الرسالة الحادية والثلاثون: رسالتة إلى أحمد بن أبراهيم
القسم الرابع: بيان الأشياء التي يكفر مرتكبها ويجب قتاله والفرق بين فهم الحجة وقيام الحجة
منها رسالة كتبها إلى أحمد بن إبراهيم، مطوع مرات من بلدان الوشم، وكان قد أرسل إليه رسالة فأجابه الشيخ بهذه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب، إلى أحمد بن إبراهيم هدانا الله وإياه.
وبعد، ما ذكرت من مسألة التكفير، وقولك أبسط الكلام فيها، فلو بيننا اختلاف أمكنني أن أبسط الكلام أو أمتنع، وأما إذا اتفقنا على الحكم الشرعي: لا أنت بمنكر الكلام الذي كتبت إليك، ولا أنا بمنكر العبارات التي كتبت إلي، وصار الخلاف في أناس معينين أقروا أن التوحيد الذي ندعو إليه دين الله ورسوله، وأن الذي ننهى عنه في الحرمين والبصرة والحسا هو: الشرك بالله، ولكن هؤلاء المعينون هل تركوا التوحيد بعد معرفته ١ وصدوا الناس عنه؟ أم فرحوا به وأحبوه ودانوا به وتبرؤوا من الشرك وأهله؟ فهذه ليس مرجعها إلى طالب العلم، بل مرجعها إلى علم الخاص والعام. مثال ذلك: إذا صح أن أهل الحسا والبصرة يشهدون أن التوحيد الذي نقول دين الله ورسوله، وأن هذا المفعول عندهم في الأحياء والأموات هو الشرك بالله، ولكن أنكروا علينا التكفير والقتال خاصة.
والمرجع في المسألة إلى الحضر والبدو والنساء والرجال. هل أهل قبة الزبير وقبة الكواز تابوا من دينهم وتبعوا ما أقروا به من التوحيد، أو هم على دينهم؟ ولو يتكلم الإنسان بالتوحيد فسلامته على أخذ ماله. فإن كنت تزعم أن الكواوزة، وأهل الزبير تابوا من دينهم
_________________
(١) ١ في المخطوطة زيادة: (وأبغضوه) .
[ ٢٠٤ ]
وعادوْا من لم يتب، فتبعوا ما أقروا به، وعادوْا من خالفه، هذا مكابرة. وإن أقررتم أنهم بعد الإقرار أشد عداوة ومسبة للمؤمنين والمؤمنات، كما يعرفه الخاص والعام، وصار الكلام في أتباع المويس، وصالح بن عبد الله، هل هم مع أهل التوحيد؟ أم هم مع أهل الأوثان؟ بل أهل الأوثان معهم وهم حزبة العدو وحاملو الراية؛ فالكلام في هذا نحيله على الخاص والعام.
فودي أنك تسرع بالنفور فتتوجه إلى الله، وتنظر نظر من يؤمن بالجنة والخلود فيها، ويؤمن بالنار والخلود فيها، وتسأله بقلب حاضر أن يهديك الصراط المستقيم. هذا مع أنك تعلم ما جرى من ابن إسماعيل، وولد ابن ربيعة سنة الحبس، لما شكونا عند أهل قبة أبي طالب يوم يكسيه صاية، وجميع من معك من خاص وعام معهم إلى الآن، وتعرف روحة المويس وأتباعه لأهل قبة الكواز، وسية طالب يوم يكسيه صاية، ويقول لهم: طالع الناس ينكرون قببكم، وقد كفروا وحل دمهم ومالهم، وصار هذا عندك، وعند أهل الوشم، وعند أهل سدير والقصيم، من فضائل المويس ومناقبه، وهم على دينه إلى الآن مع أن المكاتيب التي أرسلها علماء الحرمين مع المزيودي سنة الحبس عندنا إلى الآن تتناك، وقد صرحوا فيها أن من أقر بالتوحيد كفر حل ماله ودمه، وقتل في الحل والحرم، ويذكرون دلائل على دعاء الأولياء في قبورهم، منها قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ١. فإن كانت ليست عندك، ولا صبرت إلى أن تجيء، فأرسل إلى ولد محمد بن سليمان في وشيقر، ولسيف العتيقي يرسلونها إليك، ويجيبون عن قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ٢،
_________________
(١) ١ سورة الزمر آية: ٣٤. ٢سورة الإسراء آية: ٥٧.
[ ٢٠٥ ]
أنهم يدعون على أنهم المعطون المانعون بالأصالة، وأما دعوتهم على أنهم شفعاء فهو الدين الصحيح، ومن أنكره قتل في الحل والحرم؟
وأيضًا، جاءنا بعض المجلد الذي صنفه القباني، واستكتبوه أهل الحسا وأهل نجد، وفيه نقل الإجماع على تحسين قبة الكواز وأمثالها، وعبادتها، وعبادة سية طالب، ويقول في تصنيفه: إنه لم يخالف في تصنيفه إلا ابن تيمية وابن القيم، وعشرة أنا عاشرهم، فالجميع اثنا عشر، فإذا كان يوم القيامة، اعتزلوا وحدهم عن جميع الأمة. وأنتم إلى الآن على ما تعلم، مع شهادتكم أن التوحيد دين الله ورسوله، وأن الشرك باطل، وأيضًا مكاتيب أهل الحسا موجودة، فأما ابن عبد اللطيف وابن عفالق، وابن مطلق فحشوا بالزبيل أعني: سبابة التوحيد واستحلال دم من صدق به، أو أنكر الشرك، ولكن تعرف ابن فيروز أنه أقربهم إلى الإسلام وهو رجل من الحنابلة، وينتحل كلام الشيخ وابن القيم خاصة، ومع هذا صنف مصنفًا أرسله إلينا قرر فيه أن هذا الذي يفعل عند قبر يوسف وأمثاله هو الدين الصحيح، واستدل في تصنيفه بقول النابغة ١:
أيا قبر النبي وصاحبيه ووا مصيبتنا لو تعلمونا
وفي مصنف ابن مطلق الاستدلال بقول الشاعر:
وكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعة سواك بمغن عن سواد بن قارب
ولكن الكلام الأول أبلغ من هذا كله، وهو شهادة البدو والحضر والنساء والرجال، أن هؤلاء الذين يقولون: التوحيد دين الله ورسوله، ويبغضونه أكثر من بغض اليهود والنصارى، ويسبونهن ويصدون الناس عنه، ويجاهدون
_________________
(١) ١ هو النابغة الجعدي (ناصر الدين الأسد) .
[ ٢٠٦ ]
في زواله وتثبيت الشرك بالنفس والمال، خلاف ما عليه الرسل وأتباعهم، فإنهم يجاهدون حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ١.
وأما قولك: أبغي أشاور إبراهيم، فلا ودي تصير ثالثًا لابن عباد وابن عيد؛ أما ابن عباد فيقول: أي شيء أفعل بالعناقر، وإلا فالحق واضح ونصحتهم وبينت لهم. وابن عيد أنت خابره، حاول إبراهيم في الدخول في الدين، وتعذر من الناس أن إبراهيم ممتنع. يا سبحان الله! إذا كان أهل الوشم وأهل سدير وغيرهم يقطعون أن كل مطوع في قرية لو ينقاد شيخها ما منهم أحد يتوقف، كيف يكون قدر الدين عندكم؟ كيف قدر رضى الله والجنة؟ كيف قدر النار وغضب الله؟ ولكن ودي تفكر فيما تعلم لما اختلف الناس بعد مقتل عثمان، وبإجماع أهل العلم أنهم لا يقال فيهم إلا الحسنى مع أنهم عثوا في دمائهم. ومعلوم أن كلًا من الطائفتين: أهل العراق وأهل الشام، معتقدة أنها على الحق والأخرى ظالمة؛ ونبغ من أصحاب علي من أشرك بعلي، وأجمع الصحابة على كفرهم وردتهم وقتلهم، لكن حرقهم علي، وابن عباس يرى قتلهم بالسيف. أترى أهل الشام لو حملهم مخالفة علي على الاجتماع بهم، والاعتذار عنهم والمقاتلة معهم لو امتنعوا، أترى أحدًا من الصحابة يشك في كفر من التجأ إليهم، ولو أظهر البراءة من اعتقادهم، وإنما التجأ إليهم وزين مذهبهم لأجل الاقتصاص من قتلة عثمان؟ فتفكر في هذه القضية فإنها لا تبقى شبهة إلا على من أراد الله فتنته.
وغير ذلك: قولك أريد أمانًا على كذا وكذا، فأنت مخالف؛ والخاص والعام يفرحون بجيتك مثل ما فرحوا بجية ابن غنام، والمنقور، وابن عضيب، مع أن ابن عضيب أكثر الناس سبًا لهذا الدين إلى الآن، وراحوا موقرين
_________________
(١) ١ في المخطوطة زيادة: (والفتنة: الشرك، بإجماع المفسرين) .
[ ٢٠٧ ]
محشومين. كيف لو تجيء أنت كيف تظن أن يجيئك ما تكره؟ فإن أردت تجديد الأمان على ما بغيت فاكتب لي، ولكن تعرف حرصي على الكتب، فإن عزمت على الراضة وعجلتها ١ علي قبلك فتراها على بنو الخير، وإن ما جاز عندك كلها فبعضها، ولو مجموع ابن رجب ترى ما جاءنا، فهو عارية مؤداة وإن لم تأتنا.
قال ابن القيم في النونيه:
يا فرقة جهلت نصوص نبيها وقصوده وحقائق الإيمان
فسطوا على أتباعه وجنوده بالبغي والتكفير والطغيان
لله حق لا يكون لغيره ولعبده حق هما حقان
لا تجعلوا الحقين حقا واحدًا من غير تمييز ولا فرقان
المراد: تعريفك لما صدقتك، وأن لك نظرًا في الحق أن في ذلك الزمان من يكفر العلماء إذا ذكروا التوحيد، ويظنونه تنقيصًا للنبي ﷺ، فما ظنك بزمانك هذا؟ وإذا كان المكفرون ممن يعدون من علمائهم، فما ظنك بولد المويس وفاسد وأمثالهما، يوضحه تسجيلهم على جواب علماء مكة، ونشره وقراءته على جماعتهم ودعوتهم إليه.
ذكر ابن عبد الهادي في مناقب الشيخ، لما ذكر المحنة التي نالته بسبب الجواب في شد الرحل، فالجواب الذي كفّروه بسببه ذكر أن كلامه في هذا الكتاب أبلغ منه. فالعجب إذا كان هذا الكتاب عندك، والعلماء في زمن الشيخ كفّروه بكلام دونه، فكيف بالمويس وأمثاله لا يكفروننا بمحض التوحيد؟ وذكر ابن القيم في النونية ما يصدق هذا الكلام لما قالوا له: إنك مثل الخوارج، رد عليهم بقوله:
_________________
(١) ١ يعني: الكتب.
[ ٢٠٨ ]
من لي بمثل خوارج قد كفّروا بالذنب تأويلًا بلا إحسانِ
ثم ذكر في البيت الثاني أن هؤلاء لا يكفّروننا بمحض الإيمان، والخوارج يكفرون بالذنوب. وكلامي هذا تنبيه أن إنكار التوحيد متقدم، وكذلك التكفير لمن اتبعه، وأنت لا تعتقد أن الزمان صلح بعدهم، ولا تعتقد أن المويس وأمثاله أجل وأورع من أولئك الذين كفروا الشيخ وأتباعه. وعد ابن عبد الهادي من كتبه كتاب "الاستغاثة" مجلد، ولفانا من الشام مع مربد. وسببه أن رجلًا من فقهاء الشافعية يقال له ابن البكري عثر على جواب للشيخ في الاستغاثة بالموتى، فأنكر ذلك، وصنف مصنفًا في جواز الاستغاثة بالنبي ﷺ في كل ما يستغاث الله فيه، وصرح بتكفير الشيخ في ذلك الكتاب، وجعله مستنقصا للأنبياء، وأورد فيه آيات وأحاديث. فصنف الشيخ كتاب "الاستغاثة" ردًا على ابن البكري، وقرر فيه مذهب الرسل وأتباعهم، وذكر أن الكفار لم يبلغ شركهم هذا، بل ذكر الله عنهم أنهم إذا مسهم الضر أخلصوا ونسوا ما يشركون. والمقصود أن في زمن الشيخ ممن يدعي العلم والتصنيف مَن أنكر التوحيد، وجعله سبًا للأنبياء والأولياء، وكفّر من ذهب إليه، فكيف تزعم أن عبدة قبة الكواز وأمثالها ما أنكروه؟ بل تزعم أنهم قبلوه ودانوا به وتبرؤوا من الشرك، ولا أنكروا إلا تكفير من لا يكفر. وأعظم وأطم: أنكم تعرفون أن البادية قد كفروا بالكتاب كله، وتبرؤوا من الدين كله، واستهزؤوا بالحضر الذين يصدقون بالبعث، وفضلوا حكم الطاغوت على شريعة الله، واستهزؤوا بها مع إقرارهم بأن محمدًا رسول الله، وأن كتاب الله عند الحضر؛ لكن كذبوا وكفروا واستهزؤوا عنادًا، ومع هذا تنكرون علينا كفرهم، وتصرحون بأن من قال: "لا إله إلا الله" لا يكفر.
ثم تذكر في كتابك أنك تشهد بكفر
[ ٢٠٩ ]
العالم العابد الذي ينكر التوحيد، ولا يكفّر المشركين، ويقول: هؤلاء السواد الأعظم ما يتيهون. فإن قلتم: إن الأولين وإن كانوا علماء فلم يقصدوا مخالفة الرسول، بل جهلوا، وأنتم وأمثالكم تشهدون ليلًا ونهارًا أن هذا الذي أخرجنا للناس من التوحيد وإنكار الشرك أنه دين الله ورسوله، وأن الخلاف منا، والتكفير والقتال، ولو قدرنا أن غيركم يعذر بالجهل فأنتم مصرحون بالعلم. والله أعلم.
[ ٢١٠ ]
الرسالة الثانية والثلاثون:رسالته إلى محمد بن فارس
-٢- الرسالة الثانية والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى محمد بن فارس، سلام عليكم.
وبعد، الواصل إليكم: مسألة التكفير من كلام العلماء، وذكر في الإقناع إجماع المذاهب كلها على ذلك؛ فإن كان عند أحد كلمة تخالف ما ذكروه في مذهب من المذاهب، فيذكرها وجزاه الله خيرًا، وإن كان يبغي يعاند كلام الله وكلام رسوله، وكلام العلماء، ولا يصغي لهذا أبدًا، فاعرفوا أن هذا الرجل معاند ما هو بطلاب حق، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١. والذي يدلكم على هذا: أن هؤلاء يعتذرون بالتكفير إذا تأملتهم؛ إذ إن الموحدين أعداؤهم، يبغضونهم ويستثقلونهم، والمشركون والمنافقون هم ربعهم الذين يستأنسون إليهم، ولكن هذه قد جرت من رجال عندنا في الدرعية وفي العيينة الذين ارتدوا وأبغضوا الدين.
وقال أيضًا، رحمه الله تعالى:
اعلم أن من أعظم نواقض الإسلام عشرة:
الأول: الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢؛ ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو القباب.
_________________
(١) ١سورة آل عمران آية: ٨٠. ٢سورة النساء آية: ٤٨، و١١٦.
[ ٢١٢ ]
الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم ويسألهم الشفاعة، كفر إجماعًا.
الثالث: من لم يكفّر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، كفر إجماعًا.
الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذين يفضلون حكم الطاغوت على حكمه، فهو كافر.
الخامس: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ، ولو عمل به، كفر إجماعًا، والدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ١.
السادس: من استهزأ بشيء من دين اللهن أو ثوابه، أو عقابه، كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ٢.
السابع: السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ٣.
الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمينن والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١سورة محمد آية: ٩. ٢سورة التوبة آية: ٦٥-٦٦. ٣سورة البقرة آية: ١٠٢. ٤سورة المائدة آية: ٥١.
[ ٢١٣ ]
التاسع: من اعتقد أن بعض الناس لا يجب عليه اتباعه ﷺ، وأنه يسعه الخروج من شريعته كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى، ﵉، فهو كافر.
العاشر: الإعراض عن دين اللهن لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ ١.
ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف، إلا المكره؛ وكلها من أعظم ما يكون خطرًا، ومن أكثر ما يكون وقوعًا؛ فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه. نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه. وصلى الله على محمد.
_________________
(١) ١ سورة السجدة آية: ٢٢.
[ ٢١٤ ]
الرسالة الثالثة والثلاثون:رسالته إلى أحمد عبد الكريم
-٣- الرسالة الثالثة والثلاثون
ومنها رسالة أرسلها جوابًا لرجل من أهل الحسا، يقال له: أحمد بن عبد الكريم، وكان قد عرف التوحيد، وكفّر المشركين. ثم إنه حصل له شبهة في ذلك، بسبب عبارات رآها في كلام الشيخ تقي الدين، ففهم منها غير مراد الشيخ، ﵀، قال فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب، إلى أحمد بن عبد الكريم؛ سلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
أما بعد، فقد وصل مكتوبك تقرر المسألة التي ذكرت، وتذكر أن عليك إشكالًا تطلب إزالته. ثم ورد منك مراسلة تذكر أنك عثرت على كلام للشيخ أزال عنك الإشكال، فنسأل الله أن يهديك لدين الإسلام. وعلى أي شيء يدل كلامه؟ على أن من عبد الأوثان عبادة أكبر من عبادة اللات والعزى، وسب دين الرسول بعد ما شهد به، مثل سب أبي جهل، أنه لا يكفر بعينه؛ بل العبارة صريحة واضحة في تكفير مثل ابن فيروز وصالح بن عبد الله وأمثالهما، كفرًا ظاهرًا ينقل عن الملة فضلًا عن غيرهما.
هذا صريح واضح في كلام ابن القيم الذي ذكرت، وفي كلام الشيخ الذي أزال عنك الإشكال، في كفر من عبد الوثن الذي على قبر يوسف وأمثاله، ودعاهم في الشدائد والرخاء، وسب دين الرسل بعد ما أقر به، ودان بعبادة الأوثان بعد ما أقر بها. وليس في كلامي هذا مجازفة، بل أنت تشهد به عليهم، ولكن إذا أعمى الله القلب فلا حيلة فيه.
وأنا أخاف عليك من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا
[ ٢١٦ ]
ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ ١.
والشبهة التي دخلت عليك، هذه البضيعة التي في يدك، تخاف تغدى أنت وعيالك إذا تركت بلد المشركين، وشاك في رزق الله، وأيضًا قرناء السوء أضلوك كما هي عادتهم، وأنت والعياذ بالله تنْزل درجة درجة أول مرة في الشك، وبلد الشرك وموالاتهم والصلاة خلفهم، وبراءتك من المسلمين مداهنة لهم، ثم بعد ذلك طحت على ابن غنام وغيره، وتبرأت من ملة إبراهيم، وأشهدتهم على نفسك باتباع المشركين من غير إكراه لكن خوف ومداراة، وغاب عنك قوله تعالى في عمار بن ياسر وأشباهه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ﴾ ٢ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ ٣، فلم يستثن الله إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان، بشرط طمأنينة قلبه. والإكراه لا يكون على العقيدة، بل على القول والفعل؛ فقد صرح بأن من قال المكفّر أو فعله فقد كفر، إلا المكرَه بالشرط المذكور، وذلك أن ذلك بسبب إيثار الدنيا لا بسبب العقيدة.
فتفكر في نفسك: هل أكرهوك وعرضوك على السيف مثل عمار أم لا؟ وتفكر هل هذا بسبب أن عقيدته تغيرت أم بسبب إيثار الدنيا؟ ولم يبق عليك إلا رتبة واحدة وهي: أنك تصرح مثل ابن رفيع تصريحًا بمسبة دين الأنبياء، وترجع إلى عبادة العيدروس وأبي حديدة وأمثالهما. ولكن الأمر بيد مقلب القلوب. فأول ما أنصحك به: أنك تفكر هل هذا الشرك الذي عندكم هو الشرك الذي ظهر نبيك ﷺ ينهى عنه أهل مكة؟ أم شرك أهل مكة نوع آخر أغلظ منه؟ أم هذا أغلظ؟ فإذا أحكمت المسألة، وعرفت أن غالب من عندكم
_________________
(١) ١ سورة المنافقون آية: ٣. ٢ سورة النحل آية: ١٠٦. ٣ سورة النحل آية: ١٠٧.
[ ٢١٧ ]
سمع الآيات، وسمع كلام أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين، وأقر به وقال: أشهد أن هذا هو الحق، ونعرفه قبل ابن عبد الوهاب، ثم بعد ذلك يصرح بمسبة ما شهد أنه الحق، ويصرح بحسن الشرك وأتباعه، وعدم البراءة من أهله. فتفكر هل هذه مسألة أو مسألة الردة الصريحة التي ذكرها أهل العلم في الردة؟ ولكن العجب من دلائلك التي ذكرت كأنها أتت ممن لا يسمع ولا يبصر.
أما استدلالك بترك النبي ﷺ ومَن بعده تكفير المنافقين وقتلهم، فقد عرفه الخاص والعام ببديهة العقل، أنهم لو يظهرون كلمة واحدة أو فعلًا واحدًا من عبادة الأوثان أو مسبة التوحيد الذي جاء به الرسول ﷺ، أنهم يُقتلون أشر قتلة. فإن كنت تزعم أن الذين عندكم أظهروا اتباع الدين الذي تشهد أنه دين الرسول ﷺ، وتبرؤوا من الشرك بالقول والفعل، ولم يبق إلا أشياء خفيه تظهر على صفحات الوجه، أو فلتة لسان في السر، وقد تابوا من دينهم الأول، وقتلوا الطواغيت، وهدموا البيوت المعبودة، فقل لي. وإن كنت تزعم أن الشرك الذي خرج عليه رسول الله ﷺ أكبر من هذا، فقل لي. وإن كنت تزعم أن الإنسان إذا أظهر الإسلام، لا يكفر إذا أظهر عبادة الأوثان، وزعم أنها الدين، وأظهر سب دين الأنبياء، وسماه دين أهل العارض، وأفتى بقتل من أخلص لله الدين وإحراقه وحل ماله، فهذه مسألتك، وقد قررتها وذكرت أن من زمن النبي ﷺ إلى يومنا هذا لم يقتلوا أحدًا، ولم يكفروه من أهل الملة. أما ذكرت قول الله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ١ إلى قوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ ٢. واذكر قوله
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب آية: ٦٠. ٢ سورة الأحزاب آية: ٦١.
[ ٢١٨ ]
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا﴾ ١ إلى قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ ٢ الآية، واذكر قوله في الاعتقاد في الأنبياء: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٣، واذكر ما صح عن رسول الله ﷺ أنه أشخص رجلًا معه الراية، إلى من تزوج امرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله، فأي هذين أعظم؟ تزوج امرأة الأب أو سب دين الأنبياء بعد معرفته؟ واذكر أنه قد هم بغزو بني المصطلق لما قيل إنهم منعوا الزكاة، حتى كذب الله من نقل ذلك. واذكر قوله في أعبد هذه الأمة وأشدهم اجتهادًا: " لئن أدركتهم، لأقتلنّهم قتل عاد. أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة " ٤. واذكر قتال الصديق وأصحابه مانعي الزكاة، وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم.
واذكر إجماع الصحابة على قتل أهل مسجد الكوفة، وكفرهم وردتهم، لما قالوا كلمة في تقرير نبوة مسيلمة، ولكن الصحابة اختلفوا في قبول توبتهم لما تابوا؛ والمسألة في صحيح البخاري وشرحه، في الكفالة. واذكر إجماع الصحابة لما استفتاهم عمر على أن من زعم أن الخمر تحل للخواص، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ ٥ مع كونه من أهل بدر. وأجمع الصحابة على كفر من اعتقد في علي مثل اعتقاد هؤلاء في عبد القادر، وردّتهم، وقتلهم، فأحرقهم علي بن أبي طالب ﵁ وهم أحياء، فخالفه ابن عباس في الإحراق، وقال: يقتلون بالسيف، مع كونهم من أهل القرن الأول، أخذوا العلم عن الصحابة. واذكر
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ٩١. ٢ سورة النساء آية: ٩١. ٣ سورة آل عمران آية: ٨٠. ٤ البخاري: المناقب (٣٦١١)، ومسلم: الزكاة (١٠٦٦)، والنسائي: تحريم الدم (٤١٠٢)، وأبو داود: السنة (٤٧٦٧)، وأحمد (١/١٣١، ١/١٦٠) . ٥ سورة المائدة آية: ٩٣.
[ ٢١٩ ]
إجماع أهل العلم من التابعين وغيرهم على قتل الجعد بن درهم.
قال ابن القيم:
شكر الضحية كل صاحب سنة لله درك من أخي قربان
ولو ذهبنا نعدد من كفّره العلماء مع ادعائه الإسلام وأفتوا بردته وقتله لطال الكلام، لكن من آخر ما جرى: قصة بني عبيد ملوك مصر وطائفتهم، وهم يدّعون أنهم من أهل البيت، ويصلّون الجمعة والجماعة، ونصبوا القضاة والمفتين، أجمع العلماء على كفرهم وردّتهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، يجب قتالهم ولو كانوا مكرهين مبغضين لهم. واذكر كلامه في الإقناع وشرحه في الردة، كيف ذكروا أنواعًا كثيرة موجودة عندكم. ثم قال منصور: وقد عمت البلوى بهذه الفرق وأفسدوا كثيرًا من عقائد أهل التوحيد. نسأل الله العفو والعافية. هذا لفظه بحروفه. ثم ذكر قتل الواحد منهم، وحكم ماله. هل قال واحد من هؤلاء من الصحابة من أصحابه ١ إلى زمن منصور: إن هؤلاء يكفر أنواعهم لا أعيانهم؟
وأما عبارة الشيخ التي لبسوا بها عليك، فهي أغلظ من هذا كله، ولو نقول بها لكفرنا كثيرًا من المشاهير بأعيانهم؛ فإنه صرح فيها بأن المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة. فإذا كان المعين يكفر إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر ﵁، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله، وخلا من شيء يعذر به، فهو كافر، كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ كذا في بعض المراجع التي بأيدينا وفي الدرر بدون كلمة (أصحابه) . ٢ سورة الأنعام آية: ٢٥.
[ ٢٢٠ ]
وقوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ ١. وإذا كان كلام الشيخ ليس في الشرك والردة، بل في المسائل الجزئيات، سواء كانت من الأصول أو الفروع، ومعلوم أنهم يذكرون في كتبهم في مسائل الصفات أو مسألة القرآن أو مسألة الاستواء أو غير ذلك مذهب السلف، ويذكرون أنه الذي أمر الله به ورسوله، والذي درج عليه هو وأصحابه، ثم يذكرون مذهب الأشعري أو غيره، ويرجحونه ويسبون من خالفه. فلو قدرنا أنها لم تقم الحجة على غالبهم، قامت على هذا المعين الذي يحكي المذهبين: مذهب رسول الله ﷺ ومن معه، ثم يحكي مذهب الأشعري ومن معه؛ فكلام الشيخ في هذا النوع يقول: إن السلف كفّروا النوع، وأما المعين: فإن عرف الحق وخالف كفر بعينه، وإلا لم يكفّروا.
وأنا أذكر لك من كلامه ما يصدق هذا، لعلك تنتفع إن هداك الله، وتقوم عليك الحجة قيامًا بعد قيام، وإلا فقد قامت عليك وعلى غيرك قبل هذا. وقال، ﵀، في اقتضاء الصراط المستقيم في الكلام على قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ ٢: ظاهره: أنه ما ذبح لغير الله حرم، سواء لفظ به أو لم يلفظ، وهذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم وقال فيه: باسم المسيح ونحوه؛ فإن عبادة الله والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، فكذلك الشرك بالنسك لغيره أعظم من الاستعانة باسمه. وعلى هذا لو ذبح لغير الله متقربًا إليه، وإن قال فيه: بسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان؛ ومن هذا الباب ما قد يفعله الجاهلون بمكة وغيرها من الذبح للجن. انتهى
_________________
(١) ١ سورة الأنفال آية: ٢٢. ٢ سورة المائدة آية: ٣.
[ ٢٢١ ]
لامه بحروفه. فانظر كلامه لمن ذبح لغير الله، وسمى الله عليه عند الذبح، أنه مرتد تحرم ذبيحته، ولو ذبحها للأكل؛ لكن هذه الذبيحة تحرم من جهتين: من جهة أنها مما أُهل به لغير الله، وتحرم أيضًا لأنها ذبيحة مرتد، يوضح ذلك ما ذكرته أن المنافقين إذا أظهروا نفاقهم صاروا مرتدين. فأين هذا من نسبتك عنه أنه لا يكفر أحد بعينه؟
وقال أيضًا في أثناء كلامه على المتكلمين ومن شاكلهم، لما ذكر عن أئمتهم شيئًا من أنواع الردة والكفر، وقال، ﵀: وهذا إذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال: إنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي يعلم المشركون واليهود والنصارى أن محمدًا ﷺ بُعث بها وكفّر من خالفها، مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه من النبيين والملائكة وغيرهم، فإن هذا أظهر شرائع الإسلام، ثم تجد كثيرًا من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع فكانوا مرتدين. وكثير منهم تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة، وتارة يعود إليه مع مرض في قلبه ونفاق؛ والحكاية عنهم في ذلك مشهورة.
وقد ذكر ابن قتيبة من ذلك طرفًا في أول مختلف الحديث، وأبلغ من ذلك أن منهم من صنف في الردة، كما صنف الفخر الرازي في عبادة الكواكب، وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين. هذا لفظه بحروفه. فانظر كلامه في التفرقة بين المقالات الخفية، وبين ما نحن فيه في كفر المعين، وتأمل تكفيره رؤوسهم فلانًا وفلانًا بأعيانهم وردّتهم ردة صريحة. وتأمل تصريحه بحكاية الإجماع على ردة الفخر الرازي عن الإسلام، مع كونه عند علمائكم من الأئمة الأربعة، هل يناسب هذا لما فهمت من كلامه أن
[ ٢٢٢ ]
المعين لا يكفر؟ ولو دعا عبد القادر في الرخاء والشدة، ولو أحب عبد الله بن عون وزعم أن دينه حسن مع عبادته أبي حديدة، ولو أبغضك واستنجسك مع أنك أقرب الناس إليه لما رآك ملتفتًا بعض الالتفات إلى التوحيد، مع كونك توافقهم على شيء من شركهم وكفرهم.
وقال الشيخ أيضًا، في رده على بعض المتكلمين وأشباههم: والقوم وإن كان لهم ذكاء وفطنة، وفيهم زهد وأخلاق، فهذا لا يوجب السعادة إلا بالإيمان بالله وحده. وإنما قوة الذكاء بمنْزلة قوة البدن، وأهل الرأي والعلم بمنْزلة الملك والإمارة، فكل منهم لا ينفعه ذلك إلا أن يعبد الله وحده لا شريك له، ويتخذه إلهًا دون ما سواه، وهو معنى قول: "لا إله إلا الله". وهذا ليس في حكمتهم، ليس فيها إلا أمر بعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة المخلوقات، بل كل شرك في العالم إنما حدث بزي جنسهم؛ فهم الآمرون بالشرك الفاعلون له، ومن لم يأمر منهم بالشرك فلم ينه عنه، بل يقر هؤلاء وهؤلاء، وإن رجح الموحدين ترجيحًا ما، فقد يرجح غيره المشركين، وقد يعرض عن الأمرين جميعًا. فتدبر هذا، فإنه نافع جدًا. وكذلك الذين كانوا في ملة الإسلام لا ينهون عن الشرك، ويوجبون التوحيد [بل يسوغون الشرك ويأمرون به وهم إذا ادعوا التوحيد] ١ فإنما توحيدهم بالقول لا بالعبادة والعمل، والتوحيد الذي جاءت به الرسل لا بد فيه من التوحيد بإخلاص الدين كله لله، وعبادته وحده لا شريك له، وهذا شيء لا يعرفونه. والتوحيد الذي يدعونه إنما هو تعطيل حقائق الأسماء والصفات، فلو كانوا موحدين بالكلام، وهو أن يصفوا الله بما وصفته به رسله، لكان معهم التوحيد دون العمل، وذلك لا يكفي في النجاة، بل لا بد أن يعبد الله وحده
_________________
(١) ١ ما بين المعكوفين سقط من الأصل، وأثبتناه من المخطوطة والدّرر (٨/٨١) .
[ ٢٢٣ ]
يتخذه إلهًا دون ما سواه؛ وهو معنى قوله: "لا إله إلا الله". فكيف وهم في القول معطلون جاحدون، ولا مخلصون؟ انتهى.
فتأمل كلامه، واعرضه على ما غرك به الشيطان من الفهم الفاسد الذي كذبت به الله ورسوله، وإجماع الأمة، وتحيزت به إلى عبادة الطواغيت. فإن فهمت هذا، وإلا أشير عليك أنك تكثر من التضرع والدعاء إلى من الهداية بيده، فإن الخطر عظيم، فإن الخلود في النار جزاء الردة الصريحة، ما يسوي بضيعة تربح تومانا أو نصف تومان. وعندنا ناس يجيئون بعيالهم بلا مال، ولا جاعوا ولا شحذوا، وقد قال الله في هذه المسألة: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ١، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٢. والله أعلم.
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت آية: ٥٦. ٢ سورة العنكبوت آية: ٦٠.
[ ٢٢٤ ]
الرسالة الرابعة والثلاثون: رسالته إلى سليمان بن سحيم
-٤- الرسالة الرابعة والثلاثون
ومنها رسالة كتبها الشيخ، ﵀، إلى سليمان بن سحيم، صاحب تلك الرسالة التي شنع بها على الشيخ، المتقدمة قبل ذلك وجوابها. وكان الشيخ، ﵀، قد أرسل له وتلطف له قبل ذلك، فلما تبين للشيخ أنه معاند للحق والإيمان، ومن أعوان أهل الشرك والطغيان، كتب له هذه الرسالة. وهذا نص الرسالة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الذي يعلم به سليمان بن سحيم أنك زعجت قرطاسة فيها عجائب؛ فإن كان هذا قدر فهمك، فهذا من أفسد الأفهام، وإن كنت تلبس به على الجهال فما أنت برابح. وقبل الجواب، نذكر لك أنك أنت وأباك مصرحون بالكفر والشرك والنفاق، ولكن صائر لكم عند جماعة ١ في معكال قصاصيب وأشباههم يعتقدون أنكم علماء، ونداريكم، ودّنا أن الله يهديكم ويهديهم. وأنت إلى الآن أنت وأبوك لا تفهمون شهادة أن لا إله إلا الله؛ أنا أشهد بهذا، شهادة يسألني الله عنها يوم القيامة: أنك لا تعرفها إلى الآن ولا أبوك. ونكشف لك هذا كشفًا بينًا لعلك تتوب إلى الله، وتدخل في دين الإسلام إن هداك الله، وإلا تبين لكل من يؤمن بالله واليوم الآخر حالُكما، والصلاة وراءكما وقبول شهادتكما وخطّكما، ووجوب عداوتكما، كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٢. وأكشف عن ذلك بوجوه:
الأول: أنكم تقرون أن الذي يأتيكم من عندنا هو الحق، وأنت
_________________
(١) ١ كذا في المخطوطة وفي الأصل والدرر: (ضمامة) . ٢ سورة المجادلة آية: ٢٢.
[ ٢٢٦ ]
تشهد به ليلًا ونهارًا، وإن جحدت هذا شهد عليك الرجال والنساء، ثم مع هذه الشهادة أن هذا دين الله، وأنت وأبوك مجتهدان في عداوة هذا الدين ليلًا ونهارًا ومن أطاعكما، وتبهتون وترمون المؤمنين بالبهتان العظيم، وتصورون على الناس الأكاذيب الكبار. فكيف تشهد أن هذا دين الله ثم تتبين في عداوة من تبعه؟
الوجه الثاني: أنك تقول: إني أعرف التوحيد، وتقر أن من جعل الصالحين وسائط فهو كافر، والناس يشهدون عليك أنك تروح للمولد وتقرأه لهم، وتحضرهم، وهم ينخون ويندبون مشايخهم، ويطلبون منهم الغوث والمدد، وتأكل اللقم من الطعام المعَدّ لذلك. فإذا كنت تعرف أن هذا كفر، فكيف تروح لهم وتعاونهم عليه وتحضر كفرهم؟
الوجه الثالث: أن تعليقهم التمائم من الشرك بنص رسول الله ﷺ، وقد ذكر تعليق التمائم صاحب الإقناع، في أول الجنائز، وأنت تكتب الحجب وتأخذ عليها شرطًا، حتى إنك كتبت لامرأة حجابًا لعلها تحبل، وشرطت لك أحمرين وطالبتها تريد الأحمرين. فكيف تقول: إني أعرف التوحيد، وأنت تفعل هذه الأفاعيل؟ وإن أنكرت، فالناس يشهدون عليك بهذا.
الوجه الرابع: أنك تكتب في حجبك طلاسم، وقد ذكر في الإقناع أنها من السحر، والسحر يكفر صاحبه. فكيف تفهم التوحيد، وأنت تكتب الطلاسم؟ وإن جحدت، فهذا خط يدك موجود.
الوجه الخامس: أن الناس فيما مضى عبدوا الطواغيت عبادة ملأت الأرض، بهذا الذي تقر أنه من الشرك: ينخونهم ويندبونهم، ويجعلونها
[ ٢٢٧ ]
وسائط، وأنت وأبوك تقولان: نعرف هذا لكن ما سألونا. فإذا كنتم تعرفونه، كيف يحل لكم أن تتركا الناس يكفرون، ما تنصحانهم، ولو لم يسألوكم؟
الوجه السادس: أنا لما أنكرنا عبادة غير الله بالغتم في عداوة هذا الأمر وإنكاره، وزعمتم أنه مذهب خامس، وأنه باطل، وإن أنكرتما فالناس يشهدون بذلك وأنتم مجاهرون به، فكيف تقولون: هذا كفر، ولكن ما سألونا عنه؟ فإذا قام من يبين للناس التوحيد، قلتم: إنه غير الدين، وآت بمذهب خامس. فإذا كنت تعرف التوحيد، وتقر أن كلامي هذا حق، فكيف تجعله تغييرًا لدين الله، وتشكونا عند أهل الحرمين؟
والأمور التي تدل على أنك أنت وأباك لا تعرفان شهادة أن لا إله إلا الله لا تحصر، لكن ذكرنا الأمور التي لا تقدر تنكرها، وليتك تفعل فعل المنافقين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ١، لأنهم يخفون نفاقهم، وأنت وأبوك تظهران للخاص والعام.
وأما الدليل على أنك رجل معاند، ضال على علم، مختار الكفر على الإسلام، فمن وجوه:
الأول: أني كتبت ورقة لابن صالح من سنتين، فيها تكفير الطواغيت شمسان وأمثاله، وذكرت فيها كلام الله ورسوله، وبينت الأدلة، فلما جاءتك نسختها بيدك لموسى بن سليم، ثم سجلت عليها وقلت: ما ينكر هذا إلا أعمى القلب. وقرأها موسى في البلدان وفي منفوحة وفي الدرعية وعندنا، ثم راح بها للقبلة. فإذا كنت من أول موافقًا لنا على كفرهم، وتقول: ما ينكر هذا
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ١٤٥.
[ ٢٢٨ ]
إلا من أعمى الله بصيرته، فالعلم الذي جاءك بعد هذا يبين لك أنهم ليسوا بكفار، بيِّنْه لنا.
الوجه الثاني: أني أرسلت لك رسالة الشيخ تقي الدين، التي يذكر فيها أن من دعا نبيًا أو صحابيًا أو وليًا مثل: أن يقول يا سيدي فلان انصرني وأغثني! أنه كافر بالإجماع، فلما أتتك استحسنتها ١ وشهدت أنها حق، وأنت تشهد به الآن، فما الموجب لهذه العداوة؟
الوجه الثالث: أنه إذا أتاك أحد من أهل المعرفة، أقررت أن هذا دين الله، وأنه الحق، وقلته على رؤوس الأشهاد، وإذا خلوت مع شياطينك وقصاصيبك، فلك كلام آخر.
الوجه الرابع: أن عبد الرحمن الشنيفي ومن معه لما أتوك وذاكروك، أقررت بحضرة شياطينك أن هذا هو الحق، وشهدت أن الطواغيت كفار، وتبرأت من طالب الحمضي، وعبد الكريم، وموسى بن نوح، فأي شيء بان لك بأن هذا باطل، وأن الذي تبرأت منهم وعاديتهم أنهم على حق؟
الوجه الخامس: أنك لما خرجت من عند الشيوخ وأتيت عند الشنيفي، جحدت الكلام الذي قلتَ في المجلس. فإن كان الكلام حقًا فلأي شيء تجحده؟
وأنت وأبوك مقران أنكما لا تعرفان كلام الله ورسوله، لكن تقولان: نعرف كلام صاحب الإقناع وأمثاله؟ وأنا أذكر لك كلام صاحب الإقناع: أنه مكفّرك ومكفّر أباك في غير موضع من كتابه:
الأول: أنه ذكر في أول سطر من أحكام المرتد: أن الهازل بالدين
_________________
(١) ١ في المخطوطة: (استنسختها) .
[ ٢٢٩ ]
يكفر؛ وهذا مشهور عنك، وعن ابن أحمد بن نوح، الاستهزاء بكلام الله ورسوله. وهذا كتابكم كفّركم.
الثاني: أنه ذكر في أوله: أن المبغض لما جاء به الرسول كافر بالإجماع، ولو عمل به. وأنت مقر أن هذا الذي أقول في التوحيد أمر الله ورسوله، والنساء والرجال يشهدون عليكم أنكم مبغضون لهذا الدين، مجتهدون في تنفير الناس عنه، والكذب والبهتان على أهله. فهذا كتابكم كفّركم.
الثالث: أنه ذكر من أنواع الردة: إسقاط حرمة القرآن، وأنتم كذلك تستهزئون بمن يعمل به، وتزعمون أنهم جهال وأنكم علماء.
الرابع: أنه ذكر أن من ادعى في علي بن أبي طالب ألوهية، أنه كافر، ومن شك في كفره فهو كافر. وهذه مسألتك التي جادلت بها في مجلس الشيوخ، وقد صرح في الإقناع بأن من شك في كفرهم فهو كافر، فكيف بمن جادل عنهم وادعى أنهم مسلمون، وجعلنا كفارًا لما أنكرنا عليهم؟
الخامس: أنه ذكر أن السحر يكفر بتعلمه وتعليمه، والطلاسم من جملة السحر.
فهذه ستة مواضع ١ في الإقناع، في باب واحد، أن من فعلها فقد كفر، وهي دينك ودين أبيك. فإما أن تبرؤوا من دينكم هذا، وإلا فأجيبوا عن كلام صاحب الإقناع، وكلامنا هذا لغيرك الذين عليهم الشرهة مثل الشيوخ، أو من يصلي وراءك كادوا أنّ الله ٢ يهديهم ويعزلونك أنت وأبوك عن الصلاة بالناس لئلا تفسد عليهم دينهم، وإلا فأنا أظنك لا تقبل، ولا يزيدك
_________________
(١) ١ كذا في الأصول، مع أنه لم يذكر إلا خمسة. ٢ في الدّرر السّنية: (لعلّ الله) .
[ ٢٣٠ ]
هذا الكلام إلا جهالة وكفرًا.
وأما الكلام الذي لبست به على الناس، فأنا أبينه إن شاء الله، كلمة كلمة؛ وذلك أن جملة المسائل التي ذكرت أربعًا:
الأولى: النذر لغير الله، تقول إنه حرام ليس بشرك.
الثانية: أن من جعل بينه وبين الله وسائط كفر، أما الوسائط بأنفسهم فلا يكفرون.
الثالثة: عبارة العلماء: أن المسلم لا يجوز تكفيره بالذنوب.
الرابعة: التذكير ليلة الجمعة لا ينبغي الأمر بتركه.
هذه المسائل التي ذكرت.
فأما المسألة الأولى: فدليلك: قولهم: إن النذر لغير الله حرام بالإجماع، فاستدللت بقولهم: حرام، على أنه ليس بشرك. فإن كان هذا قدر عقلك فكيف تدعي المعرفة؟ يا ويلك! ما تصنع بقول الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ١، فهذا يدل على أن الشرك حرام ليس بكفر؟ يا هذا الجاهل الجهل المركب! ما تصنع بقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ٢ إلى قوله: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ ٣، هل يدل هذا التحريم على أنه لا يكفر صاحبه؟ يا ويلك! في أي كتاب وجدته إذا قيل لك: هذا حرام، إنه ليس بكفر؟
فقولك: إن ظاهر كلامهم أنه ليس بكفر، كذب وافتراء على أهل العلم. بل يقال: ذكر أنه حرام، وأما كونه كفر فيحتاج
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية: ١٥١. ٢ سورة الأعراف آية: ٣٣. ٣ سورة الأعراف آية: ٣٣.
[ ٢٣١ ]
إلى دليل آخر؛ والدليل عليه: أنه صرح في الإقناع أن النذر عبادة، ومعلوم أن لا إله إلا الله معناها: لا يعبد إلا الله، فإذا كان النذر عبادة وجعلتها لغيره، كيف لا يكون شركًا؟ وأيضًا، مسألة الوسائط تدل على ذلك، والناس يشهدون أن هؤلاء الناذرين يجعلونهم وسائط، وهم مقرون بذلك.
وأما استدلالك بقوله: من قال: انذروا لي، وأنه إذا رضي وسكت لا يكفر، فبأي دليل؟ غاية ما يقال: إنه سكت عن الآخذ الراضي. وعلم من دليل آخر، والدليل الآخر: أن الرضى بالكفر كفر، صرح به العلماء، وموالاة الكفار كفر، وغير ذلك. هذا إذا قدر أنهم لا يقولونه، فكيف وأنت وغيرك تشهد عليهم أنهم يقولون ويبالغون فيه؟ ويقصون على الناس الحكايات التي ترسخ الشرك في قلوبهم، ويبغض إليهم التوحيد، ويكفرون أهل العارض لما قالوا: لا يعبد إلا الله. وأما قولك: ما رأينا للترشيح معنى في كلام العلماء، فمن أنت حتى تعرف كلام العلماء؟
وأما الثانية: وهي أن الذي يجعل الوسائط هو الكافر، وأما المجعول فلا يكفر، فهذا كلام تلبيس وجهالة. ومن قال إن عيسى وعزيرًا وعلي بن أبي طالب وزيد بن الخطاب وغيرهم من الصالحين، يلحقهم نقص بجعل المشركين إياهم وسائط؟ حاشا وكلا!: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ١، وإنما كفّرنا هؤلاء الطواغيت، أهل الخرج وغيرهم، بالأمور التي يفعلونها هم؛ منها: أنهم يجعلون آباءهم وأجدادهم وسائط. ومنها: أنهم يدعون الناس إلى الكفر. ومنها: أنهم يبغضون عند الناس دين محمد ﷺ، ويزعمون أن أهل العارض كفروا لما قالوا: لا يعبد إلا الله، وغير ذلك من أنواع الكفر.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام آية: ١٦٤.
[ ٢٣٢ ]
وهذا أمر أوضح من الشمس، لا يحتاج إلى تقرير؛ ولكن أنت رجل جاهل مشرك، مبغض لدين الله، وتلبس على الجهال الذين يكرهون دين الإسلام، ويحبون الشرك ودين آباءهم. وإلا فهؤلاء الجهال، لو أن مرادهم اتباع الحق، عرفوا أن كلامك من أفسد ما يكون.
وأما المسألة الثالثة: وهي من أكبر تلبيسك الذي تلبس به على العوام، أن أهل العلم قالوا: لا يجوز تكفير المسلم بالذنب، وهذا حق، ولكن ليس هذا ما نحن فيه؛ وذلك أن الخوارج يكفّرون مَن زنى أو مَن سرق أو سفك الدم، بل كل كبيرة إذا فعلها المسلم كفر. وأما أهل السنة فمذهبهم: أن المسلم لا يكفر إلا بالشرك. ونحن ما كفّرنا الطواغيت وأتباعهم إلا بالشرك. وأنت رجل من أجهل الناس، تظن أن من صلى وادعى أنه مسلم لا يكفر. فإذا كنت تعتقد ذلك، فما تقول في المنافقين الذين يصلّون ويصومون ويجاهدون؟ قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ١. وما تقول في الخوارج الذين قال فيهم رسول الله ﷺ: " لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد. أينما لقيتموهم فاقتلوهم " ٢. أتظنهم ليسوا من أهل القبلة؟ ما تقول في الذين اعتقدوا في علي بن أبي طالب ﵁ مثل اعتقاد كثير من الناس في عبد القادر وغيره، " فأضرم لهم علي بن أبي طالب ﵁ نارًا فأحرقهم بها، وأجمعت الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس أنكر تحريقهم بالنار، وقال: يقتلون بالسيف ". أتظن هؤلاء ليسوا من أهل القبلة؟ أم أنت تفهم الشرع وأصحاب رسول الله ﷺ لا يفهمونه؟ أرأيت أصحاب رسول الله
_________________
(١) ١ سورة النساء آية: ١٤٥. ٢ البخاري: المناقب (٣٦١١)، ومسلم: الزكاة (١٠٦٦)، والنسائي: تحريم الدم (٤١٠٢)، وأبو داود: السنة (٤٧٦٧)، وأحمد (١/١٣١، ١/١٦٠) .
[ ٢٣٣ ]
ﷺ لما قاتلوا مَن منع الزكاة، فلما أرادوا التوبة، قال أبو بكر: لا نقبل توبتكم حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، أتظن أن أبا بكر وأصحابه لا يفهمون، وأنت وأبوك الذين تفهمون؟ يا ويلك أيها الجاهل الجهل المركب! إذا كنت تعتقد هذا، وأن مَن أمّ القبلة لا يكفر، فما معنى هذه المسائل العظيمة الكثيرة التي ذكرها العلماء في باب حكم المرتد، التي كثير منها في أناس أهل زهد وعبادة عظيمة؟ ومنها طوائف ذكر العلماء أن من شك في كفرهم فهو كافر. ولو كان الأمر على زعمك، لبطل كلام العلماء في حكم المرتد، إلا مسألة واحدة؛ وهي: الذي يصرح بتكذيب الرسول وينتقل يهوديًا، أو نصرانيًا أو مجوسيًا ونحوهم، هذا هو الكفر عندك. يا ويلك! ما تصنع بقوله ﷺ: " لا تقوم الساعة حتى تعبد فئام من أمتي الأوثان " ١. وكيف تقول هذا وأنت تقرّ أن من جعل الوسائط كفر؟ فإذا كان أهل العلم في زمانهم حكموا على كثير من أهل زمانهم بالكفر والشرك، أتظن أنكم صلحتم بعدهم؟ يا ويلك!
وأما مسألة التذكير، فكلامك فيها من أعجب العجاب: أنت تقول: بدعة حسنة، والنبي ﷺ يقول: " كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار " ٢، ولم يستثن شيئًا تشير علينا به، فنصدقك أنت وأبوك لأنكم علماء، ونكذب رسول الله. والعجب من نقلك الإجماع، فتجمع مع الجهالة المركبة الكذب الصريح والبهتان. فإذا كان في الإقناع في باب الأذان قد ذكر كراهيته في مواضع متعددة، أتظن أنك أعلم من صاحب الإقناع، أم تظنه مخالفًا للإجماع؟ وأيضًا، لما جاءك عبد الرحمن الشنيفي أقررت لهم أن التذكير بدعة مكروهة، فمتى هذا العلم جاءك؟
وأما قولك: أمر الله بالصلاة على نبيه على الإطلاق، فأيضًا أمر الله بالسجود
_________________
(١) ١ الترمذي: الفتن (٢٢١٩)، وأبو داود: الفتن والملاحم (٤٢٥٢)، وأحمد (٥/٢٧٨) . ٢ النسائي: صلاة العيدين (١٥٧٨)، وابن ماجة: المقدمة (٤٥)، وأحمد (٣/٣١٩، ٣/٣٧١)، والدارمي: المقدمة (٢٠٦) .
[ ٢٣٤ ]
على الإطلاق في قوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ ١، فيدل هذا على السجود للأصنام؟ أو يدل على الصلاة في أوقات النهي؟
فإن قلت: ذاك قد نهى عنه النبي ﷺ، قلنا وكذلك نهى النبي ﷺ عن البدع، وذكر أن كل بدعة ضلالة، ومعلوم أن هذا حادث من زمن طويل، وأنكره أهل العلم، منهم صاحب الإقناع. وقد ذكر السيوطي فى كتاب الأوائل: أن أول ما حدث التذكير يوم الجمعة لتهيؤ الناس لصلاتها، بعد السبعمائة في زمن الناصر بن قلاوون، فأرنا كلام واحد من العلماء أرخص فيه، وجعله بدعة حسنة؛ فليس عندك إلا الجهل المركب، والبهتان والكذب.
وأما استدلالك بالأحاديث التي فيها إجماع الأمة والسواد الأعظم، وقوله: " من شذ، شذ في النار " ٢، و" يد الله على الجماعة " ٣، وأمثال هذا، فهذا أيضًا من أعظم ما تلبس به على الجهال، وليس هذا معنى الأحاديث بإجماع أهل العلم كلهم؛ فإن النبي ﷺ أخبر أن الإسلام سيعود غريبًا، فكيف يأمرنا باتباع غالب الناس؟ وكذلك الأحاديث الكثيرة، منها قوله: " يأتي على الناس زمان، لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه "، وأحاديث عظيمة كثيرة، يبين ﷺ أن الباطل يصير أكثر من الحق، وأن الدين يصير غريبًا. ولو لم يكن في ذلك إلا قوله ﷺ: " ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة " ٤، هل بعد هذا البيان بيان؟ يا ويلك! كيف تأمر بعد هذا باتباع أكثر الناس؟
ومعلوم أن أهل أرضنا وأرض الحجاز، الذي ينكر البعث منهم أكثر ممن يقر به، وأن الذي يعرف الدين أقل ممن لا يعرفه، والذي يضيع الصلوات أكثر من الذي يحافظ عليها، والذي يمنع الزكاة أكثر ممن يؤديها، فإن كان الصواب عندك
_________________
(١) ١ سورة الحج آية: ٧٧. ٢ الترمذي: الفتن (٢١٦٧) . ٣ النسائي: تحريم الدم (٤٠٢٠) . ٤ أبو داود: السنة (٤٥٩٧)، وأحمد (٤/١٠٢)، والدارمي: السير (٢٥١٨) .
[ ٢٣٥ ]
اتباع هؤلاء، فبيّن لنا! وإن كان عنْزة وآل ظفير وأشباههم من البوادي هو السواد الأعظم، ولقيت في علمك وعلم أبيك أن اتّباعهم حسن، فاذكر لنا! ونحن نذكر كلام أهل العلم في معنى تلك الأحاديث ليتبين للجهال الذين موَّهت عليهم.
قال ابن القيم، ﵀، في إعلام الموقعين: واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو: العالم صاحب الحق، وإن كان وحده، وإن خالفه أهل الأرض. وقال عمرو بن ميمون: سمعت ابن مسعود يقول: " عليكم بالجماعة! فإن يد الله على الجماعة "، وسمعته يقول: " سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصلّ الصلاة وحدك وهي الفريضة، ثم صل معهم فإنها لك نافلة. قلت: يا أصحاب محمد، ما أدري ما تحدثون. قال: وما ذاك؟ قلت: تأمرني بالجماعة، ثم تقول: صل الصلاة وحدك! قال: يا عمرو بن ميمون، لقد كنت أظنك مِن أفقه أهل هذه القرية. أتدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة. والجماعة: ما وافق الحق وإن كنت وحدك ".
وقال نعيم بن حماد: إذا فسدت الجماعة، فعليك بما كان عليه الجماعة قبل أن تفسد الجماعة، وإن كنت وحدك؛ فإنك أنت الجماعة حينئذ. وقال بعض الأئمة، وقد ذكر له السواد الأعظم: أتدري ما السواد الأعظم؟ هو محمد بن أسلم الطوسي وأصحابه.
الذين جعلوا ١ السواد الأعظم والحجة والجمهور والجماعة، فجعلوهم عيارًا على السنة، وجعلوا السنة
_________________
(١) ١ في المصوّرة: وأصحابه، وبين: الذين جعلوا إلخ، مما يدلّ على أنّه كلام مستأنف، وفي بقية النّسخ الكلام متّصل، وباقي المصوّرة أخطر.
[ ٢٣٦ ]
بدعة، وجعلوا المعروف منكرًا لقلة أهله وتفردهم في الأعصار والأمصار، وقالوا: " من شذ، شذ في النار " ١، وعرف المتخلفون ٢ أن الشاذ ما خالف الحق، وإن كان عليه الناس كلهم إلا واحدًا، فهم الشاذون.
وقد شذ الناس كلهم في زمن أحمد بن حنبل إلا نفرًا يسيرًا، فكانوا هم الجماعة، وكانت القضاة يومئذ والمفتون والخليفة وأتباعهم كلهم هم الشاذون، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة. ولما لم تحمل ذلك عقول الناس، قالوا للخليفة: يا أمير المؤمنين، أتكون أنت وقضاتك وولاتك والفقهاء والمفتون على الباطل، وأحمد وحده على الحق، فلم يتسع علمه لذلك، فأخذه بالسياط والعقوبة بعد الحبس الطويل. فلا إله إلا الله، ما أشبه الليلة بالبارحة. انتهى كلام ابن القيم، يا سلامة ولد أم سلامة.
هذا كلام الصحابة في تفسير السواد الأعظم، وكلام التابعين، وكلام السلف وكلام المتأخرين، حتى ابن مسعود ذكر في زمانه أن أكثر الناس فارقوا الجماعة. وأبلغ من هذه الأحاديث المذكورة عن رسول الله ﷺ من غربة الإسلام، وتفرق هذه الأمة أكثر من سبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. فإن كنت وجدت في علمك وعلم أبيك ما يرد على رسول الله ﷺ والعلماء، وأن عنْزة وآل ظفير والبوادي يجب علينا اتباعهم، فأخبرونا.
كتبه محمد بن عبد الوهاب، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
_________________
(١) ١ الترمذي: الفتن (٢١٦٧) . ٢ كذا في الأصول التي بأيدينا، والكلام غير ظاهر.
[ ٢٣٧ ]
الرسالة الخامسة والثلاثون: رسالته إلى عبد الله بن عيسى وأبنة وعبد الله بن عبد الرحمن
-٥- الرسالة الخامسة والثلاثون ومنها رسالة أرسلها إلى مطاوعة أهل الدرعية، وهو إذ ذاك في بلد العيينة، قال فيها: بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب، إلى عبد الله بن عيسى، وابنه عبد الوهاب، وعبد الله بن عبد الرحمن، حفظهم الله تعالى؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، فقد ذكر لي أحمد أنه مشكل عليكم الفتيا بكفر هؤلاء الطواغيت، مثل أولاد شمسان وأولاد إدريس، والذين يعبدونهم مثل طالب وأمثاله.
فيقال: أولًا: دين الله تعالى ليس لي دونكم، فإذا أفتيت أو عملت بشيء وعلمتم أني مخطئ، وجب عليكم تبيين الحق لأخيكم المسلم، وإن لم تعلموا، وكانت المسألة من الواجبات مثل التوحيد، فالواجب عليكم أن تطلبوا وتحرصوا حتى تفهموا حكم الله ورسوله في تلك المسألة. وما ذكر أهل العلم قبلكم، فإذا تبين حكم الله ورسوله بيانًا كالشمس، فلا ينبغي لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يرده لكونه مخالفًا لهواه، أو لما عليه أهل وقته ومشايخه؛ فإن الكفر كما قال ابن القيم في نونيته:
فالكفر ليس سوى العناد وردّ ما جاء الرسول به لقول فلانِ
فانظر لعلك هكذا دون التي قد قالها فتبوء بالخسرانِ
ومتى لم تتبين لكم المسألةن لم يحل لكم الإنكار على من أفتى أو عمل حتى يتبين لكم خطؤه، بل الواجب السكوت والتوقف. فإذا تحققتم الخطأ بينتموه ولم تهدروا جميع المحاسن لأجل مسألة أو مائة أو مائتين أخطأت فيهن، فإني
[ ٢٤٠ ]
لا أدعي العصمة. وأنتم تقرون أن الكلام الذي بينته في معنى "لا إله إلا الله" هو الحق الذي لا ريب فيه، سبحان الله إذا كنتم تقرون بهذا فرجل بيّن الله به دين الإسلام، وأنتم ومشايخكم ومشايخهم لم يفهموه، ولم يميزوا بين دين محمد ﷺ ودين عمرو بن لحي الذي وضعه للعرب، بل دين عمرو عندهم دين صحيح، ويسمونه رقة القلب، والاعتقاد في الأولياء، ومن لم يفعل فهو متوقف لا يدري ما هذا، ولا يفرق بينه وبين دين محمد ﷺ، فالرجل الذي هداكم الله به لهذا إن كنتم صادقين، لو يكون أحب إليكم من أموالكم وأولادكم لم يكن كثيرًا؛ فكيف يقال: أفتى في مسألة الوقف، أفتى في كذا، أفتى في كذا؟ كلها ولله الحمد على الحق، إلا أنها مخالفة لعادة الزمان ودين الآباء.
وأنا إلى الآن أطلب الدليل مِن كل مَن خالفني، فإذا قيل له: استدل، أو اكتب، أو اذكر، حاد عن ذلك وتبين عجزه، لكن يجتهدون الليل والنهار في صد الجهال عن سبيل الله، ويبغونها عوجًا. اللهم إلا إن كنتم تعتقدون أن كلامي باطل وبدعة، مثل ما قال غيركم، وأن الاعتقاد في الزاهد وشمسان والمطيوية والاعتماد عليهم هو الدين الصحيح، وكل ما خالفه بدعة وضلالة، فتلك مسألة أخرى.
إذا ثبت هذا، فتكفير هؤلاء المرتدين، انظروا في كتاب الله من أوله إلى آخره، والمرجع في ذلك إلى ما قاله المفسرون والأئمة. فإن جادل منافق بكون الآية نزلت في الكفار، فقولوا له: هل قال أحد من أهل العلم أولهم وآخرهم: إن هذه الآيات لا تعم من عمل بها من المسلمين؟ من قال هذا قبلك؟ وأيضًا، فقولوا له: هذا رد على إجماع الأمة؛ فإن استدلالهم بالآيات النازلة في الكفار على من عمل بها ممن انتسب إلى الإسلام، أكثر من أن تذكر. وهذا أيضا كلام رسول الله ﷺ
[ ٢٤١ ]
فيمن فعل مثل ١ هذه الأفاعيل، مثل الخوارج العباد الزهاد، الذين يحقر الإنسان الصحابة عندهم، وهم بالإجماع لم يفعلوا ما فعلوا إلا باجتهاد وتقرب إلى الله. وهذه سيرة أصحاب رسول الله ﷺ فيمن خالف الدين، ممن له عبادة واجتهاد، مثل: " تحريق علي ﵁ من اعتقد فيه بالنار، وأجمع الصحابة على قتلهم وتحريقهم إلا ابن عباس، ﵄، خالفهم في التحريق، فقال: يُقتلون بالسيف ".
وهؤلاء الفقهاء من أولهم إلى آخرهم، عقدوا باب حكم المرتد للمسلم إذا فعل كذا وكذا، ومصداق ذلك في هذه الكتب، الذي يقول المخالف: جمعوا فيها الثمر وهم أعلم منا وهم انظروا في متن الإقناع، في باب حكم المرتد، هل صرح أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، أنه كافر بإجماع الأمة؟ وذكر فيمن اعتقد في علي بن أبي طالب دون ما يعتقد طالب في حسين وإدريس أنه لا شك في كفره، بل لا يشك في كفر من شك في كفره. وأنا ألزم عليكم أنكم تحققون النظر في عبارات الإقناع وتقرؤونها قراءة تفهّم، وتعرفون ما ذكر في هذا.
وما ذكر في التشنيع عليَّ من الأصدقاء، عرفتم شيئا من مذاهب الآباء وفتنة الأهواء، إذا تحققتم ذلك وطالعتم الشروح والحواشي، فإذا إني لم أفهمه وله معنى آخر، فأرشدوني. وعسى الله أن يهدينا وإياكم وإخواننا لما يحب ويرضى، ولا يدخل خواطركم غلظة هذا الكلام، فالله سبحانه يعلم قصدي به، والسلام.
_________________
(١) ١ في المخطوطة والمصوّرة: (دون)، وهي الصّحيح.
[ ٢٤٢ ]
الرسالة السادسة والثلاثون: رسالتة إلى الأخوان
-٦- الرسالة السادسة والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الأخوان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، ما ذكرتم من قول الشيخ: كل من جحد كذا وكذا، وقامت عليه الحجة، وأنكم شاكون في هؤلاء الطواغيت وأتباعهم، هل قامت عليهم الحجة، فهذا من العجب؛ كيف تشكون في هذا وقد أوضحته لكم مرارًا؟
فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسألة خفية، مثل الصرف والعطف، فلا يكفّر حتى يعرَّف; وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه، فإن حجة الله هو القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة. ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وبين فهم الحجة؛ فإن أكثر الكفار والمنافقين من المسلمين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ ١.
وقيام الحجة نوع، وبلوغها نوع، وقد قامت عليهم، وفهمهم إياها نوع آخر، وكفرهم ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها. إن أشكل عليكم ذلك فانظروا قوله: ﷺ في الخوارج: " أينما لقيتموهم فاقتلوهم " ٢، وقوله: " شر قتلى تحت أديم السماء " ٣، مع كونهم في عصر الصحابة، ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم، ومع إجماع الناس أن الذي أخرجهم من الدين هو التشدد والغلو والاجتهاد، وهم يظنون
_________________
(١) ١ سورة الفرقان آية: ٤٤. ٢ صحيح البخاري: كتاب المناقب (٣٦١١) وكتاب فضائل القرآن (٥٠٥٧) وكتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم (٦٩٣٠)، وصحيح مسلم: كتاب الزكاة (١٠٦٦)، وسنن النسائي: كتاب تحريم الدم (٤١٠٢، ٤١٠٣)، وسنن أبي داود: كتاب السنة (٤٧٦٧)، وسنن ابن ماجة: كتاب المقدمة (١٧٥)، ومسند أحمد (١/٨١،١/١١٣،١/١٣١،٤/٤٢٤،٥/٣٦) . ٣ الترمذي: تفسير القرآن (٣٠٠٠)، وابن ماجة: المقدمة (١٧٦) .
[ ٢٤٤ ]
أنهم يطيعون الله، وقد بلغتهم الحجة ولكن لم يفهموها. وكذلك " قتل علي ﵁ الذين اعتقدوا فيه، وتحريقهم بالنار "، مع كونهم تلاميذ الصحابة مع مبادئهم وصلاتهم وصيامهم، وهم يظنون أنهم على حق. وكذلك إجماع السلف على تكفير غلاة القدرية وغيرهم، مع علمهم وشدة عبادتهم، وكونهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم لأجل كونهم لم يفهموا.
إذا علمتم ذلك، فإن هذا الذي أنتم فيه كفر ١. الناس يعبدون الطواغيت، ويعادون دين الإسلام، فيزعمون أنه ليس ردة، لعلهم ما فهموا الحجة، كل هذا بين؛ وأظهر مما تقدم الذين حرقهم علي فإنه يشابه هذا.
وأما إرسال كلام الشافعية وغيرهم، فلا يتصور يأتيكم أكثر مما أتاكم. فإن كان معكم بعض الإشكال، فارغبوا إلى الله تعالى أن يزيله عنكم، والسلام.
_________________
(١) ١ كذا في الأصول.
[ ٢٤٥ ]