فتاوى الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين
_________________
(١) رحمهما الله تعالى حول الذكر الجماعي. فتاوى أهل العلم وكلامهم حول الذكر الجماعي التلبية الجماعية قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين: بعض الحجاج يلبون بصوت جماعي، فيتقدم واحد منهم أو يكون في الوسط أو في الخلف ويلبي ثم يتبعونه بصوت واحد، وهذا لم يرد عن الصحابة –﵃-، بل قال أنس بن مالك: كنا مع النبي ﷺ - يعني في حجة الوداع- فمنا المكبّر، ومنا المهلّل، ومنا الملبِّي، وهذا هو المشروع للمسلمين؛ أن يلبي كل واحد بنفسه، وألا يكون له تعلق بغيره. (فقه العبادات ص ٣٤٣) سؤال: ما حكم التلبية الجماعية للحجاج؟ جواب: هؤلاء أيضا عملهم لا أصل له في السنة، وهو بدعة ينبغي على طالب العلم أن يبين لهم هذا، وأنه ليس من هدي النبي ﷺ، وأما الالتزام بين الحجر الأسود وبين الكعبة، فهذا قد ورد عن الصحابة ﵃ فعله، ولا بأس به، ولكن مع المزاحمة والضيق كما يشاهد اليوم، لا ينبغي للإنسان أن يفعل ما يتأذى به أو يؤذي به غيره، في أمر ليس من الواجبات. (دليل الأخطاء التي يقع فيها الحاج والمعتمر ص ٤٣) (الشيخ ابن عثيمين)
[ ٥٧ ]
الدعاء الجماعي في الطواف
سؤال: هناك بعض الأخطاء التي تقع في الطواف ما هي هذه الأخطاء..؟
جواب: ١- كثير من الحجاج يلتزم أدعية خاصة في الطواف يقرؤها من مناسك، وقد يكون مجموعات منهم يتلقونها من قارئ يلقنهم إياها ويرددونها بصوت جماعي، وهذا خطأ من ناحيتين:
الأولى: أنه التزام دعاء لم يرد التزامه في هذا الموطن لأنه لم يرد عن النبي ﷺ في الطواف دعاء خاص.
الثاني: أن الدعاء الجماعي بدعة وفيه تشويش على الطائفين، والمشروع أن يدعو كل شخص لنفسه وبدون رفع صوته.
٢- بعض الحجاج يقبّل الركن اليماني، وهذا خطأ لأن الركن اليماني يسلم باليد فقط ولا يقبّل، وإنما الحجر الأسود، فالحجر الأسود يستلم ويقبّل إن أمكن أو يشار من الزحمة إليه والركن اليماني يسلم ولا يقبل ولا يشار إليه عند الزحمة، وبقية الأركان لا تسلم ولا تقبّل.
(الفتاوى فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ٢/ ٣٠)
[ ٥٨ ]
الاجتماع على الذكر بصوت جماعي وقول: "لا إله إلا الله أو هو هو"
سؤل: لنا جماعة هم أصحاب الطريقة التيجانية يجتمعون كل يوم جمعة ويوم الاثنين ويذكرون الله بهذا الذكر: لا إله إلا الله، ويقولون في النهاية: الله، الله بصوت عال فما حكم عملهم هذا؟
جواب: هذه العقيدة التيجانية من العقائد المبتدعة والطرق المنكرة، وفيها منكرات كثيرة، وبدع كثيرة، ومحرمات شركية يجب تركها، ولا يؤخذ منها إلا ما وافق الشرع المطهر الذي جاء به نبينا محمد ﵊.
والاجتماع على الذكر بصوت جماعي لا أصل له في الشرع، وهكذا الاجتماع بقول: الله. الله، أو: هو. هو، إنما الذكر الشرعي أن يقول: لا إله إلا الله فهذا هو الذكر الشرعي، أو سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أستغفر الله، اللهم اغفر لي أما الاجتماع بصوت واحد: لا إله إلا الله أو: الله. الله، أو: هو. هو؛ فهذا لا أصل له، بل هو من البدع المحدثة.
فالواجب على المسلمين ترك البدع، لأن الرسول ﵊ يقول: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (١) يعني فهو مردود ويقول: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢)
_________________
(١) البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) .
(٢) مسلم (١٧١٨) (١٨) .
[ ٥٩ ]
ويقول أيضا علي٧هـ الصلاة والسلام: "وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (١) وكان يخطب في الجمعة ﷺ فيقول: "أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة" (٢) .
فالواجب المسلمين أن يحذروا البدع كلها سواء كانت تيجانية أو غيرها، وأن يلتزموا بما شرعه الله على لسان نبيه ورسوله محمد ﵊، هذا هو الواجب على المسلمين، كما قال الله ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣)، وقال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٤)، وقال ﷿: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٦) .
فالواجب على أهل الإسلام من الرجال والنساء طاعة الله ورسوله والحذر من البدع في الدين، بل الله كفانا ﷾، وأتم لنا
_________________
(١) مسند الإمام أحمد ٤/ ١٢٦، وأبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢)، وصحيح الجامع (٢٥٤٦) .
(٢) مسلم (٨٦٧) .
(٣) سورة الحشر، الآية:
(٤) سورة النساء، الآية:
(٥) سورة الشورى، الآية:
(٦) سورة النور، الآية:
[ ٦٠ ]
النعمة وأكمل لنا الدين، كما قال ﷿: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ (١) . فالإسلام الذي رضيه الله وأكمله لنا علينا أن نلتزم به وأن نستقيم عليه وأن نحافظ عليه، وألا نحدث في الدين ما لم يأذن به الله ونسأل الله للجميع الهداية.
(فتاوى نور على الدرب ١/ ٣٥٨) (الشيخ ابن باز)
الاجتماع لقراءة ورد الصباح والمساء
سؤال: إذا خرج بعض الإخوان لرحلة أو لعمرة أو نحوهما، يأمرون أحدهم أو بعضهم يوميا صباحا ومساء بقراءة ورد الصباح والمساء الوارد عن الرسول ﷺ وبقية الجماعة يستمعون إليه فما حكم ذلك؟
جواب: كان لرسول الله ﷺ أذكار وأدعية يذكر الله ويدعوه بها، صباحًا ومساءً في نفسه، وسمعها منه أصحابه وتعلموها، وذكروا الله ودعوه بها صباحا ومساء، كلٌ منهم في نفسه منفردًا، اقتداء برسول الله ﷺ ولم ينقل عنه ﷺ ولا عن أصحابه ﵃ – فيما نعلم- أنهم كانوا يقولون تلك الأذكار والأدعية مجتمعين، ويقرؤونها، جميعا أو يقرؤها بعضهم ويستمع الآخرون، فينبغي للمسلم أن يهتدي بهدي
_________________
(١) المائدة، الآية: [٣] .
[ ٦١ ]
الرسول ﷺ وأصحابه –﵃- في ذكره ودعائه وكيفية ذلك وفي سائر ما شرعه ﵊ فإن الخير في اتباعه، والشر كل الشر في مخالفته، والاجتماع لذلك واتخاذه طريقة وعادة من البدع المحدثة وقد قال ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (١)، وقال ﷺ: "إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" (٢) .
(فتاوى إسلامية ٤/ ٥١٠) (اللجنة الدائمة)
الأذكار أو الصلاة على النبي ﵇ جماعة عقب الصلاة
سؤال: نجد الناس في بعض المساجد في أيام رمضان بين كل ركعتين من صلاة التراويح تجدهم بصوت عال وجماعي يصلون على النبي وعلى الخلفاء الراشدين وأمهات المؤمنين والعشرة المبشرين بالجنة وذلك بترتيب محدد يعرفونه هم فما حكم ذلك؟
جواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد:
_________________
(١) البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) .
(٢) مسند الإمام أحمد ٤/ ١٢٦، وأبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢) وصحيح الجامع (٢٥٤٦) .
[ ٦٢ ]
الأذكار أو الصلاة على النبي ﷺ جماعة عقب الصلاة فريضة أو نافلة أو بين ركعات التراويح بدعة محدثة، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (١) .
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، السؤال الرابع من الفتوى رقم ٦٢٦٠) .
ذكر الله جماعة في الخطبة
سؤال: لقد رأينا إماما بمدينة البليدة يقول للمسلمين وهو على المنبر وحدوا الله فتنطلق أصوات المسلمين بالتهليل والتكبير، فهل من حق الإمام أن يقول لهم ذلك؟ وهل من حقهم أن يهللوا؟ وما معنى الحديث القائل: إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت نرجو الإجابة والسلام عليكم ورحمة الله.
جواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وبعد.
أولا: إذا كان قصد الخطيب من قوله للحاضرين: وحدوا الله أن يرشدهم إلى ما يجب من توحيد الله في ربوبيته وإلهيته وفي أسمائه وصفاته ليعتقدوا ذلك لا ليجيبوه بتلك الأصوات المرتفعة بالتهليل
_________________
(١) البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) .
[ ٦٣ ]
والتكبير ولكنهم فهموا منه خلاف ما أراد فأجابوه قولا بهذه الأصوات فلا حرج عليه. أما هم فقد أخطأوا في فهمهم ورفع أصواتهم وعليه أن ينصحهم ويرشدهم إلى ما أراد حتى لا يعودوا إلى مثل ذلك مرة أخرى. وإن كان قصده أن يجيبوه في الحال بالتهليل والتكبير مع رفع الأصوات بذلك فهو مخطئ مبتدع وهم مخطئون مبتدعون. لأن ذلك لم يعهد من النبي ﷺ في خطبه ولا من الخلفاء الراشدين في خطبهم ولا ممن كانوا يستمعون لهم إنما كان يسأل الخطيب بعض من في المسجد عن أمر يتعلق به كما كان من النبي ﷺ مع سليك لم دخل المسجد والنبي ﷺ يخطب فجلس ولم يصل تحية المسجد فأمره النبي ﷺ أن يقوم فيصلي ركعتين. وكما كان منه مع أعرابي اشتكى القحط وطلب من النبي ﷺ أن يسأل الله تعالى أن ينزل المطر، فدعا رسول الله ﷺ ربه فنزل الغيث واستمر حتى طلب منه في خطبة الجمعة التي بعدها أن يمسكه فدعا النبي ﷺ ربه أن يجعله حيث ينتفع به ولا يضر. وكما كان من عمر مع عثمان لم يبكر إلى الجمعة يوما قال عمر: أية ساعة هذه، فقال عثمان والله لم أزد على أن توضأت فقال عمر: والوضوء أيضا رضي الله عن الجميع، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (١)، وقال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢)
ثانيا: الحديث الذي ذكرت رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن
_________________
(١) البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) .
(٢) مسلم (١٧١٨) .
[ ٦٤ ]
ومعناه: إذا تكلمت مع جليسك والإمام يخطب خطبة الجمعة ولو بنصيحة وأمر بمعروف ونهي عن منكر وكقولك اسكت واستمع للخطبة فقد أسأت، وارتكبت ما لا ينبغي، والذي ينبغي في ذلك أن يوجه الكلام على الخطيب لينصح من يراد نصحه ليكف عن الشر ويقبل على الخير وذلك حتى لا يتتابع الحاضرون بالمسجد وقت الخطبة في اللغط واللغو من الكلام ولا ما نع من أن يشير إلى المسيء إشارة يفهم منها الكف عن الإساءة.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، السؤال الثاني من الفتوى رقم ٣٢٤٦)
ذكر الله مع التمايل يمينا وشمالا
سؤال: ما حكم الإسلام فيمن يذكرون وهم يتمايلون يمينا وشمالا في حالة قفز وفي جماعة وفي صوت عال؟
جواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد:
لا يجوز لأنه بهذه الكيفية بدعة محدثة وقد قال النبي ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (١) .
_________________
(١) البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) .
[ ٦٥ ]
سؤال: هل كان النبي ﷺ يقرأ الفاتحة بعد الدعاء؟
جواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد: لم يثبت عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ الفاتحة بعد الدعاء فيما نعلم، فقراءتها بعد الدعاء بدعة.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء. السؤال الثامن من الفتوى رقم ٥٨٨١)
قراءة الفاتحة والصلوات الإبراهيمية جماعة
سؤال: نحن جماعة من العماء المسلمين المهاجرين بفرنسا اجتمعنا على تقوى الله واتباع سنة حبيبه محمد ﷺ وفقنا بمشيئة الله سبحانه على الحصول على قاعة نؤدي فيها الصلوات الخمس يوميا وقد اخترنا لنا إماما أعانه الله على حمل هذا العبء الثقيل الملقى على أعتقه، وبالإضافة إلى الصلوات الخمس التي تقام يوميا هناك دروس في الوعظ والإرشاد من حين لآخر ومشكلتنا الحالية أن هذه الجماعة قد بدأت تتفكك شيئا ما والسبب في ذلك هو أننا بعد الانتهاء من الصلاة بعد السلام مباشرة كل واحد منا يسبح الله ٣٣ مرة ويحمد الله ٣٣ مرة ويكبر الله كذلك، وذلك مصداق واتباع لحديث سيد الخلق وحبيب الخلق محمد ﷺ كما رواه أبو هريرة في الحديث الشريف: "جاء الفقراء إلى رسول الله ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما
[ ٦٦ ]
نصوم ولهم فضل أمول يحجون بها ويعتمرون ويتصدقون فقال: "ألا أحدثكم بحديث إن أخذتم به أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحد بعدكم وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيهم إلا من عمل مثله تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين.." (١) الخ. الحديث وهذه الصيغة الواردة في الحديث الشريف يأتي بها كل مصل سرا وبعدها نقرأ جماعة فاتحة الكتاب والصلوات الإبراهيمية ونختم بسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. فقام من بيننا إخوة قالوا: إنا براء منكم إنكم بقراءتكم هذا جماعة ابتدعتم بدعة يبقى عليكم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم الدين، أفتنا في أمرنا هل قراءة الفاتحة والصلوات الإبراهيمية والآيات الأخيرة من الصافات ١٨٠، ١٨١، ١٨٢ جماعة سنة حسنة أم بدعة ابتدعناها، وليس هذا كل ما في الأمر بل هؤلاء الإخوة أصبحوا لا يحضرون معنا الصلاة قائلين لن نصلي معكم حتى تقلعوا عن هذه البدعة لا بد لنا من فتوى تكون حسما للخلاف القائم حاليا بين هؤلاء الإخوة فإن كنا على غير هدي فإننا نقلع عن هذا حتما ونستغفر الله على ما سلف، وإن كنا على بينة نطلب الله أن يلهم هؤلاء الإخوة رشدهم وكفى ما بالمسلمين من خلافات مزقت وحدتهم وفرقت شملهم؟
جواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد:
_________________
(١) البخاري (٨٣٤) (٦٣٢٩)، ومسلم (٥٩٥) .
[ ٦٧ ]
ما ذكرتم من أنكم تقرءون جماعة فاتحة الكتاب والصلوات الإبراهيمية وتختمون بسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين لا يجوز فعله بل هو بدعة لعدم وروده عن المصطفى ﷺ.
أما الإخوة الذين تركوا الصلاة معكم من أجل البدعة المذكورة فما كان ينبغي منهم ذلك بل الواجب عليهم أن يصلوا معكم أداء للواجب مع النصيحة بالمعروف أصلح الله حال الجميع.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فتوى رقم ٦٩١٧)
الاستغفار جماعة بعد الصلوات
سؤال: لنا مسجد نصلي فيه وعندما ينتهي الجماعة من الصلاة يقولون بصوت جماعي: استغفر الله العظيم وأتوب إليه.. هل هذا وارد عن النبي ﷺ؟
جواب: أما الاستغفار فهو ثابت عن النبي ﷺ أنه إذا سلم استغفر الله ثلاثا قبل أن ينصرف إلى أصحابه وأما الهيئة التي ذكرها السائل بأن يؤدى الاستغفار بأصوات جماعية فهذا بدعة. لم يكن من هدي النبي ﷺ بل كان يستغفر لنفسه غير مرتبط بالآخرين ومن غير صوت جماعي والصحابة كانوا يستغفرون فرادى بغير صوت جماعي وكذا من
[ ٦٨ ]
بعدهم من القرون المفضلة.
فالاستغفار في حد ذاته سنة بعد السلام لكن الإتيان به بصوت جماعي هذا هو البدعة فيجب تركه والابتعاد عنه.
(نور على الدرب فتاوى فضيلة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ١/ ٢٣)
ترديد الأذكار بعد الصلاة جماعة
سؤال: الأذكار بعد الصلاة هل تردد بشكل جماعي من قبل المصلين؟ وهل وراء الإمام أو من يساعده وهو عندنا المؤذن الذي يؤذن للصلاة والإقامة؟ هل من المسنون أن يقول وبصوت عال بعد الصلاة: جلّ ربنا الكريم. جل ربنا العظيم سبحانك يا عظيم "سبحان الله": يعني قولوا سبحان الله ثلاثا وثلاثين مرة. ثم يقول: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا يا ربنا دائما نشكرك شكرا كثيرا "الحمد لله" يعني قولوا: الحمد لله ثلاثا وثلاثين مرة. ثم يقول: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله جلّ شأنه "الله أكبر" يعني قولوا: الله أكبر أربعا وثلاثين مرة ثم يقول بعدها: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير؟ هل من السنة أن يصوت والمصلون يستمعون إليه ثم يسبحون ويحمدون ويكبرون؟ أو السنة أن يستغفر المصلي ربه ثلاثا فيقول ثلاث مرات أستغفر الله. أستغفر الله. أستغفر الله العظيم، ثم يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. ثم يقول: اللهم
[ ٦٩ ]
أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ثم يسبح الله ويحمده ويكبره ثلاثا وثلاثين مرة بشكل منفرد؟ هل تجري هذه الأذكار بشكل أم أن الإمام يأمر بها واحدة واحدة؟
جواب: هذه الصفات التي ذكرها السائل في كون الإمام يقول: سبحان الجليل العظيم وما أشبه هذه بدعة لم ترد عن النبي ﷺ: وإنما الوارد أن كل إنسان يستغفر الله ويذكر لنفسه. لكن السنة الجهر بالذكر بعد السلام من الصلاة: فقد ثبت عن ابن عباس – ﵄- أنه قال: كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي ﷺ. وأنه كان يعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعهم، وهذا دليل على أن السنة الجهر بالذكر بعد الصلاة خلافا لما كان عليه أكثر الناس اليوم من الإسرار به، وبعضهم يجهر بالتهليلات دون التسبيح والتحميد والتكبير، ولا أعلم لهذا أصلا من السنة في التفريق بين هذا وهذا. وإنما السنة الجهر، وقول بعض الناس: إن الرسول ﷺ جهر بالذكر بعد الصلاة من أجل أن يعلمه الناس، هذا قول فيه نظر؛ وذلك لأن التعليم من النبي ﵊ قد حصل بالقول كما قال للفقراء من المهاجرين: "تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثين وثلاثين" (١) . ثم إننا نقول: هب أن المقصود بذلك التعليم. فالتعليم كما يون في صل الدعاء. أو في أصل الذكر يكون أيضا بصفته، فالرسول ﷺ علم هذا الذكر أصله وصفته وهو الجهر، كون الرسول
_________________
(١) البخاري (٨٤٣) (٦٣٢٩) ومسلم (٥٩٥) .
[ ٧٠ ]
عليه الصلاة والسام يداوم على ذلك يدل على أنه سنة، ولو كان من أجل التعليم فقط لكان النبي ﵊ يقتصر على أن يعلم الناس ثم يقول للناس هذا الذكر سرّا؛ فالمهم أن القول الراجح في هذه المسألة أنه يسن الذكر ورفع الصوت به.
(كتاب سؤال وجواب من برنامج نور على الدرب ١/ ١٤) (الشيخ ابن عثيمين)
الدعاء جماعة بعد الصلاة مع رفع الصوت والتأمين
سؤال: نرى في بعض المناطق أن الإمام يرفع يديه بعد الصلوات المكتوبة والمأمومون كذلك يدعو الإمام ويؤمن المأمومون على دعائه فأرجو إثباته أو نفيه بالدلائل؟
جواب: العبادات مبنية على التوقيف فلا يجوز أن يقال إن هذه العبادة مشروعة من جهة أصلها أو عددها أو هيأتها أو مكانها إلا بدليل شرعي يدل على ذلك ولا نعلم سنة في ذلك عن النبي ﷺ لا من قوله ولا من فعله ولا من تقريره والخير كله باتباع هديه ﷺ وهديه ﷺ في هذا الباب ثابت بالأدلة الدالة على ما كان يفعله ﷺ بعد السلام وقد جرى خلفاؤه وصحابته من بعده ومن بعدهم التابعون لهم بإحسان، ومن أحدث خلاف هدي الرسول ﷺ فهو مردود عليه قال ﷺ: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) فالإمام الذي يدعو بعد السلام ويؤمن المأمومون على دعائه والكل رافع يديه يطالب بالدليل المثبت
_________________
(١) مسلم (١٧١٨) (١٨) .
[ ٧١ ]
لعمله وإلا فهو مردود عليه.
(فتاوى إسلامية ٤/ ١٧٩) (اللجنة الدائمة)
الدعاء الجماعي بعد الصلاة بصوت واحد
قالت اللجنة الدائمة
الدعاء الجماعي بعد سلام الإمام بصوت واحد لا نعلم له أصلا يدل على مشروعيته وقد صدرت فتوى من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في ذلك، هذا نصها: "ليس الدعاء بعد الفرائض بسنة إذا كان ذلك برفع الأيدي سواء كان من الإمام وحده أو المأموم وحده أو منهما جميعا، بل ذلك بدعة لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ، ولا عن أصحابه ﵃، أما الدعاء بدون ذلك فلا بأس به لورود بعض الأحاديث بذلك".
وبالله التوفيق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
(فتاوى إسلامية ١/ ٣١٨) (اللجنة الدائمة)
قراءة القرآن جماعة بصوت واحد
سؤال: من عادتنا نحن المغاربة نقرأ القرآن جماعة صباحا ومساءً بعد صلاة الصبح والمغرب فهنا من يقول إنها بدعة.
جواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله
[ ٧٢ ]
وصحبه وبعد:
التزام قراءة القرآن جماعة بصوت واحد بعد كل من صلاة الصبح والمغرب أو غيرهما بدعة. وكذا التزام الدعاء جماعة بعد الصلاة، أما إذا قرأ كل واحد لنفسه أو تدارسوا القرآن جميعا كلما فرغ واحد قرأ الآخر واستمعوا له فهذا من أفضل القرب، لقول النبي ﷺ: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده" (١) .
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السؤال الثالث من الفتوى رقم ٤٩٩٤)
سؤال: ما حكم قراءة القرآن جماعة بصوت واحد وخاصة يوم الجمعة قبل دخول الإمام؟
جواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد:
لا يجوز ذلك وتخصيصه بيوم الجمعة قبل دخول الإمام بدعة محدثة.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
(اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السؤال الحادي عشر من الفتوى رقم ٦٣٦٤)
_________________
(١) مسلم (٢٦٩٩) .
[ ٧٣ ]
الدعاء جماعة عند القبر والتأمين
سؤال: ما حكم دعاء الجماعة عند القبر بأن يدعو أحدهم ويؤمن الجميع؟
جواب: ليس هذا من سنة الرسول ﵊ ولا من سنة الخلفاء الراشدين، وإنما كان الرسول ﵊ يرشدهم إلى أن يستغفروا للميت ويسألوا له التثبيت كلٌّ بنفسه وليس جماعة.
(فتاوى التعزية ص ٤٠) (الشيخ ابن عثيمين)
رفع الصوت بالتهليل الجماعي أثناء الخروج بالجنازة
سؤال: ما حكم رفع الصوت بالتهليل الجماعي أثناء الخروج بالجنازة والمشي بها إلى المقبرة؟
جواب: هدي الرسول ﷺ إذا تبع الجنازة أن لا يسمع له صوت بالتهليل أو القراءة أو نحو ذلك ولم يأمر بالتهليل الجماعي – فيما نعلم- بل قد روي عنه ﷺ أنه "نهى أن يتبع الميت بصوت أو نار" (١) رواه أبو داود.
وقال قيس بن عباد وهو من أكابر التابعين من أصحاب علي بن أبي طالب - ﵁-: كانوا يستحبون خفض الصوت عند الجنائز
_________________
(١) أبو داود (٣١٧١) وضعيف سنن أبي داود (٦٩٦) .
[ ٧٤ ]
وعند الذكر وعند القتال.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀-: لا يستحب رفع الصوت مع الجنازة لا بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك هذا مذهب الأئمة الأربعة وهو المأثور عن السلف من الصحابة والتابعين ولا أعلم فيه مخالفا. وقال أيضا: وقد اتفق أهل العلم بالحديث والآثار أن هذا لم يكن على عهد القرون المفضلة. وبذلك يتضح لك أن رفع الصوت بالتهليل الجماعي مع الجنائز بدعة منكرة وهكذا ما شابه ذلك من قولهم وحدوه أو اذكروا الله أو قراءة بعض القصائد كالبردة.
(فتاوى إسلامية ٢/ ٤٩) (اللجنة الدائمة)
[ ٧٥ ]
كلام الشيخ حمود التويجري في كتابه (إنكار التكبير الجماعي وغيره)
كلام الشيخ حمود التويجري في كتاب (إنكار التكبير الجماعي وغيره)
قال الشيخ حمود: صليت في المسجد الحرام صلاة عيد الفطر في سنة ١٣٧٧ فسمعت من في أعلى زمزم ومن في أعلى المقام الحنفي يتجاوبون بالتكبير والتهليل والتحميد والصلاة على رسول الله ﷺ بأصوات عالية ملحنة يخرجونها مخرجا واحدا على نحو ما يفعله أهل الغناء. وكذلك كانوا يفعلون في أعلى زمزم في سنة ١٣٧٨هـ بعد ما هدم المقام الحنفي. وأخبرني بعض الحجاج أنهم كانوا يفعلون مثل ذلك في عيد الأضحى. وقد رأيت بعض الحاضرين يطربون لهذه الأصوات كما يطرب المفتونون بالغناء للغناء. وفعلهم هذا من الاستهزاء بذكر الله تعالى ومن البدع التي يجب إنكارها. وقد أنكر ابن مسعود وأبو موسى الأشعري – ﵂- ما هو دون ذلك وعده ابن مسعود – ﵁- من البدع فروى الطبراني في الكبير عن عمرو بن سلمة قال كنا قعودا على باب ابن مسعود – ﵁- بين المغرب والعشاء فأتى أبو موسى – ﵁- فقال اخرج إلينا أبا عبد الرحمن فخرج ابن مسعود -﵁- فقال أبا موسى ما جاء بك هذه الساعة قال لا والله إلا أني رأيت أمرا ذعرني وإنه لخير ولقد ذعرني وإنه لخير قوم جلوس في المسجد ورجل يقول سبحوا كذا وكذا احمدوا كذا وكذا قال فانطلق عبد الله وانطلقنا معهم حتى أتاهم فقال ما أسرع ما ضللتم وأصحاب رسول الله ﷺ أحياء وأزواجه ثواب وثيابه وأبنيته لم تغير احصوا سيئاتكم فأنا أضمن على الله أن يحصي حسناتكم. وروى الدارمي عن عمرو بن يحيى قال سمعت أبي يحدث عن أبيه قال كنا
[ ٧٩ ]
نجلس على باب عبد الله بن مسعود – ﵁- قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد فجاءنا أبو موسى الأشعري –﵁- فقال أحرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا لا فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعا فقال له أبو موسى يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفا أمرا نكرته ولم أر والحمد لله إلا خيرا قال فما هو؟ فقال إن عشت فستراه قال رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى فيقول كبروا مائة فيكبرون مائة فيقول هللوا مائة فيهللون مائة ويقول سبحوا مائة فيسبحون مائة قال فماذا قلت لهم قال ما قلت لهم شيئا انتظار رأيك أو انتظار أمرك قال أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء، ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح قال فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون وهذه ثيابه لم تبل وآنيته لم تكسر والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد ﷺ أو مفتحوا باب ضلالة؟ قالوا والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير قال كم من مريد للخير لن يصيبه. وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد الزهد والطبراني وأبو نعيم في الحلية وأبو الفرج ابن الجوزي واللفظ له عن أبي البختري قال أخبر رجل عبد الله بن مسعود –﵁- أن قوما يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول
[ ٨٠ ]
كبروا الله كذا وكذا، وسبحوا الله كذا وكذا، واحمدوا الله كذا وكذا، قال عبد الله فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فأخبرني بمجلسهم فجلس فلما سمع ما يقولون قام فأتى ابن مسعود –﵁- فجاء وكان رجلا حديدا فقال أنا عبد الله بن مسعود والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علما. عليكم بالطريق فألزموه ولئن أخذتم يمينا وشمالا لتضلن ضلالا بعيدا. وفي رواية الطبراني فأمرهم أن يتفرقوا. وروى محمد بن وضاح أن عبد الله بن مسعود -﵁- حدث أن ناسا يسبحون بالحصى في المسجد فأتاهم وقد كوم كل رجل منهم كومة من حصى فلم يزل يحصبهم بالحصى حتى أخرجهم من المسجد وهو يقول لقد أحدثتم بدعة ظلماء أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علما.
إذا علم هذا فصنيع المتجاوبين بالتكبير يوم العيد مما لا ريب أنه من المنكرات وأنه أعظم مما أنكره ابن مسعود وأبو موسى -﵄- وأولى بأن ينكر على فاعليه ويمنعوا منه. وبيان ذلك من وجوه:
أحدها: في فعل المتجاوبين بالتكبير من التطريب به واجتماع الجماعة على إخراجه بأصوات عالية متطابقة كأنها من تطابقها صوت احد على نحو ما يفعله المغنون. وهذا المسلك مما ينبغي تنزيه ذكر الله وإجلاله عنه.
الثاني: ما في ذلك من التشويش على من في مسجد الحرام من التالين للقرآن والذاكرين لله تعالى بالتكبير والتهليل والتسبيح والتحميد وغير ذلك من أنواع الذكر والدعاء فتلتبس القراءة على القارئ والذكر
[ ٨١ ]
على الذاكر والدعاء على الداعي. وقد نهى النبي ﷺ عن الجهر بالقرآن إذا حصل من الجهر به تشويش على الغير كما في الموطأ (١) عن أبي حازم التمار عن البياضي أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن. وروى أبو داود في سننه والحاكم في مستدركه عن أبي سعيد الخدري (٢) -﵁- قال: اعتكف رسول الله -ﷺ- في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: "ألا إن كلكم مناج ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة أو قال في الصلاة" قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الحافظ الذهبي في تلخيصه وقال ابن عبد البر – رحمه الله تعالى- حديث البياضي وأبي سعيد ثابتان صحيحان انتهى. وفي المسند (٣) من حديث عبد الله بن عمر –﵁- أن النبي ﷺ اعتكف وخطب الناس فقال أما إن أحدكم إذا قام في الصلاة فإنه يناجي ربه فليعلم أحدكم ما يناجي ربه ولا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة في الصلاة. وإذا كان المصلي منفردا ومثله التالي للقرآن في غير صلاة منهيا عن الجهر الذي يحصل منه تشويش على من حوله من المصلين والتالين فنهي المتجاوبين
_________________
(١) رواه الإمام مالك في الموطأ رقم (١٧٦) . ١/ ٨٠.
(٢) رواه أبو داود رقم (١٣٣١) ٢/ ٣٨، والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الصحيحين ولم يخرجاه رقم (١١٦٩) ١/٤٥٤، قال الألباني: صححه في صحيح الجامع رقم (١٩٥١) .
(٣) رواه الإمام أحمد رقم (٤٩٢٨) ٢/ ٣٦.
[ ٨٢ ]
بالتكبير أولى لأن صنيعهم هذا من المحدثات مع ما في ذلك من التشويش على التالين والذاكرين والداعين (٣) ١.
الوجه الثالث: ما في فعلهم من مخالفة ما أمر الله به من خفض الصوت بالذكر والدعاء وارتكاب ما نهى الله عنه ورسوله ﷺ من رفع الصوت بذلك قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ . قال مجاهد ابن جريج: أمر أن يذكروه في الصدور وبالتضرع إليه في الدعاء والاستكانة دون رفع الصوت والصياح بالدعاء. وقال تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ . قالت عائشة –﵂- أنزل ذلك في الدعاء رواه البخاري. قال المروذي سمعت أبا عبد الله –يعني أحمد بن حنبل- يقول ينبغي أن يسر دعاءه لقوله: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ قال هذا في الدعاء. قال وسمعت أبا عبد الله يقول وكانوا يكرهون أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء. وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ . وقد فسر الاعتداء بأمور منها: رفع الصوت في الدعاء قال ابن جريج من الاعتداء رفع الصوت والنداء بالدعاء والصياح حكاه عنه البغوي في تفسيره. وإذا كان رفع الصوت بالدعاء من الاعتداء فالتطريب به وتشبيهه بالغناء أولى بأن يكون من الاعتداء الذي لا يحب الله فاعله. والتهليل والتسبيح والتحميد من أنواع الدعاء المأمور بخفض
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ: رقم (٥٠٠) ١/ ٢١٤ و٤٢٢.
[ ٨٣ ]
الصوت به وهي أفضل أنواع الدعاء كما () في الموطأ عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله ﷺ قال "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له". وفي جامع الترمذي (١) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده –﵁- أن النبي ﷺ قال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" قال الترمذي: حسن غريب ورواه الإمام أحمد في مسنده ولفظه قال: "كان أكثر دعاء رسول الله ﷺ يوم عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير" (٢) وروى الترمذي وابن ماجه والحاكم في مستدركه عن جابر بن عبد الله -﵄- قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله" قال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم وقال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه (٣) . وروى ابن حبان والحاكم
_________________
(١) رواه الترمذي رقم (٣٥٨٥) ٥/ ٥٧٢ قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. حسنه الألباني في صحيح الترمذي رقم (٣٥٨٥) ٤٧١ باب في دعاء يوم عرفة.
(٢) رواه أحمد في مسنده رقم (٦٩٦١) ٢/ ٢١٠) .
(٣) رواه الترمذي رقم (٣٣٨٢) ٥/ ٤٦٢، قال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلاَّ من حديث موسى بن إبراهيم بن ماجه رقم (٣٨٠٠) ٢/١٢٤٩، والحاكم وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه رقم (١٨٥٢) ١/٦٨١، قال الألباني: حسن، الترغيب رقم (١٥٢٦)، والترمذي رقم (٣٣٨٣) ٣/ ٣٨٩.
[ ٨٤ ]
أيضا عن أبي سعيد الخدري –﵁- عن رسول الله ﷺ قال: "قال موسى ﵇ يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به قال يا موسى قل لا إله إلا الله. وذكر تمام الحديث". قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه (١) وقد قال الله تعالى مخبرا عن أهل الجنة: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ . وفي المسند وجامع الترمذي ومستدرك الحاكم عن سعد بن أبي وقاص –﵁- قال: قال رسول الله عليه وسلم: "دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له" قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه (٢) . وفي جامع الترمذي أيضا عن أبي هريرة –﵁- أن النبي ﷺ كان إذا أهمه الأمر رفع رأسه إلى السماء فقال سبحان الله العظيم (٣) . وفي مستدرك الحاكم عن
_________________
(١) رواه ابن حبان رقم (٦٢١٨) ١٤/ ١٠٢، والحاكم وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه رقم ١٩٣٦) ١/ ٧١٠.
(٢) ورواه أحمد رقم (١٤٦٢) ١/ ٧١٠، والترمذي رقم (٣٥٠٥) ٥/ ٥٢٩، والحاكم وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه رقم (١٨٦٣) (١٨٦٣) ١/٦٨٤ و٦٨٥.
(٣) رواه الترمذي رقم (٣٤٣٦) ٥/ ٤٩٥ قال حديث حسن غريب، قال الألباني: ضعيف باب ما جاء ما يقال عند الكرب رقم (٣٤٣٦) ص ٣٧٤.
[ ٨٥ ]
سلمة بن الأكوع ﵁ قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يستفتح دعاء إلا استفتحه بسبحان ربي العلي الأعلى الوهاب. قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه (١) . وفي الصحيحين والمسند وجامع الترمذي عن ابن عباس –﵄- أن نبي الله ﷺ كان يدعو بهذه الدعوات عند الكرب لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب العرش العظيم لا إله إلا الله رب السموات والأرض رب العرش الكريم (٢) رواه ابن ماجه ولفظه كان يقول عند الكرب لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم سبحان الله رب السموات السبع ورب العرش الكريم (٣) . وفي المسند أيضا عن علي بن أبي طالب –﵁- قال: علمني رسول الله ﷺ إذا نزل بي كرب أن أقول لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله وتبارك الله رب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين (٤) . والغرض من إيراد هذه الأحاديث بيان أن التهليل والتسبيح والتحميد من أنواع الدعاء الذي أمر الله ﵎ أن يكون بتضرع وخفية وأخبر أنه لا يحب المعتدين أي في الدعاء ولا في غيره.
_________________
(١) رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد، ولم يخرجاه رقم (١٨٣٥) ١/ ١٧٦.
(٢) متفق عليه: رواه البخاري رقم (٥٩٨٥) ٥/ ٣٣٦، (٦٩٩٠) ٦/ ٢٧٠١، (٦٩٩٤) ٦/ ٢٧٠٢، ومسلم رقم (٢٧٣٠) ٤/٢٠٩٢ و٢٠٩٣.
(٣) رواه ابن ماجه رقم (٣٨٨٣) ٢/ ١٢٧٨، وقال الألباني صحيح، باب الدعاء عند الكرب رقم (٣١٤٧) ٣/٢٦٩.
(٤) رواه أحمد رقم (٧٠١) ٢/ ١٠٩، وقال الأرناؤوط حديث صحيح.
[ ٨٦ ]
قال ابن القيم –رحمه الله تعالى-: "ومن العدوان أن يدعوه غير متضرع قال وفي قوله: إنه لا يحب المعتدين عقب قوله ادعوا ربك تضرعا وخفية دليل على أن من لم يدعه تضرعا وخفية فهو من المعتدين الذين لا يحبهم فقسمت الآية الناس إلى قسمين داع لله تضرعا وخفية ومعتد بترك ذلك". انتهى.
ولا يخفى على من في قلبه أدنى حياة ما في فعل المطربين بالأذكار يوم العيد من منافاة التضرع والخفية بل ومنافاة الخوف من الله تعالى فإنهم لو خافوه لمنعهم خوفه من مخالفة أمره وارتكاب نهيه والاستهزاء بذكره وإيقافه بأفعال تشبه أفعال المغنين. فهم إذًا من المعتدين. والله لا يجب المعتدين. وقد تقدم ما ذكره الإمام أحمد –رحمه الله تعالى- عن السلف أنهم كانوا يكرهون أن يرفعوا أصواتهم بالدعاء. وروى الخلال بإسناد صحيح عن قتادة عن سعيد بن المسيب إنه قال أحدث الناس الصوت عند الدعاء. وعن سعيد بن أبي عروبة أن مجالد بن سعيد سمع قوما يعجون في دعائهم فمشى إليه فقال أيها القوم إن كنتم أصبتم فضلا على من كان قبلكم لقد ضللتم قال فجعلوا يتسللون رجلا رجلا حتى تركوا بغيتهم التي كانوا فيها. العج رفع الصوت بالدعاء وغيره. وروى الخلال أيضا بإسناده عن ابن شوذب عن أبي التياح قال: قلت للحسن أمامنا يقص فيجتمع الرجال والنساء فيرفعون أصواتهم بالدعاء فقال الحسن إن رفع الصوت بالدعاء لبدعة وإن اجتماع الرجال والنساء لبدعة وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أنكر رفع الصوت بالذكر ونهى عن
[ ٨٧ ]
ذلك كما في الصحيحين وغيرهما من حديث خالد الحذاء عن أبي عثمان النهدي عن أبي موسى الأشعري –﵁- قال كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فجلنا لا نصعد شرفا ولا نعلو شرفا ولا نهبط في واد إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير قال فدنا منا رسول الله ﷺ فقال أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا بصيرا. هذا لفظ البخاري. وفي رواية لهما عن عاصم الأحول عن أبي عثمان عن أبي موسى – ﵁- قال لما غزا رسول الله ﷺ خيبر أو قال لما توجه رسول الله ﷺ ارشرفوا على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله فقال رسول الله ﷺ اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا قريبا وهو معكم. هذا لفظ البخاري (١) . وإذا كان النبي ﷺ قد أنكر على الذين رفعوا أصواتهم بالتكبير والتهليل وهم في الفضاء فالإنكار على المتجاوبين بذلك بالأصوات العالية في المسجد الحرام أولى لأنهم قد ضموا إلى رفع الأصوات به بدعة وهي اجتماع الجماعة على إيقاعه بأصوات متطابقة كما يفعله المغنون. وضموا إلى ذلك أيضا تطريبا وتشويشا على الحاضرين وكل من هذه الأفعال غير جائز. وفي الصحيحين وسنن أبي داود وابن ماجه عن عائشة –﵂- قالت: قال رسول الله ﷺ "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٢) . وفي رواية لأحمد
_________________
(١) متفق عليه رواه البخاري رقم (١٨٣٠) ٣/ ١٠٩١، ومسلم رقم (١٧٠٤) ٤/ ٢٠٧٧.
(٢) متفق عليه رواه البخاري رقم (٢٥٥٠) ٢/ ٩٥٩، ومسلم رقم (١٧١٨) ٣/١٣٤٣.
[ ٨٨ ]
ومسلم والبخاري تعليقًا مجزومًا به "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"- أي مردود- (١) . ومن الأعمال المردودة بلا ريب صنيع المتجاوبين بالتكبير بالأصوات العالية المتطابقة لأنه لم يكن من أمر رسول الله ﷺ ولا من عمل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وليس هو من عمل التابعين وتابعيهم بإحسان وإنما هو من محدثات الأمور التي حذر منها رسول الله ﷺ أمته كما في المسند والسنن من حديث العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله عليه وسلم قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة". قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضا ابن حبان والحاكم وقال ليس له علة ووافقه الذهبي في تلخيصه (٢) . قال ابن الحاج المالكي في المدخل قد مضت السنة أن كل واحد يكبر لنفسه ولا يمشي على صوت غيره فإن ذلك من البدع إذ أنه لم ينقل أن النبي ﷺ فعله ولا أحد من الخلفاء الراشدين بعده وفيه خرق حرمة المسجد والمصلي برفع الأصوات والتشويش على من به من العابدين والتالين والذاكرين. وقال أيضا
_________________
(١) رواه أحمد رقم (٢٥١٧١) ٦/ ١٤٦، (٢٥٥١١) ٦/ ١٨٠، (٢٦٢٣٤) ٦/ ٢٥٦، ومسلم رقم (١٧١٨) ٣/ ١٣٤٣، والبخاري تعليقا مجزوما به ٦/ ٢٦٧٥.
(٢) ورواه أحمد وغيره ٤/١٢٦، وقال الترمذي حديث حسن صحيح رقم (٢٦٧٦) ٥/٤٤، وصححه ابن حبان، صحيح ابن حبان ١/ ١٧٩، والحاكم رقم (٣٢٩) ١/ ١٧٤، وقال الألباني: صحيح صحيح الترمذي رقم (٢٦٧٦) ٣/ ٦٩، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع.
[ ٨٩ ]
والسنة الماضية أن يكبر عند خروجه إلى المصلى وأن يجهر بالتكبير فيسمع نفسه ومن يليه والزيادة على ذلك من البدع إذ أنه لم يرد عن النبي ﷺ إلا ما ذكر ورفع الصوت بذلك يخرج عن حد السمت والوقار ولا فرق في ذلك بين الإمام والمؤذن والمأموم فإن التكبير مشروع في حقهم أجمعين بخلاف المشي على صوت واحد فإنه بدعة لأن المشروع أن يكبر كل إنسان. لنفسه ولا يمشي على صوت غيره انتهى.
فإن احتج أحد من المبتدعين الذين أشرنا إليهم أو احتج لهم غيرهم بأن عمر –﵁- كان يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرا. وأن ابن عمر وأبا هريرة –﵄- كانا يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.
فالجواب: أن يقال أن سماع أهل المسجد لعمر –﵁- لا يدل على أنه كان يرفع صوته بالتكبير رفعا منكرا كما يفعله المتجاوبون في المسجد الحرام وإنما كان –﵁- جهير الصوت وكانت قبته إلى جانب المسجد فكان إذا كبر وهو فيها سمعه أهل المسجد فتنبهوا من غفلتهم وكبروا وكذلك أهل الأسواق وإذا سمعوا تكبير من في المسجد تنبهوا من غفلتهم وكبروا. ومثل ذلك فعل ابن عمر وأبي هريرة –﵄- فإنهما كانا إذا مرا في السوق كبرا فتنبه أهل السوق من غفلتهم وكبروا بتكبيرهما. ولم يذكر عن عمر وابنه وأبي هريرة –﵃- أنهم كانوا يبالغون في رفع أصواتهم بالتكبير وحاشهم أن يخالفوا قول النبي ﷺ اربعوا على أنفسكم فإنكم لا
[ ٩٠ ]
تدعون أصم ولا غائبا. وأيضا فإن عمر وابنه وأبا هريرة –﵃- كان كل منهم يكبر على حدته وكذلك كل من سمعهم فإن كلا منهم يكبر على حدته ولم يكن في فعلهم تلحين وتطريب ولا اجتمع اثنان منهم فضلا عن الجماعة على التجاوب به وإخراجه بأصوات عالية متطابقة كما يفعله المغنون وكما يفعله المتجاوبون في المسجد الحرام. فعمر وابنه وأبو هريرة – ﵃- كانوا على طريقة حسنة بخلاف المتجاوبين في المسجد الحرام فإنهم على طريقة مبتدعة وكل بدعة ضلالة. وأيضا ففعل عمر وابنه أبي هريرة –﵃- ليس فيه تشويش على الناس وتخليط عليهم وإنما فيه إيقاظ الغافلين منهم وبعث هممهم على ذكر الله تعالى. وهذا بخلاف فعل المتجاوبين في المسجد الحرام فإنهم كانوا يشوشون على الحاضرين غاية التشويش فتلتبس القراءة على القارئين والذكر على الذاكرين والدعاء على الداعين في حال تجاوب أولئك. وقد نهى النبي ﷺ عن مثل هذا كما تقدم في حديث البياضي وأبي سعيد وابن عمر –﵃-. وقد ذكر كثير من الفقهاء أنه يستحب الجهر بالتكبير في العيدين وأيام العشر. ومرادهم بالجهر ضد الإسرار لا رفع الأصوات المنكرة به فإن ذلك لا يجوز لما ذكرنا من حديث أبي موسى –﵁-. وقد تقدم قول ابن الحاج المالكي أن الزيادة على إسماع نفسه ومن يليه بدعة. وإذا ضم إلى رفع الأصوات به التلحين والتطريب والتشويش على الغير وتشبيه ذكر الله بالغناء فذلك زيادة منكر إلى منكر. فالواجب على ولاة الأمور أن يأخذوا على أيدي أولئك الجهال ويمنعوهم من التجاوب
[ ٩١ ]
بذكر الله تعالى ورفع الأصوات المنكرة به ويأمروهم أن يفعلوا كفعل غيرهم ممن في المسجد الحرام فكل رجل منهم يكبر الله ويحمده ويهلله ويسبحه على حدته بصوت غير رفيع يشوش على الناس والاستخفاف بشأن الأذان مما لا يخفى على من في قلبه حياة. وتسمية أهلها بالمستهزئين بذكر الله تعالى أولى من تسميتهم بالمؤذنين. والواجب على ولاة الأمور أن يفعلوا مع المطربين بالأذان ونحوهم من المبتدعين فيه مثل ما روي عن النبي ﷺ: أنه فعله مع سلفهم في هذه البدعة وما فعله الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أيضا ففي سنن الدارقطني عن ابن عباس رضي الله عن ابن عباس رضي الله عليه عنهما قال: كان لرسول الله ﷺ مؤذن يطرب فقال رسول الله ﷺ إن الأذان سمع سهل فإن كان أذانك سهلا سمحا وإلا فلا تؤذن (١) . وذكر البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما به ووصله ابن أبي شيبة أن مؤذنا أذن فطرب في أذانه فقال له عمر بن عبد العزيز: أذن أذانا سمحا وإلا فاعتزلنا (٢) وإذا كان النبي ﷺ قد أنكر على المطرب في الآذان فالإنكار على الذين يجعلونه شبيها بالغناء والأصوات الموسيقائية أولى وأحرى. وكذلك الذين يمططونه ويتنطعون فيه. ويتعين على ولاة الأمور أيضا منع الجماعات الذين يقفون للدعاء تحت باب الكعبة وما حوله فيضيقون على الطائفين في
_________________
(١) رواه الدارقطني رقم (١٨٥٨) المجلد الأول، الجزء الثاني ص ٧٣ دار الكتب العلمية.
(٢) رواه البخاري تعليقا مجزوما به (باب رفع الصوت بالنداء) الفتح ٢/ ٥٣٠ دار أبي حيان، ووصله ابن أبي شيبة رقم (٢٣٧٥) ١/٢٠٧.
[ ٩٢ ]
أضيق في المطاف ويضطرونهم إلى التزاحم فيما بينهم وبين مقام إبراهيم ووقوفهم للدعاء في هذا المكان لم يكن عليه أمر النبي ﷺ ولا عمل أصحابه والتابعين لهم بإحسان وإنما هو من محدثات المطوفين وتزيينهم للهمج الرعاع. وفي وقوفهم هناك مفسدة أخرى وهو اجتماع الرجال والنساء ومضاغطة بعضهم بعضا وهذا مما لاينبغي إقراره. وقد تقدم قول الحسن البصري –رحمه الله تعالى- أن اجتماع الرجال والنساء بدعة. ومما لا ينبغي إقراره أيضا مضاغطة النساء للرجال الأجانب عند الحجر الأسود والركن اليماني. وقد أنكرت عائشة –﵂- على من فعلت ذلك أشد الإنكار، قال الإمام الشافعي –رحمه الله تعالى- في مسنده أخبرنا سعيد بن سالم عن عمر بن سعيد بن أبي حسين عن منبوذ بن أبي سليمان عن أمه أنها كانت عند عائشة زوج النبي ﷺ أم المؤمنين – ﵂- فدخلت عليها مولاة لها فقالت لها يا أم المؤمنين طفت البيت سبعا واستلمت الركن مرتين أو ثلاثا فقالت لها عائشة –﵂- لا آجرك الله لا آجرك الله تدافعين الرجال ألا كبرت ومررت. رواه البخاري في صحيحه (١) .
عن عطاء قال كانت عائشة –﵂- تطوف حجر (٢) من الرجال لا تخالطهم فقالت امرأة انطلقي نستلم يا أم المؤمنين، قالت: انطلقي عنك رأيت. وإذا كانت عائشة –﵂- قد أنكرت
_________________
(١) أي ناحية هي بفتح الحاء وسكون الميم.
(٢) رواه البخاري [٣٦٤٣]، البيهقي رقم (٩٠٥٠) ٥/ ٨١، مسند الشافعي ١/ ١٢٨.
[ ٩٣ ]
على مولاتها مزاحمة الرجال على الركن فكيف لو رأت ما يفعله كثير من النساء في زماننا من مضاغطة الرجال الأجانب عند الركنين مع كشفهن لما يحرم عليهن كشفه عند الرجال الأجانب فترتكب إحداهن محظورين أو أكثر من أجل استلام أو تقبيل الحجر الأسود فهؤلاء أولى بالإنكار والمنع. وليس الاستلام والتقبيل جائزا لهن والحالة هذه وإنما يجوز لهن إذا تسترن غاية التستر ولم يزاحمن الرجال. قال النووي. في شرح المهذب قال أصحابنا لا يستحب للنساء تقبيل الحجر ولا استلامه إلا عند خاو المطاف في الليل أو غيره لما فيه من ضررهن وضرر الرجال بهن. وقال أيضا وأما الدنو من البيت فمتفق على استحبابه – إلى أن قال – قال أصحابنا وهذا الذي ذكرناه من استحباب القرب هو في حق الرجل أما المرأة فيستحب لها أن لا تدنو في حال طواف الرجال بل تكون في حاشية المطاف بحيث لا تخالط الرجال ويستحب ما أن تطوف في الليل فإنه أصون لها ولغيرها من الملامسة والفتنة فإن كان المطاف خاليا من الرجال استحب لها القرب كالرجل انتهى. ويتعين على ولاة الأمور أيضا تغيير جميع المنكرات الظاهرة كالغناء وآلات الملاهي وشرب المسكرات؟؟؟ وبيعها والتمثيل باللحى وتصوير ذوات الأرواح وبيع الصور والجرائد والمجلات المصورة ومزاحمة النساء للرجال في مطاف مع إمكان طوافهن على حدة وتبرجهن وسفورهن بين الرجال الأجانب وتشبههن بنساء الأفرنج في اللباس وغير ذلك فإني قد رأيت في مكة شرفها الله تعالى كثيرا من البنات المراهقات فمن دونهن لابسات يوم العيد لباس بنات الإفرنج وما رأيت أحدا ينكر ذلك
[ ٩٤ ]
فالله المستعان. وليعلم ولاة الأمور أنه مسؤولون يوم القيامة عما هو منوط بهم ومتعين عليهم من تغيير المنكرات الظاهرة وتطهير البلاد الإسلامية منها كما في الصحيحين وعند الإمام أحمد والسنن إلا ابن ماجه عن عبد الله ابن عمر - ﵄- أن رسول الله ﷺ قال: "ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. وقد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (١) قال ابن عباس –﵄- في تفسير هذه الآية أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم فيعمهم الله بالعذاب. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى وهذا تفسير حسن جدا. وفي المسند والسنن عن قيس بن أبي حازم قال: قام أبو بكر الصديق - ﵁ – فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ إلى آخر الآية وإنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول أن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه أوشك الله أن يعمهم بعقابه قال الترمذي هذا حديث صحيح
_________________
(١) متفق عليه: البخاري رقم (١٧١٩) ٦/ ٢٦١١، ومسلم رقم (١٨٢٩) باب الإمارة ٣/ ١٠٥٩.
[ ٩٥ ]
وصححه أيضا ابن حبان (١) . وفي المسند أيضا من حديث عدي بن عميرة الكندي –﵁- قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله تعالى لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرون فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة" (٢)، وفي الموطأ عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه سمع عمر بن عبد العزيز –رحمه الله تعالى- يقول كان يقال أن الله ﵎ لا يعذب العامة بذنب الخاصة ولكن إذا عمل المنكر جهارا استحقوا العقوبة كلهم.
_________________
(١) رواه أحمد وغيره رقم (١) ١/ ٢ وقال الترمذي حديث حسن صحيح رقم (٣٠٥٧) ١/ ٥٤٠. وقال الألباني: صحيح، الترمذي رقم (٣٠٥٧) ٣/ ٣٣٣.
(٢) رواه الإمام أحمد ٤/ ١٩٢.
[ ٩٦ ]
كلام الشيخ علي محفوظ الحنفي من كتابه الإبداع في مضار الابتداع حول الذكر الجماعي
كلام الشيخ علي محفوظ الحنفي من كتاب الإبداع في مضار الابتداع حول الذكر الجماعي
رفع الصوت بالذكر
قال الشيخ علي محفوظ: ومن البدع المكروهة رفع الصوت بالذكر في المسجد كما يقع من أرباب الطرق الذين ينصبون حلقات الذكر (المحرف) وكذا رفع الصوت بالقرآن فيه إذ المطلوب في القراءة والذكر السر لحديث (السر بالقرآن كالسر بالصدقة) رواه غير واحد، ولقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (١) أي اذكره سرا تذللا وخوفا منه تعالى، (و) فوق السر (دون الجهر) أي قصدا بينهما (بالغدو والآصال) أول النهار وآخره (ولا تكن من الغافلين) عن ذكر الله تعالى. وفسر الاعتداء في قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٢) بالجهر بالدعاء. ومما جاء في الحض على ترك الجهر بالذكر والدعاء قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ (٣) أي وإن تجهر بذكر الله من دعاء وغيره فاعلم أنه غني عن جهرك لأنه تعالى يعلم ما أسررته للغير وأخفى منه وهو ما لم تبح به لأحد. وقد صح عن ابن مسعود –﵁- أنه سمع قوما
_________________
(١) سورة الأعراف، ٢٠٥.
(٢) سورة الأعراف، ٥٥. ٣ – سورة طه، ٧
[ ٩٩ ]
اجتمعوا في مسجد يهللون ويصلون على النبي ﷺ جهرا فذهب إليهم وقال ما عهدنا ذلك على عهده ﷺ وما أراكم إلا مبتدعين فما زال يذكر ذلك حتى أخرجهم من المسجد.
(ومن هذا) ظهر لك حال ما ابتدع الناس من قراءة العشر جهرا قبل الشروع في الصلاة خصوصا العصر، وكذلك الجهر بختم الصلاة المعروف فإن كل ذلك على هذه الكيفية المعروفة من البدع المكروهة – من حيث أنه جعل شعارا للصلاة جماعة في وقتها، ووضع الشعائر من اختصاصات الشارع وليس لغيره أن يحدث شيئا من الشعائر من عند نفسه وسيأتي هذا في بدع العبادات.
الجهر بالذكر: ومن البدع السيئة الجهر بالذكر أو بقراءة القرآن أو البردة أو دلائل الخيرات ونحو ذلك، وكل هذا مكروه للإجماع على أن السنة في تشييع الجنازة السكوت وجمع الفكر للتأمل في الموت وأحواله وعليها عمل السلف –رضوان الله عليهم- ولا يقال إنه بدعة مستحسنة لأن محل استحسان البدعة إذا لم تكن مصادرة لفعل المصطفى ﷺ فضلا عن كون الاستحسان لا يكون إلا من أهل الحل والعقد الذين لا يقدمون على ذلك إلا بعد إذن النبي – ﵊- لهم صريحا كما نص عليه الإمام الشعراني وغيره من المحققين وأين هم؟
فالصواب عدم رفع الصوت بشيء وترك كل ما خالف سنة النبي ﷺ اتباعا لفعل الرسول ﷺ وأصحابه والسلف الصالح إذ الخير كله في اتباعه وكل الشر في الابتداع قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿قُلْ إِنْ
[ ١٠٠ ]
كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (١) فقد جعل العلامة على محبة العبد لمولاه اتباع الرسول ﷺ. أخرج ابن أبي حاتم أن الحسن البصري –﵁- قال: كان قوم يزعمون أنهم يحبون الله فأراد الله أن يجعل لقولهم تصديقا من عمل فأنزل هذه الآية.
فمن ادعى محبة الله تعالى ولم يتبع هدي الرسول ﷺ فهو كذاب وكتاب الله تعالى يكذبه. وقال تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٢) وسبيل المؤمنين هو الكتاب والسنة، وقال ﷺ: "ليس منا من عمل بسنة غيرنا" (٣) وقال ﷺ " إن الله تعالى يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة" (٤)، روه الطبراني في الكبير عن زيد بن أرقم –﵁- وكان رسول الله ﷺ يكره أن تتبع الجنازة بنياحة أو مجمرة أو راية (ولكراهة النبي ﷺ لرفع الصوت مع الجنازة ولو بذكر وقراءة القرآن شنعت الصحابة –﵃- على من رفع صوته بقوله استغفروا للميت حيث قالوا لا غفر الله لك، مع أنه لفظ قليل دال على طلب الدعاء من الحاضرين للميت المحتاج إليه. فما بالك باللغط الواقع الآن) .
وقال في المدخل ما ملخصه: العجب من أهل الميت يأتون بجماعة
_________________
(١) سورة آل عمران ٣١
(٢) سورة النساء، ١١٥
(٣) رواه البخاري [٤٩١١] .
(٤) رواه البخاري [٦٣٥١] .
[ ١٠١ ]
يسمونهم بالفقراء يذكرون أمام الجنازة وهو من الحدث في الدين ومخالف لسنة سيد المرسلين وأصحابه والسلف الصالح يجب منعه على من له قدرة مع الزجر والأدب ويزيد بعضهم زعقات النساء من خلفهم وكشف الوجوه واللطم على الخدود وما أشبه ذلك، وكله ضد ما كانت عليه جنائز السلف لأن جنائزهم كانت على التزام الأدب والسكون والخشوع حتى أن صاحب المصيبة كان لا يعرف من بينهم لكثرة حزن الجميع وما أخذهم من القلق والانزعاج بسبب الفكر فيما هم إليه صائرون، وعليه قادمون. حتى لقد كان بعضهم يريد أن يلقى صاحبه لضرورات تقع له عنده فيلقاه في الجنازة فلا يزيد على السلام الشرعي شيئا كما قال الحسن البصري –﵁-: "ميت غد يشيع ميت اليوم" وانظر إلى قول ابن مسعود – ﵁- لمن قال في الجنازة استغفروا لأخيكم يعني الميت فقال له لا غفر الله لك. فإذا كان هذا حالهم في تحفظهم من رفع الصوت بمثل هذا اللفظ. فما بالك بما يفعله غالب أهل هذا الزمان من رفع الأصوات بنحو ما تقدم اهـ.
وقال الإمام النووي –رحمه الله تعالى-: الصواب ما كان عليه السلف من السكوت في حال السير مع الجنازة فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما لأنه أسكن للخاطر وأجمع للفكر فيما يتعلق بالجنازة وهو مطلوب في هذا الحال، هذا هو الحق ولا تغتر بكثرة من يخالفه (فقد قال) الفضيل بن عياض –﵁- ألزم طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة
[ ١٠٢ ]
الهالكين. وقد روينا في سنن البيهقي ما يقتضي ما قلته (وأما) ما يفعله الجهلة من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن موضعه فحرام بإجماع العلماء، وقد أوضحت قبحه وغلظ تحريمه وفسق من تمكن من إنكاره فلم ينكره في كتاب آداب القراءة انتهى ونحوه لشيخ الإسلام في الروض.
وقال الرملي في شرح المنهاج: ويكره ارتفاع الأصوات في سير الجنازة لما رواه البيهقي أن الصحابة –﵃ – كرهوا رفع الصوت عند الجنائز والقتال والذكر، وكره جماعة قول المنادي مع الجنازة استغفروا الله له فقد سمع ابن عمر رجلا يقول ذلك فقال لا غفر الله لك، والصواب كما في المجموع ما كان عليه السلف من السكوت في حال السير فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما بل يشتغل بالتفكير في الموت وما بعده وفناء الدنيا وأن هذا آخرها وما يفعله جهلة القراء من القراءة بالتمطييط وإخراج الكلام عن موضعه فحرام يجب إنكاره انتهى ومثل هذا للعلامة ابن حجر في شرح المنهاج.
قال في الفتاوى الهندية ما ملخصه: وعلى متبعي الجنازة الصمت ويكره لهم تحريما رفع الصوت بالذكر وقراءة القرآن فإن أراد أن يذكر الله يذكره في نفسه انتهى ومثله في سائر كتب السادة الحنفية.
وقال في دليل الطالب وشرحه للسادة الحنبلية: ويكره رفع الصوت والصيحة معها وعند رفعها يعني الجنازة ولو بالذكر والقرآن ويسن لمتبعها أن يكون متخشعا متفكرا في مآله ومتعظا بالموت وبما يصير
[ ١٠٣ ]
إليه الميت وقول القائل مع الجنازة استغفروا الله ونحوه بدعة عند الإمام أحمد وكرهه وحرمه أبو حفص (ويحرم) ويكره أن يتبعها مع منكر وهو عاجز عن إزالته.
وجملة القول أن السنة في اتباع الجنائز الصمت والتفكر والاعتبار وبهذا كان عمل الصحابة فمن بعدهم، وأن ابتاعهم سنة، ومخالفتهم بدعة، وقد قال الإمام مالك –﵁-: " لن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها".
الذكر المحرف: ومن بدعهم المحرمة أنهم خرجوا عن الذكر الشرعي إلى ذكر محرف يخالف الكتاب والسنة والإجماع على ما سيأتي بيانه، ويقولون وجدنا أشياخنا هكذا يذكرون بحضرة العلماء وهم ساكتون – فإن الذكر الذي لا يوافق قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٢) وقوله ﷺ: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله" (٣) وغير ذلك من الآيات والأحاديث الصحيحة حرام بإجماع الأمة ومرود على فاعله (كيف لا) وقد قال ﷺ: "أصحاب البدع كلاب النار" (٤) وعن عائشة –﵂- قالت قال رسول الله ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٥) متفق عليه وفي رواية لمسلم "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٦) وهؤلاء قد أحدثوا في الدين ما ليس منه وتعبدوا بما لم يرد عن
_________________
(١) سورة محمد ١٩
(٢) سورة آل عمران ٢.
(٣) سبق تخريجه
(٤) ضعفه الألباني في الضعيفة رقم ٢٧٩٢.
(٥) سبق تخريجه.
(٦) سبق تخريجه.
[ ١٠٤ ]
النبي ﷺ ولا عن أصحابه ولا عن صالح المؤمنين – ولا ريب أن تحريف أسماء الله تعالى من أقبح البدع المحرمة إذ فيه إخراجها عن حقيقتها الواردة عن رسول الله ﷺ فهو من الإلحاد المحرم بالإجماع. فقد قال الفخر الرازي وغيره من أكابر المفسرين عند قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) إن من جملة الإلحاد أن تسميه تعالى بما لم يسم به نفسه كالسخي وأبي المكارم لعدم وروده وإن دل على كمال فما بالك بالألفاظ التي شاع سماعها من غالب أرباب الطرق اليوم المشتملة على الفظاظة والكيفيات المنكرة فهم يتقربون إلى الله تعالى بالسيئات فهي أحرى باسم الإلحاد والضلال. وقال العارف الصاوي في حاشيته على الجلالين: "ويطلق الإلحاد على التسمية بما لم يرد وهو بهذا المعنى حرام لأن أسماءه توقيفية فيجوز أن يقال يا جواد لا أن يقال يا سخي. ويقال يا عالم دون عاقل. وحكيم دون طبيب وهكذا. فمن خرج في ذكره عن الكتاب والسنة فقد أهلك نفسه ومن تبعه اهـ".
وأما قولهم وجدنا أشياخنا هكذا يذكرون بحضرة العلماء فهو لا يصدر إلا من جاهل لجواز أن هؤلاء الأشياخ جاهلون بأمر دينهم - أو أكابر استغرقوا في حب خالقهم حتى خرجوا بذلك عن حد التكليف – وعلى كلا الاحتمالين لا يصح الاقتداء بهم لأنه حينئذ لا يصلحون
_________________
(١) سورة الأعراف، ١٨٠
[ ١٠٥ ]
للوراثة ولا يورث عن الأشياخ إلا ما يكون منهم حالة الصحو موافقا للشريعة والعارفون منهم لا يخرجون في أحوالهم عنها قيد شعرة ما داموا في صحوهم وقد تبرأوا ممن يخرج في حركاته وسكناته عن الكتاب والسنة.
كيف لا يتبرأون وقد تبرأ من ذلك الأئمة المجتهدون الذين وقفوا على حقيقة الأمور فعن أبي حنيفة – رحمه الله تعالى- أنه كان يقول: "إياكم والقول في دين الله تعالى بالرأي وعليكم بالسنة فمن خرج عنها ضل – وكان يقول لا ينبغي لأحد أن يقول حتى يعلم أن شريعة رسول الله ﷺ تقبله وقد تبرأ ممن يخرج عن الكتاب والسنة". (وعن) الإمام الشافعي –رحمه الله تعالى- أنه كان يقول: "إذا رأيتم كلامي يخالف كلام رسول الله ﷺ فاعملوا بكلام رسول الله ﷺ واضربوا بكلامي الحائط، وكان يقول كل شيء خالف أمر رسول الله ﷺ سقط ولا يقوم معه رأي ولا قياس، فإن الله تعالى قطع العذر بقوله ﷺ فليس لأحد معه أمر ولا نهي (وروي) عن الإمام أحمد بن حنبل –﵀- أنه كان إذا سئل عن مسألة يقول أو لأحدكم كلام مع رسول الله ﷺ، وكما صح عن الثلاثة صح عن الإمام مالك –﵀-، روى ابن عبد البر أن ابن عيسى قال سمعت مالكا ابن أنس يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه.
وقال أبو يزيد البسطامي –﵀- لو نظرتم إلى رجل أعطى من
[ ١٠٦ ]
الكرامات حتى يرتقي في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود وأداء الشريعة –وقال سيد الطائفة الجنيد علمنا هذا (يعني التصوف) مقيد بالكتاب والسنة- وقال الإمام الكبير أبو الحسن النوري قرين الجنيد من رأيته يدعي مع الله تعالى حالة تخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تقربن منه فإنه مبتدع لأن من لم تشهد الشريعة لأفعاله وأقواله فهو مبتدع وإن جرت عليه أحوال خارقة العادة لأن ذلك من جملة المكر به. وقال أبو القاسم النصر أباذي الصوفي الكبير: أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع. وسئل أبو علي الحسن بن علي الجوزجاني كيف الطريق إلى الله فقال الطرق إلى الله كثيرة وأوضح الطرق وأبعدها عن الشبه اتباع السنة قولا وفعلا وعزما وعقدا ونية لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوه تَهْتَدُوا﴾ (١) فقيل له كيف الطريق إلى السنة فقال مجانبة البدع وابتاع ما أجمع عليه الصدر الأول من علماء الإسلام والتباعد عن مجالس الكلام وأهله ولزوم طريقة الاقتداء، وبذلك أمر النبي ﷺ بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢) إلى غير ذلك مما هو مأثور عند أكابر الصوفية مما يدل على أنهم بنوا طريقهم على أصوات ثلاث – الاقتداء بالنبي – صلوات الله وسلامه عليه- في أخلاقه وأفعاله، وأكل الحلال، وإخلاص النية في جميع الأعمال، وأنهم مجمعون على
_________________
(١) سورة النور، ٥٤
(٢) سورة النحل ١٢٣
[ ١٠٧ ]
تعظيم الشريعة مقيمون على متابعة السنة غير مخلين بشيء من آداب الدين، متفقون على أن من خالف الكتاب والسنة وبنى أمره على غيرهما مفتر كذاب هلك في نفسه وأهلك من اغتر به ممن ركن إلى أباطيله.
فتبين بهذا أن قول المحرفين للذكر هكذا وجدنا أشياخنا يذكرون لا يصح أن يكون دليلا على الشريعة بل ينادى عليهم بالسفه وعدم الروية ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ (١) وأما قولهم بحضرة العلماء وهم ساكتون فهو باطل أيضا لجواز أن يكون سكوت العلماء عن هؤلاء الجهلة لظنهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يفيد عندهم بل ذلك هو الظن في هداة الأمة الذين هم ورثة الأنبياء، ويجوز أن من حضرهم كان ممن تسموا باسم العلماء وليسو منهم - وجملة القول حجتهم داحضة. وكما يحرم الذكر بما لم يوافق الكتاب والسنة أو الإجماع يحرم سماعه لأن للسامع حكم المسموع كما أن للناظر حكم المنظور – والساكت على الجريمة شريك الجاني ولذا كان السامع للغيبة في الإثم كالناطق بها نسأله تعالى السلامة.
_________________
(١) سورة البقرة، ١٧٠
[ ١٠٨ ]
بيان ما هو الذكر الشرعي
وأما الذكر الذي يحبه الله ورسوله وأصفياء الأمة ويؤجر عليه فاعله فهو ما ورد به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وضبطه الأئمة الذين يعول عليهم، فقد قال سيدي محمد المنير خليفة الإمام الحنفي في تحفة السالكين: وليحذر من اللحن في لا إله إلا الله لأنها من القرآن فيمد اللام على قدر الحاجة، ويحقق الهمزة المقصورة بعدها ولا يمدها أصلا، ويفتح هاء إله فتحة خفيفة، ولا يفصل بين الهاء وبين إلا الله، وإياك أن تتهاون في تحقيق همزة إله، فإنك إن لم تحققها قلبت ياء، وكذلك همزة إلا، وتسكن آخر لفظ الجلالة - ثم قال وحترز عن تمطيط الذكر والعجلة الشديدة لأنها تخرج الذكر عن حده، فالميزان أن لا يخروجوه عن حده الشرعي انتهى ونحوه للعلامة السنوسي والعلامة السجاعي وأبي البركات الدردير والإمام الشعراني وغيره من السادة الأكابر وشنعوا جميعا على من حرف الذكر عن الطريقة الشرعية وحكموا بأنه لا ثواب له بل واقع في الخسران والضلال البعيد.
قال المحقق اأمير في نتائج الفكر – واعلم أن جميع كلمة التوحيد مرققة، فلا يفخم منها إلا لفظ الجلالة فقط، ومخارج حروفها قد انحصرت في أربعة اللام والألف والهمزة والهاء، فمخرج اللام من طرف اللسان، ويوضع في أصل الثنايا العليا، ومخرج الألف من اصل الجوف خارجة من محض النفس، ومخرج الهمزة والهاء كلاهما من
[ ١٠٩ ]
الحلق، غير أن الهمزة أشد من الهاء وأيبس – ونهى العلماء عن السكوت على لا إله لما فيه من إيهام التعطيل بل يصله بالاستثناء والاثبات بقوله إلا الله بسرعة.
ثم قال وليحذر مما يقع لبعضهم من تفخيم أداة النفي، وربما مال بألفها إلى جهة الشفتين فتصير كالواو، أو لجهة وسط اللسان وما فوقه فتصير كالياء، أو يبدل همزة إله ياء، أو يشبع الهمزة فتتولد منها ياء، أو يزيد في ألف إله على المد الطبيعي، أو يسكت هنا سكتة لطيفة، أو يشبع همزة إلا فتتولد منها ياء. أو يثبت ألفها فإنه لحن، بل يجب خذف الألف الأخيرة لالتقاء الساكنين، وهؤلاء الجهلة يثبتونها ويمدونها ويتفننون في مدها وبعضهم يمد هاء إله ويولد من إشباعها ألفا، وبعضهم يثبت همزة الله ويمدها فتصير كالاستفهام، وكل ذلك مخالف لما نطق به رسول الله صلى الله عيه وسلم، وأمر به، وتارة يزعمون أنهم (انجذبوا) فيأكلون بعض حروف هذه الكلمة ويحرفونها، وربما لا تسمع منهم إلا أصواتا ساذجة أو شيئا يشبه نهيق الحمار أو هدير الطائر.
ثم قال نعم المأخوذ عن حسه الغائب عن نفسه كل ما جرى على لسانه لا لوم عليه فيه، وإنما كلامنا في هؤلاء الذين يتعمدون ذلك وهم لم يخرجوا عن حدث التكليف وتطرأ لهم مواجيد نفسانية يتخليونها وأرادت رحمانية (كلا) والله ما كل واجد بمحمود. إلا إذا ورد على طريق الشرع المحدود. وبخسوا أنفسهم في نطقهم بهذه الكلمة التي توضع في بطاقة صغيرة يوم القيامة في الميزان فترجح على سجلات
[ ١١٠ ]
كثيرة من السيئات، كل سجل منها مد البصر كما في الحديث، فيا ليت شعري كيف توزن لهم، بل يخشى من تقطيع أسماء الله تعالى وتحريف أذكاره أنهم يذكرونها وهي تلعنهم اهـ.
وفي خزانة الأسرار الكبرى ما نصه: وكذا بعض أهل الذكر يزيدون حروفا كثيرةفي كلمة التوحيد كأنهم يقولون بزيادة الياء بعد همزة لا إله، ويزيادة الألف بعد هاء إله مثالهما (لا إيلاها) وبزيادة الياء بعد همزة إلا وبعد إلا بزيادة الألف مثالهما (ايلاالله) وكلها حرام بالإجماع في جميع الأوقات، فهم يذكرون الله تعالى ويعبدونه بالسيئات. فيصيرون من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا اهـ. وضبط باقي الأسماء لا يخفى على من رجع إلى كلام القوم فلا نطيل به (فيجب) على كل ذاكر سواء كان (رفاعيا أو أحمديا، أو بيوميا، أو حفناويا، أو شاذليا، أو بكريا، أو عفيفيا، أو برهاميا) أو غير ذلك من الطرق أن لا يخرج عما ورد عن رسول الله ﷺ ووضحه أئمة المسلمين وإلا فلا يلومن إلا نفسه.
ومن بدعهم أنهم يذكرون بالحلق، ومعلوم أن مورد الذكر اللسان والحلق والشفتان، وبالحلق فقط صوت ساذج، وبالقلب فقط ليس أيضا بذكر بالكسر بل ذكر بالضم وليس الكلام فيه.
وقد اختلف في جواز الذكر بالاسم المفرد، فذهب كثير منهم إلى أنه لا بد في الذكر من الجملة لأنها هي المفيدة، ولا يصح بالاسم المفرد مظهرا أو مضمرا لأنه ليس بكلام تام ولا جملة مفيدة، ولا يتعلق به
[ ١١١ ]
إيمان ولا فكر، ولا أمر ولا نهي، ولم يذكر ذلك أحد من السلف، ولا شرع ذلك رسول الله، والشريعة إنما ورد به بها من الأذكار ما يفيد بنفسه فقد ورد (أفضل الأذكار لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) .
ورأى آخرون من العلماء أن الذكر كما يكون بالجملة يكون بالاسم المفرد، قال العلامة البناني في شرحه على صلاة ابن مشيش: اعلم أن ذكر الاسم المفرد المعظم مجردا على التركيب بجملة وهو قول (الله الله) مما تداولته السادات الصوفية. واستعملوه بينهم إلى أن قال: وفي الصحيح (لا تقوم الساعة حتى لا يبقى من يقول (الله الله) وهو شاهد في الجملة بذكر هذا الاسم وحده، لا سيما على رواية النصب، ولا نزاع في جواز التلفظ بالاسم الكريم وحده، فأي مانع أن يكرره الإنسان مرات كثيرة، وكونه لم ينقل عن السلف لا يقتضي منعه ولا كراهته، وكم أشياء لم تكن في عهد السلف مع أنها جائزة إلى أن قال: فلا ينبغي التوقف في ذلك، ولا التشغيب بإنكاره وقال الشيخ أبو العباس المرسي –﵀-: ليكن ذكرك الله فإن هذا الاسم سلطان الأسماء وله بساط وثمرة فبساطه العلم وثمرته النور وليس النور المقصودا لذاته بل لما يقع به من الكشف والعيان فينبغي الإكثار من ذكره واختياره على سائر الأذكار لتضمنه لجميع ما في لا إله إلا الله من العقائد والعلوم والآداب والحقوق فإنه يأتي في (الله) وفي (هو) ما لا يأتي في غيرهما من الأذكار اهـ. وقال الشيخ زورق: ولهذا اختاره المشايخ ورجحوه
[ ١١٢ ]
على سائر الأذكار وجعلوا له خلوات ووصلوا به إلى أعلى المقامات والولايات وإن كان فيهم من اختار في الابتداء لا إله إلا الله وفي الانتهاء الله الله. وقال ابن حجر في الفتاوى الحديثية: ذكر لا إله إلا الله أفضل من ذكر الجلالة مطلقا بلسان أهل الظاهر. وأما أهل الباطن فالحال عندهم يختلف باختلاف حال السالك فمن هو في ابتداء أمره ومقاساة شهود الأغيار وعدم انفكاكه عن التعلق بها يحتاج إلى النفي والاثبات حتى يستولي عليه سلطان الذكر فإذا استولى عليه فالأولى له لزوم الإثبات أعني (الله الله) وبهذا يتبين أن الذكر بالاسم المفرد لا مانع منه شرعا. إذ لم يرد نهي عنه من الشارع يفيد كراهته أو تحريمه.
[ ١١٣ ]
الشبه التي يتمسك بها الذين يحرفون الذكر وردها
قالوا يجوز الذكر بجميع الأسماء. بايل. ولاها. ونسبوا ذلك للفقيه ابن حجر- رحمه الله تعالى- لورود الشرع بذلك لأن أي اسم الرحمن ولاها اسم المحبوب. والجواب أن نسبة هذا لابن حجر فرية مافيها مرية، وكيف يقول مؤمن بصحة هذه النسبة له ﵀، وهو قد ألف كتابه المسمى: بكف الرعاع عن محرمات اللهووالسماع: قصد به الرد على هؤلاء الجهلة الكذابين، وشنع عليهم في نسبتهم القول بجواز الرقص للعلامة العز بن عبد السلام.
ثم يقال لهم إن أردتم جميع الأسماء الواردة في الشرع كما يدل عليه التعليل بقولكم لورود الشرع إلى آخره. ورد أن الشرع لم يثبت إطلاق ايل ولاها عليه تعالى لابطريق صحيح ولاغيره، فقولهم لأن
[ ١١٣ ]
ايل اسم الرحمن ولاها اسم المحبوب ممنوع، ومن أين لهم ذلك ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة:١١١) (على) أن كون لاها اسم لايسوغ إطلاقه على الله ﷾، إلا على قول ضعيف، وهو جواز إطلاق مادل على كمال ولم يوهم نقصا (نعم) قيل إن ايل في نحو جبرائيل بمعنى عبد، وهو غير صحيح كما قال أبو على السوسي هذا لايصح لوجهين: أحدهما أنه لايعرف من أسماء الله ايل: الثاني أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجرورا.
وإن أرادوا جميع الأسماء مطلقا فالذي عليه المحققون أن أسماء الله تعالى توقيفية، فلا يجوز إطلاق اسم أو صفة عليه تعالى إلا إذا كان واردا في القرآن أو الاحاديث الصحيحة.
والمراد بالاسم مادل على الذات إما وحدها كلفظ الجلالة. وإما مع الصفة كالرحمن العالم والقادر، وبالصفة مادل على معنى زائد على الذات فقط كلفظ القدرة والعلم – هذا مختار جمهور أهل السنة للاحتياط، واحتراز عما يوهم باطلا لعظم الخطر في ذلك.
سلمنا أنهما من الأسماء على ما فيه لكنه مخصوص بذكرهما مفردين بأن يقال يا ايل ويا لاها. ولا واقعين في كلمة التوحيد (كلا ايلاها إلا الله) فإن الواقع فيها محدود قطعا، ولا يقول مسلم بأن ايل ولاها الواقعين اسمان من أسماء الله تعالى لما يلزم عليه من الكفر بنفي وجود ايل وهو الله تعالى على زعمه، والتناقض في الكلمة المشرفة التي هي أفضل الكلام ومفتاح الاسلام، وغير ذلك من المفاسد بل
[ ١١٤ ]
يخشى على فاعلها الكفر كما ذكره العلامة الأخضري والعلامة الأمير والعارف الدردير وغيرهم من المحققين حيث قالوا: يحرم تقطيع أسماء الله تعالى بل ربما يخشى على من حرفها وقطعها الكفر والعياذ بالله تعالى وبينوا التحريف والتقطيع كما سبق.
وقالوا أيضا يجوز الذكر بهو وها وهي، الجواب أنها دعوى لا دليل عليها فإن ها وهي من الضمائر المؤنثة فلا يجوز الذكر بها إذ لم ترد لا في كتاب ولا سنة وما وقع في كتب المخذولين لا يلتفت إليه.
ويجوز الذكر بهو لأنه من أسماء الله المضمرة وقد ورد كتابًا وسنةً وقالوا يجوز الذكر بلفظ (أه) لما ورد أنه الاسم الأعظم. ونقول لهم لم يثبت من طريق صحيح أنه اسم من أسمائه تعالى، وقد علمت أن أسماءه تعالى توقيفية. فلا يجوز الذكر به - وما قيل في بعض الحواشي من أنه الاسم الأعظم لا سند له، وما يروى من أن النبي صلوات الله وسلامه عليه زار مريضا كان يئن، وأن أصحابه ﵊ نهوه عن الأنين، وأنه ﵊ قال لهم: "دعوه فإنه يذكر اسما من أسمائه تعالى" لم يرد في حديث صحيح ولا حسن كما قرره الثقات – وقد أفتى المرحوم الشيخ محمد أبو الفضل شيخ الجامع الأزهر في هذه المسألة فقال –رحمة الله عليه - ما نصه أن هذا اللفظ المسئول عنه (أه) بفتح الهمزة وسكون الهاء ليس من الكلمات العربية في شيء، بل هو لفظ مهمل لا معنى له مطلقا، وإن كان بالمد فهو إنما يدل في اللغة العربية على التوجع، وليس من أسماء
[ ١١٥ ]
الذوات فضلا عن أن يكون اسما من أسماء الله الحسنى التي أمرنا أن ندعوه بها إلى أن قال -﵀-: ولا يجوز لنا التعبد بشيء لم يرد الشرع بجواز التعبد به، وفي الصحيحين عن عائشة –﵂-، عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" الخ ما قرره رحمة الله عليه.
وقالوا يجوز الذكر بحرف واحد كما ورد في أوائل السور ككاف وهاء وياء وعين وص – ويجوز الذكر بأسماء الله طرا.
ونقول لهم هذا اختراع وابتداع إذ لم يرد عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من السلف الصالح أنهم ذكروا بحرف واحد وهم القدوة لنا في سائر أنواع العبادات خصوصا ذكرالله الذي هو أكبر- وقولهم كما ورد في أوائل السور تمثيل أو تنظير غير صحيح، إذ لم يرد في كتاب ولا سنة أن هذه الحروف أسماء لله تعالى- غاية ما في الباب أن بعض العلماء وهو قول مغضوض عنه، ثم على تسليمه لا يكون المقتطع من الاسم اسما فلا يكون التكلم بالمقتطع ذكرا لاسم الله تعالى- ونعوذ بالله من سوء التأويل. والجراءة على ذكر الجليل، والأعجب من هذا جعله دليلا على ما ادعاه أو تمثيلا لما افتراه.
ويجوز الذكر بجميع أسماء الله تعالى المأخوذة من السنة ولو من غير شيخ عارف لكن به أكمل وأرجى لقطع العلائق الشيطانية، ولتجلي الأنوار الملكوتية- وليس عندنا لله أسماء ثابتة عن غير رسول الله ﷺ وأتباعه الآخذين عنه. إذ لا طريق إلى الله إلا تعالى ومعرفة
[ ١١٦ ]
أسمائه إلا هو، وغيره طريق الشيطان.
وقالوا: يجوز الرقص حالة الذكر بدليل فعل الحبشة في المسجد بين يدي رسول الله ﷺ ولم ينكر عليهم، وكان رقصهم بالوثبات والوجد ففي الصحيحين عن عائشة –﵂- أنها قالت: "لقد رأيت رسول الله ﷺ يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون بالحراب والدرق في المسجد حتى أكون أنا التي أسأمه" وكان ذلك يوم عيد الفطر.
ونقول لهم هذا قول باطل مناقض لقواعد الشرع الشريف لقوله ﷺ: "شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" (١) وقائله كأنه ممن يحرفون الكلم عن مواضعه- والاستدلال بفعل الحبشة في المسجد بحضرته ﷺ استدلال باطل لأن ذلك كان تمايلا بالحراب للتدريب على استعمال السلاح كما شرعت المسابقة، وكما أبيح التبختر في الحرب وإن كان ممنوعا في غيره كما قال ﵊: "إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن" (٢) وأين هذا من الرقص الذي هو هز المعاطف والأكمام. الذي لا يفعله إلا الفساق من العوام (قال في المدخل) وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلا جسد له خوار قاموا يرقصون حواليه ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل، وحاشا
_________________
(١) سبق تخريجه
(٢) سيرة ابن هشام، ج٣، ص١٢٨١
[ ١١٧ ]
لله أن يقول هذا القول الشنيع حجة المسلمين وإمام العاملين الإمام ابن حجر أمطر الله على جدثه صبيب الرحمة والرضوان انتهى.
ونقل القرطبي عن الإمام الطرسوسي أنه سئل عن قوم في مكان يقرؤون شيئا من القرآن ثم ينشد لهم منشد شيئًا من الشعر فيرقصون ويطربون ويضربون بالدف والشبابة هل الحضور معهم حلال أو لا؟
فأجاب مذهب السادة الصوفية أن هذا بطالة وضلالة. وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ. وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حوله ويتواجدون وهو - أي الرقص- دين الكفار وعباد العجل. وإنما كان مجلس النبي ﷺ مع أصحابه كأنما على رؤسهم الطير من الوقار (فينبغي) للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا أن يعينهم على باطلهم هذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم من أئمة المسلمين اهـ.
وقال الإمام الكبير ابن قدامة جوابا عن مثل هذا السؤال: إن فاعل هذا مخطئ ساقط المروءة –والدائم على هذا الفعل مردود الشهادة في الشرع غير مقبول القول، فإن هذا معصية ولعب ذمه الله تعالى ورسوله، وكرهه أهل العلم وسموه بدعة، ونهوا عن فعله، ولا يتقرب إلى الله تعالى بمعاصيه، ولا يطاع بارتكاب مناهيه، ومن وسيلته إلى الله سبحانه معصية كان حظه الطرد والإبعاد، ومن اتخذ اللهو واللعب
[ ١١٨ ]
دينا كان كمن سعى في الأرض بالفساد، ومن طلب الوصول إلى الله سبحانه من غير طريق رسول الله - ﷺ- وسنته فهو بعيد عن الوصول إلى المراد اهـ.
وتمسكوا أيضا بحكايات كثيرة عن المشايخ ذكرها الإمام القشيري وغيره زاعمين أن هؤلاء المشايخ عرفت فضائلهم وصحت كراماتهم فأطباقهم على حضور مجلس السماع والغناء وتواجدهم وركضهم ورقصهم دليل على إباحة ذلك.
ونقول لهم إننا لا ننفي جوازه إلا عند وجود تثن وتكسر فمن أي؟ إن أولئك المشايخ تثنوا أو تكسروا (سلمنا) أنه فعلوا ذلك فمن أين؟ إنهم لم يحصل لهم وجد أخرجهم عن حالة الاختيار إلى حالة الاضطرار (على أنا) لا نسلم تلك الحكايات عن أولئك فلعلها مما أدخله أهل الزندقة على أهل الإسلام كما كذبوا على رسول الله ﷺ بم لا يحصى (سلمنا صحتها) وأنهم فعلوها اختيارا فالحجة فيما جاء عنه ﷺ وعن الأئمة بعده، وقد بينا أن ذلك لم يكن طريقهم ولا سبيلهم، وأن ذلك مما أحدث بعدهم، فقد تناوله قوله ﷺ: " وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" وظهور الكرامات لا يدل على العصمة، بل على قرب من ظهرت عليه ي حال ظهورها عليه - مع وجواز تلبسه بعد ذلك بكبيرة يتوب الله عليه منها (ومن ثم) قيل للجنيد سيد الطائفة أيعصى الولي فقال: وكان أمر الله قدرا مقدورا- وقال ابن عبد السلام: أخطأ من زعم أن الولاية تنافي ارتكاب الصغائر- ففعلهم لذلك على فرض أنه
[ ١١٩ ]
باختيارهم وفيه تثن أو تكسر يكون صغيرة وهي لا تنافي الولاية- وما أحسن ما قاله الأستاذ الكبير إمام العارفين أبو علي الروذباري لما سئل عمن يسمع الملاهي ويقول هي حلال لأنني قد وصلت إلى درجة لا يؤثر في اختلاف الأحوال فقال –﵀-: نعم قد وصل لكن إلى سقر.
ومن قبائحهم التصفيق حالة الذكر فإنه خفة ورعونة مشابهة لرعونة الإناث لا يفعله إلا أرعن أو متصنع جاهل، يدل على جهالة فاعله
إن الشريعة لم ترد به لا في كتاب ولا سنة ولا فعل ذلك أحد من الأنبياء ولا معتبر من أتباع الأنبياء، وإنما يفعله السفهاء الذين التبست عليهم الحقائق بالأهواء – وقد حرم بعض العلماء التصفيق على الرجال لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم (إنما التصفيق للنساء) .
[ ١٢٠ ]