وفيه فصلان
الفصل الأول
فقوله: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به» أي الذي إن تمسكتم به، فما موصولة والجملة الشرطية صلتها، أو شيئا إن تمسكتم به، فهي نكرة موصوفة بالجملة الشرطية، والتمسك بالشيء التعلق به وحفظه.
وقوله: «أحدهما أعظم من الآخر»، وهو كتاب الله. إنما كان القرآن أعظم لأنه أسوة تقتدي به العترة المأمور بالاقتداء به وبهم سائر الناس.
[ ١٠٩ ]
وقوله: «حبل ممدود من السماء إلى الأرض»، ووجه التشبيه بينهما أن من وقع في بئر أو مهواة فسبيل نجاته وإنقاذه أن يدلى له حبل من أعلى يتمسك به فيرتفع، وكان الناس لما كانوا قبل نزول القرآن واقعين في مهواة الهلاك من الكفر والضلال المفضي بهم إلى خسران الدنيا والآخرة، وبعد نزوله واقعين في مهواة طبائعهم مشغولين بشهوات أنفسهم معرضين عما يهمهم من أمر آخرتهم المفضية إلى الانحطاط عن الرتبة العلية الفاخرة، ثم أنزل الله سبحانه كتابه الذي بصربه بعد العمى، وهدى به بعد الضلال، وأحيا به القلوب بعد موتها، واستنقذ به النفوس من أسر شهواتها، رفعهم بذلك من تلك المهواة المهلكة إلى سواء طريق النجاة الموصلة إلى الفوز العظيم والنعيم المقيم، وقد قال الله تعالى فيمن وقع في مهواة شهواته الدنية وانحط عن رتبة الهمة العلية ﴿ولو شئنا لرفعناه بها﴾ أي بآياتنا إلى منازل الأبرار ومراتب العلماء الأخيار ﴿ولكنه أخلد إلى الأرض﴾ أي مال إلى الدنيا، ولما كانت الأرض سفلا للسماء المرفوعة عبر باستفال درجته عن الأرض السافلة بعد تعبيره عن علو درجته بالرفعة ﴿واتبع هواه﴾ ولم يتبع مقتضى آيات الله فحق عليه ما حق من الخسران والعياذ بالله.
وقوله: «وعترتي أهل بيتي» عترة الرجل بكسر العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوق تطلق على عشيرته الأقربين والأبعدين، ولهذا قيده هنا بقوله أهل بيتي ليبين أنه أراد بذلك أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وهم عند الجمهور من حرم عليه الصدقة من بني هاشم والمطلب ابني عبد مناف.
[ ١١٠ ]
ومعنى التمسك بالقرآن العمل بما فيه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. ومن جملة ذلك تعظيم ما عظمه الله من عباده النبيين والمرسلين والملائكة وأصحاب الرسول - ﷺ - ومعرفة ما يجبلهم من الحرمة والتكريم والمحبة لإجلال الله ورسوله لهم وحبهما لهم. ومعنى التمسك بالعترة اتباعهم فيما اتبعوا فيه حكم الكتاب، وطاعتهم فيما أطاعوا فيه الله ورسوله، ومحبتهم لله ورسوله من غير إفراط بغلو ولا تفريط بتقصير.
وقوله: «لن يفترقا حتى يردا علي الحوض» أي أهل بيتي أوصيكم بالتمسك بسيرتهم كما أوصيتكم بالتمسك بالقرآن، إنما جمعت لكم بين الوصية بهما لالتزام أهل بيتي بأحكام القرآن في سيرتهم التي هم عليها حال الوصية وأنهم لا يزالون عليها حتى يلقوا الله تعالى ملازمين لحكم القرآن فيبعثون على ما ماتوا عليه. والوصية بالتمسك راجعة بالأصالة إلى الموجودين من أهل البيت وهم علي وابناه والعباس وبنوه، وغيرهم بالتبعية إلى كل من سيحدث من نسلهم إلى آخرهم إن لم يفارق حكم القرآن المأمور بالتمسك به قبله ولم يبطل حكم الاقتران بالمخالفة ولم يقطع رحم المصطفى بمخالفة سنته السنية ورحم أهل بيته الطيبين الطاهرين بمخالفة سيرتهم المرضية.
ولا شك أن أهل بيته الذين أمرنا يومئذ باتباعهم والتمسك بهم قد ظهر فيه مصدق الملازمة بينهم وبين كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وامتازوا بذلك عن كافة من ابتدع في الدين وخالف الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالحين. وذلك لكثرة ما انتشر عن علي وابن عباس ﵄ من تفسير كتاب الله وإيضاح معانيه وكشف أسراره، ثم من نشر للحديث والفقه، ثم من علي بن الحسين وابنه جعفر وأمثالهم ومن مشى على منوالهم من بيان
[ ١١١ ]
أسرار العلوم والحكم والمواعظ وسياسات النفوس، إلى ما لا يحصى. مع اتفاق السلف والخلف على أنهم على هدى من ربهم، وأنهم لم يفارقوا في سيرتهم حكم الكتاب والسنة. ومع اتفاقهم على أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان على هدى من ربهم ملتزمون لأحكام الكتاب والسنة، وأن الكل حزب واحد وفريق متحد متناصرون على الحق متعاونون عليه، خصوصا أهل البيت مع الصديقين أبي بكر وعمر ﵄، فإن موالاة علي وابن عباس وبنيهما لهما وثناءهم عليهما وغير ذلك مما سبق الإشارة إلى نبذة منه لا يحتاج إلى إقامة دليل. ولم ينقل عن واحد منهم الغض من منصبهما الجليل فضلا عما اتخذه دينا من يزعم أنه من ولاة أهل البيت من التفسيق والتضليل وغير ذلك من الأباطيل.
وإذا ثبت أن أهل البيت المذكورين كانوا نصرة لمن ذكرنا من الصحابة وثبت أن الكل لم يفارقوا حكم الكتاب وأن بعضا لم يضل بعضا، فهل خلف هؤلاء السادة المذكورين أحد من حزب الضلال المبتدعة المخالفين لسنتهم المائلين عن طريقهم الذين أجمع السلف والخلف من الصحابة فمن بعدهم وعلي وبنوه وابن عباس وبنوه ومن حذا حذوهم من السادات أهل البيت أن ما هم عليه بدعة في دين الله مخالفة لكتاب الله مباينة لسنة رسول الله - ﷺ - مصادمة لما أجمع عليه السلف والخلفمن هو أهدى من أولئك؟ فإن قال الخصم نعم فقد اعترف بتنقيصه عليا وبنيه وكذبه الحس والعيان والسنة والقرآن. وإن قال لا فقد اعترف بأن ما ختاره لنفسه مخالف لما عليه علي وأهل بيته الأطهار. وإن زعم أن ما هو عليه هو دين علي وآله كما صرح به في نظمه فقد اغتاب السادة وعليه البيان على دعواه من نصوص الكتب التي نقل منها فضائل علي وأهل البيت، وهي بيننا وبينه محكمة، وإلا
[ ١١٢ ]
أقمنا الحجة فيها على دعوانا. وإن زعم أن ما فيها مفترى كما هو معتقد جنانه والظاهر من صفحات وجهه وفلتات لسانه فقد أبطل فضائل علي وسائر أهل البيت، ويلزمه إبطال جميع ما فيها من السنة والتوحيد والنبوة والصلاة والصيام وغير ذلك إذ لا فرق إلا لمجرد الهوى وهو مراده لو حصل عليه. ولكن ﴿يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾.
وإذا تبين أنه على ضلال تبين أنه ومن والاه وانتحل مذهبه ممن يزعم أنهم أهل بيت النبي - ﷺ - قد فارقوا حكم القرآن ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، ورفضوا سنة رسول الله - ﷺ -، وقطعوا الرحم التي أمر الله بها أن توصل، وضللوا سادات أهل البيت عليا وابن عباس وبنيهما؛ فاستحقوا أن يقال لهم ما قال ﷾ لنبيه نوح ﵇ لما قال إن ابني من أهلي: ﴿إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ وما قاله فيمن زعم أنه أولى الناس بإبراهيم لكونه ولده ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه﴾، وما قاله - ﷺ - عن آله فقال: "آلي كل تقي إلى يوم القيامة". وما قاله في بعض المنتسبين إليه: «يزعم أنه مني وليس مني إن أوليائي
[ ١١٣ ]
إلا المتقون». ﴿ووقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين﴾. وعلم أن الملازمة بين أهل البيت المذكورين أولا ومن تبعهم وبين القرآن ملازمة صحيحة. فكل من تمسك منهم بالقرآن حتى مات صدق عليه أنه لم يفارق القرآن ولم يفارقه القرآن حتى لقي الله. فلو فرضنا مثلا إنه لم يوجد من أهل بيته إلا الموجودون حال إشارته إليهم والوصية بالتمسك بهم ثم ماتوا، لصح أن يقال إن أهل البيت والقرآن لم يفترقا حتى وردوا القيامة، فكذلك إذا خالفهم طوائف الضالة من ذريتهم ولم يتبعوهم على ما كانوا عليه صاروا بمثابة المعدومين، ولا توارث بين أهل ملتين شتى.
أما الميراث الدنيوي فحكمه مبني على المخالفة الظاهرة بالكلية لأن أحكام الدنيا منوطة بالظواهر، حتى أنا نورث من قال لا إله إلا الله بلسانه وكفر بالله بجنانه وعصاه بأركانه، وأما في الميراث الديني فآله - ﷺ - الذين يرثون ميراثه كل بر تقي و﴿إن أولياؤه إلا المتقون﴾.
وإذا تقرر هذا فاعلم أنه - ﷺ - مأمور بالتبليغ وإقامة الحجة، وقد أطلعه الله على ما سيلقى علي وبنوه من المحنة وعدم اجتماع الكلمة عليهم، فأشار بهذه الوصية أن عليا كما أنه اليوم ملتزم لحكم الكتاب فإنه أيضا لا يزال كذلك إلى أن يلقى الله، فمتى دعاكم إلى طاعته فأطيعوه وندبكم إلى إجابته فاتبعوه، فإنه يدعوكم إلى حكم الكتاب، ويسلك بكم المحجة العظمى، ويهديكم إلى الصراط الأقوم وستجدونه هاديا مهديا. ولم تتفق من علي ﵁ دعوة إلى اتباعه ولزوم طاعته في مدة الخلفاء الثلاثة قبله باتفاق من الأمة. فلما آن أوان دعوته المشار إليها وبويع له بالخلافة لم ينازعه أحد قط في اسم الخلافة ولم يشك أحد في تأهله لها وأحقيته
[ ١١٤ ]
بها، وإنما حصل بينه وبين من خالفه من مجتهدي عصره نزاع في مسألة اجتهادية مال كل إلى قول فيها من المبادرة إلى قتلة عثمان والتوقف، وجرى بينهم ما جرى به القلم. فكل منهم معتقد أنه على الحق، وأنه مجاهد على دين الله، وأنه لو قصر فيما هو فيه فقد خان الله ليقضي الله أمرا كان مفعولا، فمنهم من اتضح له الحق بعد ذلك أنه في جانب علي كالزبير وطائفة كثيرة يوم قتل عمار بن ياسر، ومنهم من بقي على ما هو عليه حتى لقي الله. ولقد عاتب بعضهم الصديقة الكبرى بنت الصديق الأكبر أم المؤمنين المبرأة بنص التنزيل عائشة -﵂ وعن أبيها رغم أنف شانئيه وشانئيها- على قيامها في ذلك الأمر فقالت: ما أود أني تركت ذلك القيام ويكون لي به من رسول الله - ﷺ - خمسة أولاد ذكور.
وذلك في آخر عمرها، فدل على أنها لم يترجح لها خلاف ذلك، لكن أجمع الخلف من التابعين وجمهور السلف على أن عليا ﵁ كان مجتهدا مصيبا فله أجران، لحديث ابن عباس مرفوعا: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» رواه البخاري، ومخاليفه يومئذ كانوا مجتهدين مخطئين فلهم أجر واحد، وكلا وعد الله الحسنى. وجمهور المخالفين له منهم من هو مشهود له بالجنة، وهم من كان من أهل بيعة الرضوان المحكوم لهم بالرضا الذي لا يتبدل من رب العالمين ومن رسوله بتحريمهم على النار، ومنهم من هو من أهل بدر الذين غفر الله ما تقدم من ذنبهم وما تأخر بشهادة الصادق المصدوق، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
الفصل الثاني في الحث على محبة أهل بيته - ﷺ - والتنبيه على جلالة قدرهم وعلو مجدهم
اعلم أن الناس ما بين مفرط في ذلك ومفرط، وكلا قصد طرفي الأمور
[ ١١٥ ]
ذميم، وقد علمت من هو الأولى بهذا الاسم، أي التسمي بأهل البيت، وعلمت أيضا ما يجب من حبهم واحترامهم والتحذير من إهانتهم واحتقارهم نصحا لأمته وشفقة عليها أن لا تهين من أكرمه الله فيهينها الله، ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾.
فمنها: قوله - ﷺ -: "أحبوا أهل بيتي لحبي" أخرجه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه على شرط الشيخين.
وقال - ﷺ -: "والذي نفسي بيده لا يدخل الإيمان قلب رجل حتى يحبكم لله ورسوله". أخرجه الإمام أحمد والحاكم وصححه.
وقوله - ﷺ - في حديث طويل: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي» كررها ثلاثا. أخرجه الإمام أحمد ومسلم وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه ﵏، إلى غير ذلك. وناهيك بذلك فخرا لأهل البيت لما يتضمنه ذلك من شرف منصبهم، وإيجاب حبهم واحترامهم وتأدية حقوقهم والإحسان إليهم والمحافظة على ذلك كله والتحذير من ضده إكراما لسيد المرسلين وخاتم النبيين. وإذا كانت العقول والعادات بل والشرائع تقتضي إنزال الناس منازلهم واحترام أبناء الفضلاء ومن ينسب إليهم سواء اتصل المأمور بذلك منهم بإحسان أم لا حتى أمر الله وليه الخضر ونجيه موسى بمراعاة من كان أبوهما صالحا، فما ظنك بمن يدلي إلى من أرسله الله رحمة للعالمين، ومن به على المؤمنين، وأنقذهم له من خسران الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين، ومن هو الآية الكبرى لمعتبر، ومن هو النعمة العظمى لمغتنم. فأي رقبة لم تتقلد بمننه الجليلة وأي فرقة لم تستغرقها أياديه الجزيلة. وإذا كانت أبناء الرجل الرئيس بل وعشيرته بل وغلمانه وأتباعه بل
[ ١١٦ ]
وقبيلته وأهل بلده بل وقطره بل وأهل عصره قد يسودون بسيادته ويشرفون بشرف رئاسته ويفتخرون على من سواهم بفضله ويعلون بعلو منصبه ونبله، فهل أحد أجل قدرا وأعظم مرتبة وفخرا ممن ينتسب أهل البيت ويعولون في الدنيا والآخرة هم ومن سواهم عليه، خيرة العالم وسيد ولد آدم، صاحب الحوض المورود واللواء المعقود الذي آدم فمن دونه تحته، والمقام المحمود الذي يغبط به الأولون والآخرون، والشفاعة العظمى التي يعجز عنها أولو العزم ويقول: «أنا لها أنا لها»، ومن كان هذا شأنه فنسبة كل شرف إلى شرفه كقطرة في البحار الزاخرة. وإذا تشرف قوم غيره وأجلوا واحترموا لشرف من انتسبوا إليه فشرف أهل البيت النبوي أولى، وقدرهم الرفيع أعلى وبينهم وبين غيرهم في الشرف مثل ما بين من تشرفوا به وبين غيره من البون.
ومن هنا خصوا بمشروعية الصلاة عليهم تبعا له - ﷺ - في كل مقام شريف، من خطبة وصلاة وغير ذلك، حتى أوجبها طائفة من العلماء كما هو وجه في مذهبنا مستدلين بقوله - ﷺ -: "من صلى صلاة لم يصل فيها علي وعلى أهل بيتي لم تقبل منه" أخرجه الدارقطني. (١) ويقول جابر بن عبد الله ﵄: لو صليت صلاة لم أصل فيها على محمد وعلى آل محمد ما رأيت أنها تقبل.
وعليه قيل:
يا أهل بيت رسول الله حبكم فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم الفخر أنكم من لم يصل عليكم لا صلاة له
وقد كانت قلوب السلف الأخيار والعلماء الأحبار مجبولة على حبهم واحترامهم ومعرفة ما يجبلهم طبعا.
_________________
(١) سنن الدراقطني ح١٣٤٣ وقال: " [فيه] جابر [الجعفي] ضعيف وقد اختلف عنه".
[ ١١٧ ]
وبالجملة كل من في قلبه مثقال ذرة من تعظيم المصطفى - ﷺ - وحبه فمصداق ذلك تعظيم وحب كل من ينتسب إليه بقربة أو قرابة أو صحبة واتباع سنة، إذ كل ما ينتسب إلى المحبوب محبوب.
أحب لحبها السودان حتى أحب لحبها سود الكلاب
فمن قام من أهل البيت بحفظ حدود الشريعة المطهرة فقد تحققت فيه القربة والقرابة، وحاز فضيلة الحسب والنسب، وتوفرت فيه فضيلة الشرفين من الجهتين، ومن لم يسبق له نصيب وافر في الميراث النبوي ولكنه لم يفارق الملة الفراق الموجب للحجب بقي على ميراثه في حق القرابة وروعيت فيه حقوقها، وكذا من ارتكب معصية لا تقتضي إخراجه عن الملة لم يوجب ذلك إطراح ما له من الحقوق وتوكل إساءته وتقصيره عن الالتحاق بسلفه إلى الله إذ صلة الأرحام مأمور بها مع القطيعة والعقوق، وهو - ﷺ - أولى الناس بذلك، إلا فيما لا بد من إجراء الأحكام وإقامة الحدود، فتراعى حرمة الشريعة حينئذ لأن حقهم إنما وجبت مراعاته لأجل صاحب الشرع، فإذا عارضه حق صاحب الشرع نفسه تلاشى كل حق دونه، وكان حق الله ورسوله أولى. ولهذا قال - ﷺ -: أحبوهم لحبي إياهم فمتى أبغضتهم فأبغضوهم، وقد علمتم شدة بغضي لمن خالف سنتي فسيروا فيهم سيرتي معهم وكونوا معي. وقال أيضا: "حتى يحبوكم لله ورسوله" أي لا للهوى فما داموا على الطريق المرضي الذي يحبه الله ورسوله وجبحبهم وإن سلكوا ما يسخط الله ورسوله وجب مراعاة حق الله لله ورسوله - ﷺ -، فنحبهم لله ولرسوله، ونبغضهم لله ولرسوله. فإن الولاية الأصلية ليست إلا لله ورسوله - ﷺ -، وسواهما إنما تثبت له الموالاة بهما لا غير ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾.
[ ١١٨ ]
وهذه قصيدة فيها انعطاف على ما سبق من أول الجواب إلى آخره مقابلة لأبيات المبتدع، وهي على روي أبياته ومن بحرها أيضا، ولكن نصبناها لتطابق الواقع فإن البدعة لم تزل مخفوضة وأعلام السنة منشورة ﴿فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين﴾
علم المحجة واضح لمن اهتدى فحذار من سبل الغواية والردى
هذي شريعة أحمد الغراء قد جليت كأسفار الصباح إذا بدا
بيضاء كالشمس المنيرة ليلها كنهارها فتوخها لك مقصدا
واستن سنته القوية واعتصم بكتابه وحديثه تلق الهدى
وإذا أظلك ليل شبهة بدعة حار الغوي بتيهها وترددا
فبأي أنجم صحب أحمد تقتدي تهدى وحق بمثلهم أن يهتدى
قد صح عمن ليس ينطق عن هوى هذا عموما مطلقا ومقيدا
وبسنة الخلفاء قال عليكم الـ هادين منهم موصيا ومؤكدا
وإلى اللذين عناهما من بعده صرف الوصية آمرا أن يقتدى
أتراه أرضانا بذلك خائنا أم ناصحا أم مغويا أم مرشدا
أو عن هوى أو كان غمرا جاهلا من كان منهم مصلحا أو مفسدا
كلا لقد صدقت فراسته التي صدرت وعن عين الحقيقة أوردا
أنى وروح القدس ينفثم لهما في روعه ومعلما ومؤيدا
وبعصمة الملك القدير عن الخطا أضحى يقول موفقا ومسددا
فلسورة النجم افتتح وأعدها للملحدين به شهابا مرصدا
لو جال طرف الطرف في آثار من أخذوا بأطراف الحديث وأسندا
لرأيته قرة أعين من جنة لمحبهم ولظى الحسود إلى المدى
[ ١١٩ ]
كم قد أشاد بفخرهم طرا وكم أثنى بمثنى في الثناء وموحدا
ورمى الجهول محذرا من سبهم بنصال أسهم غيظه وتهددا
من بعد ما أثنى عليهم ربه بأجل أوصاف الثناء مرددا
كم سورة صالت على أعدائهم فالحشر بالأحزاب غار وأنجدا
والفتح قد ختمت بمسك ختامهم والنور أصبح زيتها متوقدا
ثم التي فضحت عداهم أفصحت ببيان معناها البديع منضدا
طعنت صدور الطاعنين وأردفت تروى المديح مطابقا ذم العدا
وبآل عمران الشهادة أنهم خير الورى وكفاك ذاك مشهدا
أترى الخبير بخلقه أثنى على من ليس أهلا للثناء مجددا
جعل الفلاح لهم وإجلال الرضا خبرا وصدق العهد عنهم مبتدا
أيقول أعددنا الجنان لهم وهم ممن طغى في دين أحمد واعتدى
أو حل عقد رضا أحل عليهم وقضاه في الذكر الحكيم مؤيدا
أو عنه عاقبة الأمور تغيبت أو تخفى تقدس ربنا وتفردا
والله ما نزلت بذا آياته هزؤا ولا عبثا ولا جاءت سدى
خذها محكمة القوافي نصبها سر لخفض معارضيها قد بدا
نصبت لها أعلام فتح بعد أن خفضوا بكثرة جمعهم فتبددا
وسم التصرف بالإشارة أيها ذا المستغيث فهذه صلق العدا
فلت بفصل القول من برهانها حد القضايا المهملات بلا اعتداء
كم مزدهًا بغروره قلبت له ظهر المجن فأولغت فيه المدى
عجبا لمغتر بآل محمد أهدى الضلال لمحتذيه وما هدى
تخذ الهوى دينا ويزعم أنه أضحى بعقد ولائهم متقلدا
[ ١٢٠ ]
أأراد سادات البرية حيدرا وبنيه والحبر الخضم المزبدا
صدق الغوي فإنهم أهل لما أثنى ولكن ما بهديهم اهتدى
أهم كما زعم الغوي على الذي يلقيه عن شيطانه متمردا
حاشا لقدرهم العلي وفضلهم عن زيغ من في دين أحمد ألحدا
فقد افترى كذبا عليهم ومزريا بالسادة النجب الكرام أولي الندى
قرناء وحي الله لن يتفرقا حتى ورود الحوض بينهما غدا
نشروا عن التفسير فيه ما انطوى وشفوا به الأكباد من حر الصدا
ورووا حديث المصطفى حتى غدا بالري للراوين أعذب موردا
وبصحبه اتحدوا وعنهم نافحوا وعليهم أثنوا الثناء معددا
فلهم ولائي ما حييت عدو من عادوا وسلما للمسالم مسعدا
وعليهم من ربهم صلواته بعد النبي مع السلام مجددا
وكذلك الصحب الأفاضل ماجدا حاد فأطرب حين زمزم منشدا
﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾. ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾.
كملت نساختها ومقابلتها من نسخة كتبت سنة تسعين بعد الألف قريبا من عصر المؤلف، والمؤلف من أهل القرن العاشر، له من التآليف ما لا يحصى في كل فن رحمه الله تعالى. قوبلت على يد الحقير محمد بن عوض بن محمد بن فضل عفى الله عنه في شهر محرم ١٣٤١
[ ١٢١ ]