وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله وَالَّذين آووا ونصروا أُولَئِكَ بَعضهم أَوْلِيَاء بعض، وَالَّذين آمنُوا وَلم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شَيْء حَتَّى يهاجروا - إِلَى قَوْله تَعَالَى - وَالَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله، وَالَّذين آووا ونصروا أُولَئِكَ هم الْمُؤْمِنُونَ حَقًا لَهُم مغْفرَة ورزق كريم، وَالَّذين آمنُوا من بعد وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا مَعكُمْ، فَأُولَئِك مِنْكُم﴾ الخ الْآيَة.
يَقُول مُحَمَّد: فِي هَذِه الْآيَة تحتم الْهِجْرَة وَالْجهَاد بالأموال والأنفس فِي سَبِيل الله، وَمَا كَانَت الْهِجْرَة إِلَّا للْجِهَاد فِي سَبِيل الدعْوَة إِلَى الْإِسْلَام، وإعلاء كلمة الْحق، وَإِبْطَال كلمة الْكفْر، وَنشر شرائع الدّين بِخِلَاف " من كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة ينْكِحهَا، فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ " وفيهَا أَيْضا أبه لَيْسَ مُؤمنا حق الْإِيمَان إِلَّا الَّذين جاهدوا فِي الله ونصروا وانتصروا لكتابه وَسنَن نبيه، وَهَذَا لَا يكون إِلَّا بالمثابرة على الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَهَذَا من أوجب الْوَاجِبَات على الْعلمَاء، فَإِن قَامُوا بِهِ فهم الَّذين ﴿كَانَت لَهُم جنَّات الفردوس نزلا، خَالِدين فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حولا﴾ وَإِن أَعرضُوا عَنهُ ونأوا فالويل لَهُم من وَعِيد ﴿إِن الَّذين يكتمون﴾ ﴿وَمن﴾ (كَانُوا لَا يتناهون عَن مُنكر فَعَلُوهُ لبئس مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فَإِن هَذَا بِعَيْنِه هُوَ الْإِعْرَاض عَن ذكر الله الَّذِي هُوَ كِتَابه، وَقد قَالَ تَعَالَى فِيهِ: ﴿وَمن أعرض عَن ذكري فَإِن لَهُ معيشة ضنكا﴾ وَقَالَ: ﴿وَمن يَعش عَن ذكر الرَّحْمَن نقيض لَهُ شَيْطَانا فَهُوَ لَهُ قرين﴾
[ ٤١٢ ]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله أُولَئِكَ يرجون رَحْمَة الله وَالله غَفُور رَحِيم﴾ أَقُول: المُهَاجر من هجر مَا نهى الله وَرَسُوله عَنهُ، والمجاهد الَّذِي يُجَاهد الْعَدو، ويجاهد الشَّيْطَان، ويجاهد النَّفس على مَا يصلحها وَيصْلح شَأْن الْمُسلمين، وَذَلِكَ بِالْعَمَلِ والدعوة إِلَى الْكتاب الْمُبين وَالسّنة الغراء وَإِظْهَار شَعَائِر الدّين وشرائعه، ففاعل ذَلِك يَرْجُو رَحْمَة الله إِذْ قد أحسن عمله فِي رِضَاهُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ أخبر فِي كِتَابه بذلك فَقَالَ: ﴿إِن رَحْمَة الله قريب من الْمُحْسِنِينَ﴾ وفاعل ذَلِك هُوَ الْمُؤمن المعتصم بِهِ الَّذِي سيدخله الله فِي رَحمته وفضله، وسيهديه ربه صراطًا مُسْتَقِيمًا، كَمَا قَالَ: ﴿فَأَما الَّذين آمنُوا بِاللَّه واعتصموا بِهِ فسيدخلهم فِي رَحْمَة مِنْهُ وَفضل ويهديهم إِلَيْهِ صراطا مُسْتَقِيمًا﴾ فليعمل على ذَلِك الْعلمَاء.