يَا رؤساءنا، أركنتم إِلَى آيَة ﴿عَلَيْكُم أَنفسكُم﴾ وَلَو أَنَّهَا لَا دَلِيل لكم فِيهَا؟ وَلَا تفيدكم الركون إِلَى الرَّاحَة أبدا، فاعلموا تَأْوِيلهَا إِن لم تَكُونُوا علمْتُم، واسمعوا
[ ٤٠٠ ]
إِن لم تَكُونُوا سَمِعْتُمْ، على شَرط أَن تعملوا وَلَا تكتموا، وَالله سُبْحَانَهُ يتَوَلَّى هدايتنا وهدايتكم.
قَالَ الإِمَام الْبَغَوِيّ عِنْد تَفْسِير هَذِه الْآيَة: روينَا عَن أبي بكر الصّديق ﵁ أَنه قَالَ: يَا أَيهَا النَّاس إِنَّكُم تقرءون هَذِه الْآيَة ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا عَلَيْكُم أَنفسكُم لَا يضركم من ضل إِذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وتضعونها فِي غير موضعهَا، وَلَا تَدْرُونَ مَا هِيَ، وَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله [ﷺ] يَقُول: " إِن النَّاس إِذا رَأَوْا مُنْكرا فَلم يغيروه، يُوشك أَن يعمهم الله بعقابه " وَفِي رِوَايَة لتأمرن بِالْمَعْرُوفِ ولتنهون عَن الْمُنكر، أَو ليسلطن الله سُبْحَانَهُ عَلَيْكُم شِرَاركُمْ فليسومونكم سوء الْعَذَاب، ثلم ليدعون الله ﷿ خياركم فَلَا يُسْتَجَاب لكم " قَالَ أَبُو عبيد: خَافَ الصّديق أَن يتَأَوَّل النَّاس الْآيَة غير متأولها، فيدعوهم إِلَى ترك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، فأعلمهم أَنَّهَا لَيست كَذَلِك، وَأَن الَّذِي أذن فِي الْإِمْسَاك عَن تَغْيِيره من الْمُنكر، هُوَ الشّرك الَّذِي ينْطق بِهِ المعاهدون، من أجل أَنهم يتدينون بِهِ وَقد صولحوا عَلَيْهِ، فَأَما الفسوق والعصيان والذنب من أهل الْإِسْلَام فَلَا يدْخل فِيهِ، وَقَالَ مُجَاهِد وَسَعِيد بن جُبَير: الْآيَة فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى، يَعْنِي " عَلَيْكُم أَنفسكُم لَا يضركم من ضل " من أهل الْكتاب فَخُذُوا مِنْهُم الْجِزْيَة واتركوهم، وَعَن ابْن عَبَّاس فِي هَذِه الْآيَة: مروا بِالْمَعْرُوفِ وانهوا عَن الْمُنكر مَا قبل مِنْكُم، فَإِن رد عَلَيْكُم فَعَلَيْكُم أَنفسكُم.
وَقَالَ الإِمَام الْحَافِظ ابْن كثير فِي تَفْسِيره: وَلَيْسَ فِيهَا - أَي الْآيَة - دَلِيل على ترك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، إِذا كَانَ فعل ذَلِك مُمكنا؛ ثمَّ ذكر مَا ذكره الإِمَام الْبَغَوِيّ، وَأسْندَ الحَدِيث وَصَححهُ من عدَّة طرق، ثمَّ ذكر عَن أبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ إِلَى أبي أُميَّة الشَّعْبَانِي قَالَ: أتيت أَبَا ثَعْلَبَة الْخُشَنِي فَقلت لَهُ: كَيفَ تصنع فِي هَذِه الْآيَة؟ قَالَ: أَيَّة آيَة. قلت: قَول الله
[ ٤٠١ ]
تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا عَلَيْكُم أَنفسكُم لَا يضركم من ضل إِذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قَالَ: أما وَالله لقد سَأَلت عَنْهَا خَبِيرا، سَأَلت عَنْهَا رَسُول الله [ﷺ] فَقَالَ: " بل ائْتَمرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهوا عَن الْمُنكر، حَتَّى إِذا رَأَيْت شحا مُطَاعًا وَهوى مُتبعا، وَدُنْيا مُؤثرَة وَإِعْجَاب كل ذِي رَأْي بِرَأْيهِ، فَعَلَيْك بِخَاصَّة نَفسك ودع الْعَوام فَإِن من وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصابر فِيهِنَّ مثل الْقَابِض على الْجَمْر، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مثل أجر خمسين رجلا يعْملُونَ كعملكم " قَالَ عبد الله بن الْمُبَارك: وَزَاد غير عتبَة قيل يَا رَسُول الله، أجر خمسين منا أَو مِنْهُم؟ قَالَ: " بل أجر خمسين مِنْكُم " ثمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب صَحِيح، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيق ابْن الْمُبَارك، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن عتبَة بن أبي حَكِيم، وَقَالَ سعيد بن الْمسيب: إِذا أمرت بِالْمَعْرُوفِ ونهيت عَن الْمُنكر، فَلَا يَضرك من ضل إِذا اهتديت. رَوَاهُ ابْن جرير أه.
يَقُول مُحَمَّد: قد دلّت الْآيَة وتفسيرها النَّبَوِيّ على لِسَان الصّديق، أَن الْأَمر وَالنَّهْي متحتمان وَلَا بُد، وأنهما لَا يتركان أبدا، بل على الْعَالم أَن يَأْمر وَيُنْهِي و﴿من اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لنَفسِهِ وَمن ضل فَإِنَّمَا يضل عَلَيْهَا وَلَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى﴾ فالعالم عَلَيْهِ أَن يبلغ الْعلم وَلَا يَكْتُمهُ و﴿إِن الْهدى هدى الله﴾ فَعَظمُوا وَذكروا وَرَغبُوا واءمروا وأنهوا يَا علماءنا وَلَيْسَ عَلَيْكُم هدَاهُم، بل قد قَالَ الله لنَبيه " لست عَلَيْهِم بمسيطر " " لَيْسَ عَلَيْك هدَاهُم وَلَكِن الله يهدي من يَشَاء " فَإِذا نصحتم وأرشدتم فَلم يقبل مِنْكُم مثلا، وَلَا يكون ذَلِك فلكم من الله عَظِيم الْأجر، وعَلى من أعرض عَن تذكيركم وهدايتكم مَا يسْتَحقّهُ من الله تَعَالَى، وَيَكْفِي المعرضين عَن وعظكم قَول الْمُصْطَفى [ﷺ] لَهُم " أَيّمَا عبد جَاءَتْهُ موعظة من الله فِي دينه فَإِنَّهَا نعْمَة من الله سيقت إِلَيْهِ، فَإِن قبلهَا بشكر وَإِلَّا كَانَت حجَّة من الله عَلَيْهِ لِيَزْدَادَ بهَا إِثْمًا ويزداد الله عَلَيْهِ بهَا سخطًا "
[ ٤٠٢ ]
ذكره فِي الْجَامِع عَن ابْن عَسَاكِر وَعلم لحسنه. وَقَوله تَعَالَى: ﴿سَيذكرُ من يخْشَى ويتجنبها الأشقى الَّذِي يصلى النَّار الْكُبْرَى ثمَّ لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يحيى﴾
وعَلى هَذَا يدل كَلَام الإِمَام النَّيْسَابُورِي فِي تَفْسِيره. وَعَن عبد الله بن الْمُبَارك: أَن هَذِه الْآيَة آكِد آيَة فِي وجوب الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، لِأَن معنى " عَلَيْكُم أَنفسكُم " احفظوها والزموا صَلَاحهَا بِأَن يعظ بَعْضكُم بَعْضًا ويرغبه فِي الْخيرَات، وينفره عَن القبائح والسيئات، لَا يضركم ضلال من ضل إِذا اهْتَدَيْتُمْ فأمرتم بِالْمَعْرُوفِ ونهيتم عَن الْمُنكر، فَإِنَّكُم خَرجْتُمْ عَن عُهْدَة التَّكْلِيف كَمَا قَالَ الله تَعَالَى لرَسُوله [ﷺ]: " فقاتل فِي سَبِيل الله لَا تكلّف إِلَّا نَفسك ".
وَقَالَ الإِمَام الشَّوْكَانِيّ: وَأخرج أَحْمد وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ وَابْن مرْدَوَيْه عَن عَامر الْأَشْعَرِيّ أَنه كَانَ فيهم أعمى فاحتبس على رَسُول الله [ﷺ] ثمَّ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِي [ﷺ] قَرَأت هَذِه الْآيَة: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا عَلَيْكُم أَنفسكُم لَا يضركم من ضل إِذا اهْتَدَيْتُمْ﴾، قَالَ: فَقَالَ لَهُ النَّبِي [ﷺ]: " أَيْن ذهبتم إِنَّمَا هِيَ لَا يضركم من ضل من الْكفَّار إِذا اهْتَدَيْتُمْ " أه.