وكيف كان بدؤها ومستقرها
أعلم أن الأصل في صلاة التراويح ما رواه مالك في " موطئه " والبخاري ومسلم وأبو داود في " سننه " عن أبي هريرة قال: «كان النبي ﷺ يرغب في قيام رمضان؛ من غير أن يأمر بعزيمة، ثم يقول: من صام رمضان إيمانا واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه» .
وروي: «من قام رمضان» .
قال ابن شهاب: " فتوفي النبي ﷺ والأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر ".
وروت عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ صلى في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ، فلما أصبح؛ قال: قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن يفرض عليكم» .
وذلك في رمضان.
[ ٤٧ ]
رواه مالك وأبو داود.
وروته عائشة ﵂ أيضا؛ قالت: «كان الناس يصلون في المسجد في رمضان أوزاعا، فأمرني رسول الله ﷺ، فضربت له حصيرا، فصلى عليه » .
وساقت القصة إلى أن قال النبي ﷺ: «أيها الناس! أما والله ما بت ليلتي هذه بحمد الله غافلا، ولا خفي علي مكانكم » .
وروى أبو ذر؛ قال: «صمنا مع النبي ﷺ رمضان فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله! لو نفلتنا قيام هذه الليلة. فقال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف؛ حسب له قيام الليلة، فلما كانت الرابعة لم يقم بنا، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح - قلت: وما الفلاح؟ قال: السَّحُورُ -، ثم لم يقم بنا بقية الشهر» .
وروت عائشة ﵂: «أن النبي ﷺ كان إذا دخل العشر الأواخر؛ أحيى الليل، وشد المئزر، وأيقظ أهله» .
[ ٤٨ ]
وروى أبو هريرة؛ قال: «خرج النبي ﷺ فإذا الناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد، فقال: ما هؤلاء؟. فقيل: هؤلاء ناس ليس معهم قرآن، وأبي بن كعب يصلي [بهم]، وهم يصلون بصلاته. فقال النبي ﷺ: أصابوا، ونعم ما صنعوا» .
قال أبو داود: " هذا الحديث ليس بالقوي، يرويه مسلم بن خالد الزنجي، وهو ضعيف ".
وروى مالك في " موطئه " عن أبي سلمة أنه سأل عائشة ﵂: «كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: ما كان النبي ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا. فقلت: يا رسول الله! أتنام قبل أن توتر؟ فقال: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي» .
[ ٤٩ ]
وروى مالك في " موطئه " عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: «خرجنا مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون؛ يصلي الرجل لنفسه، ويصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: والله إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد؛ لكان أمثل. فجمعهم على أبي بن كعب. قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون» .
يعني: آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله.
وقال أبو أمامة الباهلي: " ابتدعتم قيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم، فدوموا عليه إذا فعلتموه؛ فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا، ولم يراعوها، فعابهم الله تعالى بتركها "، ثم قرأ: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ إلى آخر الآية.
[ ٥٠ ]
شرح أحاديث قيام رمضان والتوفيق بينها
١ - شرح هذه المتون، ووجه الجمع بينها
اعلم أن أصل قيام رمضان ثبت على عهد رسول الله ﷺ بقوله وفعله:
أما قوله ﵇؛ فترغيبه في قيامه على ما بيناه أولا.
وأما فعله؛ فجمعه بالناس ليلتين.
فإن قال قائل: فالنبي ﷺ قد ترك بقية الشهر ولم يصل معهم!؟
فالجواب: أن هذا لا يدل على نسخ الجمع فيها؛ لأنه - ﵇ - علل الامتناع بأنه خشي أن يفرض عليهم؛ إما لما جرت به عادته من أن ما داوم عليه على وجه الاجتماع من القرب؛ يفرض على أمته.
قالت عائشة ﵂: «إن كان النبي ﷺ ليدع العمل وهو يجب أن يعمل به؛ خيفة أن يعمل به الناس، فيفرض عليهم» .
قالت: «وما سبح النبي ﷺ سُبْحَةَ الضحى قط، وإني لأسبحها» .
قال القاضي أبو بكر: " ويحتمل أن الله تعالى أوحى إليه إن واصل هذه الصلاة معهم؛ فَرَضَهَا عليهم؛ إما لإرادته فرضها فقط على ما نذهب إليه من أن أفعال القديم تعالى غير معللة، أو لأنه يحدث فيهم من الأحوال والاعتقاد ما يكون الأصلح لهم فرض هذه الصلاة عليهم، ويحتمل أن يريد بذلك أنه خاف أن يظن أحد من أمته بعده - إذا داوم عليها - وجوبها على الناس ".
وهذه المعاني كلها مأمونة بعد موت النبي ﷺ.
[ ٥١ ]
وإذا كان كذلك؛ فقد زالت العلة المانعة من الاجتماع بانقطاع الفروض بعده، فثبت جواز الاجتماع لقيام رمضان.
فهذا الحديث أصل في جواز الاجتماع للنافلة في رمضان.
فإن قيل: فأبو بكر ﵁ لم يصلها معهم، وكذلك عمر؛ لأنه قال: " ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر "، وكذلك علي لم يصلها!
قلنا: أما أبو بكر؛ فشغله أهل الردة وتدبير أمور الإسلام مع قصر مدته عن النظر في جمع المسلمين عليها.
ويحتمل أن يكون رأى من قيام الناس في آخر الليل وقوتهم عليه ما كان أفضل عنده من جمعهم على إمام في أول الليل.
وأما علي بن أبي طالب ﵁؛ فروى أبو عبد الرحمن السلمي عن علي: " أنه صلى بهم في شهر رمضان، فكان يسلم بهم في كل ركعتين، ويقرأ في كل ركعة بخمس آيات ".
وإنما نسب إلى عمر؛ لأنه جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يصلي بهم عشرين ليلة، فإذا كان العشر الأواخر تخلف في بيته، فيقال: أبِقَ أُبَيٌّ.
[ ٥٢ ]
فأما الجماعة في سائر النوافل؛ فروى ابن حبيب عن مالك؛ قال: " ليس من الأمر الذي يواظب عليه العامة أن يصلي الرجل بالنفر سبحة الضحى وغيرها من النافلة بالليل والنهار غير نافلة رمضان؛ إلا أن يكون نفرا قليلا، الرجلين والثلاثة ونحوه، من غير أن يكون أمرا كثيرا مشهورا ".
كأنه خاف أن يظنها كثير من الناس من جملة الفرائض لو ظهر الاجتماع لها، وأمن ذلك في رمضان؛ لما اشتهر من أنه نافلة، وقد قيل غير ذلك.
٢
- فرع
وهل الأفضل أن تصلى في البيوت
أو في المساجد والجماعات؟
قال مالك في " المدونة ": " قيام الرجل في بيته أحب إلي لمن قوي عليه ".
قال: " وكان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون ولا يقومون مع الناس، وبه قال ابن عمر ".
وقال عبيد الله: " رأيت مشيختنا: القاسم وسالما ونافعا ينصرفون من العشاء في رمضان ولا يقومون مع الناس ".
وقال أبو يوسف: " من قدر على أن يصلي في بيته كما يصلي مع الإمام في رمضان؛ فأحب إلي أن يصلي في بيته ".
[ ٥٣ ]
فرع قيام رمضان يصلى في البيوت أو في المساجد والجماعات
واختلف أصحاب الشافعي عليه، وذلك أنه قال: " فأما قيام رمضان؛ فصلاة المنفرد أحب إلي منه ".
فمن أصحابه من حمل كلامه على ظاهره، والمراد به: إذا كانت صلاته لا تخل بصلاة أهل المسجد؛ فإنه يصلي في بيته؛ لتكون صلاته أخلص وأطول.
وقال أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق المروزي من أصحابه: " صلاة التراويح جماعة أفضل من الانفراد؛ لإجماع الصحابة على ذلك؛ لأن عمر جمع الناس على أبي، فكان يصلي عشرين ليلة، وإجماع الأعصار عليه ".
وتأولوا قول الشافعي أن صلاة المنفرد أفضل منه؛ يعني: الوتر وركعتي الفجر.
واحتج من اختارها في البيوت بقول النبي ﷺ: «صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة» .
قال ابن حبيب: «رغب النبي ﷺ في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة، فقام الناس وحدانا؛ منهم في بيته، ومنهم في المسجد. فمات النبي ﷺ والأمر على ذلك، وكان الناس كذلك في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر، ثم رأى عمر أن يجمعهم، فأمر أبيا وتميما أن يصليا بهم إحدى عشرة ركعة بالوتر» .
فرع
[ ٥٤ ]
فرع صلاة قيام رمضان في البيت
٣ - فرع
[صلاتها في البيت]
فإذا صلاها في بيته؛ فهل الأفضل له أن يصليها منفردا أو يصليها بأهل بيته وإخوانه إن حضروا؟
قلنا: إن عبد الله بن هرمز كان يقوم في منزله بأهله.
وأما قولها: «ما كان يزيد النبي ﷺ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة..»؛ يدل على أن الأفضل قيام العام كله، ولهذا قالت: «وأيكم يستطيع ما كان رسول الله ﷺ يستطيعه؟ ! كان عمله ديمة» .
فلما علم أن أمته لا تطيق من ذلك ما يطيقه؛ حضهم على أفضل الأوقات بالعمل، وهو رمضان.
٤ - فرع
[عدد القيام]
وأما الكلام في عدد القيام؛ فلم يثبت فيه عدد على عهد رسول الله ﷺ؛ لأنه إنما صلى بهم ليلتين، ثم تخلف في بيته، ولم ينقل أحدٌ كم صلى فيها من ركعة.
وأثبت حديث فيه حديث عائشة: «ما كان النبي ﷺ يزيد في رمضان ولا»
[ ٥٥ ]
فرع عدد القيام في صلاة التراويح
«في غيره على إحدى عشرة ركعة» .
وهو الذي أمرهم به عمر في أول الأمر، ثم ضعفوا عن طول القيام، فجعلها عشرين على ما سنبينه.
واختلفت الرواية فيما كان يصلي به في زمن عمر:
فروى مالك عن السائب بن يزيد: أن عمر بن الخطاب أمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة.
وقال: " وكان القارئ يقوم بالمائتين حتى كنا نعتمد على العِصِيِّ من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فُروعِ الفجر ".
وهذه الرواية موافقة لقول عائشة ﵂.
وقال مالك - في " مختصر ما ليس في المختصر " -: " والذي آخذ به في نفسي في قيام شهر رمضان الذي جمع عمر عليه الناس: إحدى عشرة ركعة بالوتر، وهي صلاة النبي ﷺ، وإحدى عشرة من ثلاث عشرة قريب ".
وروى يزيد بن رومان: " أن عمر لما جمع الناس على أبي صلى بهم عشرين ركعة ".
وروى مالك عن نافع قال: " أدركت الناس يقومون بتسع وثلاثين
[ ٥٦ ]
ركعة، يوترون منها بثلاث ".
قال مالك: " وهو الذي لم يزل عليه الناس، وهو الذي كان في زمن عثمان ".
وروي أن أول من أمرهم به معاوية بن أبي سفيان.
وروي أن عمر بن عبد العزيز أمر القراء يقومون بذلك.
قال عبد الله بن أبي بكر: " وكنا ننصرف فنتعجل السحور خيفة الفجر ".
قال مالك - في كتاب ابن شعبان -: " ويكره تأخير الختم إلى آخر رمضان ".
وقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل: " التراويح خمس ترويحات، كل ترويحة أربع ركعات بتسليمتين ".
ووجه حديث يزيد بن رومان، ووجه ما اختاره مالك: اتفاق أهل المدينة عليه.
وقد قال لنا بعض العلماء: إنما اختص أهل المدينة بهذا العدد؛ لأنهم أحبوا أن يساووا أهل مكة؛ لأن أهل مكة يطوفون سبعا بين كل ترويحتين، فجعل
[ ٥٧ ]
أهل المدينة مكان كل طواف أربع ركعات، فزادوا ست عشرة ركعة، وأوتروا بثلاث، فصار ذلك تسعا وثلاثين ركعة! !
قال: وليس لغير أهل المدينة أن يفعلوا ذلك؛ لأن أهل المدينة شرفوا بمهاجرة رسول الله ﷺ وقبره، فلهذا أرادوا مساواة أهل مكة؛ بخلاف غيرهم!
وأجاب أصحابنا بجواب سديد تتفق عليه الأخبار، فقالوا: يحتمل أن يكون عمر أمرهم بإحدى عشرة ركعة، وأمرهم مع ذلك بطول القراءة؛ يقرأ القارئ بالمائتين في الركعة؛ لأن التطويل في القراءة أفضل الصلاة، فلما ضعف الناس عن ذلك؛ أمرهم بثلاث وعشرين ركعة تخفيفا من طول القيام، فاستدرك نقص الفضيلة بزيادة الركعات، فكان يقرأ بسورة البقرة في ثماني ركعات أو اثنتي عشرة ركعة - على حديث الأعرج -.
ورواه مالك عن داود بن الحصين عن الأعرج قال: ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان.
قال: " وكان القارئ يقرأ بسورة البقرة في ثماني ركعات، فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة؛ رأى الناس أنه قد خفف ".
هذه الآثار الثلاثة رواها مالك في " موطئه ".
[ ٥٨ ]
وقد قيل: إنه كان يقرأ من ثلاثين آية إلى عشرين، وكان الأمر على ذلك إلى يوم الحرة، فثقل عليهم القيام، فنقصوا من القراءة وزادوا في عدد الركعات، فجعلت ستا وثلاثين ركعة، والوتر بثلاث، فمضى الأمر على ذلك!
وأمر عمر بن عبد العزيز في أيامه أن يقرأ في كل ركعة بعشر آيات.
وكره مالك أن ينقص من ذلك أو تمد القراءة.
وهذا الذي مضى عليه الأمر، واتفق عليه رأي الجماعة، فكان هو الأفضل لمعنى التخفيف.
قال الشيخ أبو القاسم: " وهذا في الآيات الطوال، ويزيد على ذلك في الآيات الخفاف، وإنما هذا في الجماعات وفي المساجد، فأما المنفرد في خاصة نفسه؛ فإن استطاع أن يصلي بإحدى عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة بالمائتين؛ كان أفضل؛ لقول النبي ﷺ: «أفضل الصلاة طول القنوت» ".
٥ - فرع
الفصل بين الترويحتين
وجرت عادة الأئمة أن يفصلوا بين كل ترويحتين بركعتين خفيفتين
[ ٥٩ ]
فرع الفصل بين الترويحتين
يصلونهما أفذاذا، إما لأنه أقرب إلى تصحيح عدد الركعات وأبعد من الغلط فيها، وإما أن يتمكن من فاتته ركعة مع الإمام من قضائها في تلك المدة.
ويجوز لمن أراد أن يتنفل بين الترويحتين إذا أتم ركعتين وسلم، فإما أن يقف ويقرأ ينتظر الناس، فإذا قاموا؛ دخل معهم بإحرامه الأول، وأما بإحداث إحرام؛ فلا.
٦ - فرع
وهل يؤمهم في المصحف؟
كانت عائشة يؤمها غلام لها في المصحف.
قال الزهري: " كان خيارنا يقرؤون في المصحف، ولم يزل الناس يفعلون ذلك منذ كان الإسلام ".
وبه قال ابن سيرين، ويحيى بن سعيد، والليث.
وأباه ابن المسيب، وقال: " يصلي بما كان معه، ويعيد، ولا يقرأ في المصحف ".
وبه قال الحسن؛ قال: " لا يقرأ في المصحف؛ كما يفعل اليهود والنصارى ".
وفي كتاب ابن شعبان؛ قال: " لا يصلي الحافظ خلف القارئ في المصحف في شهر رمضان ".
قال: " ويؤم الذي يحفظ شيئا من السور الطوال، أو يحفظ المفصل؛ يردد ذلك في شهر رمضان: أحب إلي من أن يؤمهم الذي لا يحفظ ويقرأ في
[ ٦٠ ]
فرع هل يؤم الإمام المصلين في المصحف
المصحف، فإن كان إنما يحفظ السورة الواحدة؛ فالذي يقرأ في المصحف أحب إلينا ".
قال: " وقد قيل: يؤمهم في شهر رمضان في المصحف ".
ومن تعايا عن القراءة في تنفله؛ تفكر قليلا، فإن تذكر، وإلا خطرف ذلك، وابتدأ سورة أخرى، ولا يسلم.
٧ - فصل
[القنوت]
وأما القنوت - وهو لعن الكفرة في رمضان -؛ فعن مالك فيه روايتان:
قال في " المدونة ": " وليس العمل على القنوت في رمضان؛ لا في أوله، ولا في آخره، ولا في نافلة، ولا في الوتر أصلا ".
هذه رواية ابن القاسم وعلي بن زياد.
وروى ابن وهب وابن حبيب عن مالك: " أن ذلك مستحب في النصف الآخر من رمضان، فيقنت الإمام؛ يلعن الكفرة، ويؤمن من خلفه ".
وبه قال ابن عمر، ومعاذ، وجماعة من التابعين.
وروى محمد بن يحيى عن مالك في " المدونة " أنه قال: " يلعن الكفرة في رمضان إذا أوتر الناس، فصلى الركعتين، ثم قام في الثالثة، فركع، فإذا رفع
[ ٦١ ]
فصل في القنوت في رمضان
رأسه من الركوع؛ وقف يدعو على الكفرة ويلعنهم ويستنصر للمسلمين، ويدعو مع ذلك بشيء خفيف غير كثير، وكان للإمام دعاء معروف يجهر به كما يجهر بالقراءة، وإنه لحسن، وهو أمر محدث لم يكن في زمان أبي بكر وعمر وعثمان ".
قال ابن القاسم: " كان مالك ينكره إنكارا شديدا ".
قال: " ولا أرى أن يعمل به ".
قال محمد بن يحيى عن مالك: " كان الناس يدعون به ليلة خمس عشرة من الشهر ".
وقال أبو حنيفة وأحمد: " يستحب القنوت في الوتر في جميع السنة ".
وقال الشافعي: " يستحب في النصف الآخر من شهر رمضان ".
واحتج أبو حنيفة بما روى أبي بن كعب قال: «كان النبي ﷺ يوتر بثلاث: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ويقنت في الثالثة قبل الركوع» .
ووجه من اختاره في النصف الآخر ما روي: " أن أبيا صلى بالناس في النصف الأول فلم يقنت، ثم مرض، فصلى مكانه معاذ، فقنت ".
وروي " أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب، فكان يقوم بهم عشرين
[ ٦٢ ]
ليلة، ولا يقنت إلا في النصف الثاني ".
فحصل الاتفاق منهما، ومن سائر الصحابة الذين لم ينكروا على واحد منهما، على أن القنوت مشروع في النصف الآخر كما اختص بالركعة الأخيرة من صلاة الصبح.
ووجه الرواية الثانية ما قاله مالك؛ أن هذا الأمر لم يدرك العمل عليه
[ ٦٣ ]
بالمدينة، ولأنها صلاة وتر، فلم يكن القنوت مشروعا فيها كالمغرب.
فأما ما احتج به أبو حنيفة، فقال أبو داود: " خبر القنوت في هذا الحديث ليس بصحيح "، وعلى أنا نخصه بما ذكرنا.
فهذه جمل من أحكام قيام رمضان، ومنشئها، ومستقرها، وما روي فيها عن رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين وسائر الأئمة الراشدين على ما رواه مالك والبخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وسائر مصنفات المسلمين ودواوينهم الفقهية، لم يرووا في شيء من ذلك ما أحدثه الناس من هذه البدع؛ من نصب المنابر عند ختم القرآن، والقصص، والدعاء، بل قد حفظ عنهم النهي عن ذلك على ما رويناه.
٨ - فصل
[ختم القرآن]
فأما ما أحدثه الناس من الخطب في أعقاب الختم؛ فقال مالك: " ليس ختم القرآن بسنة لقيام رمضان ".
وأنكر مالك والأئمة أن يقرأ أحدهم في غير الموضع الذي انتهى إليه الآخر.
[ ٦٤ ]
فصل في ختم القرآن في قيام رمضان
وقال مالك في " المدونة ": " الأمر في رمضان الصلاة، وليس بالقصص بالدعاء ".
فتأملوا - رحمكم الله -، فقد نهى مالك أن يقص أحد في رمضان بالدعاء، وحَكَى أن الأمر المعمول به في المدينة إنما هو الصلاة من غير قصص ولا دعاء.
وروى محمد بن أحمد في " المستخرجة " عن ابن القاسم؛ قال: " سئل مالك عن الذي يقرأ القرآن فيختمه ثم يدعو؟ فقال: ما سمعت أنه يدعى عند ختم القرآن، وما هو من عمل الناس ".
وهذه المسألة ذكرها ابن شعبان عن مالك أيضا في " مختصر ما ليس في المختصر "، وذكرها الشيخ أبو الحسن القابسي بالقيروان في " الكتاب الممهد "، وقد كانت القيروان دار العلم بالمغرب، ولم يكن في عصره من فقهاء المغرب أعلم منه.
وأعظم من هذا مسألة قالها مالك في " مختصر ما ليس في المختصر "؛ قال مالك: " لا بأس أن يجتمع القوم في القراءة عند من يقرئهم أو يفتح على كل واحد منهم فيما يقرأ ".
قال: " ويكره الدعاء بعد فراغهم ".
وهذا غاية ما يكون في إنكار الأمور المحدثة.
[ ٦٥ ]
قال: وروى ابن القاسم أيضا عن مالك: " أن أبا سلمة بن عبد الرحمن رأى رجلا قائما عند المنبر يدعو ويرفع يديه، فأنكر، وقال: لا تقلص تقليص اليهود "
قال مالك: " التقليص: رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين ".
وروى ابن القاسم أيضا؛ قال: " سئل مالك عما يعمل الناس من الدعاء حين يدخلون المسجد وحين يخرجون ووقوفهم عند ذلك؟ فقال: هذا من البدع، وأنكر ذلك إنكارا شديدا ".
قال بعض أصحابنا: إنما عنى بهذا: الوقوف للدعاء، فأما عند دخوله وخروجه ماشيا؛ فحسن جائز، وقد وردت فيه آثار عن رسول الله ﷺ.
قال: " وسئل عن التكبير خلف الصلوات بأرض العدو؟ فقال: ما سمعته، إنما هو شيء أحدثه المسودة. قيل له: إن بعض البلدان يكبرون دبر المغرب والصبح؟ فقال: هذا مما أحدثوه ".
وسئل مالك عن الرجل يدعو خلف الصلاة قائما؟ فقال: " ليس بصواب، ولا أحب لأحد أن يفعله ".
٩ - فصل
في توجيه هذا الأصل
اعلم أن الحرف الذي يدور عليه هذا المذهب إنما هو حماية الذرائع، وألا يزاد في الفروض ولا في السنن المسننة، وألا يعتقد أيضا في النوافل المبتدأة أنها سنن مؤقتة.
[ ٦٦ ]
فصل في حماية الذرائع
وهذا الأصل؛ كل من أباه في الجملة قد قال به في التفصيل فنذكر أولا موافقة أبي حنيفة والشافعي لمالك في هذا الأصل:
فمن ذلك أن مالكا كره صيام ست من شوال، ووافقه أبو حنيفة، فقال: " لا أستحب صيامها "، وخالفهما الشافعي، فقال: " يستحب صيامها "!
والحديث منصوص فيه، رواه البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: «من صام رمضان وأتبعه بست من شوال؛ فكأنه صام الدهر» .
ولا حجة لمالك وأبي حنيفة إلا أنهما قالا: " التزام هذا يؤدي إلى الزيادة في الفروض، فيجيء الأعراب، وينشأ الأطفال، فإن رأوا الأسلاف والعموم يداومون على صومه؛ اعتقدوه فرضا "!
وعلى هذا المنهاج تدرج صوم النصارى حتى صار خمسين يوما، وذلك أن الله تعالى فرض عليهم صوم شهر رمضان، وذلك بين في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، فأقاموا عليه برهة من دهرهم، فاشتد عليهم؛ لأنه ربما أتاهم في الحر الشديد، أو في البرد الشديد، فيضرهم في أسفارهم ومعايشهم، فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السنة بين الشتاء والصيف! فجعلوه في الربيع، وزادوا فيه عشرة أيام؛ كفارة لما صنعوا، فصار أربعين يوما! ! ثم اشتكى ملك
[ ٦٧ ]
لهم، فجعل لله عليه إن برئ من مرضه في صومه أسبوعا، فبرئ، فزادوه، ثم مات، فوليهم آخر، فقال: لو أكملتموه خمسين يوما!
قال الحسن والشعبي وجماعة من العلماء: " وعلى هذا دل حديث عثمان في الإتمام في السفر ".
وقد بيناه.
وأما الشافعي؛ فقد وافق مالكا في أن الأضحية سنة، وخالفهما أبو حنيفة، وقال: " واجبة ".
واحتج أصحاب مالك والشافعي جميعا بالأسلوب الذي ذكرناه في الباب الثالث؛ من ترك أبي بكر وعمر وجابر وابن عباس الأضحية؛ مخافة أن يرى الناس أنها واجبة!
وهؤلاء الأئمة الثلاثة - وهم أثافي الإسلام - تركوا سنة ثابتة عن الرسول ﷺ، فلم لا يجوز أن نترك الخطب ونصب المنابر عند الختم في رمضان؛ خوفا من أن يظن الناس أن الخطبة عقيب الختم في رمضان سنة ثابتة عند هذين الشيئين - أعني: الختم والصوم -، وأن الرسول ﷺ إنما سن قيامه وتلاوة القرآن فيه على هذا الوجه؟
[ ٦٨ ]
وهكذا ذكر ابن شعبان في كتابه عند ذكره جملا من هذه الأمور المحدثة؛ قال: " إنما كرهه مالك؛ خيفة أن يلحق بما يجب فعله حتى يتخذ أمرا ماضيا ".
وما لنا نقدر ذلك؟ ! بل قد وجدنا ما كنا نحذر! فأكثر المسلمين اليوم يعتقدون أن الرسول ﷺ إنما شرع قيام رمضان على هذا الوجه، وأن ترك ذلك بدعة، مع القطع بأن رسول الله ﷺ لم يجمع في رمضان إلا ليلتين، ولم ينقل أحد من المسلمين عدد الركوع، ولا دعاء، ولا خطبة.
وقد بيناه.
وهذا المذهب أيسر؛ لأنه ليس فيه ترك سنة، وفي ترك صيام ست من شوال وترك الأضحية ترك السنن، فهو بالإنكار أحق.
فإن خالفنا أحد من أصحاب أبي حنيفة، والشافعي، ومالك، ممن لا يطلع على أسرار المذهب وأغوار الأصول ولم يتحقق بالكليات، وإنما نظر في الأطراف والجزئيات، فقال: إن هذا ذكر لله تعالى، وتحميد، وثناء، ودعاء، واجتماع من المسلمين على طاعة الله، وفيه إظهار شعائر الإسلام؛ فينبغي أن يكون مشروعا مستحبا كنفس القيام!
فالجواب أن نقول: هذا منقوص بما لا قبل لكم به: منها صيام ست من شوال على أصل أبي حنيفة، وترك الأضحية على أصل الشافعي؛ فإن هذه قرب وطاعات، ومناسك وعبادات، ثم كان تركها - عند خوف البدعة - خيرا من فعلها.
ثم نقول: الذكر والثناء قد يكون استحبابه مشروطا بشروط؛ كما في
[ ٦٩ ]
الصيام والأضحية، وكما أن قراءة القرآن في الركوع والسجود والتشهد بدعة، وإن كان على غير هذا الوجه قربة.
وينتقض بالخطبة والدعاء صبيحة الختم بالنهار، فلو أنه ختم بالليل ثم نصب كرسيه واختطب ودعا بالنهار؛ لكان مبتدعا! وإن كان ذكرا لله تعالى ودعاء!
وينتقض بالخطبة والدعاء في آخر الشهر؛ فإن الناس لو نصبوا الكراسي واختطبوا ودعوا في أول ليلة من رمضان، وحضوا المسلمين على صيامه وقيامه والتشمير للعبادة في ليله ونهاره؛ لكان مبتدعا منهيا عنه!
وهذا أشبه مما صرتم إليه؛ فإن الناس في أول الشهر أحوج إلى الخطبة والدعاء والتنبيه على خدمة مولاهم في هذا الشهر منهم إلى ذلك في آخره.
ويشهد لذلك أيضا أصول الشرع:
ألا ترى أن يوم الفطر والأضحى إنما شرعت الخطبة فيهما في أول النهار، فيختطب في صبيحة الأضحى، فيعلم الناس أمر مناسكهم وضحاياهم وقربانهم، ثم لو فعل ذلك في أول الشهر لم يجز، كذلك في آخره؟
[ ٧٠ ]
١٠ - فصل
[شيعوعة الفعل لا تدل على جوازه]
في الكلام على فريق من العامة وأهل التقليد قالوا: إن هذا الأمر شائع ذائع في أقاليم أهل الإسلام وأقطار أهل الأرض، حتى قال بعض الأغبياء: إن القيروان كانت دار العلم بالمغرب، ولم يزل هذا الأمر بها فاشيا، لا منكر له! !
فالجواب أن نقول: شيعوعة الفعل وانتشاره لا يدل على جوازه؛ كما أن كتمه لا يدل على منعه.
ألا ترى أن بيع الباقلاء في قشرته شائع في أقطار أهل الإسلام وعند الشافعي لا يجوز؟
والاستئجار على الحج شائع في بلاد أهل الإسلام وعند أبي حنيفة لا يجوز؟
[ ٧١ ]
واقتعاط العمائم شائع في أهل الإسلام، وهو بدعة منكرة.
والاقتعاط: هو التعميم دون الحنك:
نظر مجاهد رجلا قد اعتم ولم يتحنك، فقال: " اقتعاط كاقتعاط الشيطان؟ ! ".
فهي عمامة الشيطان، وهذه كانت عمائم قوم لوط أصحاب المؤتفكات.
وروى أبو بكر محمد بن يحيى الصولي في " غريب الحديث ": " أن النبي ﷺ أمر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط ".
يقال للعمامة إذا لاثها على رأسه ولم يجعلها تحت حنكه: اقتعطها،
[ ٧٢ ]
وهو المنهي عنه، وإذا أدارها تحت حنكه؛ يقال: تلحاها، وهو المأمور.
وإسبال الثوب تحت الكعبين شائع في بلاد أهل الإسلام، وهو حرام لا يجوز؟
والتقنع بالثوب على الرأس شائع في بلاد المغرب، وهم أتباع مالك بن أنس، وقد سئل مالك عن التقنع؟ فقال: " أما لحر، أو لبرد أو لغيره من العذر؛ فلا بأس به، وأما لغير ذلك؛ فلا ".
قال: " وكان أبو النضر يلزمه لحر يجده ".
قال: " ورأت سكينة - أو فاطمة - بنت الحسين بعض ولدها مقنعا رأسه، فقالت: اكشف القناع عن رأسك؛ فإن التقنع ريبة بالليل، ومذلة بالنهار ".
قال مالك: " وأنا أكرهه لغير عذر، وما علمته حراما، ولكنه ليس من لباس خيار الناس ".
فهذه بدعة منكرة كما ترى، قد صارت سنة في خيار الناس اليوم، وقد روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: " ما دخلت الخلاء مذ أسلمت إلا مقنعا رأسي حياء من ربي ".
وأكثر أفعال أهل زمانك على غير السنة، وكيف لا وقد روينا قول أبي الدرداء إذ دخل على أم الدرداء مغضبا، فقالت له: مالك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد ﷺ؛ إلا أنهم يصلون جميعا، وما روينا هنالك من الآثار!
[ ٧٣ ]
فإنه لم يبق فيهم من السنة إلا الصلاة في جماعة، كيف لا تكون معظم أمورهم محدثات؟ !
وأما من تعلق بفعل أهل القيروان؛ فهذا غبي يستدعي الأدب دون المراجعة!
فنقول لهؤلاء الأغبياء: إن مالك بن أنس رأى إجماع أهل المدينة حجة، فرده عليه سائر فقهاء الأمصار، هذا وهو بلد رسول الله ﷺ، وعرصة الوحي، ودار النبوة، ومعدن العلم، فكيف بالقيروان؟ !
وأيضا؛ فإنما كان يكون فيه متعلق لو نقلتم عن علماء القيروان أنهم أفتوا بهذا؛ لأن الاقتداء إنما يكون بالعلماء لا بالعوام، وهذا ما لا ينقلونه أبدا، وإنما كان يفعله العوام والغوغاء، فإنكارنا عليهم كإنكارنا عليكم.
والدليل على هذا أن الفتيا بالقيروان إنما كانت على مذهب أهل المدينة، وقد كان القوم من أشد الناس تمسكا بمذهب مالك، فكان علماؤنا إنما يقومون في رمضان في بيوتهم؛ لقول مالك: " قيام الرجل في بيته لمن قوي عليه أحب إلي "، وكان الغالب عليهم الورع والاتباع، وقد قال لهم في " المدونة ": " ليس الشأن في رمضان القصص بالدعاء "، فيبعد من حالهم أن يحدثوا هذه البدعة، وينصبوا المنابر، ويخطبوا عند الختم!
ولو كان هذا؛ لشاع وانتشر، وكان يضبطه طلبة العلم، والخلف عن السلف، فيصل ذلك إلى عصرنا، فلما لم ينقل هذا أحد ممن يعتقد علمه، ولا
[ ٧٤ ]
ممن هو في عداد العلماء؛ علم أن هذه حكاية العوام والغوغاء.
ثم يقال لهم: بم تنفصلون ممن يعارضكم بشكل آخر من جنسه، فيقول لكم: إن قرطبة أعظم من القيروان، وهي دار العلم والخلافة - فقد فضلت القيروان بالخلافة -، ثم لم يعهد فيها قط خطبة ولا منبر ولا دعاء ولا اجتماع عند ختم القرآن في رمضان؟
فإن قيل: فهل يأثم فاعل ذلك؟
فالجواب أن يقال: أما إن كان ذلك على وجه السلامة من اللغط، ولم يكن إلا الرجال، أو الرجال والنساء منفردين بعضهم عن بعض، يستمعون الذكر، ولم تنتهك فيه شعائر الرحمن؛ فهذه البدعة التي كرهها مالك.
وأما إن كان على الوجه الذي يجري في هذا الزمان؛ من اختلاط الرجال والنساء، ومضامة أجسامهم، ومزاحمة من في قلبه مرض من أهل الريبة، ومعانقة بعضهم لبعض - كما حكي لنا أن رجلا وجد يطأ امرأة وهم وقوف في زحام الناس! وحكت لنا امرأة أن رجلا واقعها فما حال بينهما إلا الثياب! وأمثال ذلك من الفسق واللغط -؛ فهذا فسوق، فيفسق الذي يكون سببا لاجتماعهم.
فإن قيل: أليس روى عبد الرزاق في " التفسير ": " أن أنس بن مالك كان إذا أراد أن يختم القرآن جمع أهله "؟
[ ٧٥ ]
قلنا: فهذا هو الحجة عليكم؛ فإنه كان يصلي في بيته، ويجمع أهله عند الختم، فأين هذا من نصبكم المنابر، وتلفيق الخطب على رؤوس الأشهاد، فيختلط الرجال والنساء والصبيان والغوغاء، وتكثر الزعقات والصياح، ويختلط الأمر، ويذهب بهاء الإسلام ووقار الإيمان؟ !
وأيضا؛ فإنه ما روي أنه دعا، وإنما جمع أهله فحسب.
وأيضا؛ فإن عمر سمع رجلا يقول: واحبذا صفرة ماء ذراعيها! لماء كانت قد توضأت به امرأة فبقي من أثر الزعفران، فعلاه بالدرة.
وروي أنه نهى أن يجلس الرجل في مجلس المرأة عقيب قيامها منه.
فكل من قال بأصل الذرائع؛ يلزمه القول بهذا الفرع، ومن أبى أصل الذرائع من العلماء؛ يلزمه إنكاره؛ لما يجري فيه من اختلاط الرجال والنساء.
١١ - فصل
في بيان الوجه الذي يدخل منه الفساد على عامة المسلمين
روى مسلم في " الصحيح " أن النبي ﷺ قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم؛ اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» .
[ ٧٦ ]
فصل في بيان الوجه الذي يدخل منه الفساد على عامة المسلمين
فتدبر هذا الحديث؛ فإنه يدل على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم؛ أفتى من ليس بعالم، فيؤتى الناس من قبله.
وقد صرف عمر هذا المعنى تصريفا، فقال: " ما خان أمين قط، ولكنه اؤتمن غير أمين فخان ".
ونحن نقول: ما ابتدع عالم قط، ولكنه استفتي من ليس بعالم؛ فضل وأضل.
وكذلك فعل ربيعة؛ قال مالك: " بكى ربيعة يوما بكاء شديدا، فقيل له: أمصيبة نزلت بك؟ فقال: لا، ولكنه استفتي من لا علم عنده ".
وروى البخاري في " صحيحه " عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله
[ ٧٧ ]
ﷺ: «قبل الساعة سنون خداعات، يصدق فيهن الكاذب، ويكذب فيهن الصادق، ويخون فيهن الأمين، ويؤتمن الخائن، وينطق فيهن الرويبضه» .
قال أبو عبيد: " هو الرجل التافه الخسيس ينطق في الأمور العامة ".
وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: " قدعلمت متى يهلك الناس: إذا جاء الفقه من قبل الصغير؛ استعص عليه الكبير، وإذا جاء الفقه من قبل الكبير؛ تابعه الصغير، فاهتديا ".
وقال عبد الله بن مسعود: لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإذا أخذوه عن أصاغرهم وشرارهم؛ هلكوا.
وتناقش العلماء فيما أراد عمر بالصغار:
[ ٧٩ ]
فأما عبد الله بن المبارك؛ فقال: " الأصاغر: هم أهل البدع ".
قال أبو بكر بن ثابت الخطيب الحافظ: " إنما أراد به صغير السن، وفي هذا ندب إلى التعليم في الصغر؛ مثل قول عمر أيضا: تفقهوا قبل أن تُسَوَّدوا؛ أي: إن لم تتعلموا تسودوا؛ استحييتم من التعليم، فأخذتم العلم عن صغاركم ".
وأما أستاذنا القاضي أبو الوليد؛ فقال: " يحتمل أن يكون معنى الأصاغر: من لا علم عنده، وقد كان عمر بن الخطاب يستشير الصغار، وقد كان القراء أصحاب مشورته؛ كهولا كانوا أو شبابا، ويحتمل أن يريد بالأصاغر من لا قدر له ولا حال، ولا يكون ذلك إلا بنبذ الدين والمروءة، فأما من التزمهما؛ فلا بد أن يسمو أمره ويعظم قدره ".
وقد روي عن مكحول أن قال: " تفقه الرعاع فساد الدنيا، وتفقه السِّفْلَةِ فساد الدين ".
وقال الفريابي: " كان سفيان الثوري إذا رأى هؤلاء النبط يكتبون العلم؛
[ ٨٠ ]
تغير وجهه! فقلت له: يا أبا عبد الله! أراك إذا رأيت هؤلاء يكتبون العلم يشتد عليك؟ ! فقال: كان العلم في العرب وفي سادة الناس، فإذا خرج عنهم وصار إلى هؤلاء - يعني: النبط والسفلة -؛ غير الدين ".
وقال سفيان: " كانوا يتعوذون بالله من شر فتنة العالم، ومن شر فتنة العابد الجاهل؛ فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون ".
وقال وهب بن منبه: " جمع المال وغشيان السلطان لا يبقيان من حسنات المرء إلا كما يبقي ذئبان جائعان سقطا في حظار فيه غنم، فباتا يجوسان حتى أصبحا ".
وقال سفيان الثوري: " كان خيار الناس وأشرافهم الذين يقومون إلى هؤلاء الأمراء فيأمرونهم وينهونهم، وكان آخرون يلزمون بيوتهم، فكان لا ينتفع بهم ولا يذكرون، ثم بقينا حتى صار الذين يأتونهم فيأمرونهم شرار الناس، والذين لزموا بيوتهم خيار الناس ".
وقال محمد بن سحنون: " كان لبعض أهل العلم أخ يأتي القاضي والوالي بالليل، ويسلم عليهما، فبلغه ذلك، فكتب إليه: أما بعد؛ فإن الذي
[ ٨١ ]
يراك بالنهار يراك بالليل، وهذا آخر كتاب أكتبه إليك ".
قال محمد: " فعرضته على سحنون، فأعجبه، وقال: ما أسمجه بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه، فلا يوجد فيه، فيقال: إنه عند الأمير ".
وقال سحنون: " إذا أتى الرجل مجلس القاضي ثلاثة أيام متواليات من غير حاجة؛ فينبغي ألا تقبل شهادته ".
[ ٨٢ ]
الباب الرابع