الْحَمد الله وَكفى وَسَلام على عباده الَّذين اصْطفى وَبعد فَإِن الله ﷾ قَالَ: ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس فِي الْكتاب أُولَئِكَ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إِلَّا الَّذين تَابُوا وَأَصْلحُوا وبينوا فَأُولَئِك أَتُوب عَلَيْهِم وَأَنا التواب الرَّحِيم﴾ لهَذَا الْوَعيد الشَّديد، كتبت هَذَا الْكتاب شاكيا جَمِيع الْفُقَرَاء المتصوفة على اخْتِلَاف طرقهم إِلَى رُؤَسَائِهِمْ الْكِبَار مَشَايِخ السجاجيد مُبينًا لكم أَيهَا الشُّيُوخ بعض مَا هم عَلَيْهِ من الْبدع والخرافات والأضاليل والترهات، والجهالات والخزعبلات، ذَلِك لِأَن الدّين الإسلامي الطَّاهِر النقي من شوائب المحدثات وبدع أهل الْجَاهِلِيَّة الأولى شوهوه وقلبوا حقائقه، ومسخوا شرائعه، وهجروا تعاليمه، بل ضربوا بجلالته وأبهته وعظمته وكبريائه ومميزاته عَن سَائِر الْأَدْيَان - عرض الْحَائِط، فَأصْبح فِي نظر
[ ١٨٩ ]
أعدائه دين الْهزْل والسخرية، دين اللَّهْو واللعب، والجهالة والضلالة.
أَعرضُوا عَن كِتَابه الْمُبين الَّذِي فصلت آيَاته، ويسره الله للذّكر، وَعَن سنَن نبيه الَّذِي أُوتِيَ جَوَامِع الْكَلم، وهديه خير الْهدى، مَعَ أَن عباد الْأَوْثَان والأصنام - ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر وَاللات والعزى - لما عرفُوا هَذَا الدّين الْقيم وآمنوا بِهِ وَاتبعُوا نبيه صَار إِيمَان الْوَاحِد مِنْهُم لَو وزن بِإِيمَان أهل الأَرْض جَمِيعًا لرجح عَلَيْهِ، واهتز عرش الرَّحْمَن لمَوْت أحدهم أَلا وَهُوَ سعد بن معَاذ، وَلَقَد كَانُوا يفادون نَبِي الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم، ويناجونه بقَوْلهمْ بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله. وأقسموا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم أَن رَسُول الله [ﷺ] أحب إِلَيْهِم من أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ حَتَّى من أنفسهم الَّتِي بَين جنُوبهم، وَصَدقُوا وَالله. وَعمر لما جَاءَهُ الرجل يتحاكم إِلَيْهِ بعد مَا حكم لَهُ النَّبِي [ﷺ] ضرب عُنُقه، وَكَانُوا على مَا اشْتهر من الْجفَاء وَالْقَسْوَة فَصَارَت أَخْلَاقهم الْقُرْآن وَالسّنة، ومرجعهم فِي جَمِيع أَحْوَالهم إِلَى الْقُرْآن وَالسّنة، ووعظهم وإرشادهم بِالْقُرْآنِ وَالسّنة، وَكَانُوا لَا يعلمُونَ أَبْنَاءَهُم ونساءهم وَلَا يحاجون طوائف الزيغ والضلالة، إِلَّا بِالْقُرْآنِ وَالسّنة، فدينهم الَّذِي بِهِ يدينون، وللتفقه فِيهِ ليل نَهَار يجاهدون، وللحياة وَالْمَوْت عَلَيْهِ يتمنون، إِنَّمَا هُوَ الْكتاب وَالسّنة، فَمَا سادوا وساسوا النَّاس جَمِيعًا، وملكوا ممالك مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا إِلَّا بِهَذَيْنِ الثقلَيْن الْكتاب وَالسّنة. وخاب وربي وخسر قوم عَنْهُمَا عمون، وبغيرهما يتمسكون ويشتغلون، وَمن يرغب عَن خطة مُحَمَّد الَّتِي ارتسمها إِلَّا من سفه، وضل سَعْيه وَلعب بِهِ شَيْطَانه، فصده عَن الصِّرَاط الْمُسْتَقيم.
هَذَا كَانَ دأب الْقَوْم يَا شُيُوخ السجاجيد وسيرهم وسيرتهم، فخلف من بعدهمْ خلف جعلُوا الْحق بَاطِلا، وَالْبَاطِل حَقًا، وشرعوا لَهُم من الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ
[ ١٩٠ ]
الله، فَجعلُوا التَّوْحِيد شركا، والشرك توحيدًا، وَجَاهدُوا فِي إحْيَاء الْبدع، وإماتة السّنَن، وضاربوا بالأحزاب والأوراد والتوسلات الْكتاب وَالسّنة، فترى الْأُمِّيين مِنْهُم يحفظون الاستغاثات والمنظومات والميمية والمنبهجة. وَكَثِيرًا مِمَّا يسمونه بالتخمير، وَهُوَ كَلَام مثل بعر الْبَعِير. ثمَّ إِذا قَامُوا للصَّلَاة رَأَيْتهمْ يصلونَ ب (إِنَّا أحطناك الْكَوْثَر) أَو ب (كل الله أحد) أَو ب (إِن الله على كل شَيْء أدير) أَعنِي أَنهم يحرفُونَ الْقُرْآن بلغتهم العامية وَهُوَ محرم مُبْطل للصَّلَاة.
وَفِي الذّكر يَهْتَز بِشدَّة كالسعفة فِي الرّيح، وَإِذا صلوا نقروا الصَّلَاة نقرًا وَقَالُوا: التَّخْفِيف مَطْلُوب، واللي يؤم بِالنَّاسِ يُخَفف.
والقارئون مِنْهُم يحفظون مائَة حِكَايَة عَن البدوي وَغَيره يَقُولُونَ: إِنَّه وكز دَقِيق الْعِيد وَهُوَ بِمصْر فطرحه خلف جبل " ق " وَأَنه جَاءَ باليسير سرق قُبَّته من بِلَاد الإفرنج، وَأَنه طلب أَن يدْخلهُ الله النَّار فَمَنعه، لِأَنَّهُ لَو دخل النَّار لَصَارَتْ كحشيشة خضراء، وَأَن من زار قَبره غفرت ذنُوبه وَإِن كَانَت مثل زبد الْبَحْر، وَأَن الرِّفَاعِي أخرج لَهُ الرَّسُول ([ﷺ]) يَده من الْقَبْر فصافحه وَقَالَ لَهُ:
(فِي حَالَة الْبعد روحي كنت أرسلها تقبل الأَرْض عني هِيَ نائبتي الخ)
كذبُوا على النَّبِي ([ﷺ]) وَيَقُولُونَ إِن الجيلي ضرب زنبيل الْأَرْوَاح من يَد ملك الْمَوْت فاندلق فَردَّتْ الْأَرْوَاح لأصحابها وَقَالُوا: الدسوقي سمى أَبَا الْعَينَيْنِ لاحتجابه بَين عَيْني النَّبِي ([ﷺ]) - هَذَا وَغَيره مَعَ أَن الْكل عَن الْقَلِيل من فهم الْقُرْآن ﴿صم بكم عمي فهم لَا يعْقلُونَ﴾ .
وَقد وصف الله عباده الْمُؤمنِينَ بقوله: ﴿إِنَّمَا يُؤمن بِآيَاتِنَا الَّذين إِذا ذكرُوا بهَا خروا سجدا وسبحوا بِحَمْد رَبهم وهم لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وَهَؤُلَاء إِذا ذكرُوا بآيَات رَبهم لم يخروا عَلَيْهَا إِلَّا صمًّا وعميانًا، وهم للنطق بِالشَّهَادَتَيْنِ لَا يتقنون وللاستنجاء لَا يعْرفُونَ، وللوضوء لَا يحسنون، وللتيمم وَالْغسْل وَأَحْكَام الْمِيَاه لَا يفقهُونَ وللصلاة هم يسرقون وينقرون، وَفِي أَسمَاء الله هم يلحدون، وَفِي
[ ١٩١ ]
أذكارهم وعباداتهم يحرفُونَ ويلحنون، ويبتدعون ويخترعون، وبلباس الأزياق - الدلوق - والعمائم الْحَمْرَاء والخضراء يفتخرون، ويزعمون أَنهم أهل الْحَقِيقَة، وَأَنَّهُمْ أهل الْكَشْف، وَأَنَّهُمْ أهل الخطوة، وَأَنَّهُمْ الْأَوْلِيَاء الْكِبَار الطيارون، وَأَنَّهُمْ مَعَ بعد دِيَارهمْ فِي الْكَعْبَة يصلونَ، وَلما كتب عَلَيْهِم من الشقوة فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ يمسحون، وَأَنَّهُمْ هم الْقَائِلُونَ:
(شوبش على رجال لَا صَامُوا وَلَا صلوا فرشوا سجاجيدهم على المَاء مَا ابتلوا)
وهم الْقَائِلُونَ:
لسَيِّد الْجيد اللي لتفريج الكروب مَعْدُود فِي الْقَبْر مَا أنساه لَو كَانَ فرشى تُرَاب مَعَ دود
(أَو يَا كعبة الْأَسْرَار أَنْت غياثنا يَا كاشف الكربات يَا شيخ الْعَرَب)
وَكَذَا قَوْلهم:
(عبد الْقَادِر يَا جيلاني يَا ذَا الْفضل وَالْإِحْسَان)
(صرت فِي خطب شَدِيد من إحسانك لَا تنساني)
(وَكَذَا رفاعي لَا تضيعني أَنا المحسوب أَنا الْمَنْسُوب)
(وَكَذَا يَا دسوقي يَا شرِيف قد دَخَلنَا فِي حماك)
(بالْحسنِ ثمَّ الْحُسَيْن خُذ بيد اللي أَتَاك)
وهم لَا غَيرهم الَّذين للأموات ينادون، وبهم يستغيثون، وإليهم دون الله يلجأون ويجأرون، ولمقابرهم يقصدون، وللحج إِلَيْهَا الرّحال يشدون وَلها ينذرون ويذبحون، وحولها يطوفون ولأركانها يستلمون ويقبلون، وللرحمات هُنَاكَ يستنزلون، وبأمدادهم يستمدون. وهم للبيارق يحملون، وبالبازات والطبول يضْربُونَ، وللثعابين والصبار يَأْكُلُون، وللنيران يَزْعمُونَ زورا أَمَام النَّاس أَنهم لَهَا يلعقون، وللحديد كالحواة فِي أفواهم يدْخلُونَ، وهم الشاخرون الناخرون، الراقصون الصارخون المؤحئحون فِي الذّكر المؤفئفون، السابون لغامزهم الشاتمون، وبأفحش الْفُحْش هم الناطقون وهم الَّذين لطلب الْمَعيشَة يتركون، ولأموال النَّاس بِالْبَاطِلِ يَأْكُلُون، وبذكر الله للجريش يلهطون
[ ١٩٢ ]
وهم الْقَائِلُونَ إِن الْعلم حجاب بَين العَبْد وربه، وبلمحة، تقع الصلحة، وبنظرة من المرشد الْكَامِل يصير الشقي وليا، وبنفخة فِي وَجه المريد أَو تفلة فِي فَمه تُطِيعهُ الأفعى، وتحترمه الْعَقْرَب، وهم المقرون بِأَن الْولَايَة لَا ينافيها ارْتِكَاب الْكَبَائِر كلهَا إِلَّا الْكَذِب - وهم أكذب النَّاس - وَأَن الِاعْتِقَاد أولى من الانتقاد، وَأَن الِاعْتِرَاض يُوجب الحرمان، أَي أَن تَحْسِين الظَّن بالفساق والفجار أولى من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر.