وفيه تمهيد وسبعة مباحث:
المبحث الأول: السماء.
المبحث الثاني: الشمس.
المبحث الثالث: القمر.
المبحث الرابع: النجم والنوء.
المبحث الخامس: الرعد والبرق والصواعق.
المبحث السادس: المطر والثلج والبرد.
المبحث السابع: الريح والرياح.
[ ٢٠٥ ]
تمهيد
الآيات الكونية السماوية هي الآيات العلوية كالسماء والشمس والقمر والنجوم والكواكب وغيرها.
وفي هذا الفصل أذكر الآية الكونية ومعناها وورودها في القرآن والسنة، ودلالتها العقدية على التوحيد بأقسامه الثلاثة -الربوبية والألوهية والأسماء والصفات- وبقية أركان الإيمان، ومسائل العقيدة.
ثم أذكر المخالفات العقدية والأحاديث الموضوعة والضعيفة المتعلقة بهذه الآيات الكونية.
[ ٢٠٧ ]
السماء في اللغة
السماء في الاصطلاح
المبحث الأول: السماء
السماء في اللغة: اسم لكل ما ارتفع وعلا، وهو مأخوذ من السمو، وهو العلو، يقال: سما بصره، أي علا، وسما لي شخص: ارتفع حتى استثبته. وهي تذكّر وتؤنّث، وجمعها سماوات، وكل سقف فهو سماء، ومن هذا قيل للسحاب: السماء (^١).
وفي الاصطلاح: منطقة فضائية مرئية من الأرض، تبدو كالقبة عليها، تحتوي على الغلاف الجوي (^٢).
وقد ورد لفظ السماء في القرآن في (١٢٠) موضعًا، وبلفظ الجمع في (١٩٠) موضعًا (^٣).
وورد لفظ السماء في السنة في (١٦٣) حديثا (^٤).
وذكر بعض المفسرين أن السماء في القرآن على خمسة أوجه (^٥):
_________________
(١) انظر: معجم مقاييس اللغة: ٣/ ٩٨، تهذيب اللغة: ١٣/ ٧٩، لسان العرب: ٣/ ٢١٠٧.
(٢) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ١٣/ ٩٠، والموسوعة العربية الميسرة إشراف محمد شفيق غربال، دار إحياء التراث العربي، بيروت، مصورة عن طبعة ١٩٦٥: ٢/ ١٠١٠.
(٣) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم لمحمد فؤاد عبد الباقي، دار المعرفة، بيروت، ط ٤: ٤٥٩ - ٤٦٥.
(٤) هذا العدد حسب عدّ الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بمكة المكرمة للآيات الكونية في السنة النبوية. انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٦.
(٥) انظر: نزهة الأعين النواظر: ٣٥٨، والوجوه والنظائر لألفاظ كتاب الله العزيز لأبي عبد الله الحسين بن محمد الدمغاني، تحقيق: محمد حسن الزّفيتي، طبعة وزارة الأوقاف المصرية، القاهرة، عام ١٤١٦: ١/ ٤٣٥، وبصائر ذوي التمييز لمحمد بن يعقوب الفيروزابادي، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، مصر، تحقيق: عبدالعليم الطحاوي: ٣/ ٢٦٢، والنهاية في غريب الحديث والأثر: ٢/ ٤٠٥.
[ ٢٠٨ ]
- أحدها: السماء المعروفة. ومنه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (^٢).
- والثاني: السحاب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (^٣).
- والثالث: المطر. ومنه قوله تعالى: ﴿ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (^٤).
- والرابع: سقف البيت. ومنه قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ (^٥).
- والخامس: سقف الجنة وسقف النار (^٦). ومنه قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (^٧).
_________________
(١) البقرة: ٢٩.
(٢) التغابن: ٣.
(٣) الفرقان: ٤٨.
(٤) هود: ٥٢، نوح: ١١.
(٥) الحج: ١٥.
(٦) انظر: تفسير القرطبي: ٩/ ٩٩.
(٧) هود: ١٠٧.
[ ٢٠٩ ]
الدلائل العقدية للآية الكونية - السماء-:
قال ابن القيم - ﵀ - مبينًا شأن هذه الآية الكونية: " ولهذا قل أن تجيء سورة في القرآن إلا وفيها ذكرها إما إخبارا عن عظمها وسعتها، وإما إقساما بها، وإما دعاءً إلى النظر فيها، وإما إرشادا للعباد أن يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها، وإما استدلالًا منه سبحانه بخلقها على ما أخبر به من المعاد والقيامة، وإما استدلالا منه بربوبيته لها على وحدانيته وأنه الله الذي لا إله إلا هو، وإما استدلالا منه بحسنها واستوائها والتئام أجزائها وعدم الفطور فيها على تمام حكمته وقدرته".
ثم قال: " فكم من قسم في القرآن بها كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾) (^١)، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ (^٢)، ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ (^٣)، ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ (^٤)، ولم يقسم بشيء من مخلوقاته أكثر من السماء والنجوم والشمس والقمر" (^٥).
أولًا: وجود الله:
دلت هذه الآية الكونية على وجود الله، فإن خلقها ووجودها بعد العدم، وتسخيرها دليل قاطع على وجود الله - ﷿ -، وذلك لافتقار المخلوق إلى
_________________
(١) البروج: ١.
(٢) الطارق: ١
(٣) الشمس: ٥.
(٤) الطارق: ١١.
(٥) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٠٣ - ٣٠٤.
[ ٢١٠ ]
الخالق، واحتياج المحدَث إلى المحدِث (^١)، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ (^٢).
والعناية بهذه الآية الكونية، والإتقان فيها يدل على وجود خالقها وكمال ذاته وصفاته، قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ (^٤).
ولما ذكر الله - ﷿ - استنكاره لمن كفر به في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (^٥)، ذكر من الأدلة على وجوده - مع ما هو مستقر في الفطر - خلقَ السماوات والأرض (^٦)، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٧).
ولما حصلت المجادلة بين الكفار ورسلهم في الله، قالت لهم رسلهم -ترشدهم إلى الدليل والطريق لمعرفة الله لمن حصل عنده شك أو اضطراب-: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٨) أي: أفي وجوده شك (^٩)،
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى: ١٦/ ٤٤٥، والأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد لسعود العريفي، دار عالم الفوائد، مكة، ط ١: ٢٠٩ - ٢٢٦.
(٢) الطور: ٣٥ - ٣٦.
(٣) النمل: ٨٨.
(٤) الملك: ٣.
(٥) البقرة: ٢٨.
(٦) انظر: تفسير الطبري: ١/ ٢١٨، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢١٣.
(٧) البقرة: ٢٩.
(٨) إبراهيم: ١٠.
(٩) وهذا على أحد المعنيين في الآية. والمعنى الثاني: أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك، وهو الخالق لجميع الموجودات. انظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٨٢.
[ ٢١١ ]
فهو الذي خلقها وابتدعها على غير مثال سبق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليها، فلا بد لهما من صانع، وهو الله لا إله إلا هو، خالق كل شيء وإلهه ومليكه" (^١).
وفي جواب موسى - ﵇ - لفرعون عندما سأله عن رب العالمين وكان يجحد الصانع ويعتقد أنه لا رب سواه: ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ (^٢) أي خالق جميع ذلك ومالكه هو رب العالمين، وهو الخالق (^٣).
ثم إن الله تعالى يدعو عباده إلى التفكر في مخلوقاته - ومنها السماوات- الدالة على وجوده وانفراده بخلقها، وأنه المعبود وحده (^٤)، فيقول: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ (^٥).
ثانيًا: توحيد الربوبية:
بين الله - ﷿ - أن النظر في ملكوت السماوات والأرض والتأمل في خلقهما يدل على وحدانيته - ﷿ - في ملكه وخلقه، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه (^٦)، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (^٧).
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٨٢.
(٢) الشعراء: ٢٤.
(٣) المرجع السابق: ٦/ ١٣٨.
(٤) انظر: تفسير القرطبي: ١٤/ ٨، وتفسير ابن كثير: ٦/ ٣٠٥.
(٥) الروم: ٨.
(٦) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٢٨٣، ٢٨٦، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٢٩٠.
(٧) الأنعام: ٧٥.
[ ٢١٢ ]
وأخبر الله - ﷿ - أن له ملك السماوات ومن فيهن، ويتصرف بها كيف شاء، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ (^١).
وأنه الحاكم فيهما كما أنه المالك لهما (^٢)، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (^٣).
وأخبر جل وعلا أن السماء والأرض تقوم بأمره لها، وتسخيره إياها، وأنه ممسك لها أن تقع على الأرض إلا بإذنه (^٤)، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (^٧)، فلا يقدر على ذلك إلا الله، وهذا من أدلة ربوبيته (^٨).
وقد أمر الله رسوله - ﷺ - أن يقول للكفار المشركين بالله، المكذبين لرسوله: أن الله هو رب السماوات والأرض، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ (^٩)، فهو وحده الذي قهر كل شيء وغلبه. وهو المالك له المتصرف فيه، ولم ينكر
_________________
(١) الأنعام: ١٢.
(٢) انظر تفسير القرطبي: ٢/ ٦٩، وتفسير ابن كثير ١/ ٣٧٩.
(٣) البقرة: ١٠٧
(٤) تفسير ابن كثير: ٦/ ٣١٠.
(٥) الروم: ٢٥.
(٦) الحج: ٦٥.
(٧) فاطر: ٤١.
(٨) انظر: تفسير القرطبي: ١٤/ ٣٥٦، وتفسير ابن كثير: ٦/ ٥٥٧.
(٩) ص: ٦٥ - ٦٦.
[ ٢١٣ ]
ذلك المشركون (^١)، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (^٢).
وأنه ﷾ ليس معه في ذلك شريك ولا وزير، ولا مشير ولا نظير، كما قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (^٣).
ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات:
١ - الثناء على الله:
الله - ﷿ - يثني ويمدح نفسه ويحمدها لخلقه للسماوات والأرض، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٤).
ولما ذكر حُكْمه في المؤمنين والكافرين وجزائهم قال: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (^٥)، فله الحمد والثناء على ربوبيته لسائر الخلائق (^٦).
وعن ابن أبي أوفى - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا رفع ظهره من الركوع قال: "سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد" (^٧).
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري: ٢٣/ ٢١٤، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٨٠.
(٢) لقمان: ٢٥.
(٣) سبا: ٢٢ - ٢٣.
(٤) فاطر: ١.
(٥) الجاثية: ٣٦ - ٣٧.
(٦) انظر: تفسير ابن سعدي: ٧٧٨.
(٧) صحيح مسلم: كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع: ١/ ٣٦٤ برقم (٤٧٦).
[ ٢١٤ ]
٢ - التنزيه:
أخبر الله - ﷿ - عن هذه الآية الكونية العظيمة أنها تسبحه وتقدسه، فقال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^١).
وأن السماوات كادت تتفطر عند دعوة المشركين أنَّ لله ولدًا، فقال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ (^٢) "أي يكاد يكون ذلك عند سماعهن هذه المقالة من فجرة بني آدم، إعظامًا للرب وإجلالا؛ لأنهن مخلوقات ومؤسسات على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا شريك له، ولا نظير له ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، بل هو الأحد الصمد" (^٣).
وعن ابن عباس - ﵄ - قال: "إن الشرك فزعت منه السماوات والأرض والجبال، وجميع الخلائق إلا الثقلين، فكادت أن تزول منه لعظمة الله" (^٤).
وقال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٥). فمن خلق هذه السماوات وأوجدها على غير مثال سابق كيف يكون له ولد؟ ! (^٦).
وفي رد الله على أهل الكتاب في زعمهم أن لله ولدا (^٧) قال تعالى:
_________________
(١) الإسراء: ٤٤.
(٢) مريم: ٩٠ - ٩١
(٣) تفسير ابن كثير: ٥/ ٢٦٦.
(٤) تفسير الطبري: ١٦/ ١٥٠، وانظر: الدر المنثور في التفسير بالمأثور لجلال الدين السيوطي، ت: عبد الله التركي، دار هجر، ط ١: ١٠/ ١٤٢.
(٥) الأنعام: ١٠١.
(٦) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٣٤٧، وتفسير القرطبي: ٧/ ٥٣.
(٧) انظر: تفسير الطبري: ٦/ ١٩٦، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٣٦.
[ ٢١٥ ]
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٢).
ففي هذه الآيات رد على النصارى ومن أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب، ممن نسب لله الولد، فأكذب الله جميعهم في دعواهم.
قال ابن جرير - ﵀ -: " فمعنى الكلام: سبحان الله أنى يكون له ولد وهو مالك ما في السموات والأرض، تشهد له جميعا بدلالتها عليه بالوحدانية، وتقر له بالطاعة، وهو بارئها وخالقها، وموجدها من غير أصل، ولا مثال احتذاها عليه؟ " (¬٣).
٣ - العدل والحكمة:
أخبر الله - ﷿ - أنه خلق السماوات والأرض بالحق وللحق، وأنه لم يخلق ذلك عبثًا ولا لعبًا، وأن ذلك بالعدل والحكمة (^٤)، فقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ (^٥)، وقال
_________________
(١) النساء: ١٧١.
(٢) البقرة: ١١٦ - ١١٧.
(٣) تفسير الطبري: ١/ ٥٨٥، وانظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١٦٦.
(٤) انظر: تفسير ابن سعدي: ٧١٢.
(٥) ص: ٢٧.
[ ٢١٦ ]
تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^١).
٤ - بعض أسماء الله وصفاته:
ورد في القرآن أسماءٌ لله وصفاتٌ مقيدة بالإضافة إلى السماء (^٢)، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٣).
ومن ذلك اسم الله القيوم، ومن صفاته القيّم والقيّام (^٤)، وقد ورد عن النبي - ﷺ - في دعاء الاستفتاح في صلاة الليل أنه يقول: "اللهم لك الحمد، أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن"، وفي لفظ: قيوم، وفي لفظ: قيام (^٥).
ومن ذلك أيضًا رب السماوات، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ (^٦).
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ (^٧).
_________________
(١) النحل: ٣.
(٢) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي، ت: عبد الله الحاشدي، دار السوادي، جدة، ط ١: ١/ ٢٠١، ومجموع الفتاوى: ٦/ ٣٨٦، واجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم، تحقيق: عواد المعتق، دار الرشد، ط ٣: ٤٥.
(٣) النور: ٣٥.
(٤) انظر: تفسير غريب القرآن لابن قتيبة، تحقيق: السيد أحمد صقر، دار الكتب العلمية، لبنان، بيروت: ٧.
(٥) صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب التهجد بالليل: ٢٢٢ برقم (١١٢٠)، وكتاب الدعوات، باب الدعاء إذا انتبه من الليل: ١٢١٥ برقم (٦٣١٧)، وكتاب التوحيد، باب قول الله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: ١٤٢٠ برقم (٧٤٤٢)، وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه: ١/ ٥٣٢ برقم (٧٦٩).
(٦) الصافات: ٤ - ٥.
(٧) ص: ٦٥ - ٦٦.
[ ٢١٧ ]
وقال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١).
٥ - الصفات الفعلية الاختيارية لله (^٢):
قد دلت هذه الآية الكونية على الصفات الفعلية الاختيارية المتعلقة بمشية الله، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٣)، وكان ذلك بعد خلق الأرض (^٤).
وأخبر الله - ﷿ - أنه يمسك السماء أن تقع على الأرض، وعلق ذلك بإذنه ومشيئته، فقال تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (^٥) "أي لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض، فهلك من فيها، ولكن من لطفه ورحمته وقدرته يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه" (¬٦).
٦ - صفة القدرة:
أمر الله - ﷿ - بالنظر في خلق السماء، وكيف رفعت، ففيه دلالة على قدرته
_________________
(١) الجاثية: ٣٦.
(٢) الصفات الفعلية الاختيارية: هي الصفات التي"يتصف بها الرب - ﷿ - فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته: مثل كلامه، وسمعه، وبصره، وإرادته، ومحبته، ورضاه، ورحمته، وغضبه، وسخطه، ومثل خلقه وإحسانه، وعدله ومثل استوائه، ومجيئه، وإتيانه، ونزوله، ونحو ذلك من الصفات التي نطق بها الكتاب العزيز، والسنة". مجموع الفتاوى: ٦/ ٢١٧، ١٦/ ١٣٤، وانظر: رسالة في الصفات الاختيارية ضمن جامع الرسائل: ٢/ ٣، والقول المفيد على كتاب التوحيد: ١/ ١٣٢، وشرح العقيدة الواسطية لمحمد خليل الهراس: ٥٣، والكواشف الجلية عن معاني الواسطية للشيخ عبدالعزيز السلمان، ط ١٣: ١٧٤.
(٣) البقرة: ٢٩.
(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٢١٣، وتفسير ابن سعدي: ٤٨.
(٥) الحج: ٦٥.
(٦) تفسير ابن كثير: ٥/ ٤٥١.
[ ٢١٨ ]
وعظمته، فقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ (^٢).
وبين أن من آيات قدرته العظيمة خلق السماوات والأرض، فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٣).
كما أخبر الله ﷾ عن كمال قدرته في خلق السماوات بغير عمد (^٤) فقال: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ﴾ (^٥).
٧ - صفة الغنى والقوة:
دلت هذه الآية الكونية على غنى الله وفقر العباد إليه وعجزهم وضعفهم قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ (^٦) فهذه السماء على عظمها وسعتها وكثرة من فيها فإن الله - ﷿ - لا يعجزه أهلها"بل هو القاهر فوق عباده، وكل شيء خائف منه، فقير إليه، وهو الغني عما سواه" (^٧).
وأخبر الله - ﷿ - عن كمال غناه، وأنه غني عن إيمان الطائعين، ولا يضره كفر الكافرين، وأن له ملك السماوات والأرض (^٨)، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ
_________________
(١) الغاشية: ١٧ - ١٨.
(٢) ق: ٦.
(٣) الروم: ٢٢.
(٤) انظر: مفتاح دار السعادة: ١/ ٣١٩.
(٥) لقمان: ١٠.
(٦) العنكبوت: ٢٢.
(٧) تفسير الطبري: ٢٠/ ١٦٢ - ١٦٣، وانظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٢٧١.
(٨) انظر: تفسير القرطبي: ٥/ ٤٠٩، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٤٣١.
[ ٢١٩ ]
تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (^٢) "فهو الغني عما سواه، فكل شيء خلقه وملكه، وكل شيء فقير إليه" (^٣).
٨ - صفة الرحمة:
لما أخبر الله تعالى أنه المالك للسماوات والأرض ومن فيهن، وهو الغني عن خلقه بين أنه كتب على نفسه الرحمة، فقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٤).
عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له" (^٥). ففي الحديث أن الله ينزل إلى السماء الدنيا ويستجيب لمن يدعوه ويعطي من سائله، وهذا من رحمته - ﷿ - بعباده.
وقد جاء في الحديث أن النبي - ﷺ - قال: "من اشتكى منكم شيئا أو اشتكاه أخ له فليقل: ربنا الله الذي في السماء، تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا
_________________
(١) النساء: ١٣١.
(٢) لقمان: ٢٦.
(٣) تفسير ابن كثير: ٦/ ٣٤٨، وانظر: تفسير ابن سعدي: ٦٥١.
(٤) الأنعام: ١٢.
(٥) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه: ١/ ٥٢١ برقم (٧٥٨).
[ ٢٢٠ ]
حوبنا (^١) وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع (^٢) فيبرأ " (^٣).
٩ - صفة العلم:
أخبر الله - ﷿ - عن كمال علمه وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة ولو كانت في هذه السماء العظيمة، والأرض الوسيعة (^٤)، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (^٥).
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^٦).
فهذا يدل على كمال صفاته ﷾، وسعة علمه، وأنه يعلم غيب السماوات والأرض، وما تكنه السرائر وتنطوي عليه الضمائر، وسيجازي كل
_________________
(١) بضم الحاء، والمراد ها هنا: الذنب الكبير كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾، وهو الحوبة أيضا مفتوحة الحاء مع إدخال الهاء. انظر: عون المعبود: ١٠/ ٢٧٤.
(٢) بفتح الجيم أي المرض، أو بكسر الجيم أي المريض. انظر: عون المعبود: ١٠/ ٢٧٥.
(٣) سنن أبي داود، كتاب الطب، باب كيف الرقى؟: ٤٢٧ برقم (٣٨٩٢)، والنسائي في كتاب عمل اليوم والليلة، باب ما يقول من كان به أسرُ-تحقيق: فاروق حمادة، دار الكلم الطيب، دمشق، ط ١: ٥٧٩ برقم (١٠٣٥)، والحاكم في مستدركه: ١/ ٣٤٤، وقال: قد احتج الشيخان بجميع رواه هذا الحديث غير زيادة بن محمد وهو شيخ من أهل مصر قليل الحديث، وقال الذهبي - عن زيادة-: قال البخاري وغيره منكر الحديث. والحديث حسنه ابن تيمية، انظر: العقيدة الواسطية لابن تيمية بشرح محمد خليل الهراس، وتصحيح وتعليق: إسماعيل الأنصاري، دار ابن القيم، الدمام: ١١٧.
(٤) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٣٥٢.
(٥) آل عمران: ٥ - ٦.
(٦) يونس: ٦١.
[ ٢٢١ ]
عامل بعمله؛ فهو يعلم الأشياء كلها ظاهرها وباطنها، ولا يخفى عليه منها شيء في الأرض ولا في السماء (^١).
كما أخبر جل وعلا أنه يعلم الأخبار الماضية عن القوم السابقين ولا يعلمها أحد غيره؛ لأنه سبحانه له غيب السماوات والأرض (^٢): ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٣).
وبين الله - ﷿ - سعة علمه بعلمه غيب السماوات والأرض، وأن الخلق لا يعلمون ذلك، وأنه وحده لا شريك له هو المتفرد بعلم غيب السماوات والأرض، وأن غيره عاجز عن ذلك فقال: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ (^٤).
كما أخبر تعالى بأنه عالم غيب السماوات والأرض، وأنه عالم الغيب والشهادة - وهو ما غاب عن العباد وما شاهدوه - (^٥) فقال: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (^٧).
١٠ - صفة الكلام لله - ﷿ -:
من الأدلة التي استدل بها أهل السنة في إثبات صفة الكلام لله والرد على
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ١٥١، وتفسير ابن كثير: ٦/ ٥٥٧، وتفسير ابن سعدي: ١٢١.
(٢) انظر تفسير الطبري: ١٥/ ٢٦٨، وتفسير ابن كثير: ٥/ ١٥٠.
(٣) الكهف: ٢٦.
(٤) النمل: ٦٥ - ٦٦
(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٣٣٨.
(٦) النمل: ٧٥.
(٧) الحج: ٧٠.
[ ٢٢٢ ]
من زعم أن المتكلم لا بد أن يكون له لسان وجوف وشفتين، أن الله - ﷿ - أخبر أن السماء تكلمت، في قوله ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ فأثبت الله - ﷿ - للسماء كلامًا. فهل يثبتون لها لسان وجوف وشفتان؟ ! (¬١).
١١ - نزول القرآن والشرائع من الله:
بين الله - ﷿ - أن هذا القرآن منزل ممن خلق الأرض والسماوات العلى، القادر على كل شيء (^٢)، فقال تعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ (^٣).
فالذي أنزل هذا القرآن هو رب السماوات والأرض وخالقهما ومالكهما وما فيهما، قال تعالى: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ (^٤).
وقد كان أهل الكتاب يسألون النبي - ﷺ - أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ (^٥).
وعن ابن عباس - ﵄ - قال: انطلق النبي - ﷺ - في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل: ٢/ ٣٩٣، ٤/ ١٥٩.
(٢) انظر: تفسير الطبري: ١٦/ ١٦٠، تفسير ابن كثير: ٥/ ٢٧٢ - ٢٧٣.
(٣) طه: ٤.
(٤) الدخان: ٥ - ٧.
(٥) النساء: ١٥٣.
[ ٢٢٣ ]
- ﷺ - وهو بنخلة، عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم، فقالوا: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ (^١) فأنزل الله على نبيه - ﷺ - ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ (^٢) وإنما أوحي إليه قول الجن" (^٣).
وقال - ﷺ -: " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً" (^٤).
ولما سئلت عائشة - ﵂ - عن قيام النبي - ﷺ - قالت للسائل: "ألست تقرأ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ قلت: بلى، قالت: فإن الله - ﷿ - افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله - ﷺ - وأصحابه حولًا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة" (^٥).
وعن حذيفة - ﵁ - قال: حدثنا رسول الله - ﷺ -: " أن الأمانة نزلت من السماء في جذر قلوب الرجال ونزل القرآن، فقرؤوا القرآن وعلموا من السنة" (^٦).
_________________
(١) الأحقاف: ٣١.
(٢) الجن: ١ - ٢.
(٣) صحيح البخاري، كتاب صفة الصلاة، باب الجهر بقراءة صلاة الفجر: ١٥٩ برقم (٧٣٣)، وصحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن: ١/ ٣٣١ برقم (٤٤٩).
(٤) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد - ﵄ - إلى اليمن قبل حجة الوداع: ٨٢١، برقم (٤٣٥١).
(٥) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض: ١/ ٥١٢ برقم (٧٤٦).
(٦) صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -: ١٣٨٨ برقم (٧٢٧٦).
[ ٢٢٤ ]
أ- إخبار الله - ﷿ - عن نزول الأمر من السماء إلى الأرض
وعن ابن عباس - ﵄ - قال: "بينما جبريل قاعد عند النبي - ﷺ - سمع نقيضا من فوقه، فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته" (^١).
ولما أنكر اليهود النسخ في الشرائع وأن ذلك مستحيل عقلًا، بين الله - ﷿ - أن له ملك السماوات والأرض، وأنه يتصرف فيهما بما يشاء، وأنه الفعال لما يريد، ولا راد لحكمه، وأنه يأمر بما يشاء، وينهى عما يشاء، وأنه ينسخ ويبدل في أحكامه التي يحكم بها بين عباده، وأن الخلق عليهم السمع والطاعة في ذلك كله (^٢)، قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (^٣).
١٢ - صفة العلو:
قد دلت هذه الآية الكونية على صفة العلو من عدة جهات:
أ- إخبار الله - ﷿ - عن نزول الأمر من السماء إلى الأرض، وهو يدل على علو الله، قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ (^٤)، وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة والحث على قراءة الآيتين من آخر البقرة: ١/ ٥٥٤ برقم (٨٠٦).
(٢) تفسير الطبري: ١/ ٥٥٥.
(٣) البقرة: ١٠٦ - ١٠٧.
(٤) السجدة: ٥.
[ ٢٢٥ ]
ب- رفع الأعمال إلى السماء
ج- محاجة الكافرين بعض الأنبياء وطلبهم على سبيل العتو والتمرد تهيئة أسباب الصعود إلى الله - ﷿ - عن طريق أبواب السماء
لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (^١).
وفي الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - يبلغ به النبي - ﷺ - قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله" (^٢).
وعن عائشة - ﵂ - زوج النبي - ﷺ -: أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن الملائكة تنزل في العنان -وهو السحاب- فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم " (^٣).
وكانت زينب زوج النبي - ﷺ - تفخر على أزواجه تقول: "زوجكن أهاليكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات" (^٤).
ب- رفع الأعمال إلى السماء (^٥)، وهذا أيضًا يدل على علو الله، قال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (^٦).
ج- محاجة الكافرين بعض الأنبياء وطلبهم على سبيل العتو والتمرد تهيئة أسباب الصعود إلى الله - ﷿ - عن طريق أبواب السماء، قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ (^٧).
_________________
(١) الطلاق: ١٢.
(٢) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾: ٩٠٢ برقم (٤٧٠١).
(٣) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة: ٦١٨ برقم (٣٢١٠).
(٤) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب وكان عرشه على الماء: ١٤١٤ برقم (٧٤٢٠).
(٥) انظر: تفسير الطبري: ٢١/ ١٤٣، والأسماء والصفات للبيهقي: ٢/ ١٠٤ برقم (٦٦٧).
(٦) فاطر: ١٠.
(٧) غافر: ٣٦ - ٣٧.
[ ٢٢٦ ]
وقد كان المشركون يطلبون من النبي - ﷺ - على سبيل التحدي والتعجيز أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، وأنهم لن يؤمنوا حتى يرقى للسماء ويفعل ذلك (^١)، قال الله تعالى مخبرًا عن حالهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (^٢).
د- رفع النبي - ﷺ - رأسه إلى السماء ينظر إليها ويدعو الله (^٣) إشارة منه إلى علو الله تعالى.
عن أبي بردة عن أبيه - ﵄ - قال: "صلينا المغرب مع رسول الله - ﷺ - ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء، قال: فجلسنا، فخرج علينا فقال: ما زلتم ههنا؟ قلنا: يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلي معك العشاء، قال، أحسنتم أو أصبتم، قال: فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" (^٤).
هـ- إخباره - ﷺ - أنه أمين من في السماء، قال - ﷺ -: " ألا تأمنوني وأنا أمين
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير: ٥/ ١٢٠.
(٢) الإسراء: ٩٠ - ٩٣.
(٣) انظر: تفسير القرطبي: ٢/ ١٥٧، وتفسير ابن كثير: ١/ ٣٩١، ٤٥٣.
(٤) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب بيان أن بقاء النبي - ﷺ - أمان لأصحابه وبقاء أصحابه أمان للأمة: ٤/ ١٩٦١ برقم (٢٥٣١).
[ ٢٢٧ ]
من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً" (^١).
وقد أقر النبي - ﷺ - قول الجارية حينما سألها أين الله؟ قالت: في السماء، بل شهد لها بالإيمان، ففي الحديث أن النبي - ﷺ - سأل الجارية: " أين الله؟ قالت: في السماء. قال: اعتقها فإنها مؤمنة" (^٢).
و- العروج بالنبي - ﷺ - إلى السماء:
فقد عرج بالنبي - ﷺ - إلى السماء، وكلمه ربه، وسمع صريف الأقلام، وفرضت عليه الصلاة (^٣).
ز- الإشارة بالأصبع إلى السماء:
فقد كان - ﷺ - يشير بأصبعه إلى السماء يرفعها وينكتها إلى الناس عند ذكر الله في الدعاء حال الخطبة (^٤) إشارة منه إلى علو الله تعالى.
ح- رفع اليدين إلى السماء عند الدعاء:
عن أنس - ﵁ - قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه (^٥)، وفي خطبة عرفة رفع النبي - ﷺ - يديه إلى السماء ثم قال: "اللهم اشهد عليهم، اللهم اشهد عليهم" (^٦).
وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " أيها الناس إن الله طيب
_________________
(١) سبق تخريجه: ١٩٨.
(٢) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته: ١/ ٣٨١، برقم (٥٣٧).
(٣) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء: ٩٠، برقم (٣٤٩).
(٤) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -: ٢/ ٨٨٦ برقم (١٢١٨).
(٥) صحيح مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب رفع اليدين في الاستسقاء: ٢/ ٦١٢ برقم (٨٩٥).
(٦) مسند الإمام أحمد: ٣٣/ ٤٤٥ برقم (٢٠٣٣٦)، وقال محققه: حديث صحيح.
[ ٢٢٨ ]
لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (^١)، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (^٢)، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمة حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ " (^٣).
١٣ - صفة الاستواء:
حيث أخبر الله جل وعلا أن الاستواء على العرش كان بعد خلق السماوات والأرض (^٤) فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (^٥).
١٤ - صفة النزول:
ورد في الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له" (^٦)، وفيه دليل على نزول الله سبحانه إلى السماء الدنيا كل ليلة (^٧).
_________________
(١) المؤمنون: ٥١.
(٢) البقرة: ١٧٢.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها: ٢/ ٧٠٣ برقم (١٠١٥).
(٤) انظر: تفسير الطبري: ١٩/ ٣٥، وتفسير ابن كثير: ٤/ ٢٧٤.
(٥) الفرقان: ٥٩.
(٦) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه: ١/ ٥٢١ برقم (٧٥٨).
(٧) انظر: التهميد لابن عبد البر: ٧/ ١٢٨، واجتماع الجيوش الإسلامية: ١٤٣.
[ ٢٢٩ ]
١٥ - العرش:
بين الله - ﷿ - أن العرش كان موجودًا عند خلق السماوات فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (^١).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء" (^٢).
وأخبر - ﷺ - عن صفة العرش بالنسبة للسماء فقال: "إن عرشه على سمواته لهكذا" وقال بأصابعه مثل القبة عليه، فالعرش فوق السماوات وهو مثل القبة. قال ابن بشار في حديثه: "إن الله فوق عرشه، وعرشه فوق سمواته" (^٣).
١٦ - عظم الكرسي:
وفي بيان عظمة الكرسي أخبر الله -﷿- عنه أنه وسع السماوات والأرض، فقال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ
_________________
(١) هود: ٧.
(٢) صحيح مسلم، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى ﵉: ٤/ ٢٠٤٤ برقم (٢٦٥٣).
(٣) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في الجهمية: ٥١٥ برقم (٤٧٢٦)، وقال أبو داود: والحديث بإسناد أحمد بن سعيد هو الصحيح، وافقه عليه جماعة منهم: يحيى بن معين وعلي بن المديني، ورواه جماعة عن ابن إسحاق كما قال أحمد أيضا، وكان سماع عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار من نسخة واحدة فيما بلغني. وقال الذهبي في كتاب العلو للعلي العظيم وإيضاح صحيح الأخبار من سقيمها، تحقيق: عبد الله البراك، دار الوطن، الرياض، ١/ ٤١٣: "هذا حديث غريب جدا فرد، وابن إسحاق حجة في المغازي إذا أسند، وله مناكير وعجائب، فالله أعلم أقال النبي - ﷺ - هذا أم لا". وقد قواه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في بيان تلبيس الجهمية: ١/ ٥٦٩، ومجموع الفتاوى: ١٦/ ٤٣٥، وأورد ابن القيم في تهذيب السنن: ٧/ ٩٥ - ١١٧: المطاعن التي طعن بها هذا الحديث، وأجاب عنها ومال إلى تصحيح الحديث.
[ ٢٣٠ ]
وَالْأَرْضَ﴾ (^١)، وقال رسول الله - ﷺ -: " ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في تُرْس" (^٢).
١٧ - صفة اليمين لله تعالى:
قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^٣)، وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض" (^٤).
رابعًا: توحيد الألوهية:
يقول تعالى منبهًا على قدرته التامة، وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء، وقهره لجميع المخلوقات وأنه المالك المتصرف في هذه الآية الكونية العظمية، وهو المتفرد بذلك: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٥)، وهذا مما يعترف به المشركون، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (^٦)، فكما أنهم يعترفون بذلك فيلزمهم أن
_________________
(١) البقرة: ٢٥٥.
(٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة: ٢/ ٥٨٧، وابن جرير في تفسيره: ٣/ ١٥. وقال ابن كثير في البداية والنهاية ١/ ٢٤: " أول الحديث مرسل، وعن أبي ذر منقطع، وقد رُوى عنه من طريق أخرى موصولًا". وقال الذهبي في العلو ١/ ٨٤٩: هذا مرسل، عبد الرحمن ضُعّف.
(٣) الزمر: ٦٧.
(٤) صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب يقبض الله الأرض يوم القيامة: ١٢٤٩ برقم (٦٥١٩).
(٥) الأنبياء: ٣٠.
(٦) الزخرف: ٩.
[ ٢٣١ ]
يقروا ويعترفوا بأنه لا إله غيره.
وإذا كان هؤلاء المشركون لا يتصرفون في هذه السماوات، وليس لهم فيها شرك فلماذا يعبدون معه غيره؟ (^١) قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٢).
وفي رد الله تعالى على المشركين عبادتهم لغير الله بظنهم أن هؤلاء المعبودين شفعاء ووسائط عند الله، بين - ﷿ - أنه يعلم ما في السماوات والأرض، وأن عبادة هؤلاء من دون الله شرك وضلال، فقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^٣).
فقرر تعالى أنه هو الذي خلق السماوات والأرض ويعلم ما فيها، وهو ربها ومدبرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء يعبدونهم، ويزعمون أنها تقربهم إلى الله كما قال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (^٤)، فأنكر تعالى ذلك عليهم، حيث اعتقدوا ذلك (^٥)، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (^٦).
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٢٧٤، وتفسير ابن سعدي: ٧٧٩.
(٢) الأحقاف: ٤.
(٣) يونس: ١٨.
(٤) الزمر: ٣.
(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٢٦.
(٦) الرعد: ١٦.
[ ٢٣٢ ]
وقد ذكر الله - ﷿ - من الأدلة على تفرده بالإلهية تفرده بخلق السماوات (^١)، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^٢).
وفي الاستفهام التقريري الذي يعترف به المشركون وغيرهم يبين تعالى أنه المنفرد بالخلق فيقول: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ (^٣) أي أإله مع الله يعبد. فكيف تعبدون معه غيره وهو المستقل المتفرد بالخلق والتدبير؟ كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (^٤).
والأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- يحتجون على أقوامهم بخلق السماوات والأرض على وجوب إفراد الله - ﷿ - بالعبادة دون من سواه، قال تعالى مخبرا عن نوح - ﵇ - في دعوته قوهم: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ (^٥) منبهًا لهم على قدرة الله وعظمته في خلق السماوات والأرض، فهو الذي يجب أن يعبد وحده ولا يشرك به أحد (^٦).
وفي محاجة إبراهيم - ﵇ - لقومه استدل عليهم بربوبية الله الخالق للسماوات وغيرها على وجوب إفراده بالعبادة (^٧)، فقال: ﴿بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ
_________________
(١) تفسير القرطبي: ٢/ ١٩١ - ١٩٢.
(٢) البقرة: ٢١ - ٢٢.
(٣) النمل: ٦٠
(٤) النحل: ١٧.
(٥) نوح: ١٥.
(٦) انظر: تفسير ابن سعدي: ٨٨٩.
(٧) انظر: تفسير الطبري: ١٧/ ٤٧، وتفسير القرطبي: ١١/ ٢٩٦.
[ ٢٣٣ ]
وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (^١).
ويأمر الله - ﷿ - نبيه محمدًا - ﷺ - بأن يقول لقومه: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (^٢)، فيكون الجواب الفطري منهم: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (^٣)، وفي هذا يقرر تعالى وحدانيته، واستقلاله بالخلق والتصرف والملك، ليرشد إلى أنه الذي لا إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له (^٤).
وفي خبر فتية الكهف أنهم قاموا واستدلوا على ربهم الذي يجب أن يعبد ويدعى بقولهم: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ (^٥)، فالعبادة لا تنبغي إلا لله الذي خلق السماوات والأرض.
فكثيرًا ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية (^٦).
١ - بعض أنواع العبادة القلبية:
قد دلت هذه الآية الكونية - السماء - على بعض أنواع العبادة القلبية، ومنها:
أ- الإخلاص:
قال تعالى مخبرا عن إبراهيم - ﵇ - أنه قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٧) "أي إنما أعبد الله
_________________
(١) الأنبياء: ٥٦.
(٢) المؤمنون: ٨٦.
(٣) المؤمنون: ٨٦ - ٨٧.
(٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٥/ ٤٨٩، وتفسير ابن سعدي: ٥٥٧.
(٥) الكهف: ١٤.
(٦) انظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٢٩٤.
(٧) الأنعام: ٧٩.
[ ٢٣٤ ]
مخلصا له فهو خالق هذه الأشياء ومخترعها ومسخرها ومقدرها ومدبرها، الذي بيده ملكوت كل شيء، وخالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه" (^١).
ب- الخوف والخشية والمراقبة:
أخبر الله - ﷿ - أنه يعلم السرائر والظواهر، وأن علمه محيط بالخلق في سائر الأحوال، وبجميع ما في السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٢).
"وهذا تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته، وألا يرتكبوا ما نهى عنه وما يبغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم" (^٣)، وأن يراقبوه في كل أحوالهم فإن علمه محيط بكل شيء في السماوات والأرض.
ج- التوكل:
إنَّ من له ملك السماوات والأرض هو الذي يجب أن يتوكل عليه ولا يتوكل على غيره (^٤)، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ (^٥).
وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (^٦).
فالذي خلق السماوات والأرض هو الذي يجب أن يتوكل عليه فإنه عالم
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٩٢.
(٢) آل عمران: ٢٩.
(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١، وانظر: تفسير ابن سعدي: ١٢٧.
(٤) انظر: تفسير البغوي: ١/ ٦٠٩.
(٥) النساء: ١٣٢.
(٦) هود: ١٢٣.
[ ٢٣٥ ]
غيب السماوات والأرض، وإليه المرجع والمآب، وله الخلق والأمر، وهو كاف من توكل عليه وأناب إليه (^١).
د- اليقين بالله والوثوق بوعده:
حث الله عباده المؤمنين على اليقين به وبنصره والوثوق بوعده فإن له سلطان السماوات والأرض وملكهما (^٢)، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (^٤).
وعن حذيفة - ﵁ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه" (^٥).
فأصبح قلب المؤمن مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، وهي باقية إلى أن يبدل الله الأرض والسماوات يوم القيامة، وهذا يقين المؤمن ووثوقوه بوعد الله.
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ٣٦٤.
(٢) انظر: تفسير الطبري: ١١/ ٦٥ - ٦٦.
(٣) يونس: ٥٥.
(٤) التوبة: ١١٦.
(٥) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا وإنه يأرز بين المسجدين: ١/ ١٢٨ برقم (١٤٨).
[ ٢٣٦ ]
هـ- الإنابة:
الإنابة تكون للخالق المالك المتصرف، قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (^١) "أي فاطر السماوات والأرض هو ربي الذي أتوكل عليه، وأنيب إليه، وأفوض أمري إليه" (^٢).
والمقصود أن هذه الآية العظيمة من دلائل توحيده، "فسبحان الواحد الأحد، خالق أنواع المخلوقات، المتفرد بالدوام والبقاء والصمدية ذي الأسماء والصفات" (^٣).
٢ - القسم:
قد أكثر الله - ﷿ - من الإقسام بالسماء في كتابه الكريم، قال ابن القيم - ﵀ -: " ولم يقسم في كتابه بشيء من مخلوقاته أكثر من السماء والنجوم والشمس والقمر، وهو سبحانه يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لتضمنه الآيات والعجائب الدالة عليه، وكلما كان أعظم آية وأبلغ في الدلالة كان إقسامه به أكثر من غيره"
ثم قال: "والمقصود أنه سبحانه إنما يقسم من مخلوقاته بما هو من آياته الدالة على ربوبيته ووحدانيته" (^٤).
_________________
(١) الشورى: ١٠ - ١١.
(٢) تفسير الطبري: ٢٥/ ١٦، وانظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ١٩٣.
(٣) تفسير ابن كثير: ٤/ ٤١٨.
(٤) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٠٣ - ٣٠٤، وانظر: إمعان في أقسام القرآن لعبد الحميد الفراهي، المطبعة السلفية، القاهرة، ١٣٤٩: ٩، ٤١.
[ ٢٣٧ ]
ويقسم بها على أن القيامة حق، وعلى البعث والجزاء كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (^١) فاقسم الله - ﷿ - بنفسه وبربوبيته للسماء على أن ما وعدهم به من أمر القيامة والبعث والجزاء أنه حقٌ لا مرية فيه (^٢).
وكان عمر - ﵁ - إذا أقسم قال: "أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض" (¬٣).
٣ - التوسل:
قال الله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (^٤)، فيوسف الصديق - ﵇ - دعا ربه - ﷿ - لما تمت النعمة عليه باجتماعه بأبويه وإخوته، وما مَنَّ الله به عليه من النبوة والملك، وسأل ربه - ﷿ - متوسلا إليه بربويته وخلقه لهذه المخلوقات العظيمة - والتي منها السماوات- أن يتوفه مسلمًا، وأن يلحقه بالصالحين (^٥).
وكان من دعائه - ﷺ - إذا قام من الليل في افتتاح صلاته: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" (^٦).
_________________
(١) الذاريات: ٢٣.
(٢) انظر: تفسير القرطبي: ١٧/ ٤١، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٤٢٠.
(٣) صحيح البخاري: كتاب الفرائض، باب قول النبي - ﷺ -: لا نورث ما تركنا صدقة: ١٢٨٥ برقم (٦٧٢٨).
(٤) يوسف: ١٠١.
(٥) انظر: تفسير الطبري: ١٣/ ٨٨، وتفسير القرطبي: ٩/ ٢٧٠.
(٦) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب دعاء النبي - ﷺ - ودعائه بالليل: ١/ ٥٣٤ برقم (٧٧٠).
[ ٢٣٨ ]
خامسًا: الإيمان بالغيب:
قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (^٢)، "فالله - ﷿ - يبين سعة علمه وكمال قدرته في ملكه وعلمه غيب السماوات والأرض، واختصاصه بذلك، فلا اطلاع لأحد على ذلك إلا أن يطلعه الله تعالى على ما يشاء" (^٣).
وأن العبيد لم يشهدوا خلق السماوات والأرض، ولا يعلمون الغيب، فقال تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ (^٤).
فهو سبحانه الذي يعلم السر وأخفى، ولا يخفى عليه شيء في السماوات، وكذلك لا يخفى عليه ما في القلوب من الإيمان والنفاق وغير ذلك (^٥)، قال تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٦).
سادسًا: الإيمان بالملائكة:
قال الله تعالى مبينًا أن الملائكة في السماء: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (^٧)، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ
_________________
(١) النمل: ٦٥.
(٢) الزخرف: ٨٥.
(٣) تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٨٩.
(٤) الكهف: ٥١.
(٥) انظر: تفسير البغوي: ٤/ ٢١٤، وتفسير ابن سعدي: ٨٠٢.
(٦) الحجرات: ١٦.
(٧) النجم: ٢٦.
[ ٢٣٩ ]
لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ (^١).
وعن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" (^٢).
وأن لكل سماء مقربوها من الملائكة كما في حديث البراء بن عازب ﵁: " فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة" (^٣).
وأن لكل سماء خازن كما جاء في حديث الإسراء: "قال جبريل - ﵇ - لخازن السماء الدنيا: افتح" ثم قال: "حتى أتى السماء الثانية فقال لخازنها افتح" (^٤).
وأنهم من جنود الله في السماوات: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ (^٦).
_________________
(١) الإسراء: ٩٥.
(٢) صحيح البخاري: كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة: ٦١٧ برقم (٣٢٠٩).
(٣) سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في المسألة في القبر وعذاب القبر: ٥١٧ برقم (٤٧٥٣)، ومسند الإمام أحمد: ٣٠/ ٤٩٩ برقم (١٨٥٣٤)، قال البيهقي في شعب الإيمان ٢/ ٣١٩: هذا حديث صحيح الإسناد، وقال ابن مندة في كتاب الإيمان، تحقيق: علي الفقيهي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٣، ٢/ ٩٦٥: هذا إسناد متصل مشهور، رواه جماعة عن البراء.
(٤) صحيح البخاري، كتاب بد الخلق، باب ذكر الملائكة: ٦١٦ برقم (٣٢٠٧)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ -: ١/ ١٤٨ برقم (١٦٣).
(٥) يس: ٢٨.
(٦) آل عمران: ١٢٤.
[ ٢٤٠ ]
وعن ابن عباس - ﵄ - قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ -في غزوة بدر- يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه؛ إذ سمع ضربه بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقيا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله - ﷺ - فقال: "صدقت ذلك مدد السماء الثالثة" (^١).
وأن عددهم في السماء كثير، ولا يعلمه إلا الله - ﷿ - كما جاء في حديث الإسراء
-بعد مجاوزته إلى السماء السابعة-: "ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم" (^٢).
وأن السماء تئط (^٣) منهم فعن أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله" (^٤).
وأن من أعمالهم النزول بالوحي من السماء (^٥)، قال تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم: ٣/ ١٣٨٣ برقم (١٧٦٣).
(٢) سبق تخريجه: ٢١٣.
(٣) الأطيط: صوت الأقتاب، والقتب: صوت الرحل. وأطيطُ الإبل: أصواتها وحنينها. أي أن كثرة ما فيها من الملائكة قد أثقلها حتى أطَّت. انظر: النهاية في غريب الحديث: ١/ ٥٤.
(٤) سنن الترمذي، كتاب الزهد، باب في قول النبي - ﷺ - لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا: ٣٨٢ برقم (٢٣١٢)، وقال: هذا حديث حسن غريب ويروى من غير هذا الوجه، والإمام أحمد في مسنده: ٣٥/ ٤٠٥ برقم (٢١٥١٦)، وقال المحقق: حسن لغيره. وانظر: السلسة الصحيحة الأحاديث رقم: ٨٥٢، ١٠٦٠، ١٧٢٢، ٣١٩٤.
(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٢٧.
[ ٢٤١ ]
الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ (^١).
وأنهم يصعدون بأعمال العباد وأرواحهم إلى السماء (^٢)، قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (^٣).
وفي حديث البراء - ﵁ - قال: "فيصعدون بها -أي روح الميت-، فلا يمرون - يعني بها- على ملاء من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة" (^٤).
وأن الملائكة شهداء الله في السماء، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: "مروا بجنازة على النبي - ﷺ - فأثنوا عليها خيرًا، فقال: النبي - ﷺ - وجبت، ثم مروا بجنازة أخرى فأثنوا عليها شرًا، فقال النبي - ﷺ -: وجبت، قالوا: يا رسول الله، قولك الأولى والأخرى: وجبت، فقال النبي - ﷺ -: الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض" (^٥).
سابعًا: الإيمان بالكتب:
أخبر الله - ﷿ - عن نزول الكتب من السماء فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ
_________________
(١) الحجر: ٨.
(٢) انظر: تفسير القرطبي: ١٤/ ٨٦ - ٨٧، وتفسير ابن كثير: ٦/ ٣٥٩.
(٣) السجدة: ٥.
(٤) سبق تخريجه: ٢١٣.
(٥) سنن النسائي، كتاب الجنائز، باب الثناء: ٢١٩ برقم (١٩٣٣)، وأصله في الصحيحين، وصححه الألباني في أحكام الجنائز وبدعها، دار المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٤: ٤٤.
[ ٢٤٢ ]
الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ (^٢)، بل إن أهل الكتاب كانوا يعلمون ذلك، وقد طلبوا من الرسول - ﷺ - أن ينزل عليهم كتابًا من السماء كما نزلت التوراة على موسى - ﵇ - مكتوبة، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ (^٣)، فدل هذا على معرفة أهل الكتاب بأن الكتب تنزل من عند الله من السماء (^٤).
وكذلك قال كفار قريش (^٥): ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (^٦).
ثامنًا: الإيمان بالرسل:
كان مما يستدل به النبي - ﷺ - على أنه رسول الله، وعلى وجوب إفراد الله بالعبادة قوله أن الذي أرسلني هو خالق كل شيء - ومن ذلك السماوات- وربه ومليكه، الذي بيده الملك والإحياء والإماتة، وله الحكم (^٧)، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي
_________________
(١) البقرة: ١٧٦.
(٢) النساء: ١٠٥، الزمر: ٢.
(٣) النساء: ١٥٣.
(٤) انظر تفسير القرطبي: ٦/ ٦، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٤٤٦.
(٥) انظر: تفسير الطبري: ١٥/ ١٨٨.
(٦) الإسراء: ٩٠ - ٩٣.
(٧) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ١٠٥، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٤٩١.
[ ٢٤٣ ]
لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (^١).
وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: نهينا أن نسأل رسول الله - ﷺ - عن شيء، فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد، أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: " صدق ". قال: فمن خلق السماء؟ قال: " الله ". قال: فمن خلق الأرض؟ قال: " الله ". قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: " الله ". قال: فبالذى خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟ قال: " نعم " (^٢).
ومن دلائل نبوته - ﷺ - استدلاله عليهم بعلم الله للقول في السماء والأرض، وأنه لا يمكن أن يكذب عليه، فهو سبحانه لسعة علمه يعلم ما في السماء والأرض (^٣): ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (^٥)، حتى أن النبي - ﷺ - كان يقول: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء" (^٦).
وقد نبه الله على صدق رسله فيما جاءوا به بما أيدهم به من الآيات، ومنها خلقه للسماوات والأرض (^٧)، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ
_________________
(١) الأعراف: ١٥٨.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب السؤال عن أركان الإسلام: ١/ ٤١ برقم (١٢).
(٣) انظر: تفسير ابن كثير: ٥/ ٣٣٢.
(٤) الأنبياء: ٤.
(٥) العنكبوت: ٥٢.
(٦) سبق: تخريجه: ١٩٧.
(٧) انظر: تفسير الطبري: ٩/ ١٦٢.
[ ٢٤٤ ]
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (^١).
وقال موسى - ﵇ - لفرعون مبينًا الحجة على رسالته، وأن هذه الحجج لا تكون إلا من رب السماوات والأرض (^٢): ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ (^٣).
وفي حديث الإسراء بيَّن - ﷺ - أنه عرج به إلى السماء، ووجد فيها الأنبياء: آدم، ويحيى، ويوسف، وإدريس، وهارون، وعيسى، وموسى، وإبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (^٤).
ومن الإيمان بالرسل الإيمان بما جاءوا به، وأنه من عند الله، وقد نزل من السماء إلى الأرض، فعن ابن عباس - ﵄ - أنه كان يحدث: "أن رجلا أتى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إني أرى الليلة ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها بأيديهم، فالمستكثر والمستقل، وأرى سببا واصلا من السماء إلى الأرض، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به من بعدك فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فعلا، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع به، ثم وصل له فعلا، قال أبو بكر: يا رسول الله، بأبي أنت، والله لتدعني فلأعبرنها، قال رسول الله - ﷺ -: اعبرها، قال أبو بكر: أما الظلة فظلة الإسلام، وأما الذي ينطف من السمن والعسل فالقرآن حلاوته ولينه، وأما ما يتكفف الناس من ذلك فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل
_________________
(١) الأعراف: ١٨٥.
(٢) انظر: تفسير القرطبي: ١٠/ ٣٣٧، وتفسير ابن كثير: ٥/ ١٢٤.
(٣) الإسراء: ١٠٢.
(٤) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السماوات وفرض الصلوات: ١/ ١٤٨ - ١٤٩ برقم (١٦٣، ١٦٤).
[ ٢٤٥ ]
من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه تأخذ به فيعليك الله به، ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو به، ثم يأخذ به رجل من بعدك فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فينقطع به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت أصبت أم أخطأت؟ قال رسول الله - ﷺ -: أصبت بعضا، وأخطأت بعضا، قال: فوالله يا رسول الله لتحدثني ما الذي أخطأت؟ قال: لا تقسم" (^١).
تاسعًا: الإيمان باليوم الآخر:
أقسم الله - ﷿ - بربوبيته للسماء والأرض على أن ما وعد"به من أمر القيامة والبعث والجزاء، كائن لا محالة، وهو حق لا مرية فيه، فلا تشكوا فيه كما لا تشكوا في نطقكم حين تنطقون" (^٢)، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (^٣).
واستدل الله - ﷿ - على البعث وإعادة الأجساد بقدرته في خلق السماوات والأرض، فقال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ (^٤)، قال ابن كثير - ﵀ -: " أي إن في النظر إلى خلق السماء والأرض لدلالة لكل عبد فطن لبيب رجّاع إلى الله، على قدرة الله على بعث الأجساد ووقوع المعاد؛ لأن من قدر على خلق هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها، وهذه الأرضين في انخفاضها وأطوالها وأعراضها، إنه لقادر على إعادة الأجسام ونشر الرميم من العظام" (^٥).
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الرؤيا، باب في تأويل الرؤيا: ٤/ ١٧٧٧ برقم (٢٢٦٩).
(٢) تفسير ابن كثير: ٧/ ٤٢٠.
(٣) الذاريات: ٢٣.
(٤) سبأ: ٩.
(٥) تفسير ابن كثير: ٦/ ٤٩٦، وانظر: تفسير ابن سعدي: ٧٥٠.
[ ٢٤٦ ]
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^١)، فمن قدر على خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن، قادر على أن يحيي الموتى بطريق الأولى والأحرى (^٢).
وأخبر الله - ﷿ - أن السماء تطوى يوم القيامة فقال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^٣)، وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض" (^٤).
وأخبر سبحانه أنه سيجازي كلا بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فهو مالك السماوات والأرض الغني عما سواه (^٥)، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (^٦).
ومن الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالجنة والنار، وقد بين الله - ﷿ - صفة الجنة وأن عرضها عرض السماوات والأرض، فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^٧)، وقال تعالى:
_________________
(١) الأحقاف: ٣٣.
(٢) انظر: تفسير الطبري: ٢٦/ ٤٣، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٣٠٥.
(٣) الزمر: ٦٧.
(٤) سبق تخريجه: ٢٠٤.
(٥) انظر: تفسير القرطبي: ١٧/ ١٠٥، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٤٦٠.
(٦) النجم: ٣١.
(٧) آل عمران: ١٣٣.
[ ٢٤٧ ]
﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (^١).
وقد دعا النبي - ﷺ - هرقل إلى الجنة، ووصف له عرضها بأنه كعرض السماوات والأرض (^٢).
وفي غزوة بدر قال رسول الله - ﷺ -: " قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري - ﵁ -: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: نعم" (^٣).
وأن الجنة درجات، وما بين كل درجة ودرجة كما بين السماء والأرض، عن أبى سعيد الخدري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: " يا أبا سعيد، من رضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وجبت له الجنة ". فعجب لها أبو سعيد فقال: أعدها على يا رسول الله، ففعل، ثم قال: " وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ". قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: " الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله" (^٤).
عاشرًا: الإيمان بالقدر:
القدر أربعة مراتب: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق (^٥). وأخبر الله - ﷿ -
_________________
(١) الحديد: ٢١.
(٢) مسند الإمام أحمد: ٣/ ٤٤٢ برقم (١٥٦٩٣)، ومسند أبي يعلى: ٣/ ٧٠ برقم (١٥٩٧). قال ابن كثير في البداية والنهاية ٧/ ١٧٧: "هذا حديث غريب تفرد به أحمد وإسناده لا بأس به".
(٣) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب باب ثبوت الجنة للشهيد: ٣/ ١٥٠٩ برقم (١٩٠١).
(٤) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد في الجنة من الدرجات: ٦/ ٣٧ برقم (٤٩٨٧).
(٥) انظر: العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: أشرف عبد المقصود، دار أضواء السلف، الرياض، ط ١: ١٠٥.
[ ٢٤٨ ]
أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وأن عرشه كان على الماء قبل ذلك، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (^١).
وأنه قدر المقادير وكتبها قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء" (^٢).
كما بين سبحانه أن الأمور لا تقع إلا بإذنه ومشيته ومن ذلك وقوع السماء على الأرض فقال تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (^٣) "أي لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض، فهلك من فيها، ولكن من لطفه ورحمته وقدرته يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه" (^٤).
ولما يذكر الله - ﷿ - خلق السماوات والأرض وأنه هو المتصرف فيها يبين"أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وأنه يخلق ما يشاء" (^٥)، قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (^٦).
_________________
(١) هود: ٧.
(٢) سبق تخريجه: ٢٠٣.
(٣) الحج: ٦٥.
(٤) تفسير ابن كثير: ٥/ ٤٥١، وانظر: تفسير القرطبي: ١٢/ ٩٣.
(٥) المرجع السابق: ٧/ ٢١٦، وانظر: تفسير ابن سعدي: ٧٦٢.
(٦) الشورى: ٤٩ - ٥٠.
[ ٢٤٩ ]
وعن عثمان بن عفان - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من قال: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات؛ لم تصبه فجأة بلاء حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح ثلاث مرات؛ لم تصبه فجأة بلاء حتى يمسى" (^١)، فمن فعل الأسباب الشرعية والحسية التي أمر الله بها؛ فلن يضره شيء في الأرض ولا في السماء إلا بإذن الله.
الحادي عشر: منهج الاستدلال:
١ - الاستدلال بالعقل:
من منهج القرآن الاستدلال بالعقل في إثبات توحيد الربوبية والألوهية مستدلًا في ذلك بخلق السماوات، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ (¬٢).
٢ - التصديق والتسليم:
لما كان خلق السماوات من الأمور الغيبية كان الواجب على المسلم الإيمان بذلك والتصديق به، وعدم الخوض فيما لا علم له به، قال ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ (^٣): "لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم وكفركم تكذيبكم بها" (^٤)، ومعناه أن هذه الأمور قد
_________________
(١) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح: ٥٤٩ برقم (٥٠٨٨)، وسنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب ما جاء في الدعاء إذا أصبح وإذا أمسى: ٥٣٦ برقم (٣٣٨٨)، وقال: حديث حسن صحيح غريب، وصححه الألباني، انظر: صحيح سنن أبي داود للألباني، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، ط ١: ٣/ ٩٥٨.
(٢) الطور: ٣٥ - ٣٦.
(٣) الطلاق: ١٢.
(٤) رواه ابن جرير في تفسيره: ٢٨/ ١٧٢. وانظر: تفسير ابن كثير: ٨/ ١٥٦.
[ ٢٥٠ ]
لا تدركه عقول بعض الناس فيكذب بها، فالواجب التسليم للنصوص والتصديق بها.
٣ - ضرب الأمثلة:
من منهج القرآن ضرب الأمثلة مستخدمًا في ذلك السماء لبيان حال المشركين وظلالهم وبعدهم عن الهدى، قال تعالى: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (^١).
وضرب الله مثلًا لقلب الكافر في شدة تضييقه إياه عن وصول الإيمان إليه كمن يصّعد في السماء، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٢)، "فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء، فكذلك لا يستطيع أن يدخل التوحيد والإيمان قلبه، حتى يدخله الله في قلبه" (^٣).
الثاني عشر: الوعد والوعيد:
لما ذكر الله - ﷿ - وجوب إتباع الرسول - ﷺ -، ووبخ وهدد أهل الكتاب على عدم إتباعه بقوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٤)، بين سبب ذلك فقال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٥) "أي هو
_________________
(١) الحج: ٣١.
(٢) الأنعام: ١٢٥.
(٣) انظر: تفسير الطبري: ٨/ ٣٨.
(٤) آل عمران: ١٨٨.
(٥) آل عمران: ١٨٩.
[ ٢٥١ ]
مالك كُل شيء، والقادر على كل شيء فلا يعجزه شيء، فهابوه ولا تخالفوه، واحذروا نقمته وغضبه، فإنه العظيم الذي لا أعظم منه، القدير الذي لا أقدر منه" (^١).
وأخبر الله - ﷿ - أنه الحاكم المالك المتصرف في أهل السموات والأرض فيغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء (^٢)، فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (^٣).
وكان المشركون يسألون رسولهم العذاب من السماء، قال تعالى عنهم: ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (^٤)، أي: جانبا من السماء، أو عذابًا من السماء (^٥).
وقال تعالى عن المشركين أنهم قالوا: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (^٦).
وبين - ﷺ - أن الذنوب ولو عظمت وبلغت السماء فإن الله - ﷿ - يغفرها ولا يبالي، ففي حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء ثم تبتم لتاب عليكم " (^٧).
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٨٣، وانظر: تفسير: الطبري: ٢٦/ ٩٣.
(٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٣٣٧، وتفسير ابن سعدي: ٧٩٢.
(٣) الفتح: ١٤.
(٤) الشعراء: ١٨٦ - ١٨٧.
(٥) انظر: تفسير القرطبي: ١٣/ ١٣٦.
(٦) الأنفال: ٣٢.
(٧) سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر التوبة: ٤٥٨ برقم (٤٢٤٨)، قال البوصيري في مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه: ٢/ ٣٤٦ برقم (١٥٢٦): "إسناده حسن"، وقال الألباني في صحيح ابن ماجه: ٢/ ٤١٧ برقم (٣٤٢٦) "حسن صحيح".
[ ٢٥٢ ]
وبين كذلك عقوبة من تكلم بكلمة من سخط الله، وأنه ليقع منها أبعد من السماء، فعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - يرفعه قال: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يريد بها بأسا إلا ليضحك بها القوم، وإنه ليقع منها أبعد من السماء" (^١).
الثالث عشر: الولاء والبراء:
قد جاء في النصوص أن السماء تبكي عند فقد المؤمن، وأن أبوابها تفتح له، أما الكافر فلا تبكي عليه، ولا تفتح له أبوابها (^٢)، قال تعالى عن حال الكافرين: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ (^٣).
وفي حديث البراء بن عازب - ﵄ - في بيان حال روح المؤمن عند الموت، قال - ﷺ -: " فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة، فيقول الله، - ﷿ -: اكتبوا كتاب عبدي في عِليِّين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى".
وفي بيان حال روح الكافر قال: "وإن الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزلت عليه ملائكة غلاظ شداد، فانتزعوا روحه،
_________________
(١) مسند الإمام أحمد: ١٧/ ٤١٣ برقم (١١٣٣١)، قال الهيثمي في"مجمع الزوائد" ٨/ ١٧٩: رواه أحمد، وفيه أبو إسرائيل بن خليفة، وهو ضعيف. وأصله عند البخاري، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان: ١٢٤٢ برقم (٦٤٧٧)، ولفظه: "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق".
(٢) انظر: كتاب العظمة: ٥/ ١٧١٤، وتفسير البغوي: ٤/ ١١٦، وتفسير القرطبي: ١٦/ ١٣٩، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٢٥٣.
(٣) الدخان: ٢٩.
[ ٢٥٣ ]
كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبتل، وتنزع نفسه مع العروق، فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وتغلق أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله: أن لا تعرج روحه من قبلهم، فإذا عرج بروحه، قالوا: رب فلان بن فلان عبدك، قال: أرجعوه، فإني عهدت إليهم أني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى" (^١).
الرابع عشر: الإيمان بالجن:
كانت الجن تتخذ المقاعد في السماء الدنيا تسترق السمع من السماء (^٢)، ولما بعث الله محمدًا - ﷺ - منعت من ذلك، ولهذا قال الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (^٣).
_________________
(١) سبق تخريجه: ٢١٣.
(٢) تفسير ابن كثير: ٨/ ٢٤٠.
(٣) الجن: ٨ - ٩.
[ ٢٥٤ ]
المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية -السماء-:
أولًا: إنكار وجود السماوات:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية إنكار وجودها، وأن المراد بها الأفلاك أو الأجرام العلوية (^١)، وأن سعة الجو غير متناهية، وأن الكون" لا زال يتوسع حتى الآن" (^٢)، استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (^٣)، ومعنى هذا عندهم نفي وجود السماوات السبع (^٤).
وهذا القول هو قول متأخري الفلاسفة" فلا سماء عندهم بل الأجرام العلوية قائمة بالجاذبية؛ فإن الشمس وسائر الكواكب السيارات عليها بل وجميع الثوابت ليست مركوزة في جسم من الأجسام" (^٥).
والحق الذي تدل عليه الآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة"أن هذا
_________________
(١) انظر: ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان: ١٩، ونقض النظريات الكونية: ١٢٧ - ١٢٩.
(٢) أسرار الكون بين العلم والقرآن عبد الدائم الكحيل: ٣٠، وانظر: توحيد الخالق لعبدالمجيد الزنداني: ٢٨٠.
(٣) الذاريات: ٤٧.
(٤) وينبغي أن يلاحظ أنهم حين يذكرون السماء في الكون الأعلى فهم يريدون بها الفضاء، والنجوم، والمجرات. انظر: الموسوعة الفلكية: ٢٢١، ٤٠٩، ونقض النظريات الكونية: ٤١.
(٥) ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان: ٢٥.
[ ٢٥٥ ]
الفضاء الذي نحن فيه يبتدي من الأرض، وينتهي إلى السماء الدنيا" (^١).
"والرسل - ﷺ - كلهم أخبروا بوجود السماوات، وهذا خاتمهم - ﷺ - قد ذكر ما ذكر مما رأى في معراجه في السماوات واستفتاحه لها بواسطة جبريل، كل ذلك يبطل تأويل من أول" (^٢).
وقد أخبر الله - ﷿ - عن هذه السماء وأنها مبنية فقال: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ (^٣).
ومما يدل على وجود السماء" أن الله ذكر للسماء أحوالًا وأوصافًا لا يصح انطباقها على الفضاء، مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (^٤)، وهذا يكون يوم القيامة والفضاء لا يوصف بالانشقاق، ومثله قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ (^٥)، يعني يوم القيامة، فلولا أنها بناء لما وصفها بالتشقيق
وفي مواضع يذكر الرب - ﷿ - السماء والأرض وما بينهما، فلولا أن للفضاء نهاية، وللسماء جرما لما قال الرب: وما بينهما" (^٦).
ثانيًا: إنكار عدد السماوات السبع:
ومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية إنكار عدد السماوات السبع، وأن المراد"بالسماوات السبع التي يرد ذكرها في كثير من الآيات هي
_________________
(١) الصواعق الشديدة: ١٢٤، ١٥٢، وانظر: ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة: ٤٠.
(٢) ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان: ٢٦.
(٣) النازعات: ٢٧ - ٢٨.
(٤) الانشقاق: ١.
(٥) الفرقان: ٢٥.
(٦) هداية الحيران في مسألة الدوران لعبد الكريم الحميد، ط ٢: ٣٤.
[ ٢٥٦ ]
على أرجح الأقوال الكواكب السبع السيارة المعروفة" (^١).
يقول الدكتور محمد جمال الفندي: " الغالب (والله أعلم) أنها - أي السماوات السبع- تحديد للنوع وليس للكم. وما السماوات السبع التي ترتفع فوق رؤوسنا سوى:
١ - الغلاف الجوي.
٢ - الشهب.
٣ - النيازك.
٤ - القمر.
٥ - الكواكب السيارة.
٦ - المذنبات.
٧ - الشمس" (^٢).
وقال بعضهم أن: " الأفلاك تسعة وليست سبعة، والعدد سبعة في القرآن يراد به التعدد" (^٣).
"فلم يثبتوا من السماوات سبعا ولا أكثر من ذلك ولا أنقص، والمتشرعون منهم قالوا: المراد من السماوات السبع أصناف أجرام الكواكب، فإنهم جعلوها على سبعة أصناف في المقدار" (^٤).
_________________
(١) القرآن وإعجازه العلمي، لمحمد إسماعيل إبراهيم: ٥٩، وانظر: تفسير ابن كثير: ٨/ ٢٣٣.
(٢) السماوات السبع، للدكتور محمد جمال الدين الفندي: ١١٣ - ١١٤، وانظر: التفسير العلمي للآيات الكونية في القرآن: ١٣٥.
(٣) انظر: القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم، لموريس بوكاى، دار المعارف، لبنان، ط ٤: ١٦٣ وما بعدها، والكون والرؤية العلمية في القرآن والأديان السماوية الأخرى - دراسة مقارنة، رسالة ماجستير إعداد الطالب: أشرف أحمد محمد محمد عماشة، كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدمياط الجديدة: ٤٢.
(٤) ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان: ٢٥ - ٢٦.
[ ٢٥٧ ]
وهذا الرأي لا يتفق مع قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ (^١)، فالآية تدل على أن السماوات السبع واحدة فوق واحدة (^٢).
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٣)، "أي أتم خلقهن من تلك المادة الدخانية، فجعلهن سبع سماوات تامات منتظمات الخلق" (^٤).
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ (^٥)، قال ابن حزم - ﵀ - (^٦): " وهكذا قام البرهان من قبل كسوف الشمس والقمر وبعض الدرارى لبعض على أنه سبع سماوات، وعلى أنها سبع طرائق" (^٧).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٨)، فالشمس والقمر
_________________
(١) نوح: ١٥.
(٢) انظر: تفسير الطبري: ٢٩/ ١١٥، وتفسير ابن كثير: ٨/ ٢٣٣، والبحر المحيط لأبي حيان، تحقيق: عادل عبد الموجود، وآخرون، دار الكتب العلمية - بيروت، ط ١: ٦/ ٢٨٦، ٢٨٧.
(٣) البقرة: ٢٩.
(٤) تفسير القرآن الحكيم، لمحمد رشيد رضا، الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٧٢: ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٥) المؤمنون: ١٧.
(٦) هو علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، فقيه محدث متكلم، له مؤلفات كثيرة، منها: الفصل في الملل والأهواء والنحل، والدرة فيما يجب اعتقاده، والمحلى، والإجماع، وغيرها. انظر: سير أعلام النبلاء: ١٨/ ١٨٤، وشذرات الذهب: ٣/ ٢٩٩.
(٧) الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم، المطبعة الأدبية، ط ١: ٢/ ٩٨.
(٨) الأعراف: ٥٤.
[ ٢٥٨ ]
والنجوم معطوفة على السماوات والأرض، أي أنهن لسن بجزء من السماوات.
ثالثًا: إنكار خلق الله للسماوات والأرض في ستة أيام وأنها ست مراحل:
ومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية إنكار خلق الله للسماوات في ستة أيام، وأن هذه الأيام الواردة في الآيات عبارة عن ست مراحل، أقام الله عليها الكون، وأسماها ستة أيام، وربط ذلك بالنظام السداسي (^١)، يقول الكتور جميل القدسي الدويك: "وأن الأيام هنا ليست كأيامنا هذه، إنما هي مراحل طويلة، فإنشاء الكون كله وبنائه وتعميره من قبل الله وإصلاحه على أكمل وجه كان قائما على النظام السداسي فتأملوا ذلك في القرآن العظيم" (^٢).
أما علماء الإسلام فيقولون أن الله خلق هذه السماوات والأرض في ستة أيام ولكنهم اختلفوا هل هذه الأيام من أيام الدنيا أو أيام الآخرة، كل يوم ألف سنة (^٣).
قال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ -: " وخلقها الله - ﷿ - في ستة أيام، والأيام أطلقها الله - ﷿ - ولم يبين أن اليوم خمسين ألف سنة، أو أقل، أو أكثر، وإذا
_________________
(١) أي شيء قائم على البناء والنمو والربو خلقه الله ﷾ مبنيا على نظام سداسي، انظر: اكتشاف الآلية التي يؤثر بها قرين الإنسان من الشيطان عليه في الوسواس والسحر والتلبس والمس والأمراض النفسية والعلاج الناجح لكل ذلك من خلال أطعمة القرآن والرقية الشرعية والاستعاذة بالله، بحث خاص مقدم من مركز الأبحاث العلمية في مؤسسة الدكتور جميل القدسي الدويك لمؤتمر العلاج بالقرآن بين الدين والطب: ٣٧.
(٢) اكتشاف الآلية التي يؤثر بها قرين الإنسان من الشيطان عليه: ٣٧ - ٣٨، باختصار.
(٣) انظر: تفسير الطبري: ١٠٤ - ١٠٥، وتفسير القرطبي: ٧/ ٢١٩.
[ ٢٥٩ ]
أطلق يحمل على المعروف المعهود وهي أيامنا هذه، وقد جاء في الحديث أنها الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة (^١)، فالجمعة منتهى خلق السماوات والأرض ومبتدئه الأحد، والسبت ليس فيه خلق لا ابتداء ولا انتهاء." (^٢).
رابعًا: اعتقاد أن السماوات خلقت من غير مادة:
ومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية القول بأن السماوات خلقت من غير مادة، وبأن مادة السماوات ليست مبتدعة، مما يلزم عليه القول بقدم العالم (^٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: " فأما قول الدهرية: بأن السماوات لم تزل على ما هي عليه ولا تزال فهذا تكذيب صريح وكفر بين بما في القرآن وما اتفق عليه أهل الإيمان وعلموه بالاضطرار أن الرسل أخبروا به وكذلك قول الجهمية (^٤)، أو من يقول: منهم إن السماوات والأرض خلقتا من غير
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب ابتداء الخلق وخلق آدم - ﵇ -: ٤/ ٢١٤٩ برقم (٢٧٨٩).
(٢) تفسير القرآن الكريم- الحجرات إلى الحديد - للشيخ محمد بن عثيمين، دار الثريا، الرياض، ط ١: ٣٦٤.
(٣) انظر: جامع المسائل لابن تيمية، فصل في مؤاخذة ابن حزم في الإجماع، تحقيق: عزير شمس، دار عالم الفوائد، مكة، ط ١: ٣/ ٣٤٦ - ٣٤٧، ومنهاج السنة: ١/ ٣٦٠، ودرء التعارض: ٨/ ٢٨٧ - ٢٩٠.
(٤) الجهمية: أصحاب الجهم بن صفوان، وهو من الجبرية الخالصة، ظهرت بدعته بترمذ، وقتله مسلم بن أحوز بمرو في آخر ملك بني أمية، ينفون الأسماء والصفات ويزعمون أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة فقط. انظر: الملل والنحل للشهرستاني، تحقيق: محمد فتح الله بدران، دار أضواء السلف، الرياض، ط ١: ٣٦، والفرق بين الفرق لعبد القاهر بن قاهر البغدادي، تحقيق: إبراهيم رمضان، دار المعرفة، بيروت، ط ٢: ١٩٤.
[ ٢٦٠ ]
مادة، ولا في مدة، وأنهما يفنيان أو يعدمان، أو أن الجنة تفنى أيضا: كل ذلك مخالف لنصوص القرآن" (^١).
وهذا القول لم يقل به أحد من سلف الأمة، بل المتواتر عنهم أنهما خلقتا من مادة، وفي مدة، كما دل عليه القرآن (^٢) قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٤).
وقد ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء" (^٥).
وقد أخبر سبحانه أنه استوى إلى السماء الدنيا وهي دخان، فقال لها وللأرض:
﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (^٦).
"وثبت عن غير واحد من الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء المسلمين
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية: ١/ ١٥٩.
(٢) انظر: المرجع السابق: ١/ ١٥٢ - ١٥٤.
(٣) فصلت: ٩ - ١٢.
(٤) البقرة: ٢٩.
(٥) سبق تخريجه: ٢٠٣.
(٦) فصلت: ١١.
[ ٢٦١ ]
أنه خلق السماء من بخار الماء، ونحو ذلك من النقول التي يصدقها ما يخبر به أهل الكتاب عن التوراة وما عندهم من العلم الموروث عن الأنبياء. وشهادة أهل الكتاب الموافقة لما في القرآن أو السنة مقبولة" (^١)، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (^٢)، ونظائر ذلك في القرآن.
وفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي - ﷺ - أنه قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السماوات والأرض" (^٣). وفي رواية صحيحة: " ثم خلق السماوات والأرض" (^٤).
خامسًا: اعتقاد التعب والإعياء لله بعد خلق السماوات والأرض:
ومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية زعم اليهود أن الله تعالى استراح يوم السبت، بعد خلقه السماوات والأرض -تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرا- فعن قتادة قال: قالت اليهود -عليهم لعائن الله-: خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استراح في اليوم السابع، وهو يوم السبت، وهم يسمونه يوم الراحة، فأنزل الله تكذيبهم فيما قالوه وتأولوه:
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل: ٢: ٤/ ٢٣٤، وانظر: دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية، لعبد الله بن صالح الغصن، دار ابن الجوزي، الدمام، ط ١: ٢٧٢.
(٢) الرعد: ٤٣.
(٣) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾: ٦١٣ برقم (٣١٩١)، بلفظ"ولم يكن شيء غيره".
(٤) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾: ١٤١٣ برقم (٧٤١٨).
[ ٢٦٢ ]
﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ أي من إعياء ولا نصب ولا تعب، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢).
سادسًا: اعتقاد أن الله في جوف السماء:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية اعتقاد أن الله في جوف السماء، وأن قوله ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (^٣) يقتضي أن يكون الله في جوف الأفلاك، ونحو ذلك، وظن أن هذه المعاني الفاسدة هي ظاهر القرآن، وأن مسماها ظاهره وحقيقته.
والجواب عن هذا أن السلف ﵏ لم يعتقدوا أن هذا المعنى الفاسد ظاهر هذه النصوص، ولا أنها تدل على ذلك.
"وقد أخبر الله - ﷿ - في القرآن أنه استوى على العرش، وأن كرسيه وسع السماوات والأرض، وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه، وأخبر بعلوه في غير موضع من كتابه، وهذه كلها نصوص تنفي أن تكون صفاته تشبه صفات خلقه، أو يكون حالا في المخلوقات، وأخبر بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٤)، وبقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (^٥) ونحو ذلك أن يماثله العباد في صفاتهم، فتكون صفاته
_________________
(١) الأحقاف: ٣٣.
(٢) غافر: ٥٧.
(٣) الملك: ١٦.
(٤) الشورى: ١١.
(٥) الإخلاص: ٤.
[ ٢٦٣ ]
كصفات خلقه" (^١).
فهو ﷾ قد قال في كتابه: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (^٢).
وثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال للجارية: "أين الله؟، قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة" (^٣).
قال مالك بن أنس - ﵀ -: إن الله في السماء، وعلمه في كل مكان (^٤).
وقيل لعبد الله بن المبارك - ﵀ -: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه (^٥).
وقال أحمد بن حنبل - ﵀ - كما قال هذا وهذا (^٦).
وعلى هذا فالمراد بفي"إما أن تكون بمعنى "على"، كما في قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (^٧) أي على جذوع النخل، وكقوله: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٨) أي عليها، فالمعنى أأمنتم من على السماء.
_________________
(١) مسألة في تأويل الآيات وإمرار الصفات كما جاءت لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن جامع المسائل، تحقيق: محمد عزير شمس، دار عالم الفوائد، مكة، ط ١: ٣/ ١٧٢ - ١٧٤.
(٢) الملك: ١٦ - ١٧.
(٣) سبق تخريجه: ٢٠١.
(٤) كتاب السنة لعبد الله بن أحمد، تحقيق: محمد بن سعيد القحطاني، دار عالم الكتب، الرياض، ط ٤: ١٠٧، ومسائل الإمام أحمد برواية أبي داود، تحقيق: طارق عوض الله، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط ١: ٣٥٣ برقم (١٦٩٩).
(٥) الرد على الجهمية لأبي سعيد عثمان الدارمي، تحقيق: بدر البدر، دار ابن الأثير، الكويت، ط ٢: ٤٧ برقم (٦٧)، والسنة لعبد الله بن الإمام أحمد: ١١١.
(٦) انظر: درء التعارض: ٢/ ٣٤.
(٧) طه: ٧١.
(٨) آل عمران: ١٣٧.
[ ٢٦٤ ]
وإن كانت على بابها وهي الظرفية، فيكون المراد بالسماء العلو، فالله في العلو المطلق" (^١).
سابعًا: تحريف مخاطبة الله للسماء وتحريف اتيانها وقولها:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية تحريف مخاطبة الله للسماء، وتحريف اتيانها وقولها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (^٢).
فقالوا في مخاطبة الله للسماء في قوله: ﴿فَقَالَ لَهَا﴾ قولان:
أحدهما: أنه قول تكلم به.
الثاني: أنها قدرة منه ظهرت لهما فقام مقام الكلام في بلوغ المراد (^٣).
أما قول السماء فقيل فيه:
أنه ظهور الطاعة منهما حيث انقادا وأجابا فقام مقام قولهما.
وقيل أن هذا مجاز، وإنما المعنى أنها ظهر منها من اختيار الطاعة والخضوع والتذلل ما هو بمنزلة لقول ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (^٤).
_________________
(١) شرح العقيدة الواسطية من تقريرات الشيخ محمد بن إبراهيم، كتبها ورتبها: محمد بن عبدالرحمن بن قاسم: ٨٥، ١١١، وانظر: بيان تلبيس الجهمية: ١/ ٥٥٨، وتقريب التدمرية للشيخ محمد بن عثيمين، دار الوطن، الرياض، ط عام ١٤٢٤: ٧١.
(٢) فصلت: ١١.
(٣) انظر: النكت والعيون لعلي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري، تحقيق: السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية، بيروت: ٥/ ١٧٢، وتفسير القرطبي: ١٥/ ٣٤٤
(٤) انظر: المرجع السابق: ٥/ ١٧٢ - ١٧٣، والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لعبد الحق بن غالب بن عطية الأندلسي، تحقيق: الرحالة الفاروق وآخرون، وزارة الأوقاف القطرية، الدوحة، ط ٢: ٧/ ٤٦٨.
[ ٢٦٥ ]
وقيل: بل خلق الله فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد تعالى (^١).
ومنهم من جعل قول السماء هو الموجات الصوتية التي حدثت عند انفجار الكون، أو أنه ذبذبات كونية هادئة (^٢).
"بل إنهم يصورن ذلك في رسوم بيانية، ويزعمون من خلال تحليل العلماء لهذه الذبذبات أن الكون كان هادئًا ومطيعًا، وانه يوافق قول الله تعالى عن السماء في بداية الخلق" (^٣): ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (^٤).
والجواب أن هذه التأويلات والتحريفات باطلة؛ فإن الله - ﷿ - قادر على مخاطبة الجمادات (^٥)، قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (^٦).
وما في نطق السماء من العجب؟ " والله ﵎ ينطق الجلود، والأيدي، والأرجل، ويسخّر الجبال والطير، بالتّسبيح. قال تعالى: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ (^٧)، وقال: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ (^٨)، أي سبّحن معه، وقال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^٩)." (^١٠).
_________________
(١) تفسير القرطبي: ١٥/ ٣٤٤.
(٢) أسرار الكون بين العلم والقرآن: ٣، ٢٩.
(٣) المرجع السابق: ٣١.
(٤) فصلت: ١١.
(٥) انظر: مبحث عبودية الكائنات: ٦٥.
(٦) الأحزاب: ٧٢.
(٧) ص: ١٩.
(٨) سبأ: ١٠.
(٩) الإسراء: ٤٤.
(١٠) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، تحقيق: السيد أحمد صقر، دار التراث، القاهرة، ط ٢: ١١٣.
[ ٢٦٦ ]
وهذا القول لا شيء يدفعه، والعبرة به أتم والقدرة فيه أظهر (^١).
كما أن الله - ﷿ - خاطبهما خطاب من يعقل، وذكر جوابهما، وكان الجواب لجمع العقلاء فقال: ﴿طَائِعِينَ﴾، ولم يقل طائعتين على اللفظ، ولا طائعات على المعنى، لأنهما سماوات وأرضون، لأنه أخبر عنهما وعمن فيهما، ولما وصفهن بالقول والإجابة وذلك من صفات من يعقل أجراهما في الكناية مجرى من يعقل (^٢).
أما الإتيان فإن معناه عندهم غير مراد" لأن السماء والأرض لا يتصور أن يأتيا، ولا يتصور منهما طواعية أو كراهية إذ ليستا من أهل العقول والإدراكات، ولا يتصور أن الله يكرههما على ذلك لأنه يقتضي خروجهما عن قدرته" (^٣).
وفيه قولان:
"أحدهما: أنه قال ذلك قبل خلقها، ويكون معنى ائتيا أي كونا فكانتا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٤).
الثاني: قول الجمهور أنه قال ذلك لهما بعد خلقهما.
فعلى هذا يكون في معناها أربع تأويلات:
أحدها: معناه أعطيا الطاعة في السير المقدر لكما طوعًا أو كرهًا أي اختيارًا أو إجبارًا.
_________________
(١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: ٧/ ٤٦٨.
(٢) تفسير القرطبي: ١٥/ ٣٤٤، وانظر: شرح الأربعين النووية لابن عثيمين، دار الثريا، الرياض، ط ١: ٥١.
(٣) التحرير والتنوير: ٢٤/ ٢٤٦ - ٢٤٧.
(٤) النحل: ٤٠.
[ ٢٦٧ ]
الثاني: ائتيا عبادتي ومعرفتي طوعًا أو كرهًا باختيار أو غير اختيار.
الثالث: ائتيا بما فيكما طوعًا أو كرهًا.
الرابع: كونا كما أمرت من شدة ولين، وحزن وسهل ومنيع وممكن" (^١).
ونقول -كما سبق- أن الله على كل شيء قدير، قال ابن عباس - ﵄ - في معنى ذلك: "قال الله - ﷿ -: أما أنت يا سماء فأطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وأنت يا أرض فشقي أنهارك وأخرجي ثمارك ونباتك، وقال لهما: افعلا ما آمركما طوعا وإلا ألجأتكما إلى ذلك حتى تفعلاه كرها فأجابتا بالطوع" (^٢).
ثامنًا: تحريف معنى تسبيح السماوات:
ومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية تحريف معنى تسبيح السماوات، وحمله" على معنى الانقياد والتسخير الذى يصدر عن طواعية على سبيل الاستعارة بالكناية" (^٣)، أو أن تسبيحها هو"ما يظهر فيه من لطيف صنعة الله وبديع قدرته الذي يعجز الخلق عن مثله فيوجب ذلك على من رآه تسبيح الله وتقديسه" (^٤).
وقد سبق الكلام على هذه المسألة في مبحث عبودية الكائنات (^٥)، وأن السماء تسبح تسبيحًا حقيقيًا، الله أعلم بكيفيته، وأن هذا التسبيح زائد على ما
_________________
(١) النكت والعيون: ٥/ ١٧٢ - ١٧٣، ومفاتيح الغيب: ٢٧/ ٥٥٧ - ٥٥٨، وتفسير القرطبي: ١٥/ ٣٤٣ - ٣٤٤.
(٢) انظر: تفسير القرطبي: ١٥/ ٣٤٣ - ٣٤٤، وتفسير البغوي: ٤/ ٥٩.
(٣) من بلاغة القرآن في التعبير بالغدو والآصال والعشي والإبكار، إعداد: الدكتور محمد محمد عبد العليم دسوقي: ٤٧، ٧١.
(٤) النكت والعيون: ٣/ ٢٤٥.
(٥) انظر: ٦٥.
[ ٢٦٨ ]
فيها من الدلالة (^١)، قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^٢).
تاسعًا: تحريف معنى بكاء السماء:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية تحريف معنى بكاء السماء، وأن المراد بذلك أنه" عمت مصيبته الأشياء حتى بكته السماء والأرض والريح والبرق، وبكته الليالي الشاتيات وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغة في وجوب الجزع والبكاء عليه"
أو أن"في الكلام إضمار، أي ما بكى عليهم أهل السماء والأرض من الملائكة".
وفي كيفية بكاء السماء ثلاثة أوجه: أحدها أنه كالمعروف من بكاء الحيوان.
وقيل: بكاؤهما حمرة أطرافها.
وقيل: بكاؤها أمارة تظهر منها تدل على أسف وحزن (^٣).
ومن المخالفات أيضًا اعتقادهم أن بكاء السماء ناتج عن ولادة الكون، كما يقوله البروفيسور ويتل في خبر علمي: "يمكننا سماع البكاء الناتج عن ولادة الكون" (^٤).
ثم يقول صاحب الكتاب: "وهذا الخبر العلمي يعطي إمكانية حدوث الصوت والبكاء وغير ذلك مما لم نكن نفهمه من قبل. وهذا يؤكد أن كل
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ١٢/ ٤٠٦.
(٢) الإسراء: ٤٤.
(٣) انظر هذه الأقوال في: تفسير القرطبي: ١٦/ ١٣٩ - ١٤١، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
(٤) نقلا عن: أسرار الكون بين العلم والقرآن: ٣١.
[ ٢٦٩ ]
كلمة في القرآن هي الحق، بل لماذا لا يكون هذا الصوت الكوني هو امتثال لأمر الله تعالى؟ " (^١).
والصواب أنها تبكي بكاء حقيقيا إذ لا استحالة في ذلك، وإذا كانت السماوات والأرض تسبح وتسمع وتتكلم فكذلك تبكي، مع ما جاء من الخبر في ذلك (^٢).
وقال مجاهد - ﵀ -: إن السماء والأرض يبكيان على المؤمن أربعين صباحا. قال أبو يحيى: فعجبت من قوله فقال: أتعجب! وما للأرض لا تبكي على عبد يعمرها بالركوع والسجود! وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دوي كدوي النحل! . وقال علي وابن عباس - ﵄ -: إنه يبكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء (^٣).
عاشرًا: إنكار معرفة ارتفاع السماء عن الأرض:
ومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية إنكار معرفة ارتفاع السماء عن الأرض، "فلم يعرف الإنسان مقدار ارتفاع السماء إلا بعد كشف العلم عن مواقع بعض النجوم، فعرفنا أن السماء مرتفعة، وليست قريبة كما يظن النظر المجرد" (^٤).
وهذا مخالف لقول النبي - ﷺ - الذي أخبر فيه أن ارتفاع السماء مسيرة خمسمائة سنة، فعن العباس بن عبد المطلب - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ " قال: قلنا الله ورسوله أعلم، قال:
_________________
(١) المرجع السابق: ٣١.
(٢) تفسير القرطبي: ١٦/ ١٣٩ - ١٤١.
(٣) تفسير ابن كثير: ٧/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
(٤) توحيد الخالق: ٢٨٠.
[ ٢٧٠ ]
"بينهما مسيرة خمسمائة سنة" (^١).
ومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية -السماء- ذكر بعض الأدعية والأقوال المخالفة، منها:
١ - من ذلك الدعاء بقول: " اللهم بقدرتك التي قدرت بها أن تقول بها للسماوات والأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا، قالتا أتينا طائعين، افعل كذا وكذا".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: " هذه المسألة مبنية على مسألة كلام الله، ونحو ذلك من صفاته، هل هي قديمة لازمة لذاته لا يتعلق شيء منها بفعله وبمشيئته ولا قدرته؟ أو يقال: إنه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء، وإنها مع ذلك صفات فعليه؟ وهذا فيه قولان لأصحابنا وغيرهم من أهل السنة." (^٢)
ثم بين - ﵀ - أن هذا القول هو مذهب الكلابية (^٣)،
أما أهل السنة فلا يقال
_________________
(١) مسند الإمام أحمد: ٣/ ٢٩٢ برقم (١٧٧٠)، وسنن أبي داود في كتاب السنة، باب في الجهمية: ٥١٤ - ٥١٥ برقم (٤٧٢٣)، والترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الحاقة: ٥٢٦ برقم (٣٣٢٠) وقال: هذا حديث حسن غريب، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٢٨٨، ٤١٢، ٥٠٠، ٥٠١، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال في موضع آخر: هذا صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ورواه غيرهم. انظر: مجموع الفتاوى: ٣/ ١٩١ - ١٩٢، وتهذيب السنن لابن القيم، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت: ٧/ ٩٤، وتفسير ابن كثير: ٤/ ٤٢٩، وتخريج أحاديث منتقدة في كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لفريح بن صالح البهلال، دار الأثر، ط ١: ١٤٠ - ١٤٥.
(٢) مجموع الفتاوى: ٨/ ٣٨٤.
(٣) الكلابية: من الفرق الكلامية، ظهرت نهاية القرن الثاني، وهم أتباع عبدالله بن سعيد بن كلَاّب وهم ينفون الصفات ويقولون أن الإيمان المعرفة بالقلب والإقرار باللسان. انظر: كتاب أصول الدين لأبي منصور عبدالقاهر البغدادي، دار صادر، بيروت، ط ١: ٢٤٩، ومجموع الفتاوى: ١٢/ ١٧٨، ومختصر الصواعق المرسلة: ٢/ ٤٢٦، ٤٥٠، وسير أعلام النبلاء: ٥/ ٧٧، والفصل في الملل والنحل: ٥/ ٧٧، والملل والنحل ١١/ ٩٣.
[ ٢٧١ ]
عندهم قدر أن يتكلم، أو يقول (^١)، وقالوا لم يزل الله متكلمًا إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وكما شاء (¬٢).
٢ - ذكر أحوال خاصة للسماء عند دعاء المكروب:
عن أنس - ﵁ - قال: "كان رجل من أصحاب النبي - ﷺ - من الأنصار يكني أبا معلق، وكان يتجر بمال له ولغيره يضرب به في الآفاق، وكان ناسكا ورعا.
فخرج مرة فلقيه لص مقنع بالسلاح فقال له: ضع ما معك فإني قاتلك.
قال: ما تريد إلا دمي؟ شأنك بالمال.
قال: أما المال فلي فلست أريد إلا دمك.
قال: أما إذا أبيت فذرني أصلي أربع ركعات.
قال: صل ما بدا لك.
فتوضأ ثم صلى أربع ركعات وكان من دعائه في آخر سجدة أنه قال: يا ودود، يا ذا العرش المجيد، يا فعال لما تريد، أسألك بعزك الذي لا يرام، والملك الذي لا يضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني ثلاث مرات، قال: دعا بها ثلاث مرات.
فإذا هو بفارس قد أقبل بيده حربة. واضعها بين أذني فرسه، فلما أبصر به اللص: أقبل نحوه فطعنه فقتله.
ثم أقبل إليه، فقال: قم، قال: من أنت بأبي أنت وأمي؟ فقد أغاثني الله تعالى بك اليوم.
قال: أنا ملك من أهل السماء الرابعة.
_________________
(١) المرجع السابق: ١٧/ ٥٥.
(٢) المرجع السابق: ١٧/ ١٦٦.
[ ٢٧٢ ]
دعوت الله بدعائك الأول فسمعت لأبواب السماء قعقعة.
ثم دعوت بدعائك الثاني فسمعت لأهل السماء ضجيجا.
ثم دعوت بدعائك الثالث فقيل: دعاء مكروب.
فسألت الله ﷿ أن يوليني قتله.
قال أنس: فاعلم أنه من توضأ وصلى أربع ركعات ودعا بهذا الدعاء استجيب له مكروبا كان أم غير مكروب" (^١).
٣ - عدالة السماء:
قال الشيخ بكر أبو زيد (^٢)
- ﵀ -: " هذا تعبير حادث في عصرنا، يريدون به: عدل الله - سبحانه - على معنى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (^٣).
فالمراد إن كان كما ذكر فهو حق، والتعبير غير سديد، بل هو قريب من إطلاقات الكلاميين التي لم يأت بها كتاب ولا سنة، كما في قولهم: "قوة خفية" فليجتنب (^٤).
وسئل الشيخ بن عثيمين - ﵀ - عن حكم مقولة: "عدالة السماء، ونور السماء" وما أشبه ذلك؟:
_________________
(١) كرامات أولياء الله لأبي القاسم هبة الله اللالكائي: ٩/ ١٦٦، وقال محقق الكتاب: سنده ضعيف، فيه ثلاثة أشخاص لم أجد تراجمهم. وذكر القصة ابن حجر في الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: عبد الله التركي، دار هجر، القاهرة: ط ١: ١٢/ ٦١٥.
(٢) هو بكر بن عبد الله أبو زيد، كان رئيسًا للمجمع الفقه الإسلامي، وعضو هيئة كبار العلماء بالمملكة، وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، وله مشاركة في التأليف في: الحديث والفقه واللغة والمعارف العامة، منها: المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل، والحدود والتعزيرات، والجناية على النفس وما دونها، وغيرها. توفي عام ١٤٢٩. انظر: مقدمة فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: ١/ ١٥.
(٣) الكهف: ٤٩.
(٤) معجم المناهي للشيخ بكر أبو زيد، دار العاصمة، الرياض، ط ٣: ٣٨٣.
[ ٢٧٣ ]
فأجاب: "هم يريدون بنور السماء وهداية السماء نور الله - ﷿ -؛ لأنه في السماء، ولكن الأفضل أن يعدلوا عن هذه الكلمات، وأن يقولوا: نور الله وهداية الله، كما قال النبي ﵊: "إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها " (^١)، قال: " كان الذي في السماء" فإطلاق مثل هذه العبارات يجب على الإنسان التوقف فيها، وأن يقال: الأفضل أن تضيفوا الشيء إلى من هو له حقيقة؛ لأن مجرد السماء ليس فيها هداية وليس فيها نور وإنما هو نور الله - ﷿ - وهداية الله" (^٢).
٤ - كراهة النظر إلى السماء:
زعمًا منهم أن ذلك يدل على تحيز الله - ﷿ -، وأن" هذا الأدب مطلوب من كل الناس، وإن كان الحق تعالى لا يتحيز ولا تأخذه الجهات" (^٣)، وزعم بعض الزهاد أنه لا ينبغي النظر إلى السماء تخشعًا وتذلًا (^٤).
وقد استدلوا بنهي النبي - ﷺ - عن رفع البصر في الصلاة (^٥)، فقالوا: "أقرب ما يكون العبد إلى ربه في الصلاة، ونهي الرسول ﵊ رفع البصر إلى السماء يدل على أن القرب من الله ليس بالتوجه إلى السماء، وهذا يدل على عدم التحيز والمكان، فلو كان الله في السماء لكان أولى التوجه في
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب تحريم امتناعها من فراش زوجها: ٢/ ١٠٥٩ برقم (١٤٣٦).
(٢) لقاء الباب المفتوح للشيخ محمد بن عثيمين، دار الوطن، الرياض: ٨١/ ٢٩.
(٣) العهود المحمدية لعبد الوهاب الشعراني: ٦٨٨.
(٤) شرح صحيح البخاري لابن بطال، تحقيق: ياسر إبراهيم، مكتبة الرشد: ٩/ ٣٦٠، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني، ضبطه: عبد الله محمود عمر، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١: ٢٢/ ٣٤٣.
(٥) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب النهى عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة: ٢/ ٢٩ برقم (٩٩٤، ٩٩٥).
[ ٢٧٤ ]
البصر إلى حيث الله، ولما نهى الرسول عن ذلك دل على عدم تحيز الله ووجوده في مكان" (^١).
وقد وردت السنة الصحيحة برد ذلك، وقد بوب البخاري - ﵀ - في صحيحه بقوله: باب رفع البصر إلى السماء (^٢)، وذكر بعض الأحاديث والتي فيها رفع النبي بصره إلى السماء، وفي هذا رد على من كره ذلك (^٣).
_________________
(١) سليم الحشيم، منتدى الأصلين - على شبكة الانترنت (وهو منتدى أشعري). http: //www.aslein.net/showthread.php؟ t=٨١٧٢
(٢) انظر: صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب رفع البصر إلى السماء: ١١٩٦، برقم (٦٢١٤، ٦٢١٥).
(٣) انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال: ٩/ ٣٦١، وعمدة القاري شرح صحيح البخاري: ٢٢/ ٣٤٣.
[ ٢٧٥ ]
الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:
ورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:
١ - اعتقاد أن السماوات تدور على منكب ملَك:
جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود - ﵁ - فقال: "من أين جئت؟ قال: من الشام. قال: من لَقيتَ؟ قال: لقيتُ كعبًا. فقال: ما حدثك كعب؟ قال: حدثني أن السماوات تدور على منكب ملك. قال: فصدقته أو كذبته؟ قال: ما صدقته ولا كذبته. قال: لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها، كذب كعب، إن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^١) ".
وذهب جُندَب البجلي إلى كعب الأحبار فقدم عليه، ثم رجع، فقال له عبد الله بن مسعود - ﵁ -: " حدثنا ما حدثك. فقال: حدثني أن السماء في قطب كقطب الرحا، والقطب عمود على منكب ملك. قال عبد الله - ﵁ -: لوددت أنك افتديت رحلتك بمثل راحلتك، ثم قال: ما تنتكت (^٢) اليهودية في قلب عبد فكادت أن تفارقه، ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ كفى بها زوالا أن تدور" (^٣).
_________________
(١) فاطر: ٤١.
(٢) النكت: أن تنكت بقضيب في الأرض فتؤثر بطرفه فيها. انظر: لسان العرب: ١٠/ ٨٣.
(٣) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره: ٢٢/ ١٧١، قال ابن كثير في تفسيره ٦/ ٥٥٨: وهذا إسناد صحيح إلى كعب، وإلى ابن مسعود.
[ ٢٧٦ ]
٢ - إمساك السماء والأرض:
عن أبي هريرة a قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يحكي عن موسى - ﵇ - على المنبر قال: "وقع في نفس موسى - ﵇ -: هل ينام الله - ﷿ -؟ فأرسل الله إليه ملكا، فأرقه ثلاثا، وأعطاه قارورتين، في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما. قال: فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأخرى، حتى نام نومه، فاصطفقت يداه فتكسرت القارورتان. قال: ضرب الله له مثلًا إن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض" (^١).
٣ - ماذا يحدث لو عصت السماوات والأرض:
روي عن موسى -﵊- أنه قال: " يا رب لو أن السموات والأرض حين قلت لهما ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ عصياك ما كنت صانعا بهما؟ قال كنت آمر دابة من دوابي فتبتلعهما، قال: يا رب وأين تلك الدابة؟ قال: في مرج من مروجي، قال: يا رب وأين ذلك المرج؟ قال علم من علمي" (^٢).
وقد دلت الآية على خلافه لأن الله سبحانه أمرهما أن يأتيا طوعا أو كرها فكيف تعصيانه؟ وإن عصته كيف لا تأتيان كرها؟ فإنما أمره إن أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم: ١٠/ ٣١٨٦، والطبري في تفسيره: ٥/ ٣٩٤، وأبو يعلى في مسنده، تحقيق حسين أسد، دار الثقافة العربية، دمشق، ط ١: ١٢/ ٢١، قال ابن كثير: وهذا حديث غريب جدا، والأظهر أنه إسرائيلي لا مرفوع. وقال في موضع أخر: "حديثًا غريبًا بل منكرًا". انظر تفسير ابن كثير: ١/ ٦٧٩، ٣/ ٥٥٨.
(٢) انظر: الكشف والبيان، لأبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، تحقيق: أبو محمد بن عاشور، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١: ٨/ ٢٨٧، وتفسير القرطبي: ١٥/ ٣٤٤، ولم يذكرا له سندًا، وإنما قال الثعلبي بلغنا، ولم أعثر عليه في كتب السنة.
[ ٢٧٧ ]
٤ - ذكر ملائكة السماء ووصفهم بأوصاف لم ترد في الكتاب والسنة:
قد ورد في بعض الكتب وصف لملائكة كل سماء (^١)، من الأوصاف التي لم تذكر في القرآن، ولم تصح عن النبي - ﷺ -، فيجب تركها واطراحها وعدم الخوض في علم الغيب إلا بما جاء عن الله ورسوله (^٢).
فعن أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم قال: كان العباس بن أنس بن عامر السلمي شريكا لعبد الله بن عبد المطلب أبي رسول الله - ﷺ -، قال: فخرج حتى أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا عباس، إن الذي أنزل علي الوحي أرسلني إلى الناس كافة، بلسان عربي مبين، من فوق سبع شداد إلى سبع غلاظ، يتنزل الأمر بينهن إلى كل مخلوق بما قضي عليهم من زيادة أو نقصان، فقال العباس: وكيف خلق الله سبعا شداد وسبعا غلاظا؟ ولم خلقهن؟ فقال رسول الله - ﷺ -: خلق الله ﷾ السماء الدنيا فجعلها سقفًا مخفوظًا، وجعل فيها حرسا شديدا وشهبا، ساكنها من الملائكة أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، في صورة البقر مثل عدد النجوم، شرابهم النور والتسبيح، لا يفترون من التهليل والتكبير.
وأما السماء الثانية فساكنها عداد القطر في صور العقبان، لا يسأمون ولا يفترون ولا ينامون، منها ينشق السحاب حتى يخرج من تحت الخافقين فينتشر في جو السماء، معه ملائكة يصرفونه حيث أمروا به، أصواتهم التسبيح، وتسبيحهم تخويف.
وأما السماء الثالثة فساكنها عدد الرمل في صور الناس، ملائكة ينفخون في البروج كنفخ الريح، يجأرون إلى الله ﵎ الليل والنهار، وكأنما يرون ما يوعدون.
_________________
(١) عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات: ٣٩٨.
(٢) انظر: عالم الملائكة الأبرار لعمر الأشقر، دار النفائس، ط ١٢: ٩.
[ ٢٧٨ ]
وأما السماء الرابعة فإنه يدخلها كل ليلة حتى يخرج إلى عدن، ساكنها عدد ألوان الشجر صافون مناكبهم معا، في صور الحور العين، من بين راكع وساجد، تبرق وجوههم بسبحات ما بين السموات السبع والأرض السابعة.
وأما السماء الخامسة فإن عددها يضعف على سائر الخلق في صورة النسور، منهم الكرام البررة، والعلماء السفرة، إذا كبروا اهتز العرش من مخافتهم وصعق الملائكة، يملأ جناح أحدهم ما بين السماء والأرض.
وأما السماء السادسة فحزب الله الغالب، وجنده الأعظم، لو أمر أحدهم أن يحذف السموات والأرض بأحد جناحيه اقتلعهن، في صورة الخيل المسومة.
وأما السماء السابعة ففيها الملائكة المقربون، الذين يرفعون الأعمال في بطون الصحف، ويخفضون الميزان، فوقها حملة العرش الكروبيون، كل مفصل من أحدهم أربعون ألف سنة، أو قال أربعون سنة، فتبارك الله رب العالمين ديان الدين خالق الخلق رب العالمين" (^١).
٥ - إبليس كان يدبر أمر السماء الدنيا:
روي عن ابن عباس - ﵄ - قال: "كان إبليس من خزان الجنة، وكان يدبر أمر السماء الدنيا" (^٢).
_________________
(١) كتاب العظمة: ٣/ ١٠٥٥ برقم (٥٧٢)، وذكره الكتاني في الأحاديث الموضوعة، انظر: تنزيه الشريعة المرفوعة لعلى بن محمد بن العراق الكتاني، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، وعبد الله بن محمد بن الصديق الغماري، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢: ١/ ٢١٣.
(٢) شعب الإيمان للبيهقي: ١/ ٤١٩ برقم (١٤٥)، قال ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٦٨ بعد أن ساق بعض الآثار عن الأخبار المتعلقة إبليس - ومنها هذا الخبر: "وقد رُوي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها. ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا".
[ ٢٧٩ ]
الشمس في اللغة
الشمس في الاصطلاح
المبحث الثاني: الشمس
الشمس في اللغة: الشين والميم والسين أصل يدل على تلوُّن وقلة استقرار، والشمس معروفة، وسميت بذلك لأنها غير مستقرة، وهي أبدًا متحركة (^١).
وهي تجمع على شُمُوس، كأنهم جعلوا كل ناحية منها شَمْسًا، كما قالوا للَمفْرِق مَفارق، وتصغيرها شُمَيْسِة (^٢).
وفي الاصطلاح: كرة هائلة من الغاز المتوهج في وسط المجموعة الشمسية، وهي واحدة من بلايين النجوم في الكون، لا تتميز عنها بشيء (^٣).
وفي الموسوعة الفلكية: هي الجسم المركزي في المجموعة الشمسية، وهي عبارة عن كرة مشعة، فتبدو لنا كقرص مضئ مستدير وواضح التحديد (^٤).
وقد ورد لفظ الشمس في القرآن في (٣٢) موضعًا (^٥). وفي السنة في (٨٧) حديثًا (^٦).
_________________
(١) مقاييس اللغة: ٣/ ٢١٢.
(٢) الصحاح: ٣/ ٩٤٠.
(٣) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ١٤/ ٢٤٦.
(٤) الموسوعة الفلكية: ٢٣٦.
(٥) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٤٩١ - ٤٩٢.
(٦) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٧.
[ ٢٨٠ ]
الدلائل العقدية للآية الكونية - الشمس-:
الشمس آية كبرى ودلالة عظمى من آيات الله تعالى، وشروقها وغروبها بنظام لا تحيد عنه منذ خلقها الله - ﷿ - دليل على قدرة الله وعلمه وحكمته.
ولما ذكر ابن القيم - ﵀ - فصولًا متعلقة بالكواكب والشمس وما فيها من الحكم والمنافع، وأن الله - ﷿ - " لم يقسم بشيء من مخلوقاته أكثر من السماء والنجوم والشمس والقمر" (^١).
قال: "وهل هذا إلا صنع من بهرت العقول حكمته، وشهدت مصنوعاته ومبتدعاته بأنه الخالق البارئ المصور الذي ليس كمثله شيء، أحسن كل شيء خلقه، وأتقن كل ما صنعه، وأنه العليم الحكيم، الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأن هذه إحدى آياته الدالة عليه، وعجائب مصنوعاته الموصلة للأفكار إذا سافرت فيها إليه، وأنه خلق مسخر مربوب مدبر".
ثم قال: " فهذا الترتيب والنظام الذي هي عليه من أدل الدلائل على وجود الخالق وقدرته وإرادته وعلمه وحكمته ووحدانيته" (^٢).
أولًا: وجود الله:
أخبر الله - ﷿ - عن محاجة إبراهيم - ﵇ - للنمرود في وجود الله، وكان النمرود ينكر وجود الله - ﷿ -، وأن يكون ثم إله غيره، وأنه يحي ويميت، فاستدل إبراهيم - ﵇ - على وجود الله، وأنه المالك المتصرف المستحق للعبادة وحده - بعد الاستدلال بأن الله يحي ويميت- بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ
_________________
(١) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٠٣ - ٣٠٤.
(٢) المرجع السابق: ١/ ٣٢٦.
[ ٢٨١ ]
مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (^١).
فحدوث هذه الأشياء المشاهدة وإيجادها بعد العدم، وعدمها بعد الوجود دليل على وجود الله؛ لأنها لم تحدث بنفسها فلا بد لها من موجد أوجدها وهو الرب، فإذا" كنت كما تدعي من أنك أنت الذي تحيي وتميت فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود، في خلق ذواته، وتسخير كواكبه وحركاته، فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهًا كما ادعيت تحيي وتميت فأت بها من المغرب.
فلما علم عجزه وانقطاعه، وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام بهت أي أخرس فلا يتكلم، وقامت عليه الحجة" (^٢).
وفي" ضمن هذه المناظرة من حسن الاستدلال بأفعال الرب المشهودة المحسوسة التي تستلزم وجوده وكمال قدرته ومشيئته وعلمه ووحدانيته من الإحياء والإماتة المشهودين الذين لا يقدر عليهما إلا الله وحده، وإتيانه تعالى بالشمس من المشرق لا يقدر أحد سواه على ذلك" (^٣).
وقد ذكر الله - ﷿ - من الأدلة على وجوده وقدرته التامة خلق الشمس وجريانها (^٤)، فقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٥).
وفي قوله - ﷺ -: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله" (^٦)، " أي دليلان
_________________
(١) البقرة: ٢٥٨.
(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٨٦، وانظر: تفسير السعدي: ١١١.
(٣) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٨٥.
(٤) انظر: تفسير الطبري: ٢٣/ ٩، وتفسير القرطبي: ١٥/ ٢٦، تفسير ابن كثير: ٦/ ٥٧٥.
(٥) يس: ٣٧ - ٣٨.
(٦) سبق تخريجه: ٥.
[ ٢٨٢ ]
على وجود الحق سبحانه، وقهره، وكمال الإلهية" (^١).
ثانيًا: توحيد الربوبية:
الرب هو الخالق المدبر المتصرف، والله - ﷿ - يخبر أنه رب السماوات والأرض وما بينهما، ومن ذلك الشمس (^٢)، قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^٤)، وقال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (^٥).
وهي مدبرة مسخرة"لا تصرف لها في نفسها بوجه ما، بل ربها وخالقها سبحانه يأتي بها من مشرقها فتنقاد لأمره ومشيئته، فهي مربوبة مسخرة مدبرة لا إله يعبد من دون الله" (^٦)، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٧).
ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات:
١ - صفة العلم والقدرة:
أخبر الله - ﷿ - عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته، وعظيم سلطانه،
- ومنها الشمس- فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ
_________________
(١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم لأحمد بن علي القرطبي، تحقيق: محي الدين مستو وآخرون، دار ابن كثير، بيروت، ط ١: ٢/ ٥٥٢.
(٢) انظر: تفسير البغوي: ٣/ ٦٥٤، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٤٢٦، ٧/ ٨٦.
(٣) الصافات: ٥.
(٤) الأنبياء: ٣٣.
(٥) نوح: ١٥ - ١٦.
(٦) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٨٥.
(٧) الأعراف: ٥٤.
[ ٢٨٣ ]
نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^٣).
ففي هذه الآيات"ينبه تعالى عباده على آياته العظام، ومننه الجسام، في تسخيره الليل والنهار يتعاقبان، والشمس والقمر يدوران، والنجوم الثوابت والسيارات، في أرجاء السماوات نورا وضياء" (^٤)، وأن ذلك استقام للناس" بجعل الله حركات الشمس والقمر على نظام واحد لا يختلف، وذلك من أعظم دلائل علم الله وقدرته، وهذا بحسب ما يظهر للناس منه ولو اطلعوا على أسرار ذلك النظام البديع لكانت العبرة به أعظم" (^٥).
وقوله - ﷺ - في الحديث عن الشمس والقمر أنهما: "آيتان من آيات الله" (^٦)، أي علامتان دالتان على وحدانية الله وعظيم قدرته (^٧).
٢ - صفة الرؤية والعلو:
من عقيدة أهل السنة والجماعة أن المؤمنين يرون الله ﵎
_________________
(١) يونس: ٥.
(٢) النحل: ١٢.
(٣) يس: ٣٨ - ٤٠.
(٤) تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٦١.
(٥) التحرير والتنوير: ٦/ ٣٧٨.
(٦) سبق تخريجه: ٥.
(٧) فتح الباري: ٢/ ٥٢٨.
[ ٢٨٤ ]
بأبصارهم يوم القيامة (^١)، وأنهم يرونه - ﷿ - كما يرون الشمس والقمر صحوًا ليس دونها سحاب، - من جهة العلو - فعن أبي هريرة - ﵁ -: أن الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: " هل تضارون (^٢) في القمر ليلة البدر؟ . قالوا: لا يا رسول الله، قال: فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ . قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك" (^٣).
وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ -: " أن ناسًا في زمن رسول الله - ﷺ - قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله - ﷺ -: نعم، قال: هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: ما تضارون في رؤية الله ﵎ يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما" (^٤).
_________________
(١) انظر: كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - ﷿ - لأبي بكر بن إسحاق بن خزيمة، تحقيق: د. عبد العزيز الشهوان، دار الرشد، الرياض، ط ١: ١/ ٢٥٤، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للألكائي، تحقيق: أحمد الحمدان، دار طيبة، الرياض: ٣/ ٣٨٧، ٤٧٠، والحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة، لأبي القاسم إسماعيل الأصبهاني، تحقيق: محمد المدخلي ومحمد أبو رحيم، دار الراية، الرياض، ط ٢: ٢/ ١١٧، ٢٥١.
(٢) "وفي الرواية الأخرى هل تضامون؟، وروى تضارون بتشديد الراء وبتخفيفها والتاء مضمومة فيهما، ومعنى المشدد هل تضارون غيركم في حالة الرؤية بزحمة أو مخالفة في الرؤية أو غيرها لخفائه كما تفعلون أول ليلة من الشهر، ومعنى المخفف هل يلحقكم في رؤيته ضير وهو الضرر، وروى أيضا تضامون بتشديد الميم وتخفيفها، فمن شددها فتح التاء ومن خففها ضم التاء، ومعنى المشدد هل تتضامون وتتلطفون في التوصل إلى رؤيته، ومعنى المخفف هل يلحقكم ضيم وهو المشقة والتعب". شرح النووي على مسلم: ٣/ ١٨.
(٣) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: ١٤١٦ برقم (٧٤٣٧).
(٤) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية: ١/ ١٦٧ برقم (١٨٣).
[ ٢٨٥ ]
وليس المراد من الأحاديث تشبيه الله بالقمر والشمس - تعالى الله- بل المراد تشبيه الرؤية بالرؤية، وليس تشبيهًا للمرئي بالمرئي، فالله ليس له مثيل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^١)، ﷾: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ (^٢).
ومع إخباره - ﷺ - أنهم يرونه، فيه إخبارهم أنهم يرونه في جهة منهم - وهي العلو - وذلك من وجوه:
"أحدها: أن الرؤية في لغتهم لا تعرف إلا لرؤية ما يكون في جهة منهم، فأما رؤية ما ليس في جهة فلم يكونوا يتصورونه، فضلا عن أن يكون اللفظ دالًا عليه، بل لا يتصور أحد من الناس وجود موجود في غير جهة.
الثاني: أنه قال: " فإنكم ترون ربكم كما ترون الشمس صحوًا، وكما ترون القمر صحوًا"، فشبه لهم رؤيته برؤية الشمس والقمر، وهما يريان من جهة العلو.
الثالث: أنه قال: " هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليس دونه سحاب؟ ".
فشبه رؤيته برؤية أظهر المرئيات، إذا لم يكن ثم حجاب منفصل عن الرائي يحول بينه وبين المرئي" (^٣).
رابعًا: توحيد الألوهية:
الله - ﷿ - يستدل على المشركين بإقرارهم بتوحيد الربوبية، وأنه المستقل بخلق السماوات والأرض، وتسخير الشمس والقمر على وجوب إفراده
_________________
(١) الشورى: ١١.
(٢) مريم: ٦٥.
(٣) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري للشيخ عبدالله بن محمد الغنيمان، دار العاصمة، الرياض، ط ٢: ٢/ ١٥٤، وانظر: بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٤٠٩ - ٤١٥.
[ ٢٨٦ ]
بالعبادة (^١)، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (^٢).
فالمشركون - الذين يعبدون مع الله غيره - معترفون أنه المستقل بخلق السماوات والأرض والشمس والقمر"فإذا كان الأمر كذلك فلم يُعبد غيره؟ ولم يتوكل على غيره؟ فكما أنه الواحد في ملكه فليكن الواحد في عبادته، وكثيرًا ما يقرر تعالى مقام الإلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية" (^٣).
والإيمان بأن الله هو الخالق المالك المتصرف، والتفكر في ملكوته - ومنه الشمس- يستلزم وجوب إفراد الله بالعبادة، كما أخبر الله - ﷿ - عن إبراهيم - ﵇ - في مناظرته لقومه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (^٤)؛ لأن التأمل والتفكر في ملكوت السماوات والأرض وتصريفهما وغير ذلك مما أخبر الله عنه"يدل على وحدانية الله في ملكه وخلقه، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه" (^٥).
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (^٦)، فالله - ﷿ - يظهر هذه الآيات ليستدل بها على أنه الحق، وأن كل ما
_________________
(١) انظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن لمحمد الأمين الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط عام ١٤١٥: ٦/ ٦٧٣.
(٢) العنكبوت: ٦١.
(٣) تفسير ابن كثير: ٦/ ٢٩٤، وانظر: تفسير القرطبي: ١٣/ ٣٦١.
(٤) الأنعام: ٧٥.
(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٩٠، وانظر: تفسير السعدي: ٢٦٢.
(٦) لقمان: ٢٩ - ٣٠.
[ ٢٨٧ ]
سواه باطل، وأنه القادر على هذه الأشياء وحده، فكل ما في السماوات والأرض خلقه وعبيده، فوجب أن تكون العبادة له وحده لا إله إلا هو (^١).
وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (^٢).
فلما ذكر الله - ﷿ - الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر، والتي تقطع الفلك وتسير إلى غاية لا يعلم قدرها إلا الذي قدرها وسخرها وسيرها، قال بعد ذلك: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾، فالذي"يفعل هذه الأفعال معبودكم أيها الناس، الذي لا تصلح العبادة إلا له، وهو الله ربكم" (^٣).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٤).
فهذا استدلال واعتبار" بخلق الله تعالى وعجائب مصنوعاته المشاهدة، على انفراده تعالى بالإلهية المستلزم لانتفاء الإلهية عما لا تقدر على مثل هذا الصنع العجيب، فلا يحق لها أن تعبد ولا أن تشرك مع الله تعالى في العبادة إذ لا حق لها في الإلهية" (^٥).
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي: ١٤/ ٧٩، وتفسير ابن كثير: ٦/ ٣٥٠.
(٢) فاطر: ١٣ - ١٤.
(٣) تفسير الطبري: ٢٢/ ١٤٨.
(٤) الأنعام: ٩٥ - ٩٦.
(٥) التحرير والتنوير: ٦/ ٣٧٨، وانظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٠٤.
[ ٢٨٨ ]
كما أخبر تعالى" أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعا وكرها" (^١) - ومن ذلك الشمس-، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ الآية (^٢).
وعن أبي ذر، - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت" (^٣).
١ - بعض أنواع العبادة القلبية، ومنها:
أ- اليقين والإخلاص:
إن رؤية الآيات - ومنها الشمس- والتفكر فيها يزيد القلب يقينًا وإيمانًا، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (^٤) أي"نريه ملكوت السماوات والأرض، ليستدل به وليكون من الموقنين" (^٥).
ثم ذكر الله - ﷿ - قول إبراهيم - ﵇ - بعد غياب الشمس، وأنه تبرأ من الشرك، وأنه وجه وجهه لله - ﷿ -، مخلصًا له، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (^٦).
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٥/ ٤٠٣.
(٢) الحج: ١٨.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان: ١/ ١٣٨ برقم (١٥٩).
(٤) الأنعام: ٧٥.
(٥) تفسير البغوي: ٢/ ٣٦.
(٦) الأنعام: ٧٨.
[ ٢٨٩ ]
وفي حديث الكسوف حث النبي - ﷺ - عند رؤية هذه الآية إلى الإخلاص لله تعالى، حيث أمر بالمبادرة بالعبادة لله تعالى (^١).
ب- التوكل:
لما ذكر الله - ﷿ - أنه رب المشرق والمغرب بين سبحانه أنه الإله الحق، وأنه هو الذي يجب أن يتخذ وكيلا، قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ (^٢)، فهو"المالك المتصرف في المشارق والمغارب الذي لا إله إلا هو، وكما أفردته بالعبادة فأفرده بالتوكل" (^٣).
٢ - القسم:
أقسم الله - ﷿ - بالشمس ومشرقها في مواضع من كتابه على أنه تعالى لا إله إلا هو، وعلى كمال قدرته، فقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ (^٤).
وقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ (^٥) الآيات، فأقسم تعالى بهذه الآيات العظيمة، على النفس المفلحة، وغيرها من النفوس الفاجرة (^٦)، وعلى سبق القدر، وكتابة الأعمال، وأن الله - ﷿ - أرشد النفس إلى فجورها وتقواها، وبين لها ذلك، وهداها إلى ما قدر لها (^٧).
وهذا القسم"فيه التنبيه على كمال ربوبيته وعزته، وحكمته وقدرته،
_________________
(١) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض، تحقيق: يحيى إسماعيل، دار الوفاء، القاهرة، ط ٣: ٣/ ٣٣٦.
(٢) المزمل: ٩.
(٣) تفسير ابن كثير: ٨/ ٢٥٥.
(٤) المعارج: ٤٠.
(٥) الشمس: ١.
(٦) انظر: تفسير السعدي: ٩٢٦.
(٧) انظر: تفسير البغوي: ٤/ ٦٢٣ - ٦٢٤، وتفسير ابن كثير: ٨/ ٤١٠.
[ ٢٩٠ ]
وتدبيره وتنوع مخلوقاته الدالة عليه، المرشدة إليه، بما تضمنته من عجائب الصنعة، وبديع الخلقة، وتشهد لفاطرها وبارئها بأنه الواحد الأحد الذي لا شريك له، وأنه الكامل في علمه وقدرته ومشيئته وحكمته وربوبيته وملكه، وأنها مسخرة مذللة، منقادة لأمره، مطيعة لمراده منها، ففي الأقسام بها تعظيم لخالقها ﵎، وتنزيه له عما نسبه إليه أعداؤه الجاحدون المعطلون لربوبيته وقدرته ومشيئته ووحدانيته.
وأنها أدلة على بارئها وفاطرها، وعلى وحدانيته، وأنه لا تنبغي الربوبية والإلهية لها بوجه ما، بل لا تنبغي إلا لمن فطرها وبرأها" (^١).
٣ - التوسل:
قد كان من دعاء النبي - ﷺ -: " اللهم فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا، اقض عني الدين، وأغنني من الفقر، وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك" (^٢).
"فهذا دعا لله تعالى وتوسل إليه بما وصف به نفسه في قوله - ﷿ - " (^٣): ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٤).
_________________
(١) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٦٤.
(٢) رواه مالك في الموطأ، كتاب القرآن، باب ما جاء في الدعاء، تحقيق: كلال حسن علي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١: ١٨٩ برقم (٥٠٦)، قال ابن عبد البر: " لم تختلف الرواة عن مالك في إسناد هذا الحديث ولا في متنه، ورواه أبو شيبة عن أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد عن مسلم بن يسار". انظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لأبي عمر يوسف بن عبدالله بن عبد البر القرطبي، تحقيق: سعيد أعراب: ٢٤/ ٥٠، والمصنف لابن أبي شيبة، تحقيق: محمد عوامة، دار القبلة، جدة، ط ١: ١٥/ ١١ برقم (٢٩٨٠٣).
(٣) انظر: المنتقى شرح موطأ مالك للقاضي سليمان الباجي، تحقيق: محمد عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١: ٢/ ٤٢٩.
(٤) الأنعام: ٩٦.
[ ٢٩١ ]
خامسًا: الإيمان بالرسل:
أخبر النبي - ﷺ - أن الفتنة من حيث يطلع قرن الشيطان أو قرن الشمس، فعن عبد الله ابن عمر - ﵄ - عن النبي - ﷺ - أنه قام إلى جنب المنبر فقال: "الفتنة ها هنا، الفتنة ها هنا، من حيث يطلع قرن الشيطان (^١) أو قال قرن الشمس" (^٢).
"وكان - ﷺ - يحذر من ذلك، ويعلم به قبل وقوعه، وذلك من دلالات نبوته - ﷺ - " (^٣).
وقد حبست الشمس لنبي من الأنبياء، وهو يوشع بن نون ﵇ فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولا أحد بنى بيوتا ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنما أو خلِفات، وهو ينتظر ولادها، فغزا، فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه" (^٤)، "وحبس الشمس
_________________
(١) اختلف الناس في المراد بقرن الشيطان، فقيل: حزبه وأتباعه، وقيل: قوته وطاقته، وقيل: إن ذلك استعارةً وكناية عن إضراره، لما كانت ذوات القرون تسلط بقرونها على الأذى استعير للشيطان ذلك، وقيل: قرن الشيطان أمة تعبد الشمس، وقيل: القرنان: جانبا الرأس، فهو على ظاهره، قال النووي: "وهذا هو الأقوى". انظر: إكمال المعلم بفوائد صحيح مسلم: ٣/ ٢٠٨. والتمهيد: ٤/ ١٠، والاستذكار لابن عبد البر، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، دار قتيبة، بيروت، ط ١: ١/ ٣٦٤، وشرح النووي على صحيح مسلم: ٦/ ١١٢.
(٢) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي - ﷺ - " الفتنة من قبل المشرق": ١٣٥٥ برقم (٧٠٩٢).
(٣) عمدة القاري شرح صحيح البخاري: ٢٤/ ١٩٩.
(٤) صحيح البخاري، كتاب الغنائم، باب قول النبي - ﷺ -: " أحلت لكم الغنائم": ٥٩٧ برقم (٣١٢٤).
[ ٢٩٢ ]
على هذا النبي من أعظم معجزاته، وأخص كراماته" (^١).
سادسًا: الإيمان باليوم الآخر:
ذكر الله - ﷿ - في سورة الرعد تفصيل بعض آياته - ومنها الشمس احتجاجًا بها على المعاد ولقاء الله- فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾، ثم قال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ (^٢) أي" يفصل لكم ربُّكم آيات كتابه، فيبينها لكم احتجاجًا بها عليكم أيها الناس، لتوقنوا بلقاء الله والمعاد إليه، فتصدقوا بوعده ووعيده، وتنزجروا عن عبادة الآلهة والأوثان، وتخلصوا له العبادة إذا أيقنتم ذلك" (^٣).
وقال الله تعالى مستدلًا على البعث - بعد أن ذكر جملة من الآيات والمخلوقات العظيمة، ومنها الشمس - ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ (^٤)، أي اطلب منهم الفتوى، فيما تسألهم عنه أهم أشد خلقا؟ أم من خلقنا من المخلوقات التي هي أعظم وأكبر منهم؟ .
"وجواب الاستفتاء المذكور الذي لا جواب له غيره، هو أن يقال: من خلقت يا ربنا من الملائكة، ومردة الجن، والسماوات والأرض، والمشارق، والمغارب، والكواكب، أشد خلقا منا ; لأنها مخلوقات عظام أكبر وأعظم منا، فيتضح بذلك البرهان القاطع على قدرته جل وعلا على البعث بعد الموت ; لأن من المعلوم بالضرورة أن من خلق الأعظم الأكبر كالسماوات والأرض، وما ذكر معهما -ومن ذلك الشمس- قادر على أن يخلق الأصغر الأقل" (^٥).
_________________
(١) فتح الباري: ٦/ ٢٢٣، وانظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٣١.
(٢) الرعد: ٢.
(٣) تفسير الطبري: ١٣/ ١١٥، وانظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٣٠.
(٤) الصافات: ١١.
(٥) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: ٦/ ٦٧٨.
[ ٢٩٣ ]
وقد قرر الله تعالى وقوع المعاد مستدلا بخلقه السماوات والأرض وجعله المشارق والمغارب للشمس والكواكب، فقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ (^١)، فالذي خلق السماوات والأرض، وجعل مشرقًا ومغربًا، وسخر الكواكب تبدو من مشارقها وتغيب في مغاربها، قادر على أن يعيدهم يوم القيامة (^٢).
وأخبر النبي - ﷺ - أن جهنم تسجر إذا قامت الشمس حتى تزول، ففي حديث إسلام عمرو بن عبسة - ﵁ - أنه قال: "يا نبي الله أخبرني عما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة؟ قال: صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار" (^٣).
وهذا دليل على أن النار مخلوقة وموجودة الآن.
_________________
(١) المعارج: ٤٠ - ٤١.
(٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٨/ ٢٢٩، وتفسير السعدي: ٨٨٨.
(٣) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب إسلام عمرو بن عبسة: ١/ ٥٦٩ برقم (٨٣٢).
[ ٢٩٤ ]
كما أخبر - ﷺ - عن الجنة والنار عندما كسفت الشمس (^١)، فدل هذا الحديث أيضًا على وجود الجنة والنار وأنهما مخلوقتان الآن.
كما أن النبي - ﷺ - خرج فزعًا لما كسفت الشمس يخشى أن تكون الساعة، "لما جاء أن القيامة تكون وهما مكسوفان" (^٢).
سابعًا: الإيمان بالقدر:
بين تعالى قدرته على خلق الأشياء وتسخيره إياها على مقتضى حكمته، فذكر أنه خلق الشمس، وأنها تحت قهره وتسخيره ومشيئته، وأنها تجري لأجل مسمى، وأن جريانها مع القمر بحساب مقدر، لا يتغير ولا يضطرب، بل كل منهما له منازل يسلكها في الصيف والشتاء، قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٤)، "فدلهم الله - ﷿ - بذلك على قدرته ووحدانيته" (^٥).
ولما كان هذا الأمر يدل على قدرة الله تعالى وتقديره وعلمه وعزته ختمت كثير من هذه الآيات بالعزة والعلم (^٦) - والعلم من مراتب الإيمان بالقدر-، كما في قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٧).
ثامنًا: النهي عن مشابهة المشركين والمنافقين في عبادتهم:
ورد النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، لما في ذلك من
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الكسوف، باب ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار: ٢/ ٦٢٢ برقم (٩٠٤).
(٢) إكمال المعلم بفوائد مسلم: ٣/ ٣٣٣.
(٣) يس: ٣٩ - ٤٠.
(٤) الأنعام: ٩٦.
(٥) تفسير القرطبي: ٧/ ٤٦.
(٦) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٠٥، ٦/ ٥٧٧.
(٧) يس: ٣٧، ٣٨.
[ ٢٩٥ ]
مشابهة المشركين والمنافقين في عبادتهم؛ فإن الشمس تطلع وتغرب بين قرني شيطان وعندئذ يسجد لها الكفار، "وقد نهينا عن التشبه بهم، بل وعما يؤدي إليه أو يوهمه" (^١).
وفي حديث إسلام عمرو بن عبسة - ﵁ - أنه قال: "يا نبي الله أخبرني عما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة؟ قال: صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة فإنه حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار" (^٢).
"وكان - ﷺ - يكره التشبه بالكفار ويحب مخالفتهم وبذلك وردت سنته - ﷺ -، وكأنه أراد - والله أعلم - أن يفصل دينه من دينهم، إذ هم أولياء الشيطان وحزبه فنهى عن الصلاة في تلك الأوقات" (^٣).
وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا" (^٤)، وفي هذا الحديث التحذير من"التشبه
_________________
(١) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين لمحمد بن علان الصديقي، اعتنى به: سمير خالد الرجب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١: ٢/ ٣٣٥.
(٢) سبق تخريجه: ٢٦٣.
(٣) التمهيد: ٤/ ١١، وانظر: الاستذكار: ١/ ٣٦٤.
(٤) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب التبكير بالعصر: ١/ ٤٣٤ برقم (٦٢٢).
[ ٢٩٦ ]
بأفعال المنافقين الذين كانوا لا يأتون الصلاة إلا كسالى" (^١).
وكان أهل الجاهلية يقفون بالمزدلفة، ولا يفيضون حتى تطلع الشمس، فخالفهم رسول الله - ﷺ - فأفاض قبل أن تطلع الشمس (^٢).
تاسعًا: النهي عن التشبه بالشيطان:
قد نهى النبي - ﷺ - أن يقعد الرجل بين الظل والشمس، وقد جاء أن الجلوس بين الشمس والظل هي جلسة الشيطان، فعن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - أن النبي - ﷺ -: " نهى أن يجلس بين الضِحِ (^٣) والظِلِ، وقال: مجلس الشيطان" (^٤).
عاشرًا: الإيمان بالجن:
بين النبي - ﷺ - أن الشياطين تنتشر وتنبعث إذا غابت الشمس، فعن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا ترسلوا فواشيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء (^٥)؛ فإن الشياطين تنبعث إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء" (^٦).
_________________
(١) الاستذكار: ١/ ٣٧٦.
(٢) صحيح البخاري، كتاب الحج، باب: متى يدفع من جمع: ٣٢٣ برقم (١٦٨٤).
(٣) والضِّحُّ بالكسر: ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر: ٣/ ٧٥.
(٤) مسند الإمام أحمد: ٢٤/ ١٧٤ برقم (١٥٤٢١)، وقال محققه: إسناده حسن، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٨/ ١١٧ برقم (١٢٩٢٧): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير كثير بن أبي كثير وهو ثقة.
(٥) الفواشى: كل منتشر من المال كالإبل والغنم وسائر البهائم وغيرها، وهى جمع فاشية؛ لأنها تفشو أي تنتشر في الأرض. وفحمة العشاء: ظلمتها وسوادها، وفسرها بعضهم هنا بإقباله وأول ظلامه. شرح النووي على مسلم: ١٣/ ١٨٦.
(٦) صحيح مسلم، كتاب الأشربة، باب الأمر بتغطية الإناء وإيكاء السقاء وإغلاق الأبواب وذكر اسم الله عليها وإطفاء السراج والنار عند النوم وكف الصبيان والمواشي بعد المغرب: ٣/ ١٥٩٦ برقم (٢٠١٣).
[ ٢٩٧ ]
الحادي عشر: أصول المناظرة:
من أصول المناظرة عند أهل السنة المخاطبة بالدليل والمقدمات التي لا يمكن أن يجحدها الخصم (^١)، وإلزام المدعي بطرد حجته إن كانت صحيحة (^٢)، فإبراهيم - ﵇ - لما ذكر الدليل الأول على وجود الله وإلهيته، وأن الله هو الذي يحي ويميت، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ (^٣)، وهذا الدليل" الذي استدل به إبراهيم قد تمَّ وثبت موجبه، فلما ادعى الكافر أنه يفعل كما يفعل الله فيكون إلها مع الله، طالبه إبراهيم بموجب دعواه مطالبة تتضمن بطلانها" (^٤): ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (^٥).
"فقال: إن كنت أنت ربا كما تزعم، فتحيي وتميت كما يحيي ربي ويميت، فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فتنصاع لقدرته وتسخيره ومشيئته، فإن كنت أنت ربا فات بها من المغرب" (^٦)، فعند ذلك بهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين.
_________________
(١) معارج الوصول لشيخ الإسلام ابن تيمية ضمن مجموع الفتاوى: ١٩/ ١٦٤.
(٢) الصواعق المرسلة: ٢/ ٤٩١.
(٣) البقرة: ٢٥٨.
(٤) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٨٤، وانظر: الصواعق المرسلة: ٢/ ٤٩٠.
(٥) البقرة: ٢٥٨.
(٦) المرجع السابق: ٢/ ٢٨٤.
[ ٢٩٨ ]
القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية -الشمس-:
أولًا: عبادة الشمس:
من القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية أنها عبدت من دون الله - ﷿ -، فجعلوا من الشمس إله الآلهة ورب الأرباب (^١)، وجعلوا لها مصحفًا، ويسبحون لها ويدعونها، قال تعالى مخبرا عن الهدد أنه قال عن قوم سبأ: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ (^٢).
وقد جاء في الحديث أن النبي - ﷺ - قال: "يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس" (^٣).
قال ابن القيم - ﵀ -: " وهؤلاء المشركون يعظمون الشمس والقمر والكواكب تعظيما يسجدون لها، ويتذللون لها، ويسبحونها تسابيح لها معروفة في كتبهم، ودعوات لا ينبغي أن يدعى بها إلا خالقها وفاطرها وحده.
ويقول بعضهم: في كتاب مصحف الشمس، مصحف القمر، مصحف زحل، مصحف عطارد، وبعضهم يقول: تسبيحة الشمس، تسبيحة القمر،
_________________
(١) ومنهم الصابئة، وعبدة الكواكب في الهند: الدينيكيتية. انظر: الملل والنحل للشهرستاني: ٢/ ١٢٩١، ١٣١٠، قصة الحضارة لول ديورانت، ترجمة: د. زكي نجيب محمود، الإدارة الثقافية في الجامعة العربية: ١/ ١٠٣، والموسوعة الفلكية: ٢٣٦.
(٢) النمل: ٢٤.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية: ١/ ١٦٣ برقم (١٨٢).
[ ٢٩٩ ]
تسبيحة عطارد، تسبيحة زحل، ولا يتحاشى من ذلك، وبعضهم يقول: دعوة الشمس، دعوة القمر، دعوة عطارد، دعوة زحل، وبعضهم يقول: هيكل الشمس والقمر وعطار.
وفي هذا الكتاب من مخاطبة الشمس بالخطاب الذي لا يليق إلا بالله ﷿ ولا ينبغي لأحد سواه ومن الخضوع والذل والعبادة" (^١).
فبين الله تعالى أن الشمس والقمر"عبدان من عبيده، تحت قهره وتسخيره، لا تشركوا به فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يشرك به" (^٢)، وبين أنها تسجد لخالقها، وأنها مربوبة مسخرة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ (^٤).
ثانيًا: نسبة الحوادث إلى حركة الشمس:
من القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية نسبة الحوادث إلى حركة الشمس، وما تقتضيه هذه الحركة"من السعد والنحس، وتعطيه من السعادة والشقاوة، وتهبه من الأعمار والأرزاق والآجال، والصنائع والعلوم والمعارف، والصور الحيوانية والنباتية والمعدنية، وسائر ما في هذا العالم من الخير والشر" (^٥).
_________________
(١) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧.
(٢) تفسير ابن كثير: ٦/ ١٨٧.
(٣) فصلت: ٣٧.
(٤) الحج: ١٨.
(٥) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٧٠، وانظر: إكمال المعلم بفوائد صحيح مسلم: ٣/ ١٨٢، وشرح النووي على مسلم: ٣/ ٣٣٣، وفتح الباري: ٢/ ٥٢٨، والتنجيم والمنجمون وحكمهم في الإسلام لعبد المجيد بن سالم المشعبي، مكتبة ابن القيم، المدينة، ط ١: ٣٥ وما بعدها، والموسوعة الفلكية: ٢٧٨.
[ ٣٠٠ ]
وليس في القرآن ولا السنة ما يدل على ذلك، بل فيهما ما يبطله ويرده، وقد بين النبي - ﷺ - في حديث الكسوف بطلان ما يعتقده أهل الجاهلية أن كسوف الشمس أو القمر لموت أحد أو حياته، فقال: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته" (^١).
ثالثًا: تحريف معنى سجود الشمس:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية تحريف معنى سجود الشمس الوارد في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (^٢).
وعن أبي ذر - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت" (^٣).
فقال بعضهم أن المراد بهذا السجود الخشوع والانقياد. وقيل المراد بالسجود الدلالة على الله، يعني أن هذه المخلوقات تدل على الله، وعلى أنه يستحق أن يسجد له كل شيء، وأن يعبده كل شيء (^٤).
_________________
(١) سبق تخريجه: ٥.
(٢) الحج: ١٨.
(٣) سبق تخريجه، ص: ٢٦٠.
(٤) انظر: زاد المسير: ٤/ ٣١٩، ٤٥٣ - ٤٥٤، وتفسير البيضاوي: ٤/ ٦٩، ٢٤٣، ومشكلات الأحاديث النبوية وبيانها لعبد الله القصيمي، المجلس العلمي السلفي، باكستان، ط ١: ١٦٢.
[ ٣٠١ ]
وقيل المراد بسجود الشمس هو سجود الملَك الموكل بها (^١).
وأما سجودها تحت العرش، فإن العرش لعظم ذاته كالرحى فأينما سجدت الشمس سجدت تحت العرش وذلك مستقرها (^٢).
وقيل المراد بالسجود تحت العرش هو وقوعها تحته حقيقة في آخر الدنيا عند انقضاء مهمتها، وسكون حركتها. والمعنى أن الشمس تبقى في شأنها إلى أن يأذن الله بفساد العالم، فتقع تحت العرش ساجدة (^٣).
وقيل أن تقييد السجود بتحت العرش كناية عن رجوعها إلى الله، ومبالغة في الانقياد وعبارة عن تمام ذلك. والمعنى في ذلك المبالغة، ولا تراد الحقيقة. فقوله إنها تسجد تحت العرش يعنى أنها خاضعة له أكمل الخضوع وأتمه (^٤).
فالحديث عبارة عن أن الشمس مسخرة لله، خاضعة لأمره الكوني، سائرة على حسب ما أراد وقدر، حتى كأنها عاقلة، تسمع خطابه (^٥).
والجواب أنه قد سبق في مبحث عبودية الكائنات (^٦) أن هذه الآيات الكونية تسجد لله سجودًا حقيقيًا الله أعلم بكيفيته، وأن كل شيء يسجد لله طوعا وكرها، وأن سجود كل شيء مما يختص به (^٧)، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ
_________________
(١) انظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري: ١٥/ ١١٩.
(٢) انظر: المرجع السابق: ٢٢/ ١١٩.
(٣) انظر: فتح الباري: ٨/ ٥٤٢، ومشكلات الأحاديث النبوية: ١٦٤.
(٤) مشكلات الأحاديث النبوية: ١٦٣.
(٥) انظر: فتح الباري: ٦/ ٢٢٣، وطرح التثريب في شرح التقريب، للحافظ العراقي، دار أم القرى، القاهرة: ٧/ ٢٤٧، ومشكلات الأحاديث النبوية: ١٦٥.
(٦) انظر: ٦٥.
(٧) انظر: تفسير ابن كثير: ٥/ ٤٠٣.
[ ٣٠٢ ]
لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^١).
وهذه الأقوال التي ذكرت ليس عليها دليل ومخالفة" لظاهر الحديث، وعدول عن حقيقته، وإنما أخبر عن غيب فلا نكذبه ولا نكيفه، إن علمنا لا يحيط به" (^٢).
رابعًا: إنكار استئذان الشمس لطلوعها:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية تحريف معنى استئذان الشمس الوارد في السنة من حديث أبي ذر - ﵁ - قال: "دخلت المسجد ورسول الله - ﷺ - جالس، فلما غابت الشمس، قال يا أبا ذر: هل تدري أين تذهب هذه؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب فتستأذن في السجود، فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها: ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها" (^٣).
فقيل بأن استئذان الشمس مجاز يراد به طاعتها لخالقها، وطلوعها وغروبها بمشيئته وإرادته، حتى كأنه يأمرها وينهاها فتعقل عنه، وحتى كأنها تستأذنه في رواحها وغدوها، وهذا كله يعبر عن الخضوع (^٤).
ونقول في ذلك مثل ما سبق في السجود، وأنها تستأذن حقيقة، والله أعلم بكيفية ذلك، فقد أخبرنا أنها تستأذن، ولم يخبرنا كيف تستأذن.
_________________
(١) الإسراء: ٤٤.
(٢) انظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري: ١٥/ ١١٩.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان: ١/ ١٣٨ برقم (١٥٩).
(٤) مشكلات الأحاديث النبوية: ١٦٣.
[ ٣٠٣ ]
خامسًا: إنكار حبس الشمس:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية إنكار حبسها لنبي من الأنبياء، وأن هذا يتعارض مع نواميس الكون، ويحدث له اضطربًا.
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولا أحد بنى بيوتا ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنمًا أو خلْفات، وهو ينتظر ولادها، فغزا، فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه" (^١).
والجواب عن أن الأمر متعلق بآية وكرامة لنبي من أنبيائه، "وحبس الشمس على هذا النبي من أعظم معجزاته، وأخص كراماته" (^٢)، وما نواميس الكون ومسير الشمس والقمر إلا أمر من المعتاد على الناس، فإذا أمرهما خالقهما بالتخلف، أو التأخر، أو حتى تغيير الوجهة تماما، فلا يسعهما إلا الامتثال لأوامر الله ﷾ والله على كل شيء قدير (^٣).
سادسًا: إنكار جريان الشمس:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية إنكار جريانها، وأنها ثابتة، وأن الذي يسير هو الفلك (^٤).
وقد أخبر الله - ﷿ - في آيات كثير أن الشمس تجري، فقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ
_________________
(١) سبق تخريجه: ٢٦٢.
(٢) فتح الباري: ٦/ ٢٢٣، وانظر: تفسير القرطبي: ٦/ ١٣١.
(٣) انظر: المفهم لما أشكل في تلخيص كتاب مسلم: ٣/ ٥٣٢، وفتح الباري: ٦/ ٢٢٣.
(٤) انظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري: ١٥/ ١١٩، والموسوعة الكونية الكبرى: ٢/ ٢١٣، ٢١٥، ونقض النظريات الكونية: ١٤٣، وكتاب النور في الرد على من قال أن الشمس ثابتة والأرض حولها تدور لمحمد اليحيا، ط ٣: ١٨، ٢٣.
[ ٣٠٤ ]
الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^٣)، إلى غير ذلك من الآيات، فيجب علينا" أن نأخذ في هذا الأمر بظاهر القرآن، وألا نلتفت لقول أحد مخالف لظاهر القرآن؛ لأننا متعبدون بما يدل عليه القرآن؛ ولأن الذي أنزل القرآن أعلم بما خلق، قال الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (^٤)، " (^٥)، "وهذه الآيات الكريمات دلائل قاطعة، وبراهين ساطعة على أن الشمس جارية لا ثابتة" (^٦).
سابعًا: اعتقاد أن نور الشمس من نور الكرسي:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية اعتقاد أن نور الشمس جزء من نور الكرسي، والكرسي جزء من نور العرش، ونور العرش جزء من نور الستر (^٧)، واستدلوا على ذلك بقول عكرمة - ﵁ - أنه قال: "لو جعل الله نور جميع أبصار الإنس والجن والدواب والطير في عيني عبد، ثم كشف حجابًا واحدًا من سبعين حجابا دون الشمس، لما استطاع أن ينظر إليها، ونور
_________________
(١) الرعد: ٢.
(٢) يس: ٣٨.
(٣) الأنبياء: ٣٣.
(٤) الملك: ١٤.
(٥) تفسير سورة البقرة لابن عثيمين: ٣/ ٢٨٣، وانظر: التعليق المختصر على القصيدة النونية لابن القيم، تعليق الشيخ صالح الفوزان، أشرف على الطبع: عبد السلام السليمان: ١/ ٣٣٠.
(٦) الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب، للشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، مكتبة الرياض الحديثة، ط ٣: ٢٢.
(٧) انظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٤٨٩.
[ ٣٠٥ ]
الشمس جزء من سبعين جزءًا من نور الكرسي، ونور الكرسي جزء من سبعين جزءًا من نور العرش، ونور العرش جزء من سبعين جزءًا من نور الستر. فانظر ماذا أعطى الله عبده من النور في عينيه وقت النظر إلى وجه ربه الكريم عيانا".
وهذا الأثر ضعيف ولا يثبت (^١).
ثامنًا: اعتقاد أن اسم الله مكتوب على الشمس، أو أن نورها من نور الله:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية اعتقاد أن اسم الله مكتوب على الشمس، أو نورها من نور الله، ولذلك نهى بعض الفقهاء عن استقبال الشمس وقال في علة ذلك: أن اسم الله مكتوب عليها، ومنهم من قال لأن نورها من نور الله (^٢).
وهذا لم يثبت به حديث عن النبي - ﷺ - (^٣).
تاسعًا: إنكار كون كسوف الشمس آية من آيات الله يخوف بهما عبادة:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية إنكار كون كسوف الشمس آية من آيات الله يخوف بها عباده، وأن هذا أمر طبيعي.
_________________
(١) قال ابن كثير: ٧/ ٤٨٩: "رواه ابن أبي حاتم". ولم أجده -حسب بحثي-، وذكره ابن حجر في فتح الباري: ٩/ ٢١، وعزاه لعبد بن حميد عن إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن عكرمة، ثم قال: " وإبراهيم فيه ضعف".
(٢) انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع لمنصور البهوتي، تحقيق: إبراهيم أحمد عبد الحميد، دار عالم الكتب، الرياض، ط عام ١٤٢٣: ١/ ٧٦.
(٣) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٨٦.
[ ٣٠٦ ]
وقد سبق الكلام على منزلة الأسباب في الشريعة (^١)، وأن الناس في هذا المقام طرفان ووسط:
الطرف الأول: غلا في إثبات الأسباب، وأن هذه أمور طبيعية.
والطرف الثاني: أنكر الأسباب، ورد جميع ما قاله أهل الهيئة من حق وباطل.
والوسط: أن كسوف الشمس له أسباب حسية يقدرها الله - ﷿ -، وأنه آية يخوف الله بها عبادة (^٢).
فأسباب الكسوف وحسابه والنظر في ذلك ليس من علم الغيب، والأحاديث الواردة عن النبي - ﷺ - ليس فيها"إلا نفي تأثير الكسوف في الموت والحياة على أحد القولين، أو نفي تأثر النيرين بموت أحد أو حياته على القول الآخر، وليس فيه تعرض لإبطال حساب الكسوف، ولا الإخبار بأنه من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله" (^٣).
وفيها كذلك بيان أنها من آيات الله يخوف بها عباده، والأمر بالأسباب التي يدفع به موجب الكسوف من أمر النبي - ﷺ - بالعتاقة والصلاة والدعاء والصدقة (^٤).
"وكونه تخويفا لا ينافي ما قدره أهل الهيئة فيه؛ لأن لله أفعالا على حسب العادة، وأفعالا خارجة عنه، وقدرته حاكمة على كل سبب ومسبب بعضهما على بعض" (^٥).
_________________
(١) ص: ١٦٤.
(٢) انظر: مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٩١ وما بعدها.
(٣) انظر: المرجع السابق: ٢/ ٢٩٥.
(٤) انظر: المرجع السابق: ٢/ ٢٩٦.
(٥) فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي، دار المعرفة: ٢/ ٣٤٧.
[ ٣٠٧ ]
عاشرا: الجزم بوقوع الكسوف
وليس"من شرط التخويف ألا يكون له سبب، فإن الله كون العالم على هذا الشكل الذي يوجد فيه كسوف، ولو شاء لكونه على خلاف ذلك" (^١).
والتخويف الذي يحصل لأهل الإيمان من هذه الآية" من وجوه متعددة، أوضحها: أن ذلك مذكر بالكسوفات التي تكون بين يدي الساعة، ويمكن أن يكون ذلك الكسوف منها، ولذلك قام النبي - ﷺ - فزعًا يخشى أن تقوم الساعة؛ وكيف لا وقد قال الله - ﷿ -: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (^٢)؟ .
وأيضًا فإن كل ما في هذا العالم علويّه وسفليّه دليل على نفوذ قدرة الله تعالى، وتمام قهره، واستغنائه، وعدم مبالاته، وذلك كله يُوجب عند العلماء بالله خوفه وخشيته؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٣)، وخصّ هنا خسوفهما بالتخويف؛ لأنهما أمران علويان نادران طارئان عظيمان، والنادر العظيم مخوف موجع، بخلاف ما يكثر وقوعه، فإنه لا يحصل منه ذلك غالبًا.
وأيضًا فلما وقع فيهما من الغلط الكثير للأمم التي كانت تعبدهما، ولما وقع للجهّال من اعتقاد تأثيرتهما" (^٤).
العاشر: الجزم بوقوع الكسوف:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية الجزم بوقوع الكسوف،
_________________
(١) فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: ٣/ ١٢٨.
(٢) القيامة: ٧ - ٩.
(٣) فاطر: ٢٨.
(٤) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: ٢/ ٥٥٢ - ٥٥٣، وانظر: فتح الباري: ٢/ ٥٣٧، وكشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي، تحقيق: علي حسين البواب، دار الوطن، الرياض، ط: ١/ ٤٠٦، فقد ذكر سبع فوائد لحدوث الكسوف.
[ ٣٠٨ ]
ووقوع الكسوف يدرك بالحساب، وليس من علم الغيب والمستقبل، إلا أنه لا يجزم بوقوعه، ولا يصدق القائل به ولا يكذب، لأنه أمر حسابي قد يصيب وقد يخطئ، كأخبار بني إسرائيل (^١)، "وفرق بين من يعلن ذلك ويجزم به، وبين من يخبر عن أهل الحساب أنهم يقولون ذلك" (^٢).
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - عن تحديد أهل الحساب لوقت الكسوف: فبين أن حكم ذلك حكم أخبار بني إسرائيل التي قال فيها رسول الله - ﷺ -: " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم" (^٣)، والعلة في ذلك هو احتمال أَن يكون ما ذكروه حقًا فيكون من كذبهم مكذبًا بحق، أو احتمال أَن يكون ما اخبروا به كذبًا فيكون من صدقهم مصدقًا بالكذب.
ومثلهم المخبرين عن الكسوف والخسوف قد يكونون مصيبين في حسابهم فيكون مكذبهم مكذبًا بصدق، وقد يكونون مخطئين فيكون مصدقهم مصدقًا بالباطل والكذب (^٤).
الحادي عشر: تحديد عمر الشمس:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية تحديد عمر الشمس في الماضي بـ ٤.٤٩ مليار سنة، وأنها تبقى قريبا من هذا الرقم (^٥)، ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٦).
_________________
(١) انظر: فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم: ٣/ ١٢٨.
(٢) انظر: المرجع السابق: ١/ ١٦٨.
(٣) صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة البقرة، باب: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾: ٨٤٨ برقم (٤٤٨٥).
(٤) مجموع الفتاوى: ٢٤/ ٢٥٨.
(٥) انظر: الموسوعة الكونية الكبرى: ٢/ ٢١٦ - ٢١٧.
(٦) النمل: ٦٤.
[ ٣٠٩ ]
والله ﷾ أخبر أن الساعة من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا هو، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^١)، والشمس إنما تجمع عند قيام الساعة، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (^٢).
الثاني عشر: سب الشمس:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية سب الشمس، وقد ورد النهي عن ذلك، فعن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا تسبوا الليل ولا النهار، ولا الشمس ولا القمر، ولا الرياح فإنها ترسل رحمة لقوم، وعذابا لقوم" (^٣).
فهي من مخلوقات الله المسيرة بأمره، وسبها يعود على خالقها، وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: "يؤذني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر اقلب الليل والنهار" (^٤).
_________________
(١) الأعراف: ١٨٧.
(٢) القيامة: ٦ - ٩.
(٣) مسند أبي يعلى: ٤/ ١٣٩ برقم (٢١٩٤)، والطبراني في الأوسط: ٧/ ٤٣ برقم (٦٧٩٥)، وقال الهيثمي في المجمع ٨/ ١٣٧ برقم (١٣٠٠١): " رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سعيد بن بشير، وثقه جماعة وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات، ورواه أبو يعلى بإسناد ضعيف".
(٤) صحيح مسلم، كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها، باب النهي عن سب الدهر: ٤/ ١٧٦٢ برقم (٢٢٤٦).
[ ٣١٠ ]
الثالث عشر: مشابهة المشركين في السجود للشمس عند طلوعها أو غروبها:
من المخالفات المتعلقة بهذه الآية الكونية مشابهة المشركين في الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ فإنه وقت مقارنة الشيطان للشمس وعند ذلك يسجد لها الكفار، وقد نهى النبي - ﷺ - عن الصلاة في هذه الأوقات.
"فهذه الصلاة في وقت النهي فيها مصلحة تكثير العبادة، وتحصيل الأرباح، ومزيد الثواب، والتقرب إلى رب الأرباب، وفيها مفسدة المشابهة بالكفار في عبادة الشمس، وفي تركها مصلحة سد ذريعة الشرك، وفطم النفوس عن المشابهة للكفار حتى في وقت العبادة، وكانت هذه المفسدة أولى بالصلاة في أوقات النهي من مصلحتها، فلو شرعت لما فيها من المصلحة لفاتت مصلحة الترك وحصلت مفسدة المشابهة التي هي أقوى من مصلحة الصلاة حينئذ" (^١)
الرابع عشر: الطعن في القرآن وزعم تناقضه حيث ورد فيه لفظ "المشرق" بصيغة الإفراد، والتثنية، والجمع.
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية زعمهم التناقض في القرآن، فقالوا: إنه ورد في القرآن آيات متناقضة، فورد لفظ المشرق مرة بصيغة الإفراد في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ (^٢)، ومرة بصيغة التثنية في قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ (^٣)، ومرة بصيغة الجمع في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ (^٤)، وهذا تناقض.
_________________
(١) مفتاح دار السعادة: ٢/ ١٤٦.
(٢) البقرة: ١١٥.
(٣) الرحمن: ١٧.
(٤) المعارج: ٤٠.
[ ٣١١ ]
وقد بين أهل العلم المراد بذلك، فقالوا: إن قوله: " ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ (^١)، المراد به جنس المشرق والمغرب، فهو صادق بكل مشرق من مشارق الشمس التي هي ثلاثمائة وستون، وكل مغرب من مغاربها التي هي كذلك، فلله المشرق الذي تشرق منه الشمس كل يوم والمغرب الذي تغرب فيه كل يوم.
وقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾، يعني مشرق الشتاء، ومشرق الصيف ومغربهما. وقيل: مشرق الشمس والقمر ومغربهما.
وقوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ أي: مشارق الشمس ومغاربها الثلاثمائة وستون. وقيل: مشارق الشمس والقمر والكواكب ومغاربها" (^٢).
١ - تسمية بعض الزهور بـ"عباد الشمس":
وهذا أمر لا يجوز لأن الزهور لا تعبد الشمس وهو تعبيد لغير الله، وهي إنما تعبد الله - ﷿ - كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (^٣). "وإنما يقال عبارة أخرى ليس فيها ذكر العبودية كمراقبة الشمس، ونحو ذلك من العبارات" (^٤).
_________________
(١) البقرة: ١١٥.
(٢) انظر: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب لمحمد الأمين الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ط ١: ٢٢، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٤٩٢، فتح الباري: ٤/ ٤٤٧، وأضواء البيان ٦/ ٦٧٥.
(٣) فصلت: ٣٧.
(٤) مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: ٣/ ١١٨، وانظر: معجم المناهي اللفظية: ٣٧٤.
[ ٣١٢ ]
٢ - التسمية بـ" عبد الشمس":
وهذا تعبيد لغير الله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: " كان المشركون يعبدون أنفسهم وأولادهم لغير الله؛ فيسمون بعضهم عبد الكعبة، كما كان اسم عبد الرحمن بن عوف، وبعضهم عبد شمس، كما كان اسم أبى هريرة، واسم عبد شمس بن عبد مناف، وبعضهم عبد اللات، وبعضهم عبد العزى، وبعضهم عبد مناة وغير ذلك مما يضيفون فيه التعبيد إلى غير الله، من شمس أو وثن أو بشر أو غير ذلك مما قد يشرك بالله.
ونظير تسمية النصارى عبد المسيح. فغير النبى - ﷺ - ذلك وعبدهم لله وحده" (^١).
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ١/ ٣٧٨، وانظر: معجم المناهي اللفظية: ٣٧٦، ٣٨٠.
[ ٣١٣ ]
الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:
ورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:
١ - دعاء النبي - ﷺ - على الشمس:
عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: نظر رسول الله - ﷺ - إلى الشمس حين غابت، فقال: "في نار الله الحامية، في نار الله الحامية، لولا ما يزعها من أمر الله، لأحرقت ما على الأرض" (^١).
٢ - الشمس والقمر ثوران عقيران في النار:
عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " الشمس والقمر ثوران عقيران في النار" (^٢).
وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة". فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك عن رسول الله - ﷺ - وتقول: أحسبه قال: وما ذنبهما (^٣).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد: ١١/ ٥٢٦ برقم (٦٩٣٤)، وقال محققه: "إسناده ضعيف"، وذكره ابن كثير في تفسيره ٥/ ١٩٢، وقال: "وفي صحة رفع هذا الحديث نظر، ولعله من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه اللتين وجدهما يوم اليرموك، والله أعلم".
(٢) مسند أبي يعلى: ٧/ ١٤٨ برقم (٤١١٦)، قال ابن الجوزي في الموضوعات ١/ ٢٠٦: "لا يصح". وقال ابن كثير ٨/ ٣٢٩: "هذا حديث ضعيف؛ لأن يزيد الرقاشي ضعيف".
(٣) مسند البزار، لأبي بكر أحمد بن عمرو البزار، تحقيق: عادل بن سعد، مكتبة العلوم والحكم، المدينة، ط ١: ١٥/ ٢٤٣ برقم (٨٦٩٦)، وقال: "هذا الحديث لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، ولا نعلم روى عبد الله الداناج عن أبي سلمة، إلا هذا الحديث".
[ ٣١٤ ]
وقد ورد الحديث عند البخاري بلفظ: "الشمس والقمر مكوران (^١) يوم القيامة" (^٢).
٣ - خشوع الشمس عند تجلي الله:
في بعض ألفاظ حديث الكسوف: "إن الشمس والقمر خَلْقان من خَلْق الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله - ﷿ - إذا تَجَلى لشيء من خلقه خشع له" (^٣).
٤ - لا تخرج الشمس حتى ينخسها سبعون ألف ملك:
عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال له: أرأيت ما جاء عن النبي - ﷺ - في أمية بن أبي الصلت، آمن شعره، وكفر قلبه، قال: هو حق فما أنكرتم من شعره؟ قالوا أنكرنا قوله:
والشمس تطلع كل آخر ليلةٍ حمراء يصبح لونها يتوردُ
_________________
(١) أي يلفان ويجمعان ويلقيان فيها. النهاية في غريب الحديث والأثر: ٤/ ٢٠٨.
(٢) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر: ٦١٥ برقم (٣٢٠٠).
(٣) سنن النسائي، كتاب الكسوف، نوع آخر من صلاة الكسوف: ١٧٤ برقم (١٤٨٥)، مسند الإمام أحمد: ٣٠/ ٢٩٥ برقم (١٨٣٥١)، قال ابن حجر في فتح الباري - عن هذا الحديث وقد نقل عن أبي حامد الغزالي إنكار هذه الزيادة- ٢/ ٥٣٧: "قد أثبته غير واحد من أهل العلم، وهو ثابت من حيث المعنى أيضا". وقال ابن القيم في مفتاح دار السعادة ٢/ ٢٩٦: "وليس الأمر في هذه الزيادة كما قاله أبو حامد فإن اسنادها لا مطعن فيه، رواته كلهم ثقات حفاظ؛ لكن لعل هذه اللفظة مدرجة في الحديث من كلام بعض الرواة، ولهذا لا توجد في سائر أحاديث الكسوف، فقد رواها عن النبي - ﷺ - بضعة عشر صحابيا فلم يذكر أحد منهم هذه اللفظة التى ذكرت في حديث النعمان بن بشير، فمن ههنا نخاف أن تكون أدرجت في الحديث إدراجا". وانظر: مجموع الفتاوى ٣٥/ ١٧٧.
[ ٣١٥ ]
تأبى فما تطلع لهم في رُسْلها إلا معذبةً وإلا تجلدُ
فما بال الشمس تجلد؟ فقال: والذي نفسي بيده ما طلعت الشمس قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك، فيقولون لها: اطلعي اطلعي، فتقول: لا أطلع على قوم يعبدونني من دون الله، فيأتيها ملك عن الله يأمرها بالطلوع، فتشتعل لضياء بني آدم، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن الطلوع، فتطلع بين قرنيه فيحرقه الله تحتها، وما غربت الشمس قط إلا خرت ساجدة، فيأتيها شيطان يريد أن يصدها عن السجود فتغرب بين عينيه، فيحرقه الله تحتها" (^١).
٥ - اعتقاد أن الشمس حبست لعلي - ﵁ -:
عن أسماء بنت عميس - ﵂ - أن رسول الله - ﷺ - صلى الظهر بالصهباء (^٢)، ثم أرسل عليًا في حاجة، فرجع وقد صلى النبي - ﷺ - العصر، فوضع النبي - ﷺ - رأسه في حِجْر علي فنام، فلم يحركه حتى غابت الشمس، فقال النبي - ﷺ -: " اللهم إن عبدك عليًا احتبس بنفسه على نبيه، فرُدَّ عليه الشمس" (^٣).
_________________
(١) الاستذكار: ١/ ٣٦٢، التمهيد: ٤/ ٩، وإسناده ضعيف، انظر: فيض القدير: ١/ ٥٧، كشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الاحاديث على ألسنة الناس لإسماعيل بن محمد العجلوني، تصحيح: أحمد القلاش، مؤسسة الرسالة، ط ٢: ١/ ١٩.
(٢) موضع قريب من خيبر. انظر: معجم البلدان لياقوت الحموي، دار صادر، بيروت، ط ٢: ٣/ ٤٣٥.
(٣) المعجم الكبير لأبي القاسم الطبراني، تحقيق: حمدي السلفي، دار الرشد، الرياض، ط ٢: ٢٤/ ١٤٤، ١٤٧ - ١٥٢. وحكم عليه محقق الكتاب بالوضع، وشرح مشكل الآثار للطحاوي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٢: ٣/ ٩٢ - ٩٤ برقم (١٠٦٧، ١٠٦٨)، وحكم عليه محقق الكتاب بالضعف، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات: ٢/ ١١٩ برقم (٦٦٧).
[ ٣١٦ ]
القمر في اللغة والاصطلاح
المبحث الثالث القمر
القمر في اللغة: القاف والميم والراء أصل صحيح يدلُ على بياضٍ في شيء، ثم يتفرّع منه. ومن ذلك القَمَر: قَمَر السَّماء، سمَّي قمرًا لبياضه، وتصغير القمر: قُمير (^١).
وفي الصحاح (^٢): أن القمر بعد ثلاث إلى آخر الشهر سُمّي قَمَرًا لبياضه وليلة قَمْراءُ أي مُضِيئة، وأقمرت ليلتنا أي أضَاءتْ، وأَقْمَرْنَا أي طلع علينا القَمَرْ.
وفي الاصطلاح: هو جرم صغير غير ملتهب، كروي الشكل سيار تابع للأرض (^٣).
وفي الموسوعة الفلكية: جسم سماوي يدور حول الأرض يضيء بواسطة ضوء الشمس المنعكس عليه (^٤).
وقد ورد لفظ القمر في القرآن في (٢٦) موضعًا (^٥)، معظمها جاءت مقترنة بلفظة الشمس في (١٨) موضعًا (^٦).
ووردت في السنة في (٣٢) حديثًا (^٧).
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٢٥.
(٢) الصحاح: ٢/ ٧٩٨.
(٣) انظر: الموسوعة العربية العالمية: ١٨/ ٣١٨.
(٤) الموسوعة الفلكية: ٣٤٧.
(٥) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٩٠٢.
(٦) المرجع السابق: ٩٠٢.
(٧) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٧.
[ ٣١٧ ]
الدلائل العقدية للآية الكونية - القمر-:
القمر آية من آيات التي تدل على خالقها وعلى قدرته وعلمه وحكمته، فهو آية عظيمة على عظمة الرب وكبريائه، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^١).
وقد سبق في المبحث السابق - عن الآية الكونية الشمس (^٢) - كلام ابن القيم - ﵀ - بأن الله - ﷿ - " لم يقسم بشيء من مخلوقاته أكثر من السماء والنجوم والشمس والقمر" (^٣).
وقال - ﵀ - عن القمر: "وانظر إلى القمر وعجائب آياته، كيف يُبديه الله كالخيط الدَّقيق، ثم يتزايد نوره، ويتكامل شيئًا فشيئًا كلَّ ليلة حتى ينتهي إلى إبداره وكماله وتمامه، ثم يأخذ في النقصان حتى يعود على حالته الأولى؛ ليظهر من ذلك مواقيتُ العباد في معاشهم وعباداتهم ومناسكهم، فتميَّزت به الأشهر والسنون، وقام به حسابُ العالم مع ما في ذلك من الحكَم والآيات والعبر التي لا يُحصيها إلَاّ الله" (^٤).
ولما كان القرآن كثيرًا ما يقرن بين الشمس والقمر كان الاستدلال بالقمر على المسائل العقدية- في مواضع كثيرة - هو نفس الاستدلال بالشمس،
_________________
(١) يس: ٣٧ - ٤٠.
(٢) ص: ٢٥٠.
(٣) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٠٣ - ٣٠٤.
(٤) المرجع السابق: ١/ ٣٠٦.
[ ٣١٨ ]
وسأشير إلى ذلك - إن شاء الله تعالى-.
أولًا: وجود الله:
سبق في مبحث الآية الكونية الشمس الاستدلال بها في مناظرة إبراهيم - ﵇ - لقومه على وجود الله (^١)، وأنه المستحق للعبادة، وكذلك استدل إبراهيم - ﵇ - بالقمر من ضمن أدلته على وجود الله وأنه المستحق للعبادة، قال تعال: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٢).
كما ذكر في المبحث السابق -الشمس- (^٣) أن الله - ﷿ - ذكر من الأدلة على وجوده وقدرته التامة العظيمة خلق الشمس، وكذلك في هذا الموضع فإن خلق القمر، وتقديره منازلَ، وجعله يسير سيرًا آخر، يستدل به على مضي الشهور (^٤)، "يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلا قليل النور، ثم يزداد نورًا في الليلة الثانية، ويرتفع منزلة، ثم كلما ارتفع ازداد ضياء - وإن كان مقتبسًا من الشمس- حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر، حتى يصير كالعرجون القديم - وهو أصل العذق (^٥) -" (^٦)، دليل وأضح بيّن على وجود الله - ﷿ -، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ
_________________
(١) ص: ٢٥١.
(٢) الأنعام: ٧٧ - ٧٩.
(٣) ص: ٢٥٢.
(٤) انظر: تفسير الطبري: ٢٣/ ٩، وتفسير القرطبي: ١٥/ ٢٦، وتفسير ابن كثير: ٦/ ٥٧٥.
(٥) تفسير القرطبي: ١٥/ ٣٠.
(٦) تفسير ابن كثير: ٦/ ٥٧٥.
[ ٣١٩ ]
فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^١).
وفي قوله - ﷺ -: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله" (^٢)، " أي دليلان على وجود الحق سبحانه، وقهره، وكمال الإلهية" (^٣).
ثانيًا: توحيد الربوبية:
الرب هو الخالق المدبر المتصرف، والله - ﷿ - يخبر أنه رب السماوات والأرض وما بينهما، ومن ذلك القمر (^٤)، قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^٦)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (^٧).
فالقمر مخلوق مدبر مسخر، لا تصرف له في نفسه بوجه ما، بل ربه وخالقه سبحانه يتصرف به كيف شاء، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٨).
وعن طلحة بن عبيد الله - ﵁ - أن النبي - ﷺ - كان إذا رأى الهلال، قال:
_________________
(١) يس: ٣٧ - ٤٠.
(٢) سبق تخريجه ص: ٥.
(٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: ٢/ ٥٥٢.
(٤) انظر: تفسير البغوي: ٣/ ٦٥٤، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٤٢٦، ٧/ ٨٦.
(٥) الصافات: ٥.
(٦) الأنبياء: ٣٣.
(٧) نوح: ١٥ - ١٦.
(٨) الأعراف: ٥٤.
[ ٣٢٠ ]
"اللهم أهلله (^١) علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، ربي وربك الله" (^٢).
وفي قوله: "ربي وربك الله"، "تنزيه للخالق أن يشاركه في تدبير ما خلق شيء، وعلى أن التوجه فيه إلى الرب لا إلى المربوب، والالتفات في ذلك إلى صنع الصانع لا إلى المصنوع" (^٣).
ولهذا كان النبي - ﷺ - إذا رأى الهلال كبر، فعن عبد الله ابن عمر - ﵄ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا رأى الهلال قال: " الله أكبر، اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما تحب وترضى، ربي وربك الله" (^٤).
"لأنه آية عظيمة على عظمة الرب وكبريائه، والتكبير تعظيم لله، واعتقاد أنه أكبر من كل شيء، وأنه لا شيء أكبر منه" (^٥).
_________________
(١) كذا عند الترمذي، وعند أحمد" أهله".
(٢) سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب ما يقول عند رؤية الهلال: ٥٤٥ برقم (٣٤٥١)، والمسند: ٣/ ١٧ برقم (١٣٩٧)، قال الترمذي: حديث حسن غريب، وقال ابن علان في"الفتوحات الربانية" ٤/ ٣٢٩: "إنما حسنه الترمذي لشواهده، وقول الترمذي: غريب، أي: بهذا السند"، وانظر السلسلة الصحيحة: ٤/ ٤٣٠ برقم (١٨١٦).
(٣) فيض القدير: ٥/ ١٣٥.
(٤) سنن الدارمي، كتاب الصوم، باب ما يقال عند رؤية الهلال: ٢/ ٧ برقم (١٦٨٧)، قال الألباني: " حديث صحيح بشواهده". انظر: الكلم الطيب لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، دار المعارف، الرياض، ط ١: ١٣٩.
(٥) فقه الأدعية والأذكار، لعبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، دار ابن القيم، الدمام، ط ١: ٣/ ٢٥٤.
[ ٣٢١ ]
ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات:
١ - صفة العلم والقدرة:
قد سبق في مبحث الشمس (^١) بيان الاستدلال بخلقها على كمال قدرة الله وعلمه، وعظيم سلطانه، وأن في جعله الشمس ضياءً والقمر نورًا، وفي جريانهما على نظام واحد، دليل من أعظم الدلائل على علم الله وقدرته.
وفي قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^٢)، دليل على قدرته وعلمه، حيث جعل "سلطان القمر بالليل، وقدره منازل، فأول ما يبدو صغيرًا، ثم يتزايد نُوره وجرمه، حتى يستوسق ويكمل إبداره، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حاله الأول في تمام شهر" (^٣).
وفي آية أخرى بعد أن ذكر التقدير للشمس والقمر، بين أن هذا التقدير من عزيز عليم، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٤).
٢ - صفة الرؤية والعلو:
سبق في مبحث الشمس بيان الاستدلال بها على صفة الرؤية والعلو (^٥)، وحيث قرن القمر بالشمس في نفس الحديث؛ فإنه يستدل به نفس الاستدلال من إثبات رؤية الله تعالى وعلوه، وأن المؤمنين يرون ربهم كما يرون الشمس والقمر صحوًا ليس دونها سحاب، ومن جهة العلو.
_________________
(١) ص: ٢٥٤.
(٢) يس: ٣٩ - ٤٠.
(٣) تفسير ابن كثير: ٤/ ٢٤٨.
(٤) الأنعام: ٩٦.
(٥) ص: ٢٥٥.
[ ٣٢٢ ]
رابعًا: توحيد الأولوهية:
سبق في مبحث الشمس الاستدلال بها على توحيد الألوهية (^١)، وحيث قرن القمر بالشمس في الآيات القرآنية كان وجه الدلالة منه على توحيد الألوهية هو نفس وجه دلالة الشمس على توحيد الألوهية، فإن الخالق لهذه الآية الكونية - القمر - المسخر له هو المستحق للعبادة، والذي يجب أن يفرد بالعبادة كما أنه المتفرد بالخلق والتسخير.
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (^٣).
١ - بعض أنواع العبادات القلبية:
أ- الاستعاذة بالله:
قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ (^٤)، والغاسق: القمر، وإذا وقب: أي دخل في الخسوف، وأخذ الغيبوبة وأظلم، أو دخل في الظلمة (^٥).
وقد أمر النبي - ﷺ - بالاستعاذة من القمر إذا وقب، فعن عائشة - ﵂ - أن
_________________
(١) ص: ٢٥٧.
(٢) العنكبوت: ٦١.
(٣) لقمان: ٢٩ - ٣٠.
(٤) الفلق: ١ - ٣.
(٥) انظر: تفسير الطبري: ٣٠/ ٤٣٠، وتفسير البغوي: ٤/ ٧٢٥، وتفسير ابن كثير: ٨/ ٥٣٥.
[ ٣٢٣ ]
النبي - ﷺ - نظر إلى القمر فقال: "يا عائشة، تعوذي بالله من شر هذا، فإن هذا هو الغاسق إذا وقب" (^١).
ب- اليقين والإخلاص:
إن رؤية الآيات الكونية - ومنها القمر- والتفكر فيها يزيد القلب يقينًا وإيمانًا، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (^٢)، "أي نريه ذلك ليكون عالمًا وموقنًا" (^٣).
ثم ذكر الله - ﷿ - قول إبراهيم - ﵇ - بعد غياب القمر، وأنه تبرأ من الشرك، ووجه وجهه لله - ﷿ -، مخلصًا له، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٤).
وفي حديث الكسوف حث النبي - ﷺ - عند رؤية هذه الآية إلى الإخلاص لله، حيث أمر بالمبادرة بالعبادة لله تعالى (^٥).
٢ - القسم:
سبق في المبحث السابق الشمس إقسام الله بها (^٦)، وحيث قرن القمر
_________________
(١) سنن الترمذي: كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة المعوذتين: ٥٣٣ برقم (٣٣٦٦)، والمسند: ٤٣/ ٨ برقم (٢٥٨٠٢)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وانظر: السلسلة الصحيحة: ١/ ٧١٤ برقم (٣٧٢).
(٢) الأنعام: ٧٥.
(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٩١.
(٤) الأنعام: ٧٧ - ٧٨.
(٥) إكمال المعلم بفوائد مسلم: ٣/ ٣٣٦.
(٦) ص: ٢٦٠.
[ ٣٢٤ ]
بالشمس، فإنه ذكر معها في الآيات المقسم بها، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ (^١).
كما أقسم تعالى بالقمر، وبالليل وقت إدباره، والنهار وقت إسفاره، على أن سقر
-جهنم- إحدى الأمور العظام، لاشتمال هذه المذكورات على آيات الله العظيمة، الدالة على كمال قدرة الله وحكمته، وسعة سلطانه، وعموم رحمته، وإحاطة علمه (^٢)، فقال تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ (¬٣).
٣ - التوسل:
سبق في المبحث السابق: الشمس (^٤) بيان أن من دعاء النبي - ﷺ -: " اللهم فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا، اقض عني الدين، وأغنني من الفقر، وأمتعني بسمعي وبصري وقوتي في سبيلك" (^٥).
وأن هذا توسل إلى الله - ﷿ - بما وصف من أفعاله به نفسه - ومنه جعل الشمس والقمر حسبانًا - في قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٦).
_________________
(١) الشمس: ١ - ٢.
(٢) انظر: تفسير البغوي: ٤/ ٥٠٦، وتفسير السعدي: ١/ ٨٩٧.
(٣) المدثر: ٣٢ - ٣٥.
(٤) ص: ٢٦١.
(٥) سبق تخريجه: ٢٦١.
(٦) الأنعام: ٩٦.
[ ٣٢٥ ]
خامسًا: الإيمان بالرسل:
قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (^١)، وقد كان هذا في زمن رسول الله - ﷺ - (^٢)، وهو من الأدلة والآيات البينة على نبوة محمد - ﷺ -.
فقد سأل أهل مكة رسولَ الله - ﷺ - آية، فأراهم انشقاق القمر، عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: "سأل أهل مكة النبي - ﷺ - آية، فانشق القمر بمكة مرتين، فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ " (^٣).
وعنه - ﵁ - أن أهل مكة سألوا رسول الله - ﷺ - أن يريهم آية، فأراهم القمر شِقَّين، حتى رأوا حِرَاء بينهما (^٤).
وعن ابن مسعود - ﵁ - قال: انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ - شقين حتى نظروا إليه، فقال رسول الله - ﷺ -: " اشهدوا" (^٥).
وفي شمائل الرسول - ﷺ - وصف وجه كأنه قطعة قمر، ففي قصة توبة كعب بن مالك - ﵁ -، قال: " فلما سلمت على رسول الله - ﷺ -، وهو يبرق وجهه من السرور، وكان رسول الله - ﷺ - إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه" (^٦).
وقد سئل البراء - ﵁ -: " أكان وجه النبي - ﷺ - مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر" (^٧).
_________________
(١) القمر: ١.
(٢) انظر: دلائل النبوة لأبي بكر أحمد بن حسين البيهقي، تحقيق: عبد المعطي القلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١: ٢/ ٢٦٢، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٤٧٢، ٤٧٥، والبراهين العلمية على صحة العقيدة الإسلامية: ٢٠٥ - ٢٠٦.
(٣) سبق تخريجه: ٦٠.
(٤) صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب انشقاق القمر: ٧٣٣ برقم (٣٨٦٧).
(٥) سبق تخريجه: ٦٠.
(٦) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب صفة النبي - ﷺ -: ٦٨١ برقم (٣٥٥٦).
(٧) صحيح البخاري كتاب المناقب، باب صفة النبي - ﷺ -: ٦٨١: برقم (٣٥٥٢).
[ ٣٢٦ ]
"كأن السائل أراد أنه مثل السيف في الطول، فرد عليه البراء - ﵁ - فقال: بل مثل القمر، أي في التدوير، ويحتمل أن يكون أراد مثل السيف في اللمعان والصقال؟ فقال: بل فوق ذلك، وعدل إلى القمر لجمعه الصفتين من التدوير واللمعان" (^١).
سادسًا: الإيمان باليوم الآخر:
سبق في المبحث السابق: الشمس بيان الاستدلال بها على الإيمان باليوم الآخر (^٢)، وحيث قرن القمر بالشمس؛ فإنه يستدل به على الإيمان باليوم الآخر بنفس الاستدلال بالشمس.
وقد ذكر الله - ﷿ - أنه يفصّل الآيات - ومنها القمر- لعل الناس يوقنون بلقاء ربهم، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾، ثم قال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ (^٣) أي" يفصل لكم ربُّكم آيات كتابه، فيبينها لكم احتجاجًا بها عليكم، أيها الناس، لتوقنوا بلقاء الله، والمعاد إليه، فتصدقوا بوعده ووعيده، وتنزجروا عن عبادة الآلهة والأوثان، وتخلصوا له العبادة إذا أيقنتم ذلك" (^٤).
وكما ذُكر أيضًا في المبحث السابق: الشمس (^٥)، وجه الدلالة على البعث، من جهة أن الذي خلق هذه الآيات العظيمة - ومنها الشمس والقمر - قادر على البعث بعد الموت، وإعادة الخلق.
_________________
(١) فتح الباري: ٦/ ٥٧٣، ٨/ ١٢٢، عمدة القاري شرح صحيح البخاري: ٢٤/ ١١٠.
(٢) ص: ٢٦٣.
(٣) الرعد: ٢.
(٤) تفسير الطبري: ١٣/ ١١٥، وانظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٣٠.
(٥) ص: ٢٦٤.
[ ٣٢٧ ]
وفي بيان أول زمرة (^١) تدخل الجنة بين - ﷺ - أنهم على صورة القمر، فقال: "إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوء كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب" (^٢).
وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا زمرة واحدة، منهم على صورة القمر" الحديث (^٣).
" يعني: أنهم في إشراق وجوههم على صفة القمر ليلة تمامه، وكماله، وهي ليلة أربعة عشر، وبذلك سمي القمر بدرًا في تلك الليلة، ومقتضى هذا أن أبواب الجنة متفاوتة بحسب درجاتهم" (^٤).
وقد أقسم الله تعالى بآيات الليل - ومنها القمر إذا امتلأ نورًا بإبداره (^٥) - على ركوب الناس أطوارًا متعددة، وأحوالًا متابينة، من خلق في مراحل متعددة، ثم موتٍ، ثم بعثٍ ومجازاةٍ، وهذه الأمور دالة على أن الله وحده هو المعبود، المدبر لعباده بحكمته ورحمته، وعلى البعث والجزاء (^٦)، قال تعال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ الآيات (^٧).
_________________
(١) الزمرة: الجماعة في تفرقة بعضها في اثر بعض. انظر: شرح النووي على مسلم: ٣/ ٩٠.
(٢) صحيح مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب أول زمرة تدخل الجنة: ٤/ ٢١٧٨ برقم (٢٨٣٤).
(٣) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب: ١/ ١٩٨ برقم (٢١٧).
(٤) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: ٧/ ١٧٩، وانظر: فتح الباري: ١١/ ٤١٣.
(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٨/ ٣٥٩.
(٦) تفسير السعدي: ١/ ٩١٨.
(٧) الانشقاق: ١٦ - ١٩.
[ ٣٢٨ ]
سابعًا: الإيمان بالقدر:
سبق في المبحث السابق: الشمس الاستدلال بها على الإيمان بالقدر (^١)، وحيث قرن القمر بالشمس فإنه يستدل به نفس الاستدلال بالشمس على الإيمان بالقدر من جهة خلق الله للأشياء ومنها القمر، وتسخيره له على مقتضى حكمته، وأن ذلك بتقدير من العزيز العليم، قال تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (^٣).
_________________
(١) ص: ٢٦٤.
(٢) يس: ٣٩ - ٤٠.
(٣) الأنعام: ٩٦.
[ ٣٢٩ ]
المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية
القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية:
أولًا: عبادة القمر:
من القوادح العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية أنها عبدت من دون الله - ﷿ -، فجعلوا القمر إلهًا وربًا (^١)، وجعلوا له مصحفًا، ويسبحون له ويدعونه.
وقد جاء في الحديث أن النبي - ﷺ - قال: "يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ومن كان يعبد القمر القمر" (^٢).
وسبق في المبحث السابق: الشمس (^٣) كلام ابن القيم - ﵀ - عن تعظيم المشركين للشمس والقمر والكواكب، وأنهم يسجدون لها، ويتذللون لها، ويسبحونها تسابيح لها معروفة في كتبهم، ودعوات لا ينبغي أن يدعى بها إلا خالقها وفاطرها وحده.
وأنهم جعلوا للقمر مصحفًا، وتسبيحةً خاصة، وأن في مصحف القمر من مخاطبته بالخطاب الذي لا يليق إلا بالله - ﷿ -، ولا ينبغي لأحد سواه، ومن الخضوع والذل والعبادة.
وسبق بيان أنهما مخلوقان من مخلوقاته، تحت قهره وتسخيره، وأنهما يسجدان لخالقهما، وأن الله نهى عن عبادتهما والسجود لهما، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ
_________________
(١) ومنهم الصابئة، وعبدة الكواكب في الهند - الجندريكنية. انظر: الملل والنحل: ٢/ ١٢٩٢، والموسوعة العربية: ١٨/ ٣٣٠.
(٢) سبق تخريجه: ٢٦٩.
(٣) ص: ٢٦٩.
[ ٣٣٠ ]
وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ (^٢).
وفي حديث رؤية الهلال (^٣): قوله: "ربي وربك الله": "فيه إثبات أن الناس والقمر وجميع المخلوقات كلها مربوبة لله مسخرة بأمره خاضعة لحكمه، وفي هذا رد على من عبدها من دون الله.
وفيه إقتداء النبي - ﷺ - بأبيه إبراهيم - ﵇ - حيث قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (^٤)، بعد قوله ﴿هَذَا رَبِّي﴾ (^٥) " (^٦).
ثانيًا: نسبة الحوادث إلى حركة القمر:
سبق في المبحث السابق: الشمس (^٧) بيان أن من القوادح العقدية نسبة الحوادث إلى حركة الشمس، وما تقتضيه هذه الحركة من السعود والنحوس، وما تعطيه من السعادة والشقاوة، وتهبه من الأعمار والأرزاق والآجال، والصنائع والعلوم والمعارف، والصور الحيوانية والنباتية والمعدنية، وسائر ما في هذا العالم من الخير والشر.
وبيان أنه ليس في القرآن ولا السنة ما يدل على ذلك، بل فيهما ما يبطله ويرده، وقد بين النبي - ﷺ - في حديث الكسوف بطلان ما يعتقده أهل الجاهلية
_________________
(١) فصلت: ٣٧.
(٢) الحج: ١٨.
(٣) سبق تخريجه: ٢٩٠.
(٤) الأنعام: ٧٦.
(٥) الأنعام: ٧٦.
(٦) فيض القدير: ٥/ ١٣٥.
(٧) ص: ٢٧٠.
[ ٣٣١ ]
من أن كسوف الشمس أو القمر لموت أحد أو حياته، فقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته" (^١).
وكذلك يقال في القمر، وأن حركته ليس لها تأثير في الحوادث، وأن القمر مسخر بأمر الله (^٢)، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٣).
ثالثًا: تحريف معنى سجود القمر:
سبق في المبحث السابق: الشمس (^٤)، بيان أن من المخالفات العقدية تحريف معنى سجود الشمس الوارد في الكتاب والسنة، في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (^٥).
فقال بعضهم: أن المراد بهذا السجود الخشوع والانقياد، وقيل: المراد بالسجود الدلالة على الله.
وكذلك قيل في سجود القمر.
والجواب أنه قد سبق في مبحث عبودية الكائنات (^٦) أن هذه الآيات الكونية تسجد لله سجودًا حقيقيًا الله أعلم بكيفيته، وأن هذا السجود من الأمور الغيبية التي يجب أن نصدق بها ونسلم، وأن كل شيء يسجد لله طوعا
_________________
(١) سبق تخريجه: ٥.
(٢) انظر: مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩.
(٣) الأعراف: ٥٤.
(٤) ص: ٢٧١.
(٥) الحج: ١٨.
(٦) انظر: ٦٥.
[ ٣٣٢ ]
وكرها، وأن وسجود كل شيء مما يختص به (^١)، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^٢).
رابعًا: اعتقاد أن اسم الله مكتوب على القمر، أو أن نوره من نور الله:
سبق في المبحث السابق: الشمس (^٣) أن من المخالفات العقدية اعتقاد أن اسم الله مكتوب على الشمس، أو نورها من نور الله، ولذلك نهى بعض الفقهاء عن استقبال الشمس وقال في علة ذلك: أن اسم الله مكتوب عليها، ومنهم من قال لأن نورها من نور الله.
وكذلك قيل في القمر، أن اسم الله مكتوب عليه، أو أن نوره من نور الله (^٤)، وهذا لم يثبت به حديث عن النبي - ﷺ - (^٥).
خامسًا: إنكار كون خسوف القمر آية من آيات الله يخوف الله به عبادة:
سبق في المبحث السابق: الشمس (^٦) بيان أن من المخالفات العقدية إنكار كون كسوف الشمس آية من آيات الله يخوف بها عباده، وأن هذا أمر طبيعي.
وبينتُ فيه منزلة الأسباب في الشريعة، وأن الناس في هذا المقام طرفان ووسط:
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير: ٥/ ٤٠٣.
(٢) الإسراء: ٤٤.
(٣) ص: ٢٧٥.
(٤) انظر: كشاف القناع عن متن الإقناع: ١/ ٧٦.
(٥) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٨٦.
(٦) ص: ٢٧٥.
[ ٣٣٣ ]
الطرف الأول: غلا في إثبات الأسباب، وأن هذه أمور طبيعية.
والطرف الثاني: أنكر الأسباب، ورد جميع ما قاله أهل الهيئة من حق وباطل.
والوسط: أن كسوف الشمس له أسباب حسية يقدرها الله - ﷿ -، وأنه آية يخوف الله بها عبادة.
وأن أسباب الكسوف وحسابه والنظر في ذلك ليس من علم الغيب، وأن حدوث الكسوف آية يخوف الله بها عبادة، وأن ذلك لا يتعارض مع الأسباب الحسية ومعرفتها.
وأنه ليس من شرط التخويف أن لا يكون له سبب.
وأن التخويف الذي يحصل لأهل الإيمان من هذه الآية من وجوه متعددة، أوضحها: أن ذلك مذكر بالكسوفات التي تكون بين يدي الساعة، ويمكن أن يكون ذلك الكسوف منها، ولذلك قام النبي - ﷺ - فزعًا يخشى أن تقوم الساعة، وكيف لا وقد قال الله - ﷿ -: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (^١)؟ .
وكذلك يقال في خسوف القمر، وأنه آية من آيات الله يخوف الله به عباده.
سادسًا: الجزم بوقوع الخسوف:
سبق في المبحث السابق: الشمس (^٢) أن من المخالفات العقدية الجزم بوقوع الكسوف، وبيان أن معرفة وقوع الكسوف لا يلزم منه وقوعه، وأن أخبار الحسابين كأخبار بني إسرائيل، لا تصدق ولا تكذب.
وكذلك يقال في خسوف القمر، وأنه لا يجوز الجزم بوقوعه، وأن أمر الحسابين في ذلك لا يصدق، ولا يكذب.
_________________
(١) القيامة: ٧ - ٩.
(٢) ص: ٢٧٧.
[ ٣٣٤ ]
سابعًا: إنكار انشقاق القمر:
إن من دلائل نبوة محمد - ﷺ - انشقاق القمر له ﵊، وقد أنكر كفار قريش ذلك، وقالوا: إنه سحر (^١)، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (^٢).
وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: "انشق القمر على عهد رسول الله - ﷺ -، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة.
قال: فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السّفَّار، فإن محمدًا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. قال: فجاء السّفَّار فقالوا: ذلك" (^٣).
ثامنًا: سب القمر:
سبق في المبحث السابق: الشمس (^٤) بيان أن من المخالفات العقدية سب الشمس، وذكر الحديث الوارد في ذلك، وفيه النهي أيضًا عن سب القمر، فعن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا تسبوا الليل ولا النهار، ولا الشمس ولا القمر، ولا الرياح فإنها ترسل رحمة لقوم، وعذابا لقوم" (^٥).
_________________
(١) انظر: دلائل النبوة: ٢/ ٢٦٢، ومنهج المدرسة العقلية: ٥٨٣.
(٢) القمر: ١ - ٢.
(٣) مسند أبي داود الطيالسي، تحقيق: محمد بن عبد المحسن التركي، دار هجر، القاهرة، ط ١: ١/ ٢٣٦ برقم (٢٩٣)، والبيهقي في دلائل النبوة: ٢/ ٢٦٢، والبخاري تعليقًا، كتاب مناقب الأنصار، باب انشقاق القمر: ٧٣٤ برقم (٣٨٦٩)، وانظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٤٧٤، وتغليق التعليق على صحيح البخاري للحافظ أحمد بن حجر، تحقيق: سعيد القزقي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢: ٤/ ٨٨.
(٤) ص: ٢٧٩.
(٥) سبق تخريجه: ٢٧٩.
[ ٣٣٥ ]
وبيان أن سبها يعود على خالقها، وأن الله تعالى قال في الحديث القدسي: "يؤذني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر اقلب الليل والنهار" (^١).
تاسعًا: استقبال القمر عند الدعاء كاستقبال القبلة عند الصلاة:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية استقبال الهلال عند الدعاء كما تستقبل القبلة عند الصلاة، "وكل ذلك لا يجوز؛ لما تقرر في الشرع أنه لا يستقبل بالدعاء إلا ما يستقبل بالصلاة" (^٢).
عن على - ﵁ - قال: "إذا رأى أحدكم الهلال فلا يرفع به رأسا، بل يكفي أحدكم أن يقول: ربي وربك الله" (^٣).
وعن ابن عباس - ﵄ - " أنه كره أن ينتصب للهلال، ولكن يعترض فيقول: الله أكبر الحمد لله الذي أذهب هلال كذا وكذا، وجاء بهلال كذا وكذا" (^٤).
_________________
(١) سبق تخريجه: ٢٧٩.
(٢) تعليق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني على كتاب الكلم الطيب لشيخ الإسلام ابن تيمية: ١٣٩.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة، تحقيق: حمد الجمعة ومحمد اللحيدان، دار الرشد، الرياض، ط ١: ٤/ ١٥٨ برقم (٩٨١٧).
(٤) مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ١٦٠ برقم (٩٨٢٦).
[ ٣٣٦ ]
الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:
ورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:
١ - سحر القمر:
عن ابن عباس - ﵄ - قال: "كُسِفَ القمر على عهد رسول الله - ﷺ - فقالوا: سُحِر القمر، فنزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (^١) " (¬٢).
٢ - الشمس والقمر ثوران عقيران في النار:
سبق في المبحث السابق: الشمس (^٣) بيان ضعف الحديث الوارد في ذلك وأنه لا يصح.
٣ - خشوع القمر عند تجلي الله:
في بعض ألفاظ حديث الكسوف: "إن الشمس والقمر خَلْقان من خَلْق الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله - ﷿ - إذا تَجَلى لشيء من خلقه خشع له".
وسبق في المبحث السابق: الشمس بيان ضعف هذالزيادة في الحديث وأنها لا تصح (^٤).
_________________
(١) القمر: ١ - ٢.
(٢) المعجم الكبير للطبراني: ١١/ ٢٥٠ برقم (١١٦٦٨).
(٣) ص: ٢٨١.
(٤) ص: ٢٨٢.
[ ٣٣٧ ]
المبحث الرابع: النجم
النجم في اللغة:
النون والجيم والميم أصلٌ صحيح يدلُّ على طلوع وظهور، ونَجَمَ النَّجمُ: طَلَعَ، ونجم السن والقرنُ: طلعا.
والنجم الثريا، اسم لها. وإذا قالوا طلع النجم، فإنهم يريدونها. وليس لهذا الحديث نجم، أي أصل ومَطْلَع (^١).
وفي الصحاح: النجم: الكوكب. والنجم الثريا، وهو اسم لها علم، فإذا قالوا طلع النجم يريدون الثريا، وإن أخرجت منه الألف واللام تَنَكّر (^٢).
وفي الاصطلاح: النَّجمة كرة ضخمة من غاز متوهج في السماء (^٣).
وفي الموسوعة الفلكية: النجم: كرة غازية مضيئة، وذات درجة حرارة عالية (^٤).
النوء في اللغة:
نوى: النون والواو والحرف المعتلّ أصلٌ صحيح يدلُّ على معنيين: أحدهما مَقْصَدٌ لشيء، والآخر عَجَمُ شيء.
وبالهمز كلمةٌ تدلُّ على النُّهُوض وناءَ ينوءُ نوءًا: نَهَضَ والنَّوْءُ من
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٣٩٦ - ٣٩٧.
(٢) الصحاح: ٥/ ٢٠٣٩.
(٣) الموسوعة العربية العالمية: ٢٥/ ٢٢٧.
(٤) الموسوعة الفلكية: ٥٢٥.
[ ٣٣٨ ]
أنواءِ المطَر كأنَّه ينهَض بالمطر (^١).
وفي الصحاح: نوأ: ناء ينوء نوءا: نهض بجهد ومشقة. وناء: سقط وهو من الأضداد، والنوء: سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع رقيبه من الشرق يقابله من ساعته، والجمع أنواء (^٢).
الكوكب في اللغة:
في معجم مقاييس اللغة: معنى كوكب في مادة"كب"، وهذا الباب أصل صحيح يدل على جمع وتجمع، ولا يشذ منه شيء، يقال لما تجمع من الرمل كُباب، ومن الباب كوكب الماء وهو معظمه والكوكب يسمى كوكبًا من هذا القياس (^٣).
وفي الصحاح: الكوكب النجم، يقال كوكب وكوكبة، كما قالوا: بياض وبياضة، وعجوز وعجوزة. وكوكب الشئ: معظمه (^٤).
وقد ورد لفظ النجم في القرآن في (٤) مواضع، وبلفظ الجمع في (٩) مواضع (^٥)، أما لفظ النوء فلم يرد في القرآن.
وأما لفظ الكوكب فقد ورد في القرآن في (٣) مواضع، وبلفظ الجمع في موضعين (^٦).
وقد وردت النجوم والكواكب في السنة في (٦٠) حديثًا (^٧).
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٣٦٦.
(٢) الصحاح: ١/ ٧٨ - ٧٩.
(٣) معجم مقاييس اللغة: ٥/ ١٢٤.
(٤) الصحاح: ١/ ٢١٣.
(٥) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٨٦١.
(٦) انظر: المرجع السابق: ٧٩٠.
(٧) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٧.
[ ٣٣٩ ]
الدلائل العقدية للآية الكونية - النجم-:
النجم آية من آيات الله التي تدل على خالقها وعلى قدرته وعلمه وحكمته، فهو آية عظيمة على عظمة الرب وكبريائه، وقد ذكرها الله - ﷿ - ضمن جملة من آياته في سورة النحل، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^١)، ثم قال: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (^٢).
وقد سبق في المبحثين السابقين - عن الآيتين الكونية الشمس والقمر (^٣) - كلام ابن القيم - ﵀ - بأن الله - ﷿ - لم يقسم بشيء من مخلوقاته أكثر من السماء والنجوم والشمس والقمر.
"وهو سبحانه يقسم بما يقسم به من مخلوقاته لتضمنه الآيات والعجائب الدالة عليه، وكلما كان أعظم آية وأبلغ في الدلالة كان إقسامه به أكثر من غيره، ولهذا يعظم هذا القسم" (^٤) كقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (^٥)، وقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (^٦).
_________________
(١) النحل: ١٢.
(٢) النحل: ١٦ - ١٧.
(٣) ص: ٢٥٠.
(٤) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٠٤.
(٥) الواقعة: ٧٥ - ٧٦.
(٦) النجم: ١.
[ ٣٤٠ ]
أولًا: وجود الله:
سبق في المبحثين السابقين - الشمس والقمر- (^١) الاستدلال بهما في مناظرة إبراهيم - ﵇ - على قومه على وجود الله ووحدانيته، وأنه المستحق للعبادة (^٢)، وكذلك استدل إبراهيم - ﵇ - بالكوكب - وهو النجم- من ضمن أدلته على وجود الله وأنه المستحق للعبادة، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٣).
وهذه النجوم التي خلقها الله، وجعلها مصابيح وزينة للسماء، وعلامات يهتدى بها، "من أدل الدلائل على وجود الخالق وقدرته وإرادته وعلمه وحكمته ووحدانيته" (^٤).
ثانيًا: توحيد الربوبية:
الرب هو الخالق المدبر المتصرف، والله - ﷿ - يخبر أنه رب السماوات والأرض وما بينهما، ومن ذلك النجوم (^٥)، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ
_________________
(١) ص: ٢٥٢، ٢٨٨.
(٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٩٠.
(٣) الأنعام: ٧٥ - ٧٩.
(٤) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٢٦.
(٥) انظر: تفسير البغوي: ٣/ ٦٥٤، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٤٢٦، ٧/ ٨٦.
[ ٣٤١ ]
يَعْقِلُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٣)، فدلائل"التسخير والاضطرار عليها من لزومها حركة لا سبيل لها إلى الخروج عنها، ولزومها موضعا من الفلك لا تتمكن من الانتقال عنه، واطراد سيرها على وجه مخصوص لا تفارقه البتة أبين دليل على أنها مسخرة مقهورة على حركاتها، محركة بتحريك قاهر لا متحركة بإرادتها واختيارها" (^٤).
فلا تصرف لها في نفسها بوجه ما، بل ربها وخالقها سبحانه يتصرف بها كيف شاء، وهذا من أدلة ربوبية الله ووحدانيته، ومن أعظم الأدلة"وأوضحها على أن العالم مخلوق لخالق حكيم قدير عليم، قدره أحسن تقدير، ونظمه أحسن نظام، وأن الخالق له يستحيل أن يكون اثنين، بل إله واحد لا إله إلا هو، تعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا" (^٥).
وقد أخبر الله - ﷿ - بأنه رب الشعرى - وهو نجم-، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ (^٦)، "وخصها الله بالذكر، وإن كان رب كل شيء، لأن هذا النجم مما عبد في الجاهلية، فأخبر تعالى أن جنس ما يعبده المشركون
_________________
(١) النحل: ١٢.
(٢) النحل: ١٦ - ١٧.
(٣) الأعراف: ٥٤.
(٤) مفتاح دار السعادة: ٢/ ١٧٩.
(٥) المرجع السابق: ١/ ٣١٩.
(٦) النجم: ٤٩.
[ ٣٤٢ ]
مربوب مدبر مخلوق، فكيف تتخذ إلها مع الله" (^١).
وأقسم الله - ﷿ - بالنجوم، وعظم ذلك القسم، قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (^٢)، وهو" سبحانه إنما يقسم من مخلوقاته بما هو من آياته الدالة على ربوبيته ووحدانيته" (^٣).
ثالثًا: توحيد الألوهية:
قال تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (^٤)، لما ذكر تعالى ما خلقه من المخلوقات العظيمة - ومنها النجوم-، وما أنعم به من النعم العظيمة، ذكر أنه لا يشبهه أحد، وأنه الخالق لجميع المخلوقات، وهو الفعال لما يريد، فكما أنه المنفرد بالخلق والتدبير فهو أحق بالعبادة كلها، وهو واحد في خلقه وتدبيره وواحد في إلهيته وتوحيده وعبادته (^٥).
١ - اليقين والإخلاص:
سبق في المبحثين السابقين الشمس والقمر (^٦) بيان أن رؤية الآيات الكونية - ومنها الشمس والقمر- والتفكر فيها يزيد القلب يقينًا وإيمانًا، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (^٧)، "أي نريه ذلك ليكون عالمًا وموقنًا" (^٨).
_________________
(١) تفسير السعدي: ٨٢٢، وانظر: تفسير الطبري: ٢٧/ ٩٠.
(٢) الواقعة: ٧٥ - ٧٦.
(٣) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٠٥.
(٤) النحل: ١٦ - ١٧.
(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٦٤، تفسير السعدي: ٤٣٧.
(٦) ص: ٢٥٩، ٢٩٢.
(٧) الأنعام: ٧٥.
(٨) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٩١.
[ ٣٤٣ ]
وبيان قول إبراهيم - ﵇ - بعد غياب الشمس والقمر، وأنه تبرأ من الشرك، ووجه وجهه لله - ﷿ -، مخلصًا له.
وفي أول الآيات ذكر الله - ﷿ - قول إبراهيم - ﵇ - عن الكوكب - وهو النجم-، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (^١).
ثم ذكر بعدها توجه إبراهيم - ﵇ - إلى ربه، وبراءته من الشرك وإخلاصه العبادة للذي فطر السماوات والأرض: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (¬٢)
٢ - القسم:
الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا يجوز له أن يقسم إلا بالخالق وأسمائه وصفاته (^٣).
وقد أقسم الله تعالى بالنجم عند هويّه أي سقوطه في الأفق في أخر الليل، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (^٤)، كما أقسم تعالى بالسماء وما جعل فيها من النجوم فقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ (^٥).
" لأن في ذلك من آيات الله العظيمة، ما أوجب أن أقسم به" (^٦)، وغاية
_________________
(١) الأنعام: ٧٦.
(٢) الأنعام: ٧٨ - ٧٩.
(٣) انظر: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد: ٥٩٠.
(٤) النجم: ١ - ٤.
(٥) الطارق: ١ - ٤.
(٦) تفسير السعدي: ٨١٨.
[ ٣٤٤ ]
هذا الإقسام من الله" التنبيه على كمال ربوبيته وعزته وحكمته وقدرته وتدبيره، وتنوع مخلوقاته الدالة عليه المرشدة إليه، بما تضمنته من عجائب الصنعة، وبديع الخلقة، وتشهد لفاطرها وبارئها بأنه الواحد الأحد الذي لا شريك له، وأنه الكامل في علمه وقدرته ومشيئته وحكمته وربوبيته وملكه، وأنها مسخرة مذللة منقادة لأمره، مطيعة لمراده منها" (^١).
رابعًا: الإيمان بالكتب:
قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (^٢).
لما قال الكفار ما قالوا عن القرآن من أنه سحر وشعر وكهانة (^٣) أقسم الله تعالى بالنجوم ومواقعها أي مساقطها في مغاربها، وعظم هذا المقسم به" لأن في النجوم وجريانها، وسقوطها عند مغاربها، آيات وعبرا لا يمكن حصرها" (^٤).
أقسم بذلك على"إثبات القرآن، وأنه حق لا ريب فيه، ولا شك يعتريه، وأنه كريم" (^٥)، في كتاب معظم محفوظ موقر.
وسبق بيان إقسام الله تعالى بالنجم عند هويه (^٦)، ومن جملة المقسم عليه " صحة ما جاء به الرسول - ﷺ - من الوحي الإلهي، لأن في ذلك مناسبة عجيبة، فإن الله تعالى جعل النجوم زينة
_________________
(١) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٦٤.
(٢) الواقعة: ٧٥ - ٧٨.
(٣) انظر: تفسير البغوي: ٤/ ٣١٤، وتفسير ابن كثير: ٧/ ٥٤٣.
(٤) تفسير السعدي: ٨٣٦.
(٥) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي: ٤/ ٥٠.
(٦) ص: ٣١٣.
[ ٣٤٥ ]
للسماء، فكذلك الوحي وآثاره زينة للأرض، فلولا العلم الموروث عن الأنبياء، لكان الناس في ظلمة أشد من الليل البهيم" (^١).
خامسًا: الإيمان بالرسل:
كان من علامة مبعث النبي - ﷺ - رمي الجن بالنجوم، ومنعها من استراق السمع، عن ابن عباس - ﵄ - قال: "كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا، فأما الكلمة فتكون حقا، وأما ما زادوه فيكون باطلا، فلما بعث رسول الله - ﷺ - منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده فوجدوا رسول الله - ﷺ - قائمًا يصلي بين جبلين أراه قال: بمكة، فلقوه فأخبروه، فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض" (^٢).
وسبق بيان إقسام الله تعالى بالنجم عند هويه (^٣)، ومن جملة المقسم عليه "تنزيه الرسول - ﷺ - عن الضلال في علمه، والغي في قصده، ويلزم من ذلك أن يكون مهتديا في علمه، هاديا، حسن القصد، ناصحا للأمة بعكس ما عليه أهل الضلال من فساد العلم، وفساد القصد" (^٤).
_________________
(١) تفسير السعدي: ٨١٨، وانظر: تيسير العزيز الحميد: ٣٩٧.
(٢) سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة سبأ: ٥١٢ برقم (٣٣٢٤)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ومسند الإمام أحمد: ٤/ ٢٨٣ برقم (٢٤٨٢)، ٥/ ١٢٥ برقم (٢٩٧٦)، وقال المحقق: إسناده حسن.
(٣) ص: ٣١٣.
(٤) تفسير السعدي: ٨١٨.
[ ٣٤٦ ]
سادسًا: الإيمان بالملائكة:
سبق في مبحث الآية الكونية القمر (^١) بيان الإقسام من الله - ﷿ - بالسماء والطارق، والمقسم عليه أن كل نفس عليها من الله حافظ من الملائكة يحرسها من الآفات (^٢)، كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (^٣).
سابعًا: الإيمان باليوم الآخر:
أخبر النبي - ﷺ - أن الجنة درجات، وأن أهل الدرجات العلى يراهم من تحتهم كما يرون النجم الطالع في أفق السماء، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء، وإن أبا بكر، وعمر منهم وأنعما" (^٤).
وعن سهل بن سعد - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن أهل الجنة ليتراءون الغُرفة في الجنة، كما تراؤون الكوكب في السماء" (^٥).
وفي بيان صورة أهل الجنة عند دخولهم الجنة بين - ﷺ - أن الزمرة الثانية على أشد نجم في السماء، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم
_________________
(١) ص: ٣١٣.
(٢) انظر: تفسير الطبري: ٣٠/ ١٧٣، تفسير البغوي: ٤/ ٥٩٣.
(٣) الرعد: ١١.
(٤) سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب أبي بكر الصديق - ﵁ -: ٥٧٣، برقم (٣٦٥٨)، وقال: هذا حديث حسن روي من غير وجه، ومسند الإمام أحمد: ١٧/ ٣١٠ برقم (١١٢١٣)، قال المحقق: حسن لغيره، وقال البغوي في شرح السنة: ١٤/ ٩٩ برقم (٣٨٩٢): هذا حديث حسن.
(٥) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف كما يرى الكوكب في السماء: ٤/ ٢١٧٧ برقم (٢٨٣٠).
[ ٣٤٧ ]
على أشد نجم في السماء إضاءة، ثم هم بعد ذلك منازل" (^١).
وفي حديث أخر بين - ﷺ - أنهم على صورة أضواء كوكب دري، فقال: "إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوإ كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب" (^٢).
وأخبر - ﷺ - أنه أعطي الحوض، وأن عدد آنيته عدد النجوم، وفي رواية أكثر من عدد النجوم، فعن أنس - ﵁ - قال: "بينا رسول الله - ﷺ - ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آنفا سورة فقرأ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (^٣)، ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي - ﷿ -، عليه خير كثير وحوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج (^٤) العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي؟ فيقول: ما تدري ما أحدثت بعدك" (^٥).
وعن أبي ذر - ﵁ - قال: قلت يا رسول الله ما آنية الحوض؟ قال: "والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها ألا في الليلة المظلمة المصحية، آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه، يشخب فيه
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر وصفاتهم وأزواجهم: ٤/ ٢١٧٨ برقم (٢٨٣٤).
(٢) سبق تخريجه: ٢٩٦.
(٣) الكوثر: ١ - ٣.
(٤) أي يجتذب ويقتطع، وأصل الخلج: الجذب والنزع. النهاية في غريب الحديث والأثر: ٢/ ٥٩.
(٥) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب حجة من قال البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة: ١/ ٣٠٠ برقم (٤٠٠).
[ ٣٤٨ ]
ميزابان من الجنة، من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله، ما بين عمان إلى أيلة، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل" (^١).
ثامنًا: منزلة الصحابة:
عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يوعدون، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" (^٢).
في هذا الحديث تشبيه منزلة الصحابة للأمة بمنزلة النجوم للسماء (^٣)؛ فالنجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر وكذلك الصحابة، والنجوم زينة للسماء، ورجوم للشياطين حائلة بينهم وبين استراق السمع لئلا يلبسوا بما يسترقونه من الوحي الوارد إلى الرسل من الله على أيدي ملائكته، وكذلك الصحابة زينة للأرض ورجومًا لشياطين الإنس والجن الذي يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا (^٤)، فإذا انطمست النجوم، أوشك أن تضل الهداة، وهو"إشارة إلى الفتن الحادثة بعد انقراض عصر الصحابة من طمس السنن وظهور البدع وفشو الفجور في أقطار الأرض" (^٥).
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب إثبات حوض نبينا - ﷺ - وصفاته: ٤/ ١٧٩٨ برقم (٢٣٠٠).
(٢) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب بيان أن بقاء النبي - ﷺ - أمان لأصحابه وبقاء أصحابه أمان للأمة: ٤/ ١٩٦١ برقم (٢٥٣١).
(٣) انظر: الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق: أحمد أبو العينيين، دار الفضيلة، الرياض، ط ١: ٤٣٧.
(٤) انظر: مفتاح دار السعادة: ١/ ١٠٩.
(٥) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي لمحمد بن عبدالرحمن المباركفوري، تحقيق، عبد الرحمن محمد عثمان، دار ابن تيمية، القاهرة: ١٠/ ٢٢٧.
[ ٣٤٩ ]
تاسعًا: النهي عن مشابهة المشركين واليهود والنصارى:
سبق في المبحث السابق: الشمس الاستدلال بها على النهي عن مشابهة المشركين (^١) في السجود لها عند غروبها، وفيما يتعلق بالنجم ورد في الحديث أن النبي - ﷺ - نهى عن الصلاة بعد العصر حتى يطلع الشاهد، وهو النجم - وسمي النجم شاهدا؛ لأنه يشهد بمغيب الشمس ودخول الليل (^٢).
عن أبي بصرة الغفاري - ﵁ - قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - العصر بالمخَمَّص (^٣) فقال: "إن هذه الصلاة عرضت على من كان قبلكم فضيعوها، فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد" (^٤).
كما أن النبي - ﷺ - أخبر أن تأخير الفطر حتى تشتبك النجوم وكذلك تأخير صلاة المغرب عادة أهل الكتاب - اليهود والنصارى- وقد أمرنا بمخالفتهم (^٥)، قال - ﷺ -: " لا تزال أمتي بخير - أو قال على الفطرة - ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم" (^٦)، وكذلك فعلت الرافضة (^٧)، فالحديث
_________________
(١) ص: ٢٦٥.
(٢) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: ٣/ ٤٥٨.
(٣) بخاء معجمة: طريق في جبل عير إلى مكة. انظر: معجم البلدان: ٥/ ٧٣.
(٤) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها: ١/ ٥٦٨ برقم (٨٣٠).
(٥) انظر: منهاج السنة النبوية: ١/ ٣١.
(٦) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب في وقت المغرب: ٧٠ برقم (٤١٨)، ومسند الإمام أحمد: ٢٨/ ٥٦٤ برقم (١٧٣٢٩)، وقال محققه: إسناده حسن، وصححه الألباني: انظر: صحيح سنن أبي داود: ١/ ٨٤.
(٧) الرافضة: طائفة من أهل البدع والضلال، سموا بذلك لكونهم رفضوا زيد بن علي لما تولى الشيخين، وهم يعرفون اليوم بالشيعة والإمامية، والاثنى عشرية والجعفرية، وأصولهم أربعة: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامية، وقد ستروا تحت كل واحد منها بعض بدعهم، ويغلب عليهم الغلو في أئمتهم. انظر: فرق الشيعة للحسن النوبختي، تحقيق: محمد آل بحر العلوم، المكتبة الأزهرية، القاهرة، ومقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت: ١/ ٦٥، الفرق بين الفرق: ٢٩، الفصل في الملل والنحل: ٥/ ٣٥.
[ ٣٥٠ ]
"يدل على استحباب المبادرة بصلاة المغرب وكراهة تأخيرها إلى اشتباك النجوم، وقد عكست الروافض القضية فجعلت تأخير صلاة المغرب إلى اشتباك النجوم، مستحبا والحديث يرده" (^١).
_________________
(١) عون المعبود شرح سنن أبي داود، لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، تحقيق: عبد الرحمن محمد عثمان، المكتبة السلفية، المدينة: ٢/ ٨٧، وانظر: سبل السلام شرح بلوغ المرام لمحمد بن إسماعيل الصنعاني: ٢/ ٣١٣.
[ ٣٥١ ]
المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - النجم-:
أولًا: عبادة النجوم:
سبق في المبحثين السابقين: الشمس والقمر (^١)، بيان أنهما عبدا من دون الله - ﷿ -، وأنهما جعلا آلهة وأربابًا (^٢)، وجعلوا لهما مصحفًا، ويسبحون لهما ويدعونهما.
كماسبق أيضًا في المبحثين السابقين: الشمس والقمر كلام ابن القيم - ﵀ - عن تعظيم المشركين للشمس والقمر والكواكب، وأنهم يسجدون لها، ويتذللون لها، ويسبحونها تسابيح لها معروفة في كتبهم، ودعوات لا ينبغي أن يدعى بها إلا خالقها وفاطرها وحده.
وأنهم جعلوا للكواكب مصحفًا، وتسبيحةً خاصة، وأن في مصحف الكواكب من مخاطبته بالخطاب الذي لا يليق إلا بالله - ﷿ -، ولا ينبغي لأحد سواه، ومن الخضوع والذل والعبادة.
وهذه النجوم والكواكب من مخلوقات الله، تحت قهره وتسخيره، وتسجد لخالقها، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (^٣).
_________________
(١) ص: ٢٦٩، ٢٩٨.
(٢) انظر: الملل والنحل: ٢/ ١٢٩٢، والموسوعة العربية العالمية: ١/ ٦٠٣.
(٣) الحج: ١٨.
[ ٣٥٢ ]
ثانيًا: نسبة الحوادث إلى حركة النجوم:
سبق في المبحثين السابقين: الشمس والقمر (^١) بيان أن من المخالفات العقدية نسبة الحوادث إلى حركة الشمس والقمر، وما تقتضيه هذه الحركة من السعود والنحوس، وما تعطيه من السعادة والشقاوة، وتهبه من الأعمار والأرزاق والآجال، والصنائع والعلوم والمعارف، والصور الحيوانية والنباتية والمعدنية، وسائر ما في هذا العالم من الخير والشر.
وكذلك يقال في نسبة الحوادث والسعود والنحوس إلى النجوم والبروج، فقد جعلوا لكل نجم ولكل برج من البروج تأثيرًا في الحوادث وعلامة عليها، وربط لها بالاعتقادات الباطلة.
وقد كانت العرب إذا رمي بنجم تقول: ولد رجل عظيم، أو مات رجل عظيم، وتدعي نسبة ما يحدث في هذه المدة من مطر أو ريح أو برد أو حر إلى النجم الساقط، أو النجم الطالع (^٢).
عن عبد الله بن عباس - ﵄ - قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي - ﷺ - من الأنصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله - ﷺ - رمي بنجم فاستنار فقال لهم رسول الله - ﷺ -: " ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم، فقال رسول الله - ﷺ -: فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته؛ ولكن ربنا ﵎ اسمه إذا قضى أمرا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال، قال: فيستخبر بعض
_________________
(١) ص: ٢٧٠، ٢٩٩.
(٢) انظر: كتاب الاستذكار، كتاب الاستسقاء، باب الاستمطار بالنجوم: ٧/ ١٥٣.
[ ٣٥٣ ]
أهل السماوات بعضا، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم ويرمون به، فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون (^١) فيه ويزيدون" (^٢).
وعلم التنجيم ينقسم إلى قسمين (^٣):
الأول: علم التأثير، وهو أن يستدل بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية; فهذا محرم باطل، فعن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد" (^٤).
وقال - ﷺ - في الشمس والقمر: " إنهما آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته" (^٥)، فالأحوال الفلكية لا علاقة بينها وبين الحوادث الأرضية.
الثاني: علم التسيير، وهو ما يستدل به على الجهات والأوقات; فهذا جائز، وقد يكون واجبا أحيانا، كما قال الفقهاء: إذا دخل وقت الصلاة يجب على الإنسان أن يتعلم علامات القبلة من النجوم والشمس والقمر (^٦)،
_________________
(١) قال النووي في شرح صحيح مسلم ١٤/ ٢٢٦: هذه اللفظة ضبطوها من رواية صالح على وجهين: أحدهما: بالراء والثانى بالذال، ووقع فى رواية الأوزاعى وبن معقل الراء باتفاق النسخ، ومعناه يخلطون فيه الكذب، وهو بمعنى يقذفون.
(٢) صحيح مسلم، كتاب السلام، باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان: ٤/ ١٧٥٠ برقم (٢٢٢٩).
(٣) انظر: تيسير العزيز الحميد: ٤٤١،، والقول المفيد على كتاب التوحيد: ١/ ٥١٩.
(٤) سنن أبي داود، كتاب الطب، باب في النجوم: ٤٢٨ برقم (٣٩٠٥)، وسنن ابن ماجه، كتاب الأدب، باب في تعلم النجوم: ٤٠٠ برقم (٣٧٢٦)، والإمام أحمد في مسنده: ٥/ ٤١ برقم (٢٨٤٠)، وقال محققه: إسناده صحيح. وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود: ٢/ ٧٣٩.
(٥) سبق تخريجه: ٥.
(٦) انظر: المغني: ٢/ ١٠٢ وما بعدها، وروضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي، إشراف زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٣: ١/ ٢١٧.
[ ٣٥٤ ]
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (^٢).
ونسبة الحوادث إلى الكواكب على أقسام (^٣):
القسم الأول: نسبة الفعل للكوكب، وادعاء أنه هو يفعل بذاته فهذا كفر أكبر؛ لأن الخلق والأمر لله وحده، كما قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (^٤).
القسم الثاني: اعتقاد أن الفعل من عند الله، مع نسبته إلى الكوكب والنوء نسبة سبب، فهذا من الشرك الأصغر، وقد دلت الأدلة على تحريمه، منها:
قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (^٥)، فهذه الآية نزلت في الذين يقولون: مطرنا بنوء كذا، ولا ينسبونه إلى الله تعالى.
وعن ابن عباس - ﵄ - قال: مطر الناس على عهد النبي - ﷺ -، فقال النبي - ﷺ -: " أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر". قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا. قال: فنزلت هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ حتى بلغ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (^٦) " (^٧).
وعن زيد بن خالد الجهني - ﵁ - أنه قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة
_________________
(١) النحل: ١٦.
(٢) الأنعام: ٩٧.
(٣) انظر: تيسير العزيز الحميد: ٣٩٤، والقول المفيد: ٢/ ٣١، والتنجيم والمنجمون وحكم الإسلام في ذلك: ١٥٢ وما بعدها.
(٤) الأعراف: ٥٤.
(٥) الواقعة: ٨٢.
(٦) الواقعة: ٧٥ - ٨٢.
(٧) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء: ١/ ٨٤ برقم (٧٣).
[ ٣٥٥ ]
الصبح بالحديبية في إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" (^١).
القسم الثالث: جعل الأنواء علامة على المطر مع عدم نسبته إليه لا قولًا ولا اعتقادًا، وهذا جائز، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (^٣).
وقد دلت الآيات السابقة على جواز جعل الرياح علامة على المطر بحسب ما جرت به العادة، وكذلك الأنواء يجوز جعلها علامة على ما جرت به العادة، بشرط أن يعتقد أن النوء لا تأثير له في نزول المطر، ولا هو فاعل، وأن المنفرد بإنزاله هو الله وحده (^٤).
وعن سعيد بن المسيب (^٥)
- ﵀ - قال: "قد حدثني من لا أتهم أنه شهد
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء: ١/ ٨٣ برقم (٧١).
(٢) الأعراف: ٥٧.
(٣) الفرقان: ٤٨.
(٤) انظر: تيسير العزيز الحميد: ٣٩٥، والقول المفيد: ٢/ ٣١.
(٥) هو: سعيد بن حزن بن المسيب القرشي المخزومي، عالم أهل المدينة، وسيد التابعين في زمانه، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر - ﵁ -، وقيل: لأربع مضين منها بالمدينة. وتوفي سنة ٩٤. انظر: سير أعلام النبلاء: ٤/ ٢١٧، وشذرات الذهب: ١/ ٣٧٠.
[ ٣٥٦ ]
المصلى مع عمر بن الخطاب - ﵁ - وهو يستسقي بالناس عام الرمادة، قال: فدعا والناس طويلًا، واستسقى طويلًا، وقال للعباس بن عبد المطلب: يا عباس كم بقي من نوء الثريا؟ فقال له العباس - ﵁ -: يا أمير المؤمنين إن أهل العلم بها يزعمون أنها تعترض بالأفق بعد وقوعها سبعًا. قال: فوالله ما مضت تلك السبع حتى أغيث الناس" (^١).
قال الشافعي - ﵀ -: " إنما أراد عمر بن الخطاب - ﵁ - بقوله: كم بقي من وقت الثريا؟ ليعرفهم بأن الله - ﷿ - قدر الأمطار في أوقات فيما جربوا، كما علموا أنه قدر الحر والبرد بما جربوا في أوقات" (^٢).
ثالثًا: تحريف معنى سجود النجوم:
سبق في المبحثين السابقين: الشمس والقمر (^٣)، بيان أن من المخالفات العقدية تحريف معنى سجود الشمس والقمر، في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ (^٤).
فقال بعضهم: أن المراد بهذا السجود الخشوع والانقياد، وقيل: المراد
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي: ٣/ ٣٥٩، والطبري في تفسيره: ٢٧/ ٢٤٣ قال الذهبي في المهذب في اختصار السنن الكبير، تحقيق حامد إبراهيم أحمد، ومحمد العقبي، مطبعة الإمام، مصر: ٣/ ٣٣٢: "حسن غريب".
(٢) الأم للإمام محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: رفعت فوزي عبد المطلب، دار الوفاء، مصر، ط: ٢/ ٥٥٢.
(٣) ص: ٢٧١، ٣٠٠.
(٤) الحج: ١٨.
[ ٣٥٧ ]
بالسجود الدلالة على الله.
وكذلك قيل في سجود النجوم، وأن سجودها سجود ظلها كما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ (^١)، وقيل: أن سجوده طلوعه (^٢).
والجواب أنه قد سبق في مبحث عبودية الكائنات (^٣) أن هذه الآيات الكونية تسجد لله سجودًا حقيقيًا الله أعلم بكيفيته، وأن هذا السجود من الأمور الغيبية التي يجب أن نصدق بها ونسلم، وأن كل شيء يسجد لله طوعا وكرها، وأن سجود كل شيء مما يختص به (^٤)، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (^٥).
رابعًا: نسبة علم النجوم إلى إبراهيم - ﵇ -:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية نسبة علم النجوم إلى إبراهيم - ﵇ - استدلالًا بقوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (^٦)، وهذا من"الكذب والافتراء على خليل الرحمن - ﵇ -؛ فإنه ليس في الآية أكثر من أنه نظر نظرة في النجوم، ثم قال لهم: إني سقيم، فمن ظن من هذا أن علم أحكام النجوم من علم الأنبياء، وأنهم كانوا يراعونه ويعانونه فقد كذب على الأنبياء، ونسبهم إلى ما لا يليق، وهو من جنس من نسبهم إلى
_________________
(١) النحل: ٤٨.
(٢) انظر: تفسير البغوي: ٤/ ٢٨٤، تفسير ابن كثير: ٧/ ٤٨٩.
(٣) انظر: ٦٥.
(٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٥/ ٤٠٣، تفسير السعدي: ٨٢٨.
(٥) الإسراء: ٤٤.
(٦) الصافات: ٨٨ - ٨٩.
[ ٣٥٨ ]
الكهانة والسحر وزعم أن تلقيهم الغيب من جنس تلقى غيرهم
ولا ريب أن هؤلاء أبعد الخلق عن الأنبياء وأتباعهم ومعرفتهم ومعرفة مرسلهم وما أرسلهم به" (^١).
وهذا الفعل والصنيع من صنائع المشركين وعلومهم، وقد بعثت الرسل بالإنكار على هؤلاء المشركين ومحقهم، ومحق علومهم وأعمالهم من الأرض، وهذا معلوم بالاضطرار لكل من آمن بالرسل صلوات (^٢).
خامسًا: الأقوال والألفاظ المخالفة:
ومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية -النجم - ذكر بعض الأقوال المخالفة، منها:
١ - قول مطرنا بنوء كذا، ونحوه:
وسبق بيان حكم ذلك والتفصيل فيه (^٣).
_________________
(١) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣، وانظر: تيسير العزيز الحميد: ٣٨٣.
(٢) انظر: المرجع السابق: ٢/ ٢٧٣.
(٣) ص: ٣٢٢، وانظر: معجم المناهي اللفظية: ٥١٣ - ٥١٩.
[ ٣٥٩ ]
الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:
ورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:
١ - الاستدلال بحديث "إذا ذكرت النجوم فأمسكوا" على التنجيم:
عن ثوبان - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "إذا ذكر أصحابي فامسكوا، وإذا ذكرت النجوم فامسكوا، إذا ذكر القدر فأمسكوا" (^١).
قال ابن القيم - ﵀ -: " فهذا الحديث لو ثبت لكان حجة عليه لا له؛ إذ لو كان علم الأحكام النجومية حقا لا باطلا لم ينه عنه النبي - ﷺ -، ولا أمر بالإمساك عنه؛ فإنه لا ينهى عن الكلام في الحق، بل هذا يدل على أن الخائض فيه خائض فيما لا علم له به، وأنه لا ينبغي له أن يخوض فيه، ويقول على الله ما لا يعلم، فأين في هذا الحديث ما يدل على صحة علم أحكام النجوم" (¬٢).
٢ - النهي عن السفر والقمر في العقرب:
روي عن علي - ﵁ - أنه قال: "لا تسافروا في محاق الشهر، ولا إذا كان
_________________
(١) رواه الطبراني في المعجم الكبير: ٢/ ٩٦ برقم (١٤٢٧)، ورواه من حديث ابن مسعود - ﵁ -: ١٠/ ١٩٨ برقم (١٠٤٤٨)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: ٧/ ٤١٢: "فيه يزيد بن ربيعة وهو ضعيف"، وقال في حديث ابن مسعود: "فيه مسهر بن عبد الملك وثقه ابن حبان وغيره وفيه خلاف، وبقية رجاله رجال الصحيح".
(٢) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٩٨.
[ ٣٦٠ ]
القمر في العقرب" (^١).
قال ابن القيم - ﵀ -: " وأما أحاديث النهي عن السفر والقمر في العقرب فصحيح من كلام المنجمين، وأما رسول رب العالمين فبريء ممن نسب إليه هذا الحديث وأمثاله ولكن إذا بعد الإنسان عن نور النبوة واشتدت غربته عما جاء به الرسول - ﷺ - جوز عقله مثل هذا" (^٢).
_________________
(١) يروى عن علي - ﵁ - من قوله، انظر: الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث لأحمد بن عبد الكريم العامري، تحقيق: بكر بن عبد الله أبو زيد، دار الراية، الرياض، ط ٢: ١٤٠، وقال الصغاني في الموضوعات: ١/ ٦١ برقم (٩٩): "موضوع"، وانظر مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٦١.
(٢) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٩٨.
[ ٣٦١ ]
المبحث الخامس: الرعد والبرق والصواعق
الرعد في اللغة:
الراء والعين والدال أصل واحد يدل على حركة واضطراب. وكل شيء اضطرب فقد ارتعد ومن الباب الرَّعْد، وهو مَصْع مَلَكٍ يسوق السَّحَاب. والمَصْع: الحركة والذهاب والمجيء (^١).
وفي الصحاح: الرعد: الصوت الذي يسمع من السحاب (^٢).
وفي الاصطلاح: الرَّعد تفريغ كهربائي من سحابة إلى أخرى أو من سحابة إلى الأرض، يصحبه انبعاث شرارات تعرف بالبرق. وهذه الشرارات تحدث حرارة عالية في مناطق الهواء التي تنبعث منها فتتمدد تلك المناطق على نحو فجائي، وهذه الحرارة تجعل جزيئات الهواء تتمدد أو تتطاير في كل الاتجاهات. وبينما تبحث الجزيئات عن حيز أكبر، فإنها تصطدم بعنف بطبقات الهواء البارد، محدثة موجة هوائية ضخمة يكون لها صوت الرعد (^٣).
البرق في اللغة:
الباء والراء والقاف أصلان تتفرع الفروع منهما: أحدهما لمعانُ الشيء، والآخر اجتماع السواد والبياض في الشيء. والبرق: وَمِيضُ السَّحاب، يقال
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة: ٢/ ٤١١.
(٢) الصحاح: ٢/ ٤٧٤.
(٣) الموسوعة العربية العالمية: ١١/ ٢٥٣.
[ ٣٦٢ ]
بَرَقَ السَّحَابُ بَرْقًا وبَريقًا. وأبْرَقَ أيضًا لغة (^١).
وفي الصحاح: برق السيف وغيره يبرق بروقا، أي تلالا. والاسم البريق. والبرق: واحد بروق السحاب. ويقال رعدت السماء وبرقت برقانا (^٢).
وفي الاصطلاح: البَرْق شرارة كهربائية عملاقة في السماء. وأغلب البرق الذي يراه الناس يكون بين السحابة وسطح الأرض. ولكن من الممكن حدوث البرق أيضًا داخل سحابة، أو بين السحابة والهواء، أو بين سحابتين (^٣).
الصواعق في اللغة:
الصاد والعين والقاف أصل واحد يدلّ على صَلْقَةٍ وشِدَّة صوت. ومن ذلك الصعق، وهو الصوت الشديد. يقال حِمارٌ صَعِقُ الصوت، إذا كان شديده. ومنه الصَّاعقة، وهي الوقع الشديد من الرعد. ومنه قولهم: صَعِق، إذا مات، كأنَّه أصابته صاعقة (^٤).
وفي الصحاح: الصاعقة: نار تسقط من السماء في رعد شديد. يقال: صعقتهم السماء إذا ألقت عليهم الصاعقة. والصاعقة أيضا: صيحة العذاب (^٥).
وفي الاصطلاح: دوي حاد يسبقة عادة وميض البرق، وهو ناتج عن
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة: ١/ ٢٢١.
(٢) الصحاح: ٤/ ١٤٤٨.
(٣) الموسوعة العربية العالمية: ٤/ ٣٣٦.
(٤) معجم مقاييس اللغة: ٣/ ٢٨٥.
(٥) الصحاح: ٤/ ١٥٠٦.
[ ٣٦٣ ]
انفجار شحنة كهربائية كامنة في السماء (^١).
وقد ورد لفظ الرعد في القرآن في موضعين (^٢)، ولفظ البرق في (٥) مواضع (^٣)، ولفظ الصاعقة في (٦) مواضع، وبلفظ الجمع في موضعين (^٤).
وورد الرعد والبرق والصاعقة في السنة في (٢١) حديثًا (^٥).
_________________
(١) قاموس الجغرافيا لمجموعة من الأساتذة بإشراف علي لبيب، الدار العربية للعلوم، بيروت، ط ١: ١٤٧.
(٢) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٤٠٩.
(٣) انظر: المرجع السابق: ١٥٠.
(٤) انظر: المرجع السابق: ٥١٨.
(٥) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٧.
[ ٣٦٤ ]
الدلائل العقدية للآيات الكونية - الرعد والبرق والصواعق-:
الرعد والبرق والصواعق من آيات الله الكونية، وجند من جنود الله التي لا يعلمها
إلا هو.
وأفرد القرآن الكريم سورة باسم الرعد ذكر الله تعالى فيها من آيات القدرة وعجائب الكون الدالة على وحدانيته وقدرته: الرعد والبرق والصواعق، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (^١).
أولًا: وجود الله:
أمر الله - ﷿ - بالتفكر في آياته المشاهدة المحسوسة ومنها البرق، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٢) فجعل" إراءتهم البرق، وأنزل الماء من السماء، وإحياء الأرض به آيات لقوم يعقلون؛ فإن هذه أمور مرتبة بالأبصار، مشاهدة بالحس، فإذا نظر فيها ببصر قلبه - وهو عقله - استدل بها على وجود الرب تعالى وقدرته وعلمه ورحمته وحكمته، وإمكان ما أخبر به من حياة الخلائق بعد موتهم كما أحيا هذه
_________________
(١) الرعد: ١٢ - ١٣.
(٢) الروم: ٢٤.
[ ٣٦٥ ]
الأرض بعد موتها، وهذه أمور لا تدرك إلا ببصر القلب - وهو العقل - فإن الحس دل على الآية، والعقل دل على ما جعلت له آية، فذكر سبحانه الآية المشهودة بالبصر، والمدلول عليه المشهود بالعقل" (^١).
ثانيًا: توحيد الربوبية:
قد جعل الله - ﷿ - البرق دليلًا على عظمته (^٢)، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (^٣).
ومن آيات الله التي يستدل بها على توحيد الربوبية إنزال المطر الذي تحيا به البلاد والعباد، وقبل نزوله مقدماته من الرعد والبرق الذي يُخاف ويُطمع فيه، فهذه الآيات دالة على عموم إحسانه وسعة علمه وكمال إتقانه، وعظيم حكمته وأنه يحيي الموتى كما أحيا الأرض بعد موتها (^٤).
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٥).
ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات:
١ - التسبيح:
أخبر الله - ﷿ - أن الرعد يسبحه وينزهه عن كل عيب ونقص (^٦)، قال تعالى:
_________________
(١) مفتاح دار السعادة: ١/ ٢٨٩.
(٢) انظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٧٣.
(٣) النور: ٤٣ - ٤٤.
(٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٣١٠، وتفسير السعدي: ٦٣٩.
(٥) الروم: ٢٤.
(٦) انظر: تفسير البغوي: ٢/ ٥١٨.
[ ٣٦٦ ]
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (^١).
وعن عبد الله بن الزبير - ﵁ -: أنه كان إذا سمع صوت الرعد ترك الحديث، وقال: "سبحان من يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته" (^٢).
رابعًا: توحيد الألوهية:
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (^٣).
أخبر الله - ﷿ - في هذه الآيات - فيما يتعلق بالبرق والرعد والصواعق- أنه يُري عباده البرق الذي يخاف منه الصواعق والهدم، وأنواع الضرر على بعض الثمار ونحوها ويطمع في خيره ونفعه، وأن الرعد يسبح بحمده، وأنه يرسل الصواعق على من يشاء من عباده بحسب ما شاءه وأراده (^٤).
فإذا كان الله - ﷿ - هو الذي يفعل ذلك وحده، فهو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، وأن تصرف جميع العبادات له وحده، وأن غيره مما عبد من دون الله فألوهيته باطلة (^٥)، لذا قال بعدها: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ
_________________
(١) الرعد: ١٣.
(٢) موطأ الإمام مالك، كتاب الكلام، باب: القول إذا سمعت الرعد: ٧٥٧ برقم (١٩٣٠)، والسنن الكبرى للبيهقي: كتاب صلاة الاستسقاء، باب: ما يقول إذا سمع الرعد: ٣/ ٣٦٢، وصححه النووي في الأذكار، كتاب الأذكار في صلوات مخصوصة، باب ما يقول إذا سمع الرعد: ٣٠٢ برقم (٥٢١). وانظر: الاستذكار، كتاب الكلام، باب: القول إذا سمعت الرعد: ٢٧/ ٣٨٠.
(٣) الرعد: ١٢ - ١٣.
(٤) انظر: تفسير السعدي: ٤١٤.
(٥) انظر: المرجع السابق: ٤١٤.
[ ٣٦٧ ]
مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ (^١).
خامسًا: الإيمان بالملائكة:
من الإيمان بالملائكة الإيمان بما أخبر به النبي - ﷺ - من أعمالهم، وقد سئل النبي - ﷺ - عن الرعد، فأخبر أنه ملك من الملائكة موكل بالسحاب، وأن الصوت الذي يسمع هو زجره السحاب (^٢).
وعن ابن عباس - ﵄ - قال: أقبلت يهود إلى النبي - ﷺ -، فقالوا: يا أبا القاسم، أخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال: "ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق (^٣) من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله"، فقالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: "زجرة بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر، قالوا: صدقت" (^٤).
وهذا لا يخالف التفسير العلمي له، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: " وقد روي عن بعض السلف أقوال لا تخالف ذلك، كقول من يقول: إنه اصطكاك أجرام السحاب، بسبب انضغاط الهواء فيه، فإن هذا لا يناقض
_________________
(١) الرعد: ١٤.
(٢) انظر: كتاب المطر والرعد والبرق والريح: ١١٣، ١٢٣، وتفسير البغوي: ٢/ ٥١٨، والاستذكار، كتاب الكلام، باب القول إذا سمعت الرعد: ٢٧/ ٣٨٠.
(٣) مخاريق: جمع مخراق، وهو في الأصل ثوب يلف ويضرب به الصبيان بعضهم بعضا، أراد أنه آلة تزجر بها الملائكة السحاب وتسوقه. انظر: النهاية في غريب الحديث: ٢/ ٢٦.
(٤) سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الرعد: ٤٩٦ برقم (٣١١٧)، وقال: هذا حديث حسن غريب، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب عشرة النساء، باب كيف تؤنث المرأة وكيف يذكر الرجل: ٨/ ٢١٧ برقم (٩٠٢٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي: ٣/ ٦٤.
[ ٣٦٨ ]
ذلك، فإن الرعد مصدر رعد يرعد رعدًا، وكذلك الراعد يسمى رعدًا، كما يسمى العادل عدلا.
والحركة توجب الصوت، والملائكة هي التي تحرك السحاب، وتنقله من مكان إلى مكان.
وكل حركة في العالم العلوي والسفلي فهي عن الملائكة. وصوت الإنسان هو عن اصطكاك أجرامه الذي هو شفتاه، ولسانه، وأسنانه ولهاته، وحلقه، وهو مع ذلك يكون مسبحا للرب، وآمرا بمعروف وناهيا عن منكر، فالرعد إذًا صوت يزجر السحاب" (^١).
سادسًا: الإيمان بالرسل:
الصواعق جند من جند الله يؤيد بها رسله، وقد بعث النبي - ﷺ - رجلًا مرة إلى رجل من فراعنة العرب يدعوه إليه، فذهب إليه، وقال: يدعوك رسول الله - ﷺ -. قال: وما الله؟ أمن ذهب هو أو من فضة أو من نحاس؟ فأخبر النبي - ﷺ - بذلك، فأرسل إليه النبي - ﷺ - مرارًا، وهو يقول مثل هذا، فأرسل الله عليه صاعقة فذهبت بقحف (^٢) رأسه (^٣)، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (^٤) "أي يرسلها نقمَةً ينتقم بها ممن يشاء" (^٥).
_________________
(١) مجموع الفتاوى: ٢٤/ ٢٦٣. وانظر: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني لمحمود الألوسي أبو الفضل، دار إحياء التراث العربي، بيروت: ١/ ١٧١.
(٢) القحف: العظم فوق الدماغ. انظر: معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٦١.
(٣) انظر: أسباب النزول للواحدي، تحقيق: أحمد صقر، دار القبلة، جدة: ٣١٤، وتفسير القرطبي: ٩/ ٢٦٩.
(٤) الرعد: ١٣.
(٥) تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٤٢.
[ ٣٦٩ ]
سابعًا: الإيمان باليوم الآخر:
في بيان حال الناس يوم القيامة عند مرورهم على الصراط بحسب أعمالهم بين النبي - ﷺ - أن أولهم يمر كالبرق، ففي حديث أبى هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: " فيأتون محمدا - ﷺ -، فيقوم فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم، فتقومان جنبتى الصراط يمينا وشمالا فيمر أولكم كالبرق". قال: قلت بأبي أنت وأمي: أي شيء كمر البرق؟ قال: " ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرجال، تجرى بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجئ الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا - قال -: وفى حافتى الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج، ومكدوس فى النار" (^١).
وفي حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: "ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون: اللهم سلم سلم، قيل يا رسول الله: وما الجسر؟ قال دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسك تكون بنجد، فيها شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاود الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم" (^٢).
ثامنًا: الإيمان بالقدر:
من مراتب الإيمان بالقدر الإيمان بمشية الله، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن.
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب أدني أهل الجنة منزلة فيها: ١/ ١٨٦ برقم (١٩٥).
(٢) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية: ١/ ١٦٧ برقم (١٨٣).
[ ٣٧٠ ]
وقد أخبر الله - ﷿ - أنه يصيب بالصواعق من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، وأن ذلك بحسب ما اقتضاه حكمه القدري (^١)، قال تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (^٢).
تاسعًا: مسائل الأسماء والأحكام:
بين الله - ﷿ - في أول سورة البقرة أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: مؤمنين خلص، وكفار خلص، ومنافقين.
وهؤلاء المنافقون قسمان: خلص، وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون، تارة يظهر لهم لمع من الإيمان وتارة يخبو وهم أصحاب المثل المائي (^٣) -الذي ذكر الله فيه الرعد والبرق والصواعق- قال تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٤).
وقد استدل أهل السنة والجماعة بهذه الآية على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان، وشعبة من نفاق، إما اعتقادي مخرج عن الإسلام، أو عملي لا يخرج عن الإسلام (^٥).
_________________
(١) انظر: تفسير السعدي: ٥٧٠.
(٢) الرعد: ١٣.
(٣) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١٨٨.
(٤) البقرة: ١٩ - ٢٠.
(٥) انظر: مجموع الفتاوى: ٧/ ٢٨٠، وتفسير ابن كثير: ١/ ١٨٩.
[ ٣٧١ ]
عاشرًا: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال:
ضرب الأمثال:
من منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال ضرب الأمثلة لتوضيح الحقائق وتقريبها، وقد ضرب الله مثلًا في أول سورة البقرة للإسلام وحال المنافقين، - ذكر فيه الرعد والبرق والصواعق-، قال تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (^١).
فالمطر الإسلام، وقلوب المنافقين في حال شكهم وكفرهم وترددهم كالمطر من السماء الذي فيه ظلمات ورعد وبرق، والظلمات ما فيه من البلاء والمحن، والرعد: ما فيه من الوعيد والمخاوف في الآخرة؛ فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد والفزع،، والبرق ما فيه من الوعد والوعيد، وما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان، من نور الإيمان.
والصواعق: جمع صاعقة، وهي نار تنزل من السماء وقت الرعد الشديد.
ثم قال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ (^٢) " لشدته وقوته في نفسه، وضعف بصائرهم، وعدم ثباتها للإيمان
فكلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه، وتارة تعْرِض لهم الشكوك أظلمت قلوبهم فوقفوا حائرين" (^٣).
_________________
(١) البقرة: ١٩.
(٢) البقرة: ٢٠.
(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ١٨٩.
[ ٣٧٢ ]
المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية -الرعد والبرق والصواعق-:
أولًا: اعتقاد أن البرق أحد أسلحة الآلهة:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية اعتقاد أن البرق أحد أسلحة الآلهة الباطلة، فقد ظن قدماء الإغريق والرومان أن البرق هو أحد أسلحة الآلهة. وفي بعض المجتمعات الإفريقية كانوا يعتقدون أن الناس والأماكن التي يصيبها البرق ملعونة. وحتى القرن الثامن عشر، كان بعض الناس في أوروبا وأمريكا يعتقدون بإمكان تفادي حدوث البرق إذا دقوا أجراس الكنائس (^١).
ثانيًا: اعتقاد أن قوس قزح (^٢)
هو إله الرعد والبرق عند العرب:
_________________
(١) الموسوعة العربية العالمية: ٤/ ٣٣٦.
(٢) قوس قزح هو الخطوط والطرائق الملونة التي تبدوا في السماء على شكل قوس أيام الربيع، وهو من التقزيح وهو التحين، وقيل من القزح، وهي الطرائق والألوان التي في القوس أو هو من قزح الشيء إذا ارتفع .. ويقال: قزح اسم ملك موكل به. وقزح أيضًا اسم جبل بالمزدلفة. انظر: لسان العرب: ٥/ ٣٦١٩. وجاء قوس قزح في بعض الأحاديث منها: "لا تقولوا قوس قزح فإن قزح شيطان -أو هو الشيطان- ولكن قولوا قوس الله ﷿ فهو أمان لأهل الأرض من الغرق"، وهذا الحديث ذكره ابن الجوزي في كتاب الموضوعات: ١/ ٢١٣، والكتاني في تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الموضوعة: ١/ ١٩١. وقال عنه الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة: ٢/ ٢٦٤: "موضوع". وقال الشيخ ابن باز: لا دليل على كراهة قول قوس قزح. انظر: الدرر البازية على زاد المعاد، تفريغ لتعليقات الشيخ ابن باز - ﵀ - على زاد المعاد لابن القيم، مطبوع بالحاسب الآلي: ١/ ٨٤.
[ ٣٧٣ ]
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات اعتقاد أن قوس قزح هو إله الرعد والبرق والمطر عند العرب (^١).
ومن المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية -الرعد والبرق والصواعق- ذكر بعض الأدعية والأقوال المخالفة، منها:
١ - قول"غضبت السماء" عند نزول الصواعق:
في سؤال وجه لفضيلة الشيخ عبد الرحمن البراك - حفظه الله-: "هل تصح هذه العبارة (غضبت السماء)؟ وهي تكثر عند الأدباء والشعراء".
فأجاب بقوله: " الذي يظهر أن هذه العبارة تقال إذا نزلت شهب أو صواعق مرعبة أو بَرَد مدمر أو طوفان مغرق، فهذه الأمور يجوز أن يقال عنها: إنها نقم سماوية أو مصائب سماوية، على معنى أنها جاءت من جهة السماء، وأما أن تنسب إلى غضب السماء فلا يجوز، لأن ذلك يتضمن أن السماء تغضب، ولا دليل على هذا، ويتضمن أن هذه الكوارث بفعل السماء، وليس كذلك، بل هي بفعل الله، فيلزم منه الشرك في الربوبية، وإذا أريد بقول القائل: (غضبت السماء) التجوز بذلك عن غضب الله، فهو أقبح، فإنه يتضمن إضافة صفة الله إلى غيره، أو تشبيه غيره تعالى به، وبكل حال فلا يجوز استعمال هذه العبارة، والله أعلم.
ويشبه هذه العبارة قول بعضهم (عدالة السماء)، يريد بها الأحكام الشرعية، المشتملة على غاية العدل والحكمة" (^٢).
_________________
(١) الموسوعة العرب ية العالمية: ١/ ٦٠٣، وانظر: موقع ويكيبديا: www.wikipedia.org، والبرق بين العلم والإيمان لعبد الدائم الكحيل: ٤.
(٢) موقع الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك الرسمي. http://albrrak.net/index.php? option=com_ftawa&task=view&id=٣٦٩٥٣
[ ٣٧٤ ]
الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:
ورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:
١ - الرعد والبرق والصواعق فوق السماء السابعة:
عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " رأيت ليلة أسري بي، لما انتهينا إلى السماء السابعة، فنظرت فوقي، فإذا أنا برعد وبرق وصواعق". الحديث (^١).
٢ - البرق والرعد والصواعق غضب من الله:
عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا سمع الرعد والصواعق قال: "اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك" (^٢).
وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "قال ربكم - ﷿ -: لو أن عبيدي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولما أسمعتهم صوت الرعد" (^٣).
_________________
(١) مسند الإمام أحمد: ١٤/ ٢٨٦ برقم (٨٦٤١)، قال المحقق: إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد، وجهالة أبي الصلت، وضعفه ابن كثير، انظر: تفسير ابن كثير: ٣/ ٥١٧.
(٢) سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا سمع الرعد: ٥٤٥، برقم (٣٤٥٠)، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ومسند الإمام أحمد: ١٠/ ٤٧ برقم (٥٧٦٣) وقال محققه: إسناده ضعيف، وضعفه النووي في الأذكار، كتاب الأذكار في صلوات مخصوصة، باب ما يقول إذا سمع الرعد: ٣٠٢ برقم (٥٢٠).
(٣) مسند أبي داود الطيالسي: ٤/ ٣١٢ برقم (٢٧٠٩)، ومسند الإمام أحمد: ١٤/ ٣٢٧ برقم (٨٧٠٨)، وذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية في الأحاديث الواهية: ٢/ ٣٠٦، والألباني في السلسة الضعيفة: ٢/ ٢٨٧ برقم (٨٨٣).
[ ٣٧٥ ]
المبحث السادس المطر والثلج والبرد
المطر في اللغة:
الميم والطاء والراء أصل صحيح فيه معنيان: أحدهما الغيث النازل من السماء، والآخر جنس من العدو. فالأول المطر، ومطرنا مطرا. وقال ناس: لا يقال أمطر إلا في العذاب، قال الله تعالى: ﴿أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ (^١). وتمطر الرجل: تعرض للمطر. ومنه المستمطر: طالب الخير.
والثاني قولهم: تمطّر الرجل في الأرض، إذا ذهب. والمتمطّر: الراكب الفرس يجري به. وتمطّرت به فرسه: جرت (^٢).
وفي الصحاح: المطر: واحد الأمطار. ومطرت السماء تمطرا مطرا، وأمطرها الله، وقد مطرنا. وناس يقولون: مطرت السماء وأمطرت بمعنى. ومطر الرجل في الأرض مطورا، أي ذهب. وتمطّر مثله. ويقال: ذهب البعير فلا أدرى من مطّر به (^٣).
وفي الاصطلاح: المطر شكل من أشكال قطرات الماء المتساقطة. وتتشكل قطرات المطر عندما تتحد قطيرات الماء في السحب، أو عندما تنصهر أشكال التساقط مثل الجليد والمطر الثلجي والبَرَد. وتسقط الأمطار
_________________
(١) الفرقان: ٤٠.
(٢) معجم مقاييس اللغة: ٥/ ٣٣٢ - ٣٣٣.
(٣) الصحاح: ٢/ ٨١٨.
[ ٣٧٦ ]
على معظم أنحاء العالم، ويكون التساقط في المناطق المدارية على شكل أمطار. أما في القارة المتجمدة الجنوبية وفي بعض الأماكن الأخرى في العالم فيكون التساقط ثلجًا.
وتتفاوت قطرات المطر في أحجامها تفاوتًا كبيرًا، كما تتفاوت في سرعة سقوطها (^١).
والمطر في القرآن على وجهين (^٢):
أحدهما: المطر المعروف. ومنه قوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾ (^٣).
والثاني: الحجارة. ومنه قوله تعالى في قصة قوم لوط: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ (^٤).
الثلج في اللغة:
الثاء واللام والجيم أصل واحد، وهو الثلج المعروف. ومنه تتفرع الكلمات المذكورة في بابه. يقال أرض مثلوجة إذا أصابها الثلج (^٥).
وفي الاصطلاح: الثلج ماء متجمّد يتكون عندما تنخفض درجة حرارة المياه إلى درجة الصفر المئوية على أسطح البحيرات، والأنهار، والشوارع والأرصفة المبتلة. ويعد الجليد، والمطر الثلجي، والصقيع، والبَرَد صورًا من الثلج (^٦).
_________________
(١) الموسوعة العربية العالمية: ٢٣/ ٤١٥.
(٢) نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر: ٥٤١.
(٣) النساء: ١٠٢.
(٤) الأعراف: ٨٤، الشعراء: ١٧٣.
(٥) معجم مقاييس اللغة: ١/ ٣٨٥، الصحاح: ١/ ٣٠٢.
(٦) الموسوعة العربية العالمية: ٨/ ٤٧.
[ ٣٧٧ ]
البرد في اللغة:
الباء والراء والدال أصول أربعة: أحدها خلاف الحر، والآخر السكون والثبوت، والثالث الملبوس، والرابع الاضطراب والحركة. وإليها ترجع الفروع (^١).
والبرَد بالتحريك: حب الغمام، وحب المزن (^٢).
وفي الاصطلاح: البَرَدُ مطر جامد ينزل من السماء على شكل كتل جليدية كروية، أو غير منتظمة، وتُسمى هذه الكتل حبُّ البرد. ويتراوح حجم هذه الكتل، بين حجم حبة البازلاء، وحجم البرتقالة، ويمكن أن يكون أكبر من ذلك (^٣).
وقد ورد لفظ المطر في القرآن في (٦) مواضع (^٤)، ولفظ الثلج لم يرد في القرآن، ولفظ البرد في موضع واحد (^٥).
وورد المطر في السنة في (٤٩) حديثًا (^٦).
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة: ١/ ٢٤١.
(٢) القاموس المحيط: ٢٤٢، الصحاح: ١/ ١٠٥، ٢/ ٤٤٦.
(٣) قاموس الجغرافيا: ١٤٧.
(٤) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٨٤٢.
(٥) انظر: المرجع السابق: ١٤٩.
(٦) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٧.
[ ٣٧٨ ]
الدلائل العقدية للآيات الكونية - المطر والثلج والبرد- (^١):
المطر والثلج والبرد من آيات الله الكونية، وقد ذكر الله - ﷿ - إنزال المطر في معرض الامتنان على عباده، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^٢)، وفي موضع آخر بعد أن ذكر إنزال المطر من السماء نهى عن جعل الند له ﷾، فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^٣).
"والله سبحانه إنما يدعو عباده إلى النظر والفكر في مخلوقاته العظام لظهور أثر الدلالة فيها وبديع عجائب الصنعة والحكمة فيها واتساع مجال الفكر والنظر في أرجائها" (^٤)، قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٥).
أولًا: وجود الله:
قد أمر الله - ﷿ - بالتفكر في آياته المشاهدة المحسوسة ومنها المطر، قال
_________________
(١) انظر: الدلالات العقدية للماء في القرآن الكريم للدكتور محمد السحيم، مجلة البحوث الإسلامية، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، العدد (٩٨).
(٢) النحل: ١٠ - ١١.
(٣) البقرة: ٢٢.
(٤) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٧٦.
(٥) الروم: ٥٠.
[ ٣٧٩ ]
تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^١)، وقد سبق نقل كلام ابن القيم - ﵀ - على هذه الآية (^٢)، وأن الأمور المذكورة فيها" مرتبة بالأبصار، مشاهدة بالحس فإذا نظر فيها ببصر قلبه - وهو عقله - استدل بها على وجود الرب تعالى وقدرته وعلمه ورحمته وحكمته، وإمكان ما أخبر به من حياة الخلائق بعد موتهم كما أحيا هذه الأرض بعد موتها، وهذه أمور لا تدرك إلا ببصر القلب - وهو العقل - فإن الحس دل على الآية، والعقل دل على ما جعلت له آية، فذكر سبحانه الآية المشهودة بالبصر، والمدلول عليه المشهود بالعقل" (^٣).
ثانيًا: توحيد الربوبية:
قد بين الله - ﷿ - عظيم قدرته في مخلوقاته وأنه الخالق لها المتصرف فيها، ومن ذلك ما ذكره الله - ﷿ - عن المطر والبرد في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (^٤)، فمن أدلة عظمته - ﷾- وربوبيته أنه يسوق السحاب قطعا متفرقة، ثم يؤلف بين تلك القطع، فيجعله سحابا متراكما مثل الجبال، فينزل منه المطر وينتفع به الناس، وتارة ينزل الله من
_________________
(١) الروم: ٢٤.
(٢) ص: ٣٣١.
(٣) مفتاح دار السعادة: ١/ ٢٨٩.
(٤) النور: ٤٢ - ٤٤.
[ ٣٨٠ ]
ذلك السحاب بردا يتلف ما يصيبه بحسب ما اقتضاه حكمه القدري، وحكمته التي يحمد عليها، فالذي أنشأها وساقها لعباده المفتقرين، وأنزلها على وجه يحصل به النفع وينتفي به الضرر، كامل القدرة، نافذ المشيئة، واسع الرحمة" (^١).
ومن آيات الله التي يستدل بها على توحيد الربوبية"إنزال المطر الذي تحيا به البلاد والعباد، وقبل نزوله مقدماته من الرعد والبرق الذي يُخاف ويُطمع فيه، فهذه الآيات دالة على عموم إحسانه وسعة علمه وكمال إتقانه، وعظيم حكمته وأنه يحيي الموتى كما أحيا الأرض بعد موتها" (^٢)، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٣).
وكان من هدي النبي - ﷺ - أن يفسر عن ثوبه عند نزول المطر، فسئل عن ذلك فقال: "إنه حديث عهد بربه" (^٤) أي قريب العهد بخلق الله تعالى له (^٥)، قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٦).
ومن أدلة ربوبية الله - ﷿ - استجابته لدعاء الداعي، ومن مواطن الاستجابة عند نزول المطر (^٧)، قال - ﷺ -: " ثنتان لا تردان، أو قل ما تردان، الدعاء عند
_________________
(١) تفسير السعدي: ٥٧٠، بتصرف يسير.
(٢) انظر: المرجع السابق: ٦٣٩، وتفسير ابن كثير: ٦/ ٣١٠.
(٣) الروم: ٢٤.
(٤) صحيح مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء: ٢/ ٦١٥ برقم (٨٩٨).
(٥) انظر: فتح الباري: ٢/ ٦٠٤، وشرح صحيح مسلم للنووي: ٦/ ٤٣٥.
(٦) البقرة: ١١٧.
(٧) انظر: مجموع الفتاوى: ٢٧/ ١٢٩.
[ ٣٨١ ]
النداء، وتحت المطر" (^١).
أما الاستمطار وهو: "عملية إسقاط المطر من السحب بطريقة علمية بحته تُجْرَى على السحب المتكوِّنة في الجو. ويسمى أيضًا تطعيم السحب. يستخدم الناس هذه الطريقة، لزيادة كمية المياه بمنطقة معيَّنة، أو لتوفير المياه للري، أو لتوليد الطاقة الكهربائية من المحطات الكهرومائية. وتُستخدم أيضًا لمنع سقوط الأمطار الغزيرة، في المناطق الزراعية خوفًا من تلف المحاصيل" (^٢)، فهذا لا يتم إلا في ظروف خاصة كتوفر السحب، ودرجة معينة لها، إلى غير ذلك من الشروط، ولا يزال العلماء غير قادرين على إثبات أثرها العلمي في كل الحالات (^٣).
وعلى هذا فإنه يجب الإيمان بأن الله تعالى هو الذي ينزل المطر في كل الأحوال، والإنسان بما يسميه الاستمطار الصناعي لم يصنع المطر، ولم يسقطه إلى الأرض، بل يتسبب من خلال ما وفقه الله وهداه إليه من العلم ببعض السنن الكونية التي جعلها الله تعالى في هذا الكون على توفير سبب نزول المطر، ويبذل سببًا، والأمر إلى الله تعالى أولًا وأخرًا، إن شاء انزل المطر، وإن شاء منعه.
_________________
(١) سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب الدعاء عند اللقاء: ٢٨٨ برقم (٢٥٤٠)، وله شواهد، انظر: معجم الطبراني الكبير: ٨/ ١٦٠ برقم (٧٧١٣)، ومعجم الطبراني الصغير: ١/ ٢٨٦، وصحيح الجامع الصغير: ١/ ٥٩٠ برقم (٣٠٧٨).
(٢) الموسوعة العربية العالمية: ١/ ٧٢٤.
(٣) المرجع السابق: ١/ ٧٢٤.
[ ٣٨٢ ]
ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات:
١ - صفة الرحمة:
المطر من رحمة الله (^١)، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، ثم قال: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (^٣)
وكان النبي - ﷺ - إذا رأى المطر يقول: "رحمة" (^٤).
٢ - حكمة الله:
إن التأمل والتفكر في هذه الآيات الكونية - المطر والثلج والبرد - يدل على حكمة الله - ﷿ -، " في نزول المطر على الأرض من علو ليعم بسقيه وهادها وتلالها وظرابها وآكامها ومنخفضها ومرتفعها، ولو كان ربها تعالى إنما يسقيها من ناحية من نواحيها لما أتى الماء على الناحية المرتفعة إلا إذا اجتمع في السفلى وكثر، وفي ذلك فساد فاقتضت حكمته أن سقاها من فوقها
ثم أنزله على الأرض بغاية من اللطف والحكمة التي لا اقتراح لجميع عقول الحكماء فوقها فأنزله ومعه رحمته على الأرض
ثم تأمل الحكمة البالغة في إنزاله بقدر الحاجة حتى إذا أخذت الأرض
_________________
(١) تفسير القرطبي: ١٤/ ٤٣، وتفسير ابن كثير: ٦/ ٣٢١.
(٢) الروم: ٤٦ - ٥٠.
(٣) الشورى: ٢٨.
(٤) صحيح مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم، والفرح بالمطر: ٢/ ٦١٦ برقم (٨٩٩).
[ ٣٨٣ ]
حاجتها منه وكان تتابعه عليها بعد ذلك يضرها اقلع عنها وأعقبه بالصحو" (^١)، ولو استمر أحدهما
-المطر أو الصحو - لحصل الفساد والضرر.
"فاقتضت حكمة اللطيف الخبير أن عاقب بين الصحو والمطر على هذا العالم فاعتدل الأمر وصح الهواء ودفع كل واحد منهما عادية الأخر واستقام أمر العالم وصلح" (^٢).
٣ - صفة العلو:
سبق بيان أن من هدي النبي - ﷺ - أنه يحسر عن ثوبه عند نزول المطر (^٣)، وعندما سئل عن ذلك قال: "إنه حديث عهد بربه"، لأنه نزل من جهة العلو (^٤).
وهذا من الأدلة التي فيها إثبات علو الله تعالى، وأنه فوق السماوات، وقد ذكر هذا الحديث الذهبي - رحمه- في كتابه العلو في سياق الأحاديث الدالة على علو الله (^٥)، ولو كان على ما يقول المبتدعه من أن الله " في كل مكان، ما كان المطر أحدث عهدًا بالله من غيره من المياه والخلائق" (^٦).
٤ - الصفات الفعلية الاختيارية:
الله - ﷿ - يفعل ما يشاء ويختار، فهو سبحانه يفعل ما يشاء في أي وقت شاء، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي
_________________
(١) مفتاح دار السعادة: ١/ ٢٢٣.
(٢) المرجع السابق: ١/ ٢٢٣.
(٣) ص: ٣٤٨.
(٤) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع: ٥/ ٢٢٥.
(٥) العلو للعلي الغفار: ١/ ٤٦٧.
(٦) الرد على الجهمية لأبي سعيد عثمان بن سعيد الدارمي، ت: بدر البدر، دار ابن الأثير، الكويت، ط ٢: ٥٣.
[ ٣٨٤ ]
الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (^١)، وفي الحديث السابق أن النبي - ﷺ - قال عن المطر: "إنه حديث عهد بربه"، وذلك أن الله ﷾ يخلق ما يشاء، وهذا المطر خلقه الله تعالى في حين نزوله، ويستفاد من ذلك"ثبوت الأفعال الاختيارية لله - ﷿ - التي تقع بمشيئته" (^٢).
رابعًا: توحيد الألوهية:
من منهج القرآن الكريم في تقرير توحيد الألوهية الاستدلال عليه بالربوبية؛ فإن الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، ومن ذلك الاستدلال على المشركين عباد الأصنام الذين يقرون بأن الله - ﷿ - هو الخالق، - وبأنه الذي ينزل المطر وينبت الشجر - على إفراد الله بتوحيد العبادة، " والقرآن مناد عليهم بذلك محتج بما أقروا به من ذلك على صحة ما دعتهم إليه رسله" (^٣)، قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (^٥).
فإذا كان الله - ﷿ - هو الذي يفعل ذلك وحده، فهو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، وأن تجعل جميع العبادات له وحده، وأن غيره مما
_________________
(١) الشورى: ٢٧.
(٢) الشرح الممتع على زاد المستقنع: ٥/ ٢٢٥.
(٣) مفتاح دار السعادة: ١/ ٩٤.
(٤) النمل: ٦٠.
(٥) العنكبوت: ٦٣.
[ ٣٨٥ ]
عبد من دون الله فألوهيته باطلة (¬١).
١ - التبرك:
قد سمى الله - ﷿ - المطر رحمة، وجعله مباركًا، وطهورًا، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ (^٣).
وعن أنس - ﵁ - قال: أصابنا ونحن مع رسول الله - ﷺ - مطر، قال: فحسر رسول الله - ﷺ - ثوبه حتى أصابه من المطر فقلنا: يا رسول الله: لم صنعت هذا؟ قال: "لأنه حديث عهد بربه تعالى" (^٤).
فهو حديث عهد بربه أي بتكوين ربه إياه، والمعنى أن المطر رحمة وهو قريب العهد بخلق الله تعالى فيتبرك بها (^٥).
خامسًا: الإيمان بالملائكة:
من الإيمان بالملائكة الإيمان بما ورد من أعمالهم في الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ (^٦)، ومن أعمالهم إنزال المطر، والموكل بذلك هو ميكائيل - ﵇ - (^٧).
_________________
(١) انظر: تفسير ابن سعدي: ٤١٤.
(٢) الفرقان: ٤٨.
(٣) ق: ٩.
(٤) سبق تخريجه: ٣٤٨.
(٥) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: ٢/ ٥٤٦، الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: أبي إسحاق الحويني، دار ابن عفان، الخبر، ط ١: ٢/ ٤٧٤.
(٦) النازعات: ٥.
(٧) انظر: تفسير القرطبي: ١٤/ ٨٦، ١٩/ ١٩٤، وتفسير ابن كثير: ١/ ٣٢٤، وتفسير البغوي: ٤/ ٥٤٧.
[ ٣٨٦ ]
سادسًا: الإيمان بالرسل:
من دلائل نبوة نبينا محمد - ﷺ - استجابة الله لدعائه بنزول المطر (^١)، عن أنس بن مالك - ﵁ -: " أن رجلا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله - ﷺ - قائم يخطب، فاستقبل رسول الله - ﷺ - قائما ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغثنا، قال: فرفع رسول الله - ﷺ - يديه، ثم قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين سلْع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، ثم أمطرت، قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتا، قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله - ﷺ - قائم يخطب، فاستقبله قائما، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله - ﷺ - يديه، ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر فانقلعت وخرجنا نمشى في الشمس" (^٢).
وهذا من دلائل نبوة محمد - ﷺ - " وعظيم كرامته على ربه ﷾ بإنزال المطر سبعة أيام متوالية متصلا بسؤاله من غير تقديم سحاب ولا قزع ولا سبب آخر لا ظاهر ولا باطن" (^٣).
_________________
(١) انظر: دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، ت: محمد رواس قلعجي، وعبد البر عباس، دار النفائس، بيروت، ط ٣: ٤٤٨، والصحيح المسند من دلائل النبوة، لمقبل بن هادي الوادعي، دار ابن تيمية، القاهرة، ط ٢: ٢٠٧.
(٢) صحيح البخاري، كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة: ٢٠١ برقم (١٠١٤)، وصحيح مسلم، كتاب الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء: ٢/ ٦١٢ برقم (٨٩٧)
(٣) شرح النووي على مسلم: ٦/ ١٩٢، وانظر: فتح الباري: ٢/ ٥٠٦.
[ ٣٨٧ ]
سابعًا: الإيمان باليوم الآخر:
من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله - ﷺ - مما يكون فيه، ومن ذلك الحوض، وفي وصف النبي - ﷺ - وصفه له بأنه أشد بياضًا من الثلج، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: " إن حوضى أبعد من أيلة من عدن، لهو أشد بياضا من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم" (^١).
ثامنًا: الإيمان بالقدر:
من مراتب الإيمان بالقدر الإيمان بمشية الله، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن.
وقد أخبر الله - ﷿ - أنه يسوق السحاب قطعا متفرقة، ثم يؤلف بين تلك القطع فيجعله سحابًا متراكبًا مثل الجبل، ثم ينزل منها البرد، فيصيب به من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، وأن ذلك بحسب ما اقتضاه حكمه القدري (^٢)، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ (^٣).
وأخبر النبي - ﷺ - أنه ما من ساعة من ليل ولانهار إلا والسماء تمطر فيها، يصرفه الله حيث يشاء، فعن المطلب بن حنطب - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: " ما
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء: ١/ ٢١٧ برقم (٢٤٧).
(٢) انظر: تفسير السعدي: ٥٧٠.
(٣) النور: ٤٣.
[ ٣٨٨ ]
من ساعة من ليل ولا نهار إلا السماء تمطر فيها يصرفه الله حيث يشاء " (^١).
تاسعًا: الإيمان بالغيب:
إن للآيات الكونية ارتباطًا وثيقًا بعلم الغيب، حيث أن أوقات حدوثها لا يعلمه إلا الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (^٢).
وقد بين النبي - ﷺ - أن مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، وذكر منها المطر، فعن عبدالله ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله" (^٣).
عاشرًا: مسائل الأسماء والأحكام:
سبق الكلام في المبحث السابق - الرعد والبرق والصواعق (^٤) - أن الله - ﷿ - بين في أول سورة البقرة أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: مؤمنين خلص، وكفار خلص، ومنافقين.
وهؤلاء المنافقون قسمان: خلص، وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون، تارة يظهر لهم لمع من الإيمان وتارة يخبو وهم أصحاب
_________________
(١) معرفة السنن والآثار للبيهقي، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، دار الوفاء، القاهرة، ط ١: ٥/ ١٩٤ برقم (٧٢٦٢)، وهو مرسل، انظر: فيض القدير: ٥/ ٤٩٤.
(٢) لقمان: ٣٤.
(٣) صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة الرعد، باب قوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾: ٩٠٠ برقم (٤٦٩٧).
(٤) ص: ٣٣٦.
[ ٣٨٩ ]
المثل المائي (^١)، قال تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٢).
وقد استدل أهل السنة والجماعة بهذه الآية على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان، وشعبة من نفاق، إما اعتقادي مخرج عن الإسلام، أو عملي لا يخرج عن الإسلام (^٣).
الحادي عشر تكفير الذنوب:
كان من هدي النبي - ﷺ - إذا افتتح صلاته أن يسأل الله - ﷿ - أن يطهره الله من الخطايا بالماء والثلج والبرد، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: " كان رسول الله - ﷺ - يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة- قال: أحسبه قال: هنية - فقلت بأبي وأمي يا رسول الله: إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد" (^٤).
وذلك أن" الخطايا توجب للقلب حرارة ونجاسة وضعفا فيرتخي القلب وتضطرم فيه نار الشهوة وتنجسه؛ فإن الخطايا والذنوب له بمنزلة الحطب الذي يمد النار ويوقدها، ولهذا كلما كثرت الخطايا اشتدت نار القلب
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١٨٨.
(٢) البقرة: ١٩ - ٢٠.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى: ٧/ ٢٨٠، وتفسير ابن كثير: ١/ ١٨٩.
(٤) صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير: ١٥٥ برقم (٧٤٤).
[ ٣٩٠ ]
وضعفه، والماء يغسل الخبث ويطفئ النار، فإن كان باردا أورث الجسم صلابة وقوة، فإن كان معه ثلج وبرد كان أقوى في التبريد وصلابة الجسم وشدته فكان أذهب لأثر الخطايا" (^١).
وكذلك كان النبي - ﷺ - يدعو للميت بذلك، فعن عوف بن مالك - ﵁ - قال: صلى رسول الله - ﷺ - على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: "اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر - أو من عذاب النار -، قال: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت" (^٢).
فجعل" الخطايا بمنزلة نار جهنم لأنها مستوجبة لها بحسب وعد الشارع، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (^٣)، فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيدا في الإطفاء وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيا عن الماء إلى أبرد منه وهو الثلج، ثم إلى أبرد من الثلج وهو البرد بدليل جموده؛ لأن ما هو أبرد فهو أجمد" (^٤).
_________________
(١) المستدرك على مجموع فتاوى ابن تيمية، جمع محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، ط ١: ١/ ٢١٨.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت في الصلاة: ٢/ ٦٦٢ برقم (٩٦٣).
(٣) الجن: ٢٣.
(٤) عمدة القاري شرح صحيح البخاري: ٥/ ٢٩٤، وانظر: فتح الباري: ٢/ ٢٣٠.
[ ٣٩١ ]
الثاني عشر: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال:
ضرب الأمثال:
من منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال ضرب الأمثلة لتوضيح الحقائق وتقريبها، وقد سبق في المبحث السابق - الرعد والبرق والصواعق (^١) - أن الله ضرب مثلًا في أول سورة البقرة للإسلام وحال المنافقين، - ذكر فيه المطر -، قال تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (^٢).
"فالمطر الإسلام، وقلوب المنافقين في حال شكهم وكفرهم وترددهم كالمطر من السماء الذي فيه ظلمات ورعد وبرق" (^٣).
وأخبر النبي - ﷺ - أن الفتن تقع خلال البيوت كمواقع المطر، فعن أسامة - ﵁ - قال: أشرف النبي - ﷺ - على أطم (^٤) من آطام المدينة فقال: "" هل ترون ما أرى؟ " قالوا: لا. قال: " إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كمواقع المطر " (^٥).
والتشبيه بمواقع المطر: في الكثرة والهرم (^٦).
_________________
(١) ص: ٣٥٩.
(٢) البقرة: ١٩.
(٣) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ١٨٩.
(٤) الأطم: بضم الهمزة والطاء هو القصر والحصن. ومعنى أشرف: علا وارتفع. شرح النووي على مسلم: ١٨/ ٧.
(٥) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي - ﷺ -: " ويل للعرب من شر قد اقترب": ١٣٥٠ برقم (٧٠٦٠)، وصحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب نزول الفتن كمواقع القطر: ٤/ ٢٢١١ برقم (٢٨٨٥).
(٦) شرح النووي على مسلم: ١٨/ ٧.
[ ٣٩٢ ]
وضرب النبي - ﷺ - في بيان خيرية الأمة مثلًا بالمطر، عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره" (^١).
ومعناه أن الدين"كما هو محتاج إلى أول الأمة في إبلاغه إلى من بعدهم، كذلك هو محتاج إلى القائمين به في أواخرها، وتثبيت الناس على السنة وروايتها وإظهارها، والفضل للمتقدم.
وكذلك الزرع الذي يحتاج إلى المطر الأول وإلى المطر الثاني، ولكن العمدة الكبرى على الأول، واحتياج الزرع إليه آكد، فإنه لولاه ما نبت في الأرض، ولا تعلق أساسه فيها" (^٢).
_________________
(١) سنن الترمذي، كتاب الأدب: ٤٥٩ برقم (٢٨٦٩)، وقال: وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. ومسند الإمام أحمد: ١٩/ ٣٣٤ برقم (١٢٣٢٧)، وقال المحقق: حديث قوي بطرقه وشواهده، وهذا إسناد حسن.
(٢) تفسير ابن كثير: ٧/ ٥١٩، وانظر: فتح الباري: ٧/ ٦، وفيض القدير: ٥/ ٥١٦.
[ ٣٩٣ ]
المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية -المطر والثلج والبرد-:
أولًا: نسبة المطر إلى الكواكب:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية نسبة المطر إلى الكواكب، عن زيد ابن خالد - ﵁ - قال: خرجنا مع رسول الله: عام الحديبية، فأصابنا مطر ذات ليلة، فصلى لنا رسول الله - ﷺ - الصبح، ثم أقبل علينا، فقال: " أتدرون ماذا قال ربكم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فقال: قال الله: أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر بي، فأما من قال: مطرنا برحمة الله، وبرزق الله، وبفضل الله، فهو مؤمن بي، كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنجم كذا وكذا، فهو مؤمن بالكوكب، كافر بي" (^١).
وسبق بيان حكم نسبة المطر إلى الكواكب، وأنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام (^٢):
القسم الأول: نسبة الفعل للكوكب، وادعاء أنه هو يفعل بذاته فهذا كفر أكبر؛ لأن الخلق والأمر لله وحده.
القسم الثاني: اعتقاد أن الفعل من عند الله، مع نسبته إلى الكوكب والنوء نسبة سبب، فهذا من الشرك الأصغر.
القسم الثالث: جعل الأنواء علامة على المطر مع عدم نسبته إليه لا قولًا ولا اعتقادًا، وهذا جائز.
_________________
(١) سبق تخريجه: ١٦٣.
(٢) انظر: ١٦٣.
[ ٣٩٤ ]
ثانيًا: قصر احتباس المطر على الأسباب المادية:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية قصر احتباس المطر على الأسباب المادية، ونسبة ذلك إلى طبائع الأماكن الأرضية والرياح (^١) دون اعتقاد أن ذلك قد يكون بسب الذنوب والمعاصي، وأن ذلك ابتلًا أو اختبارًا من الله - ﷿ - لعباده ليعلم سبحانه من يصبر ويحتسب ويرجع إلى ربه، ومن يقنط ويسخط من قضاء الله (^٢)، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (^٤)،
قال ابن قدامة (^٥) - ﵀ -: " فإن المعاصي سبب الجدب، والطاعة تكون سببًا للبركات" (^٦).
_________________
(١) انظر: غربة الإسلام، للشيخ حمود بن عبد الله التويجري، ت: عبد الكريم التويجري، دار الصميعي، الرياض، ط ١: ٢/ ٥٧٩.
(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٧/ ٢٥٣، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٤٥١.
(٣) الأعراف: ٩٦.
(٤) الروم: ٤١.
(٥) هو عبد الله بن محمد بن قدامه الجماعيلي المقدسي، من أكابر علماء الحنابلة، من مؤلفاته: المغني، وروضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه، وغيرها من المؤلفات، توفي عام: ٦٢٠. انظر: شذرات الذهب: ٧/ ١٥٥، وسير أعلام النبلاء: ٢٢/ ١٦٥ - ١٧٣.
(٦) المغني: ٢/ ١٤٨.
[ ٣٩٥ ]
ثالثًا: تحريف قوله - ﷺ - عن المطر" حديث عهد بربه":
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآيات الكونية تحريف قوله - ﷺ -: " حديث عهد بربه" (^١)، وأن المراد به ظهور متعلق الإرادة، وأن إرادة الله قديمة (^٢).
وأهل السنة والجماعة يقولون: إن الله - ﷿ - فعال لما يريد، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (^٤).
فالله - ﷿ - متصف بصفة الإدارة ولم يزل متصف بتلك الصفة، وإرادة الله جل وعلا متجددة، فما من شيء يحدث في ملكوت الله إلا وقد شاءه الله جل وعلا حال كونه وأراده، كما أنه جل وعلا شاءه في الأزل وأراده.
فمشيئته في الأزل بمعنى إرادة إحداثه في الوقت الذي جعل الله جل وعلا ذلك الشيء يحدث فيه، لكن من حيث تعلقها بالمعين هذا متجددة (^٥).
وفي هذا الحديث إثبات الأفعال الاختيارية لله -﷿- (^٦).
_________________
(١) سبق تخريجه: ٣٥٠.
(٢) انظر: إكمال المعلم شرح صحيح مسلم لأبي عبد الله الأبي، مكتبة طبرية: ٣/ ٤٩.
(٣) هود: ١٠٧.
(٤) البروج: ١٤ - ١٦.
(٥) اللآلئ البهية في شرح العقيدة الواسطية للشيخ صالح آل الشيخ، اعداد: عادل رفاعي، دار العاصمة، الرياض، ط ١: ١/ ٣١٢.
(٦) انظر: شرح العقيدة السفارينية لابن عثيمين: ١٥٥.
[ ٣٩٦ ]
الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:
ورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:
١ - المطر بالليل بسب طاعة الله:
عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "قال ربكم - ﷿ -: لو أن عبيدي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل، وأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولما أسمعتهم صوت الرعد".
سبق تخريجه وبيان ضعفه (^١).
٢ - النهي عن الإشارة إلى المطر والبرق:
عن عروة بن الزبير - ﵄ - أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إذا رأى أحدكم البرق أو الودق فلا يشر إليه، وليصف ولينعت" (^٢).
قال الشافعي - ﵀ -: لم تزل العرب تكره الإشارة إليه في الرعد، ولعل ذلك خوفا من الصواعق (^٣).
_________________
(١) سبق تخريجه: ٣٤٠.
(٢) المصنف لعبد الرزاق بن همام الصنعاني، ت: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢: ٣/ ٩٤ برقم (٤٩١٧)، والسنن الكبرى للبيهقي، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الإشارة للمطر: ٣/ ٣٦٢، وهو ضعيف، انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: ١٠/ ٢٥٦ برقم (٤٧١٠).
(٣) الأم للشافعي، دار الفكر، بيروت ط ٢: ١/ ٢٩٠.
[ ٣٩٧ ]
المبحث السابع: الريح والرياح
الريح في اللغة:
أصل الياء في الريح الواو، وإنما قلبت ياء لكسرة ما قبلها (^١)، والريح: الغلبة والقوة (^٢) في قوله تعالى: ﴿فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (^٣).
والريح: الهواء إذا تحرك (^٤)، ونسيم الهواء، وكذلك نسيم كل شيء، وهي مؤنثة (^٥).
والريح: واحدة الرياح والأرياح، وقد تجمع على أرواح، لأن أصلها الواو، وإنما جاءت بالياء لانكسار ما قبلها، فإذا رجعوا إلى الفتح عادت إلى الواو، كقولك: أروح الماء، وتروحت بالمروحة. ويقال: ريح وريحة، كما قالوا: دار ودارة (^٦).
والرياح بلفظ الجمع تطلق ويراد بها الخير، والريح بلفظ المفرد تطلق ويراد بها العذاب أو الشر غالبًا إلا إذا قيد هذا المفرد بوصف خرج عن هذه القاعدة (^٧).
_________________
(١) معجم مقاييس اللغة: ٢/ ٤٥٤.
(٢) المصدر السابق: ٢/ ٤٦٤.
(٣) الأنفال: ٤٦.
(٤) المعجم الوسيط: ١/ ٣٨١.
(٥) لسان العرب: ٣/ ١٧٦٣.
(٦) الصحاح: ١/ ٣٦٧، لسان العرب: ٣/ ١٧٦٣.
(٧) لسان العرب: ٣/ ١٧٦٣، وانظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٣١.
[ ٣٩٨ ]
قال القرطبي: " فمن وحد الريح فلأنه اسم للجنس يدل على القليل والكثير.
ومن جمع فلاختلاف الجهات التي تهب منها الرياح.
ومن جمع مع الرحمة ووحد مع العذاب فإنه فعل ذلك اعتبارا بالأغلب في القرآن، نحو: ﴿الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ (^١)، و﴿الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ (^٢)، فجاءت في القرآن مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب، إلا في يونس في قوله: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ (^٣) " (^٤).
وفي الاصطلاح:
الرياح هواء متحرّك عبر سطح الأرض (^٥)، وتموجات مكونات الغلاف الجوي من غازات وأبخرة وغبار حسب العوامل والمؤثرات.
"وتحدث الرياح نتيجة التسخين غير المتساوي للغلاف الجوي، عن طريق الطاقة المنبعثة من الشمس. تُسخِّن الشمس سطح الأرض بطريقة غير متساوية، فالهواء الذي يعلو المناطق الحارة يتمدد ويرتفع، ويحل محله هواء من المناطق الأبرد، وتسمى هذه العملية دورة.
فالدورة فوق الأرض بكاملها تسمى الدورة العامة، بينما تسمى الدورات النسبية الصغرى والتي يمكن أن تتسبب في حدوث تغيرات في الرياح يومًا بعد يوم، الدورات النسبية الشاملة للرياح.
_________________
(١) الروم: ٤٦.
(٢) الذاريات: ٤١.
(٣) يونس: ٢٢.
(٤) تفسير القرطبي: ٢/ ١٩٨، وانظر: التحرير والتنوير ٢١/ ١٢١، البرهان في علوم القرآن ٤/ ٩ - ١١.
(٥) الموسوعة العربية العالمية: ١١/ ٤٣٣.
[ ٣٩٩ ]
أما الرياح التي من الممكن أن تحدث في مكان واحد فقط، فإنها تسمى الرياح المحلية" (^١).
وذكر بعض المفسرين أن الريح في القرآن على ثلاثة أوجه (^٢):
أحدها: الريح نفسها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ (^٣)، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ (^٤)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ (^٥). والثاني: الرائحة. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ (^٦).
والثالث: القوة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (^٧).
وقد ورد لفظ الريح في القرآن في (١٧) موضعًا، ولفظ الرياح في (١٠) مواضع (^٨).
وورد لفظ الريح والرياح في السنة في (٨٠) حديثًا (^٩).
_________________
(١) المرجع السابق: ١١/ ٤٣٤.
(٢) نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر: ٥٤١.
(٣) البقرة: ١٦٤.
(٤) الأعراف: ٥٧.
(٥) الروم: ٤٦.
(٦) يوسف: ٩٤.
(٧) الأنفال: ٤٦.
(٨) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: ٤١٤.
(٩) انظر: فهرس الأحاديث الكونية والطبية: ٢.
[ ٤٠٠ ]
الدلائل العقدية للآية الكونية - الريح والرياح-:
الريح والرياح من آيات الله الكونية، وقد ذكرها الله - ﷿ - ممتن بها على عباده، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٢).
فهذه آيات عظيمة كثيرة دالة على القدرة القاهرة، والحكمة الباهرة، والرحمة الواسعة، وتصريف الرياح في هاتين الآيتين هي من الأمور التي امتن الله بها على عباده دالة من تفكر فيها وتأملها أن وراءها خالقًا حكيما (^٣).
وقد جعلها الله أحد جنوده المسخرين تأتمر بأمره وتنتهي بنهيه، يأمرها بالخير فتكون السحاب وتسوقه إلى حيث يشاء ثم ينزل المطر، ويأمرها فتلقح الأشجار والسحاب. ويأمرها فتلطف الجو وتحسنه، ويأمرها بغير ذلك مما شاء فتلحق الضرر والدمار بمن يشاء، إلى غير ذلك من مزاياها وخصائصها.
"وهذه الريح فيها من المصالح ما لا يعلمه إلا الله، فتأمل مثلًا: كم سخر للسحاب من ريح حتى أمطر، فسخرت له المثيرة أولًا فتثيره بين السماء
_________________
(١) البقرة: ١٦٤.
(٢) الجاثية: ٣ - ٥.
(٣) انظر: التبيان في أقسام القرآن: ٢/ ٦٦ - ٦٧.
[ ٤٠١ ]
والأرض، ثم سخرت له الحاملة التي تحمله على متنها كالجمل الذي يحمل الراوية، ثم سخرت له المؤلفة فتؤلف بين كِسفه وقطعه، ثم يجتمع بعضها إلى بعض فيصير طبقا واحدا، ثم سخرت له اللاقحة بمنزلة الذكر الذي يلقح الأنثى فتلقحه بالماء ولولاها لكان جهاما لا ماء فيه، ثم سخرت له المزجية التي تزجيه وتسوقه إلى حيث أمر فيفرغ ماءه هنالك، ثم سخرت له بعد إعصاره المفرقة التي تبثه وتفرقه في الجو فلا ينزل مجتمعا ولو نزل جملة لأهلك المساكن والحيوان والنبات بل تفرقه فتجعله قطرا" (^١).
أولًا: توحيد الربوبية:
من آيات الله الدالة على قدرته وتدبيره وسلطانه، تسخيره البحر لتجري فيه الفلك بأمره، وإجرائه الهواء بقدر ما يحتاجون إليه لسيرهم، وتصرفه سبحانه في هذه الريح التي لو شاء لأسكنها حتى لا تتحرك السفن، بل تظل راكدة لا تجيء ولا تذهب، بل واقفة على ظهره.
قال تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٢).
أي تقليبها في مهابها: قبولًا ودبورًا وجنوبًا وشمالًا، وفي أحوالها: حارةً وباردةً وعاصفةً ولينة، وتارة مبشرة بين يدي السحاب، وطورًا تسوقه، وأوانةً تجمعه، ووقتًا تفرقه، وحينًا تصرفه. وتارة بالرحمة وتارة بالعذاب (^٣)، آية من آيات الله يتصرف فيها، وذلك مما لا يقدر عليه أحد إلا الله، فلو أراد كل من في العالم قلب الريح من الشمال إلى الجنوب أو إذا كان الهواء ساكنًا أن
_________________
(١) مفتاح دار السعادة: ١/ ٣٣.
(٢) البقرة/ ١٦٤.
(٣) انظر: تفسير الطبري: ٢/ ٧٨، وتفسير القرطبي: ٢/ ١٩٧.
[ ٤٠٢ ]
يحركه لتعذر (^١)، وهذا من أدلة ربوبيته - ﷾-.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (^٢).
"فهو سبحانه إذا شاء جعل الريح ساكنة فوقفت، وإن شاء أرسلها ريحًا قوية عاتية، فأخذت السفن وأحالتها عن سيرها المستقيم، فصرفتها ذات اليمين أو ذات الشمال، آبقة لا تسير على طريق، ولا إلى جهة مقصد؛ ولكن من لطفه ورحمته أنه يرسله بحسب الحاجة" (^٣)، وهذا دليل على كمال قدرته وسلطانه (^٤).
وأخبر تعالى أنه مالك كل شيء، وأن كل شيء سهل عليه، يسير لديه، وأن عنده خزائن الأشياء من جميع الصنوف، وأنه ينزل من هذه الخزائن بقدر معلوم كما يشاء ويريد، لما له في ذلك من الحكمة البالغة، والرحمة بعباده.
وأنه وحده تعالى يرسل الرياح اللواقح (^٥)، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (^٦).
_________________
(١) انظر: تفسير الرازي: ٢٧/ ١٤٩، ١٤/ ١١٤.
(٢) الشورى: ٣٢ - ٣٥
(٣) تفسير ابن كثير: ٧/ ٢٠٩.
(٤) انظر: تفسير القرطبي: ٧/ ٢٢٩، زاد المسير: ٦/ ٣٠٧.
(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٣١، وتفسير السعدي: ٤٣١.
(٦) الحجر: ٢١ - ٢٥.
[ ٤٠٣ ]
ثانيًا: توحيد الأسماء والصفات:
صفة الرحمة:
الرياح من المبشرات برحمة الله، وهي كذلك تسير الفلك وهذا من رحمة الله (^١)، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ (^٣)
وفي الحديث أن النبي - ﷺ - قال: "الريح من روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب فلا تسبوها، وسلوا الله من خيرها وتعوذوا به من شرها" (^٤).
والروح"بفتح الراء بمعنى الرحمة كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (^٥)، أي يرسلها الله تعالى من رحمته لعباده" (^٦).
ثالثًا: توحيد الألوهية:
من منهج القرآن الكريم في تقرير توحيد الألوهية الاستدلال عليه
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٣٢١.
(٢) الروم: ٤٦.
(٣) الفرقان: ٤٨ - ٥٠.
(٤) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب ما يقول إذا هاجت الريح: ٥٥٠ برقم (٥٠٩٧)، والمسند: ١٣/ ٦٩ برقم (٧٦٣١)، وقال محققه: "صحيح لغيره"، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود: ٣/ ٩٦٠.
(٥) يوسف: ٨٧.
(٦) عون المعبود شرح سنن أبي داود: ١٤/ ٣.
[ ٤٠٤ ]
بالربوبية؛ فإن الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، ومن ذلك الاستدلال على المشركين الذين يقرون بأن الله - ﷿ - هو الخالق المتصرف في الكون على إفراد الله بتوحيد العبادة، والإخلاص في جميع الأحوال.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (^١).
فالمشركون يتركون ما كانوا يعبدون من دون الله لعلمهم أنهم ضعفاء عاجزون عن كشف الضر، ويصرخون بدعوة فاطر الأرض والسماوات -الذي تستغيث به في شدائدها جميع المخلوقات- وأخلصوا له الدعاء والتضرع في هذه الحال (^٢)، فإذا كان الله - ﷿ - هو الذي يفعل ذلك وحده، وهو الذي يخلصهم من شر هذه الريح؛ فهو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، وأن تجعل جميع العبادات له وحده، وأن غيره مما عبد من دون الله فألوهيته باطلة (^٣).
ولذلك يشرع للمسلم إذا عصفت الريح أن يقول ما حدثت به عائشة - ﵂ - أن النبي - ﷺ - إذا عصفت الريح قال: "اللهم إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسلت به" (^٤).
_________________
(١) يونس: ٢٢.
(٢) تفسير السعدي: ٤٦٣.
(٣) انظر: تفسير القرطبي: ٨/ ٣٢٥، وتفسير السعدي: ٤١٤، ٤٦٣.
(٤) صحيح مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم والفرح بالمطر: ٢/ ٦١٦ برقم (٨٩٩).
[ ٤٠٥ ]
وقد أمر النبي - ﷺ - بالاستعاذة بالله عند شدة الريح، فعن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: بينا أنا أسير مع رسول الله - ﷺ - بين الجحفة والآبواء؛ إذ غشيتنا ريح وظلمة شديدة، فجعل رسول الله - ﷺ - يتعوذ بـ: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (^١)، و﴿أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ (^٢)، ويقول: " يا عقبة! تعؤذ بهما؛ فما تعوذ متعوذ بمثلهما! ". قال: وسمعته يؤمنا بهما في الصلاة (^٣).
ومن الدلائل السماوية على ألوهية الله أن الله - ﷿ - يرسل الرياح بين يدي السحاب الذي فيه مطر، يغيث به عباده المجدبين الأزلين القنطين، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، ثم قال تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^٤) أي أإله مع الله فعل هذا، فيستحق أن يعبد! . فإذا كان الله هو الذي يفعل هذا الأمر وحده إذا فهو المستحق للعبادة وحده (^٥).
وقد ذكر الله - ﷿ - من الأدلة على تفرده بالإلهية تفرده بالخلق والملك والتصرف، ومما ذكر ﷾ تصريف الرياح، تارة تأتي بالرحمة وتارة تأتي بالعذاب، تارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرقه، وتارة تصرفه، ثم تارة تأتي من الجنوب، وتارة من الشمال، وتارة من الشرق، وتارة من الغرب (^٦)، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ
_________________
(١) الفلق: ١.
(٢) الناس: ١.
(٣) سنن أبي داود، كتاب الوتر، باب في المعوذتين: ١٧٦ برقم (١٤٦٣)، وصححه الألباني، انظر: صحيح سنن أبي داود: ١/ ٢٧٥.
(٤) النمل: ٦٣.
(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ٦/ ٢٠٦.
(٦) انظر: المرجع السابق: ١/ ٤٧٥.
[ ٤٠٦ ]
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^١).
وفي تعداد الآيات الدالة على تفرد الله بالألوهية في سورة فاطر بعد أن ذكر الله - ﷿ - خلق السماوات والأرض، ذكر الرياح مستدلًا" بتصريف الأحوال بين السماء والأرض -وذلك بإرسال الرياح وتكوين السحاب وإنزال المطر" (^٢) - على ألوهيته، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ (^٣) الآيات.
رابعًا: الإيمان بالرسل:
الريح من جند الله، يعز الله بها أولياءه، ويذل بها أعداءه، أكرم الله تعالى بها أنبيائه ونصرهم بها، فأكرم الله - ﷿ - بها سليمان - ﵇ - (^٤)، قال تعالى ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ (^٦).
ونصر بها نبينا - ﷺ - والمؤمنين، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
_________________
(١) البقرة: ١٦٤.
(٢) انظر: التحرير والتنوير: ٢٢/ ٢٦٧.
(٣) فاطر: ٩.
(٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٥/ ٣٥٨.
(٥) ص: ٣٥ - ٣٦.
(٦) الأنبياء: ٨١.
[ ٤٠٧ ]
بَصِيرًا﴾ (^١)، وعن ابن عباس - ﵄ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور (^٢) " (^٣).
ومن دلائل نبوة الأنبياء وصدقهم نصر الله لهم على أعدائهم وإهلاكهم، وقد أخبر الله - ﷿ - أنه أهلك بعض الأمم المكذبة للرسل بإرسال الريح عليهم، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ (^٥).
وفي تسلية الله - ﷿ - لنبيه - ﷺ - في تكذيب من كذبه من قومه أخبر الله - ﷿ - أنه عذب القوم المجرمين بالريح التي فيها عذاب اليم (^٦)، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا
_________________
(١) الأحزاب: ٩.
(٢) الصبا: بفتح المهملة وتخفيف الموحدة مقصور هي الريح الشرقية، والدبور بفتح أوله وتخفيف الموحدة المضمومة مقابلها. فتح الباري: ٦/ ٣٠١.
(٣) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب: ٧٨٠ برقم (٤٠١٥).
(٤) فصلت: ١٥ - ١٦.
(٥) الحاقة: ٦.
(٦) انظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٢٨٥ - ٢٨٦.
[ ٤٠٨ ]
مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (^١).
ولذلك كان النبي - ﷺ - إذا كان يوم الريح والغيم عرف ذلك في وجهه وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سُرَ به وذهب عنه ذلك، قالت عائشة - ﵂ -: فسألته، فقال: " إني خشيت أن يكون عذابا سلط على أمتي" (^٢).
ومن دلائل نبوته - ﷺ - إخباره بالغيب الذي أطلعه الله عليه من وقت الريح وأنها ستهب الليلة وما يتبع ذلك من ضرر (^٣)، فعن أبي حميد - ﵁ - قال: "خرجنا مع رسول الله - ﷺ - غزوة تبوك فأتينا وادي القُرى على حديقة لامرأة، فقال رسول الله - ﷺ -: اخرصوها، فخرصناها وخرصها رسول الله - ﷺ - عشرة أوسق، وقال: أحصيها حتى نرجع إليك - إن شاء الله-، وانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال: رسول الله - ﷺ -: ستهب عليكم الليلة ريح شديدة فلا يقم فيها أحد منكم، فمن كان له بعير فليشد عقاله، فهبت ريح شديدة، فقام رجل فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طئ" (^٤).
خامسًا: الإيمان باليوم الآخر:
من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله - ﷺ - مما يكون فيه، ومن ذلك المرور على الصراط، وقد أخبر النبي - ﷺ - أن بعض من يمر عليه يمر كالريح، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " يجمع الله ﵎ الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنة
_________________
(١) الأحقاف: ٢١ - ٢٥.
(٢) صحيح مسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم والفرح بالمطر: ٢/ ٦١٦ برقم (٨٩٩).
(٣) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم: ١٥/ ٤٢.
(٤) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب معجزات النبي - ﷺ -: ٤/ ١٧٨٤ برقم (١٣٩٢).
[ ٤٠٩ ]
إلا خطيئة أبيكم آدم، لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله، قال: فيقول إبراهيم - ﵇ -: لست بصاحب ذلك، إنما كنت خليلا من وراء وراء، اعمدوا إلى موسى - ﷺ - الذي كلمه الله تكليما، فيأتون موسى - ﷺ - فيقول: لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه، فيقول عيسى - ﷺ -: لست بصاحب ذلك، فيأتون محمدا - ﷺ - فيقوم، فيؤذن له وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمينا وشمالا، فيمر أولكم كالبرق، قال: قلت: بأبي أنت وأمي أي شيء كمر البرق؟ قال: ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح، ثم كمر الطير وشد الرجال، تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفا، قال: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج ومكدوس في النار" (^١).
سادسًا: الإيمان بالقدر:
من مراتب الإيمان بالقدر الإيمان بمشيئة الله، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشاء لم يكن.
وقد أخبر الله - ﷿ - أن الريح تُسيّر السفن بمشيئته، فإن شاء جعل الريح ساكنه، وإن شاء حركها، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ (^٢)، فهذه الريح التي تسير السفن لو شاء لسكنها حتى لا تتحرك، ولو شاء لحركها حتى لا تقف (^٣).
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب أدني أهل الجنة منزلة فيها: ١/ ١٨٦ برقم (١٩٥).
(٢) الشورى: ٣٢ - ٣٤
(٣) تفسير الطبري: ٢٥/ ٤١، وتفسير القرطبي: ١٦/ ٣٣.
[ ٤١٠ ]
ثم هو سبحانه إذا شاء جعل هذه الريح طيبة باردة، وإذا شاء جعلها قوية مدمرة مع" أنها جسم لطيف لا يمسك ولا يرى، وهي مع ذلك في غاية القوة، تقلع الشجر والصخر، وتخرب البنيان العظيم" (^١).
سابعًا: مسائل الأسماء والأحكام:
أخبر النبي - ﷺ - أن بعث الريح قد يكون لموت منافق، فعن جابر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قدم من سفر فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب فزعم أن رسول الله - ﷺ - قال: "بعثت هذه الريح لموت منافق"، فلما قدم المدينة فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات (^٢).
أي عقوبة له، وعلامة لموته وراحة البلاد والعباد منه (^٣).
ثامنًا: منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال:
ضرب الأمثال:
من منهج أهل السنة والجماعة في الاستدلال ضرب الأمثلة لتوضيح الحقائق وتقريبها، وقد ضرب الله مثلًا لمحق ثواب أعمال الكفار في هذه الدنيا في إنفاقهم مثل الريح الباردة الشديدة التي فيها نار إذا أنزلت على حرث قد آن حصاده فدمرته وأهلكته (^٤)، قال تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (^٥).
_________________
(١) لباب التأويل في معاني التنزيل لعلي بن محمد بن إبراهيم البغدادي المعروف بالخازن، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٩: ١/ ١٣٦.
(٢) صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم: ٤/ ٢١٤٥ برقم (٢٧٨٢).
(٣) شرح النووي على مسلم: ١٧/ ١٢٧.
(٤) انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ١٠٦.
(٥) آل عمران: ١١٧.
[ ٤١١ ]
وضرب الله مثلًا لأعمال الكفار الذين عبدوا مع الله غيره، وكذبوا رسله، وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح فانهارت بالرماد إذا اشتدت به الريح العاصفة، فلا يقدرون على شيء من أعمالهم التي كسبوها في الدنيا إلا كما يقدرون على جمع هذا الرماد في هذا اليوم (^١)، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ (^٢).
وضرب الله للمشرك مثلًا في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى بمن تهوي به الريح في مكان سحيق بعيد مهلك لمن هوى فيه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ (^٣).
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي: ٩/ ٣٥٣.
(٢) إبراهيم: ١٨.
(٣) الحج: ٣١.
[ ٤١٢ ]
المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية - الريح والرياح-:
أولًا: سب الريح:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية سبها، وهو سب لخالقها؛ لأنه الخالق لها، المتصرف فيها، والمرسل والآمر لها، قال - ﷺ -: " لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت، به ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به" (^١).
ثانيًا: نسبة حصول الذكورة والأنوثة في المولود للريح:
من المخالفات العقدية المتعلقة بهذه الآية الكونية نسبة الذكورة والأنوثة في المولود إلى الريح" فإذا كانت الريح شمالا كان الولد ذكرا، وإذا كانت جنوبا كان المولود أنثى" (^٢).
وهذا"باطل من وجوه كثيرة معلومة بالحس والعقل وأخبار الأنبياء؛ فإن الإذكار والإيناث لا يقوم عليه دليل ولا يستند إلى أمر طبيعي وإنما هو مجرد مشيئة الخالق البارئ المصور الذي ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (^٣)،
_________________
(١) سنن الترمذي، كتاب الفتن، باب النهي عن سب الريح: ٣٢٧ برقم (٢٢٥٢)، والمسند: ٣٥/ ٧٥ برقم (٢١١٣٨)، وقال محققه: " حديث صحيح"، وصححه الألباني: انظر: صحيح سنن الترمذي: ٢/ ٢٥٣.
(٢) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢١٧.
(٣) الشورى: ٤٩ - ٥٠.
[ ٤١٣ ]
﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (^١)، وكذا هو قرين الأجل والرزق والسعادة والشقاوة حين يستأذن الملك الموكل بالمولود ربه وخالقه فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ سعيد أم شقي؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيقضى الله ما يشاء ويكتب الملك (^٢) " (^٣).
_________________
(١) طه: ٥٠.
(٢) صحيح مسلم، كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته: ٤/ ٢٠٣٦ برقم (٢٦٤٣).
(٣) مفتاح دار السعادة: ٢/ ٢١٧.
[ ٤١٤ ]
الأحاديث الموضوعة والضعيفة الواردة في هذه الآية الكونية:
ورد في هذه الآية الكونية عدد من الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمتعلقة بالعقيدة، ومنها:
١ - الريح مسخرة من الأرض الثانية:
عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " الريح مسخرة من الثانية -يعني من الأرض الثانية-فلما أراد الله أن يهلك عادًا أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحا تهلك عادا، قال: أي رب، أرسل عليهم من الريح قدر منخر الثور؟ قال له الجبار: لا إذًا تكفأ الأرض ومن عليها، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم. فهي التي يقول الله في كتابه: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (^١) " (¬٢).
٢ - ريح الجنوب من الجنة والشمال من النار:
عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: " ريح الجنوب من الجنة، وهي الريح اللواقح، وهي التي ذكر الله في كتابه، فيها منافع للناس، والشمال من النار تخرج فتمر بالجنة فتصيبها نفحة منها فبردها هذا من ذاك" (^٣).
_________________
(١) الذاريات: ٤٢.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره: ١٠/ ٣٣١٣ برقم (١٨٦٦٥)، والحاكم في المستدرك: ٤/ ٥٩٤، وصححه، وتعقبه الذهبي بقوله: "بل منكر، فيه عبد الله بن عياش ضعفه أبو داود، وعند مسلم أنه ثقة، ودراج وهو كثير المناكير". وقال ابن كثير: "هذا الحديث رفعه منكر، والأقرب أن يكون موقوفا على عبد الله بن عمرو، من زاملتيه اللتين أصابهما يوم اليرموك، والله أعلم". انظر: تفسير ابن كثير: ٧/ ٤٢٣.
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب المطر والرعد والبرق والريح: ١٤٠، والطبري في تفسيره: ١٤/ ٣٠، وضعفه ابن كثير في تفسيره: ٤/ ٥٣١، والألباني في ضعيف الجامع الصغير، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٣: ٤٦١ برقم (٣١٤٤).
[ ٤١٥ ]
وعن أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " إن الله خلق في الجنة ريحا بعد الريح بسبع سنين، وإن من دونها بابا مغلقا، وإنما يأتيكم الريح من ذلك الباب، ولو فتح لأذرت ما بين السماء والأرض من شيء، وهي عند الله الأزَيب (^١)، وهي فيكم الجنوب" (^٢).
_________________
(١) من أسماء ريح الجنوب. وأهل مكة يستعملون هذا الاسم كثيرا. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر: ٢/ ٣٢٤.
(٢) مسند الحميدي، تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق، ط ٢: ٢٢٣ برقم (١٢٩)، والعظمة للأصبهاني: ٤/ ١٣٣٨ برقم (٨٤٥)، وقال الألباني: موضوع. انظر: ضعيف الجامع الصغير: ٢٣٢ برقم (١٦٠٧).
[ ٤١٦ ]