وفيه فصلان:
الفصل الأول: المقارنة من حيث أنواع الشرك
الفصل الثاني: المقارنة من حيث توافق أسباب الشرك بين القديم والحديث.
[ ٢ / ١٣١٢ ]
الفصل الأول مقارنة الشرك بين القديم والحديث من حيث أنواعه
[ ٢ / ١٣١٤ ]
الفصل الأول مقارنة الشرك بين القديم والحديث من حيث أنواعه
تم استعراض أنواع الشرك قديمًا وحديثًا في الأبواب السابقة، ومن خلال ما استعرضنا نستطيع أن نقارن بين أنواع الشرك في القديم والحديث من حيث وقوعها في الناس قديمأ وحديثًا على النحو التالي:
المقارنة من حيث وقوع الناس في الشرك في الربوبية قديمًا وحديثًا:
الأولى: الشرك في الربوبية بالتعطيل:
والكلام على التعطيل يأتي على الترتيب الآتي:
أ- تعطيل المصنوع عن صانعه:
ليس عندنا ما يدل على أن الأمم السابقة تورطت بهذا النوع من الشرك على العموم، بل كان في بعض الأفراد كفرعون، والملك الذي حاج إبراهيم في ربه، وإن كان هناك وجود لهذا النوع من الشرك في العرب في الجاهلية، ولكن مظاهره كانت محدودة ومعدودة للغاية، يكاد ينحصر في بعض الناس.
ولكن شرك هذا العصر تميز بسمة بارزة في هذا الجانب، حيث وجد هذا النوع من الشرك بكثرة وغلبة في كثير من نواحي العالم، مع ادعاء أصحابه أنهم على حجة وبرهان، وإن هي إلا سراب ومكابرة وتمرد على فطرة الله التي فطر الناس عليها.
فهذه المقارنة تدلنا على أن الشرك في هذا العصر - المتحضر بزعم أهله - بلغ إلى
[ ٢ / ١٣١٥ ]
أخبث مراتب الشرك وأقبحها؛ حيث إنهم أنكروا الصانع مع دعواهم أنهم بلغوا قمة الحضارة والثقافة وأعلاهما.
ب- الشرك في الربوبية بتعطيل الله عن أسمائه وصفاته وأفعاله:
إننا إذا نظرنا إلى الأمم السابقة رأينا أن هناك طائفة من الناس قد وقعوا في هذا النوع من الشرك.
فبالنسبة للشرك في الربوبية في أسماء الله وصفاته، فقد وقع فيه بعض الأمم مثل قوم عاد الذين أنكروا صفة القدرة لله جل شأنه.
أما بالنسبة للشرك في الربوبية بتعطيل أفعال الله، فكل أمة أنكرت إرسال الرسل والشرع والبعث والحشر والنشر وغيرها من أفعال الله، فقد وقعت فيه لا محالة، وقد كانت الأمم السابقة غالبًا تنكر هذه الأشياء.
وإذا نظرنا إلى شرك العرب في الجاهلية في هذا الجانب، فإننا نراهم قد أشركوا بالله بتعطيل الله عن أسمائه وصفاته وأفعاله. غير أن ظاهرة الشرك بالتعطيل في أسمائه وصفاته لم تكن منتشرة، بل ربما كانت هذه الظاهرة لدى طائفة من طوائفهم، وكذلك في بعض الأسماء والصفات لا في جميعها.
وأما بالنسبة للشرك بتعطيل أفعال الله فقد كان الشرك في هذا الجانب من السمات البارزة للشرك الجاهلي، فإن العرب في جاهليتهم كانوا ينكرون إرسال الرسل والشرع والقدر والبعث والحشر والنشور. فالجاهليون كإخوانهم من الأمم السابقة وقعوا في هذا النوع من الشرك حذو النعل بالنعل، ولعل هذا امتداد من شرك الأمم السابقة.
[ ٢ / ١٣١٦ ]
وإذا نظرنا إلى شرك العصر الحديث فإننا سنرى كثيرًا من الناس قد وقعوا في هذا النوع من الشرك بالله جل شأنه، بل هذا النوع من الشرك قد تقمص أخبث قمصانه في هذه الأمة، وذلك أن الأمم السابقة والجاهليين ما كانوا ينكرون جميع أسمائه وصفاته، بخلاف كثير من الجهمية والمعتزلة والشيغة وغيرهم من الفرق والطوائف التي وجدت في هذه الأمة حيث أنكروا جميع أسماء الله وصفاته، وطائفة منهم أنكروا بعضها، كما كان هناك طائفة أنكرت كثيرًا من أفعاله، وهذه الظاهرة موجودة في العصر الحديث أيضًا، فكم من الناس ما زالوا ينكرون أسماء الله جل وعلا وصفاته بالتعطيل أو بالتمثيل، وكم من الناس ما زالوا ينكرون أفعال الله جل شأنه، من القضاء والقدر، والشرع، والبعث، والحشر والنشر، وغيرها.
جـ- الشرك في الربوبية بتعطيل ما يجب على العبد تجاه ربه من حقيقة التوحيد:
إذا نظرنا إلى الأمم السابقة نرى أن هذه الظاهرة من الشرك لم تكن موجودة فيهم إلا عند فرعون، وهو أول من قال بهذا القول حسب ما علم من المصادر الموثوقة. ثم قال به من قال من اليهود بالحلول في عزرا، والنصارى القائلين بالحلول في عيسى ﵇.
[ ٢ / ١٣١٧ ]
ولا يوجد هذا النوع من الشرك لدى العرب في الجاهلية، إلا ما ذكر عن بعضهم، ولكن الصحيح أن العرب في جاهليتهم أيضًا ما كانوا يشركون بالله بمثل هذه الاعتقادات الماجنة، والمخالفة للفطرة والعقول.
ولكن هذه الظاهرة موجودة بصفة عامة لدى كثير من الناس في العصر الحديث، كالمتصوفة، ومن نحا نحوهم وتأثروا بأقوالهم وآرائهم، وكالمذاهب الأخرى الهدامة الموجودة في العصر الحديث.
الثانية: الشرك في الربوبية بالأنداد (أو بالتمثيل):
والكلام على هذا النوع من الشرك قديمًا وحديثًا يشتمل على النقاط التالية:
أ- من حيث ذاته:
إن كان المقصود به إثبات إلهين متماثلين في الصفات والأفعال، فليس هناك من يثبت إلهين متماثلين في الصفات ولا في الذات لا قديمًا ولا حديثًا.
وإن كان المقصود إثبات إلهين أو آلهة متعددة، فقد كان في الأمم السابقة من أثبت مثل هذه الآلهة، بل كان أغلب الأمم متورطين في هذا الجانب، حيث كانوا يسمون من يعبدونها من دون الله آلهة.
كما كان العرب في جاهليتهم يثبتون مثل هذه الآلهة المزعومة، ويعبدونها من دون الله.
وما زال بعض الناس في العصر الحديث يثبت مثل هذه الآلهة مع الله، وإن كانت هذه الظاهرة ليست منتشرة بصفة عامة إلا لدى بعض الفرق المنتسبة إلى
[ ٢ / ١٣١٨ ]
الإسلام، ولكنها موجودة.
ب - أما من حيث إثبات أسماء الله وصفاته وأفعاله لغير الله من المخلوقات، ومن حيث إثبات أسماء الخلق وصفاتهم وأفعالهم لله:
فباستعراضنا لشرك الأمم السابقة فإننا لم نجد فيهم من أشرك بالله بإثبات أسمائه لغير الله، إلا اليهود والنصارى، فإنهم كما أثبتوا أسماء الله وصفاته وأفعاله للمخلوقين هكذا أثبتوا أسماء المخلوقين وصفاتهم وأفعالهم لله جل شأنه، ولكن هناك من أثبت بعض الصفات لغير الله، كالشرك في القدرة الكاملة لله، كإثبات القدرة الكاملة لأنفسهم من قوم عاد، وظاهره التطير، والسحر في الأمم الأخرى، فهذه الظواهر قد وجدت في الأمم السابقة، ولكن ليست بصفة عامة.
وبالنسبة لشرك العرب في الجاهلية فإننا نراهم قد أثبتوا بعض أسماء الله لغيره سبحانه، والذي يمثل ذلك إثباتهم اسم الرحمن لمسيلمة الكذاب، وأما في إثبات صفات الله لغيره سبحانه فمن أمثلة وقوع العرب في هذا النوع وقوعهم في الطيرة، والسحر والتنجيم، والاستسقاء بالأنواء، والاستقسام بالأزلام، وأخذ الحكم والتشريع من الكهان والصناديد وغيرها.
وأما إثبات أسماء الخلق وصفاتهم وأفعالهم لله جل شأنه، فقد وقع فيه من الأمم السابقة اليهود والنصارى؛ وذلك بإثبات البعث والنوم والنسيان والفقر وغيرها لله سبحانه من اليهود، وإثبات البنوة والأبوة والموت وغيرها لله تعالى
[ ٢ / ١٣١٩ ]
من النصارى، ومن العرب في الجاهلية من وقع في هذا النوع من الشرك بجعل الأصنام من بنات الله، والقول بأن الملائكة من بناته سبحانه، والقول بوجود المصاهرة بن سروات الجن وبين الرب جل شأنه - تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا ـ.
وأما في هذه الأمة وفي العصر الحاضر ففي إثبات الأسماء والصفات والأفعال المختصة بالله لغيره، إذا نظرنا إلى الشرك بإثبات أسماء الله لغيره فلا نجد له وجودًا، ولكن إذا نظرنا إلى الشرك بإثبات صفات الله جل شأنه فإننا نرى أن هذا النوع من الشرك قد عمت البلاد به وطمت، وقد فاق شرك الأمم، وشرك الجاهلية أيضًا في هذا الجانب، فكم من الناس يثبتون صفات الله المختصة به لغيره سبحانه؛ كإثبات صفة القدرة الكاملة بجميع فروعها، وإثبات صفة العلم المحيط الشامل، وإثبات صفة الحكم والتشريع وغيرها لغيره سبحانه.
وأما في جانب إثبات أسماء المخلوقات وصفاتهم وأفعالهم فقد وقع فيه كثيرون؛ منهم: الفلاسفة بتسميته بالعلة، والباطنية بتسميته بالسابق، والمتصوفة وذلك في تسميتهم سبحانه - (هو)، والحداثيون، والقاديانيون.
[ ٢ / ١٣٢٠ ]
المقارنة من حيث وقوع الناس في الشرك في العبادة والألوهية قديمًا وحديثًا:
الشرك في العبادة والألوهية موضع اتفاق بين مشركي الأمم السابقة ومشركي العرب في الجاهلية، وبعض من انتسب إلى الإسلام من مشركي هذه الأمة، وفي العصر الحديث، فالأمم السابقة أشركت بالله بعبادة غير الله سبحانه بصرف أنواع من العبادات، وهكذا نرى العرب في الجاهلية كان شركهم في العبادة لغير الله سواء كانت هذه المعبودات من الآلهة الأرضية من بين إنسان أو جن أو شجر أو حجر أو حيوان أو الهوى أو غيرها، أم كانت هذه المعبودات من الآلهة السماوية من الملائكة أو الأجرام السماوية الأخرى، بصرف أنواع من العبادات سواء كانت هذه العبادات من الأقوال القلبية أو كانت من الأعمال القلبية.
وهكذا نرى مشركي هذه الأمة وهذا العصر يشركون بالله جل شأنه بالمعبودات الأرضيةسواء كانت من الأشياء الحسية أو كانت معنوية، بصرف أنواع من العبادات سواء كانت هذه العبادات من الأقوال القلبية أو كانت من الأعمال القلبية.
ونظرًا لما سبق معنا ستكون هذه المقارنة من جهتين اثنتين:
الأولى: منحيث طبيعة المعبودات.
الثانية: من حيث طبيعة العبادات.
أما الأولى فهي:
المقارنة بين الشرك في القديم والحديث من حيث طبيعة المعبودات:
إذا نظرنا إلى طبيعة المعبودات في الأمم السابقة فإننا نرى أنها ما بين: تماثيل وصور وقبور للصالحين أو الأنبياء أو الملائكة أو الأصنام أو الأوثان أو الأشجار أو الأهواء وغيرها، وبين هياكل ومعابد على خيالهم للأجرام السماوية الكبرى من
[ ٢ / ١٣٢١ ]
الشمس والقمر، والنجوم وغيرها. وهذه المعبودات ما بين محسوس وغير محسوس.
وإذا نظرنا إلى طبيعة المعبودات في العرب فإننا: سنجد أمامنا هذه الأشياء هي نفسها من معبوداتهم.
وبالمقابل إذا نظرنا إلى معبودات مشركي زماننا فإننا نرى أن هذه الأشياء كلها موجودة بحذافيرها، بل زيادة عليه نرى هناك من يعبد الشيطان أيضًا. وهناك من يعبد دستورًا، أو راية، أو قائدًا، أو رئيس حزب، أو علمًا من الأعلام، أو فكرة من الأفكار.
ولكن الغالب على مشركي معاصرينا هو عبادة الهوى، وهو أعظم ما يعصى به الرب جل شأنه في العصر الحاضر.
المقارنة بين شرك القديم والحديث من حيث طبيعة المعبودات:
كما سبق إننا إذا نظرنا إلى طبيعة العبادات في الأمم السابقة، نرى أنهم كانوا يصرفون أنواعًا من العبادات سواء كانت من الأقوال القلبية أو كانت من الأعمال القلبية. ولكن صرف هذه العبادات يتميز بميزتين:
١ - يصرفونها في حالة الرخاء دون الشدائد.
٢ - يصرفونها للأنبياء والأولياء والصالحين، دون الطالحين، بغية التشفع
[ ٢ / ١٣٢٢ ]
والتوسط إلى الله.
هكذا نرى في طبيعة عبادات العرب في الجاهلية أن طبيعة العبادات هي سجود وركوع وحج وطواف وذبح ونذر لغير الله، والمحبة والتوكل والطاعة، والدعاء، والخوف، والرجاء، والنية والإرادة والقصد، وغيرها من الأعمال القلبية. وهم يصرفونها لغير الله مع ملاحظة الميزتين السابقتين، وهما:
١ - يصرفونها لغير الله في حالة الرخاء دون الشدة.
٢ - يصرفونها إلى الصالحين دون الطالحين - على زعمهم - لكي يشفعوا لهم ويتوسطوا لهم إلى الله، ولا يرجون من معبوداتهم فعل أي شيء استقلالًا.
ولكن لو نظرنا إلى طبيعة العبادات لدى مشركي هذه الأمة ومشركي زماننا فإننا سنرى هذه الأشياء كلها موجودة، بل زيادة عليه نجدهم قد فاقوا المشركين الأولين بخصائص، منها:
١ - يصرفونها لغير الله حتى في حال الشدة.
٢ - يصرفونها لكل واحد سواء كان من الأنبياء والصالحين أو كان من الفسقة الفجرة الضالين، بل يعتبرون حصول المقصد - أي التجربة - دليلًا على جواز ذلك.
٣ - يطلبون من غير الله استقلالًا؛ بدعوى وجود القدرة الكاملة لديهم، ووجود العلم المحيط لديهم بكل شيء.
يقول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: (اعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين:
أحدهما: أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء، وأما في الشدة فيخلصون لله الدعاء كما قال تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ
[ ٢ / ١٣٢٣ ]
كَفُورًا). وقوله: (قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ). وقوله: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا) - إلى قوله - (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ). وقوله: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ).
فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه وهي أن المشركين - الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يدعون الله تعالى ويدعون غيره في الرخاء، وأما في الضراء والشدة فلا يدعون إلا الله وحده لا شريك له، وينسون ساداتهم، تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا وشرك الأولين، ولكن أين من يفهم قلبه هذه المسألة فهمًا راسخًا؟ والله المستعان.
الأمر الثاني: أن الأولين يدعون من دون الله أناسًا مقربين عند الله إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة، أو يدعون أحجارًا أو أشجارًا مطيعة لله ليست عاصية، وأهل زماننا يدعون مع الله أناسًا من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك. الذي يعتقد في الصالح أو الذي لا يعصي - مثل الخشب والحجر - أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهد به).
[ ٢ / ١٣٢٤ ]
الفصل الثاني
مقارنة الشرك بين القديم والحديث من حيث توافق الأسباب
[ ٢ / ١٣٢٦ ]
الفصل الثاني مقارنة الشرك بين القديم والحديث من حيث توافق الأسباب
لقد بينا فيما سبق الأسباب التي أوقعت الأمم السابقة في الشرك بأن هناك سببين رئيسين لوقوعهم في الشرك، هما:
الأول: الغلو في المخلوقات.
الثاني: إساءة الظن الناتج عن عدم قدر الله حق قدره.
وإذا نظرنا إلى أسباب الشرك في هذه الأمة وفي العصر الحاضر نجد أن هذين السببين هما أوقعا الناس في الشرك.
فمثلًا: الشرك بالله في الربوبية بتعطيل المصنوع عن صانعه، ما أوقع الناس في هذا النوع من الشرك إلا سوء ظنهم بالله والذي نتج عن عدم قدر الله حق قدره، فالمعطل والدهري والملحد ما استطاع أن يقدر الله حق قدره فأساء الظن به، حيث ظن أن المخلوقات لا صانع لها، وأنه ليس هناك قوة فوقه تسيطر عليه من فوقه، وسوف يحاسبه على هذا الاعتقاد، فلم يدرك حقيقة ذاته ولا أسمائه وصفاته وأفعاله وحكمته، فأساء الظن به، ولم يقدر الصانع قدره الواجب له.
ومن جانب آخر: نرى أنه غلا في بعض المخلوقات سواء كان عقله، أو من يقدسه من الملحدين، أو كان مذهبًا من المذاهب الفكرية، أو رأيًا من أراء الرجال، أو كان هوى من الأهواء الجانحة، فألحد بسبب الغلو في هذه الأشياء المخلوقات، ولم يفتح عينه وبصره ولم ينفد بصيرته إلى أنه لابد لكل ظاهرة في
[ ٢ / ١٣٢٧ ]
الكون من سبب أصلي ينتهي إليه كل شيء؛ لأنه غلا في بعض مظاهر الكون فلم يصعد نظره القاصر إلى ما فوقه، بل صار هذا الغلو حجابًا مانعًا بينه وبين الحقائق الأصلية.
وأما بالنسبة لشرك الربوبية بالتعطيل بتعطيل الله ﷿ عن أسمائه وأوصافه وأفعاله؛ فإننا نرى نفس هذين السببين هما اللذين أوقعاهم في هذا النوع من الشرك.
فمثلًا: إن الذي أشرك بالله في الربوبية بتعطيل أسمائه وصفاته فهو أساء الظن برب العالمين، فعطل أسمائه وصفاته ظنًا منه أن هذه الأسماء والصفات لا تليق بالله سبحانه، وجعله أنقص من مخلوقاته، وذلك لأنه لم يقدر الله حق قدره.
قال ابن القيم ﵀: (هنا أصل عظيم يكشف سر المسألة، وهو أن أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به، فإن المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس، وظن به ما يناقض أسماءه وصفاته، ولهذا توعد الله سبحانه الظانين به ظن السوء بما لم يتوعد به غيرهم، كما قال تعالى: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).
وقال أيضًا: (وقال لمن أنكر صفة من صفاته: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
وقال أيضًا: (ولا قدره حق قدره من نفى حقائق أسمائه الحسنى وصفاته
[ ٢ / ١٣٢٨ ]
العلى، فنفى سمعه وبصره وإرادته واختياره، وعلوه فوق خلقه، وكلامه وتكليمه لمن شاء من خلقه بما يريد).
وقال أيضًا: (وما قدر الله حق قدره من نفى حقيقة محبته ورحمته ورأفته ورضاه وغضبه ومقته، ولا من نفى حقيقة حكمته التي هي الغايات المحمودة المقصودة بفعله، ولا من نفى حقيقة فعله، ولم يجعل له فعلًا اختيارًا يقوم به، بل أفعاله مفعولات منفصلة عنه، فنفى حقيقة مجيئه وإتيانه واستوائه على عرشه، وتكليمه موسى من جانب الطور، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده بنفسه، إلى غير ذلك من أفعاله وأوصاف كماله التي نفوها، وزعموا أنهم بنفيها قد قدروه حق قدره).
وقال في موضع آخر: (ومن ظن به أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل، وتشبيه، وتمثيل، وترك الحق، لم يخبر به، وإنما رمز إليه رموزًا بعيدة، وأشار إليه إشارات ملغزة لم يصرح به، وصرح دائمًا بالتشبيه والتمثيل والباطل، وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم وقواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه، وتأويله على غير تأويله، ويتطلبوا له وجه الاحتمالات المستكرهة، والتأويلات التي هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالكشف والبيان، وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم، لا على كتابه، بل أراد منهم أن لا يحملوا كلامه على ما يعرفون من خطابهم ولغتهم، مع قدرته على أن يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به، ويريحهم من الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل، فلم يفعل، بل سلك بهم خلاف طريق الهدى
[ ٢ / ١٣٢٩ ]
والبيان، فقد ظن به ظن السوء ).
وقال أيضًا: (ومن ظن به أن يكون في ملكه ما لا يشاء ولا يقدر على إيجاده وتكوينه، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن به أنه كان معطلًا من الأزل إلى الأبد عن أن يفعل، ولا يوصف حينئذ بالقدرة على الفعل، ثم صار قادرًا عليه بعد أن لم يكن قادرًا، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظنه به أن لا يسمع ولا يبصر، ولا يعلم الموجودات، ولا عدد السموات والأرض، ولا النجوم، ولا بني آدم وحركاتهم وأفعالهم، ولا يعلم شيئًا من الموجودات في الأعيان، فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن أنه لا سمع له ولا بصر، ولا علم له، ولا إرادة، ولا كلام يقول به، وأنه لم يكلم أحدًا من الخلق، ولا يتكلم أبدًا، ولا قال ولا يقول، ولا له أمر ولا نهي يقوم به، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن به أنه فوق سماواته على عرشه بائنًا من خلقه، وأن نسبة ذاته تعالى إلى عرشه كنسبتها إلى أسفل السافلين، وإلى الأمكنة التي يرغب عن ذكرها، وأنه أسفل، كما أنه أعلى، فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه
وبالجملة: فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه ووصفه به رسله أو عطل حقائق ما وصف به نفسه، ووصفته به رسله، فقد ظن به ظن السوء).
فهذا الكلام كله من ابن القيم ﵀ يدل على ما ذهبنا إليه بأن الذي أوقع الناس في الشرك في الربوبية بتعطيل أسماء الله ﷿ وصفاته إنما هو سوء الظن برب العالمين.
وهكذا الأمر بالنسبة لمن عطل أفعال الله ﷿، فإنه ما عطل أفعاله إلا
[ ٢ / ١٣٣٠ ]
لعدم قدر الله حق قدره، ولسوء الظن به جل شأنه.
يقول ابن القيم: (ومن ظن به أن يترك سدى، معطلين عن الأمر والنهي، ولا يرسل إليهم رسله، ولا ينزل عليهم كتبه، بل يتركهم هملًا كالأنعام، فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن أنه لن يجمع عبيده بعد موتهم للثواب والعقاب في دار يجازي المحسن فيها بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه، ويظهر للعالمين كلهم صدقه وصدق رسله، وأن أعداءه كانوا هم الكاذبين، فقد ظن به ظن السوء.
ومن ظن أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصًا لوجهه الكريم على امتثال أمره، ويبطله عليه بلا سبب من العبد، أو أنه يعاقبه بما لا صنع فيه، ولا اختيار له، ولا قدرة، ولا إرادة في حصوله، بل يعاقب على فعله سبحانه به فقد ظن به ظن السوء).
وقال أيضًا: (وكذلك ما قدره حق قدره من قال: إنه لم يرسل إلى خلقه رسولًا، ولا أنزل كتابًا، بل نسبه إلى ما لا يليق به ولا يحسن منه من إهمال خلقه وتضييعهم وتركهم سدى، وخلقم باطلًا وعبثًا وكذلك لم يقدره حق قدره من زعم أنه لا يحيي الموتى، ولا يبعث من في القبور، ولا يجمع خلقه ليوم يجازي المحسن فيه بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويأخذ للمظلوم فيه حقه من ظالمه ).
وهكذا الأمر بالنسبة للشرك بتعطيل الله عما يجب على العبد من حقيقة
[ ٢ / ١٣٣١ ]
التوحيد، فإنه ما وقع في هذا النوع من الشرك إلا لما لم يقدر الله حق قدره نتيجة سوء الظن به سبحانه. قال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). فمن جعله سبحانه عين الموجوات فلم يقدر الله حق قدره.
قال الإمام ابن القيم: (وكذلك ما قدره حق قدره من لم يصنه عن نتن ولا حش ولا مكان يرغب عن ذكره، بل جعله في كل مكان، وصانه عن عرشه أن يكون مستويًا عليه ثم جعله في كل مكان يأنف الإنسان بل غيره من الحيوان، أن يكون فيه وكذلك لم يقدره حق قدره من جعل له صاحبة وولدًا، أو جعله سبحانه يحل في مخلوقاته، أو جعله عين هذا الوجود).
هكذا نرى أن سبب الشرك في الربوبية بالتعطيل في الغالب إنما هو نتيجة عدم قدر الله حق قدره، وسوء الظن به، ومن جانب آخر: الغلو في تقديس العقول، والآراء والأهواء السائدة في المجتمع وفي العباد والبلاد.
وبهذا يتضح لنا جليًا: توافق أسباب الشرك بين القديم والحديث في الربوبية بالتعطيل. فإننا عند استعراضنا لأسباب الشرك في القديم رأينا نفس هذين السببين هما اللذين أوقعا الناس في القديم في الشرك في الربوبية بالتعطيل.
وإذا نظرنا إلى أسباب الشرك بالأنداد في العصر الحديث سنرى أن الأسباب توافقت بين القديم والحديث، فإننا قد ذكرنا أن الغلو وإساءة الظن بالله هما اللذان أوقعا الناس في القديم في الشرك في إثبات الأنداد في الربوبية وفي الألوهية والعبادة.
[ ٢ / ١٣٣٢ ]
هكذا الأمر بالنسبة للشرك في العصر الحديث، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).
قال ابن القيم: (فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره ممن لا يقدر على خلق أضعف حيوان وأصغره ).
ويقول أيضًا: (فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم، هو على كل شيء قدير، وأنه غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وأنه قائم بالقسط على خلقه، وأنه المنفرد بتدبير خلقه لا يشركه فيه غيره، والعالم بتفاصيل الأمور، فلا يخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده، فلا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته، فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه. وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء، فإنهم يحتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجهم، ويعينهم على قضاء حوائجهم، وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة لحاجتهم وضعفهم وعجزهم وقصور علمهم. فأما القادر على كل شيء، الغني بذاته عن كل شيء، العالم بكل شيء، الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص بحق ربوبيته، وإلهيته، وتوحيده، وظن سوء به).
والمقصود: بيان كون سوء الظن بالله جل شأنه من أهم أسباب الشرك قديمًا
[ ٢ / ١٣٣٣ ]
وحديثًا. فكل من أثبت لغير الله تصرفًا في الكون أو علم الغيب، أو حق التشريع والتحليل والتحريم، أو تعلق قلبه بالغير بالحب والتوكل والطاعة المطلقة، وصرف له من السجود والركوع، والطواف والنذر والذبح والدعاء والاستغاثة، إنما هو من أجل سببين رئيسين، هما:
١ - الغلو في بعض من اعتقد فيه هذه الخصائص حتى أثبت له هذه الأشياء المختصة بالله جل شأنه. وأنزل المخلوق منزلة فوق منزلته فيصرف له شيء من حقوق الله، وهذا الأمر جلي وواضح يبينه ما سبق معنا من إثبات صفة القدرة الكاملة الثابتة لله وحده لبعض المخلوقات، وإثبات صفة العلم لبعض المخلوقات، وإعطاء حق التشريع والتحليل والتحريم لغيره سبحانه، وهكذا تعلق العبادات - سواء كانت من الأقوال القلبية أو من الأعمال القلبية - لغيره سبحانه.
٢ - إساءة الظن بالله جل شأنه، وذلك نتيجة عدم قدر الله حق قدره، فقاس الخالق بالمخلوقات.
والمقصود: أن هذين السببين توافقا لوقوع الناس في الشرك قديمًا وحديثًا.
وبعد أن تمت مقارنة الشرك بين القديم والحديث، فإننا نستطيع أن نصل إلى نتيجة من خلال هذا الاستعراض؛ وهي:
أ- أن الشرك الموجود في العصر الحاضر تفوق على شرك الأمم السابقة، وعلى شرك الجاهلية من حيث الكمية.
ب- ولكن الشرك الذي كان في الأمم السابقة، والذي كان في الجاهلية لدى العرب تفوق على الشرك في هذه الأمة من حيث الكيفية.
[ ٢ / ١٣٣٤ ]
فالشرك في العصور القديمة كان بحيث يغطي على جميع الناس إلا من رحم الله، وهم الأنبياء والدعاة إلى الله، ولكن الشرك في هذه الأمة وفي هذا العصر لا يمكن أن يغطي على جميع الناس؛ وذلك لأن الرسول ﷺ بشرّ ببقاء طائفة من أمته على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي وعد الله، وهم الطائفة المنصورة، وهم طائفة أصحاب الحديث والأثر. فبمقتضى البشارة السابقة لا يقع فيهم الشرك مطلقًا.
[ ٢ / ١٣٣٥ ]