الرسالة الثامنة عشره: رسالته إلى الأخ حسن
القسم الثاني: بيان أنواع التوحيد -١- الرسالة الثامنة عشرة
بسم الله الرحمن الرحيم
وسئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى.
قال السائل: ما يقول الشيخ، شرح الله صدره، ويسر له أمره، في مسائل أشكلت عليَّ فيما يجب علينا من معرفة الله، إذا كان موجب الإلهية الربوبية، وأراك قليل التعريج عليها عند تقرير الإلهية؟ ويشكل عليَّ أيضًا كون مشركي العرب أقروا به، هل يكون من غير معرفة لوضوحه، أم توغلوا في التقليد ولم يلتفتوا للحقيقة الموجبة للعبادة، أم زعمهم إن هذا شيء يرضاه الرب، أم كيف الحال؟
أيضًا، كلمة التوحيد، كونها محتوية على جميع الدين من إنزال الكتب وإرسال الرسل، وأنها نافية جميع المقصودات المسماة بالآلهة الباطلة، إذ حدها القصد فتسمى بذلك من غير استحقاق، لأنها مخلوقة مربوبة مقهورة، والواحد في القصد هو الواحد في الخلق، وإن تكلم الناس في معناها وعملها، وأن ألفاظها مجردة من غير معرفة لا يفيد شيئًا، لكن نظرت في حديث الشفاعة الكبرى عند قوله سبحانه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ١، وإخراجه العصاة من أمته بإذن ربه، حتى قال: " ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله " ٢؛ هذا مشكل عليَّ جدًا، وقاصر فهمي عن معرفته، إذا كان كلمة التوحيد هي الغاية وتقييدها بالمعرفة مع العمل، وإخراجه ﷺ من كان في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، فأنت جزاك الله خيرًا بيّن لي معنى هذا الكلام، لا أَضل ولا أُضل. وأخبرك أني غافل عن الفهم
_________________
(١) ١ سورة الإسراء آية: ٧٩. ٢ البخاري: التوحيد (٧٥١٠)، وأحمد (٣/٢٤٤، ٣/٢٤٧) .
[ ١٢٠ ]
في الربوبية، ما فهمي بجيد في الإلهية، فحين بان لي شيء من معرفتها، واتضح لي بعض المعرفة في الإلهية بضرب المثل: أن فيصل ما استعبد لعريعر إلا لأجل كبر ملك عريعر، مع أنه قبيل له، وأظن غالب الناس كذلك، وفيهم من لا يرى الربوبية ولا يعتبرها، أو يتهاون بها، وهذا تسمعه من بعضهم. فجزاك الله خيرًا، صرِّحْ بالجواب.
فأجاب:
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الأخ حسن، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، سرني ما ذكرت من الإشكال، وانصرافك إلى الفكرة في توحيد الربوبية. ولا يخفاك أن التفصيل يحتاج إلى أطول، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله. فأما توحيد الربوبية فهو الأصل، ولا يغلط في الإلهية إلا من لم يعطه حقه، كما قال تعالى فيمن أقر بمسألة منه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١. ومما يوضح لك الأمر: أن التوكل من نتائجه؛ والتوكل من أعلى مقامات الدين ودرجات المؤمنين، وقد تصدر الإنابة والتوكل من عابد الوثن بسبب معرفته بالربوبية، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ ٢ الآية، وأما عبادته سبحانه بالإخلاص دائمًا في الشدة والرخاء، فلا يعرفونها، وهي نتيجة الإلهية، وكذلك الإيمان بالله واليوم الآخر، والإيمان بالكتب والرسل، وغير ذلك. وأما الصبر والرضى، والتسليم والتوكل، والإنابة والتفويض، والمحبة والخوف والرجاء، فمن نتائج توحيد الربوبية؛ وهذا وأمثاله لا يعرف إلا بالتفكر، لا بالمطالعة وفهم العبارة.
وأما الفرق بينهما:
_________________
(١) ١ سورة الزخرف آية: ٨٧. ٢ سورة الزمر آية: ٨.
[ ١٢١ ]
فإن أفرد أحدهما مثل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ ١، فهو توحيد الإلهية; وكذلك إذا أفرد توحيد الإلهية مثل قوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ٢، وأمثال ذلك. فإن قرن بينهما، فسرت كل لفظة بأشهر معانيها، كالفقير والمسكين.
وأما ما ذكرت من أهل الجاهلية، كيف لم يعرفوا الإلهية إذا أقروا بالربوبية، هل هو كذا أو كذا أو غير ذلك؟ فهو لمجموع ما ذكرت وغيره. وأعجب من ذلك، ما رأيت وسمعت ممن يدعي أنه أعلم الناس، ويفسر القرآن ويشرح الحديث بمجلدات، ثم يشرح "البُردة" ويستحسنها، ويذكر في تفسيره وشرحه للحديث أنه شرك، ويموت ما عرف ما خرج من رأسه؛ هذا هو العجب العجاب، أعجب بكثير من ناس لا كتاب لهم، ولا يعرفون جنة ولا نارًا، ولا رسولًا ولا إلهًا.
وأما كون "لا إله إلا الله" تجمع الدين كله، وإخراج من قالها من النار إذا كان في قلبه أدنى مثقال ذرة، فلا إشكال في ذلك: وسر المسألة أن الإيمان يتجزأ، ولا يلزم إذا ذهب بعضه أن يذهب كله؛ بل هذا مذهب الخوارج. فالذي يقول: الأعمال كلها من "لا إله إلا الله"، فقوله الحق. والذي يقول: يخرج من النار من قالها وفي قلبه من الإيمان مثقال ذرة، فقوله الحق. السبب مما ذكرت لك من التجزي؛ وبسبب الغفلة عن التجزي غلط أبو حنيفة وأصحابه في زعمهم أن الأعمال ليست من الإيمان. والسلام.
_________________
(١) ١ سورة فصلت آية: ٣٠، والأحقاف آية: ١٣. ٢ سورة محمد آية: ١٩.
[ ١٢٢ ]
الرسالة التاسعة عشره: رسالته إلى محمدبن عبيد وعبد القادر العديلي
-٢- الرسالة التاسعة عشرة
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، خصوصًا محمد بن عبيد، وعبد القادر العديلي وابنه، وعبد الله بن سحيم، وعبد الله بن عضيب، وحميدان بن تركي، وعلي بن زامل، ومحمد أبا الخيل، وصالح بن عبد الله.
أما بعد، فإن الله ﵎ أرسل محمدًا ﷺ إلينا على حين فترة من الرسل، فهدى الله به إلى الدين الكامل والشرع التام؛ وأعظم ذلك وأكبره وزبدته هو: إخلاص الدين لله بعبادته وحده لا شريك له، والنهي عن الشرك؛ وهو أن لا يُدعى أحد من دونه من الملائكة والنبيين، فضلًا عن غيرهم. فمن ذلك أنه لا يسجد إلا لله، ولا يركع إلا له، ولا يدعى لكشف الضر إلا هو، ولا لجلب الخير إلا هو، ولا ينذر إلا له، ولا يحلف إلا به، ولا يذبح إلا له. وجميع العبادات لا تصلح إلا له وحده لا شريك له.
وهذا معنى قول: "لا إله إلا الله"؛ فإن المألوه: هو المقصود المعتمد عليه؛ وهذا أمر هين عند من لا يعرفه، كبير عظيم عند من عرفه. فمن عرف هذه المسألة، عرف أن أكثر الخلق قد لعب بهم الشيطان، وزين لهم الشرك بالله، وأخرجه في قالب حب الصالحين وتعظيمهم.
والكلام في هذا ينبني على قاعدتين عظيمتين:
القاعدة الأولى: أن تعرف أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يعرفون الله ويعظمونه، ويحجون ويعتمرون، ويزعمون أنهم على دين إبراهيم الخليل، وأنهم يشهدون أنه لا يخلق ولا يرزق ولا يدبر الأمر،
[ ١٢٤ ]
إلا الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ ١ الآية. فإذا عرفت أن الكفار يشهدون بهذا كله فاعرف:
القاعدة الثانية: وهي أنهم يدعون الصالحين، مثل الملائكة وعيسى وعزير وغيرهم، وكل من ينتسب إلى شيء من هؤلاء سماه إلهًا، ولا يعني بذلك أنه يخلق أو يرزق، بل يدعون الملائكة وعيسى ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، والإله في لغتهم هو الذي يسمى في لغتنا: الذي فيه سر، والذين يسمونه الفقراء شيخهم، يعنون بذلك أنه يُدعى وينفع ويضر، إلا أنهم ٢ مقرّون لله بالتفرد بالخلق والرزق. وليس ذلك معنى الإله بل الإله المقصود المدعو المرجو، لكن المشركون في زماننا أضل من الكفار في زمن رسول الله ﷺ من وجهين:
أحدهما: أن الكفار إنما يدعون الأنبياء والملائكة في الرخاء، وأما في الشدائد فيخلصون لله الدين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ٣ الآية.
والثاني: أن مشركي زماننا يدعون أناسًا لا يوازنون عيسى والملائكة.
إذا عرفتم هذا، فلا يخفى عليكم ما ملأ الأرض من الشرك الأكبر عبادة الأصنام: هذا يأتي إلى قبر نبي، وهذا إلى قبر صحابي كالزبير وطلحة، وهذا إلى قبر رجل صالح، وهذا يدعوه في الضراء وفي غيبته، وهذا ينذر له،
_________________
(١) ١ سورة يونس آية: ٣١، وتمام الآية: (أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون (، يونس آية: ٣١. ٢ في المخطوطة: (وإلا فهم) . ٣ سورة الإسراء آية: ٦٧.
[ ١٢٥ ]
وهذا يذبح للجن، وهذا يدخل عليه من مضرة الدنيا والآخرة، وهذا يسأله خير الدنيا والآخرة، فإن كنتم تعرفون أن هذا من الشرك كعبادة الأصنام الذي يخرج الرجل من الإسلام، وقد ملأ البر والبحر وشاع وذاع، حتى إن كثيرًا ممن يفعله يقوم الليل ويصوم النهار وينتسب إلى الصلاح والعبادة، فما بالكم لم تفشوه في الناس، وتبينوا لهم أن هذا كفر بالله، مخرج عن الإسلام؟ أرأيتم لو أن بعض الناس أو أهل بلدة تزوجوا أخواتهم أو عماتهم جهلًا منهم، أفيحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتركهم لا يعلمهم أن الله حرم الأخوات والعمات. فإن كنتم تعتذرون أن نكاحهم أعظم مما يفعله الناس اليوم عند قبور الأولياء والصحابة، وفي غيبتهم عنها، فاعلموا أنكم لم تعرفوا دين الإسلام، ولا شهادة أن لا إله إلا الله؛ ودليل هذا ما تقدم من الآيات التي بينها الله في كتابه. وإن عرفتم ذلك، فكيف يحل لكم كتمان ذلك والإعراض عنه، وقد أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه.
فإن كان الاستدلال بالقرآن عندكم هزؤًا وجهلًا كما هي عادتكم ولا تقبلونه، فانظروا في "الإقناع" في باب حكم المرتد، وما ذكر فيه من الأمور الهائلة التي ذكر أن الإنسان إذا فعلها فقد ارتد وحل دمه، مثل الاعتقاد في الأنبياء والصالحين، وجعلهم وسائط بينه وبين الله، ومثل الطيران في الهواء، والمشي في الماء. فإذا كان من فعل هذه الأمور منكم مثل السائح الأعرج ونحوه تعتقدون صلاحه وولايته، وقد صرح في الإقناع بكفره، فاعلموا أنكم لم تعرفوا معنى شهادة أن لا إله إلا الله. فإن بان لكم في كلامي هذا شيء من الغلو، من أن هذه الأفاعيل لو كانت حرامًا فلا تخرج من الإسلام، وأن فعل أهل زماننا في الشدائد في البر والبحر وعند قبور الأنبياء والصالحين
[ ١٢٦ ]
ليست من هذه، بينوا لنا الصواب وأرشدونا إليه. وإن تبين لكم أن هذا هو الحق الذي لا ريب فيه، وأن الواجب إشاعته في الناس وتعليمه النساء والرجال، فرحم الله من أدى الواجب عليه، وتاب إلى الله وأقر على نفسه؛ فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. وعسى الله أن يهدينا وإياكم وإخواننا لما يحب ويرضى، والسلام.
[ ١٢٧ ]
الرسالة العشرون: رسالته إلى عبد الله بن سحيم
-٣- الرسالة العشرون: ومنها رسالة أرسلها إلى عبد الله بن سحيم، مطوع المجمعة، قال فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب، إلى عبد الله بن سحيم، حفظه الله تعالى؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد، فقد وصل كتابك، تطلب شيئًا من معنى كتاب المويس الذي أرسل لأهل الوشم؛ وأنا أجيبك عن الكتاب جملة؛ فإن كان الصواب فيه فنبهني وأرجع إلى الحق، وإن كان الأمر كما ذكرت لك من غير مجازفة بل أنا مقتصر، فالواجب على المؤمن أن يدور مع الحق حيث دار. وذلك أن كتابه مشتمل على الكلام في ثلاثة أنواع من العلوم:
الأول: علم الأسماء والصفات، الذي يسمى: علم أصول الدين، ويسمى أيضًا: العقائد.
والثاني: الكلام على التوحيد والشرك.
والثالث: الاقتداء بأهل العلم، واتباع الأدلة، وترك ذلك.
أما الأول: فإنه أنكر على أهل الوشم إنكارهم على من قال: ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض، وهذا الإنكار جمع فيه بين اثنتين:
إحداهما: أنه لم يفهم كلام ابن عيدان وصاحبه.
الثانية: أنه لم يفهم صورة المسألة; وذلك أن مذهب الإمام أحمد وغيره من السلف، أنهم لا يتكلمون في هذا النوع إلا بما يتكلم الله به ورسوله: فما أثبته الله لنفسه أو أثبته رسوله أثبتوه، مثل الفوقية والاستواء والكلام والمجيء وغير
[ ١٣٠ ]
ذلك، وما نفاه الله عن نفسه ونفاه عنه رسوله نفوه، مثل المثل والندّ والسميّ وغير ذلك. وأما ما لا يوجد عن الله ورسوله إثباته ونفيه، مثل الجوهر والجسم والعرض والجهة وغير ذلك، لا يثبتونه ولا ينفونه. فمن نفاه مثل صاحب الخطبة التي أنكرها ابن عيدان وصاحبه، فهو عند أحمد والسلف مبتدع، ومن أثبته مثل هشام بن الحكم وغيرهم فهو عندهم مبتدع. والواجب عندهم: السكوت عن هذا النوع، اقتداء بالنبي ﷺ وأصحابه. هذا معنى كلام الإمام أحمد الذي في رسالة المويس أنه قال: لا أرى الكلام إلا ما ورد عن النبي ﷺ. فمن العجب استدلاله بكلام الإمام أحمد على ضده؛ ومثاله في ذلك كمثل حنفي يقول: الماء الكثير ولو بلغ قلتين ينجس، بمجرد الملاقاة من غير تغير. فإذا سئل عن الدليل، قال: قوله ﷺ: " الماء طهور لا ينجسه شيء " ١، فيستدل بدليل خصمه. فهل يقول هذا مَن يفهم ما يقول؟
وأنا أذكر لك كلام الحنابلة في هذه المسألة: قال الشيخ تقي الدين، بعد كلام له على من قال: إنه ليس بجوهر ٢ ولا عرض، ككلام صاحب الخطبة، قال، ﵀: فهذه الألفاظ لا يطلق إثباتها ولا نفيها، كلفظ الجوهر، والجسم، والتحيز، والجهة، ونحو ذلك من الألفاظ؛ ولهذا لما سئل ابن سريج عن التوحيد، فذكر توحيد المسلمين، قال: وأما توحيد أهل الباطل فهو الخوض في الجواهر والأعراض، وإنما بعث النبي ﷺ بإنكار ذلك. وكلام السلف والأئمة في ذم الكلام وأهله مبسوط في غير هذا الموضع، والمقصود: أن
_________________
(١) ١ الترمذي: الطهارة (٦٦)، وأبو داود: الطهارة (٦٦) . ٢ في المخطوطة والمصورة: (ليس بجسم ولا جوهر إلخ) .
[ ١٣١ ]
الأئمة كأحمد وغيره لما ذكر لهم أهل البدع الألفاظ المجملة، كلفظ الجسم والجوهر والحيز، لم يوافقوهم، لا على إطلاق الإثبات ولا على إطلاق النفي. انتهى كلام الشيخ تقي الدين.
إذا تدبرت هذا، عرفت أن إنكار ابن عيدان وصاحبه على الخطيب الكلام في هذا عين الصواب، وقد اتبعا في ذلك إمامهما أحمد بن حنبل وغيره في إنكارهم ذلك على المبتدعة؛ ففهم صاحبكم أنهما يريدان إثبات ضد ذلك، وأن الله جسم وكذا وكذا، تعالى الله عن ذلك. وظن أيضًا أن عقيدة أهل السنة هي نفي أنه لا جسم ولا جوهر ولا كذا ولا كذا. وقد تبين لكم الصواب أن عقيدة أهل السنة هي السكوت، من أثبت بدَّعوه، ومن نفى بدَّعوه، فالذي يقول: ليس بجسم ولا ولا هم الجهمية والمعتزلة، والذين يثبتون ذلك هو هشام وأصحابه.
والسلف بريئون من الجميع: من أثبت بدَّعوه، ومن نفى بدَّعوه. فالمويس لم يفهم كلام الأحياء ولا كلام الأموات، وجعل النفي الذي هو مذهب الجهمية والمعتزلة مذهب السلف، وظن أن من أنكر النفي أنه يريد الإثبات كهشام وأتباعه. ولكن أعجب من ذلك: استدلاله على ما فهم بكلام أحمد المتقدم ومن كلام أبي الوفا ابن عقيل، قال: أنا أقطع أن أبا بكر وعمر ماتا ما عرفا الجوهر والعرض، فإن رأيت أن طريقة أبي عليّ الجبائي وأبي هاشم خير لك من طريقة أبي بكر وعمر، فبئس ما رأيت. انتهى. وصاحبكم يدَّعي أن الرجل لا يكون من أهل السنة حتى يتبع أبا علي وأبا هاشم بنفي الجوهر والعرض؛ فإن أنكر الكلام فيهما مثل أبي بكر وعمر فهو عنده على مذهب هشام الرافضي.
فظهر بما قررناه، أن الخطيب الذي يتكلم بنفي العرض والجوهر، أخذه من
[ ١٣٢ ]
مذهب الجهمية والمعتزلة، وأن ابن عيدان وصاحبه أنكرا ذلك مثل ما أنكره أحمد والعلماء كلهم على أهل البدع. وقوله في الكتاب: ومذهب أهل السنة إثبات، من غير تعطيل ولا تجسيم ولا كيف ولا أين إلخ، وهذا من أبين الأدلة على أنه لم يفهم عقيدة الحنابلة، ولم يميز بينها وبين عقيدة المبتدعة؛ وذلك أن إنكار الأين من عقائد أهل الباطل، وأهل السنة يثبتونه اتباعًا لرسول الله ﷺ، كما في الصحيح أنه قال للجارية: " أين الله؟ "، فزعم هذا الرجل أن إثباتها مذهب المبتدعة، وأن إنكارها مذهب أهل السنة كما قيل: وعكسه بعكسه.
وأما الجسم، فتقدم الكلام أن أهل الحق لا يثبتونه ولا ينفونه، فغلط عليهم في إثباته. وأما التعطيل والكيف فصدق في ذلك؛ فجمع لكم أربعة ألفاظ: نصفها حق من عقيدة الحق، ونصفها باطل من عقيدة الباطل، وساقها مساقًا واحدًا، وزعم أنه مذهب أهل السنة، فجهل وتناقض. وقوله أيضًا: ويثبتون ما أثبته الرسول ﷺ من السمع والبصر والحياة والقدرة والإرادة والعلم والكلام إلخ، وهذا أيضًا من أعجب جهله؛ وذلك أن هذا مذهب طائفة من المبتدعة يثبتون الصفات السبع، وينفون ما عداها ولو كان في كتاب الله، ويؤولونه. وأما أهل السنة، فكل ما جاء عن الله ورسوله أثبتوه، وذلك صفات كثيرة؛ لكن أظنه نقل هذا من كلام المبتدعة وهو لا يميز بين كلام أهل الحق من كلام أهل الباطل.
إذا تقرر هذا، فقد ثبت خطؤه من وجوه:
الأول: أنه لم يفهم الرسالة التي بعثت إليه.
الثاني: أنه بهت أهلها بإثبات الجسم وغيره.
الثالث: أنه نسبهم إلى الرافضة، ومعلوم أن الرافضة من أبعد الناس عن هذا المذهب وأهله.
[ ١٣٣ ]
الرابع: أنه نسب من أنكر هذه الألفاظ إلى الرفض والتجسيم، وقد تبين أن الإمام أحمد وجميع السلف ينكرونه، فلازم كلامه: أن مذهب الإمام أحمد وجميع السلف مجسمة على مذهب الرفض.
الخامس: أنه نسب كلامهما إلى الفرية الجسمية، فجعل عقيدة إمامه وأهل السنة فرية جسمية.
السادس: أنه زعم أن البدع اشتعلت في عصر الإمام أحمد، ثم ماتت حتى أحياها أهل الوشم؛ فمفهوم كلامه بل صريحه: أن عصر الإمام أحمد وأمثاله عصر البدع والضلال، وعصر ابن إسماعيل عصر السنة والحق.
السابع: أنه نسبها إلى التعطيل، والتعطيل إنما هو جحد الصفات.
الثامن: بهتهما أنهما نسبا من قبلهما من العلماء إلى التعطيل، لكونهما أنكرا على خطيب المبتدعة؛ وهذا من البهتان الظاهر.
التاسع: أنه نسبهما إلى وراثة هشام الرافضي.
العاشر: أن المسلم أخو المسلم، فإذا أخطأ أخوه نصحه سرًا وبين له الصواب، فإذا عاند أمكنه المجاهرة بالعداوة. وهذا لما راسلاه صنف عليهما ١ ما علمت، وأرسله إلى البلدان. اعرفوني اعرفوني. تراي جاي من الشام.
وأما التناقض وكون كلامه يكذب بعضه بعضًا، فمن وجوه:
منها: أنه نسبهما تارة إلى التجسيم، وتارة إلى التعطيل؛ ومعلوم أن التعطيل ضد التجسيم، وأهل هذا أعداء لأهل هذا، والحق وسط بينهما.
ومنها: أن نسبهما إلى الجهمية وإلى المجسمة؛ والجهمية والمجسمة بينهما من التناقض والتباعد
_________________
(١) ١ صنف عليهما أي كذب عليهما.
[ ١٣٤ ]
كما بين السواد والبياض، وأهل السنة وسط بينهما.
ومنها: أنه يقول: مذهب أهل الحق: إثبات الصفات، ثم يقول: ولا أين، ولا ولا وهذا تناقض.
ومنها: أنه يقول: ما أثبته الله ورسوله أثبت، ثم يخص ذلك بالصفات السبع؛ فهذا عين التناقض. فعقيدته التي نسب لأهل السنة جمعها من نحو أربع فرق من المبتدعة، يناقض بعضهم بعضًا، ويسب بعضهم بعضًا، ولو فهمت حقيقة هذه العقيدة لجعلتها ضحكة.
ومنها: أنه يذكر عن أحمد أن الكلام في هذه الأشياء مذموم، إلا ما نقل عن رسول الله ﷺ وأصحابه وتابعيهم، ثم ينقل لكم إثبات كلام المبتدعة ونفيهم، ويتكلم بهذه العقيدة المعكوسة، ويزعم أنها عقيدة أهل الحق.
هذا ما تيسر كتابته عجلًا على السراج، والمأمول فيك أنك تنظر فيها بعين البصيرة، وتتأمل هذا الأمر. واعرض هذا عليه، واطلب منه الجواب عن كل كلمة من هذا، فإن أجابك بشيء، فاكتبه، وإن عرفته باطلًا، وإلا فراجعني فيه، أبينه لك. ولا تستحقر هذا الأمر، فإن حرصت عليه جدًا، عرّفك عقيدة الإمام أحمد وأهل السنة وعقيدة المبتدعة، وصارت هذه الواقعة أنفع لك من القراءة في علم العقائد شهرين أو ثلاثة، بسبب الخطإ والاختلاف، مما يوضح الحق ويبين لخبائه ١.
وأما النوع الثاني: فهو كلام في الشرك والتوحيد، وهو المصيبة العظمى والداهية الصمّا، والكلام على هذا النوع والرد على هذا الجاهل يحتمل مجلدًا، وكلامه فيه كما قال ابن القيم: إذا قرأ المؤمن تارة يبكي، وتارة يضحك، ولكن أنبهك منه على كلمتين:
_________________
(١) ١ في المصوّرة: (مخبآته)، وفي الدّرر السّنية (١/١٨٤): الخطأ فيه
[ ١٣٥ ]
الأولى: قوله: إنهما نسبا من قبلهما إلى الخروج من الإسلام والشرك الأكبر، أفيظن أن قوم موسى لما قالوا: اجعل لنا إلها، خرجوا من الإسلام؟ أفيظن أن أصحاب رسول الله ﷺ لما قالوا: اجعل لنا ذات أنواط، فحلف لهم أن هذا مثل قول قوم موسى: اجعل لنا إلهًا، أنهم خرجوا من الإسلام؟ أيظن أن النبي ﷺ لما سمعهم يحلفون بآبائهم فنهاهم، وقال: " من حلف بغير الله فقد أشرك " ١، أنهم خرجوا من الإسلام؟ إلى غير ذلك من الأدلة التي لا تحصر؛ فلم يفرق بين الشرك المخرج عن الملة من غيره، ولم يفرق بين الجاهل والمعاند.
والكلمة الثانية: قوله: إن المشرك لا يقول: لا إله إلا الله، فيا عجبًا من رجل يدعي العلم، وجاي من الشام يحمل كتب فلم ٢ تكلم، إذ إنه لا يعرف الإسلام من الكفر، ولا يعرف الفرق بين أبي بكر الصديق وبين مسيلمة الكذاب! أما علم أن مسيلمة يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويصلي ويصوم؟ أما علِم أن غلاة الرافضة الذين حرقهم عليّ يقولونها؟ وكذلك الذين يقذفون عائشة ويكذبون القرآن، وكذلك الذين يزعمون أن جبريل غلط. وغير هؤلاء ممن أجمع أهل العلم على كفرهم، منهم من ينتسب إلى الإسلام، ومنهم من لا ينتسب إليه كاليهود، وكلهم يقولون: لا إله إلا الله؛ وهذا بيِّن عند من له أقل معرفة بالإسلام من أن يحتاج إلى تبيان.
وإذا كان المشركون لا يقولونها، فما معنى باب حكم المرتد الذي ذكر الفقهاء من كل مذهب؟ هل الذين ذكروهم الفقهاء وجعلوهم مرتدين لا يقولونها؟ هذا
_________________
(١) ١ الترمذي: النذور والأيمان (١٥٣٥)، وأبو داود: الأيمان والنذور (٣٢٥١)، وأحمد (٢/٣٤) . ٢ في المخطوطة والمصوّرة: (فلما) .
[ ١٣٦ ]
الذي ذكر أهل العلم أنهم أكفر من اليهود والنصارى، وقال بعضهم: من شك في كفر أتباعه فهو كافر، وذكرهم في الإقناع في باب حكم المرتد، وإمامهم ابن عربي، أيظنهم لا يقولون: لا إله إلا الله؟ لكن هو آت من الشام، وهم يعبدون ابن عربي، جاعلين على قبره صنمًا يعبدونه، ولست أعني أهل الشام كلهم، حاشا وكلا! بل لا تزال طائفة على الحق وإن قلّت واغتربت. لكن العجب العجاب استدلاله أن رسول الله ﷺ دعا الناس إلى قول: لا إله إلا الله، ولم يطالبهم بمعناها، وكذلك أصحاب رسول الله ﷺ، فتحوا بلاد الأعاجم وقنعوا منهم بلفظ إلى آخر كلامه، فهل يقول هذا من يتصور ما يقول؟ فنقول:
أولًا: هو الذي نقض كلامه، وكذبه بقوله: دعاهم إلى ترك عبادة الأوثان، فإذا كان لم يقنع منهم إلا بترك عبادة الأوثان تبين أن النطق بها لا ينفع إلا بالعمل بمقتضاها، وهو ترك الشرك؛ وهذا هو المطلوب. ونحن إذا نهينا عن الأوثان المجعولة على قبر الزبير وطلحة وغيرهما، في الشام أو في غيره، فإن قلتم: ليس هذا من الأوثان، وإن دعاء أهل القبور والاستغاثة بهم في الشدائد ليست من الشرك، مع كون المشركين الذين في عهد رسول الله ﷺ يخلصون لله في الشدائد، ولا يدعون أوثانهم، فهذا كفر. وبيننا وبينكم كلام العلماء من الأولين والآخرين، الحنابلة وغيرهم. وإن أقررتم أن ذلك كفر وشرك، وتبين أن قول: لا إله إلا الله لا ينفع إلا مع ترك الشرك، وهذا هو المطلوب، وهو الذي نقول، وهو الذي أكثرتم النكير فيه وزعمتم أنه لا يخرج إلا من خراسان. وهذا القول كما في أمثال العامة "لا وجه سميح ولا بنت رجال"، لا أقول صوابًا إلا خطأ ظاهرًا وسبًا لدين الله، ولا هو أيضًا قول باطل يصدق بعضه بعضًا؛ بل مع كونه خطأ،
[ ١٣٧ ]
فهو متناقض يكذب بعضه بعضًا، لا يصدر إلا ممن هو أجهل الناس ١.
وأما دعواه أن الصحابة لم يطلبوا من الأعاجم إلا مجرد هذه الكلمة، ولم يعرّفوهم بمعناها، فهذا قول من لا يفرق بين دين المرسلين ودين المنافقين الذين في الدرك الأسفل من النار؛ فإن المؤمنين يقولونها والمنافقين يقولونها، لكن المؤمنين يقولونها مع معرفة قلوبهم بمعناها، وعمل جوارحهم بمقتضاها، والمنافقون يقولونها من غير فهم لمعناها ولا عمل بمقتضاها. فمن أعظم المصائب وأكبر الجهل من لا يعرف الفرق بين الصحابة والمنافقين؛ لكن هذا لا يعرف النفاق ولا يظنه في أهل زماننا، بل يظنه في زمان رسول الله ﷺ وأصحابه، وأما زمانه فصلح بعد ذلك. وإذا كان زمانه ٢ وبلدانه يُنَزَّهون عن البدع، ومخرجها من خراسان، فكيف بالشرك والنفاق؟ ويا ويح هذا القائل، ما أجرأه على الله! وما أجهله بقدر الصحابة وعلمهم حيث ظن أنهم لا يعلمون الناس "لا إله إلا الله"!
أما علم هذا الجاهل أنهم يستدلون بها على مسائل الفقه، فضلًا عن مسائل الشرك، ففي الصحيحين: " أن عمر ﵁ لما أشكل عليه قتال مانعي الزكاة لأجل قوله ﷺ: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ٣، قال أبو بكر: فإن الزكاة من حقها ". فإذا كان منع الزكاة من منع حق "لا إله إلا الله"، فكيف بعبادة القبور، والذبح للجن، ودعاء
_________________
(١) ١ من قوله: (لا أقول إلخ) هكذا وردت هذه العبارة أيضًا في المصوّرة عن مخطوطة الشّيخ محمّد بن عبد اللّطيف، وفي الدّرر السّنية (١/٢٤): (لا أقول صواب، بل خطأ ظاهر وسبًّا لدين الله، وهو أيضًا متناقض يكذب بعضه لا يصدر إلاّ مِمَن هو أجهل النّاس) . وفي كلتا العبارتين قلق. ٢ في المخطوطة: (أهل زمانه) . ٣ صحيح البخاري: كتاب الصلاة (٣٩٣) وكتاب الزكاة (١٤٠٠) وكتاب الجهاد والسير (٢٩٤٦) وكتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم (٦٩٢٤) وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٢٨٥)، وصحيح مسلم: كتاب الإيمان (٢٠، ٢١)، وسنن الترمذي: كتاب الإيمان (٢٦٠٦، ٢٦٠٧) وكتاب تفسير القرآن (٣٣٤١)، وسنن النسائي: كتاب الزكاة (٢٤٤٣) وكتاب الجهاد (٣٠٩٠، ٣٠٩١، ٣٠٩٢، ٣٠٩٣، ٣٠٩٥) وكتاب تحريم الدم (٣٩٧٠، ٣٩٧١، ٣٩٧٢، ٣٩٧٣، ٣٩٧٤، ٣٩٧٥، ٣٩٧٦، ٣٩٧٧، ٣٩٧٩، ٣٩٨٢)، وسنن أبي داود: كتاب الزكاة (١٥٥٦) وكتاب الجهاد (٢٦٤٠) وكتاب الجنائز (٣١٩٤)، وسنن ابن ماجة: كتاب الفتن (٣٩٢٧، ٣٩٢٨، ٣٩٢٩)، ومسند أحمد (١/١١، ١/١٩، ١/٣٥، ١/٤٧، ٢/٣١٤، ٢/٣٧٧، ٢/٤٢٣، ٢/٤٣٩، ٢/٤٧٥، ٢/٤٨٢، ٢/٥٠٢، ٢/٥٢٧، ٢/٥٢٨، ٣/٢٩٥، ٣/٣٠٠، ٣/٣٣٢، ٣/٣٣٩، ٣/٣٩٤، ٤/٨)، وسنن الدارمي: كتاب السير (٢٤٤٦) .
[ ١٣٨ ]
الأولياء وغيرهم مما هو دين المشركين؟
وصرح الشيخ تقي الدين في اقتضاء الصراط المستقيم، بأن من ذبح للجن فالذبيحة حرام من جهتين:
من جهة أنها مما أهل لغير الله به، ومن جهة أنها ذبيحة مرتد؛ فهي كخنْزير مات من غير ذكاة. ويقول: ولو سمى الله عند ذبحها، إذا كانت نيته ذبحها للجن، وردّ على من قال: إنه إن ذكر اسم الله حل الأكل منها مع التحريم.
وأما ما سألت عنه من قوله ١: اللهم صلى على محمد ٢ إلخ، فهذه المحامل التي ذكر غير بعيدة، ولو كان الإنكار على الرجل الميت الذي صنفها، والإنكار إنما هو على الخطباء والعامة الذين يسمعون، فإن كان يزعم أن عامة أهل هذه القرى كل رجل منهم يفهم هذا التأويل، فهذا مكابرة، وإن كان يعرف أنهم ما قصدوا إلا المعاني التي لا تصلح إلا لله لم يمنع من الإنكار عليهم، وتبين ٣ أنه شرك كون ٤ الذي قالها أولًا قصد معنى صحيحًا، كما لو أن رجلًا من أهل العلم كتب إلى عامة أن نكاح الأخوات حلال، ففهموا منه ظاهره، وجعلوا يتزوجون أخواتهم خاصتهم وعامتهم، لم يمنع من الإنكار عليهم وتبيين أن الله حرم نكاح الأخوات كون القائل ٥ أراد الأخوات في الدين، كما قال إبراهيم ﵇ لسارة: هي
_________________
(١) ١ في المخطوطة والمصورة: (قول) بدون ضمير. ٢ كذا في المخطوطة والدرر السنية ج١، ص ٢٥، وفي المصورة: (على سيدنا) . ٣ في المصوّرة: (وتبيين)، وفي الدّرر السّنية: (ولو تبين) . ٤ في الدرر: (لكون) . ٥ في المصورة: (الأول) .
[ ١٣٩ ]
أختي. وهذا واضح بحمد الله؛ ولكن من انفتح له تحريف الكلم عن مواضعه، انفتح له باب طويل عريض.
وأما النوع الثالث، وهو الكلام على التقليد والاستدلال، فكلامه فيه من أبطل الباطل وأظهر الكذب، وهو أيضا كلام جاهل ينقض بعضه بعضًا؛ ونحن ما أردنا المعنى الذي ذكر، والكلام على هذا طويل، ولكن أنا كتبت له كلامًا في هذا، مع رسالة طويلة؛ فاطلبه وراجعه وتأمله، وتكلمْ لله في سبيل الله بما يرضي الله ورسوله، واحذر من فتنة: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ١؛ فمن نجا منها فقد نجا من شر كثير. ولا تغفل عن قوله في خطبة شرح الإقناع: من عثر على شيء مما طغى به القلم إلخ، وقوله في آخرها: اعلم، رحمك الله، أن الترجيح إذا اختلف ٢ بين الأصحاب إلخ. وإن طمعت بالزيارة والمذاكرة من الرأس لعلك أيضًا تحقق علم العقائد وتميز بين حقه من باطله، وتعرف أيضًا علوم الإيمان بالله وحده، والكفر بالطاغوت، فتراي أشير وألزم، فإن رأيت أمر الله ورسوله فهو المطلوب، وإلا فقد وهبك الله من الفهم ما تميز به بين الحق والباطل، إن شاء الله تعالى.
وهذا الكتاب، لا تكتمه عن صاحب الكتاب، بل اعرضه عليه، فإن تاب وأقر ورجع إلى الله فعسى، وإن زعم أن له حجة ولو في كلمة واحدة أو أن في كلامي مجازفة فاطلب الدليل، فإن أشكل شيء عليك فراجعني فيه حتى تعرف كلامي وكلامه. نسأل الله أن يهدينا وإياك والمسلمين إلى ما يحبه ويرضاه.
_________________
(١) ١ سورة الزخرف آية: ٢٣. ٢ في المصورة: (اختلف) .
[ ١٤٠ ]
وأنت لا تلمني على هذا الكلام؛ تراني ١ استدعيته أولًا بالملاطفة، وصبرت منه على أشياء عظيمة، والآن أشرفت منه على أمور ما ظننتها لا في عقله ولا في دينه. منها: أنه كاتب إلى ٢ أهل ٣ الحساء يعاونهم على سب دين الله ورسوله ٤.
_________________
(١) ١ في المخطوطة والمصورة: (تراي) . ٢ في المخطوطة والمصورة: (كاتب على) . ٣ في المصورة: (لأهل) . ٤ في المصورة: (والسلام) .
[ ١٤١ ]
الرسالة الحادية والعشرون: رسالته إلى محمد بن سلطان
-٤- الرسالة الحادية والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إلى محمد بن سلطان، سلمه الله تعالى.
وبعد، لا يخفاك أنه ذكر لنا عنك كلام حسن، ويذكر أيضًا كلام ما هو بزين. وننتظر قدومك إلينا ونبين لك، عسى الله أن يهدينا وإياك الصراط المستقيم. وجاءنا عنك أنك تقول: أبغيكم تكتبون لي الدليل من قول الله وقول رسوله وكلام العلماء، على كفر الذين ينصبون أنفسهم للنذور، والنخي في الشدائد، ويرضون بذلك، وينكرون على من زعم أنه شرك. ويذكرون عنك أنك تقول: أبغي أعرضه على العلماء في الخرج وفي الأحساء؛ ولكم عليّ أني ما أقبل منهم الطفايس والكلام الفاسد. فإن بينوا حجة صحيحة من الله ورسوله أو عن العلماء تفسد كلامكم، وإلا اتبعت أمر الله ورسوله، واعتقدت كفر الطاغوت ومَن عبدهم، وتبرأت منهم.
فإن كنت قلت هذا، فهو كلام حسن، وفقك الله لطاعته. ولا يخفاك أني أعرض هذا من سنين على أهل الأحساء وغيرهم، وأقول: كل إنسان أجادله ١ بمذهبه: إن كان شافعيًا فبكلام الشافعية، وإن كان مالكيًا فبكلام المالكية، أو حنبليًا أو حنفيًا، فكذلك، فإذا أرسلت إليهم ذلك عدلوا عن الجواب، لأنهم يعرفون أني على الحق وهم على الباطل؛ وإنما يمنعهم من الانقياد التكبر والعناد على أهل نجد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ ٢. وأنا أذكر لك الدليل على هذا الأمر،
_________________
(١) ١ في المخطوطة والمصورة: (يذاكرني) . ٢ سورة غافر آية: ٥٦.
[ ١٤٤ ]
وأوصيك بالبحث عنه والحرص عليه. وأحذرك عن الهوى والتعصب؛ بل اقصد وجه الله، واطلب منه، وتضرع إليه أن يهديك للحق. وكن على حذر من أهل الأحساء، أن يلبسوا عليك بأشياء لا ترد على المسألة، أو يشبّهوا عليك بكلام باطل، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١. وأنا أُشهد الله وملائكته، إن أتاني منهم حق لأقبلنّه على الرأس والعين. ولكن هيهات أن يقدر أحد أن يدفع حجج الله وبيّناته.
واعلم، أرشدك الله، أن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل الكتب لمسألة واحدة، هي: توحيد الله وحده، والكفر بالطاغوت، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢، والطاغوت هو الذي يسمى: "السيد"، الذي يُنخى ويُنذر له، ويُطلب منه تفريج الكربات غير الله تعالى. وهذا يتبين بأمرين عظيمين:
الأول: توحيد الربوبية، وهو الشهادة بأنه لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ولا يدبر الأمور إلا هو؛ وهذا حق، ولكن أعظم الكفار كفرًا، الذين قاتلهم رسول الله ﷺ، يشهدون به ولم يدخلهم في الإسلام، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية: ٧٨. ٢ سورة النحل آية: ٣٦.
[ ١٤٥ ]
يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١.
فإذا تدبرت ٢ هذا الأمر العظيم، وعرفت أن الكفار يقرّون بهذا كله لله وحده لا شريك له، وأنهم إنما اعتقدوا في آلهتهم لطلب الشفاعة والتقرب إلى الله، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣، وفي الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٤.
فإذا تبين لك هذا وعرفته معرفة جيدة، بقي للمشركين حجة أخرى؛ وهي أنهم يقولون: هذا حق، ولكن الكفار يعتقدون في الأصنام ٥، فالجواب القاطع أن يقال لهم: إن الكفار في زمانه ﷺ، منهم من يعتقد في الأصنام، ومنهم من يعتقد في قبر رجل صالح مثل اللات، ومنهم من يعتقد في الصالحين، وهم الذين ذكر الله في قوله ﷿: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ ٦. يقول تعالى: هؤلاء الذين يدْعونهم الكفار ويدّعون محبتهم، قوم صالحون يفعلون طاعة الله ومع هذا راجون خائفون. فإذا تحققت أن العلي الأعلى ﵎ ذكر في كتابه أنهم يعتقدون في الصالحين وأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة عند الله والتقرب إليه بالاعتقاد في الصالحين، وعرفت أن محمدًا ﷺ لم يفرق بين من اعتقد في الأصنام ومن اعتقد في الصالحين، بل قاتلهم كلهم وحكم بكفرهم، تبين لك حقيقة دين الإسلام وعرفت
_________________
(١) ١ سورة يونس آية: ٣١. ٢ في المخطوطة قبل (فإذا تدبرت) (وقوله قل لمن الأرض ومن فيها إلى قوله فأنى تسحرون) . ٣ سورة يونس آية: ١٨. ٤ سورة الزمر آية: ٣. ٥ في المخطوطة: (ونحن نعتقد في الصالحين، وكيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام؟) . ٦ سورة الإسراء آية: ٥٧.
[ ١٤٦ ]
الأمر الثاني: وهو توحيد الإلهية، وهو أنه لا يُسجد إلا لله، ولا يركع إلا له، ولا يُدعى في الرخاء والشدائد إلا هو، ولا يُذبح إلا له، ولا يُعبد بجميع العبادات إلا الله وحده لا شريك له، وأن من فعل ذلك في نبي من الأنبياء أو ولي من الأولياء فقد أشرك بالله، وذلك النبي أو الرجل الصالح بريء ممن أشرك به كتبرؤ عيسى من النصارى، وموسى من اليهود، وعلي من الرافضة، وعبد القادر من الفقراء. وعرفت أن الألوهية هي التي تسمى في زماننا: "السيد" ١، لقوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ٢. فتأمل قول بني إسرائيل مع كونهم إذ ذاك أفضل العالمين لنبيهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ يتبين لك معنى الإله، ويزيدك بصيرة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ٣. فيا سبحان الله! إذا كان الله يذكر عن أولئك الكفار أنهم يخلصون لله في الشدائد، لا يدعون نبيًا ولا وليًا، وأنت تعلم ما في زمانك أن أكثر ما بهم الكفر والشرك ودعاء غير الله عند الشدائد، فهل بعد هذا البيان بيان؟
وأما كلام أهل العلم، فقد ذكر في الإقناع، في باب حكم المرتد، إجماع المذاهب كلهم على أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، أنه كافر مرتد حلال المال والدم. وذكر فيه أن الرافضي إذا شتم الصحابة فقد توقف الإمام في تكفيره، فإن ادعى أن عليًا يُدعى في الشدائد والرخاء ٤ فلا شك في كفره ٥. هذا معنى كلامه في
_________________
(١) ١ في المخطوطة والمصورة: (السر) . ٢ سورة الأعراف آية: ١٣٨. ٣ سورة الإسراء آية: ٦٧. ٤ في المخطوطة: (يعني كما يدعي شمسان وأجناسه) . ٥ في المخطوطة: (بل لا شك في كفر من شك في كفره) .
[ ١٤٧ ]
الإقناع. " وهذا علي بن أبي طالب ﵁، لما اعتقد فيه النفع والضر أناس في زمانه حرقهم بالنار، مع عبادتهم "؛ فكذلك الذين يدعون شمسان وأمثاله وأجناسه، لا شك في كفرهم.
واعلم أن هذه المسألة مسألة عظيمة جدًا، وهي التي خلق الله الجن والإنس لأجلها، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. فأنت، اعرضْ هذا الكلام على كل من يدعي العلم، وأنا أعيذك بالله وجميع المسلمين من التكبر والعناد، الذي يرد صاحبه الحق بعد ما تبين. واعلم أن أكثر القرآن في هذه المسألة وتقريرها، وضرب الأمثال لها، والله أعلم.
[ ١٤٨ ]
الرسالة الثانية والعشرون: رسالته إلى عامة المسلمين
-٥- الرسالة الثانية والعشرون
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، أخبركم أني - ولله الحمد - عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة؛ لكني بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأنبياء والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يُعبد الله به من الذبح والنذر والتوكل والسجود وغير ذلك، مما هو حق الله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل. وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة. وأنا صاحب منصب في قريتي مسموع الكلمة.
فأنكر هذا بعض الرؤساء، لكونه خالف عادة نشؤوا عليها، وأيضًا ألزمت من تحت يدي بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وغير ذلك من فرائض الله، ونهيتهم عن الربا وشرب المسكر، وأنواع من المنكرات؛ فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا وعيبه، لكونه مستحسنًا عند العوام. فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما آمر به من التوحيد، وما نهيتهم عنه من الشرك، ولبسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه الناس. وكبرت الفتنة جدًا، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله ١.
فنقول: التوحيد نوعان: توحيد الربوبية: وهو أن الله سبحانه متفرد
_________________
(١) ١ صدر هذه الرسالة مذكور في رسالة الشيخ إلى السويدي، عالم من أهل العراق.
[ ١٥٠ ]
بالخلق والتدبير عن الملائكة والأنبياء وغيرهم. وهذا حق لا بد منه، لكن لا يُدخل الرجل في الإسلام؛ بل أكثر الناس مقرّون به، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١، وأن الذي يُدخل الرجل في الإسلام هو توحيد الإلهية، وهو: ألا يعبد إلا الله، لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا. وذلك أن النبي ﷺ بُعِثَ والجاهلية يعبدون أشياء مع الله، فمنهم من يعبد الأصنام، ومنهم من يدعو عيسى، ومنهم من يدعو الملائكة، فنهاهم عن هذا وأخبرهم أن الله أرسله ليوحّد ولا يدعى أحد لا الملائكة ولا الأنبياء، فمن تبعه ووحد الله فهو الذي يشهد أن لا إله إلا الله، ومن عصاه ودعا عيسى والملائكة، واستنصرهم والتجأ إليهم، فهو الذي جحد لا إله إلا الله، مع إقراره أنه لا يخلق ولا يرزق إلا الله. وهذه جملة لها بسط طويل، ولكن الحاصل: أن هذا مجمع عليه بين العلماء.
فلما جرى في هذه الأمة ما أخبر به نبيها ﷺ حيث قال: " لتتبعنّ سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه " ٢. وكان من قبلهم كما ذكر الله عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٣، وصار ناس من الضالين يدعون أناسًا من الصالحين في الشدة والرخاء، مثل عبد القادر الجيلاني، وأحمد البدوي، وعدي بن مسافر، وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح، صاح عليهم أهل العلم من جميع الطوائف - أعني: على الداعي –. وأما الصالحون الذين يكرهون
_________________
(١) ١ سورة يونس آية: ٣١. ٢ البخاري: أحاديث الأنبياء (٣٤٥٦)، ومسلم: العلم (٢٦٦٩)، وأحمد (٣/٨٤، ٣/٨٩، ٣/٩٤) . ٣ سورة التوبة آية: ٣١.
[ ١٥١ ]
ذلك فحاشاهم. وبين أهل العلم أن هذا هو الشرك الأكبر، عبادة الأصنام؛ فإن الله سبحانه إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليُعبد وحده ولا يدعى معه إله آخر. والذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل الشمس والقمر والصالحين والتماثيل المصورة على صورهم، لم يكونوا يعتقدون أنها تُنْزل المطر أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدون الملائكة والصالحين ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. فبعث الله الرسل وأنزل الكتب تنهى عن أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء الاستغاثة.
واعلم أن المشركين في زماننا قد زادوا على الكفار في زمن النبي ﷺ، بأنهم يدعون الملائكة والأولياء والصالحين، ويريدون شفاعتهم والتقرب إليهم، وإلا فهم مقرّون بأن الأمر لله؛ فهم لا يدعونها إلا في الرخاء، فإذا جاءت الشدائد أخلصوا لله، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ ١ الآية.
واعلم أن التوحيد: هو إفراد الله سبحانه بالعبادة، وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده. فأولهم نوح، ﵇، أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين: ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر. وآخر الرسل محمد ﷺ، وهو الذي كسر صور الصالحين، أرسله الله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرًا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله تعالى، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله تعالى، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة وعيسى ومريم وأناس غيرهم من
_________________
(١) ١ سورة الإسراء آية: ٦٧.
[ ١٥٢ ]
الصالحين.
فبعث الله محمدًا ﷺ يجدد لهم دين إبراهيم، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله تعالى، لا يصلح منه شيء لا لملك مقرب ولا نبي مرسل فضلًا عن غيرهما، وإلا فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يخلق ولا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السموات السبع ومن فيهن والأرضين السبع ومن فيهن كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره. فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يشهدون بهذا، فاقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ٢، وغير ذلك من الآيات الدالات على تحقق أنهم يقولون بهذا كله، لم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ. وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا: الاعتقاد، كما كانوا يدعون الله ﷾ ليلًا ونهارًا
_________________
(١) ١ سورة يونس آية: ٣١. ٢ سورة المؤمنون آية: ٨٤-٨٩.
[ ١٥٣ ]
خوفًا وطمعًا، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله ﷿ ليشفعوا لهم، ويدعو رجلًا صالحًا مثل اللات، أو نبيا مثل عيسى. وعرفت أن رسول الله ﷺ قاتلهم على ذلك، ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ ٢. وعرفت أن رسول الله ﷺ قاتلهم ليكون الدين كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها لله، وجميع أنواع العبادة كلها لله. وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله تعالى بهم، هو الذي أحل دماءهم وأموالهم. عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون. وهذا التوحيد هو معنى قولك: "لا إله إلا الله"؛ فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور، سواء كان ملكًا أو نبيًا أو وليًا أو شجرة أو قبرًا أو جنيًا، لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر، فإنهم يقرون أن ذلك لله وحده كما قدمت لك، وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ: "السيد"، فأتاهم النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي: "لا إله إلا الله". والمراد من هذه الكلمة معناها، لا مجرد لفظها؛ والكفار والجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه
_________________
(١) ١ سورة الجن آية: ١٨. ٢ سورة الرعد آية: ١٤.
[ ١٥٤ ]
الكلمة هو: إفراد الله بالتعلق، والكفر بما يعبد من دونه والبراءة منه، فإنه لما قال لهم: " قولوا: لا إله إلا الله " قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾؟
فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب بشيء من المعاني؛ والحاذق منهم يظن أن معناها: لا يخلق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت ولا يدبر الأمر إلا الله. فلا خير في رجلٍ، جُهَّالُ الكفار أعلم منه بمعنى "لا إله إلا الله".
فإذا عرفت ما قلت لك معرفة قلب، وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١ الآية، وعرفت دين الله الذي بعث به الرسل من أولهم إلى آخرهم، الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه، وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا، أفادك فائدتين:
الأولى: الفرح بفضل الله وبرحمته، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ٢، وأفادك أيضًا: الخوف العظيم. فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله، خصوصًا إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم، أنهم أتوه قائلين: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ٣، فحينئذ يعظم خوفك
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ٤٨. ٢ سورة يونس آية: ٥٨. ٣ سورة الأعراف آية: ١٣٨.
[ ١٥٥ ]
وحرصك على ما يخلصك من هذا وأمثاله.
واعلم: أن الله سبحانه من حكمته لم يبعث نبيًا بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ ١؛ وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ٢. فإذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه، أهل فصاحة وعلم وحجج، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٣ الآية. فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يصير لك سلاحًا تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك ﷿: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ ٤. ولكن، إذا أقبلت على الله، وأصغيت إلى حجج الله وبيناته، فلا تخف ولا تحزن، إن كيد الشيطان كان ضعيفًا، والعامي من الموحدين يغلب ألفًا من علماء هؤلاء المشركين، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٥، فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان. وإنما الخوف
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية: ١١٢. ٢ سورة غافر آية: ٨٣. ٣ سورة الأعراف آية: ٨٦. ٤ سورة الأعراف الآيتان: ١٦-١٧. ٥ سورة الصافات آية: ١٧٣.
[ ١٥٦ ]
على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح. وقد مَنَّ الله علينا بكتابه الذي جعله تبيانًا لكل شيء، وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين؛ فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ١، قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة.
والحاصل: أن كل ما ذكر عنّا من الأشياء غير دعوة الناس إلى التوحيد والنهي عن الشرك، فكله من البهتان.
ومن أعجب ما جرى من الرؤساء المخالفين، أني لمّا بينت لهم كلام الله، وما ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ ٢ الآية، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣، وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٤، وما ذكر الله من إقرار الكفار في قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ﴾ ٥ الآية، وغير ذلك، قالوا: القرآن لا يجوز العمل به لنا ولأمثالنا، ولا بكلام الرسول، ولا بكلام المتقدمين، ولا نطيع إلا ما ذكره المتأخرون. قلت لهم: أنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفية، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، كلٌ
_________________
(١) ١ سورة الفرقان آية: ٣٣. ٢ سورة الإسراء آية: ٥٧. ٣ سورة يونس آية: ١٨. ٤ سورة الزمر آية: ٣. ٥ سورة يونس آية: ٣١.
[ ١٥٧ ]
أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم الذين يعتمدون عليهم. فلما أبوا ذلك، نقلت كلام العلماء من كل مذهب لأهله، وذكرت كل ما قالوا، بعد ما صرحت ١ الدعوة عند القبور والنذر لها؛ فعرفوا ذلك وتحققوه، فلم يزدهم إلا نفورًا.
وأما التكفير، فأنا أكفّر من عرف دين الرسول ثم بعد ما عرفه سبّه ونهى الناس عنه وعادى من فعله، فهذا هو الذي أكفّر. وأكثر الأمة، ولله الحمد، ليسوا كذلك.
وأما القتال، فلم نقاتل أحدًا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة. وهم الذين أتونا في ديارنا، ولا أبقوا ممكنًا، ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة،: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٢، وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعد ما عرف. فإنا نبين لكم أن هذا هو الحق الذي لا ريب فيه، وأن الواجب إشاعته في الناس وتعليمه النساء والرجال.
فرحم الله من أدى الواجب عليه وتاب إلى الله وأقرّ على نفسه، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ونسأل الله أن يهدينا وإياكم لما يحبه ويرضاه.
_________________
(١) ١ سورة الشورى آية: ٤٠. . ٢ سورة يونس آية: ٣١.
[ ١٥٨ ]