَعَ مِنَ الْحُكْمِ بِهِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ إِيمَانِهِ، كَالِامْتِنَاعِ مِنِ اعْتِقَادِ مَا لَا بُدَّ مِنِ اعْتِقَادِهِ، هَذَا هُوَ الظَّاهِر فِي الْآيَات
_________________
(١) أخرجه الْبُخَارِيُّ (١/١٩) (٢٩) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁.
[ ٢ / ٣٩١ ]
الْمَذْكُورَةِ، كَمَا قَدَّمْنَا وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.] (١) .
- تَنْبِيه: يجب التنبه إِلَى الْفرق بَين النظام الشَّرْعِيّ، والنظام الإداري فِي الحاكمية.
[اعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ النِّظَامِ الْوَضْعِيِّ الَّذِي يقتضى تحكيمه الْكفْر بخالق السَّمَوَات وَالْأَرْضِ، وَبَيْنَ النِّظَامِ الَّذِي لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ.
وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ النِّظَامَ قِسْمَانِ: إِدَارِيٌّ، وَشَرْعِيٌّ. أَمَّا الْإِدَارِيُّ الَّذِي يُرَادُ بِهِ ضَبْطُ الْأُمُورِ وَإِتْقَانُهَا عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مُخَالِفٍ لِلشَّرْعِ، فَهَذَا لَا مَانِعَ مِنْهُ، وَلَا مُخَالِفَ فِيهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَدْ عَمِلَ عُمَرُ ﵁ مِنْ ذَلِكَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مَا كَانَتْ فِي زَمَنِ النَّبي ﷺ، كَكَتْبِهِ أَسْمَاءَ الْجُنْدِ فِي دِيوَانٍ لِأَجْلِ الضَّبْطِ، وَمَعْرِفَةِ مَنْ غَابَ وَمَنْ حَضَرَ كَمَا قَدَّمْنَا إِيضَاحَ الْمَقْصُودِ مِنْهُ فِي سُورَةِ «بَنِي إِسْرَائِيلَ» فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعَاقِلَةِ الَّتِي تَحْمِلُ دِيَةَ الْخَطَأِ، مَعَ أَنَّ النَّبي ﷺ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِتَخَلُّفِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ وَصَلَ تَبُوكَ ﷺ. وَكَاشْتِرَائِهِ أَعْنِي عُمَرَ ﵁ دَارَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَجَعْلِهِ إِيَّاهَا سِجْنًا فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ، مَعَ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَتَّخِذْ سِجْنًا هُوَ وَلَا أَبُو بَكْرٍ. فَمِثْلُ هَذَا مِنَ الْأُمُورِ الْإِدَارِيَّةِ الَّتِي تُفْعَلُ لِإِتْقَانِ الْأُمُورِ مِمَّا لَا يُخَالف الشَّرْع لَا بَأْس بِهِ. كتنظيم شؤون الْمُوَظَّفِينَ، وَتَنْظِيمِ إِدَارَةِ الْأَعْمَالِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ. فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْأَنْظِمَةِ الْوَضْعِيَّةِ لَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ مِنْ مُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ.
وَأَمَّا النِّظَامُ الشَّرْعِيّ الْمُخَالف لتشريع خالقي السَّمَوَات وَالْأَرْض فتحكيمه كفر بخالق السَّمَوَات وَالْأَرْضِ. كَدَعْوَى أَنَّ تَفْضِيلَ الذَّكَرِ عَلَى الْأُنْثَى فِي الْمِيرَاثِ لَيْسَ بِإِنْصَافٍ، وَأَنَّهُمَا يَلْزَمُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الْمِيرَاث.
_________________
(١) - ٢/٩٧، الْمَائِدَة / ٤٧، وَانْظُر أَيْضا (١/٣٦٤ - ٣٦٥) (النِّسَاء/١١٧)، (٣/٤٠٠، ٤٠١) (بني إِسْرَائِيل / ٩) .
[ ٢ / ٣٩٢ ]
وَكَدَعْوَى أَنَّ تَعَدُّدَ الزَّوْجَاتِ ظُلْمٌ، وَأَنَّ الطَّلَاقَ ظُلْمٌ لِلْمَرْأَةِ، وَأَنَّ الرَّجْمَ وَالْقَطْعَ وَنَحْوَهُمَا أَعْمَالٌ وَحْشِيَّةٌ لَا يَسُوغُ فِعْلُهَا بِالْإِنْسَانِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
فَتَحْكِيمُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ النِّظَامِ فِي أَنْفُسِ الْمُجْتَمَعِ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ وَأَنْسَابِهِمْ وَعُقُولِهِمْ وَأَدْيَانِهِمْ كُفْرٌ بخالق السَّمَوَات وَالْأَرْضِ، وَتَمَرُّدٌ عَلَى نِظَامِ السَّمَاءِ الَّذِي وَضَعَهُ مَنْ خَلَقَ الْخَلَائِقَ كُلَّهَا وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَصَالِحِهَا ﷾ عَنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مُشَرِّعٌ آخَرُ عُلُوًّا كَبِيرًا ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾، ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهذا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ وَقَدْ قَدَّمْنَا جُمْلَةً وَافِيَةً مِنْ هَذَا النَّوْعِ فِي سُورَةِ «بَنِي إِسْرَائِيلَ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ .] (١) .