[ ١١٥ ]
الجنة تعريف وبيان
الجنة هي الجزاء العظيم، والثواب الجزيل، الذي أعده الله لأوليائه وأهل طاعته، وهي نعيم كامل لا يشوبه نقص، ولا يعكر صفوه كدر، وما حدثنا الله به عنها، وما أخبرنا به الرسول - ﷺ - يحير العقل ويذهله، لأن تصور عظمة ذلك النعيم يعجز العقل عن إدراكه واستيعابه.
استمع إلى قوله ﵎ في الحديث القدسي " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" ثم قال الرسول - ﷺ -: " اقرؤوا إن شئتم (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) [السجدة: ١٧] ". (١)
وتظهر عظمة النعيم بمقارنته بمتاع الدنيا، فإن متاع الدنيا بجانب نعيم الآخرة تافه حقير، لا يساوي شيئًا. ففي صحيح البخاري عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله - ﷺ -: " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ". (٢)
ولذا كان دخول الجنة والنجاة من النار في حكم الله وتقديره هو الفلاح العظيم، والفوز الكبير، والنجاة العظمى قال تعالى: (فمن زحزح عن النار
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة في كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة النار. فتح الباري: (٦/٣١٨) . ورقم الحديث: ٣٢٤٤.
(٢) صحيح البخاري: ٣٢٥٠.
[ ١١٧ ]
وأدخل الجنة فقد فاز) [آل عمران: ١٨٥]، وقال: (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم) [التوبة: ٧٢]، وقال أيضا: (ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم) [النساء: ١٣] .
[ ١١٨ ]
الفصل الأول: دخول الجنة
لا شك أن سعادة المؤمنين لا تعادلها سعادة عندما يساقون معززين مكرمين زمرًا إلى جنات النعيم، حتى إذا ما وصلوا إليها فتحت أبوابها، واستقبلتهم الملائكة الكرام يهنئونهم بسلامة الوصول، بعدما عانوه من الكربات، وشاهدوه من الأهوال (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرًا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين) [الزمر: ٧٣]، أي طابت أعمالكم وأقوالكم وعقائدكم، فأصبحت نفوسكم زاكية، وقلوبكم طاهرة، فبذلك استحققتم الجنات.
[ ١١٩ ]
المبحث الأول: الشفاعة في دخول الجنة
ثبت في الأحاديث الصحيحة أن المؤمنين عندما يطول عليهم الموقف في يوم الجزاء يطلبون من الأنبياء أن يستفتحوا لهم باب الجنة، فكلهم يمتنع ويتأبى، ويقول: لست لها حتى يبلغ الأمر نبينا محمد - ﷺ - فيشفع في ذلك، فيُشفّع، ففي صحيح مسلم عن حذيفة بن اليمان وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله - ﷺ -: " يجمع الله ﵎ الناس، فيقوم المؤمنون، حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم، فيقولون: يا أبانا، استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم، لست بصاحب ذلك.. ". الحديث. (١)
وذكر فيه تدافع الأنبياء لها، حتى يأتون محمدًا - ﷺ -، فيؤذن لهم.
_________________
(١) رواه مسلم في كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة: (٤/١٨٦)، ورقمه: ١٩٥.
[ ١٢٠ ]
المبحث الثاني: تهذيب المؤمنين وتنقيتهم قبل الدخول
بعد أن يجتاز المؤمنون الصراط يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار، ثم يهذبون وينقون، وذلك بأن يقتص لبعضهم من بعض إذا كانت بينهم مظالم في الدنيا، حتى إذا دخلوا الجنة كانوا أطهارًا أبرارًا، ليس لأحد عند الآخر مظلمة، ولا يطلب بعضهم بعضًا بشيء.
روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزلة في الجنة منه بمنزلة كان في الدنيا ". (١)
ورسولنا - ﷺ - هو أول من يستفتح الجنة بعد أن يأبى أبو البشر آدم وأولوا العزم من الرسل التعرض لهذه المهمة.
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب القصاص يوم القيامة، فتح الباري: (١١/٣٩٥) .
[ ١٢١ ]
المبحث الثالث: الأوائل في دخول الجنة
أول البشر دخولًا الجنة على الإطلاق هو رسولنا محمد - ﷺ - وأول الأمم دخولًا الجنة أمته، وأول من يدخل الجنة من هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق ﵁.
وقد ساق ابن كثير الأحاديث الواردة في ذلك (١) . فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: " أنا أول من يقرع " أي: باب الجنة. وفيه أيضًا: " أنا أول شفيع في الجنة ". (٢)
وروى مسلم عن أنس أيضًا، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " آتي باب الجنة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك ". (٣)
وثبت في الصحيحين وسنن النسائي، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: " نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة ". (٤)
وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: " أتاني جبريل، فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي " فقال أبو بكر: يا رسول الله، وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه، فقال رسول الله - ﷺ -: " أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي ". (٥)
_________________
(١) النهاية لابن كثير: (٢/٢١٣) .
(٢) صحيح مسلم: ١٩٧.
(٣) صحيح مسلم: ١٩٧.
(٤) رواه البخاري في مواضع من صحيحه: ٢٣٨، ٨٧٦، ٨٩٦، ٢٩٥٦. ومسلم: ٨٥٥.
(٥) سنن أبي داود: ٤٦٥٢. وأورده الألباني في ضعيف أبي داود.
[ ١٢٢ ]
المبحث الرابع: الذين يدخلون الجنة بغير حساب
أول زمرة تدخل من هذه الأمة الجنة هي القمم الشامخة في الإيمان والتقى والعمل الصالح والاستقامة على الدين الحق، يدخلون الجنة صفًا واحدًا، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، صورهم على صورة القمر ليلة البدر.
روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون، ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًا ". (١)
وروى البخاري عن سهل بن سعد ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: " ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفًا أو سبعمائة ألف – لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر". (٢)
وقد صح أن الله أعطى رسوله - ﷺ - مع كل واحد من السبعين هؤلاء سبعين ألفًا، ففي مسند أحمد بإسناد صحيح عن أبي بكر ﵁ أن رسول الله
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة، فتح الباري: (٦/٣١٨)، ورواه مسلم: ٢٨٣٤، والترمذي وغيرهما.
(٢) المصدر السابق، فتح الباري: (٦/٣١٩) .
[ ١٢٣ ]
- ﷺ - قال: " أعطيت سبعين ألفًا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي ﷿، فزادني مع كل واحد سبعين ألفًا ". (١)
وفي مسند أحمد وسنن الترمذي وصحيح ابن حبان عن أبي أمامة بإسناد صحيح أن رسول الله - ﷺ - قال: " وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا بلا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون، وثلاث حثيات من حثيات ربي ". (٢) فذكر هذا الحديث زياد ثلاث حثيات.
وقد وصف الرسول - ﷺ - السبعين ألفًا الأوائل وبيَّن علاماتهم، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال النبي - ﷺ -: " عُرضت عليّ الأمم، فأخذ النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل، هؤلاء أمتي؟ قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير. قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفًا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب، قلت: ولم؟ قال: كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام إليه عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: اللهم اجعله منهم. ثم قال إليه رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: سبقك بها عكاشة ". (٣)
ولعل هؤلاء هم الذين سماهم الحق بالمقربين، وهم السابقون،
_________________
(١) صحيح الجامع: (١/٣٥٠)، ورقمه ١٠٦٨.
(٢) صحيح الجامع: (٦/١٠٨)، ورقمه: ٦٩٨٨.
(٣) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب، فتح الباري: (١١/٤٥٠) .
[ ١٢٤ ]
(والسابقون السابقون * أولئك المقربون * في جنات النعيم) [الواقعة: ١٠-١٢]، وهؤلاء ثلة من الأولين وقليل من الآخرين (ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين) [الواقعة: ١٣-١٤] .
[ ١٢٥ ]
المبحث الخامس: الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة
روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة ٍإلى الجنة بأربعين خريفًا ". (١)
وروى الترمذي عن أبي سعيد، وأحمد والترمذي وابن حبان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة ". (٢)
وقد بيّن الرسول - ﷺ - في موضع آخر أن هؤلاء لم يكن عندهم شيء يحاسبون عليه، هذا مع جهادهم وفضلهم، أخرج الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " أتعلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم، فقال: فقراء المهاجرين، يأتون يوم القيامة إلى باب الجنة، ويستفتحون، فيقول لهم الخزنة: أو قد حوسبتم؟ فيقولون: بأي شيء نحاسب، وإنما كانت أسيافنا على عواتقنا في سبيل الله حتى متنا على ذلك؟ قال: فيفتح لهم، فيقيلون فيه أربعين عامًا قبل أن يدخلها الناس ". (٣)
_________________
(١) مشكاة المصابيح: (٢/٦٦٣)، ورقمه: ٥٢٣٥. وهو في مسلم برقم: ٢٩٧٩.
(٢) صحيح الجامع: (٤/٩٠) ورقمه: ٤١٠٤. وهو في سنن الترمذي برقم: ٢٣٥١.
(٣) انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٢/٥٣٢)، ورقمه: ٨٥٣، وقد قال الشيخ ناصر فيه: أخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، أقول (الشيخ ناصر): إنما هو على شرط مسلم فقط.
[ ١٢٦ ]
وفي صحيح البخاري عن أسامة بن زيد عن النبي - ﷺ - قال: " قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار " (١) . وأصحاب الجد هم الأغنياء من المسلمين.
وقد وقع في الأحاديث السابقة أن الفقراء يسبقون الأغنياء بأربعين خريفًا، وجاء في حديث آخر بخمسمائة عام، ووجه التوفيق بين الحديثين أن الفقراء مختلفو الحال، وكذلك الأغنياء – كما يقول القرطبي- (٢) . فالفقراء متفاوتون في قوة إيمانهم وتقدمهم، والأغنياء كذلك، فإذا كان الحساب باعتبار أول الفقراء دخولًا الجنة وآخر الأغنياء دخولًا الجنة فتكون المدة خمسمائة عام، أما إذا نظرت إلى آخر الفقراء دخولًا الجنة وأول الأغنياء دخولًا الجنة فتكون المدة أربعين خريفًا، باعتبار أول الفقراء وآخر الأغنياء والله أعلم". (٣)
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، فتح الباري: (٢/٣٤٥) .
(٢) التذكرة، للقرطبي: ص٤٧٠.
(٣) النهاية لابن كثير: (٢/٣٤٥) .
[ ١٢٧ ]
المبحث السادس: أول ثلاثة يدخلون الجنة
روى الترمذي بإسناد حسن عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: عُرض عليّ أول ثلاثة يدخلون الجنة: " شهيد، وعفيف متعفف، وعبد أحسن عبادة الله، ونصح مواليه".
[ ١٢٨ ]
(١)
المبحث السابع: دخول عصاة المؤمنين الجنة
المطلب الأول: إخراجهم من النار وإدخالهم الجنة بالشفاعة
روى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: " أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن (٢) ناس أصابتهم النار بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم) فأماتتهم إماتة، حتى إذا كانوا فحمًا، أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر (٣)، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل". (٤)
ولمسلم من حديث جابر بن عبد الله يرفعه إلى رسول الله - ﷺ -: " إن أقوامًا يخرجون من النار يحترقون فيها، إلا دارات وجوههم، حتى يدخلون الجنة ". (٥)
وهؤلاء الذين يخرجون من النار ويدخلون الجنة يسميهم أهل الجنة
_________________
(١) جامع الأصول: (٢٠/٥٣٥) . وعزاه محقق الجامع إلى أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه، والبيهقي في السنن. وهو في سنن الترمذي برقم: ١٦٤٢. وقال الترمذي فيه هذا حديث حسن وأورده الألباني في ضعيف الترمذي.
(٢) لكن هنا مخففة مهملة لا تعمل.
(٣) جماعات جماعات.
(٤) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار، (١/١٧٢) . رقم: ١٨٥.
(٥) رواه مسلم كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة، (١/١٧٨)، ودارات وجوههم: ما يحيط بالوجه من جوانبه.
[ ١٢٩ ]
بالجهنميين، ففي صحيح البخاري عن عمران بن حصين ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: " يخرج قوم من النار بشفاعة محمد - ﷺ -، فيدخلون الجنة، يسمون الجهنميين ". (١)
وفي الصحيح أيضًا عن جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: " يخرج (٢) من النار بالشفاعة كأنهم الثعارير، قلت: وما الثعارير؟ قال: الضغابيس ". (٣)
وروى البخاري عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: " يخرج قوم من النار بعدما مسهم منها سفع، فيدخلون الجنة، فيسميهم أهل الجنة الجهنميين". (٤)
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة الطويل في وصف الآخرة: " حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا، ممن أراد الله أن يرحمه، ممن يقول: لا إله إلا الله، فيعرفونهم في النار، يعرفونهم بأثر السجود، تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار وقد امتحشوا (احترقوا)، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون منه، كما تنبت الحبة في حميل السيل ". (٥)
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، فتح الباري: (١١/٤١٨) ولهم ذكر في حديث جابر عند مسلم: (١/١٧٩) .
(٢) أي أقوام.
(٣) رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، فتح الباري: (١١/٤١٦) والثعايير: قثاء صغار، والضغبوس: نبت يخرج قدر شبر في دقة الأصبع لا ورق له، فيه حموضة. والمقصود (وصفهم بالبياض والدقة) .
(٤) المصدر السباق، فتح الباري: (١١/٤١٦) .
(٥) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الرؤية: (١/٢٩٩)، حديث رقم: (١٨٢) .
[ ١٣٠ ]
وقد ورد في أكثر من حديث أن الله يخرج من النار من كان في قلبه مثقال دينار أو نصف دينار أو مثقال ذرة من إيمان، بل يخرج أقوامًا لم يعملوا خيرا ً قط، ففي حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: " يدخل الله أهل الجنة الجنة، يدخل من يشاء برحمته، ويدخل أهل النار النار، ثم يقول: " انظروا من وجدتم في قلبه حبة من خردل من إيمان فأخرجوه.. ". (١)
وفي حديث جابر بن عبد الله في ورود النار: " ثم تحل الشفاعة، ويشفعون حتى يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير مثقال شعيرة، فيجعلون بفناء الجنة، ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء، حتى ينبتوا نبات الشيء في حميل السيل. ويذهب حراقه (٢) ثم يسأل حتى يجعل له الدنيا وعشرة أمثالها معها". (٣)
وفي حديث أنس بن مالك أن النبي - ﷺ - قال: " يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن الذرة". والأحاديث في هذا كثيرة.
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين: (١/١٧٢) .
(٢) حراقة: معناه أثر النار، والضمير في (حراقه) يعود على المخرجين.
(٣) صحيح مسلم، باب أدنى أهل الجنة منزلة: (١/١٧٨) .
[ ١٣١ ]
(١)
المطلب الثاني: موقف الفِرَق من الشفاعة
أنكرت الخوارج والمعتزلة (٢) شفاعة الشافعين في أهل الكبائر والذين أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها، والذين دخلوها أن دخلوها أن يخرجوا منها، قال القرطبي: " وهذه الشفاعة أنكرتها المبتدعة الخوارج والمعتزلة، فمنعتها على أصولهم الفاسدة وهي الاستحقاق العقلي المبني على التحسين والتقبيح ". (٣)
وهذه المقولة المضادة للأحاديث الصحيحة المتواترة برزت والصحابة أحياء، روى مسلم في صحيحه عن يزيد الفقير، قال: " كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد الحج، ثم نخرج على الناس، قال: فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم، جالس إلى سارية، عن رسول الله - ﷺ - قال: فإذا هو ذكر الجهنميين، قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله، ما هذا الذي تحدثون به والله يقول: (إنك من تدخل النار فقد أخزيته) [آل عمران: ١٩٢]، و(كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) [السجدة: ٢٠]؟ فما هذا الذي تقولون: قال: فقال: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. قال: فهل سمعت بمقام محمد ﵇ (يعني الذي يبعثه الله فيه)؟ قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمد - ﷺ - المحمود الذي يخرج الله به من يخرج، قال: ثم نعت وضع الصراط ومر الناس عليه، قال: وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك، قال: غير أنه قد زعم أن قومًا
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة: (١/١٨٢) . والأحاديث في هذا كثيرة.
(٢) الخوارج فرقة خرجت بعد معركة صفين كفّرت عليًا ومعاوية، ومن معهما، وزعمت أن أهل المعاصي مخلدون في النار، والمعتزلة أتباع واصل بن عطاء ذهبوا مذهب المعتزلة، في القول بتخليد أصحاب الكبائر في النار، وتوقفوا في أمرهم في الدنيا.
(٣) التذكرة للقرطبي: ص٢٤٩.
[ ١٣٢ ]
يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها. قال: يعني فيخرجون كأنهم عيدان السماسم، قال: فيدخلون نهرًا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه، فيخرجون كأنهم القراطيس (١)، فرجعنا قلنا: ويحكم، أترون الشيخ يكذب على رسول الله - ﷺ -؟ فرجعنا. فلا والله، ما خرج منا غير رجل واحد". (٢)
والخوارج والمعتزلة تطرفوا في هذه المسألة إذ زعموا أن أهل الكبائر لا يخرجون من النار، ولا تنفعهم شفاعة الشافعين، كما أن المرجئة تطرفوا في الجانب المقابل حيث لم يقطعوا بدخول أحد من أهل الكبائر النار، ويزعمون أن أهل الكبائر جميعًا في الجنة من غير عذاب، وكلا الفريقين مخالف للسنة المتواترة الثابتة عن الرسول - ﷺ -، وهم مخالفون لإجماع سلف الأمة وأئمتها، وقد هدى الله أهل السنة والجماعة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، حيث ذهبوا إلى أن أهل الكبائر تحت مشيئة الله، إن شاء غفر لهم برحمته، وإن شاء عذبهم بذنوبهم، ثم أدخلهم الجنة برحمته، (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء: ٤٨] وقال تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم) [الزمر: ٥٣] فالشرك لا يغفره الله، وما دونه تحت المشيئة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له. وحجة الخوارج في نفي هذه الشفاعة الآيات الواردة في نفي الشفاعة التي يثبتها أهل الشرك، فأهل الشرك يعتقدون أن الشفاعة عند الله كالشفاعة في الدنيا، يشفع الشافع عند غيره بدون إذن منه، ويشفع الشافع عند غيره وإن لم يرض عن المشفوع له، وهذا لا يكون عند الله ﵎، وقد جاءت النصوص بإبطال هذا النوع من الشفاعة،
_________________
(١) الصحف التي يكتب فيها.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة، (١/١٧٩)، ورقمه: ١٩١.
[ ١٣٣ ]
كما قال تعالى: (واتقوا يومًا لا تجزي نفس عن نفس شيئًا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل) [البقرة: ٤٨]، وقال: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) [المدثر: ٤٨]، وقال: (ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) [غافر: ١٨]، وقد جاءت النصوص مبينة أن الشفاعة عند الله لا تكون إلا بإذنه، ولا تكون إلا بعد أن يرضى عن الشافع والمشفوع له: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) [البقرة: ٢٥٥] وقال: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) [الأنبياء: ٢٨]، وقال: (وكم من ملك في السماوات لا
تغني شفاعتهم شيئًا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى) [النجم: ٢٦]، وقال عن الملائكة أيضًا: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون) [الأنبياء: ٢٨]، وقال: (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) [سبأ: ٢٣] .
فهذه النصوص تنفي الشفاعة التي أثبتها المشركون للملائكة والأنبياء والصالحين وتبطلها، وتثبت الشفاعة التي تكون بإذن الله ورضاه عن الشافع والمشفوع، والله لا يرضى عن الكفرة المشركين، أما عصاة أهل التوحيد، فيشفع فيهم الشافعون، ولا يشفعون لمشرك. روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قلت: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: " لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قِبل نفسه ". (١)
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، فتح الباري: (١١/٤١٨) .
[ ١٣٤ ]
المبحث الثامن: آخر من يدخل الجنة
حدثنا الرسول - ﷺ - قصة آخر رجل يخرج من النار ويدخل الجنة، وما جرى من حوار بينه وبين ربه، وما أعطاه الله من الكرامة العظيمة التي لم يُصدّق أن الله أكرمه بها لعظمها، وقد جمع ابن الأثير روايات هذا الحديث في جامع الأصول، ومنه نقلنا هذه الأحاديث (١):
١- عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولًا الجنة: رجل يخرج من النار حبوًا، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة فيأتيها، فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب، وجدتها ملأى، فيقول الله ﷿: اذهب فادخل الجنة فإن لك مثل الدنيا، وعشرة أمثالها أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا، فيقول: أتسخر بي – أو أتضحك بي – وأنت الملك؟ قال: فلقد رأيت رسول الله - ﷺ - ضحك حتى بدت نواجذه، فكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة " أخرجه البخاري ومسلم.
ولمسلم قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار: رجل يخرج منها زحفا، فيقال له: انطلق فادخل الجنة، قال: فيذهب فيدخل الجنة، فيجد الناس قد أخذوا المنازل، فيقال له:
_________________
(١) جامع الأصول: (١٠/٥٥٣) .
[ ١٣٥ ]
أتذكر الزمان الذي كنت فيه؟ فيقول: نعم، فيقال له: تمنَّ، فيتمنى فيقال له: لك الذي تمنيت، وعشرة أضعاف الدنيا، فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟ قال: فلقد رأيت رسول الله - ﷺ - يضحك حتى بدت نواجذه " وفي رواية الترمذي مثل هذه التي لمسلم. (١)
٢- عن عبد الله بن مسعود رضي الله أن رسول الله - ﷺ - قال: " آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة، ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، فإذا ما جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئًا ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين، فترفع له شجرة، فيقول: يا رب، أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها، وأشرب من مائها، فيقول الله ﷿: يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها؟ فيقول: لا، يا رب ويعاهده أن لا يسأله غيرها، قال: وربه ﷿ يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول: أي رب، أدنني من الشجرة لأشرب من مائها وأستظل بظلها، لا أسألك غيرها فيقول: يا ابن آدم، ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ فيقول: لعلي أن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه تعالى يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة، وهي أحسن من الأوليين، فيقول: أي رب أدنني من هذه لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها، فيقول: يا ابن آدم، ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى، يا رب لا أسألك غيرها – وربه ﷿
_________________
(١) رواه البخاري: (١١/٣٨٦) في الرقاق، باب في صفة الجنة والنار، وفي التوحيد، باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، ومسلم رقم: ١٨٦ في الإيمان، باب آخر أهل النار خروجًا، والترمذي رقم: ٢٥٩٨ في صفة جهنم، باب رقم ١٠.
[ ١٣٦ ]
يعذره، لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة فيقول: أي رب أدخلنيها، فيقول: يا ابن آدم، ما يصريني منك (١)، أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب، أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فضحك ابن مسعود، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله - ﷺ - فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ فقال: من ضحك رب العالمين، حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر " أخرجه مسلم.
(٢)
وهذا الحديث هكذا أخرجه الحميدي وحده في أفراد مسلم، والذي قبله في المتفق عليه، وقال: إنما أفردناه للزيادة التي فيه.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: " إن أدنى أهل الجنة منزلة: رجل صرف الله وجهه عن النار قِبل الجنة، ومثل له شجرة ذات ظل، فقال: أي رب، قربني من هذه الشجرة لأكون في ظلها.. وساق الحديث بنحو حديث ابن مسعود، ولم يذكر: فيقول: يا ابن آدم، ما يصريني منك؟ .. إلى آخر الحديث ".
وزاد فيه: " ويذكره الله، سل كذا وكذا، فإذا انقطعت به الأماني، قال الله: هو لك وعشرة أمثاله، قال: ثم يدخل بيته، فتدخل عليه زوجتاه من الحور العين، فيقولان: الحمد لله الذي أحياك لنا، وأحيانا لك، قال: " فيقول: ما أعطي أحد مثل ما أعطيت " أخرجه مسلم هكذا عقيب حديث ابن مسعود. (٣)
_________________
(١) أي ما الذي يرضيك، ويقطع مسألتك وأصل التصرية: القطع والجمع، ومنه الشاة المصراة: وهي التي جمع لبنها وقطع حلبه.
(٢) رقم: ١٨٧ في الإيمان، باب آخر أهل النار خروجًا.
(٣) رواه مسلم رقم: ١٨٨ في الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها.
[ ١٣٧ ]
المبحث التاسع: الذين دخلوا الجنة قبل يوم القيامة
أول من دخل الجنة من البشر هو أبو البشر آدم (وقلنا يا أدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدًا حيث شئتما) [البقرة: ٣٥]، وقال: (ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) [الأعراف: ١٩]، ولكن آدم عصى ربه بأكله من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها فأهبطه الله من الجنة إلى دار الشقاء: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزمًا* وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس أبى* فقلنا يا آدم هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى* إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى* وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى* فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى* فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى* ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى* قال اهبطا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو) [طه: ١١٥-١٢٣] .
وقد رأى الرسول - ﷺ - الجنة ففي صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي - ﷺ - قال: " اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء ". (١)
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة، فتح الباري: (٦/٣١٨) .
[ ١٣٨ ]
ومن الذين يدخلون الجنة قبل يوم القيامة الشهداء، ففي صحيح مسلم عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون) [آل عمران: ١٦٩] . قال: " إنا قد سألنا عن ذلك فقال: " أرواحهم في أجواف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعه، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي، ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففل بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا: قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا ". (١)
ومن مات عرض عليه مقعده من الجنة والنار بالغداة والعشي، ففي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة ". (٢)
_________________
(١) مشكاة المصابيح: (٢/٣٥١)، ورقمه: ٣٨٠٤.
(٢) رواه مسلم في صحيحه، انظر مسلم بشرح النووي: (١٧: ٣٠٠) .
[ ١٣٩ ]
الفصل الثاني: الجنة خالدة وأهلها خالدون
المبحث الأول: النصوص الدالة على ذلك
الجنة خالدة لا تفنى ولا تبيد، وأهلها فيها خالدون، لا يرحلون عنها ولا يظعنون، ولا يبيدون ولا يموتون، (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم) [الدخان: ٥٦]، (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلًا * خالدين فيها لا يبغون عنها حولا) [الكهف: ١٠٧-١٠٨] .
وقد سقنا عند الحديث عن خلود النار - الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله - ﷺ - عن ذبح الموت بين الجنة والنار، ثم يقال لأهل الجنة ولأهل النار: " يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت ".
إن مقتضى النصوص الدالة أن الجنة تخلق خلقًا غير قابل للفناء، وكذلك أهلها،
[ ١٤١ ]
ففي الحديث عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: " من يدخل الجنة ينعم، لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه ". (١)
واستمع إلى النداء العلوي الرباني الذي ينادي به أهل الجنة بعد دخولهم الجنة: " إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا، فلا تبتئسوا أبدا، فذلك قوله ﷿: (ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) [الأعراف: ٤٣] . (٢)
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة، باب في دوام نعيم الجنة، (٤/٢١٨١)، ورقمه: ٢٨٣٦.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الجنة، باب دوام نعيم الجنة: (٤/٢١٨٣)، ورقمه: ٢٨٣٧.
[ ١٤٢ ]
المبحث الثاني: القائلون بفناء الجنة
قال بفناء الجنة كما قال بفناء النار الجهم بن صفوان إمام المعطلة، وليس له سلف قط، لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين، ولا من أهل السنة، وأنكره عليه عامة أهل السنة.
وأبو الهذيل العلاف شيخ المعتزلة قال بفناء حركات أهل الجنة والنار، بحيث يصيرون إلى سكون دائم لا يقدر أحد منهم على حركة (١) . وكل هذا باطل، قال شارح الطحاوية: " فأما أبدية الجنة، وأنها لا تفنى ولا تبيد، فهذا مما يعلم بالضرورة أن الرسول - ﷺ - أخبر به، قال تعالى: (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ) [هود: ١٠٨]، أي غير مقطوع، ولا ينافي ذلك قوله: (إلا ما شاء ربك) [هود: ١٠٨] " (٢) وقد ذكر شارح الطحاوية اختلاف السلف في هذا الاستثناء فقال: " واختلف السلف في هذا الاستثناء: فقيل: معناه إلا مدة مكثهم في النار، وهذا يكون لمن دخل منهم إلى النار ثم أخرج منها، لا لكلهم. وقيل: إلا مدة مقامهم في الموقف. وقيل: إلا مدة مقامهم في القبور والموقف. وقيل: هو استثناء الرب ولا يفعله، كما تقول: والله لأضربنك إلا أن
_________________
(١) راجع شرح الطحاوية: ص٤٨٠.
(٢) شرح الطحاوية: ٤٨١.
[ ١٤٣ ]
أرى غير ذلك، وأنت لا تراه، بل تجزم بضربه. وقيل: " إلا " بمعنى الواو، وهذا على قول بعض النحاة، وهو ضعيف. وسيبويه يجعل إلا بمعنى لكن، فيكون الاستثناء منقطعًا ورجحه ابن جرير وقال: إن الله تعالى لا خلف لوعده، وقد وصل الاستثناء بقوله: (عطاء غير مجذوذ) [هود: ١٠٨]، قالوا: ونظيره أن تقول: أسكنتك داري حولًا إلا ما شئت، أي سوى ما شئت، ولكن ما شئت من الزيادة عليه. وقيل: الاستثناء لإعلامهم بأنهم - مع خلودهم - في مشيئة الله، لأنهم لا يخرجون عن مشيئته، ولا ينافي ذلك عزيمته وجزمه لهم بالخلود، كما في قوله تعالى: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا) [الإسراء: ٨٦]، وقوله تعالى: (فإن يشأ الله يختم على قلبك) [الشورى: ٢٤]، وقوله: (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به) [يونس: ١٦]، ونظائره كثيرة، يخبر عباده سبحانه أن الأمور كلها بمشيئته، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
وقيل: إن " ما " بمعنى " من " أي: إلا من شاء الله دخوله النار بذنوبه من السعداء. وقيل غير ذلك.
وعلى كل تقدير، فهذا الاستثناء من المتشابه، وقوله: (عطاء غير مجذوذ) [هود: ١٠٨] . وكذلك قوله تعالى: (إن هذا لرزقنا ما له من نفاد) [ص: ٥٤] . وقوله: (أكلها دائم وظلها) [الرعد: ٣٥] . وقد أكد الله خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع
[ ١٤٤ ]
من القرآن، وأخبر أنهم (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) [الدخان: ٥٦] . وهذا الاستثناء منقطع، وإذا ضممته إلى الاستثناء في قوله تعالى: (إلا ما شاء ربك) [هود: ١٠٨]، - تبين أن المراد من الآيتين استثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنة من مدة الخلود، كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت، فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية، وذلك مفارقة للجنة تقدمت على خلودهم فيها ". (١)
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية: ٤٨١.
[ ١٤٥ ]
الفصل الثالث: صفة الجنة
المبحث الأول: الجنة لا مثل لها
نعيم الجنة يفوق الوصف، ويقصر دونه الخيال، ليس لنعيمها نظير فيما يعلمه أهل الدنيا، ومهما ترقى الناس في دنياهم، فسيبقى ما يبلغونه أمرًا هينًا بالنسبة لنعيم الآخرة، فالجنة كما ورد في بعض الآثار لا مثل لها، " هي نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد وفاكهة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، في مقام أبدًا، في حبرة ونضرة، في دور عالية سليمة بهية ". (١)
وقد سأل الصحابة الرسول عن بناء الجنة، فأسمعنا الرسول - ﷺ - في الإجابة وصفًا عجبًا، يقول ﵇ في صفة بنائها: " لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها المسك الأذفر (٢)، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها
_________________
(١) هذا نص حديث أورده ابن ماجة في سننه، في كتاب الزهد، باب صفة الجنة، (٢/١٤٤٨)، ورقمه: ٤٣٣٢، ولم ننسبه إلى الرسول - ﷺ - لأن في إسناده مقالًا، وإن كان ابن حبان أورده في صحيحه، ومعناه جميل تشهد له النصوص من الكتاب والسنة.
(٢) الملاط: المادة التي توضع بين اللبنتين.
[ ١٤٧ ]
الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، ولا يبلى ثيابها، ولا يفنى شبابهم " (١) . وصدق الله حيث يقول: (وإذا رأيت ثم رأيت نعيمًا وملكًا كبيرًا) [الإنسان: ٢٠] .
وما أخفاه الله عنا من نعيم الجنة شيء عظيم لا تدركه العقول، ولا تصل إلى كنهه الأفكار (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) [السجدة: ١٧]، وقد جاء في الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " قال الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرؤوا إن شئتم: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) [السجدة: ١٧] (٢) . ورواه مسلم من عدة طرق عن أبي هريرة وجاء في بعض طرقه: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ذخرًا، بلْه (٣) ما أطلعكم الله عليه، ثم قرأ: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) . [السجدة: ١٧] " (٤) . ورواه مسلم عن سهل بن سعد الساعدي قال: شهدت من رسول الله - ﷺ - مجلسًا وصف فيه الجنة حتى انتهى، ثم قال - ﷺ - في آخر حديثه:
_________________
(١) رواه أحمد والترمذي والدارمي، انظر مشكاة المصابيح: (٣/٨٩)، وهو صحيح بطرقه كما أشار إلى ذلك محقق المشكاة.
(٢) رواه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة، فتح الباري: (٦/٣١٨) .
(٣) بله: بفتح الباء وسكون اللام، ومعناها: دع ما أطلعكم الله عليه، فالذي لم يطلعكم عليه أعظم، وكأنه أضرب عنه استقلالًا له في جنب ما لم يطلع عليه، أفاده النووي في شرحه على مسلم (١٧/١٦٦) .
(٤) رواه مسلم في صحيحه في كتاب الجنة وصفة نعيم أهلها: (٢/٢١٧٤)، ورقم الحديث: ٢٨٢٤.
[ ١٤٨ ]
" فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم قرأ هذه الآية: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقون* فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) [السجدة: ١٦-١٧] (١) .
_________________
(١) رواه مسلم، حديث رقم: ٢٨٢٤.
[ ١٤٩ ]
المبحث الثاني: أبواب الجنة
للجنة أبواب يدخل منها المؤمنون كما يدخل منها الملائكة (جنات عدن مفتحة لهم الأبواب) [ص: ٥٠]، (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) [الرعد: ٢٣]، وأخبرنا الحق ﵎ أن هذه الأبواب تفتح عندما يصل المؤمنون إليها، وتستقبلهم الملائكة محيية بسلامة الوصول: (حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين) [الزمر: ٧٣] .
وأخبرنا رسولنا - ﷺ - أن أبواب الجنة تفتح في كل عام في رمضان، فعن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة ". (١)
وعدد أبواب الجنة ثمانية، وأحد هذه الأبواب يسمى الريّان وهو خاص بالصائمين ففي الصحيحين عن سهل بن سعد أن رسول الله - ﷺ - قال: " في الجنة ثمانية أبواب، باب منها يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل غيرهم". (٢)
وهناك باب للمكثرين من الصلاة، وباب للمتصدقين، وباب للمجاهدين، بالإضافة إلى باب الصائمين المسمى بالريّان، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من أنفق زوجين في سبيل الله من ماله، دُعي من أبواب الجنة، وللجنة ثمانية أبواب، فمن كان من أهل
_________________
(١) صحيح البخاري: ١٨٩٨. وصحيح مسلم: ١٠٧٩.
(٢) النهاية لابن كثير (٢/٢١٤) .
[ ١٥٠ ]
الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام ". فقال أبو بكر: والله ما على أحد من ضرر دعي من أيها دعي، فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم". (١)
وسؤال أبي بكر يريد به شخصًا اجتمعت فيه خصال الخير، من صلاة، وصيام، وصدقة وجهاد ونحو ذلك، بحيث يدعي من جميع تلك الأبواب، وقد أخبر الرسول - ﷺ - أن الذي ينفق زوجين في سبيل الله يدعى من أبواب الجنة الثمانية، وأخبر الرسول - ﷺ - أن الذي يتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يرفع بصره إلى السماء فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله تفتح له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها يشاء.
فقد روى مسلم في صحيحه، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ (أبو يسبغ) الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء ". (٢)
وقد أخبرنا الرسول - ﷺ - أن خص الذين لا حساب عليهم بباب خاص بهم دون غيرهم وهو باب الجنة الأيمن، وبقيتهم يشاركون بقية الأمم في الأبواب الأخرى، ففي الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة في حديث الشفاعة " فيقول الله:
_________________
(١) النهاية لابن كثير: (٢/٢١٤) .
(٢) صحيح مسلم: ٢٣٤.
[ ١٥١ ]
يا محمد: أدخل من لا حساب عليه من أمتك من الباب الأيمن، وهم شركاء الناس في الأبواب الأخرى " ثم بين في هذا الحديث سعة أبواب الجنة، وأن ما بين جانبي الباب كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى، ففي الحديث السابق المتفق عليه يقول الرسول - ﷺ -: " والذي نفس محمد بيده: إن بين المصراعين من مصاريع الجنة، أو ما بين عضادتي الباب، كما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى ". (١)
وقد أخبرنا الرسول - ﷺ - أن أبواب الجنة تفتح في رمضان، ففي الصحيحين ومسند أحمد عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء، وفي رواية: " فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار ". (٢)
وورد في بعض الأحاديث أن ما بين المصراعين مسيرة أربعين سنة، فقد روى أحمد في "مسنده" وأبو نعيم في " الحلية" عن حكيم بن معاوية عن أبيه معاوية أن رسول الله - ﷺ - قال: " إن ما بين المصراعين في الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليه يوم، وإنه لكظيظ " وإسناده صحيح.
ورواه مسلم وأحمد عن عتبة بن غزوان قال: " لقد ذكر لنا أن ما بين المصراعين في الجنة مسيرة أربعين نسة، وليأتين عليه يوم، وإنه لكظيظ من الزحام ".
_________________
(١) النهاية لابن كثير: (٢/٢٢١) .
(٢) مشكاة المصابيح: (١/٦١٢) .
[ ١٥٢ ]
ورواه الطبراني في معجمه الكبير عن عبد الله بن سلام: " إن ما بين المصراعين في الجنة مسيرة أربعين سنة، يزاحم عليه كازدحام الإبل وردت لخمس ظما ". (١)
_________________
(١) هذا التحقيق أخذناه بشيء من الاختصار من سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ ناصر الدين الألباني: (٤/٢٧٣)، ورقم الحديث: ١٦٩٨.
[ ١٥٣ ]
المبحث الثالث: درجات الجنة
المطلب الأول: الأدلة على أن الجنة درجات، وأهلها متفاوتون في الرفعة
الجنة درجات بعضها فوق بعض، وأهلها متفاضلون فيها بحسب منازلهم فيها، قال الله تعالى: (ومن يأتيه مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى) [طه: ٧٥] .
ومن الذين وضحوا هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: " والجنة درجات متفاضلة تفاضلًا عظيمًا، وأولياء الله المؤمنون المتقون في تلك الدرجات بحسب إيمانهم وتقواهم. قال ﵎: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورًا * كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورًا * انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلًا) [الإسراء: ١٨-٢١] .
فبين الله ﷾ أنه يمد من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة من عطائه، وأن عطاءه ما كان محظورًا من بر ولا فاجر، ثم قال تعالى: (انظر كيف فضلنا
[ ١٥٤ ]
بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا) [الإسراء: ٢١] . فبين الله سبحانه أن أهل الآخرة يتفاضلون فيها أكثر مما يتفاضل الناس في الدنيا وأن درجات الآخرة أكبر من درجات الدنيا. وتفاضل أنبيائه ﵈ كتفاضل سائر عباده المؤمنين. فقال تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس) [البقرة: ٢٥٣]، وقال تعالى: (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورًا) [الإسراء: ٥٥] .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان ".
وفي الصحيحين عن أبي هريرة وعمرو بن العاص ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر ". وقد قال الله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الدين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى) [الحديد: ١٠] وقال تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيمًا* درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورًا رحيمًا) [النساء: ٩٥-٩٦] .
وقال
[ ١٥٥ ]
تعالى: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين * الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم * خالدين فيها أبدًا إن الله عنده أجر عظيم) [التوبة: ١٩-٢٢] وقال تعالى: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب) [الزمر: ٩]، وقال تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير) [المجادلة: ١١] ". (١)
وقد روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي - ﷺ -: " من آمن بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل، أو جلس في أرضه التي ولد فيها، فقالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناس؟ قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فاسألوه الفروس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، أراه قال: وفوقه عرش الرحمن – ومنه تفجر أنهار الجنة ". (٢)
وثبت في الصحيح أيضًا عن أنس أن أم حارثة أتت رسول الله - ﷺ - وقد هلك حارثة يوم بدر، أصابه سهم غرب، فقالت: يا رسول الله، قد علمت موقع حارثة من قلبي، فإن كان في الجنة لم أبك عليه، وإلا سوف ترى
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: (١١/١٨٨) .
(٢) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب درجات المجاهدين في سبيل الله: فتح الباري: (٦/١١) .
[ ١٥٦ ]
ما أصنع، فقال لها: " أجنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في الفردوس الأعلى ". (١)
وقد بين الرسول - ﷺ - أن أهل الجنة متفاضلون في الجنة بحسب منازلهم فيها، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: " إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر (٢) في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ". (٣)
وفي مسند أحمد وسنن الترمذي وسنن ابن ماجة وصحي ابن حبان عن أبي سعيد عن النبي - ﷺ - قال: " إن أهل الدرجات العلى يراهم من هو أسفل منهم كما ترون الكوكب الطالع في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما ". (٤)
قال القرطبي: " اعلم أن هذه الغرف مختلفة في العلو والصفة بحسب اختلاف أصحابها في الأعمال، فبعضها أعلى من بعض وأرفع.. وقوله " والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " ولم يذكر عملًا، ولا شيئًا سوى الإيمان والتصديق للمرسلين، ذلك ليعلم أنه عنى الإيمان البالغ لتصديق المرسلين من غير سؤال آية ولا تلجلج، وإلا فكيف تنال الغرفات بالإيمان والتصديق الذي للعامة، ولو كان كذلك كان جميع الموحدين في أعالي الغرفات، وأرفع الدرجات، وهذا محال، وقد قال الله تعالى:
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، فتح الباري: (١١/٤١٨) .
(٢) الغابر: الذاهب أو الباقي، فإنّ غبر من الأضداد، يقال: غبر إذا ذهب، وغبر إذا بقي، ويعني به أن الكوكب حالة طلوعه وغروبه بعيد عن الأبصار فيظهر صغيرًا لبعده.
(٣) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة الجنة والنار، فتح الباري: (٦/٢٢٠) وصحيح مسلم، كتاب الجنة، باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف، (٤/٢١٧٧)، ورقمه: ٢٨٣١.
(٤) صحيح الجامع الصغير، (٢/١٨٧)، ورقمه: ٢٠٢٦.
[ ١٥٧ ]
(أولئك يجزون الغرفة بما صبروا) [الفرقان: ٧٥]، والصبر بذل النفس والثبات له وقوفًا بين يديه بالقلوب عبودية وهذه صفة المقربين.
وقال في آية أخرى: (ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحًا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون) [سبأ: ٣٧]، فذكر شأن الغرفة، وأنها لا تنال بالأموال والأولاد، وإنما تنال بالإيمان والعمل الصالح، ثم بين أن لهم جزاء الضعف، وأن محلهم الغرفات، يعلمك أن هذا إيمان طمأنينة وتعلق قلب به، مطمئنًا به في كل ما نابه، وبجميع أموره وأحكامه، فإذا عمل عملًا صالحًا، فلا يخلطه بضده، وهو الفاسد، فلا يكون العمل الصالح الذ ي لا يشوبه فساد إلا مع إيمان بالغ مطمئن صاحبه بمن آمن وبجميع أموره وأحكامه، والمخلط ليس إيمانه وعمله هكذا، فلهذا كانت منزلته دون غيره". (١)
وأهل الدرجات العاليات يكونون في نعيم أرقى من الذين دونهم، فقد ذكر الله أنه أعد للذين يخافونه جنتين (ولمن خاف مقام ربه جنتان) [الرحمن: ٤٦]، ووصفهما، ثم قال: (ومن دونهما جنتان) [الرحمن: ٦٢]، أي دون تلك الجنتين في المقام والمرتبة، من تأمل صفات الجنتين اللتين ذكرهما الله آخرًا علم أنهما دون الأوليين في الفضل، فالأوليان للمقربين، والأخريان لأصحاب اليمين، كما قال ابن عباس وأبو موسى الأشعري. (٢)
قال القرطبي: " لما وصف الجنتين أشار إلى الفرق بينهما، فقال في الأوليين: (فيهما عينان تجريان) [الرحمن: ٥٠]، وقال في الأخريين: (فيهما عينان
_________________
(١) التذكرة للقرطبي: ص٤٦٤.
(٢) التذكرة للقرطبي: ص٤٤٠.
[ ١٥٨ ]
نضاختان) [الرحمن: ٦٦]، أي فوارتان بالماء، ولكنهما ليستا كالجاريتين، لأن النضخ دون الجري، وقال في الأوليين: (فيهما من كل فاكهة زوجان) [الرحمن: ٥٢]، معروف وغريب، رطب ويابس، فعم ولم يخص، وفي الأخريين: (فيهما فاكهة ونخل ورمان) [الرحمن: ٦٨]، ولم يقل من كل فاكهة زوجان، وقال في الأوليين: (متكئين على فرش بطائنها من استبرق) [الرحمن: ٥٤]، وهو الديباج، وفي الأخريين: (متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان) [الرحمن: ٧٦]، والعبقري الوشي، ولا شك أن الديباج أعلى من الوشي، والرفرف كسر الخبا، ولا شك أن الفرش المعدة للاتكاء عليها أفضل من الخبا.
وقال في الأوليين في صفة الحور العين: (كأنهن الياقوت والمرجان) [الرحمن: ٥٨]، وفي الأخريين: (فيهن خيرات حسان) [الرحمن: ٧٠]، وليس كل حسن كحسن الياقوت والمرجان، وقال في الأوليين: (ذواتا أفنان) [الرحمن: ٤٨]، وفي الأخيرتين: (مدهامتان) [الرحمن: ٦٤]، أي خضراوان كأنهما من شدة خضرتهما سوداوان، ووصف الأوليين بكثرة الأغصان، والآخرتين بالخضرة وحدها". (١)
وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: " جنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما
_________________
(١) التذكرة للقرطبي: ص٤٤٠.
[ ١٥٩ ]
وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن " (١)، وفي رواية الترمذي: " إن في الجنة جنتين من فضة.. "وذكر الحديث (٢) .
وذكر الحق ﵎ أن الأبرار يشربون كأسًا ممزوجة بالكافور: (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا) [الإنسان: ٥]، وقال في موضع آخر: (ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا) [الإنسان: ١٧]، ويبدو أن هذا – والعلم عند الله – لأهل اليمين، وقال في موضع آخر: (ومزاجه من تسنيم * عينا يشرب بها المقربون) [المطففين: ٢٨-٢٨]، فأهل اليمين يشربون شرابًا ممزوجًا من تسنيم، وهي عين في الجنة، والمقربون يشربون من تسنيم صرفًا غير ممزوج.
المطلب الثاني: أعلى أهل الجنة وأدناهم منزلة
روى مسلم في صحيحه عن المغيرة بن شعبة أن الرسول - ﷺ – قال: " سأل موسى ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة. فيقول: أي رب كيف؟ وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلك مَلك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب، فيقول: لك ذلك ومثله، ومثله،
_________________
(١) جامع الأصول: (١٠/٤٩٨)، ورقمه: ٨٠٢٩.
(٢) المصدر السابق.
[ ١٦٠ ]
ومثله، ومثله. فقال في الخامسة: رضيت، رب. فيقول: لك هذا وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولذت عينك. فيقول: رضيت رب.
قال: رب. فأعلاهم منزلة؟ قال: " أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر " قال: ومصداقه في كتاب الله ﷿: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) [السجدة: ١٧] ". (١)
المطلب الثالث: المنزلة العليا في الجنة
أعلى منزلة في الجنة ينالها شخص واحد تسمى الوسيلة، وسينالها- إن شاء الله – النبي المصطفى المختار خيرة الله من خلقه نبينا محمد - ﷺ -، قال ابن كثير النهاية: " ذكر أعلى منزلة في الجنة وهي الوسيلة، فيها مقام رسول الله - ﷺ - قال: " من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودا الذي وعدته، حلت له الشفاعة يوم القيامة ". (٢)
وساق حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم في صحيحه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ فإن من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه عشرًا، ثم سلوا الله تعالى لي الوسيلة، فإن من سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة ". (٣)
_________________
(١) صحيح مسلم: ١٨٩.
(٢) صحيح البخاري: ٦١٤.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها: (١/١٧٦) ورقمه: ١٨٩.
[ ١٦١ ]
وقد سأل الصحابة الرسول - ﷺ - قائلين: " وما الوسيلة؟ قال: أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون هو " رواه أحمد عن أبي هريرة، وفي المسند عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: " الوسيلة درجة عند الله، ليس فوقها درجة، فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة ". (١)
المطلب الرابع: الذين ينزلون الدرجات العاليات
من الذين يحلون الدرجات العاليات في الجنة الشهداء، وأفضلهم الذين يقاتلون في الصفوف الأولى لا يلتفون حتى يقتلوا، ففي مسند أحمد ومعجم الطبراني عن نعيم بن همار (٢) بإسناد صحيح عن النبي - ﷺ - قال: " أفضل الشهداء الذين يقاتلون في الصف الأول، فلا يلفتون وجوههم حتى يقتلوا، أولئك يتلبطون في الغرف العلى من الجنة، يضحك إليهم ربهم، فإذا ضحك ربك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه ". (٣)
والساعي على الأرملة والمسكين له منزلة المجاهد في سبيل الله، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: " الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله – وأحسبه قال: وكالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر ". (٤)
_________________
(١) انظر هذه الأحاديث في (النهاية) لابن كثير: (٢/٢٣٣٢) .
(٢) قال ابن حجر في (تقريب التهذيب): (نعيم بن همّار، بتشديد الميم، أو هبار، أو خمّار، بالمعجمة أوالمهملة، الغطفاني، صحابي، ورجح الأكثر أن اسم أبيه همار.
(٣) مسند أحمد: (٥/٢٨٧) . صحيح الجامع الصغير: (١/٣٦٣)، ورقمه: ١١١٨.
(٤) صحيح مسلم، كتاب الزهد. باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم: (٢/٢٢٨٦)، ورقم الحديث: ٢٩٨٢.
[ ١٦٢ ]
ومنزلة كافل اليتيم قريبة من منزلة الرسول - ﷺ -، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: " كافل اليتيم له أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنة " وأشار مالك بالسبابة والوسطى. (١)
ويرفع الله درجة الآباء ببركة دعاء الأبناء، ففي مسند أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا رب، أنَّى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك".
قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، ولكن له شاهد في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ". (٢)
_________________
(١) المصدر السابق، وقوله: (له أو لغيره) أي سواء أكفله من ماله، أو من اليتيم بولاية شرعية.
(٢) النهاية لابن كثير: (٢/٣٤٠) .
[ ١٦٣ ]
المبحث الرابع: تربة الجنة
ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك عن أبي ذر في حديث المعراج قال: قال رسول الله - ﷺ -: " أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك ".
وفي صحيح مسلم ومسند أحمد عن أبي سعيد أن ابن صياد سأل الرسول - ﷺ - عن تربة الجنة، فقال: " هي درمكة (١) بيضاء مسك خالص " وفي مسند أحمد عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ - في اليهود: " إني سائلهم عن تربة الجنة، وهي درمكة بيضاء، فسألهم، فقالوا: هي خبزة يا أبا القاسم، فقال رسول الله - ﷺ -: " الخبز من الدرمك ". (٢)
وروى أحمد والترمذي والدارمي عن أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول الله، مم خلق الخلق؟ قال: ٍ" من ماء". قلنا: الجنة ما بناؤها؟ قال: " لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها المسك الأظفر، وحصباؤها الدر والياقوت، وتربتها الزعفران، من يدخلها ينعم، ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، ولا يبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم ". (٣)
_________________
(١) الدرمكة: واحدة الدرمك، وهو الدقيق الحواري الخالص البياض.
(٢) انظر هذه الأحاديث في النهاية لابن كثير: (٢/٢٤٢) .
(٣) مشكاة المصابيح: (٣/٨٩)، ورقمة: ٥٦٣٠، وقال محقق المشكاة: وله طرق وشواهد، وأورده في سلسلة الأحاديث الصحيحة.
[ ١٦٤ ]
المبحث الخامس: أنهار الجنة
أخبرنا الله ﵎ بأن الجنة تجري من تحتها الأنهار، (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار) [البقرة: ٢٥] وأحيانا يقول: تجري تحتهم الأنهار: (أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار) [الكهف: ٣١] .
وقد حدثنا الرسول - ﷺ - عن أنهار الجنة حديثا واضحًا بينا، ففي إسرائه صلوات الله وسلامه عليه: " رأى أربعة أنهار يخرج من أصلها (١) نهران ظاهران ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل، ما هذه الأنهار؟ قال: ٍأما النهران الباطنان: فنهران في الجنة وأما الظاهران: فالنيل والفرات ". (٢)
وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: " رفعت لي السدرة، فإذا أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان، فأما الظاهران: فالنيل والفرات، وأما الباطنان: فنهران في الجنة". (٣)
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة ". (٤)
_________________
(١) الضمير عائد إلى سدرة المنتهى، كما دل على ذلك سياق بعض الأحاديث.
(٢) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإسراء (١/١٥٠)، ورقم الحديث: ١٦٤.
(٣) جامع الأصول: (١٠/٥٠٧)، وقال المحقق: رواه البخاري تعليقا في الأشربة، قال الحافظ في الفتح: وصله أبو عوانة والإسماعيلي والطبراني في (الصغير) من طريقه.
(٤) صحيح مسلم، كتاب الجنة، باب ما في الدنيا من أنهار الجنة، (٤/٢١٨٣)، ورقم الحديث ٢٨٣٩ وعزاه الشيخ ناصر في سلسلة الأحاديث الصحيحة: (١/٦) إلى مسلم وأحمد والآجري والخطيب.
[ ١٦٥ ]
" ولعل المراد من كون هذه الأنهار من الجنة أن أصلها منها كما أن أصل الإنسان من الجنة، فلا ينافي الحديث ما هو معلوم مشاهد من أن هذه الأنهار تنبع من منابعها المعروفة في الأرض، فإذا لم يكن هذا هو المعنى أو ما يشبهه، فالحديث من أمور الغيب التي يجب الإيمان بها، والتسليم للمخبر عنها ". (١)
وقال القاري: " إنما جعل الأنهار الأربعة من أنهار الجنة، لما فيها من العذوبة والهضم، ولتضمنها البركة الإلهية، وتشرفها بورود الأنبياء إليها وشربهم منها ". (٢)
ومن أنهار الجنة الكوثر الذي أعطاه الله لرسوله - ﷺ -: (إنا أعطيناك الكوثر) [الكوثر: ١]، وقد رآه الرسول - ﷺ - وحدثنا عنه، ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: " بينما أنا أسير في الجنة، إذ أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طيبه- أو طينه – مسك أذفر" شك هُدْبة. (٣)
وقد فسر ابن عباس الكوثر بالخير الكثير الذي أعطاه الله لرسوله - ﷺ -، فقال أبو بشر لسعيد بن جبير راوي هذا التفسير عن ابن عباس: إن أناسًا يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه. (٤)
وقد جمع الحافظ بن كثير الأحاديث التي أخبر الرسول - ﷺ - فيها عن
_________________
(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/١٨) .
(٢) نقله عن الشيخ ناصر في تعليقه على مشكاة المصابيح: (٣/٨٠) .
(٣) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب في الحوض، فتح الباري: (١١/٤٦٤)، وهدبة أحد رواة الحديث.
(٤) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب في الحوض، فتح الباري: (١١/٤٦٣) .
[ ١٦٦ ]
الكوثر، فمن هذه الأحاديث ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس، أن الرسول - ﷺ - حين أنزلت عليه (إنا أعطيناك الكوثر) [الكوثر: ١] قال: " أتدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هو نهر وعدنيه الله ﷿، عليه خير كثير".
وساق حديث أنس عند أحمد في مسنده عن الرسول - ﷺ - قال: " أعطيت الكوثر، فإذا نهر يجري على ظهر الأرض، حافتاه قباب اللؤلؤ، ليس مسقوفًا، فضربت بيدي إلى تربته، فإذا تربته مسك أذفر، وحصباؤه اللؤلؤ ".
وفي رواية أخرى في المسند عن أنس يرفعه: " هو نهر أعطانيه الله في الجنة، ترابه مسك، ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، ترده طيور أعناقها مثل أعناق الجزور".
وقد ساق الحافظ ابن كثير روايات أخرى كثيرة في الموضوع فارجع إليه إن شئت المزيد. (١)
وأنهار الجنة ليست ماء فحسب، بل منها الماء، ومنها اللبن، ومنها الخمر، ومنها العسل المصفى.
قال تعالى: (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى) [محمد: ١٥] .
_________________
(١) النهاية لابن كثير: (٢/٢٤٦) .
[ ١٦٧ ]
وفي سنن الترمذي بإسناد صحيح عن حكيم بن معاوية (وهو جد بهز بن حكيم) أن رسول الله - ﷺ - قال: " إن في الجنة بحر العسل، وبحر الخمر، وبحر اللبن، وبحر الماء، ثم تنشق الأنهار بعد ". (١)
فأنهار الجنة تنشق من تلك البحار التي ذكرها الرسول - ﷺ -، وأخبرنا الرسول - ﷺ - عن نهر يسمى بارق يكون على باب الجنة، ويكون الشهداء في البرزخ عند هذا النهر، ففي مسند أحمد، ومعجم الطبراني، ومستدرك الحاكم عن ابن عباس بإسناد حسن أن رسول الله - ﷺ - قال: " الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًا ". (٢)
_________________
(١) جامع الأصول: (١٠/٥٠٧)، وقال المحقق: رواه الترمذي في صفة أنهار الجنة، ورواه أيضًا الدارمي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وهو كما قال.
(٢) صحيح الجامع الصغير: (٣/٢٣٥)، ورقمه: ٣٦٣٦.
[ ١٦٨ ]
المبحث السادس: عيون الجنة
في الجنة عيون كثيرة مختلفة الطعوم والمشارب (إن المتقين في جنات وعيون) [الحجر: ٤٥]، (إن المتقين في ظلال وعيون) [المرسلات: ٤١]، وقال في وصف الجنتين اللتين أعدهما لمن خاف ربه (فيهما عينان تجريان) [الرحمن: ٥٠] . وقال في وصف الجنتين اللتين دونهما (فيهما عينان نضاختان) [الرحمن: ٦٦] .
وفي الجنة عينان يشرب المقربون ماءها صرفًا غير مخلوط، ويشرب منهما الأبرار الشراب مخلوطًا ممزوجًا بغيره.
العين الأولى: عين الكافور قال تعالى: (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورًا* عينًا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا) [الإنسان: ٥-٦] . فقد أخبر أن الأبرار يشربون شرابهم ممزوجًا من عين الكافور، بينما عباد الله يشربونها خالصًا.
العين الثانية: عين التسنيم، قال تعالىٍ: (إن الأبرار لفي نعيم* على الأرائك ينظرون * تعرف في وجوههم نضرة النعيم * يسقون من رحيق
[ ١٦٩ ]
مختوم * ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون * ومزاجه من تسنيم* عينًا يشرب بها المقربون) [المطففين: ٢٢-٢٨] .
ومن عيون الجنة عين تسمى السلسبيل، قال تعالى: (ويسقون فيها كأسًا كان مزاجها زنجبيلًا * عينًا فيها تسمى سلسبيلًا) [الإنسان: ١٧-١٨] . ولعل هذه هي العين الأولى نفسها.
[ ١٧٠ ]
المبحث السابع: قصور الجنة وخيامها
يبني الله لأهل الجنة في الجنة مساكن طيبة حسنة كما قال تعالى: (ومساكن طيبة في جنات عدن) [التوبة: ٧٢] . وقد سمى الله في مواضع من كتابه هذه المساكن بالغرفات، قال تعالى: (وهم في الغرفات آمنون) [سبأ: ٣٧]، وقال في جزاء عباد الرحمن: (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما) [الفرقان: ٧٥]، وقال تعالى واصفًا هذه الغرفات: (لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد) [الزمر: ٢٠] .
قال ابن كثير: " أخبر ﷿ عن عباده السعداء أن لهم غرفًا في الجنة وهي القصور أي الشاهقة، (من فوقها غرف مبنية) [الزمر: ٢٠]، طباق فوق طباق مبنيات محكمات مزخرفات عاليات.
وقد وصف لنا الرسول - ﷺ - هذه القصور، ففي الحديث الذي يرويه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه عن أبي مالك الأشعري والترمذي عن عليٍّ أن رسول الله - ﷺ - قال: " إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام ". (١)
_________________
(١) صحيح الجامع الصغير: (٢/٢٢٠)، ورقمه: ٢١١٩.
[ ١٧١ ]
وقد أخبرنا الحق ﵎ أن في الجنة خيامًا، قال تعالى: (حور مقصورات في الخيام) [الرحمن: ٧٢] .
وهذه الخيام خيام عجيبة، فهي من لؤلؤ، بل هي من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها في السماء ستون ميلًا، وفي بعض الروايات عرضها ستون ميلًا ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن قيس قال: قال رسول الله - ﷺ -: " الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ثلاثون ميلًا، في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون"، قال أبو عبد الصمد والحارث عن أبي عمران: "ستون ميلًا ". (١)
ورواه مسلم عن عبد الله بن قيس عن النبي - ﷺ - قال: " إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلًا ٍ، للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن، فلا يرى بعضهم بعضًا ".
وفي رواية عند مسلم: " في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة عرضها ستون ميلًا في كل زاوية منها أهل، ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن". (٢)
وقد أخبرنا الرسول - ﷺ - عن صفات قصور بعض أزواجه وبعض أصحابه، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة، قال: أتى جبريل النبي - ﷺ - فقال: " يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معا إناء فيه إدام وطعام، فإذا أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب". (٣)
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة الجنة، فتح الباري: (٦/٣١٨) .
(٢) رواه مسلم كتاب الجنة، باب في صفة خيام الجنة: (٤/٢١٨٢) ورقمه: ٢٨٣٨.
(٣) مشكاة المصابيح: (٣/٢٦٦) .
[ ١٧٢ ]
وفي صحيح البخاري ومسلم عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: " دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة وسمعت خشفة، فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال، ورأيت قصرًا بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، فأردت أن أدخله فأنظر إليه فذكرت غيرتك "، فقال عمر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله: أعليك أغار؟ ". (١)
وقد أخبر الرسول - ﷺ - بالطريق الذي يحصل به المؤمن على مزيد من البيوت في الجنة، فالذي يبني لله مسجدًا يبني الله له بيتًا في الجنة، ففي مسند أحمد عن ابن عباس بإسناد صحيح أن الرسول - ﷺ - قال: " من بنى لله مسجدًا، ولو كمفحص قطاة لبيضها بنى الله له بيتًا في الجنة ". (٢)
وفي مسند أحمد وصحيحي البخاري ومسلم وسنن الترمذي وسنن ابن ماجة عن عثمان أن رسول الله - ﷺ - قال: "من بنى مسجدًا، يبتغي به وجه الله، بنى الله له مثله في الجنة ". (٣)
وفي صحيح مسلم ومسند أحمد وسنن أبي داود، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجة عن أم حبيبة أن رسول الله - ﷺ - قال: " من صلى في اليوم والليلة اثنتي عشرة ركعة تطوعًا، بنى الله له بيتًا في الجنة ". (٤)
_________________
(١) مشكاة المصابيح: (٣/٢٢٦) .
(٢) صحيح الجامع الصغير: (٥/٢٦٥)، ورقم الحديث: ٦٠٠٥.
(٣) صحيح الجامع: (٥/٣١٦)، ورقمه ٦٢٣٤.
(٤) صحيح الجامع: (٥/٣١٦)، ورقمه: ٦٢٣٤.
[ ١٧٣ ]
المبحث الثامن: نور الجنة
قال القرطبي: " قال العلماء: ليس في الجنة ليل ونهار، وإنما هم في نور دائم أبدًا، وإنما يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب، ذكره أبو الفرج بن الجوزي. (١)
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى:) ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا * تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيًا ([مريم: ٦٢-٦٣]: " أي في مثل وقت البكرات ووقت العشيات، لا أن هناك ليلًا ونهارًا، ولكنهم في ٍأوقات تتعاقب يعرفون مضيها بأضواء وأنوار ". (٢)
ويقول ابن تيمية في هذا الموضوع: " والجنة ليس فيها شمس ولا قمر، ولا ليل ولا نهار، لكن تعرف البكرة والعشية بنور يظهر من قِبل العرش ". (٣)
_________________
(١) التذكرة للقرطبي: ص٥٠٤.
(٢) تفسير ابن كثير: (٤/٤٧١) .
(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: ٍ (٤/٣١٢) .
[ ١٧٤ ]
المبحث التاسع: ريح الجنة
للجنة رائحة عبقية زكية تملأ جنباتها، وهذه الرائحة يجدها المؤمنون من مسافات شاسعة، ففي مسند أحمد وسنن النسائي وابن ماجة ومستدرك الحاكم بإسناد صحيح أن الرسول - ﷺ - قال: " من قتل رجلًا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عامًا ". (١)
وفي صحيح البخاري ومسند أحمد، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجة عن عبد الله بن عمرو أن الرسول - ﷺ - قال: " من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا ". (٢)
_________________
(١) صحيح الجامع الصغير: (٥/٣٣٥)، ورقم الحديث: ٦٣٢٤.
(٢) صحيح الجامع: (٥/٣٣٧)، ورقم الحديث: ٦٣٣٣. وهو في صحيح البخاري برقم: ٣١٦٦.
[ ١٧٥ ]
المبحث العاشر: أشجار الجنة وثمارها
المطلب الأول: أشجارها وثمارها كثيرة متنوعة دائمة
أشجار الجنة كثيرة طيبة متنوعة، وقد أخبرنا الحق أن في الجنة أشجار العنب والنخل والرمان، كما فيها أشجار السدر والطلح، (إن للمتقين مفازًا * حدائق وأعنابًا) [النبأ: ٣١-٣٢]، (فيها فاكهة ونخل ورمان) [الرحمن ٍ: ٦٨]، (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين* في سدر مخضود *وطلح منضود * وظل ممدود * وماء مسكوب * وفاكهة كثيرة) [الواقعة: ٢٧-٣٢]، والسدر هو شجر النبق الشائك، ولكنه في الجنة مخضود شوكه، أي منزوع. والطلح: شجر من شجر الحجاز من نوع العضاه فيه شوك، ولكنه في الجنة منضود معد للتناول بلا كد ولا مشقة.
وهذا الذي ذكره القرآن من أشجار الجنان شيء قليل مما تحويه تلك الجنان، ولذا قال الحق: (فيهما من كل فاكهة زوجان) [الرحمن: ٥٢]، ولكثرتها فإن أهلها يدعون منها بما يريدون، ويتخيرون منها ما يشتهون (يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب) [ص: ٥١]، (وفاكهة مما يتخيرون) [الواقعة: ٢٠]، (إن المتقين في ظلال
[ ١٧٦ ]
وعيون* وفواكه مما يشتهون) [المرسلات: ٤١-٤٢]، وبالجملة فإن في الجنة من أنواع الثمار والنعيم كل ما تشتهيه النفوس وتلذه العيون (يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين) [الزخرف: ٧١] .
وقال ابن كثير كلامًا لطيفًا دلل فيه على عظيم ثمار الجنة، إذ استنتج أن الله نبه بالقليل على الكثير، والهين على العظيم عندما ذكر السدر والطلح، قال: " وإذا كان السدر الذي في الدنيا لا يثمر إلا ثمرة ضعيفة وهو النبق، وشوكه كثير، والطلح الذي لا يراد منه في الدنيا إلا الظل، يكونان في الجنة في غاية من كثرة الثمار وحسنها، حتى إن الثمرة الواحدة منها تتفتق عن سبعين نوعًا من الطعوم، والألوان، التي يشبه بعضها بعضًا، فما ظنك بثمار الأشجار، التي تكون في الدنيا حسنة الثمار، كالتفاح، والنخل، والعنب، وغير ذلك؟ وما ظنك بأنواع الرياحين، والأزاهير؟ وبالجملة فإن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نسأل الله منها من فضله ". (١)
وأشجار الجنة دائمة العطاء، فهي ليست كأشجار الدنيا تعطي في وقت دون وقت، وفصل دون فصل، بل هي دائمة الإثمار والظلال (مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها) [الرعد: ٣٥] (وفاكهة كثيرة * لا مقطوعة ولا ممنوعة) [الواقعة: ٣٢-٣٣] . أي دائمة مستمرة، وهي مع دوامها لا يمنع عنها أهل الجنة. ومن لطائف ما يجده أهل الجنة عندما تأتيهم ثمارها أنهم يجدونها تتشابه في
_________________
(١) النهاية لابن كثير: (٢/٢٦٢) .
[ ١٧٧ ]
المظهر، ولكنها تختلف في المخبر، (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقًا قالوا هذا الذي رزقنا به من قبل وأتوا به متشابهًا) [البقرة: ٢٥] .
وأشجار الجنة ذات فروع وأغصان باسقة نامية (ولمن خاف مقام ربه جنتان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * ذواتا أفنان) [الرحمن: ٤٦-٤٨]، وهي شديدة الخضرة: (ومن دونهما جنتان * فبأي آلاء ربكما تكذبان* مدهامتان) [الرحمن: ٦٢-٦٤]، ولا توصف الجنة بأنها مدهامة إلا إذا كانت أشجارها مائلة إلى السواد من شدة خضرتها، واشتباك أشجارها.
أما ثمار تلك الأشجار فإنها قريبة دانية مذللة ينالها أهل الجنة بيسر وسهولة، (متكئين على فرش بطائنها من استبرق وجنى الجنتين دان) [الرحمن: ٥٤]، (وذللت قطوفها تذليلًا) [الإنسان: ١٤] .
أما ظلها فكما قال تعالى: (وندخلهم ظلًا ظليلًا) [النساء: ٥٧]، و(وظل ممدود) [الواقعة: ٣٠]، (إن المتقين في ظلال وعيون) [المرسلات: ٤١] .
[ ١٧٨ ]
المطلب الثاني: وصف بعض شجر الجنة
حدثنا الرسول - ﷺ - عن بعض شجر الجنة حديثًا عجبًا ينبيك عن خلق بديع هائل يسبح الخيال في تقديره والتعرف عليه طويلًا، ونحن نسوق لك بعض ما حدثنا الرسول - ﷺ - به.
١- الشجرة التي يسير الراكب في ظلها مائة عام:
هذه شجرة هائلة لا يقدر قدرها إلا الذي خلقها، وقد بين الرسول - ﷺ - عظم هذه الشجرة بأن أخبر أن الراكب لفرس من الخيل التي تعد للسباق يحتاج إلى مائة عام حتى يقطعها إذا سار بأقصى ما يمكنه، ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: " إن في الجنة لشجرة (١) يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام وما يقطعها ". (٢)
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ – قال: " إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة، واقرؤوا إن شئتم: (وظل ممدود) [الواقعة: ٣٠] ". (٣)
ورواه مسلم عن أبي هريرة وسهل بن سعد عن رسول الله - ﷺ – قال: " إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها ". (٤)
_________________
(١) في صحيح مسلم: شجرة.
(٢) رواه البخاري في كتاب الرقاق، باب صفة الجنة، فتح الباري: (١١/٤١٦)، ورواه مسلم في كتاب الجنة باب إن في الجنة شجرة: (٢/٢١٧٦)، ورقم الحديث: ٢٨٢٨.
(٣) رواه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة، فتح الباري: (٦/٣١٩) .
(٤) رواه مسلم في كتاب الجنة، باب إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام (٢/٢١٧٥)، ورقم الحديث: ٢٨٢٦، ٢٨٢٧.
[ ١٧٩ ]
٢- سدرة المنتهى:
وهذه الشجرة ذكرها الحق في محكم التنزيل، وأخبر الحق أن رسولنا محمدًا - ﷺ - رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها عندها، وأن هذه الشجرة عند جنة المأوى، كما أعلمنا أنه قد غشيها ما غشيها مما لا يعلمه إلا الله عندما رآها الرسول - ﷺ -: (ولقد رآها نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى* ما زاغ البصر وما طغى) [النجم: ١٣-١٧] .
وقد أخبرنا الرسول - ﷺ - عن هذه الشجرة بشيء مما رآه " ثم رفعت لي سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة. قال: (أي جبريل) هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار، نهران باطنان، ونهران ظاهران، قلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات ". رواه البخاري ومسلم. (١)
وفي الصحيحين أيضًا: " ثم انطلق بي حتى انتهى إلى سدرة المنتهى، ونبقها مثل قلال هجر، وورقها مثل آذان الفيلة، تكاد الورقة تغطي هذه الأمة، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك ". (٢)
٣- شجرة طوبى:
وهذه شجرة عظيمة كبيرة تصنع ثياب أهل الجنة، ففي مسند أحمد، وتفسير ابن جرير، وصحيح ابن حبان عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) صحيح الجامع الصغير: (٣/١٨)، ورقمة: ٢٨٦١، وعزاه إلى البخاري ومسلم وأحمد والترمذي.
(٢) صحيح الجامع الصغير: (٤/٨٢)، وعزاه إلى البخاري ومسلم ورقمه: ٤٠٧٥.
[ ١٨٠ ]
قال: " طوبى شجرة في الجنة، مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها ". (١)
وقد دل على أن ثياب أهل الجنة تشقق عنها ثمار الجنة – الحديث الذي يرويه أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أخبرنا عن ثياب أهل الجنة خلقًا تخلق، أمن نسجًا تنسج؟ فضحك بعض القوم، فقال رسول الله - ﷺ -: " ومم تضحكون، من جاهل سأل عالمًا؟ ثم أكب رسول الله - ﷺ - ثم قال: أين السائل؟ قال: هو ذا أنا يا رسول الله، قال: " لا بل تشقق عنها ثمر الجنة، ثلاث مرات ". (٢)
المطلب الثالث: سيد ريحان الجنة
أخبرنا الله أن في الجنة ريحانًا (فأما إن كان من المقربين* فروح وريحان وجنة نعيم) [الواقعة: ٨٨-٨٩]، وأخبرنا الرسول - ﷺ - أن سيد ريحان أهل الجنة الحناء، ففي معجم الطبراني الكبير بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ - قال: " سيد ريحان الجنة الحناء ". (٣)
_________________
(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٤/٦٣٩)، ورقم الحديث: ١٩٨٥، والحديث إسناده حسن.
(٢) المصدر السابق: (٤/٦٤٠) .
(٣) سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٣/٤٠٧)، ورقمه: ١٤٢٠.
[ ١٨١ ]
المطلب الرابع: سيقان أشجار الجنة من ذهب
ومن عجب ما أخبرنا به الرسول - ﷺ - أن سيقان أشجار الجنة من ذهب، ففي سنن الترمذي، وصحيح ابن حبان، سنن البيهقي، بإسناد صحيح، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: " ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب ". (١)
المطلب الخامس: كيف يكثر المؤمن حظه من أشجار الجنة؟
طلب خليل الرحمن أبو الأنبياء إبراهيم ﵇ من نبينا محمد - ﷺ - في ليلة الإسراء أن يبلغ أمته السلام وأن يخبرهم بالطريقة التي يستطيعون بها تكثير حظهم من أشجار الجنة، فقد روى الترمذي بإسناد حسن عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك أن الجنة أرض طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ". (٢)
_________________
(١) صحيح الجامع الصغير: (٥/١٥٠)، قال ابن كثير في النهاية: (٢/٢٥٤)، رواه الترمذي: وقال: حسن صحيح.
(٢) صحيح الجامع الصغير: (٥/٣٤)، ورقم الحديث: ٥٠٢٨.
[ ١٨٢ ]
المبحث الحادي عشر: دواب الجنة وطورها
في الجنة من الطيور والدواب مالا يعلمه إلا الله تعالى، قال تعالى فيما يناله أهل الجنة من النعيم (ولحم طير مما يشتهون * وحور عين) [الواقعة: ٢١-٢٢]، وفي سنن الترمذي عن أنس قال: سئل رسول الله - ﷺ - ما الكوثر؟ قال: "ذاك نهر أعطانيه الله - يعني في الجنة - أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طير أعناقها كأعناق الجزر (١) ". قال عمر: إن هذه لناعمة، قال رسول الله - ﷺ -: " أكلتها أنعم منها ". (٢)
وأخرج أبو نعيم في الحلية، والحاكم في مستدركه عن ابن مسعود قال: "جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: يا رسول الله هذه الناقة في سبيل الله. فقال: " لك بها سبعمائة ناقة مخطومة (٣) في الجنة ". وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ووافقهما الشيخ ناصر الدين الألباني (٤) . ورواه مسلم في صحيحه عن أبي مسعود الأنصاري، قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله - ﷺ -: " لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة ". رواه مسلم (٥) .
_________________
(١) الجزر: الجمال.
(٢) مشكاة المصابيح: (٢/٩١)، قال المحقق: رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب، قلت (الشيخ ناصر): سنده حسن.
(٣) مخطومة: فيها خطام وهو قريب من الزمام.
(٤) سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٢/٢٢٨)، ورقم الحديث: ٦٣٤.
(٥) صحيح مسلم: ١٨٩٢.
[ ١٨٣ ]
الفصل الرابع: أصحاب الجنة
المبحث الأول: الأعمال التي استحقوا بها الجنة
أصحاب الجنة هم المؤمنون الموحدون، فكل من أشرك بالله أو كفر به، أو كذب بأصل من أصول الإيمان فإنه يحرم من الجنان، ويكون في النيران.
والقرآن يذكر كثيرًا أن أصحاب الجنة هم المؤمنون الذين يعملون الصالحات، وفي بعض الأحيان يفصل الأعمال الصالحة التي يستحق بها صاجها الجنة.
ومن المواضع التي نص القرآن على استحقاق أهل الجنة الجنة بالإيمان والأعمال الصالحة قوله تعالى: (وبشر الذين ءامنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنت تجرى من تحتها الأنهر كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشبها ولهم فيها أزوج مطهرة وهم فيها خالدون) [البقرة: ٢٥] . وقوله: (والذين ءامنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها
[ ١٨٥ ]
أزوج مطهرة وندخلهم ظلًا ظليلا) [النساء: ٥٧]، وقوله: (والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسًا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون) [الأعراف: ٤٢]، وقوله: (وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم) [التوبة: ٧٢]، وقوله: (إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجرى من تحتهم الأنهار في جنات النعيم * دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وءاخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) [يونس: ٩-١٠] .
وقوله تعالى: (أولئك لهم جنات عدن تجرى من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابًا خضرًا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا) [الكهف: ٣١] .
وقوله تعالى: (ومن يأته مؤمنًا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى * جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى) [طه: ٧٥-٨٦] .
وفي بعض الأحيان يذكر أنهم استحقوا الجنة لتحقيقهم أمرًا من أمور الإيمان أو عملًا صالحًا، وقد يفصل في الأعمال الصالحة، ويطيل في ذلك.
ففي بعض الأحيان يذكر أنهم استحقوا الجنة بالإيمان والإسلام (يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون * الذين ءامنوا بئاياتنا وكانوا مسلمين * أدخلوا الجنة أنتم وأزوجكم تحبرون) [الزخرف: ٦٨-٧٠] .
[ ١٨٦ ]
وأحيانًا يذكر أنهم استحقوها لأنهم أخلصوا دينهم لله: (إلا عباد الله المخلصين * أولئك لهم رزق معلوم * فواكه وهم مكرمون * في جنات النعيم) [الصافات: ٤٠-٤٣] .
وأحيانًا يذكر استحقاقهم لها لقوة ارتباطهم بالله ورغبتهم إليه وعبادتهم له (إنما يؤمن بئاياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدًا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون * تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) [السجدة: ١٥-١٨] .
ومن الأعمال الصبر والتوكل: (والذين ءامنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفًا تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين * الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون) [العنكبوت: ٥٨-٥٩] .
ومنها الاستقامة على الإيمان: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون) [الأحقاف: ١٣-١٤]، ومنها الإخبات إلى الله تعالى: (إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خلدون) [هود: ٢٣]، ومن ذلك الخوف من الله: (ولمن خاف مقام ربه جنتان) [الرحمن: ٤٦] . ومن ذلك بغض الكفرة المشركين، وعدم موادتهم (لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الأخر يوادون من حاد
[ ١٨٧ ]
الله ورسوله ولو كانوا ءاباءهم أو أبناءهم أو إخونهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه) [المجادلة: ٢٢] .
وفي بعض الأحيان تفصل الآيات في ذكر الأعمال الصالحة التي يستحق بها أصحابها الجنة تفصيلًا كثيرًا، فذكر في سورة الرعد أنهم استحقوها باعتقادهم أن ما أنزل على الرسول - ﷺ - هو الحق، وبوفائهم بالعهود، وعدم نقضهم الميثاق، ووصلهم ما أمر الله بوصله، وخشيتهم لله، وخوفهم من سوء الحساب، وصبرهم لله، وإقام الصلاة، والإنفاق سرًا وعلانية، ودرئهم بالحسنة السيئة (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يذكر أولوا الألباب* الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق* والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب * والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرًا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار * جنت عدن يدخلونها ومن صلح من ءابائهم وأزواجهم وذريتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلم عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) [الرعد: ١٩-٢٤]
وفي مطلع سورة المؤمنين حكم أن الفلاح إنما هو للمؤمنين، ثم بين الأعمال التي تؤهلهم للفلاح، وأعلمنا أن فلاحهم إنما يكون بإدخالهم الفردوس خالدين فيها أبدًا. (قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون * والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون * والذين هم لأمنتهم وعهدهم راعون *
[ ١٨٨ ]
والذين هم على صلاتهم يحافظون * أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس هم فيها خلدون) [المؤمنون: ١ – ١١] .
وقد حدثنا الرسول - ﷺ - عن ثلاثة أعمال عظيمة يستحق بها أصحابها الجنة، فقد روى مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله - ﷺ - قال ذات يوم في خطبته: " وأهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال ". (١)
_________________
(١) رواه مسلم، انظر شرح النووي على مسلم: (١٧/١٩٨) .
[ ١٨٩ ]
المبحث الثاني: طريق الجنة شاق
الجنة درجة عالية، والصعود إلى العلياء يحتاج إلى جهد كبير، وطريق الجنة فيه مخالفة لأهواء النفوس ومحبوباتها، وهذا يحتاج إلى عزيمة ماضية، وإرادة قوية، ففي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره " ولمسلم حفت بدل حجبت. (١)
وفي سنن النسائي والترمذي وأبي داود عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: " لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فحفها بالمكاره، فقال: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد ". (٢)
وقد علق النووي في " شرحه على مسلم " على الحديث الأول قائلًا: "هذا من بديع الكلام وفصيحه وجوامعه التي أوتيها - ﷺ - من التمثيل الحسن، ومعناه لا يوصل الجنة إلا بارتكاب المكاره، والنار بالشهوات، وكذلك هما محجوبتان بهما، فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب، فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره، وهتك حجاب النار بارتكاب الشهوات، فأما المكاره فيدخل فيها الاجتهاد في العبادة،
_________________
(١) جامع الأصول: (١٠/٥٢١) ورقمه: ٨٠٦٩.
(٢) جامع الأصول: (١٠/٥٢٠)، ورقمه: ٨٠٦٨، وقال الترمذي فيه: حديث حسن صحيح غريب.
[ ١٩٠ ]
والمواظبة عليها، والصبر على مشاقها، وكظم الغيظ، والعفو، والحلم، والصدقة، والإحسان إلى المسيء، والصبر عن الشهوات، ونحو ذلك ". (١)
_________________
(١) شرح النووي على مسلم: (١٧/١٦٥) .
[ ١٩١ ]
المبحث الثالث: أهل الجنة يرثون نصيب أهل النار في الجنة
جعل الله لكل واحد من بني آدم منزلين: منزلًا في الجنة، ومنزلًا في النار، ثم إن من كتب له الشقاوة من أهل الكفر والشرك يرثون منازل أهل الجنة التي كانت لهم في النار، والذين كتب لهم السعادة من أهل الجنة يرثون منازل أهل النار التي كانت لهم في الجنة، قال تعالى في حق المؤمنين المفلحين بعد أن ذكر أعمالهم التي تدخلهم الجنة: (أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس هم فيها خلدون) [المؤمنون: ١٠-١١] .
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: " قال ابن أبي حاتم – وساق الإسناد إلى أبي هريرة ﵁ – قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فأما المؤمن فيبني بيته الذي في الجنة، ويهدم بيته الذي في النار ".
وروى عن سعيد بن جبير نحو ذلك، فالمؤمنون يرثون منازل الكفار، لأنهم خلقوا لعبادة الله وحده لا شريك له، فلما قام هؤلاء بما وجب عليهم من العبادة، وترك أولئك ما أمروا به مما خلقوا له، أحرز هؤلاء نصيب أولئك لو كانوا أطاعوا ربهم ﷿، بل أبلغ من هذا أيضًا، وهو ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: " يجيء ناس يوم القيامة من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى" وفي لفظ له: قال رسول الله - ﷺ -: " إذا كان يوم القيامة دفع الله لكل
[ ١٩٢ ]
مسلم يهوديًا أو نصرانيًا، فيقال: هذا فكاكك من النار". وهذا الحديث كقوله تعلى: (تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا) [مريم: ٦٣]، وقوله: (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون) [الزخرف: ٧٢] . فهم يرثون نصيب الكفار في الجنان. (١)
_________________
(١) تفسير ابن كثير: (٥/١٠) .
[ ١٩٣ ]
المبحث الرابع: الضعفاء أكثر أهل الجنة
أكثر من يدخل الجنة الضعفاء الذين لا يأبه الناس لهم، ولكنهم عند الله عظماء، لإخباتهم لربهم، وتذللهم له، وقيامهم بحق العبودية لله، روى البخاري ومسلم عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ألا أخبركم بأهل الجنة؟ قالوا: بلي، قال: كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره ". (١)
قال النووي في شرحه للحديث: " ومعناه يستضعفه الناس، ويحتقرونه، ويتجبرون عليه، لضعف حاله في الدنيا، والمراد أن أغلب أهل الجنة هؤلاء وليس المراد الاستيعاب ". (٢)
وفي الصحيحين ومسند أحمد عن أسامة بن زيد، قال: رسول الله - ﷺ -: " قمت على باب الجنة، فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء ". (٣)
وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: " اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء ". (٤)
_________________
(١) جامع الأصول: (١٠/٥٣٥) .
(٢) النووي على مسلم: (١٧/١٨٧) .
(٣) مشكاة المصابيح: (٢/٦٦٣)، ورقمه: ٥٢٣٣.
(٤) مشكاة المصابيح (٢/٦٦٣)، ورقمه: ٥٢٣٤.
[ ١٩٤ ]
المبحث الخامس: هل الرجال أكثر في الجنة أم النساء؟
تخاصم الرجال والنساء في هذا والصحابة أحياء، ففي صحيح مسلم عن ابن سيرين قال: اختصم الرجال والنساء: أيهم أكثر في الجنة؟ وفي رواية: إما تفاخروا، وإما تذاكروا: الرجال في الجنة أكثر أم النساء؟ فسألوا أبا هريرة، فاحتج أبو هريرة على أن النساء في الجنة أكثر بقول الرسول - ﷺ -: " إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوأ كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب ". (١)
والحديث واضح الدلالة على أن النساء في الجنة أكثر من الرجال، وقد احتج بعضهم على أن الرجال أكثر بحديث: "رأيتكن أكثر أهل النار ". والجواب أنه لا يلزم من كونهن أكثر أهل النار أن يكن أقل ساكني الجنة كما يقول ابن حجر العسقلاني (٢)، فيكون الجمع بين الحديثين أن النساء أكثر أهل النار وأكثر أهل الجنة، وبذلك يكن أكثر من الرجال وجودًا في الخلق. ويمكن أن يقال: إن حديث أبي هريرة يدل على أن نوع النساء في الجنة أكثر سواء كن من نساء الدنيا أو من الحور العين، والسؤال هو: أيهما أكثر في الجنة: رجال أهل الدنيا أم نساؤها؟ وقد وفق القرطبي بين النصين بأن النساء يكن أكثر أهل النار قبل الشفاعة وخروج
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الجنة باب أول زمرة تدخل الجنة (٤/٢١٧٩)، ورقم الحديث: ٢٨٣٤.
(٢) فتح الباري: (٦/٣٢٥) .
[ ١٩٥ ]
عصاة الموحدين من النار، فإذا خرجوا منها بشفاعة الشافعين ورحمة أرحم الراحمين كن أكثر أهل الجنة. (١)
ويدل على قلة النساء في الجنة ما رواه أحمد وأبو يعلى عن عمرو بن العاص قال: "بينما نحن مع رسول الله - ﷺ - في هذا الشعب إذ قال: انظروا هل ترون شيئا؟ فقلنا: نرى غربانًا فيها غراب أعصم، أحمر المنقار والرجلين، فقال رسول الله - ﷺ -: لا يدخل الجنة من النساء إلا من كان منهن مثل هذا الغراب في الغربان ". (٢)
_________________
(١) راجع التذكرة للقرطبي: ص ٤٧٥.
(٢) سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٤/٤٦٦)، ورقمه: ١٨٥١، وصحح الشيخ ناصر إسناده.
[ ١٩٦ ]
المبحث السادس: الذين توفوا قبل التكليف
المطلب الأول: أطفال المؤمنين
أطفال المؤمنين الذين لم يبلغوا الحلم هم في الجنة إن شاء الله تعالى بفضل الله ورحمته. قال تعالى: (والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين) [الطور: ٢١] .
واستدل علي بن أبي طالب بقوله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة) [المدثر: ٣٨] . على أن أطفال المؤمنين في الجنة، لأنهم لم يكتسبوا فيرتهنوا بكسبهم. (١)
وقد عقد البخاري في صحيحه بابًا عنون له بقوله: " باب فضل من مات له ولد فاحتسب ". وساق فيه حديث أنس ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: "ما من الناس مسلم يتوفي له ثلاث لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم ". وحديث أبي سعيد ﵁ أن النساء قلن للنبي - ﷺ -: اجعل لنا يومًا، فوعظهن، وقال: " أيما امرأة مات لها ثلاثة من الولد كانوا لها حجابًا من النار. قالت امرأة: واثنان؟ قال: واثنان ". (٢)
_________________
(١) التذكرة للقرطبي ص: ٥١١، وعزاه إلى أبي عمر في التمهيد والاستذكار وأبي عبد الله الترمذي في نوادر الأصول.
(٢) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب فضل من مات له ولد فاحتسب، فتح الباري: (٣/١١٨) .
[ ١٩٧ ]
وعقد بابًا آخر عنوانه: " باب ما قيل في أولاد المشركين " وساق فيه حديث أنس السابق، وحديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: " من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث كانوا له حجابًا من النار أو دخل الجنة ". وحديث البراء ﵁ قال: " لما توفى إبراهيم ﵇ قال رسول الله - ﷺ -: " إن له مرضعًا في الجنة ". (١)
ووجه الدلالة في الأحاديث التي ساقها البخاري على أن أطفال المؤمنين في الجنة – كما يقول – ابن حجر -: " إن من يكون سببًا في حجب النار عن أبوبه أولى بأن يحجب هو. لأنه أصل الرحمة وسببها ". (٢)
وقد جاءت نصوص صريحة في إدخال ذرية المؤمنين الجنة، فمن ذلك حديث علي مرفوعًا عند عبد الله بن أحمد في زيادات المسند: " إن المسلمين وأولادهم في الجنة ". (٣)
وحديث أبي هريرة عند أحمد في مسنده مرفوعًا: " ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما الله وإياهم بفضل رحمته الجنة ". (٤)
وروى مسلم في صحيحه، وأحمد في مسنده عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "صغارهم دعاميص (٥) الجنة، يتلقى أحدهم أباه أو قال: أبويه،
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المسلمين، فتح الباري: (٣/٢٤٤) وحديث أبي هريرة رواه معلقًا.
(٢) فتح الباري: (٣/٢٤٤) .
(٣) فتح الباري: (٣/٢٤٥)
(٤) فتح الباري: (٣/٢٤٥) .
(٥) يراد بالدعموص هنا: الآذن على الملوك المتصرف بين أيديهم.
[ ١٩٨ ]
فيأخذ بثوبه، أو قال بيده، كما آخذ أنا بصنفه ثوبك هذا، فلا يتناهى، أو قال: فلا ينتهي حتى يدخله الله وإياه الجنة ". (١)
وروى الإمام أحمد، وابن حبان، والحاكم عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: " ذراري المسلمين في الجنة يكفلهم إبراهيم - ﷺ - ". (٢)
وروى أبو نعيم في أخبار أصبهان، والديلمي، وابن عساكر عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: " أطفال المؤمنين في الجنة يكفلهم إبراهيم وسارة، حتى يدفعوهم إلى آبائهم يوم القيامة ". (٣)
وقد نقل النووي إجماع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين في الجنة، ونقل عنه أنه توقف بعضهم في ذلك. (٤)
وحكى القرطبي التوقف عن حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وإسحاق ابن راهويه. (٥)
قال النووي: "توقف فيه بعضهم لحديث عائشة، يعني الذي أخرجه مسلم بلفظ: " توفي صبي من الأنصار، فقلت: طوبى له لم يعمل سوءًا ولم يدركه، فقال النبي - ﷺ -: "أغير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا ".
_________________
(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة: (١/١٧٤)، ورقم الحديث: ٤٣٢.
(٢) سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٢/١٥٦)، ورقم الحديث: ٦٠٣، وذكر المحقق أن الحاكم صحح إسناده ووافقه الذهين، إلا أن الشيخ ناصر قال: هو حسن فقط.
(٣) سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٣/٤٥١)، ورقمه: ١٤٦٨.
(٤) فتح الباري: (٣/٢٤٤) .
(٥) التذكرة للقرطبي: (ص ٥١١) .
[ ١٩٩ ]
قال: " والجواب عنه أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل، أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة ". (١)
أقول: لعل الصواب أن الحديث يسير إلى أنه لا يجوز أن نجزم لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، وإن كنا نشهد لهم مطلقًا بالجنة. والأمر الثاني هو عدم الهجوم على ذلك كي لا يتجرأ الناس على مثل هذا كما هو حاصل في زماننا، إذ يزعم نعاة الموتى أن ميتهم في الجنة، وإن كان أفسق الناس.
يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: " لا يشهد لكل معين من أطفال المؤمنين بأنه في الجنة، وإن شهد لهم مطلقًا ". (٢)
المطلب الثاني: أطفال المشركين
بوب البخاري في صحيحه بابًا بعنوان "باب ما قيل في أولاد المشركين" وأورد فيه حديث ابن عباس ﵄ قال: "سئل رسول الله - ﷺ - عن أولاد المشركين، فقال: الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين".
وحديث أبي هريرة ﵁ قال: "سئل النبي - ﷺ - عن ذراري المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين ".
وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: " كل مولود يولد
_________________
(١) فتح الباري: (٣/٢٤٤)
(٢) مجموعة فتاوى شيخ الإسلام: (٤/٢٨١) .
[ ٢٠٠ ]
على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء ". (١)
والبخاري رحمه الله تعالى – كما يقول ابن حجر – أشعر بهذه الترجمة أنه كان متوقفًا في أولاد المشركين، وقد جزم بعد هذا في تفسير سورة الروم من صحيحه بما يدل على اختيار القول الصائر إلى أنهم في الجنة، وقد رتب أيضًا أحاديث هذا الباب ترتيبًا يشير إلى المذهب المختار، فإنه صدره بالحديث الدال على التوقف، ثم ثنى بالحديث المرجح لكونهم في الجنة، ثم ثلث بالحديث المصرح بذلك في قوله في سياقه: " وأما الصبيان حوله فأولاد الناس " قد أخرجه البخاري في التعبير بلفظ: " وأما الولدان الذين حوله فكل مولود يولد على الفطرة، فقال بعض المسلمين: وأولاد المشركين؟ فقال: وأولاد المشركين ". (٢)
قال ابن حجر: ويؤيده ما رواه أبو يعلى من حديث أنس مرفوعًا " سألت ربي اللاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم فأعطانيهم" إسناده حسن، وورد تفسير " اللاهين " بأنهم الأطفال من حديث ابن عباس مرفوعًا أخرجه البزار. وأخرج أحمد من طريق خنساء بنت معاوية بن صريم عن عمتها قالت: " قلت: يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة ". وإسناده حسن. (٣)
واحتجوا أيضًا بقوله - ﷺ -: " أطفال المشركين خدم أهل الجنة " رواه ابن منده في المعرفة، وأبو نعيم في الحلية، وأبو يعلى في مسنده، وحكم عليه الشيخ ناصر الدين الألباني بالصحة بمجموع طرقه. (٤)
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، فتح الباري: (٣/٢٤٦) .
(٢) فتح الباري: (٣/٢٤٦) .
(٣) فتح الباري: (٣/٢٤٦)
(٤) سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٣/٤٥٢)، ورقمه: ١٤٦٨.
[ ٢٠١ ]
والقول بأنهم في الجنة هو قول جمع من أهل العلم، وهو اختيار أبي الفرج بن الجوزي (١)، وقال النووي في هذا المذهب: "وهو المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون لقوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) [الإسراء: ١٥)، واحتج بالأدلة التي ساقها البخاري وغيره ". (٢)
وأقول: وهذا القول هو الذي رجحه القرطبي أيضًا وقد وفق القرطبي بين النصوص التي يظهر منها التعارض في هذا الموضوع بأن الرسول - ﷺ -: قال في أول الأمر هم مع آبائهم أي في النار، ثم حصل منه توقف في ذلك، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين، ثم أوحى إليه أنه لا يعذب أحد بذنب غيره (ولا تزر وازرة وزر أخرى) [الإسراء: ١٥]، فحكم بأنهم في الجنة (٣)، وذكر في ذلك حديثًا رواه عبد الرزاق، ولكن الحديث ضعيف كما قال ابن حجر العسقلاني. (٤)
ويشكل على هذا التوفيق الذي ذكره ابن حجر أن المسألة ليست من مسائل النظر والاجتهاد، ولكنها مسألة غيبية لا يتكلم فيها إلا بوحي، والله أعلم.
وقد يشكل على القول بأن أولاد المؤمنين والمشركين في الجنة ما ورد من نصوص دالة علي أن الله علم أهل الجنة والنار أزلًا، وأن الملك عندما يزور الرحم يكتب رزق الجنين وأجله وشقاءه وسعادته، وقد يقال في الجواب: إن من مات صغيرًا قبل الاكتساب فإنه يكون مكتوبًا من السعداء وهو في بطن أمه، والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: (٢٤/٣٧٢) .
(٢) فتح الباري: (٣/٢٤٧) .
(٣) التذكرة للقرطبي: ص ٥١٥.
(٤) فتح الباري: (٣/٢٤٧) .
[ ٢٠٢ ]
وقد ذهب جمع من أهل العلم إلى أنهم في مشيئة الله تعالى، وهذا منقول عن حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وابن المبارك، وإسحاق، ونقله البيهقي في " الاعتقاد " عن الشافعي في حق أولاد الكفار خاصة، قال ابن عبد البر: وهو مقتضى صنيع مالك، وليس عنده في هذا شيء منصوص، إلا أن أصحابه صرحوا بأن أطفال المسلمين في الجنة وأطفال الكفار خاصة في المشيئة، والحجة فيه حديث: " الله أعلم بما كانوا عاملين ". (١)
وهذا القول حكاه أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة (٢)، وهو اختيار شيخ الإسلام، فقد اختار أن أطفال المشركين في مشيئة الله، وأنهم يمتحنون في يوم القيامة، وعزا القول بذلك إلى أبي الحسن الأشعري والإمام أحمد، قال شيخ الإسلام: "والصواب أن يقال فيهم: الله أعلم بما كانوا عاملين، ولا يحكم لمعين منهم بجنة ولا نار، وقد جاء في عدة أحاديث أنهم يوم القيامة يمتحنون في عرصات القيامة يؤمرون وينهون، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، وهذا هو الذي ذكره أبو المحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة. (٣)
وقال في موضع آخر: "أطفال المشركين الذين لم يكلفوا في الدنيا يكلفون في الآخرة، كما وردت بذلك أحاديث متعددة، وهو القول الذي حكاه أبو الحسن الأشعري في أطفال المشركين، كما ثبت في الصحيحين عن النبي - ﷺ -: أنه سئل عنهم فقال: " الله أعلم بما كانوا عاملين ". (٤)
_________________
(١) فتح الباري: (٣/٢٤٦)
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: (٤/٢٨١ – ٤٠٤)، (٢٤/٣٧٢) .
(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: (٤/٢٨١ – ٤٠٤)، (٢٤/٣٧٢) .
(٤) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: (٤/٢٨١) .
[ ٢٠٣ ]
وقد ذكر ابن حجر أنهم يمتحنون في الآخرة بأن ترفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن أبى عذب، أخرجه البزار من حديث أنس وأبي سعيد، وأخرجه الطبراني من حديث معاذ بن جبل، وقد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون، ومن في الفترة من طرق صحيحة، وحكى البيهقي في " كتاب الاعتقاد " أنه المذهب الصحيح. (١)
ويدل لصحة هذا القول ما ورد في محكم القرآن في قصة العبد الصالح الذي رحل نبي الله موسى إلى لقائه في مجمع البحرين، فإنه قال مبينًا السر في قتله الغلام: (وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغينًا وكفرا) [الكهف: ٨٠]، وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: في الغلام الذي قتله الخضر: " طبع يوم طبع كافرًا، ولو ترك لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا " قال ابن تيمية معقبًا على الحديث: " يعني طبعه الله في أم الكتاب، أي أثبته وكتبه كافرًا، أي أنه إن عاش كفر بالفعل ".
وقد ضعف القرطبي هذا المذهب محتجًا بأن الآخرة دار جزاء لا ابتلاء، ففي " التذكرة " قال المؤلف (يعني نفسه): "ويضعفه (القول بامتحانهم في عرصات القيامة) من جهة المعنى أن الآخرة ليست بدار تكليف، وإنما هي دار جزاء: ثواب، وقال الحليمي: وهذا الحديث ليس بثابت، وهو مخالف لأصول المسلمين، لأن الآخرة ليست بدار امتحان، فإن المعرفة بالله تعالى فيها تكون ضرورة، ولا محنة مع الضرورة ". (٢)
وهذا الذي اعترض به من أن التكليف ينقطع بالموت غير صحيح، وقد رد
_________________
(١) فتح الباري: (٣/٢٤٦) .
(٢) التذكرة: ص ٥١٤.
[ ٢٠٤ ]
على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: " التكليف إنما ينقطع بدخول دار الجزاء وهي الجنة والنار، وأما عرصات القيامة فيمتحنون فيها كما يمتحنون في البرزخ، فيقال لأحدهم: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وقال تعالى: (يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون) [القلم: ٤٢]، وقد ثبت في الصحيح من غير وجه عن النبي - ﷺ - أنه قال: " يتجلى الله لعباده في الموقف، إذا قيل ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون، فيتبع المشركون آلهتهم، ويبقى المؤمنون، فيتجلى لهم الرب الحق في غير الصورة التي كانوا يعرفون، فينكرونه، ثم يتجلى لهم في الصورة التي يعرفون، فيسجد له المؤمنون، وتبقى ظهور المنافقين كقرون البقر، فيريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون، وذلك لقوله: (يوم يكشف عن ساق) [القلم: ٤٢] . (١)
فالمحنة لا تتوقف إلا بدخول الجنة والنار، وما ذكره القرطبي من أن المعرفة بالله في ذلك اليوم ضرورية صحيح، إلا أن المحنة تكون بالأمر والنهي كما ورد في بعض النصوص أن الله يكلفهم في ذلك اليوم بالدخول في النار، فالذي يطيع يكون من أهل السعادة، والذي يعصي يكون من أهل الشقاء.
_________________
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: (٢٤/٣٧٢)، وانظر: (١٧/٣٠٩) .
[ ٢٠٥ ]
المبحث السابع: مقدار ما يدخل الجنة من هذه الأمة
يدخل من هذه الأمة الجنة جموع كثيرة الله أعلم بعددهم، ففي صحيح البخاري عن سعيد بن جبير قال: حدثني ابن عباس، قال: قال النبي - ﷺ -: " عرضت على الأمم، فأخذ النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل هؤلاء أمتي؟ قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير، قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفًا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب ". (١)
والسواد الأول الذي ظنه الرسول - ﷺ - أمته هم بنو إسرائيل، كما في بعض الروايات في الصحيح " فرجوت أن تكون أمتي فقيل: هذا موسى وقومه ". (٢)
ولا شك أن أمة محمد - ﷺ - أكثر من بني إسرائيل، ففي الحديث: " فإذا سواد كثير " قال ابن حجر " في رواية سعيد بن منصور " عظيم " وزاد " فقيل لي: انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر مثله "، وفي رواية ابن فضيل: " فإذا سواد قد ملأ الأفق، فقيل لي: انظر هاهنا، وهاهنا في آفاق السماء " وفي حديث ابن مسعود: " فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال "،
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا، فتح الباري: (١١/٤٠٦) .
(٢) فتح الباري: (١١/٤٠٧) .
[ ٢٠٦ ]
وفي لفظ لأحمد: " فرأيت أمتي قد ملؤوا السهل والجبل، فأعجبني كثرتهم وهيئتهم"، فقيل: أرضيت يا محمد؟ قلت: نعم يا رب ". (١)
وقد ورد في بعض الأحاديث أن مع كل ألف من السبعين ألفًا سبعين ألفًا، وثلاث حثيات من حثيات الله، ففي مسند أحمد، وسنن الترمذي وابن ماجة عن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا لا حساب عليهم، ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفًا، وثلاث حثيات من حثيات ربي " (٢)، ولا شك أن الثلاث حثيات تدخل الجنة خلقًا كثيرًا.
وقد كان رسولنا - ﷺ - يرجو أن تكون هذه الأمة نصف أهل الجنة، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري عن الرسول - ﷺ - في ذكر بعث النار، قال صلوات الله وسلامه عليه في آخره: " والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة " فكبرنا. فقال: " أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة "، فكبرنا. فقال: " أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة " فكبرنا. قال: " ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض، أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود ". (٣)
بل ورد في بعض الأحاديث أن هذه الأمة تبلغ ثلثي أهل الجنة، ففي سنن الترمذي بإسناد حسن، وسنن الدارمي، و" البعث والنشور" للبيهقي عن بريدة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم ". (٤)
_________________
(١) فتح الباري: (١١/٤٠٨) .
(٢) مشكاة المصابيح: (٣/٦٤)، ورقمه: ٥٥٥٦، وقد حسنه الترمذي وصحح الشيخ ناصر إسناده.
(٣) مشكاة المصابيح: (٣/٥٨)، ورقم الحديث: ٥٥٤١.
(٤) مشكاة المصابيح: (٣/٩٢)، ورقم الحديث: ٥٦٤٤.
[ ٢٠٧ ]
وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " أنا أول شفيع في الجنة لم يصدق نبي من الأنبياء ما صدقت، وإن من الأنبياء نبيًا ما صدقة من أمته إلا رجل واحد ". (١)
والسر في كثرة من آمن من هذه الأمة أن معجزة الرسول - ﷺ - الكبرى كانت وحيًا متلوًا يخاطب العقول والقلوب، وهي معجزة باقية محفوظة إلى قيام الساعة، ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحى الله إلىَّ، وأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة ". (٢)
_________________
(١) مشكاة المصابيح: (٣/١٢٤)، ورقم الحديث: ٥٧٤٤.
(٢) مشكاة المصابيح: (٣/١٢٤)، ورقم الحديث: ٥٧٤٦.
[ ٢٠٨ ]
المبحث الثامن: سادة أهل الجنة
المطلب الأول: سيد كهول أهل الجنة
روى جمع من الصحابة منهم علي بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وأبو جحيفة، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري أن الرسول - ﷺ - قال: " أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين ".
وقد ذكر الشيخ ناصر الدين الألباني طرقه في كتب السنة، وقال في خاتمة تخريجه للحديث: "وجملة القول أن الحديث بمجموع طرقه صحيح بلا ريب، لأن بعض طرقه حسن لذاته، وبعضه يستشهد به..". (١)
المطلب الثاني: سيدا شباب أهل الجنة
أخبرنا الرسول - ﷺ - أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ثبت ذلك من طرق كثيرة تبلغ درجة التواتر، وقد جمع الشيخ ناصر الدين الألباني طرق الحديث في كتابه القيم: " سلسلة الأحاديث الصحيحة ".
_________________
(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة: (١٢/٤٨٧)، ورقمه: ٨٢٤.
[ ٢٠٩ ]
فقد رواه الترمذي والحاكم والطبراني وأحمد وغيرهم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ".
ورواه الترمذي وابن حبان وأحمد والطبراني وغيرهم عن حذيفة ﵁ قال: أتيت النبي - ﷺ -، فصليت معه المغرب، ثم قام يصلي حتى العشاء، ثم خرج، فاتبعته، فقال: " عرض لي ملك استأذن ربه أن يسلم عليّ ويبشرني في أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ".
وأخرجه الحاكم وابن عساكر عن عبد الله بن عمر أن الرسول - ﷺ - قال: "ابناي هذان سيدا شباب أهل الجنة ". (١)
المطلب الثالث: سيدات نساء أهل الجنة
السيد الحق هو الذي يثني عليه ربه ويشهد له، والسيدة الفاضلة هي التي يرضى عنها ربها، ويتقبلها بقبول حسن، وأفضل النساء هن اللواتي يحزن جنات النعيم، ونساء أهل الجنة يتفاضلن، وسيدات نساء أهل الجنة: خديجة، وفاطمة، ومريم وآسية، ففي مسند أحمد، ومشكل الآثار للطحاوي، ومستدرك الحاكم، بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: خط رسول الله - ﷺ - في الأرض أربعة أخطط، ثم قال: " تدرون ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، فاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون ". (٢)
_________________
(١) وإن أحببت أن تقف على رواته، ومخرجيه من كتب السنة، فارجع إلى سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٢/٤٣٨)، ورقم الحديث: ٧٩٧.
(٢) سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٤/١٣)، ورقمه: ١٥٠٨.
[ ٢١٠ ]
ومريم وخديجة أفضل الأربع، ففي صحيح البخاري عن علي بن أبي طالب عن النبي - ﷺ - قال: " خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة ". (١)
ومريم هي سيدة النساء الأولى وأفضل النساء على الإطلاق، فقد روى الطبراني بإسناد صحيح على شرط مسلم عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ - " سيدات نساء أهل الجنة بعد مريم ابنة عمران: فاطمة، وخديجة، وآسية امرأة فرعون " (٢) . وكونها أفضل النساء على الإطلاق صرح به القرآن: (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهراك واصطفاك على نساء العالمين) [آل عمران: ٤٢]، وكيف لا تكون كذلك وقد صرح الحق بأنه تقبلها (بقبول حسن وأنبتها نباتًا حسنا) [آل عمران: ٣٧] .
وهؤلاء الأربع نماذج رائعة للنساء الكاملات الصالحات، فمريم ابنة عمران أثنى عليها ربها في قوله: (أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين) [التحريم: ١٢] .
وخديجة الصديقة التي آمنت بالرسول - ﷺ - من غير تردد، وثبتته، وواسته بنفسها ومالها، وقد بشرها ربها في حياتها بقصر في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب، فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: " أتي جبريل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب تزويج النبي - ﷺ - خديجة وفضلها، فتح الباري: (٧/١٣٣) .
(٢) سلسلة الأحاديث الصحيحة: (٣/٤١٠) ن ورقمه: ١٤٢٤.
[ ٢١١ ]
طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب ". (١)
وآسية امرأة فرعون هان عليها ملك الدنيا ونعيمها، فكفرت بفرعون وألوهيته، فعذبها زوجها فصبرت حتى خرجت روحها إلى بارئها (وضرب الله مثلًا للذين ءامنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتًا في الجنة ونجنى من فرعون وعمله، ونجنى من القوم الظالمين) [التحريم: ١١] .
وفاطمة الزهراء ابنة الرسول - ﷺ - الصابرة المحتسبة التقية الورعة فرع الشجرة الطاهرة، وتربية معلم البشرية.
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب المناقب، باب تزويج النبي r خديجة وفضلها، فتح الباري: (٧/١٣٣) والحديث مروى في هذا الباب م طرق أخرى عن عائشة وعبد الله بن أبي أوفي.
[ ٢١٢ ]
المبحث التاسع: العشرة المبشرون بالجنة
نص الرسول - ﷺ - نصًا صريحًا على أن عشرة من أصحابه من أهل الجنة، ففي مسند أحمد عن سعيد بن زيد، وسنن الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي - ﷺ - قال: " أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة ". وإسناده صحيح. (١)
وروى الحديث الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة والضياء في المختارة عن سعيد بن زيد بلفظ فيه شيء من الاختلاف عن سابقه، ولفظه: " عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة " وإسناده صحيح. (٢)
_________________
(١) صحيح الجامع الصغير: (١/٧٠)، ورقمه: ٥٠.
(٢) صحيح الجامع الصغير: (٤/٣٤)، ورقمه: ٣٩٠٥.
[ ٢١٣ ]
وتذكر لنا كتب السنة أن الرسول - ﷺ - كان يومًا جالسًا على بئر أريس وأبو موسى الأشعري بواب له، فجاء أبو بكر الصديق فاستأذن، فقال له الرسول - ﷺ -: " ائذن له وبشره بالجنة " ثم جاء عمر فقال: " ائذن له، وبشره بالجنة " ثم جاء عثمان، فقال: " ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه ". (١)
وروى ابن عساكر بإسناد صحيح عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: " القائم بعدي في الجنة، والذي يقوم بعده في الجنة، والثالث والرابع في الجنة " (٢) . ومراده بالقائم بعده: الذي يلي الحكم بعد موته، وهؤلاء الأربعة هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ جميعًا.
وروى الترمذي والحاكم بإسناد صحيح عن عائشة ﵂ أن الرسول - ﷺ - قال لأبي بكر: " أنت عتيق من النار ". (٣)
المبحث العاشر: بعض من نص على أنهم في الجنة غير من ذكر
١- ٢ - جعفر بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب:
من الذين أخبر الرسول - ﷺ - أنهم في الجنة جعفر وحمزة، ففي سنن
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم والنرمذي، جامع الأصول (٨/٥٦٢)، ورقمه: ٦٣٧٢، والحديث طويل، وقد اقتصرنا منه على موضع الشاهد فحسب.
(٢) صحيح الجامع الصغير: (٤/١٤٩)، ورقمه: ٤٣١١.
(٣) صحيح الجامع الصغير: (٢/٢٤)، ورقمه: ١٤٩٤.
[ ٢١٤ ]
الترمذي، ومسند أبي يعلى، ومستدرك الحاكم وغيرهم عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "رأيت جعفر بن أبي طالب ملكًا يطير في الجنة بجناحين ". (١)
وروى الطبراني، وابن عدي، والحاكم عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: " دخلت الجنة البارحة، فنظرت فيها، فإذا جعفر يطير مع الملائكة، وإذا حمزة متكئ على سرير ". وإسناده صحيح. (٢)
وقد صح أن الرسول قال: " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ". (٣)
٣- عبد الله بن سلام:
روى أحمد والطبراني والحاكم بإسناد صحيح عن معاذ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " عبد الله بن سلام عاشر عشرة في الجنة ". (٤)
٤- زيد بن حارثة:
روى الروياني والضياء عن بريدة أن النبي - ﷺ - قال: " دخلت الجنة، فاستقبلتني جارية شابة، فقلت: لمن أنت؟ قالت: لزيد بن حارثة ". (٥)
٥- زيد بن عمرو بن نفيل:
روى ابن عساكر بإسناد حسن عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: " دخلت الجنة، فرأيت لزيد بن عمرو بن نفيل درجتين ". (٦)
_________________
(١) قال الشيخ ناصر في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٣/٢٢٦)، حديث رقم: ١٢٢٦: (حديث صحيح جاء من طرق عن أبي هريرة، وابن عباس، وعلي بن أبي طالب، وأبي عامر والبراء) وقد ساق طرقه.
(٢) صحيح الجامع: (٣/١٤٠)، ورقمه: ٣٣٥٨.
(٣) صحيح الجامع: (٣/١٢٩)، ورقمه: ٣٥٦٩.
(٤) صحيح الجامع الصغير: (٤/٢٥) ورقمه: ٣٨٧٠.
(٥) صحيح الجامع (٣/١٤١)، ورقمه: ٣٣٦١.
(٦) صحيح الجامع الصغير: (٣/١٤١)، ورقمه: ٣٣٦٢.
[ ٢١٥ ]
وزيد هذا كان يدعو إلى التوحيد في الجاهلية، وكان على الحنيفية ملة إبراهيم.
٦- حارثة بن النعمان:
وروى الترمذي والحاكم عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - قال: " دخلت الجنة، فسمعت فيها قراءة، فقلت: من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان، كذلكم البر، كذلكم البر ". (١)
٧- بلال بن رباح:
روى الطبراني وابن عدي بإسناد صحيح عن أبي أمامة عن النبي - ﷺ - قال: " دخلت الجنة، فسمعت خَشفة بين يدي، قلت: ما هذه الخشفة؟ فقيل: هذا بلال يمشي أمامك ". (٢)
وفي المسند بإسناد صحيح عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: " دخلت الجنة ليلة أسري بي، فسمعت من جانبها وجسًا، فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: بلال المؤذن ". (٣)
٨ – أبو الدحداح:
روى مسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي وأحمد عن جابر بن سمرة أن
_________________
(١) صحيح الجامع الصغير: (٣/١٤١)، ورقمه: ٣٣٦٦.
(٢) صحيح الجامع الصغير: (٣/١٤١)، ورقمه: ٣٣٦٤.
(٣) صحيح الجامع الصغير (٣/١٤١)، ورقمه: ٣٣٦٧.
[ ٢١٦ ]
رسول الله - ﷺ - قال: " كم من عذق معلق لأبي الدحداح في الجنة ". (١)
وأبو الدحداح هذا هو الذي تصدق ببستانه: بيرحاء، أفضل بساتين المدينة عندما سمع الله يقول: (من ذا الذي يقرض الله قرضًا حسنًا فيضاعفه له أضعافًا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون) [البقرة: ٢٤٥] .
٩- ورقة بن نوفل:
روى الحاكم بإسناد صحيح عن عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: " لا تسبوا ورقة بن نوفل، فإني قد رأيت له جنة أو جنتين ". (٢)
وورقة آمن بالرسول - ﷺ - عندما جاءته خديجة بالرسول - ﷺ - في أول مرة، وتمنى على الله أن يدرك ظهور أمر الرسول - ﷺ - لينصره.
_________________
(١) صحيح الجامع الصغير: (٤/١٨٥)، ورقمه: ٤٤٥٠.
(٢) صحيح الجامع الصغير: (٦/١٥٣)، ورقمه: ٧١٩٧.
[ ٢١٧ ]
المبحث الحادي: الجنة ليست ثمنًا للعمل
الجنة شيء عظيم، لا يمكن أن يناله المرء بأعماله التي عملها، وإنما تنال برحمة الله وفضله، روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لن يدخل أحد منكم عمله الجنة " قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة ". (١)
وقد يشكل على هذا النصوص التي تشعر بأن الجنة ثمن للعمل، كقوله تعالى: (فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) [السجدة: ١٧]، وقوله: (تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) [الأعراف: ٤٣] .
ولا تعارض بين الآيات وما دل عليه الحديث، فإن الآيات تدل على أن الأعمال سبب لدخول الجنة، وليست ثمنًا لها. والحديث نفى أن تكون الأعمال ثمنًا للجنة. وقد ضل في هذا فرقتان: الجبرية التي استدلت بالحديث على أن الجزاء غير مرتب على الأعمال، لأنه لا صنع للعبد في عمله، والقدرية استدلوا بالآيات، وقالوا: إنها تدل على أن الجنة ثمن للعمل، وأن العبد مستحق دخول الجنة على ربه بعمله.
_________________
(١) صحيح مسلم: (٤/٢١٧٠) ورقم الحديث: ٢٨١٦.
[ ٢١٨ ]
يقول شارح الطحاوية في هذه المسالة:
"وأما ترتب الجزاء على الأعمال، فقد ضل فيه الجبرية والقدرية، وهدى الله أهل السنة، وله الحمد والمنة، فإن الباء التي في النفي غير الباء التي في الإثبات. فالمنفى في قوله - ﷺ -: " لن يدخل الجنة أحد بعمله " - باء العوض، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الرجل إلى الجنة، كما زعمت المعتزلة أن العامل مستحق دخول الجنة على ربه بعمله، بل ذلك برحمه الله وفضله. والباء التي في قوله: (جزاء بما كانوا يعملون) [السجدة: ١٧] وغيرها باء السبب، أي بسبب عملكم، والله تعالى هو خلق الأسباب والمسببات، فرجع الكل إلى محض فضل الله ورحمته". (١)
_________________
(١) شرح الطحاوية: ٤٩٥.
[ ٢١٩ ]
الفصل الخامس: صفة أهل الجنة ونعيمهم فيها
يدخل أهل الجنة الجنة على أكمل صورة وأجملها، على صورة أبيهم آدم ﵇، فلا أكمل ولا أتم من تلك الصورة والخلقة التي خلق الله عليها أبا البشر آدم، فقد خلقه الله تعالى بيده فأتم خلقه، وأحسن تصويره، وكل من يدخل الجنة على صورة آدم وخلقته، وقد خلقه الله طوالًا كالنخلة السحوق، طوله في السماء ستون ذراعًا، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: " خلق الله ﷿ آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا.. فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، وطوله ستون ذراعًا، فلم يزل الخلق ينقص بعده ". (١)
وإذا كان خلقهم الظاهري متفق، فكذلك خلقهم في باطنهم واحد، نفوسهم صافية، وأرواحهم طاهرة زكية، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة في الحديث الذي يصف فيه الرسول - ﷺ - دخول أهل الجنة ومنهم الزمرة الذين يدخلون الجنة
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الجنة، باب يدخل الجنة أقواما أفئدتهم مثل أفئدة الطير، (٤/٢١٨٣)، ورقمه: ٢٨٤١.
[ ٢٢١ ]
نورهم كالبدر قال: " أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعًا في السماء ". (١)
ومن جمال صورتهم أنهم يكونون جردًا مردًا كأنهم مكحلون، وكلهم يدخل الجنة في عمر القوة والفتوة والشباب أبناء ثلاث وثلاثين، ففي مسند أحمد وسنن الترمذي عن معاذ بن جبل عن رسول الله - ﷺ - قال: " يدخل أهل الجنة جردًا مردًا، كأنهم مكحلون، أبناء ثلاث وثلاثين ". (٢)
وأهل الجنة – كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين – " لا يبصقون، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون ". (٣)
وأهل الجنة لا ينامون، فقد جاء في حديث جابر بن عبد الله، وعبد الله ابن أبي أوفى أن رسول الله - ﷺ - قال: "النوم أخو الموت، ولا ينام أهل الجنة". (٤)
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الجنة، باب أول زمرة يدخلون الجنة، (٤/٢١٧٩) ورقم الحديث: ٢٨٣٤.
(٢) صحيح الجامع: (٦/٣٣٧)، ورقمه: ٧٩٢٨، وقال الشيخ ناصر فيه: صحيح.
(٣) هذا جزء من حديث طويل سقناه بكامله في (دخول الجنة) .
(٤) أورد الشيخ ناصر الدين الألباني هذا الحديث في "سلسلة الأحاديث الصحيحة": (٣/٧٤) ورقمه: ١٠٨٧، وقد ذكر هناك أنه أخرجه كثير من كتب الحديث منها الكامل لابن عدي، والحلية لأبي نعيم، تاريخ أصبان له، وقد جمع الشيخ ناصر طرق الحديث، وختم الكلام على الحديث قائلًا: "وبالجملة فالحديث صحيح من بعض طرقه عن جابر".
[ ٢٢٢ ]
الفصل السادس: نعيم أهل الجنة
المبحث الأول: فضل نعيم الجنة على متاع الدنيا
متاع الدنيا واقع مشهود، ونعيم الجنة غيب موعود، والناس يتأثرون بما يرون ويشاهدون، ويثقل على قلوبهم ترك ما بين أيديهم إلى شيء ينالونه في الزمن الآتي، فكيف إذا كان الموعود ينال بعد الموت؟ من أجل ذلك قارن الحق ﵎ بين متاع الدنيا ونعيم الجنة، وبين أن نعيم الجنة خير من الدنيا وأفضل، وأطال في ذم الدنيا وبيان فضل الآخرة، وما ذلك إلا ليجتهد العباد في طلب الآخرة ونيل نعيمها.
وتجد ذم الدنيا ومدح نعيم الآخرة، وتفضيل ما عند الله على متاع الدنيا القريب العاجل في مواضع كثيرة، كقوله تعالى: (لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلًا من عند الله وما عند الله خيرٌ للأبرار) [آل عمران: ١٩٨]، وقوله: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزوجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خيرٌ وأبقى) [طه: ١٣١] .
[ ٢٢٣ ]
وقال في موضع ثالث: (زين للناس حب الشهوات من النساء والنساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متع الحياة الدنيا والله عنده حسن المئاب * قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزوج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد) [آل عمران: ١٤-١٥] .
ولو ذهبنا نبحث في سر أفضلية نعيم الآخرة على متاع الدنيا لوجدناه من وجوه متعددة:
أولًا: متاع الدنيا قليل، قال تعالى: (قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى) [النساء: ٧٧] .
وقد صور لنا الرسول - ﷺ - قلة متاع الدنيا بالنسبة إلى نعيم الآخرة بمثال ضربه فقال: " والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه – وأشار بالسبابة – في اليم، فلينظر بم ترجع " (١) . ما الذي تأخذه الإصبع إذا غمست في البحر الخضم، إنها لا تأخذ منه قطرة. هذا هو نسبة الدنيا إلى الآخرة.
ولما كان متاع الدنيا قليلًا، فقد عاتب الله المؤثرين لمتاع الدنيا على نعيم الآخرة (يا أيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل) [التوبة: ٣٨] .
_________________
(١) صحيح مسلم: (٤/٢١٩٣) . ورقم الحديث: ٢٨٥٨.
[ ٢٢٤ ]
وقد ذكرنا في كتابنا هذا النصوص الدالة على كثرة نعيم الدنيا وعدم نفاذه وانقطاعه.
الثاني: هو أفضل من حيث النوع، فثياب أهل الجنة وطعامهم وشرابهم وحليهم وقصورهم – أفضل مما في الدنيا، بل لا وجه للمقارنة، فإن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ففي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها " (١) . وفي الحديث الآخر الذي يرويه البخاري ومسلم أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير مما طلعت عليه الشمس " (٢) . وقارن نساء أهل الجنة بنساء الدنيا لتعلم فضل ما في الجنة على ما في الدنيا، ففي صحيح البخاري عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت على الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحًا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها " (٣) .
الثالث: الجنة خالية من شوائب الدنيا وكدرها، فطعام أهل الدنيا وشرابهم يلزم منه الغائط والبول، والروائح الكريهة، وإذا شرب المرء خمر الدنيا فقد عقله، ونساء الدنيا يحضن ويلدن، والمحيض أذى، والجنة خالية من ذلك كله، فأهلها لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يبصقون ولا يتفلون، وخمر الجنة كما
_________________
(١) مشكاة المصابيح: (٣/٨٥) ورقم الحديث: ٥٦١٣.
(٢) مشكاة المصابيح: (٣/٨٥) . ورقم الحديث: ٥٦١٥ والقدر: الموضع والمقدار.
(٣) مشكاة المصابيح: (٣/٨٥) . ورقم الحديث: ٥٦١٤ والنصيف: الخمار.
[ ٢٢٥ ]
وصفها خالقها (بيضاء لذة للشاربين * لا فيها غولٌ ولا هم عنها ينزفون) [الصافات: ٤٦-٤٧] وماء الجنة لا يأسن، ولبنها لا يتغير طعمه (أنهار من ماء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه) [محمد: ١٥]، ونساء أهل الجنة مطهرات من الحيض والنفاس وكل قاذورات نساء الدنيا، كما قال تعالى: (ولهم فيها أزوج مطهرة) [البقرة: ٢٥] .
وقلوب أهل الجنة صافيه، وأقوالهم طيبة، وأعمالهم صالحة، فلا تسمع في الجنة كلمة نابية تكدر الخاطر، وتعكر المزاج، وتستثير الأعصاب، فالجنة خالية من باطل الأقوال والأعمال، (لا لغو فيها ولا تأثيم) [الطور: ٢٣]، ولا يطرق المسامع إلا الكلمة الصادقة الطيبة السالمة من عيوب كلام أهل الدنيا (لا يسمعون فيها لغوًا ولا كذابا) [النبأ: ٣٥]، (لا يسمعون فيها لغوًا إلا سلاما) [مريم: ٦٢]، (لا تسمع فيها لاغية) [الغاشية: ١١]، إنها دار الطهر والنقاء والصفاء الخالية من الأوشاب والأكدار، إنها دار السلام والتسليم (لا يسمعون فيها لغوًا ولا تأثيمًا * إلا قيلًا سلامًا سلاما) [الواقعة: ٢٥-٢٦] .
ولذلك فإن أهل الجنة إذا خلصوا من النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، ثم يهذبون وينقون بأن يقتص لبعضهم من بعض، فيدخلون الجنة وقد صفت منهم القلوب، وزال ما في نفوسهم من تباغض وحسد ونحو ذلك مما كان في
[ ٢٢٦ ]
الدنيا، وفي الصحيحين في صفة أهل الجنة عند دخول الجنة " لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًا " (١) . وصدق الله إذ يقول: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانًا على سرر متقابلين) [الحجر: ٤٧] .
والغل: الحقد، وقد نقل عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب أن أهل الجنة عندما يدخلون الجنة يشربون من عين فيذهب الله ما في قلوبهم من غل، ويشربون من عين أخرى فتشرق ألوانهم وتصفو وجوههم. ولعلهم استفادوا هذا من قوله تعالى: (وسقاهم ربهم شرابًا طهورا) [الإنسان: ٢١] . (٢)
الرابع: نعيم الدنيا زائل، ونعيم الآخرة باق دائم، ولذلك سمى الحق ﵎ ما زين للناس من زهرة الدنيا متاعًا، لأنه يتمتع به ثم يزول، أما نعيم الآخرة فهو باق، ليس له نفاد، (ما عندكم ينفد وما عند الله باق) [النحل: ٩٦]، (إن هذا لرزقنا ما له من نفاد) [ص: ٥٤]، (أكلها دائم وظلها) [الرعد: ٣٥]، وقد ضرب الله الأمثال لسرعة زوال الدنيا وانقضائها (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيمًا تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا * المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خيرٌ عند ربك ثوابًا وخيرٌ أملا) [الكهف: ٤٥ – ٤٦] . فقد ضرب الله مثلًا لسرعة زوال الدنيا وانقضائها
_________________
(١) رواه البخاري عن أبي هريرة، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة، فتح الباري: (٦/٣١٨) .
(٢) التذكرة، للقرطبي: ص ٤٩٩.
[ ٢٢٧ ]
بالماء النازل من السماء الذي يخالط نبات الأرض فيخضر ويزهر ويثمر، وما هي إلا فترة وجيزة حتى تزول بهجته، فيذوى ويصفر، ثم تعصف به الرياح في كل مكان، وكذلك زينة الدنيا من الشباب والمال والأبناء الحرث والزرع كلها تتلاشى وتنقضي، فالشباب يذوى ويذهب، والصحة والعافية تبدل هرمًا ومرضًا، والأموال والأولاد قد يذهبون، وقد ينتزع الإنسان من أهله وماله، أما الآخرة فلا رحيل، ولا فناء، ولا زوال (ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين * جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار) [النحل: ٣٠-٣١] .
الخامس: العمل لمتاع الدنيا ونسيان الآخرة يعقبه الحسرة والندامة ودخول النيران، (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) [آل عمران: ١٨٥] .
[ ٢٢٨ ]
المبحث الثاني: طعام أهل الجنة وشرابهم
سبق أن تحدثنا عن أشجار الجنة وثمارها، وقطوفها الدانية المذللة تذليلًا، واختيار أهل الجنة من ثمارها ما يريدون ويشتهون، وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس من المآكل والمشارب، (وفاكهة مما يتخيرون * ولحم طير مما يشتهون) [الوقعة: ٢٠ – ٢١]، (وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين) [الزخرف: ٧١]، وقد أباح الله لهم أن يتناولوا من خيراتها وألوان طعامها وشرابها ما يشتهون (كلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية) [الحاقة: ٢٤] .
وذكرنا أيضًا فيما سبق أن في الجنة بحر الماء، وبحر الخمر، وبحر اللبن، وبحر العسل، وأن أنهار الجنة تنشق من هذه البحار. وفي الجنة عيون كثيرة، وأهل الجنة يشربون من تلك البحار والأنهار والعيون.
قال تعالى: (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورًا * عينًا بشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا) [الإنسان: ٥ – ٦] .
وقال: (ويسقون فيها كأسًا كان من مزاجها زنجبيلًا * عينًا فيها تسمى سلسبيلا) [الإنسان: ١٧-١٨]، وقال: (ومزاجه من تسنيم * عينًا يشرب بها المقربون) [المطففين: ٢٧-٢٨] .
[ ٢٢٩ ]
المطلب الأول: خمر أهل الجنة
من الشراب الذي يتفضل الله على أهل الجنة الخمر، وخمر الجنة خالي من العيوب والآفات التي تتصف بها خمر الدنيا، فخمر الدنيا تذهب العقول، وتصدع الرؤوس، وتوجع البطون، وتمرض الأبدان، وتجلب الأسقام، وقد تكون معيبة في صنعها أو لونها أو غير ذلك، أما خمر الجنة فإنها خالية من ذلك كله، جميلة صافية رائقة، (يطاف عليهم بكأس من معين * بيضاء لذة للشاربين * لا فيها غولٌ ولا هم عنها ينزفون) [الصافات: ٤٥-٤٧] .
لقد وصف الله جمال لونها (بيضاء) ثم بين أنها تلذ شاربها من غير اغتيال لعقله، كما قال: (وأنهار من خمر لذة للشاربين) [محمد: ١٨]، ثم إن شاربها لا يمل من شربها (ولا هم عنها ينزفون) [الصافات: ٤٧]، وقال في موضع آخر يصف خمر الجنة: (يطوف عليهم ولدن مخلدون * بأكواب وأباريق وكأس من معين * لا يصدعون عنها ولا ينزفون) [الواقعة: ١٧-١٩] .
قال ابن كثير في تفسير هذه الآيات: " لا تصدع رؤوسهم، ولا تنزف عقولهم، بل هي ثابتة مع الشدة المطربة واللذة الحاصلة، وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول، فذكر الله خمر الجنة، ونزهها عن هذه الخصال ". (١)
وقال الحق في موضع ثالث: (يسقون من رحيق مختوم * ختامه
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٦/٥١٤.
[ ٢٣٠ ]
مسك) [المطففين: ٢٥-٢٦]، والرحيق الخمر، ووصف هذا الخمر بوصفين: الأول أنه مختوم، أي موضوع عليه خاتم. الأمر الثاني: أنهم إذا شربوه وجدوا في ختام شربهم له رائحة المسك.
المطلب الثاني: أول طعام أهل الجنة
أول طعام يُتحِف الله به أهل الجنة زيادة كبد الحوت، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفؤها الجبار بيده، كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلًا لأهل الجنة " فأتى رجل من اليهود، فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: " بلى " قال: تكون الأرض خبزة واحدة كما قال النبي - ﷺ - فنظر النبي - ﷺ - إلينا، ثم ضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: " ألا أخبرك بإدامهم؟ بالام والنون. قالوا: وما هذا؟ قال: ثور ونون، يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفًا ". (١)
قال النووي في شرح الحديث ما ملخصه: " النزل: ما يعد للضيف عند نزوله، ويتكفأها بيده، أي: يميلها من يد إلى يد حتى تجتمع وتستوي، لأنها ليست منبسطة كالرقاقة ونحوها، ومعنى الحديث: أن الله تعالى يجعل الأرض كالرغيف العظيم، ويكون طعامًا ونزلًا لأهل الجنة، والنون: الثور، والـ (بلام): لفظة عبرانية، معناها: ثور، وزائدة كبد الحوت: هي القطعة المنفردة المتعلقة في الكبد، وهي أطيبها ". (٢)
_________________
(١) مشكاة المصابيح: (٣/٥٦) .
(٢) شرح النووي على مسلم: (١٧/١٣٦) .
[ ٢٣١ ]
وفي صحيح البخاري أن عبد الله بن سلام سأل النبي - ﷺ - أول قدومه المدينة أسئلة منها: " ما أول شيء يأكله أهل الجنة؟ فقال: زيادة كبد الحوت ". (١)
وفي صحيح مسلم عن ثوبان أن يهوديًا سأل الرسول - ﷺ - قال: " فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ " قال: زيادة كبد الحوت ". قال: " فما غذاؤهم على إثرها؟ قال: ينحر لهم ثور الجنة الذي يأكل من أطرافها ". قال: " فما شرابهم عليه؟ " قال: " من عين تسمى سلسبيلا " قال: صدقت. (٢)
المطلب الثالث: طعام أهل الجنة وشرابهم لا دنس معه
قد يتبادر إلى الذهن أن الطعام والشراب في الجنة ينتج عنه ما ينتج عن طعام أهل الدنيا وشرابهم من البول والغائط والمخاط والبزاق ونحو ذلك، والأمر ليس كذلك، فالجنة دار خالصة من الأذى، وأهلها مطهرون من أوشاب أهل الدنيا، ففي الحديث الذي يرويه صاحبا الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال نافيًا هذا الظن: " أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يبزقون ". (٣)
_________________
(١) النهاية لابن كثير: (٢/٢٧٠) .
(٢) النهاية لابن كثير: (٢/٢٧٠) .
(٣) رواه البخاري، كتاب بد الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة، فتح الباري: (٦/٣١٧)، ورواه مسلم في كتاب الجنة، باب أول زمرة تدخل الجنة، (٤/٢١٧٨)، حديث رقم: ٢٨٣٤.
[ ٢٣٢ ]
وليس هذا خاص بأول زمرة تدخل الجنة، وإنما هو عام في كل من يدخل الجنة، ففي رواية عند مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: " أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل، لا يتغوطون، ولا يتبولون، ولا يبزقون ". (١)
فالذي يتفاوت فيه أهل الجنة مما نص عليه في الحديث قوة نور كل منهم، أما خلوصهم من الأذى فإنهم يشتركون فيه جميعًا، فهم لا يتغوطون ولا يتبولون، ولا يتفلون، ولا يبزقون، ولا يمتخطون.
وقد يقال: فأين تذهب فضلات الطعام والشراب، وقد وجه هذا السؤال إلى الرسول - ﷺ - من قبل أصحابه، فأفاد أن بقايا الطعام والشراب تتحول إلى رشح كرشح المسك يفيض من أجسادهم، كما يتحول بعض منه أيضًا إلى جشاء، ولكنه جشاء تنبعث منه روائح طيبة عبقة عطرة، ففي صحيح مسلم عن جارب عبد الله، قال: سمعت رسول الله - ﷺ -: يقول: " إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون، ولا يتبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون"، قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء كجشاء المسك ". (٢)
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الجنة، باب أول زمرة تدخل الجنة، (٤/٢١٨٨)، ورقم الحديث: ٢٨٣٤.
(٢) رواه مسلم في صحيحه: (٤/٢١٨٠) ورقم الحديث: ٢٨٣٥.
[ ٢٣٣ ]
المطلب الرابع: لماذا يأكل أهل الجنة ويشربون ويمتشطون؟
إذا كان أهل الجنة فيها خالدون، وكانت خالية من الآلام والأوجاع والأمراض، لا جوع فيها ولا عطش، ولا قاذورات ولا أوساخ، فلماذا يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولماذا يتطيبون ويمتشطون؟
أجاب القرطبي في التذكرة عن هذا السؤال قائلًا: " نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم، فليس أكلهم عن جوع، ولا شربهم عن ظمأ، ولا تطيبهم عن نتن، وإنما هي لذات متوالية، ونعم متتابعة، ألا ترى قوله تعالى لآدم: (إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وإنك لا تظمؤا فيها ولا تضحى) [طه: ١١٨-١١٩] . وحكمة ذلك أن الله تعالى عرفهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا، وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله ﷿ ". (١)
المطلب الخامس: آنية طعام أهل الجنة وشرابهم
آنية طعام أهل الجنة، التي يأكلون ويشربون بها من الذهب والفضة، قال تعالى: (يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب) [الزخرف: ٧١]، أي وأكواب من ذهب، وقال: (ويطاف عليهم بئانية من فضة وأكواب كانت قواريرا * قواريرا من فضة قدروها تقديرا) [الإنسان: ١٥-١٦]، أي اجتمع فيها صفاء القوارير وبياض الفضة.
_________________
(١) التذكرة للقرطبي: ص ٤٧٥، وانظر فتح الباري: (٦/٣٢٥) .
[ ٢٣٤ ]
وقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة.. وجنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ". (١)
ومن الآنية التي يشربون بها الأكواب والأباريق والكؤوس (يطوف عليهم ولدن مخلدون * بأكواب وأباريق وكأس من معين) [الواقعة: ١٧]، والكوب: ما لا أذن له ولا عروة ولا خرطوم، والأباريق: ذوات الآذان والعرا، والكأس القدح الذي فيه الشراب.
_________________
(١) أي: وللمؤمن جنتان.
[ ٢٣٥ ]
المبحث الثالث: لباس أهل الجنة وحليهم ومباخرهم
أهل الجنة يلبسون فيها الفاخر من اللباس، ويتزينون فيها بأنواع الحلي من الذهب والفضة واللؤلؤ، فمن لباسهم الحرير، ومن حلاهم أساور الذهب والفضة واللؤلؤ: قال تعالى: (وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا) [الإنسان: ١٢]، (يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤًا ولباسهم فيها حرير) [الحج: ٢٣]، (جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤًا ولباسهم فيها حرير) [فاطر: ٣٣]، (وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابًا طهورا) [الإنسان: ٢١] .
وملابسهم ذات ألوان، ومن ألوان الثياب التي يلبسون الخضر من السندس والإستبرق (يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابًا خضرًا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا) [الكهف: ٣١]، (عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة) [الإنسان: ٢١] .
ولباسهم أرقى من أي ثياب صنعها الإنسان، فقد روى البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب ﵄ قال: " أتى الرسول - ﷺ - بثوب من حرير، فجعلوا يعجبون من حسنه ولينه، فقال رسول الله - ﷺ -: "لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أفضل من هذا ". (١)
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة والنار، فتح الباري: (٦/٣١٩) .
[ ٢٣٦ ]
وقد أخبرنا الرسول - ﷺ - أن لأهل الجنة أمشاطًا من الذهب والفضة، وأنهم يتبخرون بعود الطيب، مع أن روائح المسك تفوح من أبدانهم الزاكية، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن الرسول - ﷺ - في صفة الذين يدخلون الجنة: " آنيتهم الذهب والفضة، وأمشاطهم الذهب، ووقود مجامرهم الألوّة – قال أبو اليمان: عود الطيب – ورشحهم المسك ". (١)
ومن حليهم التيجان، ففي سنن الترمذي ابن ماجة عن المقدام بن معدي كرب عن رسول الله - ﷺ - في ذكر الخصال التي يُعطاها الشهيد: " ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها ". (٢)
وثياب أهل الجنة وحليهم لا تبلى ولا تفنى، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ – قال: "من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه ". (٣)
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) مشكاة المصابيح: (٣/٣٥٨)، ورقمه: ٣٨٣٤، وصحح الشيخ ناصر إسناده.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الجنة، باب في دوام نعيم الجنة، (٤/٢١٨١)، ورقم الحديث: ٢٨٣٦.
[ ٢٣٧ ]
المبحث الرابع: فرش أهل الجنة
أعدت قصور الجنة، وأماكن الجلوس في حدائقها وبساتينها بألوان فاخرة رائعة من الفرش للجلوس والاتكاء ونحو ذلك، فالسرر كثيرة راقية والفرش عظيمة القدر بطائنها من الإستبرق، فما بالك بظاهرها، وهناك ترى النمارق مصفوفة على نحو يسر الخاطر، ويبهج النفس، والزرابي مبثوثة على شكل منسق متكامل، قال تعالى: (فيها سرر مرفوعة * وأكواب موضوعة * ونمارق مصفوفة * وزرابى مبثوثة) [الغاشية: ١٣-١٦]، (متكئين على فرش بطائنها من إستبرق) [الرحمن: ٥٤]، (متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين) [الطور: ٢٠]، (ثلة من الأولين * وقليل من الأخرين * على سرر موضونة * متكئين عليها متقابلين) [الواقعة: ١٣-١٦] .
واتكاؤهم عليها على هذا النحو نوع من النعيم الذي يتمتع به أهل الجنة حين يجتمعون كما أخبر الله تعالى: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانًا على سرر متقابلين) [الحجر: ٤٧] وقال: (متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان) [الرحمن: ٧٦]، (متكئين فيها على الأرائك) [الكهف: ٣١] . والمراد بالنمارق: المخاد، والوسائد: المساند، والزرابي: البسط، والعبقري: البسط الجياد. والرفرف: رياض الجنة. وقيل: نوع من الثياب، والأرائك: السرر.
[ ٢٣٨ ]
المبحث الخامس: خدم أهل الجنة
يخدم أهل الجنة ولدان ينشئهم الله لخدمتهم، يكونون في غاية الجمال والكمال، كما قال تعالى: (يطوف عليهم ولدان مخلدون* بأكواب وأباريق وكأس من معين) [الواقعة: ١٧-١٨]، وقال في موضع آخر: (ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤًا منثورا) [الإنسان: ١٩] .
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: " يطوف على أهل الجنة للخدمة ولدان من ولدان أهل الجنة (مخلدون) أي: على حالة واحدة مخلدون عليها، لا يتغيرون عنها، لا تزيد أعمارهم عن تلك السن، ومن فسرهم بأنهم مخرصون، في آذانهم الأقرطة، فإنما عبر عن المعنى، لأن الصغير هو الذي يليق له ذلك دون الكبير. وقوله تعالى: (إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤًا منثورا) [الإنسان: ١٩]، أي إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة وكثرتهم وصباحة وجوههم وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم، حسبتهم لؤلوًا منثورًا، ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن". (١)
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن هؤلاء الولدان هم الذين يموتون صغارًا
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٧/١٨٣.
[ ٢٣٩ ]
من أبناء المؤمنين أو المشركين، وقد رد العلامة ابن تيمية رحمه الله تعالى هذا القول، وبين أن الولدان المخلدون هم خلق من خلق الجنة قال: " والولدان الذين يطوفون على أهل الجنة: خلق من خلق الجنة ليسوا من أبناء الدنيا، بل أبناء أهل الدنيا إذا دخلوا الجنة كمل خلقهم كأهل الجنة، على صورة أبيهم آدم ". (١)
_________________
(١) مجموع الفتاوى: (٤/٢٧٩)، وانظر: (٤/٣١١) .
[ ٢٤٠ ]
المبحث السادس: سوق أهل الجنة
روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - قال: " إن في الجنة لسوقًا، يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال، فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسنًا وجمالًا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنًا وجمالًا، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا، فيقولون: وأنتم، والله لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا ". (١)
قال النووي في شرحه لهذا الحديث: " المراد بالسوق مجمع لهم يجتمعون كما يجتمع الناس في الدنيا في السوق، ومعنى يأتونها كل جمعة، أي في مقدار كل جمعة، أي أسبوع، وليس هناك حقيقة أسبوع، لفقد الشمس والليل والنهار، وخص ريح الجنة بالشمال، لأنها ريح المطر عند العرب، كانت تهب من جهة الشام، وبها يأتي سحاب المطر، وكانوا يرجون السحابة الشامية، وجاءت في الحديث تسمية هذه الريح المثيرة، أي المحركة، لأنها تثير في وجوههم ما تثيره من مسك أرض الجنة وغيره من نعيمها ". (٢)
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الجنة، باب في سوق الجنة، (٤/٢١٧٨)، ورقمه: ٢٨٣٣.
(٢) النووي على مسلم: (١٧/١٧٠) .
[ ٢٤١ ]
المبحث السابع: اجتماع أهل الجنة وأحاديثهم
أهل الجنة يزور بعضهم بعضًا، ويجتمعون في مجالس طيبة يتحدثون، ويذكرون ما كان منهم في الدنيا، وما من الله به عليهم من دخول الجنان، قال تعالى في وصف اجتماع أهل الجنة: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانًا على سرر متقابلين) [الحجر: ٤٧]، وأخبرنا الله بلون من ألوان الأحاديث التي يتحدثون بها في مجتمعاتهم (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون * قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين * فمن الله علينا ووقنا عذاب السموم * إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البرّ الرحيم) [الطور: ٢٥-٢٧] .
ومن ذلك تذكرهم أهل الشر الذين كانوا يشككون أهل الإيمان، ويدعونهم إلى الكفران، (فاقبل بعضهم على بعض يتساءلون * قال قائل منهم إني كان لي قرين * يقول إءنك لمن المصدقين * إءذا متنا وكنا ترابًا وعظمًا أءنا لمدينون * قال هل أنتم مطلعون * فاطلع فرءاه في سواء الجحيم * قال تالله إن كدت لتردين * ولولا نعمة ربى لكنت من المحضرين * أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين * إن هذا لهو الفوز العظيم * لمثل هذا فليعمل العاملون) [الصافات: ٥٠-٦١] .
[ ٢٤٢ ]
المبحث الثامن: أماني أهل الجنة
يتمنى بعض أهل الجنة فيها أماني تتحقق على نحو عجيب، لا تشبه حال ما يحدث في الدنيا، وقد حدثنا الرسول - ﷺ - عن بعض هذه الأماني وكيفية تحققها.
فهذا واحد من أهل الجنة يستأذن ربه في الزرع، فيأذن له، فما يكاد يلقي البذر، حتى يضرب بجذوره في الأرض، ثم ينمو، ويكتمل، وينضج في نفس الوقت، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - كان يتحدث – وعنده رجل من أهل البادية -: " إن رجلًا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع، فقال له: ألست فيما شئت؟ (١) . قال: بلى، ولكن أحب الزرع، فبذر، فبادر الطرف نباته (٢) . واستواؤه، واستحصاده، فكان أمثال الجبال، فيقول الله تعالى: دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء " فقال الأعرابي: " والله لا تجده إلا قرشيًا أو أنصاريًا، فإنهم أصحاب الزرع، وأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك رسول الله - ﷺ – ". (٣)
وهذا آخر يتمنى الولد، فيحقق الله له أمنيته في ساعة واحدة، حيث تحمل وتضع في ساعة واحدة.
_________________
(١) أي فيما شئت من أنواع النعيم وألوان الطعام والشراب.
(٢) سابق النظر.
(٣) مشكاة المصابيح: (٣/٩٥)، ورقم الحديث: ٥٦٥٣.
[ ٢٤٣ ]
وروى الترمذي في سننه، وأحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه بإسناد صحيح عن أبي سعيد أن النبي - ﷺ - قال: " المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة، كان حمله ووضعه وسنه في ساعة واحدة كما يشتهي ". (١)
_________________
(١) صحيح الجامع: (٦/٥)، ورقم الحديث: ٦٥٢٥.
[ ٢٤٤ ]
المبحث التاسع: نساء أهل الجنة
المطلب الأول: زوجة المؤمن في الدنيا زوجته في الآخرة إذا كانت مؤمنة
إذا دخل المؤمن الجنة، فإن كانت زوجته صالحة، فإنها تكون زوجته في الجنة أيضًا: (جنات عدن يدخلونها ومن صلح من ءابائهم وأزواجهم وذرياتهم) [الرعد: ٢٣]، وهم في الجنات منعمون مع الأزواج، يتكئون في ظلال الجنة مسرورين فرحين (هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون) [يس: ٥٦]، (أدخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون) [الزخرف: ٧٠] .
المطلب الثاني: المرأة لآخر أزواجها
روى أبو على الحراني في " تاريخ الرقة " عن ميمون بن مهران قال: خطب معاوية بن أبي سفيان ﵁ أم الدرداء، فأبت أن تتزوجه، وقالت:
[ ٢٤٥ ]
سمعت أن أبا الدرداء يقول: قال رسول الله - ﷺ -: " المرأة في آخر أزواجها، أو قال: لآخر أزواجها " ورجال هذا الإسناد موثقون غير العباس بن صالح فليس له ترجمة، ورواه أبو الشيخ في التاريخ بإسناد صحيح مقتصرًا منه على المرفوع، ورواه الطبراني في معجمه الأوسط بإسناد ضعيف، ولكنه بمجموع الطريقين قوي، والمرفوع منه صحيح، وله شاهدان موقوفان: الأول يرويه ابن عساكر عن عكرمة " إن أسماء بنت أبي بكر كانت تحت الزبير بن العوام، وكان شديدًا عليها، فأتت أباها، فشكت ذلك إليه، فقال: يا بنية اصبري، فإن المرأة إذا كان لها زوج صالح، ثم مات عنها، فلم تزوج بعده جمع بينهما في الجنة ".
ورجاله ثقات إلا أن فيه إرسالًا لأن عكرمة لم يدرك أبا بكر إلا أن يكون تلقاه عن أسماء.
والآخر أخرجه البيهقي في السنن أن حذيفة قال لزوجته: " إن شئت أن تكوني زوجتي في الجنة، فلا تزوجي بعدي، فإن المرأة في الجنة لآخر أزواجها في الدنيا " (١) . فلذلك حرم الله على أزواج النبي - ﷺ - أن ينكحن من بعده، لأنهن أزواجه في الآخرة.
المطلب الثالث: الحور العين
يزوج الله المؤمنين في الجنة بزوجات جميلات غير زوجاتهم اللواتي في الدنيا، كما قال تعالى: (كذالك وزوجناهم بحور عين) [الدخان: ٥٤] . والحور: جمع حوراء، وهي
_________________
(١) هذا التحقيق أخذناه بشيء من الاختصار من (سلسلة الأحاديث الصحيحة) للشيخ ناصر: (٣/٢٧٥) ورقم الحديث: ١٢٨١.
[ ٢٤٦ ]
التي يكون بياض عينها شديد البياض، وسواده شديد السواد. والعين: جمع عيناء، والعيناء هي واسعة العين.
وقد وصف القرآن الحور العين بأنهن كواعب أتراب، قال تعالى: (إن للمتقين مفازًا * حدائق وأعنابًا * وكواعب أترابا) [النبأ: ٣١-٣٣] . والكاعب: المرأة الجميلة التي برز ثدياها، والأتراب المتقاربات في السن. والحور العين من خلق الله في الجنة، أنشأهن الله إنشاءً فجعلهنّ أبكارًا، عربًا أترابًا (إنا أنشأنهن إنشاء * فجعلنهن أبكارًا * عربًا أترابا) [الواقعة: ٣٥-٣٧] وكونهن أبكارًا يقضي أنه لم ينكحهن قبلهم أحد، كما قال تعالى: (لم يطمثهن إنسٌ قبلهم ولا جان) [الرحمن: ٥٦]، وهذا ينفي قول من قال: إن المراد بالزوجات اللواتي ينشئهن الله في الجنة زوجاتهم في الدنيا إذ يعيدهن شبابًا بعد الكهولة والهرم، وهذا المعنى صحيح، فالله يدخل المؤمنات الجنة في سن الشباب، ولكنهن لسن الحور العين اللواتي ينشئهن الله إنشاء.
والمراد بالعُرُب: الغنجات المتحببات لأزواجهنّ.
وقد حدثنا القرآن عن جمال نساء الجنة فقال: (وحورٌ عين * كأمثال اللؤلؤ المكنون) [الواقعة: ٢٢ – ٢٣] والمراد بالمكنون: المخفي المصان، الذي لم يغير صفاء لونه ضوء الشمس، ولا عبث الأيدي، وشبههن في موضع آخر بالياقوت والمرجان (فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنسٌ قبلهم ولا جان * فبأى ءالاء ربكما تكذبان * كأنهن الياقوت والمرجان) الرحمن: ٥٦-٥٨]، والياقوت والمرجان حجران كريمان فيهما جمال، ولهما منظر حسن بديع، وقد وصف الحرور العين بأنهن قاصرات الطرف، وهن
[ ٢٤٧ ]
اللواتي قصرن بصرهن على أزواجهن، فلم تطمح أنظارهن لغير أزواجهن، وقد شهد الله لحور الجنة بالحسن والجمال، وحسبك أن الله شهد بهذا ليكون قد بلغ غاية الحسن والجمال (فيهن خيرات حسان * فبأى ءالآء ربكما تكذبان * حور مقصورات في الخيام) [الرحمن: ٧٠-٧٢] .
ونساء الجنة لسن كنساء الدنيا، فإنهن مطهرات من الحيض والنفاس، والبصاق والمخاط والبول والغائط، وهذا مقتضى قوله تعالى: (ولهم فيها أزوج مطهرة وهم فيها خالدون) [البقرة: ٢٥] .
وقد حدثنا الرسول - ﷺ - عن جمال نساء أهل الجنة، ففي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون، ولا يمتخطون، آنيتهم فيها الذهب، أمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن ". (١)
وانظر إلى هذا الجمال الذي يحدث عنه الرسول - ﷺ - هل تجد له نظيرًا مما تعرف؟ " ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحًا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها " رواه البخاري. (٢)
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة، فتح الباري: (٦/٣١٨)، ورواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيم أهلها، باب أول زمرة تدخل الجنة: (٤/٢١٧٨) ورقمه: ٢٨٣٤.
(٢) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب وزوجناهم بحور عين، فتح الباري: (٦/١٥)، والنصيف: الخمار.
[ ٢٤٨ ]
وتحديد عدد زوجات كل شخص في الجنة باثنين يبدو أنه أقل عدد، فقد ورد أن الشهيد يزوج باثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ففي سنن الترمذي وسنن ابن ماجة. بإسناد صحيح عن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله - ﷺ -: "للشهيد عند الله ثلاث خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقربائه ". (١)
غناء الحور العين
وقد أخبرنا الرسول - ﷺ - أن الحور العين في الجنان يغنين بأصوات جميلة عذبة، ففي معجم " الطبراني الأوسط" بإسناد صحيح عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: " إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط. إن مما يغنين: نحن الخيرات الحسان، أزواج قوم كرام، ينظرن بقرة أعيان. وإن مما يغنين به: نحن الخالدات فلا يمتنه، نحن الآمنات فلا يخفنه، نحن المقيمات فلا يظعنّه ". (٢)
وروى سموية في " فوائده " عن أنس، عن رسول الله - ﷺ -: " إن الحور العين لتغنين في الجنة، يقلن: نحن الحور الحسان، خبئنا لأزواج كرام ". (٣)
_________________
(١) مشكاة المصابيح: (٣/٣٥٨)، ورقمه: ٣٨٣٤.
(٢) صحيح الجامع الصغير: (٢/٤٨)، ورقم الحديث: ١٥٥٧، وعزاه الشيخ ناصر أيضًا إلى الطبراني في الأوسط، وإلى أبي نعيم، والضياء في صفة الجنة.
(٣) صحيح الجامع: (٢/٥٨)، ورقمه: ١٥٩٨.
[ ٢٤٩ ]
غيرة الحور العين على أزواجهنّ في الدنيا:
أخبرنا الرسول - ﷺ - أن الحور العين يغرن على أزواجهن في الدنيا إذا آذى الواحد زوجته في الدنيا، ففي مسند أحمد، وسنن الترمذي بإسناد صحيح عن معاذ عن رسول الله - ﷺ - قال: " لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا، إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو دخيل عندك، يوشك أن يفارقك إلينا ". (١)
المطلب الرابع: يُعطى المؤمن في الجنة قوة مائة رجل
عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: " يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا من الجماع ". قيل: يا رسول الله، أو يطيق ذلك؟ قال: " يعطى قوة مائة رجل " رواه الترمذي. (٢)
_________________
(١) صحيح الجامع الصغير: (٦/١٢٥)، ورقم الحديث: ٧٠٦٩.
(٢) مشكاة المصابيح: (٣/٩٠)، ورقمه: ٥٦٣٦، وقال محقق المشكاة: (قال الترمذي: حديث صحيح غريب) قلت (المحقق): وإسناده حسن، بل هو صحيح، لأنه له شواهد منها عن زيد بن أرقم عند الدارمي بسند صحيح) .
[ ٢٥٠ ]
المبحث العاشر: ضحك أهل الجنة من أهل النار
بعد أن يدخل الله أهل الجنة الجنة ينادون خصومهم من الكفار أهل النار مبكتين ومؤنبين (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنه الله على الظالمين) [الأعراف: ٤٤] .
لقد كان الكفار في الدنيا يخاصمون المؤمنين، ويسخرون منهم، ويهزؤون بهم، وفي ذلك اليوم ينتصر المؤمنون، فإذا بهم وهم في النعيم المقيم، ينظرون إلى المجرمين، فيسخرون منهم، ويهزؤون بهم، (إن الأبرار لفي نعيم * على الأرائك ينظرون * تعرف في وجوههم نضرة النعيم * يسقون من رحيق مختوم * ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون * ومزاجه من تسنيم * عينًا يشرب بها المقربون * إن الذين أجرموا كانوا من الذين ءامنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين* وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * وما أرسلوا عليهم حافظين * فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون * على الأرائك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون) [المطففين: ٢٢-٣٦] .
نعم، والله لقد جوزي الكفار بمثل ما كانوا يفعلون، والجزاء من جنس العمل، ويتذكر المؤمن في جنات النعيم ذلك القرين أو الصديق الذي كان يزين له
[ ٢٥١ ]
الكفر في الدنيا، وكان يدعوه إلى تلك المبادئ الضالة التي تجعله في صف الكافرين أعداء الله، فيحدّث إخوانه عن ذلك القرين، ويدعوهم للنظر إليه في مقره الذي يعذب فيه، فعندما يرى ما يعاينه من العذاب - يعلم مدى نعمة الله عليه، وكيف خلصه من حاله، ثم يتوجه إليه باللوم والتأنيب (فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون * قال قائل منهم إني كان لي قرين * يقول أءنك لمن المصدقين * أءذا متنا وكنا ترابًا وعظمًا أءنا لمدينون * قال هل أنتم مطلعون * فاطلع فرءاه في سواء الجحيم * قال تالله إن كدت لتردين* ولولا نعمه ربي لكنت من المحضرين * أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين * إن هذا لهو الفوز العظيم) [الصافات: ٥٠-٦٠] .
[ ٢٥٢ ]
المبحث الحادي عشر: التسبيح والتكبير من نعيم أهل الجنة
الجنة دار جزاء وإنعام، لا دار تكليف واختبار، وقد يشكل على هذا ما رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة عن الرسول - ﷺ - في صفة أول زمرة تدخل الجنة، قال في آخره: " يسبحون الله بكرة وعشيًا " (١) . ولا إشكال في ذلك إن شاء الله تعالى، لأن هذا ليس من باب التكليف، قال ابن حجر في شرحه للحديث: " قال القرطبي: هذا التسبيح ليس عن تكليف وإلزام!، وقد فسره جابر في حديثه عند مسلم بقوله: " يُلهمون التسبيح والتكبير كما تلهمون النفس "، ووجه التشبيه أن تنفس الإنسان لا كلفة عليه فيه، ولا بد منه، فجعل تنفسهم تسبيحًا، وسببه أن قلوبهم تنورت بمعرفة الرب سبحانه، وامتلأت بحبه، ومن أحب شيئًا أكثر من ذكره ". (٢)
وقد قرر شيخ الإسلام أن هذا التسبيح والتكبير لون من ألوان النعيم الذي يتمتع به أهل الجنة، قال: " هذا ليس من عمل التكليف الذي يطلب له ثواب منفصل، بل نفس هذا العمل من النعيم الذي تتنعم به الأنفس وتتلذذ به ". (٣)
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب بده الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة، فتح الباري: (٦/٣١٨) .
(٢) فتح الباري: (٦/٣٢٦) .
(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام: (٤/٣٣٠) .
[ ٢٥٣ ]
المبحث الثاني عشر: أفضل ما يُعطاه أهل الجنة رضوان الله والنظر إلى وجهه الكريم
عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير كله في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا "، متفق عليه. (١)
وأعظم النعيم النظر إلى وجه الله الكريم في جنات النعيم، يقول ابن الأثير: " رؤية الله هي الغاية القصوى في نعيم الآخرة، والدرجة العليا من عطايا الله الفاخرة، بلغنا الله منها ما نرجو ". (٢)
وقد صرح الحق ﵎ برؤية العباد لربهم في جنات النعيم (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة) [القيامة: ٢٢-٢٣]، والكفار والمشركون يحرمون من هذا النعيم العظيم، والتكرمة الباهرة: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) [المطففين: ١٥]، وقد روى مسلم في صحيحه والترمذي في سننه عن صهيب الرومي – ﵁ – أن رسول الله - ﷺ - قال: " إذا دخل أهل الجنة، يقول ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم تبارك
_________________
(١) مشكاة المصابيح: (٣/٨٨) .
(٢) جامع الأصل: (١٠/٥٥٧) .
[ ٢٥٤ ]
وتعالى "، زاد في رواية: " ثم تلا هذه الآية: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) [يونس: ٢٦] ". (١)
وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوفة، عرضها – وفي رواية طولها – ستون ميلًا، في كل زاوية منها أهل، ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ". (٢)
والنظر إلى وجه الله تعالى هو من المزيد الذي وعد الله به المحسنين (لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد) [ق: ٣٥]، (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) [يونس: ٢٦]، وقد فسرت الحسنى بالجنة، والزيادة بالنظر إلى وجه الله الكريم، يشير إلى هذا الحديث الذي رواه مسلم وذكرناه قيل قليل.
ورؤية الله رؤية حقيقية، لا كما تزعم بعض الفرق التي نفت رؤية الله تعالى بمقاييس عقلية باطلة، وتحريفات لفظية جائرة، وقد سئل الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة عن قوله تعالى: (إلى ربها ناظرة) [القيامة: ٢٣]، فقيل: إن قومًا يقولون: إلى ثوابه. فقال مالك: كذبوا، فأين هم عن قوله تعالى: (إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) [المطففين: ١٥]؟ قال مالك: الناس ينظرون إلى الله يوم القيامة
_________________
(١) جامع الأصول: (١٠/٥٦٠) .
(٢) مشكاة المصابيح: (١٠/٨٦)، ورقمه: ٥٦١٦.
[ ٢٥٥ ]
بأعينهم، وقال: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة، لم يعبر الله عن الكفار بالحجاب، فقال: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) [المطففين: ١٥]، رواه في " شرح السنة". (١)
ومن الذين نصوا على رؤية المؤمنين ربهم في الجنات الطحاوي في العقيدة المشهورة باسم " العقيدة الطحاوية "، قال: " والرؤية حق لأهل الجنة، بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا: (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة) [القيامة: ٢٢-٢٣]، وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعلمه، وكل ما جاء في ذلك الحديث الصحيح عن رسول الله - ﷺ - فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سَلِم في دينه إلا من سلّم لله ﷿ ولرسوله - ﷺ -. وردّ علم ما اشتبه عليه إلى عالمه ". (٢)
وقال شارح الطحاوية مبينًا مذاهب الفرق الضالة في هذه المسألة ومذهب أهل الحق:
" المخالف في الرؤية الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية. وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة، وقد قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين، وأهل الحديث، وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة ".
_________________
(١) مشكاة المصابيح: (٣/١٠٠)، ورقمه: ٥٦٦٣.
(٢) شرح الطحاوية: ٢٠٣.
[ ٢٥٦ ]
ثم بين أهمية هذه المسألة فقال:
" وهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس المتنافسون، وحرمها الذين هم عن ربهم محجوبون، وعن بابه مردودن ".
ثم بين أن بين أن قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة) [القيامة: ٢٢-٢٣] . من أظهر الأدلة على هذه المسألة، وأما الذين أبوا إلا تحريفها بما يسمونه تأويلًا: فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والحساب، أسهل من تأويلها على أرباب التأويل. ولا يشاء مبطل أن يتأول النصوص وبحرفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول هذه النصوص.
وبين خطورة التأويل: " وهذا الذي أفسد الدنيا والدين. وهكذا فعلت اليهود والنصارى في نصوص التوراة والإنجيل، وحذرنا الله أن نفعل مثلهم. وأبى المبطلون إلا سلوك سبيلهم، وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله من جناية. فهل قتل عثمان ﵁ إلا بالتأويل الفاسد؟ وكذا ما جرى في يوم الجمل، وصفين، ومقتل الحسين، والحرة؟ وهل خرجت الخوارج، واعتزلت المعتزلة، ورفضت الروافض، وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، إلا بالتأويل الفاسد "!؟ .
ثم بين أن دلالة الآية على الرؤية من جانبين: الأول فقه النص. والثاني: فقه علماء السلف لهذا النص. ففي الأول قال: " وإضافة النظر إلى الوجه، والذي هو محله، في هذه الآية، وتعديته بأداة
[ ٢٥٧ ]
" إلى " الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلافه – حقيقة موضوعة صريحة في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب ﷻ.
فإن النظر له عدة استعمالات، بحسب صلاته وتعديه بنفسه: فإن عدي بنفسه فمعناه: التوقف والانتظار: (انظرونا نقتبس من نوركم) [الحديد: ١٣] . وإن عدي بـ " في" فمعناه: التفكر والاعتبار، كقوله: (أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض) [الأعراف: ١٨٥] . وإن عدي بـ " إلى" فمعناه: المعاينة بالأبصار، كقوله تعالى: (انظروا إلى ثمره إذا أثمر) [الأنعام: ٩٩] . فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر؟
وساق في الثاني عدة نصوص عن السلف تبين فقههم للآية، فعن " الحسن قال: نظرت إلى ربها فنضرت بنوره، وقال أبو صالح عن ابن عباس ﵄، (إلى ربها ناظرة) [القيامة: ٢٣] . قال: تنظر إلى وجه ربها ﷿. وقال عكرمة: (وجوه يومئذ ناضرة) [القيامة: ٢٢] . قال: من النعيم، (إلى ربها ناظرة) [القيامة: ٢٣]، قال: تنظر إلى ربها نظرًا، ثم حكى عن ابن عباس مثله. وهذا قول المفسرين من أهل السنة والحديث. وقال تعالى: (لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد) [ق: ٣٥] . قال الطبري: قال علي بن أبي طالب وأنس بن مالك: هو النظر إلى وجه الله ﷿.
[ ٢٥٨ ]
ثم ذكر معنى الزيادة في قوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) [يونس: ٢٦]، وأنها النظر إلى وجه الله الكريم وساق في ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن صهيب، قال: قرأ رسول الله - ﷺ -: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) [يونس: ٢٦]، قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة ".
ورواه غيره بأسانيد متعددة وألفاظ أخر، معناها أن الزيادة النظر إلى وجه الله ﷿. وكذلك فسرها الصحابة ﵃. روى ابن جرير ذلك عن جماعة، منهم: أبو بكر الصديق ﵁، وحذيفة، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس، ﵃.
ومن الأدلة على هذه المسألة قوله تعالى: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) [المطففين: ١٥] .
وذكر المصنف أن الشافعي – ﵀ – وغيره من الأئمة احتجوا بهذه الآية على الرؤية لأهل الجنة، ذكر ذلك الطبري وغيره عن المزني عن الشافعي، وقال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي، وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول الله ﷿: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) [المطففين: ١٥] . فقال الشافعي: لما أن حجب هؤلاء في السخط، كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا.
[ ٢٥٩ ]
ثم تعرض لاستدلال المعتزلة بقوله تعالى: (لن تراني) [الأعراف: ١٤٣] . وبقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) [الأنعام: ١٠٣]، وذكر أن الآيتين دليل عليهم، فالآية الأولى: تدل على ثبوت رؤيته من وجوه:
أحدها: أنه لا يظن بكليم الله ورسوله الكريم وأعلم الناس بربه في وقته أن يسأل ما لا يجوز عليه، بل هو عندهم من أعظم المحال.
الثاني: أن الله لم ينكر عليه سؤاله، ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر سؤاله، وقال: (إني أعظك أن تكون من الجاهلين) [هود: ٤٦] .
الثالث: أنه تعالى قال: (لن تراني)، ولم يقل: إني لا أرى، أو لا تجوز رؤيتي، أو لست بمرئي. والفرق بين الجوابين ظاهر. ألا ترى أن من كان في كمه حجر فظنه رجل طعامًا صح أن يقال: إنك لن تأكله. وهذا يدل على أنه سبحانه مرئي، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار، لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى.
الرابع: يوضح الوجه الثالث قوله تعالى: (ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني) [الأعراف: ١٤٣] . فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت للتجلي في هذه الدار، فكيف بالبشر الذي خُلق من ضعف؟ .
الخامس: أن الله ﷾ قادر على أن يجعل الجبل مستقرًا، وذلك ممكن، وقد علق به الرؤية، ولو كانت محالًا لكان نظير أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام. والكل عندهم سواء.
[ ٢٦٠ ]
السادس: قوله تعالى: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا) [الأعراف: ١٤٣]، فإذا جاز أن يتجلى للجبل، الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلى لرسوله وأوليائه في دار كرامته؟ ولكن الله أعلم موسى أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار، فالبشر أضعف.
السابع: أن الله كلم موسى، وناداه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبة كلامه بغير واسطة، فرؤيته أولى بالجواز. ولهذا لا يتم إنكار رؤيته بإنكار كلامه، وقد جمعوا بينهما.
ثم أجاب على دعواهم أن " لن " تفيد التأبيد وتدل على نفس الرؤية في الآخرة، وبيّن الشيخ أنها لو قيدت بالتأبيد فلا تدل على دوام التفي في الآخرة، فكيف إذا أطلقت؟ ولهذا نظائر في القرآن، قال تعالى: (ولن يتمنوه أبدا) [البقرة: ٩٥]، مع قوله: (ونادوا يامالك ليقض علينا ربك) [الزخرف: ٧٧] . ولأنها لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد جاء ذلك، قال تعالى: (فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبى) [يوسف: ٨٠] .
فثبت أن (لن) لا تقتضي النفي المؤبد.
قال الشيخ جمال الدين بن مالك ﵀:
ومن رأى النفي بلن مؤبدًا ××× فقوله اردد وسواه فاعضدا
وأما الآية الثانية: فالاستدلال بها على الرؤية من وجه حسن لطيف، وهو: أن الله تعالى إنما ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون
[ ٢٦١ ]
بالصفات الثبوتية، أما العدم المحض فليس بكمال فلا يمدح به، وإنما يمدح الرب تعالى بالنفي إذا تضمن أمرًا وجوديًا، كمدحه بنفي السِّنة والنوم، المتضمن كمال القيومية، وفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي اللغوب والإعياء، المتضمن كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير، المتضمن كمال صمديته وغناه، ونفي الظلم، المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه، المتضمن كمال علمه وإحاطته، ونفي المثل، المتضمن لكمال ذاته وصفاته.
ولهذا لم يتمدح بعدم محض لم يتضمن أمرًا ثبوتيًا، فإن المعدم يشارك الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه، فإن المعنى: إنه يُرى ولا يدرك ولا يحاط به، فقوله: (لا تدركه الأبصار) [الأنعام: ١٠٣] يدل على كمال عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لكمال عظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن " الإدراك " هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية، كما قال تعالى: (فلما تراءا الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون * قال كلا) [الشعراء: ٦١-٦٢] . فلم ينف موسى الرؤية، وإنما نفى الإدراك، فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تعالى يرى ولا يدرك، كما يعلم ولا يحاط به علمًا، وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية، كما ذكرت أقوالهم في تفسير الآية. بل هذه الشمس المخلوقة لا يتمكن رائيها من إدراكها على ما هي عليه.
ثم ذكر الشيخ أن " الأحاديث عن النبي - ﷺ – وأصحابه، الدالة على الرؤية متواترة، رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن. فمنها: حديث أبي هريرة: " أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله
[ ٢٦٢ ]
- ﷺ -: هل تُضارّون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تُضارّون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال فإنكم ترونه كذلك "، الحديث، أخرجاه في "الصحيحين" بطوله.
وحديث أبي سعيد الخدري أيضًا في "الصحيحين" نظيره. وحديث جرير بن عبد الله البجلي، قال: " كنا جلوسًا مع النبي - ﷺ -، فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، فقال: إنكم سترون ربكم عيانًا، كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته ". الحديث أخرجاه في "الصحيحين".
وحديث صهيب المتقدم، رواه مسلم وغيره. وحديث أبي موسى عن النبي - ﷺ -، قال: " وجنتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن يروا ربهم ﵎ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن "، أخرجاه في "الصحيحين". ومن حديث عدي بن حاتم: " ولَيَلقَينّ الله أحدكم يوم يلقاه، وليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له، فيقول: ألم أبعث إليك رسولًا فيبلغك؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: ألم أعطك مالًا وأفضل عليك؟ فيقول: بلى يا رب " (١) . أخرجه البخاري في "صحيحه".
_________________
(١) راجع شرح الطحاوية: ٢٠٤-٢١٠.
[ ٢٦٣ ]
المبحث الثالث عشر: الفوز بنعيم الجنة لا يستلزم ترك متاع الدنيا
ظن الرهبان وكثير من عباد هذه الأمة أن نعيم الآخرة لا يمكن أن ينال إلا إذا رفض العبد طيبات الدنيا وملاذها، ولذلك ترى هؤلاء يعذبون أجسادهم، ويشقون على أنفسهم فيديمون الصيام والقيام، وقد يحرم بعضهم الطيبات من الطعام والشراب واللباس، وقد يتركون العمل والزواج وهذه فكرة خاطئة، فإن الله خلق الطيبات للمؤمنين، وذم من حرم زينة الله التي أخرج لعباده: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين ءامنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة) [الأعراف: ٣٢] .
والدنيا تذم إذا كانت شاغلًا عن الآخرة، أما إذا جعلها العبد معبرًا ومدخلًا لنيل الآخرة، فالأمر ليس كما يظن بعض الناس.
[ ٢٦٤ ]
المبحث الرابع عشر: آخر دعواهم
يمر المؤمنون في الموقف العظيم بأهوال عظام، ثم يمرون على الصراط فيشاهدون هولًا ورعبًا، ثم يدخلهم الله جنات النعيم بعد أن أذهب عنهم الحزن، فيرون ما أعد الله لهم فيها من خيرات عظام، فترتفع ألسنتهم تسبح ربهم وتقدسه، فقد أذهب عنهم الحزن، وصدقهم وعده، وأورثهم الجنة (وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور * الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصبٌ ولا يمسنا فيها لغوب) [فاطر: ٣٤-٣٥] . (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين)] الزمر: ٧٤] .
وآخر دعواهم في جنات النعيم: الحمد لله رب العالمين (دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وءاخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين) [يونس: ١٠] .
[ ٢٦٥ ]
الفصل السابع: المحاجة بين الجنة والنار
أخبرنا رسولنا - ﷺ - أن الجنة والنار تحاجتا عند ربهما، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فمالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ - زاد في رواية: وغرتهم – فقال الله ﷿ للجنة: أنت رحمتي أرحمن بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها، فأما النار: فلا تمتلئ حتى يضع رجله – وفي رواية: حتى يضع الله ﵎ رجله – فتقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقًا " أخرجه البخاري ومسلم.
وللبخاري قال: " اختصمت الجنة والنار (إلى ربهما)، فقالت الجنة: يا رب مالها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ وقالت النار (١)، فقال (الله)
_________________
(١) قال محقق جامع الأصل: كذا في الأصول المخطوطة. وفي النسخ المطبوعة: يعني: أوثرت بالمتكبرين، قال الحافظ في (الفتح): كذا وقع هنا مختصرًا، قال ابن بطال: سقط قول النار هنا من جميع النسخ، وهو محفوظ في الحديث وانظر (الفتح) (١٣/٤٣٤) .
[ ٢٦٦ ]
للجنة: أنت رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي أصيب بك من أشاء، ولكل واحدة منهما ملؤها، فأما الجنة، فإن الله لا يظلم من خلقه أحدًا، وإنه ينشئ للنار (١) . من يشاء، فيلقون فيها، فتقول: هل من مزيد؟ ويلقون فيها، فتقول هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فيها، فتمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض، فتقول: قط قط قط ".
وله في أخرى: - وكان كثيرًا ما يقفه أبو سفيان الحميري، أحد رواته، قال: " يقال لجهنم، هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد؟ فيضع الرب قدمه عليها، فتقول: قط قط ".
ولمسلم بنحو الأولى، وانتهى عند قوله: " ولكل واحدة منهما ملؤها ".
وقال في رواية: " فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم (٢) وغرتهم؟ " وفي آخره: " فأما النار، فلا تمتلئ حتى يضع قدمه عليها، فهنالك تمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض " وأخرجه الترمذي نحو الأولى (٣) (٤) .
_________________
(١) جزم غير واحد من أهل العلم أن هذا خطأ من بعض الرواة، وصوابه ينشئ للجنة.
(٢) السّقط: المزدرى به، ومنه السَّقط: لرديء المتاع. وغرتهم: الغرّ الذي لم يجرب الأمور، فهو قليل الشر منقاد.
(٣) رواه البخاري (٨/٤٥٨) في تفسير سورة (ق)، باب قوله تعالى: (وتقول هل من مزيد) [ق: ٣٠] وفي التوحيد، باب ما جاء في قول الله تعالى: (إن رحمت الله قريب من المحسنين) [الأعراف: ٥٦]، ومسلم رقم (٢٨٤٦) في الجنة، باب النار ويدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، والترمذي رقم (٢٥٦٤) في صفة الجنة، باب ما جاء في احتجاج الجنة والنار.
(٤) جامع الأصول: (١٠/٥٤٤-٥٤٧) .
[ ٢٦٧ ]