فيا عُلَمَاء الدّين، قودوا النَّاس وسوقوهم إِلَى هَذَا الْخَيْر سوقا. وَإِلَّا فقد تركتموهم يرتدون على أَعْقَابهم بعد إِذْ هدَاهُم الله ﴿كَالَّذي استهوته الشَّيَاطِين فِي الأَرْض حيران﴾، بينوا للنَّاس، وَإِلَّا فقد كتمتم مَا لَا يحل لكم كِتْمَانه فوقعتم فِي وَعِيد ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس فِي الْكتاب أُولَئِكَ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون﴾ .
يَا علماءنا افعلوا الْخَيْر أمامنا لنتأسى بكم، ثمَّ مرونا بِهِ نسْمع ونطع لكم ونفعل مثل فعلكم، ونجاهد مثل جهادكم، ونأمر كَمَا تأمرون، وننه كَمَا تنهون، ونتعبد كَمَا تتعبدون، ونقتد بكم فِي كل مَا تَفْعَلُونَ، أَو ننم كَمَا تنامون إِلَى يَوْم يبعثون، ثمَّ أَنْتُم الموقفون المسئولون المحاسبون، بَين يَدي ربكُم المعاقبون فاحذروا: ﴿أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون أَنفسكُم وَأَنْتُم تتلون الْكتاب أَفلا تعقلون﴾؟ فقد جَاءَ فِي الحَدِيث: " يجاء بِالرجلِ يَوْم الْقِيَامَة فَيلقى فِي النَّار فتندلق أقتابه فِي النَّار فيدور كَمَا يَدُور الرحا برحاه، فيجتمع أهل النَّار عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَي فلَان مَا شَأْنك؟ أَلَيْسَ تَأْمُرنَا بِالْمَعْرُوفِ وتنهانا عَن الْمُنكر؟ قَالَ: كنت آمركُم بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتيه، وأنهاكم عَن الْمُنكر وآتيه "، وَورد أَيْضا أَنه
[ ٣٩٤ ]
[ﷺ] قَالَ: " مَرَرْت لَيْلَة أسرِي بِي على قوم تقْرض شفاههم بمقاريض من نَار: قَالَ: قلت، من هَؤُلَاءِ؟ قَالُوا خطباء أمتك من أهل الدُّنْيَا مِمَّن كَانُوا يأمرون النَّاس بِالْبرِّ وينسون أنفسهم وهم يَتلون الْكتاب أَفلا يعْقلُونَ " وذكرهما الْبَغَوِيّ وَابْن كثير فِي تفسيريهما. وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ﵁: لَا يفقه الرجل كل الْفِقْه حَتَّى يمقت النَّاس فِي ذَات الله ثمَّ يرجع إِلَى نَفسه فَيكون لَهَا أَشد مقتا. فَالْوَاجِب عَلَيْكُم أَيهَا الْعلمَاء أَن تقتدوا بِنَبِي الله شُعَيْب إِذْ كَانَ يَقُول لِقَوْمِهِ: ﴿وَمَا أُرِيد أَن أخالفكم إِلَى مَا أنهاكم عَنهُ إِن أُرِيد إِلَّا الْإِصْلَاح مَا اسْتَطَعْت﴾ .
وَأَن لَا تنسوا نِدَاء الله سُبْحَانَهُ وخطابه لكم بقوله: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كبر مقتا عِنْد الله أَن تَقولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، وَأَيْضًا آيَة ﴿أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون أَنفسكُم﴾ . وَحَدِيث: " مثل الْعَالم الَّذِي يعلم النَّاس الْخَيْر وَلَا يعْمل بِهِ كَمثل السراج يضيء للنَّاس وَيحرق نَفسه "، ذكره ابْن كثير: وَقَالَ، هَذَا حَدِيث غَرِيب من هَذَا الْوَجْه.