وذلك في بيان خمسة أشياء: وجوب الإمامة، ثم بيان شروطها، ثم بيان ما تثبت به، ثم بيان الإمام الحق، وترتيب الخلفاء في الفضل، ثم بيان ما يجب لهم ولسائر الصحابة من التعظيم.
وجوب الإمامة
الأول: قال أهل الحق: يجب على الأمة نصب إمام متبع في كل عصر وأوان، لأن به ينصر الدين، ويتمكن من قمع المفسدين، ويؤخذ ما يجب أخذه، ويدفع ما يجب دفعه ﴿ولولا دفع الله الناسب عضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين﴾. والدليل على ذلك إجماع الصحابة ﵃ بعد وفاة رسول الله - ﷺ - على أنه لا يجوز خلو الوقت عن من يرجعون إليه بعده في أمر الدين والدنيا مع أنهم أعلم الناس وأورعهم وأتقاهم. بل لما خطبهم أبو بكر وقال: ألا إن محمدا قد مات، وإنه لا بد لهذا الدين ممن يقوم به؛ بادر الكل إلى قبول قوله، وتركوا أهم الأشياء وهو دفن رسول الله - ﷺ -. ثم لم يزل المسلمون على ذلك.
[ ٥٣ ]
هذا مع أنا نعلم أن مصالح العباد من أمر المعاش والمعاد لا تتم إلا بإمام يرجعون إليه، وإلا ربما أدى ذلك إلى هلاكهم جميعا، والتجربة تشهد لذلك مما يثور من الفتن ويهيج من المحن عند موت الولاة إلى استقلال وال آخر، بحيث لو تمادى ذلك لتعطلت المعايش وأدى إلى رفع الدين وهلاك المسلمين.
شروط الإمامة
الثاني: يجب أن يكون الإمام (ذكرا) لأن النساء ناقصات عقل ودين، (بالغا) لقصور عقل الصبي واحتياجه إلى من يكفله، فضلا عن أن يكون كافلا للأمة كلها، (عاقلا) لما ذكر في الصبي، مسلما لقوله تعالى ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المسلمين سبيلا﴾، (عدلا) لئلا يجور، (حرا) لئلا تشغله خدمة السيد، (قرشيا) لقوله ﵊: «الأئمة من قريش»، ثم إن الصحابة أجمعوا على العمل بمقتضاه، (مجتهدا) في الأصول والفروع ليقوم بأمر الدين، (ذا رأي) ليقوم بأمر الملك، (شجاعا) ليقوى على الذب عما يجب عليه القيام بحفظه. فهذه عشر شرائط.
[ ٥٤ ]
ولا يشترط أن يكون هاشميا خلافا للشيعة للإجماع على صحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، ولا يكون معصوما خلافا للإمامية، ولا عالما بجميع المسائل المتعلقة بالدين.
ما تثبت به الإمامة
الثالث: تثبت الإمامة إما بالنص من الإمام السابق بالإجماع أو بأن يبايعه أهل الحل والعقد، خلافا للشيعة. ولا يشترط حضور جميع أهل الحل والعقد لأن الصحابة ﵃ مع صلابتهم في الدين اكتفوا بمجرد عقد بيعة عمر لأبي بكر، وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان، فبايعوهما، ولم يتوقفوا في صحة إمامتهما إلى اجتماع أهل المدينة فضلا عن اجتماع أهل العصر.
الإمام الحق
الرابع: الإمام الحق بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃ لما سبق أن طريق ثبوت الإمامة إما بالنص وإما بعقد البيعة. وقد انعقد الإجماع على أنه - ﷺ - لم ينص لأمته على استخلاف أحد معين، وعلى انعقاد البيعة لأبي بكر، ثم نص أبو بكر على خلافة عمر، ثم عقدها المسلمون لعثمان، ثم لعلي ﵃.
وأما ترتيبهم في الفضل فأجمع أهل السنة على ترتيبهم فيه على ترتيبهم
[ ٥٥ ]
في الخلافة ما خلا طائفة من السلف فإنهم توقفوا في التفضيل بين علي وعثمان، ومنهم من فضل عليا عليه، ونقل ابن عبد البر أن إجماع الخلف انعقد على ما عليه جمهور السلف من الترتيب. هذا مع الاتفاق على أن عثمان إمام حق لأن من استكمل شروط الإمامة صحت إمامته وإن كان مفضولا، بل قد تجب تولية المفضول لكونه أصلح أو لكون نصب الأفضل مثيرا فتنة، إذ المعتبر في ولاية كل أمر معرفة مصالحه ومفاسده، ورب مفضول في علمه وعمله هو بالإمامة أعرف وبالرعية أشفق وأرأف.
يجب تعظيم كافة الصحابة
الخامس: يجب تعظيم كافة الصحابة ﵃، والكف عن القدح في منصبهم الجليل، وتطلب المحامل الحسنة والتأويلات اللائقة بقدرهم فيما ينقل عنهم بعد العلم بصحة ذلك عنهم، وعدم المسارعة إلى ما ينقله عنهم المؤرخون والأخباريون وأهل البدع المضلة المبطلون. وإنما المعتمد على ما يورده العلماء الراسخون في علم الحديث والسير بالأسانيد المعتمدة. فإذا صح ذلك وجب حمله على أحسن المحامل لأن تقريره يؤدي إلى مناقضة كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ -؛ والخلف في قولهما محال، ثم يؤدي إلى هدم أركان الشرع من أصله والإزراء بشارعه وناقله وأهله، لأن الصحابة الذين نقلوا إلينا الشرع والتوحيد والنبوة والرسالة والإسلام والإيمان والصلاة والزكاة والصيام والحج والحلال والحرام إلى غير ذلك، ومتى تطرقت الأوهام إلى القدح فيهم انخرمت عدالتهم وردت روايتهم وشهادتهم، وصار هذا الدين الذي هو خير الأديان شر الأديان لكون حماله فسقة، وكان القرآن مفترى، وكان قوله فيهم ﴿أولئك
[ ٥٦ ]
هم الصادقون﴾ و﴿التائبون العابدون﴾ ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ إلى غير ذلك: زورا وبهتانا، وكان الرسول متقولا على الله. وقوله: "أصحابي كالنجوم"، (١) و«خيركم قرني»، و"يحمل هذا العلم" إلى غير ذلك إفكا وباطلا، وكان الخير كله والصدق والنزاهة مع أعداء الله القادحين فيهم الذين حدثوا بعدهم وأحدثوا بدعهم لا مع الله ورسوله وكتابه، وصار جميع الأنبياء والمرسلين المبشرين برسالة محمد - ﷺ - كذبة، والكتب المنزلة عليهم من عند الله مختلقة، وصار جميع العلماء والأحبار والعارفين بالله الأخيار من أول الدهر إلى آخر الأعصار على باطل وضلال لاتفاقهم على تصديق الصحابة فيما نقلوه وعملهم بعلمهم الذي عنهم حملوه إلى ما لا يحصر من الكفر والضلال، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وهذا في الحقيقة هو المقصود لهذه الفرقة الضال التي ظاهر مذهبها الرفض، وباطنها الكفر المحض. وإلا فكيف يخطر بقلب من يدعي الإيمان الإزراء بسادة المؤمنين وأركان الدين، أو يتطرق إليه القدح فيهم أخذا بقول ﴿من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة﴾، وعدولا عن ثناء الله عليهم في مواضع عديدة في كتاب عزيز ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾.
فأين قول القادح فيهم المنتقص لهم المزري بهم من قول الله تعالى الذي لا يبدل القول لديه
_________________
(١) في هامش الأصل: "هذا حديث ضعيف"
[ ٥٧ ]
ولا يتصور أن ينعكس مدحه ذما ولا رضاه سخطا، ﴿لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون. أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم﴾
فهذه الخيرات والفلاح والجنات المعدة لمن هي؟
﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا﴾ الآيات.
﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾.
وهذا الرضا الأبدي من المراد به؟
﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا﴾.
﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة﴾.
وهذه البيعة الرابحة من تولى عقدها؟
﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾.
وهذه الأوصاف الجميلة من هو الموصوف بها؟
[ ٥٨ ]
﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله﴾. ﴿فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء عليما﴾.
يا عجبا كيف تكون العصاة الفسقة بزعم الدعاة المرقة أحق بكلمة التقوى وأهلها، هلا كانوا هم أحق بها وأهلها لزعمهم أنهم على الحق لا الصحابة وأتباعهم. أغلطٌ صدر من البارئ جل وعلا حتى أعطى القوس غير باريها، أم سهو حصل ممن لا يضل ولا ينسى ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور حتى يقول فيهم ذلك مع علمه بما سيكون منهم من التبديل والتحريف! كلا والله بل كان الله بكل شيء عليما، وكانوا هم أحق بها وأهلها أزلا وأبدا، وعلم الله لا يتبدل، والله أعلم حيث يجعل رسالاته.
ثم كيف أطنب في مدحهم في كتابه وعلى لسان رسوله وهو يعلم ما يصدر منهم من التعاون على الظلم والعدوان وقول الزور والبهتان قبل أن يدفنوا نبيهم ويجهزوه، أغش منه لرسوله المحبوب مع ما له عنده من المكانة، أم عجزت قدرته النافذة عن أن يختار لرسوله من يصحبه بالصدق ويؤدي شرعه بالأمانة، أم أنزل كتابه وأرسل رسوله للإضلال لا للإرشاد حتى مدح فيه من هو مذموم عنده من العباد.
[ ٥٩ ]
فاعتبروا يا أولي القلوب والأبصار، ﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير. إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير﴾